Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كِتَابُ الأَیْمَانِ
للوارث له، يثبت عَقِيبَ المَوْتِ بِلا فَضْلِ، فقد أضاف الطلاق إلى زمان بطلان النكاح؛ فلم
يصح، وكان ينبغي أن تصح إضافة العتقّ إليه إلا أني استحسنت ألاَّ تصح، لأن الإعتاق إزالة
الملكِ، والإزالة تستدعي تقدم الثبوت، والعتق مع الملك لا يجتمعان في محلِّ واحدٍ في زمان
واحدٍ .
ولو قال: إذا مات مولاك فملكتك فأنت حرة، فمات المولى والزوج وارثه - عتقت؛
لأنه أضاف العتق إلى الملك، ولو قال: إذا مات مولاك فملكتك، فأنت طالقٌ لم يقع الطلاق
في قولهم، لأنه إذا ملكها فقد زَالَ النّكَاحُ، فلا يتصور الطلاق، ولو قال رجل لأمته: إذا مات
فلان فأنت حرة، ثم باعها من فلان، ثم تزوجها، ثم قال لها: إذا مات مَوْلاَكِ فأنت طالق
ثنتين، ثم مات المولى وهو وارثه - قال أبو يوسف: يقع الطَّلاَقُ، ولا يقع العتاق، وقال
محمد: لا يقعان جميعاً، وقال زفر: يقع العتاق، ولا يقع الطلاق. أما وقوع الطلاق على قول
أبي يوسف، وعدم الوقوع على مذهب محمد، وعدم ثبوت العتق على قولهما - فلما ذكرنا،
وزفر يقول: وجد عقد اليمين في ملكه، والشرط في ملكه، فما بين ذلك لا يعتبر؛ كمن قال
لأمته: إن دخلت الدَّار فأنت حرة، ثم باعها واشتراها، فدخلت الدار. والله - عز وجل -
أعلم.

كِتَابُ الطَّلاَقِ(١)
قال الشيخ - رحمه الله: الكلام في هذا الكتاب في الأصل يقع في خمسة مواضع: في
بيان صفة الطلاق، وفي بيان قدره، وفي بيان ركنه؛ وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكمه.
(١) الطلاق اسم مصدر لطلّق بالتشديد، ومصدر التطليق ومصدر لطلَق بالتخفيف. يقال: طلقت المرأة طلاقاً
فهي طالق. وكثيراً ما تفرق العرب بين اللفظية عند اختلاف المعنيين تقول: أطلقت إبلي وأسيري وطلقت
امرأتي. فاستعملوا في النكاح التفصيل. ولهذا لو قال لزوجة: أنت مطلقة بالتشديد - كان صريحاً،
وبالتخفيف كان كناية وله معان كثيرة ومنها: الفراق والترك. يقال: طلقت القوم تركتهم ومنه قول الشاعر:
(غطارفة يرون المجد غُنما إذا ما طلق البرم العيالا))
تركهم كما يترك الرجل المرأة . - ومنها التخلية والإرسال. مأخوذ من قولهم: طالق إذا خليت مهملة بغير راع.
وفي حديث ابن عمر: ((والرجل الذي قال لزوجته أنت طالق)) وطلقت الأسير، أي: خليته. وأنشد سيبويه:
((طليق الله لم يمن عليه أبو داود وابن أبي كبير)"
وفي حنين: ((خرج ومع الطلقاء)) هم الذين خلى عنهم يوم فتح مكة، وأطلقهم وفرقهم. وأحدهم طليق وهو
الأسير إذا أطلق سبيله . - ومنها: حل القيد كحل قيد الفرس أو معنوياً كالعصمة؛ فإنها تحل بالطلاق. ومن هذا.
حبس: السجن طلقا، أي بغير قيد: ويقال للإنسان إذا عتق: طليق، أي صار حراً. وقال الجوهري:
((بعير طلق، وناقة طلق، أي غير مقيت، وأطلقت الناقة من العقال فطلقت)).
اصطلاحاً :
عرفه الحنفيةُ بأنه: إزالة النّكَاح الذي هو قَيْدُ معنى.
عرفه الشّافعية بأنه: حَلّ عقد النكاح بلفظ الطَّلاَقِ ونحوه، أو هو: تصرُّف مملوك للزوج يُخدِثه بلا
سبب، فيقطع النكاح.
عرفه المالكيةُ بأنه: إزالة القَيْدِ، وإرسال العِضْمَةِ؛ لأن الزوجة تزول عن الزوج.
وعرفه الحنابلةُ بأنه: حلّ قَيْدِ النكاح أو بعضه.
انظر: الاختيار لتعليل المختار ص ٦٢، التبيين ١٨٨/٢، الدرر ٣٥٨/١، البدائع ١٧٦٥/٤، مغني المحتاج ٣/
٢٧٩، الخرشي على مختصر سيدي خليل ١١/٣، الكافي ٢/ ٥٧١ كشاف القناع ٢٣٢/٥، والمغني ٣٦٣/٧.
والأصل في مشروعية الطلاق. الكتاب. والسنة. وإجماع الأمة .
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ وهذا الخطاب وإن كان خاصاً
بالنبي - ◌َ لير - فهو عام الحكم فيه وفي جميع أمته. فهو من الخاص الذي أريد به العموم. روى قتادة عن
أنس قال: ((طلق رسول الله ◌َل حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى. ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء
فطلقوهن﴾. فقيل له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وهي من زوجاتك في الجنة)).
=
١٨٢

١٨٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
٠٠
وقال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ . - وفي قوله: الطلاق مرتان تأويلان:
=
أحدهما أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث، وأنه يملك الرجعة في الاثنين، ولا يملكها في الثالثة.
وهو قول عرق وقتادة.
والتأويل الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قرء واحدة. وهو قول ابن مسعود، وابن عباس،
ومجاهد، وأبي حنيفة : - وفي قوله ((فإحسان بمعروف أو تسريح بإحسان)» تأويلان.
أحدهما: أن الإمساك بالمعروف الرجعة بعد الثانية والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة. جاء رجل إلى
النبي ◌ُّل فقال: ((الطلاق مرتان فأين الثالثة)) فقال له: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) وهو قول
عطاء، ومجاهد.
التأويل الثاني: أن الإحسان بالمعروف الرجعة بعد الثانية والتسريح بإحسان. هو الإمساك عن رجعتها حتى
تنقضي عدتها وهو قول السدي والضحاك. وقال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح
زوجاً غيره﴾، وقال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما السنة: فروي عن ابن عمر قال قال رسول الله: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) وروي عن
النبي ◌َّطر: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد؛ النكاح، والطلاق، والعتاق)) وروي عن النبي ◌َّ: ((أنه طلق
حفصة واحدة ثم راجعها)) إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة بصحيح الإسناد. وإن كانت آحاداً في نفسها،
لكن المعنى المشترك بينها وهو مشروعية الطلاق متواتر؛ فيكون الطلاق قد ثبت وكل واحد منها على
حدة؛ لأن الفروع تثبت بخير الواحد لقيام الإجماع على وجوب العمل بالظاهر وثبت بالجميع تواتراً عنه
وأما الإجماع؛ فلاتفاق الأمة على مشروعية . - وبذلك علم أن مشروعية الطلاق قطعية الثبوت في الدين،
وأخشى أن يكون إنكاره كفراً.
فإذا ثبتت مشروعية الطلاق بالكتاب والسنة، وما يعقبهما من إجماع الأمة - فنقول: تعتري الطلاق أحكامٌ
خمسةٌ.
الأول: الإباحة. وقد استبعد النووي وجود صوت تأخذ حكمها بمعنى مستوى الطرفين، ولكن صورها
إمام الحرمين بطلاق من لا يميل إليها ميلاً كاملاً ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها.
الثاني: الندب؛ وذلك فيما إذا عجز عن القيام بحقوقها، أو عند عدم الميل إليها بالكلية، أو كانت غير
عفيفة، سواء خاف الفجور بها أو لا، خلافاً للرملي، حيث قال ((ما لم يخش الفجور بها لو طلقها، فلا
یکون مندوباً بل مباحاً».
وكتب عليه الشبراملي: ((لأن في إبقائها صوناً لها في الجملة، ثم قال وينبغي أنه إن علم فجور غيره بها لو
طلقها، وانتفاء ذلك ما دامت في عصمته حرمة طلاقها، ما لم يتأذ بها تأذياً لا يحتمل عادة))، وكذا يندب
فيما إذا كانت سيئة الخلق، بحيث لا يصبر على عشرتها عادة، وإلا فقليل أن توجد امرأة غير سيئة
الخلق. ففي الخبرة ((المرأة الصالحة في النساء كالغراب الأعصم)) أي الأبيض الجناحين، وهذا كناية عن
ندرة وجودها. وكذا يندب عند أمر أحد أبويه، إذا لم يكن على وجه التعنت، لكما هو شأن الحمقى من
الآباء.
=

١٨٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
روي عن ابن عمر قال: ((كان تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيتُ، فذكر
=
ذلك للنبي ب لإ فقال: ((يا عبد الله بن عمر، طلّق امرأتك))، وهذا دليل صريح يقتضي أنه يندب للرجل
إذا أمره أبوه بطلاق زوجته، أن يطلقها، وإن كان يحبها، فليس ذلك عذراً له في ترك السنة .
- ويلحق بالأب الأم؛ لأن النبي ◌َّل قد بين أن لها من الحق على الولد ما يزيد على حق الأب؛ لما في
حديث: ((مَن أبر يا رسول الله، فقال أمك، ثم سأله فقال أمك، ثم سأله، فقال أمك، وأباك)). وحديث:
((الجنة تحت أقدام الأمهات)».
الثالثة: الوجوب. وذلك في صور، منها: الإيلاء، فيتخير بين الوطء والكفارة عن اليمين، وبين الطلاق .
فإن امتنع عن أحدهما طلق عليه الحاكم . - ومنها: طلاق الحكمية عند الشقاق بين الزوجين.
الرابع: الحرمة، وذلك فيما إذا طلق بدعياً، وسيأتي - لتضررها بطول مدة التربص، أو لندم الزوج إذا
وجدته حاملاً. ولقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أي: في الوقت الذي يشرعن فيه
في العدة . - وفي الصحيحين: ((أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ◌َّ، فقال
مرة فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها قبل أن
يجامع، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)).
الخامس: الكراهة. وذلك لمستقيمة الحال السالمة مما مر، لما في طلاقها من قطع النكاح المطلوب
للشارع، ولقوله ◌َّير: ((ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق)). رواه أبو داود بإسناد صحيح،
والحاكم وصححه، وفي رواية صحيحة: ((أبغض الحلال إلى اللَّه الطَّلاَقُ)). والمقصود من إثبات بغضه
تعالى له زيادة التنفير عنه، لا حقيقته . - والمرادُ بالحلال المكروه فإنه حلال بمعنى جائز، لكنه مبغوض
لله تعالی منھی عنه.
وأول من سن الطلاق للعرب هو سيدنا إسماعيل بن سيدنا إبراهيم (عليهما السلام)، وقد كان الجاهليون
يستعملون لفظ الطلاق، وغيره في حل العصمة - لكن لا إلى حد، بل كان الرجل إذا أراد مضارة زوجته
طلقها، حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها، وهكذا لا يقض عند حد، ولا يتقيد بعدد.
ولما جاء الدين الإسلامي الحنيف أقرهم على الطلاق - ولكنه خل ذلك السيف الذي كان مسلولاً بيد الرجل
يسطو به على المرأة كلما أراد. فأقتضت حكمته البالغة أن يقيد الطلاق، وأن تكون الرجعة بعد اثنتين منها .
روى هشام بن عروة عن أبيه قال: ((كان الرجل يطلق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها .
كانت زوجته، فغضب رجل من الأنصار على زوجته، فقال لها: لا أقربك، ولا تخلصين مني، فقالت:
وكيف؟ فقال أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك، قال: فشكت ذلك إلى رسول الله و لو فنزل قوله تعالى:
﴿الطلاقُ مَرَّتَانٍ ... ﴾ الآية.
وقال الشافعي رضي الله عنه: ((سمعت من أهل العلم بالقرآن، أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث،
الطلاق، والظهار، والإيلاء، فأقر الله الطلاق طلاقاً، وحكم في الظهار، والإيلاء بما جاء به القرآن)).
ويقرب مما كان عند العرب ما جاء في شريعة موسى (عليه السلام)، فقد جاءت التوراة بإباحة الزوجة
لزوجها بعد الطلاق ما لم تتزوج. فإذا تزوجت حرمت عليه أبداً، ولم يبق له سبيل إليها. وفي ذلك من
الحكمة التي علمها الله في كل زمان. ولكل أمة ما لا يخفى - فإن الزوج إذا علم أنه لو طلق المرأة،
وصار أمرها بيدها، وأن لها أن تنكح زوجاً غيره، وأنها إذا تزوجت حرمت عليه أبداً - كان تمسكه بها
أشد، وحذره من مفارقتها أعظم.
=

١٨٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالها.
=
ثم جاءت شريعة الإنجيل بالمنع من الطلاق بعد التزوج ألبتة. فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلقها.
ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق،
وأجلها، وأفضلها، وأعلاها، وأقومها بمصالح العباد في المعاسن والمعاد - بأحسن من ذلك كله، وأكمل
موافقة للعقل والمصلحة، لأن الله سبحانه وتعالى أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، وأباح لها من
الطيبات ما لم يجد لأمة غيرها، فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعاً، وأن يتسرى من الإماء بما
شاء. ثم أكمل لعبده شرعه، وأسبل عليه نعمه بأن ملكه أن يفارق امرأته، ويأخذ غيرها. فانظر فرق ما
بين هذه الشريعة الكاملة، وبين الشريعتين المنسوختين يتبين لك عظم هذه الشريعة، وهيمنتها على سائر
الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمها، وأحسنها وأنفعها للخلق.
وليس أدل على عدل هذه الشريعة، واستقامة حججها من أن الأمم التي تدين بغير الإسلام، والتي حرم
عليها رجال دينها الطلاق - قد نظرت في الأمر نظراً مجرداً عن العصبية والمكابرة، ويحنث هذه الشريعة
الحقة، فرأت أن تبيح الطلاق بعد الخطر التام، وهم وإن كانوا قد قيدوا إباحتهم هذه بقيود ليس كلها مما
ينص عليها الإسلام، يبرهنون بهذا العمل على أن الإسلام هو دين الفطرة، أعزه الله، وأعلى كلمته.
حكمة مشروعة الطلاق.
إن عقدة النكاح من أعظم نعم الله تعالى، فهي تقرب البعيد، وتؤلف بين الأشتات والمتعادين، وتربط
العائلات بعضها ببعض، بها تتكون الأسر، ومن الأسر تتكون الأمم، وبها يكتسب الإنسان أنصاراً،
ويتخذ أعواناً، وهي مع هذا سبب في الفقه، وصيانة الدين، ولهذا كله، ولما لم نتعرض لذكره من
المزايا - حث الشارع عليها، ورغّب فيها، ودعا إليها، والأحاديث في ذلك مشهورة.
وإن لزاماً على من يسر الله المؤنة، وحباه الاستطاعة أن يعمل على استكمال دينه باختيار الزوجة
الصالحة، التي تحفظه إذا غاب، وتسره إذا حضر، وتكون له عوناً على نوائب الدهر، والسعيد في هذه
الحياة الدنيا من يوفقه الله تعالى إلى سلوك الجادة في هذا السبيل.
ولما كانت النظم الاجتماعية في الأمم التي تدين بالإسلام مختلفة. فيها النافع والضار، والذي يمكن
احتماله، والذي لا يطيقه الإنسان إلا بالمشقة والحرج الشديدين، وكان من هذه النظم ما يتعلق باختيار
الزوجة وأساليب العيش في الحياة الزوجية، وكان من الناش من يندفع من أول الأمر جارياً وراء أمل أو
رغبة، سرعان ما يتبين له شدة خطئه في تقديره شرع الله لنا الطلاق، حتى إذا تعذرت الحياة الهانئة
الهادئة - أمكن للمسلم أن يفر من غصص الحياة وأكدارها بما جعله الله له فرجاً، ومخرجا من الضيق،
ولم يجعلها غلاً في عنقه، وقيداً في رجله، وأصراً على ظهره، إذ لعلها لا تصلح له ولا توافقه، فملكه
أن يفارقها ويأخذ غيرها.
إذ لو ألجأه الشارع إلى معاشرتها لتشوشت عليه حياته، ولا اضطرب عليه نظام سيره، حيث يرى نفسه
مرغماً على المعاشرة مع من لا تسمح نفسه بنفقتها، ولا تطيب نفسه أن يعهد إليها بمقاليد أموره، من
تربية طفل، إلى تدبير منزل، إلى غير ذلك مما جرت العادة بأن ترعاه الزوجة.
ولذلك ترى أهل الشريعة العيسوية كثيراً ما يلتمسون الحيل للتخلص من زوجاتهم حتى اضطر بعض
دولهم إلى سن قانون وضعي للطلاق، استأنسوا في كثير من أحكامه بالشريعة السمحة، مما يشهد
بملاءمتها لمصالح العباد في معاشهم، ومعادهم.

١٨٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أما الأول: فالطلاق بحق الصفة نوعان: طلاق سنة، وطلاق بدعة، وإن شئت قلت:
طلاق مسنون، وطلاق مكروه.
أما طلاق السنة فالكلام فيه في موضعين :
أحدهما: في تفسير طلاق السنة أنه ما هو.
والثاني: في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاقُ السنة.
أما الأول: فطلاق السنة نوعان: نوع يرجع إلى الوقت، ونوع يرجع إلى العدد، وكل
واحد منهما نوعان: حسن وأحسن، ولا يمكن معرفة كل واحد منهما إلا بعد معرفة أصناف
النساء، وهن في الأصل على صنفين: حرائر، وإماء، وكل صنف على صنفين: حائلات
وحاملات، والحائلات على صنفين: ذوات الأقراء ذوات الأشهر، إذا عرف هذا فنقول ـ وبالله
التوفيق: أحسن الطلاق في ذوات القرء؛ أن يطلقها طلقة واحدة رجعية في طهر، لا جماع فيه
ولا طلاق، ولا في حيضة طلاق ولا جماع، ويتركها حتى تنقضي عدتها ثلاث حيضات، إن
كانت حرة، وإن كانت أمة حيضنان.
والأصل فيه ما روي عن ابراهيم النخعي - رحمه الله؛ أنه قال: كان أصحاب رسول
الله وَله يستحسنون ألا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة.
وفي رواية أُخرى: قال في الحكاية عنهم: وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل
ثلاثة في ثلاثة أطهار، وهذا نص في الباب ومثله لا يكذب؛ ولأن الكراهة لمكان احتمال
الندم، والطلاق في طهر لا جماع فيه دليل على عدم الندم؛ لأن الطهر الذي لا جماع فيه زمان
كمال الرغبة، والفحل لا يطلق امرأته في زمان كمال الرغبة إلا لشدة حاجته إلى الطلاق،
فالظاهر أنه لا يلحقه الندم فكان طلاقه لحاجة فكان مسنوناً، ولو لحقه الندم فهو أقرب إلى
التدارك من الثلاث في ثلاثة أطهار؛ فكان أحسن، وإنما شرطنا أن يكون في طهر لا طلاق
ولم يجعل الله سبحانه وتعالى الطلاق موكولاً إلى الشهوة ومجرد الرغبة، بل حذر من ارتكابه، إلا أن
=
يكون أخف الضررين، وأهون الشّرين. قد ورد في تنفير المسلمين من الطلاق، وترغيبهم في استيقاء
عقدة النكاح ما أمكن أحاديث كثيرة كلها ناطقة بما أجملنا الإشارة إليه. من ذلك قوله وَلير: ((أبغض
الحلال إلى الله الطلاق))، وقوله (صلوات الله عليه وسلامه) ((ما زال جبريل يوصيني بالنساء، حتى ظننت
أنه سيحرم طلاقهن)). وقوله (عليه أفضل صلاة، وأجمل سلام) ((أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير
بأس فحرام عليها رائحة الجنة)).
فكل هذه الأحاديث تدل على أن الطلاق وإن كان حلالاً مشروعاً، لا يجوز ارتكابه إلا لمصلحة، بأن
يشتد النزاع، أو تسود المعاشرة، أو يخاف الزوجان ألا يقيما حدود الله تعالى.
ينظر نص كلام شيخنا بدوي محمد في فتح الخلاق في أحكام الطلاق.

١٨٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فيه؛ لأن الجمع بين الطلقات الثلاث أو الطلقتين في طهر واحد - مكروه عندنا، وإنما شرطنا
ألا يكون في حيضة جماع ولا طلاق؛ لأنه إذا جامعها في حيض هذا الطهر احتمل أنه وقع
الجماع معلقاً، فيظهر الحبل؛ فيندم على صنيعه، فيظهر أنه طلق لا لحاجة، وإذا طلقها فيه:
فالطلاق فيه بمنزلة الطلاق في الطهر الذي بعده؛ لأن تلك الحيضة لا يعتد بها، ولو طلقها في
الطهر يكره له أن يطلقها أُخرى فيه؛ فكذا إذا طلقها في الحيض ثم طهرت.
وأما في الحامل إذا استبان حملها: فالأحسن أن يطلقها واحدة رجعية، وإن كان قد
جامعها، وطلقها عقيب الجماع؛ لأن الكراهة في ذوات القرء؛ لاحتمال الندامة لا لاحتمال
الحبل، فمتى طلقها مع علمه بالحبل، فالظاهر أنه لا يندم، وكذلك في ذوات الشهر من الآيسة
والصغيرة الأحسن أن يطلقها واحدة رجعية، وإن كان عقيب طهر جامعها فيه، وهذا قول
أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يفصل بين طلاق الآيسة والصغيرة، وبين جماعهما بشهر.
وجه قوله: أن الشهر في حق الآيسة والصغيرة أقيم مقام الحيضة فيمن تحيض، ثم
يفصل في طلاق السنة بين الوطء، وبين الطلاق بحيضة [فيمن تحيض](١)، فكذا يفصل بينهما
فيمن لا تحيض بشهر؛ كما يفصل بين التطليقتين.
ولنا أن كراهة الطلاق في الطهر الذي وجد الجماع فيه في ذوات الأقراء؛ لاحتمال أن
تحبل بالجماع فيندم، وهذا المعنى لا يوجد في الآيسة والصغيرة وإن وجد الجماع، ولأن
الإياس والصغر في الدلالة على براءة الرحم فوق الحيضة في ذوات الأقراء، فما جاز الإيقاع
ثمة عقيب الحيضة؛ فلأن يجوز هنا عقيب الجماع أولى.
وأما الحسن في الحرة التي هي ذات القرء؛ أن يطلقها ثلاثاً في ثلاثة أطهار لا جماع
فيها؛ بأن يطلقها واحدة في طهر لا جماع فيه، ثم إذا حاضت حيضة أخرى وطهرت - طلقها
أُخرى، ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، وإن كانت أمة طلقها واحدة، ثم إذا حاضت
وطهرت طلقها أُخرى، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنة، إلا أن
يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها.
وجه قوله: أن الطلاق المسنون هو الطلاق لحاجة، والحاجة تندفع بالطلقة الواحدة؛
فكانت الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث تطليقاً من غير حاجة؛ فيكره؛ لهذا أكره الجمع
كذا التفريق؛ إذ كل ذلك طلاق من غير حاجة.
ولنا قوله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: ثلاثاً في ثلاثة أطهار؛ كذا فسره
(١) سقط في ط.

١٨٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
رسول الله ◌َ﴿ فإنه روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ
الْخَيْضِ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِوََّ، فقال النبي ◌َِّ: ((أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ رَبُّكَ:
إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الظُّهْرَ اسْتِقْبَالاً، فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله
تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)) (١) فسر رسول الله وَّر الطلاق للعدة بالثلاث في ثلاثة أطهار، والله -
(١) أخرجه مالك (٥٧٦/٢) كتاب الطلاق: باب ما جاء في الإقراء (٥٣) والبخاري (٣٤٥/٩) كتاب الطلاق
حديث (٥٢٥١) ومسلم (٢/ ١٠٩٣) كتاب الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها حديث (١/
١٤٧١) وأحمد (٥٤٢٦/٢) والشافعي (٢/ ٣٢ -٣٣) كتاب الطلاق: باب ما جاء في أحكام الطلاق
حديث (١٠٢، ١٠٤) والدارمي (١٦٠/٢) كتاب الطلاق: باب السنة في الطلاق، والطيالسي (١٨٥٣)
وأبو داود (٢/ ٦٣٢، ٦٣٤) كتاب الطلاق باب طلاق السنة حديث (٢١٧٩) والنسائي (١٣٨/٦) كتاب
الطلاق: باب وقت الطلاق للعدة، وابن ماجه (٦٥١/١) كتاب الطلاق باب الطلاق السنة حديث
(٢٠١٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) (٧٣٤) والمروزي في ((السنة)) (٢٤٠) والدارقطني (٤/ ٦-١١)
كتاب الطلاق والخلع والإيلاء، والبيهقي (٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤) كتاب الخلع والطلاق: باب ما جاء في طلاق
السنة -، وابن حبان ( ٤٢٤٩- الإحسان) والبغوي في ((شرح السنة)) (٥/ ١٤٨ - بتحقيقنا) من طرق عن
نافع عن ابن عمر به.
أخرجه البخاري (٥٢١/٨) كتاب التفسير: باب سورة الطلاق حديث (٤٩٠٨) ومسلم (١٠٩٤/٢) كتاب
الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق حديث (٤، ١٤٧١/٥) وأبو
داود (٢ / ٦٣٤ - ٦٣٥) كتاب الطلاق: باب في طلاق السنة حديث (٢١٨١، ٢١٨٢) والنسائي (١٣٨/٦)
كتاب الطلاق: باب وقت الطلاق والترمذي (٤٧٩/٣) كتاب الطلاق: باب ما جاء في طلاق السنة حديث
(١١٧٦) وابن ماجه (٦٥٢/١) كتاب الطلاق: باب الحامل كيف تطلق حديث (٢٠٢٣) والدارمي (٢/
١٦٠) كتاب الطلاق: باب السنة في الطلاق وابن الجارود (٧٣٦) وأبو يعلى (٣٢٩/٩) رقم (٥٤٤٠)
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار والدار قطني (٧٢٦/٤) كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره والبيهقي
(٣٢٤/٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في طلاق السنة وطلاق البدعة، من طرق سالم بن عبد الله بن
عمر عن أبيه به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه البخاري (٢٦٤/٩) كتاب الطلاق: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق حديث (٥٢٥٢)
ومسلم كتاب الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... حديث (١٤٧١/١٢،١١) وأحمد
(٢/ ٦١، ٧٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٥٢/٣) وابن الجارود (٧٣٥) والدار قطني (٤ / ٥-٦)
كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره من طريق شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر قال: طلق ابن عمر
امرأته وفي حائض فذكر عمر للنبي وَّ فقال: ليراجعها قلت: تحتسب قال: فمه.
وأخرجه البخاري (٢٦٤/٩) كتاب الطلاق: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق حديث (٥٢٥٣)
والنسائي (١٤١/٦) كتاب الطلاق: باب الطلاق بغير العدة والطيالسي (١٦٠٥) وعبد الرزاق (٣٠٨/٦)
رقم (١٠٩٥٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٥٢/٣) والبيهقي (٣٢٧/٧) من طريق سعيد بن جبير
عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله وَير حتى طلقها وهي طاهر.
وأخرجه البخاري (٢٦٩/٩) كتاب الطلاق: باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق حديث =

١٨٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
عز وجل - أمر به، وأدنى درجات الأمر للندب، والمندوب إليه يكون حسناً؛ ولأن رسول
اللهِ وَّ نص على كونه سنة؛ حيث قال: إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً، فتطلقها لكل
طهر تطليقة .
والدليلُ عليه ما روي عن ابراهيم النخعي في حكايته عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم
- أجمعين - وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل امرأته ثلاثاً فى ثلاثة أطهار، وإذا كان
ذلك أحسن من هذا - كان هذا حسناً في نفسه ضرورة، وأما قوله: إن الثانية والثالثة تطليق من
غير حاجة - فممنوع؛ فإن الإنسان قد يحتاج إلى حَسْم باب نكاح امرأته على نفسه؛ لما ظهر له
أن نكاحها ليس بسبب المصلحة له دنيا ودَيناً، لكن يميل قلبه إليها لحسن ظاهرها، فيحتاج إلى
الحسم على وجه ينسد باب الوصول إليها، ولا يلحقه الندم، ولا يمكنه دفع هذه الحاجة
بالثلاث جملة واحدة؛ لأنها تعقب الندم عسى، ولا يمكنه التدارك فيقع في الزنا، فيحتاج إلى
إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار؛ فيطلقها تطليقة رجعية في طهر لا جماع فيه، ويجرب نفسه أنه
هل يمكنه الصبر عنها فإن لم يمكنه راجعها، وإن أمكنه طلقها تطليقة أخرى في الطهر الثاني،
ويجرب نفسه، ثم يطلقها، ثالثة في الطهر الثالث؛ فينحسم باب النكاح عليه من غير ندم يلحقه
ظاهراً أو غالباً، فكان إيقاع الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث/ طلاقاً لحاجة؛ فكان مسنوناً ١٦٠
على أن الحكم تعلق بدليل الحاجة لا بحقيقتها؛ لكونها أمراً باطناً لا يوقف عليه إلا بدليل،
فيقام الطهر الخالي عن الجماع مقام الحاجة إلى الطلاق؛ فكان تكرار الطهر دليل تجدد
الحاجة؛ فيبنى الحكم عليه، ثم إذا وقع عليها ثلاث تطليقات في ثلاثة أطهار - فقد مضى من
عدتها حيضتان إن كانت حرة؛ لأن العدة بالحيض عندنا، وبقيت حيضة واحدة، فإذا حاضت
حيضة أُخرى فقد انقضت عدتها، وإن كانت أمة فإن وقع عليها تطليقتان في طهرين - فقد
مضت من عدتها حيضة، وبقيت حيضة واحدة(١)، فإذا حاضت حيضة أُخرى فقد انقضت
عدتها، وإن كانت من ذوات الأشهر طلقها واحدة رجعية، فإذا مضى شهر طلقها أُخرى، ثم
(٥٢٥٨) ومسلم (١٠٩٦/٢، ١٠٩٧) كتاب الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها حديث (٩،
=
١٠/ ١٤٧١) وأبو داود (٦٦٢/١) كتاب الطلاق: باب في طلاق السنة حديث (٢١٨٣) والنسائي (٦/
١٤١) كتاب الطلاق: باب الطلاق بغير العدة ما يحتسب منه على الطلاق والترمذي (٤٧٨/٣) كتاب
الطلاق واللعان: باب ما جاء في طلاق السنة حديث (١١٧٥) وابن ماجه (١/ ٦٥٠) كتاب الطلاق: باب
طلاق السنة حديث (٢٠٢٢) وعبد الرزاق (٣٠٩/٦) رقم (١٠٩٥٩) والطيالسي (١٦٠٣) والطحاوي (٣/
٥٢) والبيهقي (٧/ ٣٢٥ -٣٢٦) من طريقين عن أبي غلاب يونس بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل
طلق امرأته وهي حائض فقال: تعرف ابن عمر؟ أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي ◌َّة
فذكر ذلك له فأمره أن يراجعها فإذا طهرت فأراد أن يطلقها فيطلقها قلت: فهل عد ذلك طلاقاً قال أرأيت
إن عجز واستحمق.
(١) من أ: أخرى.

١٩٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إذا مضى شهر طلقها أُخرى، ثم إذا كانت حرة فوقع عليها ثلاثة تطليقات، ومضى من عدتها
شهران، وبقي شهر واحد من عدتها - فإذا مضى شهر آخر فقد انقضت عدتها .
وإن كانت أمة، ووقع عليها تطليقتان في شهر، وبقي من عدتها نصف شهر فإذا مضى
نصف شهر - فقذ انقضت عدتها، وإن كانت حاملاً؛ فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف
يطلقها ثلاثاً للسنة، ويفصل بين كل تطليقة بشهر، وقال محمد: لا يطلق الحامل للسنة إلا
طلقة واحدة، وهو قول زفر.
وذكر محمد - رحمه الله - في الأصل: بلغنا ذلك عن عبد الله بن مسعود، وجابر بن
عبد الله، والحسن البصري - رضي الله تعالى عنهم - ولا خلاف في أن الممتد طهرها لا تطلق
للسنة إلا واحدة.
وجه قول محمد وزفر: أن إباحة التفريق في الشرع متعلقة بتجدد فصول العدة؛ لأن كل
قرء في ذوات الأقراء فصل من فصول العدة، وكل شهر في الآيسة والصغيرة فصل من فصول
العدة، ومدة الحمل كلها فصل واحد من العدة؛ لتعذر الاستبراء به في حق الحامل، فلم يكن
في معنى مورد الشرع فلا يفصل بالشهر؛ ولهذا لم يفصل في الممتد طهرها بالشهر؛ كذا ههنا.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف قوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بَإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: ٢٢٩] شرع الثلاث متفرقات من غير فصل بين الحامل والحائل، أما شرعية طلقة وطلقة،
فبقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾؛ لأن معناه دفعتان، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وشرعية
الطلقة الثالثة بقوله - عز وجل: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، أو بقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ
تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ من غير فصل؛ ولأن الحامل ليست من ذوات الأقراء؛
فيفصل بين طلاقيها بشهر كالآيسة والصغيرة، والجامع أن الفصل هناك بشهر؛ لكون الشهر
زمان تجدد الرغبة في العادة، فيكون زمان تجدد الحاجة، وهذا المعنى موجود في الحامل
فيفصل، فأما كون الشهر فصلاً من فصول العدة - فلا أثر له؛ فكان من أوصاف الوجود لا من
أوصاف التأثير؛ إنما المؤثر ما ذكرنا، فينبني الحكم عليه، وما ذكر محمد - رحمه الله - في
الأصل لا حجة له فيه؛ لأن لفظ الحديث: ((أَفْضَلُ طَلاَقِ الْحَامِلِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةَ، ثُمَّ يَدَعَهَا؛
حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا))، وبه نقول: إن ذلك أفضل، ولا كلام فيه.
وأما الممتد طهرها فإنما لا تطلق للسنة إلا واحدة؛ لأنها من ذوات الأقراء؛ لأنها قد
رأت الدم، وهي شابة لم تدخل في حد الإياس، إلا أنه امتد طهرها لداء فيها يحتمل الزوال
ساعة فساعة، فبقي أحكام ذوات الأقراء فيها، ولا تطلق ذوات الأقراء(١) في طهر لا جماع فيه
للسنة إلا واحدة، والله - عز وجل - أعلم.
(١) في أ: القروء.

١٩١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو طلق امرأته تطليقة واحدة في طهر لا جماع فيه، ثم راجعها بالقول في ذلك الطهر -
فله أن يطلقها في ذلك الطهر في قول أبي حنيفة وزفر.
وقال أبو يوسف: لا تطلق في ذلك الطهر للسنة، وهو قول الحسن بن زياد، وقول محمد
مضطرب، ذكره أبو جعفر الطحاوي مع قول أبي حنيفة، وذكره الفقيه أبو الليث مع قول أبي
يوسف، ولو أبانها في طهر لم يجامعها، ثم تزوجها - له أن يطلقها في ذلك الطهر بالإجماع.
وجه قول أبي يوسف: أن الطهر طهر واحد، والجمع بين طلاقين في طهر واحد - لا
يكون سنة كما قبل الرجعة.
ولأبي حنيفة؛ أنه لما راجعها فقد أبطل حكم الطلاق، وجعل الطلاق كأنه لم يكن في
حق الحكم، ولأنها عادت إلى الحالة الأولى بسبب من جهته، فكان له أن يطلقها أُخرى؛ كما
إذا أبانها في طهر لم يجامعها فيه، ثم تزوجها.
وعلى هذا الخلاف إذا راجعها بالقبلة، أو باللمس عن شهوة، أو بالنظر إلى فرجها عن
شهوة .
وعلى هذا/ الخلاف إذا أمسك الرجل امرأته بشهوة، فقال لها في حال الملامسة بشهوة؛ ٦٠ب
بأن كان أخذ بيدها لشهوة: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وذلك في طهر لم يجامعها فيه؛ أنه يقع
عليها ثلاث تطليقات على التعاقب للسنة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - فتقع التطليقة الأولى،
ويصير مراجعاً لها بالإمساك عن شهوة، ثم تقع الأخرى ويصير مراجعاً بالإمساك، ثم تقع
الثالثة .
وعند أبي يوسف: لا يقع عليها للسنة إلا واحدة، والطلاقان الباقيان إنما يقعان في
الطهرين الباقيين وهذا إذا راجعها بالقول، أو بفعل المس عن شهوة، فأما إذا راجعها بالجماع؛
بأن طلقها في طهر لا جماع فيه، ثم جامعها حتى صار مراجعاً لها، ثم إذا أراد أن يطلقها في
ذلك الطهر - ليس له ذلك بالإجماع؛ لأن حكم الطلاق قد بطل بالمراجعة، فبقي ذلك الطهر
طهراً مبتدأً جامعها فيه، فلا يجوز له أن يطلقها فيه. هذا إذا راجعها بالجماع، فلم تحمل منه،
فإن حملت منه - فله أن يطلقها أُخرى في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر.
وعند أبي يوسف: ليس له أن يطلقها حتى يمضي شهر من التطليقة الأولى، أبو يوسف
يقول: هذا طهر واحد، فلا يجمع فيه بين طلاقين كما في المسألة الأولى، وهم يقولون: إن
الرجعة أبطلت حكم الطلاق وألحقته بالعدم، وكراهة الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه لمكان
الندم لاحتمال الحمل، فإذا طلقها مع العلم بالحمل لا يندم؛ كما لو لم يكن طلقها في هذا
الطهر، ولكنه جامعها فيه فحملت - كان له أن يطلقها لما قلنا؛ كذا هذا.

١٩٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو طلق الصغيرة تطليقة، ثم حاضت وطهرت قبل مضي شهر - فله أن يطلقها أُخرى في
قولهم جميعاً؛ لأنها لما حاضت فقد بطل حكم الشهر؛ لأن الشهر في حقها بدل من الحيض،
ولا حكم للبدل مع وجود المبدل، وأما إذا طلق امرأته وهي من ذوات الأقراء، ثم أيست - فله
أن يطلقها أُخرى حتى تيأس في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يطلقها حتى يمضي
شهر .
وجه قوله: أن هذا طهر واحد، فلا يحتمل طلاقين، ولأبي حنيفة أن حكم الحيض قد
بطل باليأس، وانتقل حالها من العدة بالحيض إلى العدة بالأشهر، وذلك يفصل بين التطليقتين
كالانتقال من الشهور إلى الحيض في حق الصغيرة، وهذا التفريع إنما يتصور على الرواية التي
قدرت للإياس حدّاً معلوماً خمسين سنة أو ستين سنة، فإذا تمت هذه المدة بعد التطليقة - جاز
له أن يطلقها أُخرى عند أبي حنيفة لما ذكرنا، فأما على الرواية التي لم تقدر للإياس مدة
معلومة، وإنما علقته بالعادة - فلا يتصور هذا التفريع.
ولو طلق امرأته في حال الحيض، ثم راجعها، ثم أراد طلاقها - ذكر في الأصل: أنها إذا
طهرت، ثم حاضت، ثم طهرت - طلقها إن شاء.
وذكر الطحاوي؛ أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة.
وذكر الكرخي أن ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة، وما ذكره في الأصل قول أبي
یوسف ومحمد.
وجه ما ذكر في الأصل ما روي أن النبي بَّ قال لعمر - رضي الله تعالى عنه - لما طلق
ابنه عبدُ الله امْرَأَتَهُ في حالة الحيضِ: ((مُرْ ابْنَكَ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَدَعَهَا إِلَى أَنْ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، ثُمَّ
تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ(١)، أمره وَّر بترك الطلاق إلى غاية
الطهر الثاني، فدل أن وقت طلاق السنة هو الطهر الثاني دون الأول؛ ولأن الحيضة التي طلقها
فيها غير محسوبة من العدة، فكان إيقاع الطلاق فيها كإيقاع الطلاق في الطهر الذي يليها(٢)،
ولو طلق في الطهر الذي يليها - لم يكن له أن يطلق فيه أخرى؛ كذا هذا.
وجه ما ذكره الطحاوي؛ أن هذا طهر لا جماع فيه ولا طلاق حقيقة؛ فكان له أن يطلقها
فيه كالطهر الثاني.
وأما الحديث فقد روينا أن النبي ◌َّ قال لعبد الله بن عمر: ((أَخْطَأْتَ السّنّةَ، مَا هَكَذَا أَمَرَكَ
(١) ينظر الحديث السابق.
(٢) في أ: بينا.

١٩٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الله تَعَالَى، إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الظُّهْرَ اسْتِقْبَالاً فتطلقها لِكُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً)). جعل ◌َّ الطلاق
في كل طهر طلاقاً على وجه السنة، والطهر الذي يلي الحيضة طهر فكان الإيقاع فيه إيقاعاً على
وجه السنة؛ فيجمع بين الروايتين، فتحمل تلك الرواية على الأحسن، لأنه وَّالة أمر بالتطليقة
الواحدة في طهر واحد لا جماع فيه، وهذا أحسن الطلاق، وهذه الرواية على الحسن؛ لأنه أمره
بالثلاث في ثلاثة أطهار جمعاً بين الروايتين؛ عملاً بهما جميعاً(١) بقدر الإمكان.
فضل في ألفاظ طلاق السنة
وأما بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة(٢): فالألفاظ التي يقع بها طلاق السنة نوعان:
نص ودلالة .
(١) في ط: جمعاً.
(٢) مذهب الشافعية ومن لف لفهم ينقسم الطلاق باعتبار المطلقة إلى سُني، وبدعي. وهذا التقسيم يجامع
التقسيم المتقدم، وليس مبايناً له وللقوم هنا اصطلاحان: الأول: وهو المشهور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
سني، ويدعي، ولا سني ولا بدعي، ولنشرع في تعريف كل قسم فنقول.
السني: طلاق موطوءة: أو نحوها، تعتد بأقراء تبتديها عقبه، بشرط ألا يكون وطئها في طهر طلقها فيه،
أو علّق طلاقها بمضي بعضه، ولا في نحو حيض قبله، ولا في نحو حيض طلق مع آخره، أو علّق به فقد
اشتمل التعريف على أربعة قيود.
أولها: أن تكون موطوءة، أو أدخلت ماءه المحترم.
ثانيها: أن تعتد بالأقراء، بأن تكون حائلاً، أو حاملاً من زناً وهي تحيض.
ثالثاً: أن تبتديها الأقراء عقبه، بأن يحصل الطلاق أثناء طهر، أو آخر حيض.
رابعها: أن لا يطأها في طهر طلقها فيه، أو علق طلاقها بمضي بعضه، ولا في حيض أو نحوه قبله، ولا
في نحو حيض طلق مع آخره، أو علّق بأخره فقد اشتمل هذا القيد على نفي الوطء في خمسة أشياء،
ويحصول الوطء في واحد منها ينتفي هذا القيد. ثم إن القيدين الأولين مقسم لكلّ من السنيّ، والبدعيّ
والتمييز بينهما إنما هو بحسب القيدين الأخيرين. فإن وجدا كان سنياً. وإن انتفيا أو أحدهما كان بدعيًّا.
وإن انتفى الأولان أو أحدهما - كان لا سني ولا بدعي، وبذلك يمكن تعريف كل منهما.
البدعي: طلاق موطوءة تعتد بأقراء لم تبتديها الأقراء عقبه، أو وطئها في واحد من الخمسة المتقدمة؛
كطلاق الحائض، والطاهر التي قد جومعت في طهرها. وإنما كان طلاق الحائض بدعيًّا؛ لأنها طلقت في
زمان لا يحسب من عدتها. وأما المجامعة في طهرها؛ فلإشكال أمرها هل علقت منه فتعتد بالوضع، أو
لم تعلق فتعتد بالأقراء؛ وسيأتي زيادة توضيح على الاصطلاح الثاني.
الذي لا سنة فيه ولا بدعة: طلاق غير المدخول بها، ومن عدتها بغير الأقراء، كالحامل، والصغيرة،
والآية؛ لأن غير المدخول بها، لا عدة عليها، وعدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الصغيرة والآية
بالأشهر، فلا تختلف بحيض أو طهر، ولا إشكال كما تقدم في البدعيّ.
وإذا انقسم الطلاق على هذه الأقسام الثلاثة، فقسمان منها مجمع على وقوع الطلاق فيهما، وهما طلاق
السنة؛ وما لا سنة فيه ولا بدعة، والثالث مختلف فيه وهو البدعيّ، فهو محظور محرم باتفاق، واختلف =
بدائع الصنائع ج٤ - م١٣

١٩٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
في وقوعه مع تحريمه فمذهبنا. أنه واقع وإن كان محرماً، وهو قولُ الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء.
وحكي عن الشيعة وبعض أهل الظاهر، وذهب إليه ابن حزم أنه غير واقع، وحكاه ابن العربي عن إبراهيم
ابن إسماعيل بن علي، وهو من فقهاء المعتزلة.
استدلوا أولاً بما رواه ابن جريج عن أبي الزبير؛ أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر: كيف ترى
في رجل طلق امرأته حائضاً، فقال ابن عمر «طلق ابن عمر امرأته حائضاً على عهد رسول الله وَالر، فسأل
عمر عن ذلك رسول الله * فقال إن عبد اللّه طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله فردها عليّ ولم يرها
شيئاً)). ويجاب عنه بأن هذا الحديث ضعيف، لتفرد أبي الزبير به. مع أن قوله: ((لم يرها شيئاً)) يحتمل.
لم يرها شيئاً مستقيماً، لكونها لم تكن على السنة، أو يكون معناه، لم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة، أو
لم يرها شيئاً لا يقدر على استدراكه، لأنه قد بين أنه يستدرك بالرجعة .
واستدلوا ثانياً بأنه طلاق وقع في وقت تحريمه، فلا يصحُ كالنكاح إذا وقع في وقت تحريمه، لأن النكاح
قد يحرم في وقت العدة والإحرام؛ كما يحرم الطلاق في وقت الحيض والطهر المجامع فيه. وقياس ثانٍ؛
بأنه طلاق فيه مخالفة الله تعالى، فأولى ألا يقع؛ كمن وكل وكيلاً بطلاق زوجة في الطهر، فطلقها في
الحيض، فإنه لا يقع لأجل مخالفة. ويجاب عن القياس الأول بأن الطلاق أوسع حكماً، وأقوى نفوذاً من
النكاح؛ لوقوع الطلاق مباشرة وسراية، ومعجلاً ومؤجلاً، وبصفة، ولا يصح النكاح على مثله، فجاز أن
يقع في وقت تحريمه، وإن لم يصح عقد النكاح في وقت تحريمه، ويجاب عن قياسهم على الوكيل؛ بأن
الوكيل إذا خالف الإذن - زالت وكالته، ولا يرجع بعد زوالها إلى ملك، فرد تصرفه، والزوج إذا خالف
رجع بعد المخالفة إلى ملك، فنفذ تصرفه.
ودليلنا: ما رواه الشافعي، عن مالك، عن نافع عن ابن عمر: «أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد
رسول الله ◌َّ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله وَلقر عن ذلك فقال: ((مُره فلْيراجعها، ثم يمسكها حتى
تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طَلَّقَ قبل أن يمَس، فتلك العدة التي أمر الله
تعالى أن يطلق لها النساء)». فموضوع الدليل أمره بمراجعتها، فلو لم يقع لم تكن رجعة، لأن الرجعة لا
تكون إلا بعد طلاق. فإن قيل أمره بالرجعة إنما هو أمر بردها إليه. قلنا: هذا تأويل فاسد من وجوه.
أحدها: أن الرجعة بعد ذكر الطلاق تنصرف إلى رجعة الطلاق، لأن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية
يقدم على حمله على حقيقته اللغوية، كما تقرر في أصول الفقه. ثانيها: أن ابن عمر صرح في روايات
مسلم، وغيره بأنه حسبها عليه طلقة. ثالثها: أن ما ذكر إخراجها فيؤمر بردها، وإنما ذكر الطلاق فكان
منصرفاً إلى رجعتها. رابعها: أن المسلمين جعلوا طلاق ابن عمر هذا أصلاً في طلاق الرجعة، وحكم
وقوع الطلاق في الحيض، ولم يتأولوا هذا التأويل، فبطل ((بالإجماع)).
وروى الحسن عن عبد الله بن عمر قال: ((طلقت امرأتي وهي حائض طلقة، وأردت أن أتبعها طلقتين،
فسألت النبي وَلّر عن ذلك فقال ((راجعْها)) قلتُ: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً قال ((كنتَ قد أنبت زوجتك،
وعصيت ربك)). وهذا نص في وقوع الطلاق في الحيض لا يتوجه عليه هذا التأويل المعلول.
ومن القياس: أنه طلاق مكلف صادف ملكاً، فوجب أن يقع كالطاهر - ولأن رفع الطلاق تخفيف،
ووقوعه تغليظ، لأن طلاق المجنون لا يقع تخفيفاً، وطلاق السكران يقع تغليظاً، لأن المجنون ليس
بعاصٍ، والسكران عاصٍ، فكان المطلق في الحيض أولى بوقوع الطلاق تغليظاً من رفعه تخفيفاً .. ولأن
النهي إذا كان لمعنى لا يعود إلى المنهي عنه لم يكن النهي موجباً لفساد ما نُهي عنه، كالنهي عن البيع =

١٩٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقت نداء الجمعة، كذلك النهي عن الطلاق في الحيض، إنما هو لأجل تطويل العدة؛ لا لأجل الحيض،
=
فلم يمنع النهي من وقوع الطلاق فيه.
الاصطلاح الثاني: وهو أضبط ينقسم الطلاق إلى قسمين. سُنيّ، وبدعيّ. والمراد بالسنيّ، الجائز، نسبة
إلى السنة بمعنى الطريقة المشروعة، فالطلاق عليها مشروع غير حرام. فيشمل الواجب والمندوب،
والمكروه والجائز.
والمراد بالبدعيّ، الحرام، نسبة إلى البدعة، أيّ الشيء الذي لم يعرف في الشرع، فالطلاق الموصوف به
غير مشروع حرام، فيكون القسم الثالث الذي لا ولا داخلاً في السنيّ. وجرى على هذا الاصطلاح
صاحب المنهاج؛ حيث قال: الطلاق ضربان، سنيّ وهو الجائز، وبدعيّ وهو الحرام، فلا واسطة بينهما.
وإذ جرينا على هذا فلْنبين أولاً البدعيّ، فيكون السنيّ ما عداه.
البدعي. قسمان. الأول: طلاق موطوءة ولو في الدبر، أو استدخلت ماء المحترم في حيض أو نفاس.
فخرج الفسخ وعتق الأمة المستفرشة، وحرمته لمخالفته قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُومِنَّ
لعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وبقية الحيض لا تحسب من العدة. والحكمة فيه،
تضررها بطول مدة التربص. لكن إن تحققت رغبتها فيه، لم يحرم. ومن ثم لو خالفت نفسها لم يحرم،
لحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة، حيث افتدت بالمال، وقد قال تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ
بِهِ﴾. أما لو خالعها أجنبي ففيه وجهان: الأصح: حرمة خلعه في الحيض؛ لأن خلعه لا يقتضي
اضطرارها إليه. الثاني: يجوز خلعه وهو غير بدعيّ؛ لأن بذل المال يُشعر بالضرورة. أما لو أوقت له في
اختلاعها وكان بمالها، اتجه أنه كاختلاعها، وإن كان بماله فكاختلاعه، فعلى هذا إن سألت زوجها
الطلاق في الحيض وطلقها. فالأصحّ: الحرمة؛ لأنها قد تسأله كاذبة كما هو شأنهن. وقيل. لا يحرم؛
لرضاها بطول مدة التربص. ورد بأنه هو أنكر الطلاق في الحيض ولم يستفصل.
ولو علق طلاقها بصفة، يُنظر إلى وقت الصِّفةِ. فإن وجدت حالة الطهر فسنيّ، وإلّ فبدعيّ لا إثم فيه،
وقال الرافعي: ((إن وجدت الصفة باختيان أثم بإيقاعه في الحيض؛ كإنشائه الطلاق فيه)).
ولو قال: أنت طالق مع آخر حيضك ففيه وجهان: الأصحّ: أن سنيّ لاستعقابه الشروع في العدة؛ بناءٍ
على أن القرء الطهرُ المحتوس بدمين، وهو الأظهر في باب العدة. الثاني: بدعيّ، بناءً على أن القرء
الانتقال من الطهر إلى الحيض، فلا يستعقب الشروع في العدة. وإن قال لها: أنت طالق مع آخر طهر
معين لم يطأ فيه فوجهان أيضاً. الأرجح: أنه بدعيّ؛ لأنه لا يستعقب الشروع في العدة بناءً على الراجح
من تفسير القرء. وقيل: سنيّ، بناءً على مقابلة. فإذا لم يعين الطهر بل أطلقه حُمل على الطهر الذي يلي
التعليق، وقيل يحمل على الطهر الذي قبل موتها.
القسم الثاني: من أقسام البدعيّ، طلاق من يتأنى حملها، بأن لا تكون صغيرة ولا آية في طهر وطىء فيه.
ولم يظهر حمل - لخبر ابن عمر الآتي. والمعنى فيه احتمال العلوق المؤدّي إلى الندم عند ظهور الحمل.
فإن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل، وقد لا يتيسر له ردها، فيتضرر هو والولد. ويحل خلعها نظير
ما مرّ في الحائض، وقيل: يحرم؛ لأن المنع هنا لرعاية الولد، فلم يؤثر فيه الرضا، بخلافه في الحائض.
ويرد بأن الحرمة ليست لرعاية الولد وحده، بل العلةُ مركبةٌ من ذلك مع ندم الزوج، وبأخذ العوض يتأكد
داعية الفراق، ويبعد احتمال الندم، وكذا يحلُّ طلاق من ظهر حملها؛ لأن ظهور الحمل ببعد احتمال
الندم. ولو كانت الحامل ترى الدم، وقلنا هو حيض - لم يحرم طلاقها؛ لأن عدتها بوضع الحمل . =

١٩٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
١٦١
أما النص: فنحو أن يقول: أنت طالق/ للسنة، وجملة الكلام فيه (١): أن الرجل إذا قال
لامرأته - وهي مدخول بها: أنت طالق للسنة ولا نية له؛ فإن كانت من ذوات الأقراء وقعت
تطليقة للحال؛ إن كانت طاهراً من غير جماع، وإن كانت حائضاً أو في طهر جامعها فيه - لم
تقع الساعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت بها تطليقة واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق للسنة إيقاع
تطليقة بالسنة المعرفة باللام؛ لأن اللام الأولى للاختصاص، فيقتضي أن تكون التطليقة مختصة
بالسنة، فإذا أدخل لام التعريف في السنة، فيقتضي استغراق السنة، وهذا يوجبُ تمحضها (٢)
سنة، بحيث لا يشوبها معنى البدعة؛ أو تنصرف إلى السنة المتعارفة فيما بين الناس.
= ولو وطئ حائضاً وطهرت وطلقها طاهراً من غير وطء في الطهر فوجهان، الأصح: أنه بدعيٍّ فيحرم؛
لاحتمال العلوق في الحيض المؤدّي إلى الندم كما تقدم الثاني: لا يكون بدعيّاً ولا يحرم؛ لإشعار بقية
الحيض ببراءة الرحم. ورد باحتمال أن تكون بقية الحيض مما دفعته الطبيعة أولاً وهيأته للخروج.
ومن طلق بدعيًّا، سُن له مراجعتها؛ لحديث الصحيحين ((أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ
للنبي (وَّه)) فقال: ((مُره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسكها، وإن شاء
طلقها قبل أن يجامع، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)). فلو لم تكن الرجعة مستحقة لم يأمر
الرسول وَ ل# عمر أن يأمر ابنه بالرجعة - ولأنها ترفع الاثم المتعلق بها، إذ بها ينقطع التحريم على قول، أو يرتفع
من أصله، فهي بمنزلة التوبة. والحق به طلاق الموطؤة في الطهر، ويبقى الاستحباب إلى انتهاء ذلك الطهر
والحيض الذي يليه، دون ما بعده؛ لانتقالها إلى حالة يحل فيها طلاقها، هذا مذهبنا، وصرح في ((الروض))
بكراهة ترك الرجعة - لصحة الخبر فيه - ولأن الخلاف في الوجود حيث كان قويًّا، يقوم مقام النهي عن الترك.
وقال مالك، وأحمد في رواية بوجوبها لما تقدم من الأدلة. ويجاب عن الحديث بأن الأمر بالأمر
بالشيء، ليس أمراً بذلك الشيء، كما تقرر في علم الأصول، وإلا لكان أمر الشخص بأن يأمر فلاناً
بضرب عبده تعدّياً. وأيضاً قوله وَلجر: ((مروا أولادكم بالصلاة)) ليس أمراً منه للأولاد. وليس في قوله:
((فَلِيراجَعَها)) أمر لابن عمر؛ لأنه تفريع على أمر عمر، فالمعنى فليراجعها لأجل أمرك لكونك والده،
واستفادة الندب حينئذٍ من القرينة. أو يقال: إنه لما لم يأمره بنفسه، وجعل عمر هو الآمر له بقوله «مُرْهُ
فَلْيراجعَها)) دلّ على أن الأمر معدولٌ به عن الوجوب إلى الاستحباب؛ لأنه عدل به عمر تجب أوامره إلى
من لا تجب أوامره. ويجاب عن الثاني؛ بأن كون الشيء بمنزلة الواجب في خصوصيته من خصوصياته لا
يقتضي وجوبه. وبأن رفع الاثم لا ينحصر في الرجعة لحوله له بمسامحتها.
ودليلنا، على عدم قوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٌ﴾ حيث خير بين الرجعة والترك.
وقوله تعالى ﴿وَيُعُوَلُهُنَّ أَحَقُّ بَردِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إن أَرَادُوا إِصْلاَّحاً﴾. فدلت على أن الرجعة غير واجبة من
وجهين. أحدهما: أن جعلها حقاً للأزواج لا عليهم. ثانيهما: أنه قرنها بإرادة الإصلاح، ولأن الرجعة إما
أن تراد لاستدامة النكاح أو لاعادته، وكلاهما لا يجب. أما الأول؛ فلأن له رفع الاستدامة بالطلاق. وأما
الثاني، فلأن ابتداءه لا يجب، فكذلك إعادته. على أن مالك لا يوجب الرجعة في الطهر المجامع فيه مع
قوله بالحرمة فكذلك من طلقت في الحيض.
ينظر نص كلام شيخنا بدوي علي محمد في فتح الخلاق من أحكام الطلاق.
(١) في ط: وجملته.
(٢) في أ: تمحضاً.

١٩٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والسنة المتعارفة المعهودة في باب الطلاق ما لا يشوبها معنى البدعة، وليس ذلك إلا
الواقع في طهر لا جماع فيه، وإن نوى ثلاثاً فثلاث؛ لأن التطليقة المختصة للسنة المعرفة بلام
التعريف - نوعان: حسن وأحسن، فالأحسن أن يطلقها واحدة في طهر لا جماع فيه، والحسن
أن يطلقها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، فإذا نوى الثلاثة فقد نوى أحد نوعي التطليقة المختصة بالسنة؛
فتصح نيته؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وإن أراد واحدة بائنة لم تكن بائنة؛ لأن
لفظة (١) الطلاق لا تدل (٢) على البينونة، وكذا لفظة السنة بل تمنع ثبوت البينونة؛ لأن الإبانة
ليست بمسنونة على ظاهر الرواية.
ويستحيل أن يثبت باللفظ ما يمنع ثبوته، وإن نوى الثنتين لم يكن ثنتين؛ لأنه عدد محض
بخلاف الثلاث؛ لأنه فرد من حيث أنه كل جنس الطلاق، ولو أراد بقوله: ((طالق)) واحدة،
وبقوله: ((للسنة)) أُخرى - لم يقع؛ لأن قوله: للسنة ليس من ألفاظ الطلاق؛ بدليل أن لو قال
لامرأته: أنت للُّنة، ونوى الطلاق - لا يقع.
ولو قال: أنت طالق ثنتين للسنة، أو ثلاثاً للسنة - وقع عند كل طهر لم يجامعها تطليقة؛
لأنها هي التطليقة المختصة بالسنة المعرفة بلام التعريف.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، ونوى الوقوع للحال ـ صحت نيته، ويقع الثلاث من
ساعة تكلم عند أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا تصح نيته، وتتفرق على الأطهار. وجه قوله:
أنه نوى ما لا يحتمله لفظه؛ فتبطل نيته.
وبيان ذلك أن قوله: أنت طالق ثلاثاً للسنة إيقاع التطليقات الثلاث في ثلاثة أطهار؛ لأنها
هي التطليقات المختصة بالسنة المعرفة بلام التعريف، فصار كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً في ثلاثة
أطهار، ولو نص على ذلك ونوى الوقوع للحال ـ لم تصح نيته؛ كذا هذا.
ولنا: أن الطلاق تصرف مشروع في ذاته، وإنما الحظر والحرمة في غيره لما تبين، فكان
كل طلاق في أي وقت كان سنة فكان، إيقاع الثلاث في الحال إيقاعاً على وجه السنة حقيقة،
إلا أن السنة عند الإطلاق تنصرف إلى ما لا يشوبه معنى البدعة بملازمة الحرام إياه للعرف
والعادة، فإذا نوى الوقوع للحال فقد نوى ما يحتمله كلامه، وفيه تشديد على نفسه؛ فتصح
نيته، ولأن السنة نوعان: سنة إيقاع، وسنة وقوع؛ لأن وقوع الثلاث جملة عرف بالسنة لما
تبين، فإذا نوى الوقوع للحال فقد نوى أحد نوعي السنة؛ فكانت نيته محتملة؛ لما نوی؛
فصحت.
(١) في أ: لفظ.
(٢) في أ: يدل.

١٩٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن كانت آيسة أو صغيرة، فقال لها: أنت طالق للسنة، ولا نية له - طلقت للحال
واحدة، وإن كان قد جامعها، وكذا إذا كانت حاملاً قد استبان حملها، وإن نوى الثلاث بقوله
للآيسة والصغيرة: أنت طالق ثلاثاً للسنة [أو قال: أنت طالق للسنة](١) يقع للحال واحدة،
وبعد شهر أُخرى، وبعد شهر أُخرى، وكذا في الحامل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما
على قول محمد: لا يقع إلا واحدة؛ بناء على أن الحامل تطلق ثلاثاً للسنة عندهما، وعنده: لا
تطلق للسنة إلا واحدة.
ولو قال: أنت طالق تطليقة للسنة؛ فهو مثل قوله: أنت طالق للسنة، وكذلك إذا قال:
أنت طالق طلاق السنة.
وأما الدلالة: فنحو أن يقول: أنت طالق طلاق العدة، أو طلاق العدل، أو طلاق الدين،
أو طلاق الإسلام، أو طلاق الحق، أو طلاق القرآن، أو طلاق الكتاب.
أما طلاق العدة؛ فلأنه الطلاق في طهر لا جماع فيه؛ لقوله - عز وجل: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وطلاق العدل هو المائل عن الباطل إلى الحق؛ لأن العدل عند الإطلاق
ينصرف إليه، وإن كان الاسم في اللغة وضع دلالة على مطلق الميل كاسم الجور، وعند
الاطلاق ينصرف إلى الميل من الحق إلى الباطل، وإن وضع في اللغة دلالة على مطلق الميل،
والطلاق المائل من الباطل إلى الحق هو طلاق السنة، وطلاق الدين والإسلام، والقرآن
٦١ ب والكتاب هو ما يقتضيه الدين/ والإسلام، والقرآن والكتاب؛ وهو طلاق السنة.
وكذلك طلاق الحق هو ما يقتضيه الدين إلى الحق؛ وذلك طلاق السنة، وكذلك قوله :
أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، أو أعدل الطلاق؛ لأنه أدخل ألف التفضيل،
وأضاف إلى الطلاق المعرف باللام الواقع على الحسن، فيقتضي وقوع طلاق له مزية على
جميع أنواع الطلاق بالحسن والجمال والعدالة؛ كما إذا قيل: فلان أعلم الناس يوجب هذا مزية
له على جميع طبقات الناس في العلم، وهذا تفسير طلاق السنة.
ولو قال: أنت طالق تطليقة ((حسنة)) أو جميلة - يقع للحال.
ولو قال: أنت طالق تطليقة عدلة أو عدلية أو عادلة، أو سنية - يقع للسنة في قول أبي
يوسف، وسوى بينه وبين قوله: أنت طالق للسنة، وفرق بينه وبين قوله: أنت طالق تطليقة
حسنة، أو جميلة.
وذكر محمد في ((الجامع الكبير)) أنه يقع للحال تطليقة رجعية، سواء كانت حائضاً أو غير
(١) سقط من ط .

١٩٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
حائض، جامعها في طهرها أو لم يجامعها، وسوى بينه وبين قوله: أنت طالق تطليقة [حسنة أو
جميلة، وفرق بين هذا وبين قوله: أنت طالق للسنة.
وجه قول محمد: أن قوله: أنت طالق تطليقة] (١) سنية، وصف التطليقة بكونها سنية،
والطلاق في أي وقت كان فهو سني؛ لأنه تصرف مشروع، وباقتران الفسخ (٢) به لا يخرج من
أن يكون مشروعاً في ذاته، وهذا القَدْر يكفي لصحة الاتصاف بكونها سنية ولا يشترط الكمال؛
ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أنت بائن يقع تطليقة واحدة، ولا ينصرف إلى الكمال، وهو
البينونة الحاصلة بالثلاث؛ كذا ههنا.
ولهذا وقع الطلاق للحال في قوله: حسنة أو جميلة، بخلاف قوله: أنت طالق للسنة؛
لأن ذلك إيقاع تطليقة مختصة بالسنة؛ لأن اللام الأولى للاختصاص؛ كما يقال: هذا اللجام
للفرس، وهذا الإكاف لهذه البغلة، وهذا القفل لهذا الباب، واللام الثانية للتعريف، فإن كانت
لتعريف الجنس، وهو جنس السنة اقتضى صفة التمحض للسنة، وهو ألا يشوبها بدعة، وإن
كانت لتعريف المعهود، فالسنة المعهودة في باب الطلاق ما لا يشوبه معنى البدعة، وهو
الطلاق في طهر لا جماع فيه.
وجه قول أبي يوسف: أن هذا إيقاع طلاق موصوف بكونه سنياً مطلقاً، فلا يقع إلا على
صفة السنة المطلقة، والطلاق السني على الإطلاق لا يقع في غير وقت السنة؛ ولهذا يقع في
وقت السنة في قوله: أنت طالق للسنة؛ كذا هذا. وفرق أبو يوسف بين السنية(٣)، وبين الحسنة
والجميلة، وما كان الغالب فيه أن يجعل صفة للطلاق يجعل صفة له؛ كقوله: سنية وعدلية، وما
كان الغالب فيه أن يجعل صفة للمرأة يجعل صفة لها؛ كقوله: حسنة وجميلة؛ لأن المرأة مذكورة
[في اللفظ] (٤) بقوله: أنت والتطليقة مذكورة أيضاً، فيحمل على ما يغلب استعمال اللفظ فيه.
ولو قال لامرأته وهي ممن تحيض: أنت طالق للحيض، وقع عند كل طهر من كل
حيضة تطليقة؛ لأن الحيضة التي يضاف إليها الطلاق هي أطهار العدة، وإن كانت ممن لا
تحيض، فقال لها: أنت طالق للحيض - لا يقع عليها شيء؛ أضاف الطلاق إلى ما ليس
بموجود، فصار كأنه علقه لشرطٍ لم يوجد .
ولو قال لها - وهي ممن لا تحيض: أنت طالق للشهور يقع للحال واحدة، وبعد شهر
أُخرى، وبعد شهر أُخرى؛ لأن الشهور التي يضاف إليها الطلاق هي شهور العدة؛ وكذا
الحامل على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: القبح.
(٣) في أ: السنة .
(٤) سقط من أ.

٢٠٠
كِتَابُ الطَّلاقِ
ولو نوى بشيء من الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة، وهو الطلاق في الطهر الذي لا
جماع فيه - الوقوع للحال تصح نيته، ويكون على ما عنى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، أما في
لفظ الأحسن والأجمل والأعدل؛ فلأن [ألف](١) التفضيل قد تذكر، ويراد به مطلق الصفة،
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: هين عليه؛ إذ لا تفاوت للأشياء في
قدرة الله تعالى، بل هي بالنسبة إلى قدرته سواء، وقد نوى ما يحتمله لفظه، ولا تهمة في
العدول عن هذا الظاهر؛ لما فيه من التشديد على نفسه فكان مصدقاً، وكذا في سائر الألفاظ ؛
لما ذكرنا أن الطلاق تصرف مشروع في نفسه، فكان إيقاعه سنة في كل وقت، أو لأن وقوعه
عرف بالسنة على ما نذكر.
وذكر بشر عن أبي يوسف؛ أن هذا النوع من الألفاظ أقسام ثلاثة:
قسم منها يكون طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى، وفي القضاء نوى أو لم ينو.
وقسم منها يكون طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى، وفي القضاء إن نوى، وإن لم ينو
لا يكون(٢) للسنة، ويقع الطلاق للحال.
وقسم منها ما يصدق فيه، إذا قال: نويت به طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى/ ويقع
في أوقاتها، ولا يصدق في القضاء بل يقع للحال.
١٦٢
أما القسم الأول: فهو أن يقول: أنت طالق للعدة، أو أنت طالق طلاق العدل، أو طلاق
الدين، أو طلاق الإسلام، أو قال: أنت طالق طلاقاً عدلاً، أو طلاق عدة، أو طلاق سنة، أو
أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، أو طلاق الحق، أو طلاق القرآن، أو طلاق الكتاب، أو
قال: أنت طالق للسنة، أو في السنة، أو بالسنة، أو مع السنة، أو عقد السنة، أو على السنة.
وأما القسم الثاني: فهو أن يقول: أنت طالق في كتاب الله - عز وجل، أو بكتاب الله -
عز وجل، أو مع كتاب الله - عز وجل؛ لأن في كتاب الله - عز وجل - دليل وقوع الطلاق للسنة
والبدعة؛ لأن فيه شرع الطلاق مطلقاً، فكان الطلاق تصرفاً مشروعاً في نفسه، فكان كلامه
محتمل الأمرين؛ فوقف على نيته.
وأما القسم الثالث: فهو أن يقول: أنت طالق على الكتاب أو بالكتاب، أو على قول
القضاة أو على قول الفقهاء؛ أو قال: أنت طالق طلاق القضاة أو طلاق الفقهاء؛ لأن القضاة
والفقهاء يقولون من كتاب الله - عز وجل، قال الله - عز وجل: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يكون طلاق السنة.