Indexed OCR Text

Pages 1-20

بَرَائُ الصَّنَّائِعِ
في ترتيب الشرائح
تأليف
الإمَامِ عَلاء الدِّين أَنْ بَكرْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني الحَنْفيْ
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَمِيقَ وَتَعَلِيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى مَّد معوض
الجزء الرابع
المحتوىَ:
كِتابُ الأَيمَان - كِتَابِ الظَّلَاق
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

1
منشوراتْ حَّد على بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

◌َّهِالرَّمنِ الرَّحِيـ
نــ
كِتَابُ الأَيْمَانِ (١)
الكلام في هذا الكتاب في أربعة مواضع :
في بيان أنواع اليمين، وفي بيان ركن كل نوع، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان
حكمه، وفي بيان أن اليمين بالله تعالى على نية الحالف أو المستحلف.
أما الأول: فاليمين في القسمة الأولى ينقسم إلى قسمين، يمين بالله سبحانه، وهو
المسمى بالقسم في عرف اللغة والشرع، ويمين بغير الله تعالى. وهذا قول عامة العلماء.
وقال أصحاب الظاهر: هي قسم واحد، وهو اليمين بالله تعالى.
فأما الحلف بغير الله - عز وجل - فليس بيمين حقيقة، وإنما سمي بها مجازاً، حتى أن
من حلف لا يحلف، فحلف بالطلاق أو العتاق - يحنث، وعند عامة العلماء: لا يحنث.
وجه قولهم: إن اليمين إنما يقصد بها تعظيم المقسم به؛ ولهذا كانت عادة العرب القسم
بما جل قدره وعظم خطره، وكثر نفعه عند الخلق، من السماء والأرض، والشمس والقمر،
والليل والنهار، ونحو ذلك. والمستحق للتعظيم بهذا النوع هو الله تعالى؛ لأن التعظيم بهذا
(١) الأيمان لغة: جمع يمين وهو القوة. وفي الصحاح: اليمين: القسم، والجمع: الأَيْمُن، الأَيْمَان.
انظر: الصحاح ٢٢٢١/٦، المصباح المنير ١٠٥٧/٢، والمغرب ٣٩٩/٢، لسان العرب ٤٦٢/٣،
القاموس المحيط ٢٨١/٤.
اصطلاحاً :
عرفه الحنفية بأنه: عقد قوى به عزم الحالف على فعل شيء، أو تركه.
وعرفه الشافعية بأنه: تحقيق غير ثابت، ماضياً كان أو مستقبلاً، تقياً أو إثباتاً، ممكناً أو ممتنعاً، صادقة أو
كاذبة على العلم بالحال، أو الجهل به .
وعرفه المالكية بأنه: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله، أو صفته.
وعرفه الحنابلة بأنه: توكيد حكم، أي: محلوف عليه بذكر معظم، أو هو المحلوف به على وجه
مخصوص .
انظر: تبيين الحقائق ١٠٧/٣، شرح فتح القدير ٢٢/٤ مغني المحتاج ٣٢٠/٤، المحلى على المنهاج ٤/
٣٧٠، حاشية الدسوقي ٢/ ١١٢، شرح منتهى الإرادات ٤١٩/٣.
٣

٤
كِتَابُ الأَيْمَانِ
النوع عبادة، ولا تجوز العبادة إلا الله تعالى.
ولنا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ؛ أنه قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْتَى فَلاَ حِنْثَ
عَلَيْهِ))(١) سماه حلفاً، والحلف واليمين من الأسماء المترادفة(٢) الواقعة على مسمى واحد،
والأصل في إطلاق اسم هو الحقيقة، فدل أن الحلف بالطلاق والعتاق يمين حقيقة. وكذا مأخذ
الاسم دليل عليه؛ لأنها أخذت من القوة، قال الله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾
[الحاقة: ٤٥]، أي: بالقوة، ومنه سميت اليد اليمين يميناً؛ لفضل قوتها على الشمال عادة. قال
الشاعر: [بحر الوافر]
رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو إِلَى الخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ القَّرِينِ
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٣٤/٣) وقال غريب بهذا اللفظ ا. هـ.
وفي معناه حديث: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله - فلا حنث عليه)). وسيأتي تخريجه.
(٢) قال الإمامُ فخرُ الدين: هو الألفاظ المفردةُ الدالة على شيء واحد باعتبارٍ واحد. قال: واحترزنا بالإفراد
عن الاسم والحدِّ، فليسا مُتَرادفين، وبوحدة الاعتبار عن المتهاينين، كالسيف، والصارم؛ فإنهما دَلاً على
شيءٍ واحد، لكنْ باعتبارين: أحدُهما على الذَّات، والآخر على الصّفة، والفرقُ بينه وبين التوكيد؛ أنَّ
أحد المترادفين يُفيدُ ما أفاده الآخر، كالإنسان، والبشر، وفي التوكيد : .
يُفيد الثاني تقويةً الأوَّل؛ والفرقُ بينه وبين التابع؛ أن التابع وحدَه لا يفيد.
وقال التاج السبكي في ((شرح المنهاج)): ذهب بعضُ الناس إلى إِنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم
أن كلَّ ما يُظَن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباينُ بالصفات؛ كما في الإنسان والبشر؛ فإن
الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يُؤْنِس، والثاني باعتبار أنه بادي البشرة. وكذا الخَنْدَرِيس
العُقَار؛ فإنّ الأول باعتبار العتق، والثاني باعتبار عَقْر الدَّنِّ لِشدَّتِها، وتكلَّفَ لأكثر المترادفات بمثلٍ هذا
المقال العجيب.
قال التاج: وقد اختارَ هذا المذهب أبو الحسين أحمد بن فارس في كتابه الذي ألفَّه في فقه اللغة،
والعربية، وسنن العرب، وكلامها، ونقلَه عن شيخه أبي العباس ثعلب.
قال: وهذا الكتابُ كَتَب منه ابن الصلاح نكتاً منها هذه، وعلقتُ أنا ذلك من خط ابن الصلاح. انتهى.
ينظر :
البحر المحيط للزركشي ١٠٥/٢، الإحكام في أصول الأحكام للأمدي ٢٤/١، التمهيد للأسنوي ص
١٦١، نهاية السول له ١٠٤/٢، منهاج العقول للبدخشي ٢٨٦/١، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري
ص ٤٥، التحصيل من المحصول للأرموي ٢٠٩/١، حاشية البناني ١/ ٢٩٠، الابهاج لابن السبكي ١/
٢٣٨، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢٩٦/٢، حاشية العطار على جميع الجوامع ٣٧٩/١، التحرير
لابن الهمام ص ٥٦، تيسير التحرير ١٧٦/١، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١٣٤/١،
إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٨، نشر البنود للشنقيطي ١١٤/١، الكوكب المنير للفتوحي ص ٤١،
المختصر لابن اللحام ص ٤١.
١

٥
كِتَابُ الأَیْمَانِ
أي: بالقوة، ومعنى القوة توجد في النوعين جميعاً، وهو أن الحالف يتقوى بها على
الامتناع من المرهوب، وعلى التحصيل في المرغوب، وذلك أن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى
فعل لما يتعلق به من اللذة الحاضرة - فعقله يزجره عنه؛ لما يتعلق به من العاقبة الوخيمة،
وربما لا يقاوم طبعه فيحتاج إلى أن يتقوى على الجري على موجب العقل، فيحلف بالله
تعالى؛ لما عرف من قبح هتك حرمة اسم الله تعالى، وكذا إذا دعاه عقله إلى فعل تحسن
عاقبته وطبعه يستثقل ذلك فيمنعه عنه؛ فيحتاج إلى اليمين الله تعالى؛ ليتقوى بها على
التحصیل.
وهذا المعنى يوجد في الحلف بالطلاق والعتاق؛ لأن الحالف يتقوى به على الامتناع من
تحصيل الشرط؛ خوفاً من الطلاق والعتاق، الذي هو مستثقل على طبعه؛ فثبت أن معنى اليمين
يوجد في النوعين، فلا معنى للفصل بين نوع ونوع، والدليل عليه أن محمداً سمى الحلف
بالطلاق والعتاق في أبواب الأيمان من الأصل والجامع - يميناً، وقوله حجة في اللغة.
ثم اليمين بالله تعالى منقسم ثلاثة أقسام في عرف الشرع: يمين الغموس، ويمين اللغو،
ويمين معقودة .
وذكر محمد في أول كتاب ((الأيمان)) من الأصل، وقال: الأيمان ثلاثة: يمين مكفرة،
ويمين لا تكفر، ويمين نرجو ألا يؤاخذ الله بها صاحبها؛ وفسر الثالثة بيمين اللغو، وإنما أراد
محمد بقوله: الأيمان ثلاث: الإيمان بالله تعالى لا جنس الأيمان؛ لأن ذلك كثير(١).
فإن قيل: كيف أخبر محمد عن انتفاء المؤاخذة بلغو اليمين بلفظة الترجي، وانتفاء
المؤاخذة بهذا النوع من اليمين مقطوع به بنص الكتاب، وهو قوله - عز وجل: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمْ
الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فالجواب عنه من وجهين :
(١) من المتفق عليه بين العلماء: أن الكفّارة لا تجب في كل يمين؛ فإن الأيمان منها ما هو يمين بالطلاق أو
العتاق، ومنها ما هو يمين بالله - تعالى وهي المشروعة، لقول رسول الله وَلّ: ((إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَخْلِفُوا
بِآبَائِكِمْ، مَمَنْ كَانٍ حَالِفاً - فَلَيَخْلِفَ بَاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ)).
ويقول وَ﴿ لعبد الرحمن بن سمرة ((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمين، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها فَكَفِّر عَنْ يَمِينكَ، ثُمَّ
اثْتِ الَّذِي هُوَ خَيْراً».
من هذين الحديثين وأمثالهما: يعلم أن اليمين التي تشرع فيها الكفارة: هي اليمين بالله - تعالى -؛ لأن
الرسول - 18 - جعل اليمين المعتبرة هي اليمين بالله - تعالى-؛ كما هو مقتضى الحديث الأول.
ثم قال لعبد الرحمن بن سمرة ((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرُهَا خَيْراً مِنْهَا .. إلخ)).
فعلم من ذلك: أن الكفّارة إنَّمَا تكون في اليمين المشروعة له، والمعتبرة عندهم، وهي اليمين بالله
- تعالى - فلا كفَّارة في غيرها؛ كاليمين بالطلاق، أو العتاق، وإنما فيها تنفيذ ما حلف به، وهو الطلاق أو
العتق، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
غير أن اليمين بالله - تعالى - منها ما هو يَمينْ لَغْوِ، وما هو يمين منعقدة.

٦
كِتَابُ الأَيْمَانِ
أحدهما: أن يمين اللغو هي اليمين الكاذبة، لكن لا عن قصد بل خطأ أو غلط، على ما
نذكر تفسيرها إن شاء الله تعالى، والتحرز عن فعله ممكن في الجملة وحفظ النفس عنه مقدور،
فكان جائز المؤاخذة عليه، لكن الله تعالى رفع المؤاخذة عليه رحمة وفضلاً؛ ولهذا يجب
الاستغفار والتوبة عن فعل الخطأ والنسيان كذلك، فذكر محمد لفظ الرجاء؛ ليعلم أن الله
تفضل برفع المؤاخذة في هذا النوع بعدما كان جائز المؤاخذة عليه.
والثاني: أن المؤاخذة، وإن كانت منتفية عن هذا النوع قطعاً، لكن العلم بمراد الله تعالى
من اللغو المذكور غير مقطوع به، بل هو محل الاجتهاد، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
والعلم الحاصل عن اجتهاد علم غالب الرأي، وأكثر الظن، لا علم القطع، فاستعمل
محمد لفظة الرجاء؛ لاحتمال ألا يكون مراد الله تعالى من اللغو المذكور ما أفضى إليه اجتهاد
محمد، فكان استعمال لفظ الرجاء في موضعه، وذكر الكرخي وقال: اليمين على ضربين:
ماضٍ ومستقبل، وهذه القسمة غير صحيحة؛ لأن من شرط صحتها أن تكون محيطة بجميع
أجزاء المقسوم ولم يوجد؛ لخروج الحال عنها، وأنها داخلة في يمين الغموس، ويمين اللغو،
على ما نذكر تفسيرهما؛ فكانت القسمة ناقصة، والنقصان في القسمة من عيوب القسمة
كالزيادة، فكانت القسمة الصحيحة ما ذكرنا لوقوعها حاصرة جميع أجزاء المقسوم بحيث لا
یشذ عنها جزء، وكذا ما ذکر محمد صحیح، إلا أنه بین كل نوع بنفسه وحكمه دفعة واحدة،
ونحن أخرنا بيان الحكم عن بيان النوع؛ سوقاً للكلام على الترتيب الذي ضمناه.
أما يمين الغموس فهي الكاذبة قصداً في الماضي والحال، على النفي أو على الإثبات،
وهي الخبر عن الماضي أو الحال فعلاً، أو تركا متعمداً للكذب في ذلك مقروناً بذكر اسم الله
تعالى؛ نحو أن يقول: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله، أو يقول: والله لقد فعلت كذا،
وهو يعلم أنه لم يفعله، أو يقول: والله ما لهذا على دين، وهو يعلم أن له عليه ديناً؛ فهذا
تفسير يمين الغموس(١).
(١) وهو ما كان الحالف بها عالماً بكذبه فيما حلف عليه.
فقالت الحنفية، والحنابلة: لا كفَّارة فيها، سواء تعلقت بالماضي، أو بالحال، لقوله وَّ ((خمس من
الكبائر لا كفارة لهن: الإشراك بالله تعالى، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق،
والحلف على يمين فاجرة، يقتطع بها مال امرئ مسلم)).
وقالت المالكية: اليمين الغموس إن تعلقت بالحال، أو الاستقبال - فيها الكفارة، ولعل وجهتهم في ذلك
أن اليمين عند تعلقها بالماضي يكون الكذب فيها محققاً، والذنب فيها عظيماً، فتصير أكبر من أن تعمل
فيها الكفارة.
أما عند تعلقها بالحال، أو بالاستقبال - فيكون الأمر على خلاف هذا، فتصبح قريبة من اليمين المنعقدة،
وتأخذ حكمها، فتعمل فيها الكفارة.
=

٧
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وأما يمين اللغو: فقد اختلف في تفسيرها، قال أصحابنا: هي اليمين الكاذبة خطأ أو
وبالنظر في أدلة كلٌّ، نرى أن القولَ بعدم الكفّارة من غير توبة في يمين الغموس هو الراجح؛ لأن
الرسول 8* أخبر بصريح العبارة بأنه لا كفَارة فيها. وأما استدلال الشافعية بشمول الآية لها مطلقاً غير
ظاهر؛ لما تقدم من الحديث. وأما تفرقة المالكية في اليمين الغموس بين الماضي، والحال، والمستقبل .
فدعوى يعوزها الدليل، ويردها قولُ الرسول وَ ل: ((خمس من الكبائر، لا كفارة فيها ... إلخ)) وَعَدَّ منها
اليمين الغموس))؛ لأنه يَّلير لم يفرق في الغموس بين الماضي، وغيره - فالتوبة مسقطة لحق العبد والكفارة
لحق المولى سبحانه.
يعلم مما تقدم أن العلماءَ مختلفون في سَبَبِ الكفّارةِ في اليمين، هل هو اليمين فقط، والحنث يكون
شرطاً في وجوبها، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وربيعة،
والأوزاعي، وابن حزم.
أو السبب هو الحنث، واليمين شرط لانعقاد السبب سبباً، وإلى ذلك ذهب أصحاب الرأي، منهم الإمام
الأعظم أبو حنيفة وأصحابه، وداود الظاهري.
وقد تفرع على هذا الخلاف جوازُ تقديم الكفّارة على الحنث، وعدم جواز ذلك، فجمهور العلماء لما
قالوا: إن اليمين سبب للكفارة، والحنث شرط فيها - أجازوا تقديم الكفارة على الحنث، لأن تقديم
الشيء على شرط بعد حصول سببه أمر معروف في الشرع، ومعهود فيه.
ألا ترى أن الزكاة يجوز تقديمها على الحول بعد وجود سببها، وهو ملكُ النصاب.
وأما أصحاب الرأي الثاني: القائلين بأن السبب هو الحنث، واليمين شرط - فلم يجيزوا تقديم الكفارة
على الحنث، لأن تقديم الشيء على سببه لا يجوز، وهم يرون أن الحنث هو سَبَبُ الكفّارة لا شرط
فيها، ولكلِّ وجهة نذكرها فيما يأتي:
وجهة الجمهور:
يرى الجمهور أن الكفارة أضيفت إلى اليمين في لسان الشرع، وأهل اللغة والعرف، فالله تعالى يقول:
﴿ذَلِكَ كَفَّارَةٌ أيمَانِكُمْ﴾ .
وأهل اللغة، والعرف يقولون: كفارة اليمين لا كفارة الحنث، والإضافة تقتضي أن يكون المضاف إليه
سبباً للمضاف، متى كان المضاف حكماً شرعيًّا، أو متعلق حكم شرعي، ولا شك أن المضاف ههنا
متعلّق الحكم الشرعي، لأن الكفارة متعلق الحكم الشرعي الذي هو الوجوب، فتكون الإضافة دليلاً على
أن اليمين هي سببُ الكفارة، ومتى ثبت ذلك جاز تقديم الكفارة على الحنث، لأن تقديم الشيء على
شرطه بعد حصول سببه - لا مانع منه شرعاً.
يؤيد ذلك ما رواه البخاري، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله وَّر ((إذا حلفت على
يمين، فرأيت غيرها خيراً منها - فكفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير)).
وبما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي بَّر؛ أنه قال: ((إني إن شاء الله لا
أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها - إلا كفّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير))، أو أتيت الذي
هو خير وكفّرتُ عن يميني، فأنت ترى أن الرسول - ﴿ في الحديث الأول يقول لعبد الرحمن: فكفّر عن
يمينك، ثم انت الذي هو خَيْرٌ. وهذا يفيد بظاهره أنه يجبُ تقديم الكفّارةِ عن الحنث، ولا يصحُ تأخيرها
إلى ما بعد الحنث، ولكن هذا الظاهر مصروف عن ظاهره بقوله وير في حديث أبي موسى الأشعري : =

٨
كِتَابُ الأَيْمَانِ
غلطاً في الماضي أو في الحال، وهي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على الظن أن المخبر
((إلا كفّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني، فإن قوله عليه
=
الصلاة والسلام هذا يدلّ على جواز تقديم الكفارة على الحنث، كما يدل على جواز تقديم الحنث على
الكفارة .
ويؤخذ من الحديثين معاً أن الكفارة تجوز قبل الحنث وبعده، فمن منع تقديمها على الحنث، يكون
محجوجاً بهذه الأحاديث، كما يكون محجوجاً بها من منع التكفير بالصوم، وهم الشافعية، لاستدلالهم
بهذه الروايات في البعض دون البعض.
وجهة أصحاب الرأي:
ووجهة أصحاب الرأي، ومن ذهب مذهبهم: أن الكفارة قد أضيفت إلى اليمين، وتلك الإضافة من إضافة
الشيء إلى الشرط، لا إلى سببه، كإضافة الكفّارة إلى الإحرام في قولنا: كفارة الإحرام، وإضافة الصدقة
إلى الفطر في قولنا: صدقة الفطر. وإضافة الشيء إلى شرط، وإلى كانت مجازية، لأن الأصل إضافةُ
الشيء إلى سببه، إلا أنه يجب المصيرُ إلى المجازِ ههنا؛ لأن القرينة تمنعُ من حبل اليمين سبباً للكفارة؛
إذ لو كانت سبباً لها - لكانت مفضيةً إليها، إذ السبب ما أفضى إلى المسبب، مع أن اليمين لم تفضه إلى
الكفارة، لأنها منعقدةٌ للبر، مانعة من الحنث، محرمة له، فكيف تكون سبباً له؟ !. ولهذا لا تجبُ الكفارة
إلا بعد انتقاص تركيب اليمين بالحنث، ويستحيل أن يقال في شيء: إنه سبب لحكم لا يثبت ذلك الحكم
إلا بعد انتقاضه، فتعين أن يكونَ الحنثُ هو السببُ، ولو كانت اليمينُ هي السببُ - لأفضت إليها في كل
يمين، ولا قائل بذلك بخلاف الحنث.
ويؤيد ذلك أن الكفَّارة إنما شُرعت لسترِ الجناية غالباً، والجناية لم تحصُل باليمين، وإنما حصلت
بالحنث، فناسب أن تقع بعده لتستر تلك الجناية التي حصلت به.
ويرد ذلك بأن اليمين سبب إذا لم يفقد الشرط وهو الحنث، لأن فقد الشرط مانع، ودعواهم أن السبب
هو الحنث يتأتي فيه هذا؛ لأنه ليس دائماً مفضياً، وإذا كان الإفضاء في الجملة كافياً - فهو موجود في
الیمین.
ويرد أيضاً بأننا ما دمنا متفقين على أن تقديم الشيء على سببه لا يجوز، وأن تقديمه على شرطه بعد
حصول سببه، لا مانع منه شرعاً - لا يصح بعد هذا أن يقال: إنه إضافة الكفارة من إضافة الشيء إلى
شرطه، حتى يكون الحنث سبباً، وإلا لاقتضى منع تقديم الكفارة على الحنث، مع أن الأحاديث المتقدمة
ظاهرة وواضحة في جواز تقديمها عليه، وقولهم إن الكفارة شُرعت لستر الجناية ... إلخ، إن دل فإنما
يدل على أفضلية تأخير الكفارة على الحنث، لا على منع تقديمها عليه، وفرق بين الأمرين.
على أننا نقول: من قدم الكفارة على الحنث - كان في فعله خلف ما حلاف عليه، غير شارع في معصية،
إذ بالكفارة صار الفعل مباحاً له، ومن أخَّر الكفارة على الحنث كان شارعاً في معصية، وقد يدركه الموت
قبل أن يفعل الكفارة، فلا يزول أثر المعصية عنه، وهذا مما يرجح جواز تقديم الكفارة على الحنث،
ولعل هذا هو السر في أن رسول الله وَليل كثيراً ما يقدم في حديثه فعل الكفَّارة على الحنث، وبذلك
يترجَّح مذهبُ الجمهور القائلين بجواز تقديم الكفارة على الحنث، وأن السبب هو اليمين.
ينظر نص كلام شيخنا حسن الكاشف في الكفارات، حاشية الدسوقي جـ٢ ص ١١٩، الخطيب على
المنهاج ٣٢٩/٤، المحلى ٦٥/٨ ابن قدامة ص ٢٢٢/١١، فتح ٢٠/٤.

٩
كِتَابُ الأَیْمَانِ
به كما أخبر؛ وهو بخلافه في النفي أو في الإثبات؛ نحو قوله: والله ما كلمت زيداً، وفي ظنه
أنه لم يكلمه، أو والله لقد كلمت زيداً، وفي ظنه أنه كلمه، وهو بخلافه، أو قال: والله إن هذا
الجائي لزيد، إن هذا الطائر لغراب، وفي ظنه أنه كذلك، ثم تبين بخلافه.
وهكذا روى ابن رستم عن محمد؛ أنه قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشيء، وهو
یری أنه حق، ولیس بحق.
وقال الشافعي: يمين اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف، وهو ما يجري على
ألسن الناس في كلامهم من غير قصد اليمين، من قولهم: لا والله، وبلى والله، سواء كان في
الماضي أو الحال أو المستقبل، وأما عندنا: فلا لغو في المستقبل، بل اليمين على أمر في
المستقبل يمين معقودة، وفيها الكفارة إذا حنث، قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما اللغو في
الماضي والحال فقط، وما ذكر محمد على أثر حكايته عن أبي حنيفة؛ أن اللغو ما يجري بين
الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله، فذلك محمول عندنا على الماضي أو الحال، وعندنا
ذلك لغو، فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في
المستقبل، عندنا: ليس بلغو وفيها الكفارة، وعنده: هي لغو ولا كفارة فيها.
وقال بعضهم: يمين اللغو هي اليمين على المعاصي، نحو أن يقول: والله لا أصلي
صلاة الظهر، ولا أصوم صوم شهر رمضان، أو لا أكلم أبوي، أو يقول: والله لأشربن الخمر،
أو لأزنين، أو لأقتلن فلاناً. ثم منهم من يوجب الكفارة إذا حنث في هذه اليمين، ومنهم من
لا يوجب(١).
(١) ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا كفّارة في يمينِ اللّغو، سواء تعلقت بالماضي، أو بالحال، أو بالاستقبال؛
لقوله - تعالى -: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... ) الآية.
فقد فسر - سبحانه وتعالى - المؤاخذة بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطعام عشرة مساكين ... ) الآية، فعلم من
ذلك: أن المؤاخذة المنفية في اللغو هي الكفارة، وذلك يفيد بظاهرة أن يمين اللَّغوِ لا كفّارة فيها من غير
تفصیل.
وقالت المالكية: إن تَعَلَّقت بغير المستقبل، فلا كفَّارة فيها، وإن تعلّقت به، ففيها الكفارة؛ لشبهها باليمين
المنعقدة من حيث إن فيها انتهاكاً لِحُزْمَةِ التّعظيم بحلفه على ما يجهله، من غير أن يتثبت في ذلك.
وقد اختلفوا في تفسير اللغو:
فمنهم من قال: هو ما جرى على لسان الحالف من غير قصد: «كَلاَّ وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، وهم الشافعية،
ورواية عن أبي حنيفة، وهو مرويٍّ عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم - والشعبي،
وعكرمة، وعطاء، والحاكم، وغيرهم، وسواء تعلق عندهم بالماضي أو بالمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿لاً
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... ) الآية.
يقال: لَغَا يَلْغُو. وَلَغَا يَلْغَا، إِذا تكلّم بما لا حقيقة له، ولا قصد له فيه، وقد ذكر في التفسير هو ما يسبق =

١٠
كِتَابُ الأَیْمَانِ
وجه قول هؤلاء؛ أن اللغو هو الإثم في اللغة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، أي: كلاماً فيه إثم، فقالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ
الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: لا يؤاخذكم الله بالإثم في أيمانكم على المعاصي
بنقضها والحنث فيها؛ لأن الله تعالى جعل قوله في سورة البقرة: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي
أَيْمَانِكُمْ﴾ صلة قوله - عز وجل: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وقيل في القصة: أن الرجل كان يحلف ألا يصنع المعروف ولا يبر، ولا يصل أقرباءه ولا
يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك يتعلل، ويقول: إني خلفت على ذلك، فأخبر الله تعالى بقوله
إليه اللسان من غير قصد، كقوله: (لاَ وَاللَّهِ، « وَبَلَى وَاللَّهِ) قال الأزهري: اللغوي في كلام العرب على
=
وجھین :
أحدهما: فضول الكلام، وباطله الذي يجري على غير عقد.
الثاني: ما کان فیہ رفٹ ومخسن ومآثم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغيَةً﴾: ما يؤثم. وقالت عائشة - رضي الله عنها - ((إنَّ
رسول الله وَلّ قال: ((يَعْنِي فِي اللَّغْوِ فِي الْيَمِين))، هُوَ كَلاَمُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: (لاَ وَاللَّه وَبَلَى وَاللَّهِ). أخرجه
أبو داود، ورواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفاً.
وقالت المالكية: هو الحلف على شيء يعتقده الحالف ((أي يغلب على ظنِّه فيظهر له خلافه))، وهو مذهب
الحنفية.
وحجتهم في ذلك: (أنَّ قوماً تَرَاجِعوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ - وهم يرمون بحضرته، فحلف أحَدُهُمْ: نقَدْ
أَصَبْتُ وأَخْطَأْتَ يَا فلان، فَإِذا الأَمْرُ بخلاف ذلك. فقال الرجل: حَنَثَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فقال ◌َّهِ: أَيْمَانٍ
الرّمَاةِ لَغْوْ لاَ حَنَثَ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةً» فقد جعل النبي ◌َّهِ يمين من حلف، وهو ظانٌ أن الأمر على ما
حلف، فإذا هو بخلافه يمين لغو لا كفّارة فيها، وذلك مفيد أن لغو اليمين هو ما تقدم.
وقالت الحنابلة: هو ما جرى على اللسان من غير قصد أو الحلف على شيء يعتقده، فیظهر له خلافه،
ودليلهم ما تقدم للشافعية، والمالكية، والحنفية.
وإذا نظرنا إلى دليل كلّ وجدنا أن اللغوَ الذي ينبغي أن يعتبر هو: ما جرى على اللسان من غير قصد
فقط؛ لأن هذا هو معنى اللغو في اللغة، والألفاظ تحمل على معانيها اللغوية، ما لم يرد عن الشرع ما
يحملها على خلافه، ولم يرد عنه ما يُخَالِفُ ذلك، بل وَرَدَ ما يعضده، فقد أَجَابَتْ عائشة - رضي الله
عنها - حِينَمَا سُئِلَتْ عَنِ اللَّغْوِ في اليمين؛ بأنه هو كلام الرجل في بيته. (لاَ وَاللَّهِ، وَبَلَى واللّه). ووافقها
على ذلك كثير من الصحابة والتابعين، فإن كان هذا القول قالته عن سماع من رسول الله وَلقر فالحجة فيه
واضحة، وإن كان قولاً منها، فهو تفسير لصحابي يعرف معاني الألفاظ اللغوية، والمعاني الشرعية، وقوله
مقبول.
وأما حديث الرماة: فقد قال الحافظ فيه: أنه لا يثبت، لأنه من مراسيل الحسن، وهو ممن لا تعتبر
مراسيله، لأنه كان لا يتحرى الثقة.
ينظر نص كلام شيخنا حسن الكاشف عن الكفارات.

١١
كِتَابُ الأَيْمَانِ
سبحانه: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، الآية؛ لأنه لا مأثم عليهم بنقض
ذلك اليمين وتحنيث النفس فيها، وأن المؤاخذ بالإثم فيها بحفظها والإصرار عليها بقوله:
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ثم منهم من أوجب الكفاءة؛ لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾
[المائدة: ٨٩]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: حلفتم وحنثتم.
ومنهم من لم يوجب فيها الكفارة أصلاً؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى في بيان حكم اليمين.
وجه قول الشافعي: مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُا - أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ يَمِينٍ
اللَّغْوِ، فَقَالَتْ: ((هِيَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي كَلاَمِهِ: لاَ وَالله، وَبَلَى وَالله))(١). وعن عَطَاءِ - رضي
الله عنه - أنه سُئِلَ عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ الله عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِّ قَالَ:
(هُوَ كَلاَمُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: لَاَ وَالله وَبَلَىْ وَالله))(٢)، فثبت موقوفاً ومرفوعاً أن تفسير يمين اللغو ما
قلنا، من غير فصل بين الماضي والمستقبل، فكان لغواً على كل حال إذا لم يقصده الحالف؛
ولأن الله تعالى قابل يمين اللغو باليمين المكسوبة بالقلب بقوله - عز وجل: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، والمكسوبة هي
المقصودة، فكان غير المقصودة داخلاً في قسم اللغو تحقيقاً للمقابلة.
ولنا قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الأَيْمَانَ﴾، قابل يمين اللغو باليمين المعقودة، وفرق بينهما في المؤاخذة ونفيها؛ فيجب أن
تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقاً للمقابلة، واليمين في المستقبل يمين معقودة،
سواء وجد القصد أو لا؛ ولأن اللغو في اللغة اسم الشيء الذي لا حقيقة له، قال الله تعالى:
﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ [الواقعة: ٢٥]، أي: باطلاً، وقال - عز وجل: خبراً عن
الكفرة: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وذلك فيما قلنا، وهو الحلف بما لا حقيقة
له، بل على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه، والحقيقة بخلافه.
وكذا ما يجري على اللسان من غير قصد، لكن في الماضي أو الحال - فهو مما لا حقيقة
(١) أخرجه البخاري (١١ /٥٥٦) كتاب الأيمان باب (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم حديث (٦٦٦٣)
ومالك (٤٧٧/٢) كتاب النذور والأيمان باب اللغو في اليمين حديث (٩) والشافعي في ((مسنده)) (٧٤/٢)
والبيهقي (٤٨/١٠) كتاب الأيمان: باب لغو اليمين، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٧٧/٥) عن عائشة.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (١/ ٤٨٠) وزاد نسبته إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي
حاتم وابن مردويه .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٣/٣) كتاب الأيمان: باب لغو اليمين حديث (٣٢٥٤) وابن حبان (١١٨٧ - موارد)
من طريق إبراهيم الصائغ قال: سألت عطاء فذكره.

١٢
كِتَابُ الأيمَانِ
له فكان لغواً؛ ولأن اللغو لما كان هو الذي لا حقيقة له كان هو الباطل الذي لا حكم له، فلا
يكون يميناً معقودة؛ لأن لها حكماً؛ ألا ترى أن المؤاخذة فيها ثابتة وفيها الكفارة بالنص، فدل
أن المراد من اللغو ما قلنا. وهكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير يمين
اللغو: ((هِيَ أَنْ يَخْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ))(١)، وبه تبين أن المراد
من قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقول رسول الله وَله: ((إِنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي فِي
كَلاَمَ النَّاسِ: لاَ وَالله، وَبَلَى وَالله)) في الْمَاضِي لاَ فِي الْمُسْتَقْبَلٍ، والدليل عليه أنها فسرتها
بالماضي في بعض الروايات.
وروي عن مطر عن رجل قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر على عائشة - رضي الله
تعالى عنها - فَسَأَلْتُهَا عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ، فَقَالَتْ: (قَوْلُ الرَّجُلِ: فَعَلْنَا وَاللهِ كَذَا وَصَنَعْنَا وَاللهِ كَذَا))،
فتحمل تلك الرواية على هذا توفيقاً بين الروايتين؛ إذ المجمل محمول على المفسر. وأما
قوله: إن الله سبحانه وتعالى - قابل اللغو باليمين المكسوبة، فنقول: في تلك الآية قابلها
بالمكسوبة، وفي هذه الآية قابلها بالمعقودة، ومتى أمكن حمل الآيتين على التوافق كان أولى
من الحمل على التعارض، فنجمع بين حكم الآيتين فنقول: يمين اللغو التي هي مكسوبة وغير
معقودة، والمخالف عطل إحدى الآيتين؛ فكنا أسعد حالاً منه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا الله عُرْضَةٌ لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]. فقد
روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن ذلك نهى عن الحلف على الماضي، معناه:
﴿وَلاَ تَجْعَلُوا الله عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾، أي: لا تحلفوا ألا تبروا(٢)، ويجوز إضمار
حرف ((لا)) في موضع القسم وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ
يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ أي: لا يؤتوا، ويحتمل أن تكون الآية عامة، أي: لا تحلفوا لكي تبروا،
فتجعلوا الله عرضة بالحنث بعد ذلك، بترك التعظيم؛ بترك الوفاء باليمين، يقال: فلان عرضة
للناس، أي: لا يعظمونه ويقعون فيه، فيكون هذا نهياً عن الحلف بالله تعالى إذا لم يكن
الحالف على يقين من الإصرار على موجب اليمين وهو البر أو غالب الرأي، والله عز وجل
أعلم.
وأما اليمين المعقودة فهي اليمين على أمر في المستقبل نفياً أو إثباتاً؛ نحو قوله: والله لا
أفعل كذا وكذا، وقوله: والله لأفعلن كذا.
(١) أخرجه عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي بمثله كما في ((الدر المنثور)) (١/ ٤٨٢).
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٧٩/١) بخسوه وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد.

١٣
كِتَابُ الأَیْمَانِ
فصل في ركن اليمين
وأما ركن اليمين بالله تعالى: فهو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بالله تعالى، وإنه مركب
من المقسم عليه والمقسم به، ثم المقسم به قد يكون اسماً، وقد يكون صفة، والاسم قد
يكون مذكوراً وقد يكون محذوفاً، والمذكور قد يكون صريحاً وقد يكون كناية. أما الاسم
صريحاً: فهو أن يذكر اسماً من أسماء الله تعالى أي اسم كان، سواء كان اسماً خاصاً لا يطلق
إلا على الله تعالى، نحو: الله والرحمن، أو كان يطلق على الله تعالى وعلى غيره؛ كالعليم
والحكيم، والكريم والحليم، ونحو ذلك؛ لأن هذه الأسماء وإن كانت تطلق على الخلق،
ولكن تعين الخالق مراداً بدلالة القسم؛ إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز، فكان الظاهر أنه أراد
به اسم الله تعالى؛ حملاً لكلامه على الصحة، إلا أن ينوي به غير الله تعالى فلا يكون يميناً؛
لأنه نوی ما يحتمله كلامه، فيصدق في أمر بينه وبين ربه.
وحكي عن بشر المريسي فيمن قال: والرحمن؛ أنه إن قصد اسم الله تعالى فهو حالف،
وإن أراد به سورة الرحمن فليس بحالف؛ فكأنه حلف بالقرآن، وسواء كان القسم بحرف الباء أو
الواو أو التاء؛ بأن قال: بالله أو والله أو تالله؛ لأن القسم بكل ذلك من عادة العرب، وقد ورد به
الشرع أيضاً، قال الله تعالى: ﴿الله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقال: ﴿وَتَالله لَأَكِيدَنَّ
أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقال تعالى خبراً عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَالله تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾
[النحل: ٣٨]، وقال - عز وجل: ﴿تَالله لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣]، وقال - عز
وجل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ [النحل: ٣٨]، وقال - عز وجل: ﴿وَيَّحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ [التوبة: ٥٦] تعالى.
وقد روينا عن رسول الله وَّر؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ تَخْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّوَاغِيتِ، فَمَنْ كَانَ
مِنْكُمْ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَدَغْ))(١)، إلا أَن الباء هي الأصل، وما سواها دخيل قائم مقامها،
(١) الحديث صحيح له طرق عن ابن عمر.
- أخرجه مالك (٢/ ٤٨٠) كتاب النذور والأيمان/ باب جامع الأيمان (١٤) والبخاري ٥٣٨/١١ كتاب
الأيمان والنذور/ باب لا تحلفوا بأبائكم (٦٦٤٦) ومسلم (١٢٦٧/٢) كتاب الأيمان/ باب النهي عن
الحلف بغير الله تعالى (٣/١٦٤٦) والترمذي (١٥٣٤) والدارمي (١٨٥/٢) وابن حبان ١٠/ ٢٠١ - ٢٠٤
كتاب الأيمان حديث (٤٣٥٩، ٤٣٦٠، ٤٣٦١).
والبيهقي (٢٨/١٠) كتاب الأيمان/ باب كراهية الحلف بغير الله عز وجل وأحمد في المسند ٢/ ١١، ١٧/
١٤٢.
والحميدي ٢/ ٣٠١ (٦٨٦) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٦٠).
من طرق عن نافع عن ابن عمر:
((أن رسول الله ◌َلو أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله المالية:
((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم فمن كان حالفاً فليَحلف بالله أو ليصمت)).
=

١٤
كِتَابُ الأَيْمَانِ
فقول: الحالف بالله، أي: احلف بالله؛ لأن ((الباء))(١) حرف إلصاق، وهو إلصاق الفعل
بالاسم، وربط الفعل بالاسم، والنحويون يسمون الباء حرف إلصاق، وحرف الربط، وحرف
الآلة والتسبيب، فإنك إذا قلت: كتبت بالقلم فقد ألصقت الفعل بالاسم، وربطت أحدهما
بالآخر، فكان القلم آلة الكتابة وسبباً يتوصل به إليها، فإذا قال: الله، فقد ألصق الفعل
المحذوف، وهو قوله: احلف بالاسم، وهو قوله: بالله، وجعل اسم الله آلة للحلف، وسبباً
يتوصل به إليه، إلا أنه لما كثر استعمال هذه اللفظة أسقط قوله: أحلف، واكتفى بقوله: بالله؛
كما هو دأب العرب من حذف البعض، وإبقاء البعض عند كثرة الاستعمال، إذا كان فيما بقي
دليلاً على المحذوف، كما في قولهم: باسم الله، ونحو ذلك، وإنما خفض الاسم؛ لأن الباء
من حروف الخفض؛ والواو قائم مقامه؛ فصار كأن الباء هو المذكور، وكذا التاء قائم مقام
الواو، فكان الواو هو المذكور، إلا أن الباء تستعمل في جميع ما يقسم به من أسماء الله
وصفاته.
وكذا الواو: فأما التاء؛ فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى، تقول تالله، ولا تقول:
تالرحمن، وتعزة الله تعالى لمعنى يذكر في النحو، ولو لم يذكر شيئاً من هذه الأدوات؛ بأن قال: الله
لا أفعل كذا يكون يميناً؛ لما روي أن رسول الله وَلَه حَلَّفَ رُكَانَةَ بْنَ زَيْدٍ أو زَيْدَ بْنَ رُكَانَةَ حِيِّن طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ الْبَّةَ؛ وَقَالَ: الله مَا أَرَدْتَ بِالْبَتتِّ إِلاَّ وَاحِدَةً(٢)؟ وبه تبين أن الصحيح ما قاله الكوفيون، وهو
أن يكون بالكسر؛ لأن النبي ﴿ ذكر الله بالكسر وهو أفصح العرب وَلّ، وكذا روي عن ابن عمر،
وغيره من الصحابة أنه سَأَلَّهُ وَاحِدٌ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: ((خَيْرٌ عَافَاكَ الله)) بِكسر الراء.
ولو قال: الله هل يكون يميناً - لم يذكر هذا في الأصل، وقالوا: إنه يكون يميناً؛ لأن
الباء توضع موضع اللام، يقال: آمن بالله، وآمن له، بمعنى، قال الله تعالى في قصة فرعون:
﴿ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]، وفي موضع آخر: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، والقصة واحدة.
وأخرجه البخاري ١١/ ٥٣٨ - ٥٣٩ كتاب الأيمان والنذور/ باب لا تحلفوا بأبائكم / ٦٦٤٧) ومسلم (٢/
=
١٢٦٦) كتاب الأيمان/ باب النهي عن الحلف بغير الله (١٦٤٦) وأبو داود (٢٤٢/٢) كتاب الأيمان/ باب
في كراهية الحلف بالآباء (٣٢٥٠).
(١) وهو أصل معانيها. ولم يذكر لها سيبويه غيره. قال: إنَّما هي للإلصاق والاختلاط. ثم قال: فما اتَّسع
من هذا، في الكلام، فهذا أصله. قيل: وهو معنى لا يفارقها.
والإلصاق ضربان: حقيقي نحو: أمسكتُ الحبل بيدي. قال ابن جني: أي: ألصقتها به. ومجازيّ،
نحو: مررت بزيد. قال الزمخشري: المعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه. قلت: وذكر ابن مالك
أن الباء في نحو: مررت بزيد، بمعنى ((على))، بدليل ﴿وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِم﴾. وحكاه عن الأخفش.
ينظر الجنى الداني ٣٦ - ٣٧.
(٢) سيأتي في كتاب الطلاق.

١٥
كِتَابُ الأَیْمَانِ
ولو قال: وربي ورب العرش، أو رب العالمين - كان حالفاً؛ لأن هذا من الأسماء
الخاصة بالله تعالى لا يطلق على غيره.
وأما الصفة: فصفات الله تعالى مع أنها كلها لذاته على ثلاثة أقسام:
منها: ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها؛ فالحلف بها يكون يميناً .
ومنها: ما يستعمل في الصفة وفي غيرها استعمالاً على السواء؛ فالحلف بها يميناً يكون
أيضاً.
ومنها: ما يستعمل في الصفة وفي غيرها، لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب؛
فالحلف بها لا يكون يميناً.
وعن مشايخنا من قال: ما تعارفه الناس يميناً يكون يميناً، إلا ما ورد الشرع بالنهي عنه،
وما لم يتعارفوه يميناً لا يكون يميناً، وبيان هذه الجملة إذا قال: وعزة الله، وعظمة الله،
وجلاله وكبريائه - يكون حالفاً؛ لأن هذه الصفات إذا ذكرت في العرف والعادة لا يراد بها إلا
نفسها، فكان مراد الحالف بها الحلف بالله تعالى، وكذا الناس يتعارفون الحلف بهذه الصفات،
ولم يرد الشرع بالنهي عن الحلف بها.
وكذا لو قال: وقدرة الله تعالی وقوته، وإرادته ومشيئته، ورضاه ومحبته و كلامه - يكون
حالفاً؛ لأن هذه الصفات، وإن كانت تستعمل في غير الصفة كما تستعمل في الصفة، لكن
الصفة تعينت مرادة بدلالة القسم؛ إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله تعالى وصفاته، فالظاهر إرادة
الصفة بقرينة القسم، وكذا الناس يقسمون بها في المتعارف؛ فكان الحلف بها يميناً.
ولو قال: ورحمة الله أو غضبه أو سخطه ــ لا يكون هذا يميناً؛ لأنه يراد بهذه الصفات
آثارها عادة لا نفسها، فالرحمة يراد بها الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، والغضب والسخط يراد به أثر الغضب والسخط عادة وهو العذاب
والعقوبة، لا نفس الصفة، فلا يصير به حالفاً إلا إذا نوى به الصفة، وكذا العرب ما تعارفت
القسم بهذه الصفات، فلا يكون الحلف بها يميناً، وكذا: وعلم الله لا يكون يميناً استحساناً،
والقياس أن يكون يميناً، وهو قول الشافعي؛ لأن علم الله تعالى صفة كالعزة والعظمة.
ولنا أنه يراد به المعلوم عادة، يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، أي: معلومك منا ومن
زَلأَتنا، ويقال: هذا علم أبي حنيفة أي معلومه؛ لأن علم أبي حنيفة قائم بأبي حنيفة لا يزايله،
ومعلوم الله تعالى قد يكون غير الله تعالى من العالم بأعيانها وأعراضها والمعدومات كلها؛ لأن
المعدوم معلوم، فلا يكون الحلف به يميناً إلا إذا أراد به الصفة، وكذا العرب لم تتعارف القسم
بعلم الله تعالى؛ فلا يكون يميناً بدون النية .

١٦
كِتَابُ الأَیْمَانِ
وسئل محمد عمن قال: وسلطان الله، فقال: لا أرى من يحلف بهذا، أي: لا يكون
يميناً .
وذكر القدوري؛ أنه إن أراد بالسلطان القدرة يكون حالفاً؛ كما لو قال: وقدرة الله، وإن
أراد المقدور لا يكون حالفاً؛ لأنه حلف بغير الله .
ولو قال: وأمانة الله ذكر في الأصل؛ أنه يكون يميناً، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف؛
أنه لا يكون يميناً، وذكر الطحاوي عن أصحابنا جميعاً؛ أنه ليس بيمين.
وجه ما ذكره الطحاوي؛ أن أمانة الله فرائضه التي تعبد عباده بها من الصلاة والصوم وغير
ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الامَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، فكان حلفاً بغير اسم الله - عز وجل - فلا يكون
يميناً.
وجه ما ذكره في الأصل؛ أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها صفته؛ ألا
ترى أن الأمين من أسماء الله تعالى، وأنه اسم مشتق من الأمانة، فكان المراد بها عند الإطلاق
خصوصاً في موضع القسم صفة الله .
ولو قال: وعهد الله فهو يمين؛ لأن العهد يمين لما يذكر، فصار كأنه قال: ويمين الله
وذلك یمین؛ فكذا هذا.
ولو قال: باسم الله لا أفعل كذا - يكون يميناً؛ كذا روي عن محمد؛ لأن الاسم
والمسمى واحد عند أهل السنة والجماعة، فكان الحلف بالاسم حلفاً بالذات؛ كأنه قال: بالله.
ولو قال: ووجه الله فهو يمين؛ كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، لأن
الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨]، أي: ذاته، وقال - عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾
[الرحمن: ٢٧]، أي: ذاته .
وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة؛ أن الرجل إذا قال: ووجه الله لا أفعل كذا، ثم
فعل؛ أنها ليست بيمين، وقال ابن شجاع: إنها ليست من أيمان الناس إنما هي حلف السفلة،
وروى المعلى عن محمد إذا قال: لا إله إلا الله لا أفعل كذا، وكذا لا يكون يميناً، إلا أن
ينوي يميناً، وكذا قوله: سبحان الله والله أكبر لا أفعل كذا؛ لأن العادة ما جرت بالقسم بهذا
اللفظ، وإنما يذكر هذا قبل الخبر على طريق التعجب؛ فلا يكون يميناً، إلا إذا نوى اليمين؛
فكأنه حذف حرف القسم؛ فيكون حالفاً.

١٧
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وعن محمد فيمن قال: وملكوت الله وجبروت الله؛ أنه يمين؛ لأنه من صفاته التي لا
تستعمل إلا في الصفة، فكان الحلف به يميناً؛ كقوله: وعظمة الله وجلاله وكبريائه، ولو قال:
وعمر الله لا أفعل كذا - كان يميناً؛ لأن هذا حلف ببقاء الله، وهو لا يستعمل إلا في الصفة،
وكذا الحلف به متعارف، قال الله - عز وجل: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الحجر: ٧٢]، وقال طرفة: [بحر الطويل]
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى لَكَالُوَلِ المُرْجَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ(١)
ولو قال: وأيم الله لا أفعل كذا كان يميناً؛ لأن هذا من صلات اليمين عند البصريين،
قال رسول الله وَّ في زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - حِينَ أَمَّرَهُ فِي حَرْبٍ مُؤْنَةَ، وَقَدْ
بَلَغَهُ الطَّعْنُ، وَأَيْمُ الله لَخَلِيقٌ لِلإِمَارَةِ(٢)، وعند الكوفيين هو جمع اليمين وتقديره: وأيمن الله
إلا أن النون أسقطت عند كثرة الاستعمال للتخفيف؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، والأيمن جمع يمين؛ فكأنه قال: ويمين الله، وأنه حلف بالله تعالى؛
لأن العرب تعارفته يميناً قال امرؤ للقيس(٣) [بحر الطويل]
فَقُلْتُ: يَمِينَ الله أَبْرَحُ قَاعِداً وَإِنْ قُطِعَتْ رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
حَلَفْتُ لَهَا بِاللهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلاَ صَالٍ(٤)
(١) ينظر ديوانه ص (٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٨ - ١٠٩) كتاب فضائل الصحابة: باب مناقب زيد بن حارثة حديث (٣٧٣٠)
وطرفه في (٤٢٥٠، ٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٧١٨٧) ومسلم (١٨٨٤/٤) كتاب فضائل الصحابة: باب فضل
زيد بن حارثة حديث (٢٤٢٦/٦٣) والترمذي (٦٣٥/٥) كتاب المناقب: باب مناقب زيد بن حارثة
حديث (٣٨١٦) وأحمد (٢٠/٢، ٨٩، ١٠٦، ١١٠) كلهم من حديث ابن عمر
(٣) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرارة أشهر شعراء العرب على الإطلاق ولد في
نحو ١٣٠، كان أبوه ملك أسد وغطفان، ويعرف بالملك الضليل لاضطراب أمره طول حياته، عنى
معاصرونا بشعره فكتب سليم الجندي، ومحمد أبو حديد ومحمد هادي من على الدفتر، محمد صالح
سمك، رئیف الخوري، محمد صبري.
ينظر: الأعلام ٢/ ١١.
(٤) ينظر ديوانه ص ٣٢؛ وخزانة الأدب ٢٣٨/٩، ٢٣٩، ٤٣/١٠، ٤٤، ٤٥؛ والخصائص ٢٨٤/٢؛
والدرر ٢١٢/٤؛ وشرح أبيات سيبويه ٢٢٠/٢؛ وشرح التصريح ١٨٥/١؛ وشرح شواهد المغني ١/
٣٤١؛ وشرح المفصّل ٧/ ١١٠، ٣٧/٨، ١٠٤/٩؛ والكتاب ٥٠٤/٣؛ ولسان العرب ٤٦٣/١٣
(يمن)؛ واللمع ص ٢٥٩؛ والمقاصد النحويّة ١٣/٢؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢٣٢/١؛ وخزانة
الأدب ٩٣/١٠، ٩٤؛ وشرح الأشموني ١١٠/١؛ ومغني اللبيب ٦٣٧/٢؛ والمقتضب ٣٦٢/٢؛ وهمع
الهوامع ٣٨/٢.
بدائع الصنائع ج٤ - ٢٢

١٨
كِتَابُ الأَيْمَانِ
وقالت عنيزة: [بحر الطويل]
فَقَالَتْ: يَمِينَ مَا لَكَ حِيلَةٌ وَمَا أَنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِي
فقد استعمل امرؤ القيس يمين الله، وسماه حلفاً بالله، ولو قال: وحق الله لا يكن حالفاً
في قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عنه رواية أُخرى؛ أنه
یکون يميناً .
ووجهه أن قوله: وحق الله، وإن كان إضافة الحق إلى الله تعالى، لكن الشيء قد يضاف
إلى نفسه في الجملة، والحق من أسماء الله تعالى؛ فكأنه قال: والله الحق.
ولهما أن الأصل أن يضاف الشيء إلى غيره لا إلى نفسه، فكان حلفاً بغير الله تعالى فلا
يكون يميناً؛ ولأن الحق المضاف إلى الله تعالى يراد به الطاعات والعبادات لله تعالى في عرف
الشرع .
ألا ترى أنه سئل رسول الله وَّله فقيل له: مَا حَقُّ الله عَلَى عِبَادِهِ؟ فَقَالَ: ((أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ
يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)(١)، والحلف بعبادة الله وطاعته لا يكون يميناً.
ولو قال: والحق يكون يميناً؛ لأن الحق من أسماء الله تعالى، قال الله تعالى:
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقيل: إن نوى به اليمين يكون يميناً وإلا فلا؛
لأن اسم الحق كما يطلق على الله تعالى يطلق على غيره؛ فيقف على النية.
ولو قال: حقاً لا رواية فيه، واختلف المشايخ، قال محمد بن سلمة: لا يكون يميناً؛
لأن قوله: حقاً بمنزلة قوله: صدقاً، وقال أبو مطيع: هو يمين؛ لأن الحق من أسماء الله
تعالى، فقوله: ((حقاً))؛ كقوله: ((والحق)).
ولو قال: أقسم بالله، أو أحلف، أو أشهد بالله، أو أعزم بالله - كان يميناً عندنا. وعند
الشافعي: لا يكون يميناً إلا إذا نوى اليمين؛ لأنه يحتمل الحال، ويحتمل الاستقبال فلا بد من
النية .
ولنا أن صيغة ((أفعل)) للحال حقيقة، وللاستقبال بقرينة السين وسوف وهو الصحيح، فكان
هذا إخباراً عن حلفه بالله للحال، وهذا إذا ظهر المقسم به، فإن لم يظهر؛ بأن قال: أقسم أو
أحلف أو أشهد أو أعزم - كان يميناً في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا يكون يميناً.
(١) أخرجه البخاري (٤١٢/١٠) كتاب اللباس: باب أرداف الرجل خلف الرجل حديث (٥٩٦٧).
ومسلم (٥٨/١) كتاب الأيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد ... حديث (٣٠/٤٨).
من حديث معاذ بن جبل.

١٩
كِتَابُ الأَیْمَانِ
وجه قوله: أنه إذا لم يذكر المحلوف به، فيحتمل أنه أراد به الحلف بالله، ويحتمل أنه
أراد به الحلف بغير الله تعالى، فلا يجعل حلفاً مع الشك.
ولنا أن القسم لما لم يجز إلا الله - عز وجل - كان الإخبار عنه إخباراً عما لا يجوز
بدونه؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٣]، ونحو ذلك؛ ولأن
العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه، قال الله تعالى: ﴿يَخْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾
[التوبة: ٩٦]، ولم يقل بالله، وقال - سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ
لَرَسُولُ الله﴾ [المنافقون: ١]، فالله سبحانه وتعالى سماه يميناً بقوله تعالى: ﴿اَنَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾
[المجادلة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، ولم يذكر بالله، ثم
سماه قسماً والقسم لا يكون إلا بالله تعالى في عرف الشرع، واستدل محمد بقوله تعالى: ﴿وَلاَ
يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧] فقال: أفيكون الاستثناء إلا في اليمين، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء لا يستدعي
تقدم اليمين لا محالة، وإنما يستدعي الإخبار عن أمر يفعله في المستقبل؛ كما قال تعالى:
﴿وَلَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهِ﴾ [الكهف: ٢٣ و٢٤]، وقوله: اعزم، معناه:
أوجب، فكان إخباراً عن الإيجاب في الحال وهذا معنى اليمين.
وكذا لو قال: عزمت لا أفعل كذا - وكان حالفاً.
وكذا لو قال: آليت لا أفعل كذا؛ لأن الألية هي اليمين.
وكذا لو قال: علي نذر أو نذر الله فهو يمين؛ لقوله بَّهَ: ((مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ
بِمَا سَمَّى، وَمَنْ نَذَرَ وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)) .
وقال وَِّ: ((النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِين))(١)، وروي أن عبد الله بن الزبير قال:
(لَتَنْتَهَيَنَّ عَائِشَةُ عَنْ بَيْعِ رِبَاعِهَا، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ،
قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَتْ: (الله عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ أَبَدًا)) فَأَعْتَقَ عَنْ يَمِينِهَا عَبْداً، وكذا قوله: علي
يمين أو يمين الله في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: له علي يمين لا يكون يميناً.
وجه قوله على ما ذكرنا فيما تقدم أن اليمين قد يكون بالله، وقد يكون بغير الله تعالى؛
فلا ينعقد يميناً بالشك.
(١) أخرجه أحمد (١٤٤/٤) ومسلم (٢٦/٣) كتاب المنذر - باب في كفارة النذر - حديث (١٦٥٤/١٣) وأبو داود
(٦١٥/٣) كتاب الأيمان والنذر - باب من نذر نذراً لم يسمه - حديث (٣٣٢٣) والترمذي (٤٢/٣) كتاب النذر
والأيمان - باب في كفارة النذر إذا لم يسم حديث (١٥٦٧) والنسائي (٢٦/٧): كتاب الأيمان والنذر - باب
كفارة النذر، وابن ماجه (٦٨٧/١): كتاب الكفارات باب من نذر نذراً ولم يسمه، حديث (٢١٢٧) والبيهقي
(٤٥/١٠): كتاب الأيمان - باب من قال عليّ نذر ولم يسم شيئاً من حديث عقبة بن عامر.

٢٠
كِتَابُ الأنمانِ
ولنا أن قوله: على يمين أي يمين الله؛ إذ لا يجوز اليمين بغير الله تعالى، وقوله: يمين
الله دون قوله: على يمين، فكيف معه، أو يقال: معنى قوله على يمين أو يمين الله، أي: على
موجب يمين الله، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ طلباً للتخفيف عند كثرة
الاستعمال .
ولو قال: على عهد الله، أو ذمة الله، أو ميثاقه - فهو يمين؛ لأن اليمين بالله تعالى هي
عهد الله على تحقيق [شيء] أو نفيه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾
[النحل: ٩١]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وجعل
العهد يميناً، والذمة هي العهد، ومنه أهل الذمة، أي: أهل العهد والميثاق، والعهد من
الأسماء المترادفة.
وقد روي أن رسول الله وَ﴿ كَانَ إِذَا بَعَثَ جَيْشاً قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ: ((وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ
تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلاَ تُعْطُوهُمْ))، أي: عهد الله وعهد رسوله، ولو قال: إن فعل كذا
فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي، أو برىء عن الإسلام، أو كافر، أو يعبد من دون الله أو
يعبد الصليب، أو نحو ذلك، مما يكون اعتقاده كفراً - فهو يمين استحساناً، والقياس أنه لا
يكون يميناً، وهو قول الشافعي.
وجه القياس أنه علق الفعل المحلوف عليه بما هو معصية، فلا يكون حالفاً؛ كما لو
قال: إن فعل كذا فهو شارب خمراً أو آكل ميتة.
وجه الاستحسان أن الحلف بهذه الألفاظ متعارف بين الناس؛ فإنهم يحلفون بها من لدن
رسول الله * إلى يومنا هذا من غير نكير، ولو لم يكن ذلك حلفاً لما تعارفوا؛ لأن الحلف
بغير الله تعالى معصية، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله عز وجل،
وإن لم يعقل. وجه الكناية فيه كقول العرب: لله علي أن أضرب ثوبي حطيم الكعبة، إن ذلك
جعل كناية عن التصدق في عرفهم، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه؛ كذا هذا.
هذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل، فأما إذا أضاف إلى الماضي؛ بأن قال: هو يهودي
أو نصراني إن فعل كذا لشيء قد فعله - فهذا يمين الغموس بهذا اللفظ ولا كفارة فيه عندنا،
لكنه هل يكفر، لم يذكر في الأصل.
وعن محمد بن مقاتل الرازي أنه يكفر؛ لأنه علق الكفر بشيء يعلم أنه موجود؛ فصار
كأنه قال: هو كافر بالله، وكتب نصر بن يحيى إلى ابن شجاع يسأله عن ذلك، فقال: لا يكفر،
وهكذا روي عن أبي يوسف؛ أنه لا يكفر وهو الصحيح؛ لأنه ما قصد به الكفر ولا اعتقده،
وإنما قصد به تزويج كلامه وتصديقه فيه، ولو قال: عصيت الله إن فعلت كذا، أو عصيته في
كل ما افترض على - فليس بيمين؛ لأن الناس ما اعتادوا الحلف بهذه الألفاظ.