Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كِتَابُ التّكَاحِ
موجباً، وإن كان قد سمى لها شيئاً آخر هو مال، فإن كان المسمى مثل مهر المثل أو أكثر -
فلها ذلك المسمى؛ لأن الزوج رضي بالزيادة، وإن كان أقل من مهر مثلها، فإن كان العبد أجنبياً
فلها ذلك المسمى لا غير؛ لأنه شرط لها شرطاً لا منفعة لها فيه فلا يكون غاراً لها بترك الوفاء
بما شرط لها، وإن كان ذا رحم محرم منها يبلغ به تمام مهر مثلها؛ لأنها إنما رضيت بدون مهر
مثلها بما شرط، ولم تكن راضية؛ فصار غاراً لها.
وهذا إذا لم يقل عنها، فأما إذا قال ذلك؛ بأن تزوجها على أن يعتق هذا العبد عنها،
فقبلت - صح النكاح، وصار العبد ملكاً، ثم إن كان ذا رحم محرم منها عتق عليها؛ لأنها
ملكت ذا رحم محرم منها، وكان ذلك مهراً لها؛ لأنها تملكه ثم يعتق عليها، وإن كان أجنبياً
يكون الزوج وكيلاً عنها بالإعتاق، فإن أعتق قبل العزل فقد وقع العتق عنها، وإن عزلته في
ذلك - صح العزل، والله أعلم.
فصل في حكم جهالة المهر
ومنها: ألا يكون مجهولاً جهالة تزيد على جهالة مهر المثل، وجملة الكلام فيه أن المهر
في الأصل لا يخلو؛ إما أن يكون معيناً مشاراً إليه، وإما أن يكون مسمى غير معين(١) مشاراً
إليه، فإن كان معيناً مشاراً إليه صحت تسميته، سواء كان مما يتعين بالتعيين في عقود
المعاوضات من العروض والعقار، والحيوان، وسائر المكيلات والموزونات سوى الدراهم
والدنانير، أو كان مما لا يتعين بالتعيين في عقود المعاوضات كالدراهم [والدنانير](٢)؛ لأنه مال
لا جهالة فيه، إلا أنه كان مما يتعين بالتعيين ليس للزوج أن يحبس العين، ويدفع [غيرها
من](٣) غير رضا المرأة؛ لأن المشار إليه قد تعين للعقد، فتعلق حقها بالعين فوجب عليه تسليم
عينه .
وإن كان مما لا يتعين له أن يحبسه، ويدفع مثله جنساً ونوعاً، وقدراً وصفة؛ لأن التعيين
إذا لم يصح صار مجازاً، [عوضاً من](٤) الجنس والنوع والقدر والصفة، وإن كان تبراً مجهولاً
أو نقرة ذهباً وفضة - يجبر على تسليم عينه في رواية؛ لأنه يتعين بالتعيين كالعروض، [ولا يجبر
في رواية؛ لأنه لا يتعين بالتعيين كالمضروب](٥).
وإن كان المسمى غير معين فالمسمى لا يخلو؛ إما أن يكون مجهول الجنس والنوع،
(١) في أ: غير مسمى غير معين.
(٣) سقط في ط.
(٥) سقط في أ.
(٢) سقط في ط.
(٤) في أ: بيان عن.

٥٠٢
كِتَابُ النّكَاحِ
والقدر والصفة، وإما أن يكون معلوم الجنس والنوع، والقدر والصفة (١)، فإن كان مجهولاً
٢٨ب كالحيوان والدابة، والثوب والدار/؛ بأن تزوج امرأة على حيوان أو دابة أو ثوب أو دار، ولم
يعين - لم تصح التسمية، وللمرأة مهر مثلها بالغاً ما بلغ؛ لأن جهالة الجنس متفاحشة؛ لأن
الحيوان اسم جنس تحته أنواع مختلفة، وتحت كل نوع أشخاص مختلفة.
وكذا الدابة، وكذا الثوب؛ لأن اسم الثوب يقع على ثوب القطن والكتان، والحرير
والخز والبز، وتحت كل واحد من ذلك أنواع كثيرة مختلفة، وكذا الدار؛ لأنها تختلف في
الصغر والكبر، والهيئة والتقطيع، وتختلف قيمتها باختلاف البلاد والمحال والسكك اختلافاً
فاحشاً، فتفاحشت الجهالة؛ فالتحقت بجهالة الجنس.
والأصل أن جهالة العوض تمنع صحة تسميته؛ كما في البيع والإجارة؛ لكونها مفضية
إلى المنازعة، إلا أنه يتحمل ضرب من الجهالة في المهر بالإجماع، فإن مهر المثل قد يجب
في النكاح الصحيح.
ومعلومٌ أن مهر المثل مجهولٌ ضرباً من الجهالة، فكل جهالة في المسمى مهراً؛ مثل
جهالة مهر المثل، أو أقل من ذلك - يتحمل، ولا يمنع صحة التسمية استدلالاً بمهر المثل،
وكل جهالة تزيد على جهالة مهر المثل يبقى الأمر فيها على الأصل، فيمنع صحة التسمية؛ كما
في سائر الأعواض.
إذا ثبت هذا: فنقول: لا شك أن جهالة الحيوان والدابة والثوب والدار أكثر من جهالة
مهر المثل؛ لأن بعد اعتبار تساوي المرأتين في المال والجمال، والسن والعقل، والدين والبلد
والعفة يقل التفاوت بينهما فتقل الجهالة، فأما جهالة الجنس والنوع، فجهالة متفاحشة، فكانت
أكثر جهالة من مهر المثل، فتمنع صحة التسمية. وإن كان المسمى معلوم الجنس والنوع،
مجهول الصفة [والقدر] (٢)، كما إذا تزوجها على عبد أو أمة، أو فرس أو جمل أو حمار، أو
ثوب مروي أو هروي - صحت التسمية، ولها الوسط من ذلك، وللزوج الخيار إن شاء أعطاها
الوسط، وإن شاء أعطاها قيمته وهذا عندنا، وقال الشافعي: لا تصح التسمية .
وجه قوله: إن المسمى مجهول الوصف، فلا تصح تسميته؛ كما في [باب](٣) البيع؛
وهذا لأن جهالة الوصف تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس، ثم جهالة الجنس تمنع صحة
التسمية؛ فكذا جهالة الوصف.
(١) في أ: وإما أن يكون معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة.
(٣) سقط في ط .
(٢) سقط في أ.

٥٠٣
كِتَابُ النّكَاحِ
ولنا أن النكاح معاوضة المال بما ليس بمال، والحيوان الذي هو معلوم الجنس والنوع
مجهول الصفة يجوز أن يثبت ديناً في الذمة بدلاً عما ليس بمال كما في الذمة، قال النبي وَالر:
((فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مَائَةٌ مِنَ الإِلِ))، والبضع ليس بمال، فجاز أن يثبت الحيوان ديناً في الذمة
بدلاً عنه؛ ولأن جهالة الوسط من هذه الأصناف؛ مثل جهالة مهر المثل، أو أقل، فتلك
الجهالة لما لم تمنع صحة تسمية البدل فكذا هذه، إلا أنه لا تصح تسميته ثمناً في البيع؛ لأن
البيع لا يحتمل جهالة البدل أصلاً، قلت أو كثرت، والنكاح يحتمل الجهالة اليسيرة مثل جهالة
مهر المثل، وإنما كان كذلك؛ لأن مبنى البيع على المضايقة والمماكسة فالجهالة فيه -، وإن
قلت - تفضي إلى المنازعة، ومبنى النكاح عل المسامحة [والمروءة] (١) فجهالة مهر المثل فيه لا
تفضي إلى المنازعة فهو الفرق.
وأما وجوب الوسط؛ فلأن الوسط هو العدل؛ لما فيه من مراعاة الجانبين؛ لأن الزوج
يتضرر بإيجاب الجيد، والمرأة تتضرر بإيجاب الرديء، فكان العدل في إيجاب الوسط، وهذا
معنى قول النبي ◌َّ: ((خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُهَا)).
والأصل في اعتبار الوسط في هذا الباب: ما روي عن رسول الله وَلَوَ أنه قال: ((أَيُّمَا
امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا - فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ(٢)، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرٌ مِثْلِ نِسَائِهَا لاَ
وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ))، وكذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه - في المفوضة أرى لها
مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط والمعنى ما ذكرنا.
(١) سقط في أ.
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي ص (٢٠٦) مسند عائشة حديث (١٤٦٣) وأحمد (٤٧/٦، ١٦٥) والدارمي
(١٣٧/٢) كتاب النكاح - باب النهي عن النكاح بغير ولي، وأبو داود (٥٦٦/٢) كتاب النكاح - باب في
الولي - حديث (٢٠٨٣) والترمذي (١٤٠٧/٣) كتاب النكاح - باب ما جاء لا نكاح إلا بولي حديث
(١١٠١) وابن ماجه (١/ ٦٠٥) كتاب النكاح - باب لا نكاح إلاّ بولي حديث (١٨٧٩) وابن الجارود ص
(٢٣٥) كتاب النكاح حديث (٧٠٠) والطحاوي (٧/٣) كتاب النكاح - باب النكاح بغير ولي عصبة، وابن
حبان (١٢٤٧ - موارد) والدارقطني (٢٢١/٣) كتاب النكاح حديث (١٠) والحاكم (١٦٨/٢) كتاب
النكاح - باب أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ...
والبيهقي (١٠٥/٧) كتاب النكاح - باب لا نكاح إلا بولي.
وأبو يعلى (١٤٧/٨) رقم (٤٦٩٢).
وأبو نعيم (٨٨/٦).
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٣/٥) من طرق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري أخبره أن
عروة بن الزبير أخبره أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته أن رسول الله وَلغير قال: ((أيما امرأة تزوجت بغير
إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا
ولي له.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
=

٥٠٤
كِتَابُ النكاح
وأما ثبوت الخيار بين الوسط وبين قيمته؛ فلأن الحيوان لا يثبت في الذمة ثبوتاً مطلقاً؛
ألا ترى أنه لا يثبت ديناً في الذمة في معاوضة المال بالمال، ولا يثبت في الذمة في ضمان
الإتلاف، حتى لا يكون مضموناً بالمثل في الاستهلاك بل بالقيمة، فمن حيث إنه يثبت في
الذمة في الجملة، قلنا بوجوب الوسط منه، ومن حيث إنه لا يثبت ثبوتاً مطلقاً، قلنا: يثبت
الخيار بين تسليمه وبين تسليم قيمته؛ عملاً بالشبهين جميعاً؛ ولأن الوسط لا يعرف إلا بواسطة
القيمة، فكانت القيمة أصلاً في الاستحقاق، فكانت أصلاً في التسليم.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن حبان وأبو عوانة كما في ((تلخيص الحبير)) (٣/
=
١٥٦).
وقد ضعف هذا الحديث الطحاوي فقال في ((شرح معاني الآثار» (٧/٣ - ٨) من طريق يحيى بن معين عن
ابن علية عن ابن جريج قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه فقلت له: أن سليمان بن
موسى حدثنا به عنك فأثنى على سليمان خيراً وقال أخشى أن يكون وهم علي. قال ابن حجر في
((التلخيص)) (١٥٧/٣) وقد ضعف هذه الحكاية يحيى بن معين فقال: سماع ابن علية من ابن جريج ليس
بذاك قال: وليس أحد يقول هذه الزيادة غير ابن علية وأعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم
وغيرهم الحكاية عن ابن جريج وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون
سليمان بن موسى وهم فيه وقد تكلم عليه الدارقطني في جزء من حدث ونسي ا. هـ.
ولابن حبان كلام في هذا الشأن ذكره في (صحيحه)) فقال: وليس هذا مما يقدح في صحة الخبر لأن
الضابط من أهل العلم قد يحدث بالحديث ثم ينساه فإذا سئل عنه فلم يعرفه فلا يكون نسيانه دالاً على
بطلان الخبر وهذا المصطفى وَ﴿ خير البشر وَلير فسها فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت فقال: كل ذلك
لم يكن فلما جاز على من اصطفاه الله لرسالته في أهم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حين نسي فلما
سألوه أنكر ذلك ولم يكن نسيانه دالاً على بطلان الحكم الذي نسيه كان جواز النسيان على من دونه من
أمته الذين لم يكونوا معصومين أولى ا. هـ.
وسليمان بن موسى لم ينفرد بالحديث عن الزهري فقد تابعه الحجاج بن أرطأة.
أخرجه ابن ماجه (٦٠٥/١) كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي (١٨٨٠) وأحمد (٦/ ٢٦٠) والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار» (٧/٣) وأبو يعلى (١٤٧/٨) رقم (٤٦٩٢) والبيهقي (١٠٥/٧) من طريق
الحجاج عن الزهري به .
والحجاج بن أرطأة ضعيف.
وتابعه أيضاً جعفر بن ربيعة.
أخرجه أبو داود (٢٠٨٤) وأحمد (٦٦/٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٣) قال أبو داود:
جعفر لم يسمع من الزهري كتب إليه وتابعه أيضاً عبيد الله بن أبي جعفر.
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧/٣) وهذا الطريق والذي قبله فيهما ابن لهيعة.
وقد ضعف الطحاوي هذه المتابعات في شرحه فقال: وهم يسقطون الحديث بأقل من هذا وحجاج بن
أرطأة لا يثبتون له سماعاً من الزهري وحديثه عنه مرسل عندهم وهم لا يحتجون بالمرسل وابن لهيعة فهم
ينكرون على خصمهم الاحتجاج به عليهم بحديثه فكيف يحتجون به عليه في مثل هذا.

٥٠٥
كِتَابُ النكاحِ
وأما ثبوت/ الخيار للزوج لا للمرأة، فلأنه المستحق عليه، فكان الخيار له، وكذلك إن ٢٩أ
تزوجها على بيت وخادم، فلها بيت وسط مما يجهز به النساء وهو بيت الثوب لا [البيت](١)
المبني، فينصرف إلى فرش البيت في أهل الأمصار، وفي أهل البادية إلى بيت الشعر ولها خادم
وسط؛ لأن المطلق من هذه الأصناف ينصرف إلى الوسط؛ لأن الوسط منها معلوم بالعادة،
وجهالته مثل جهالة مهر المثل أو أقل، فلا تمنع صحة التسمية؛ كما لو نص على الوسط، ولو
وصف شيئاً من ذلك؛ بأن قال: جيد أو وسط أو رديء - فلها الموصوف، ولو جاء بالقيمة
تجبر على القبول؛ لأن القيمة هي الأصل.
ألا ترى أنه لا يعرف الجيد والوسط والرديء إلا باعتبار القيمة، فكانت القيمة هي
المعرفة بهذه (٢) الصفات، فكانت أصلاً في الوجوب، فكانت أصلاً في التسليم، فإذا جاء بها
تجبر على قبولها.
ولو تزوجها على وصيف صحت التسمية، ولها الوسط من ذلك، ولو تزوجها على
وصيف أبيض لا شك أنه تصح التسمية؛ لأنها تصح بدون الوصف، فإذا وصف أوْلَى، ولها
الوصيف الجيد؛ لأن الأبيض عندهم اسم للجيد، ثم الجيد عندهم هو الرمي، والوسط
السندي، والرديء الهندي .
وأما عندنا: فالجيد هو التركي، والوسط الرومي، والرديء الهندي، وقد قال أبو حنيفة -
رحمه الله: قيمة الخادم الجيد خمسون ديناراً، وقيمة الوسط أربعون، وقيمة الرديء ثلاثون،
وقيمة البيت الوسط أربعون ديناراً.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن زاد السعر أو نقص، فبحسب الغلاء والرخص، وهذا ليس
باختلاف في الحقيقة، ففي زمن أبي حنيفة كانت القيم مسعرة (٣)، وفي زمانهما تغيرت القيمة،
فأجاب كل على عرف زمانه، والمعتبر في ذكر القيمة بلا خلاف، ولو تزوجها على بيت وخادم
حتى وجب الوسط من كل واحد منهما، ثم صالحت من ذلك زوجها على أقل من قيمة الوسط
ستين ديناراً، أو سبعين ديناراً - جاز الصلح؛ لأنها بهذا الصلح أسقطت بعض حقها؛ لأن
الواجب فيهما ثمانون، فإذا صالحت على أقل من ذلك، فقد أسقطت البعض، ومن له الحق
إذا أسقط بعض حقه، واستوفى الباقي - جاز، ويجوز ذلك بالنقد والنسيئة لما ذكرنا أن الصلح
وقع على عين الحق بإسقاط البعض، فكان الباقي عين الواجب؛ فجاز فيه التأجيل، فإن
صالحت على مائة دينار فالفضل باطل؛ لأن المسمى إذا لم يكن مسعراً (٤) - فالقيمة واجبة
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: لهذه.
(٣) في أ: مستقرة.
(٤) في أ: مستقرة.

٥٠٦
كِتَابُ النَّاحِ
بالعقد، ومن وجب له حق، فصالح على أكثر من حقه - لم يجز، إن كان المسعى معلوم
الجنس والنوع، والقدر والصفة، كما إذا تزوجها على مكيل موصوف، أو موزون موصوف
سوى الدراهم والدنانير - صحت التسمية؛ لأن المسعى مال معلوم لا جهالة فيه بوجه.
ألا ترى أنه ثبت ديناً في الذمة ثبوتاً مطلقاً، فإنه يجوز البيع به والسلم فيه، ويضمن
بالمثل؛ فيجبر الزوج على دفعه، ولا يجوز دفع عوضه إلا برضا المرأة، ولو تزوجها على
مكيل أو موزون ولم يصف - صحت التسمية؛ لأنه مال معلوم الجنس والنوع، فتصح تسميته،
فإن شاء الزوج أعطاها الوسط من ذلك، وإن شاء أعطاها قيمته، كذا ذكر الكرخي في
((جامعه))، وذكر الحسن عن أبي حنيفة؛ أنه يجبر على تسليم الوسط.
وجه ما ذكره الكرخي؛ أن القيمة أصل في إيجاب الوسط؛ لأن بها يعرف كونه وسطاً،
فكان أصلاً في التسليم؛ كما في العبد.
وجه رواية الحسن: أن الشرع لما أوجب الوسط، فقد تعين الوسط بتعيين الشرع؛ فصار
كما لو عينه بالتسمية، ولو سمى الوسط يجبر على تسليمه؛ كذا هذا، بخلاف العبد فإن هناك
لو سمى الوسط، ونص عليه ـ لا يجبر على تسليمه، فكذا إذا أوجبه الشرع، والله أعلم.
وأما الثياب: فقد ذكر في الأصل: أنه إذا تزوجها على ثياب موصوفة؛ إنه بالخيار إن
شاء سلمها وإن شاء سلم قيمتها، ولم يفصل بين ما إذا سمى لها أجلاً أو لم يسم، وقال أبو
يوسف: إن أجلها يجبر على دفعها، وإن لم يؤجلها فلها القيمة، وروي عن أبي حنيفة؛ أنه
يجبر على تسليمها من غير هذا التفصيل وهو قول زفر.
وجه ما ذكر في الأصل: أن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتاً مطلقاً؛ لأنها ليست من ذوات
الأمثال؛ ألا ترى أنها مضمونة بالقيمة لا بالمثل في ضمان العدوان، ولا تثبت في الذمة بنفسها
٢٩ب في عقود المعاوضات، بل بواسطة الأجل فكانت كالعبيد، وهناك/ لا يجبر على دفع العبد،
وله أن يسلم القيمة؛ كذا لههنا.
وأبو يوسف يقول: إذا أجلها، فقد صارت بحيث تثبت في الذمة ثبوتاً مطلقاً؛ ألا ترى
أنها تثبت في الذمة في السلم، فيجبر على الدفع [كما في السلم](١) بل أولى؛ لأن البدل في
البيع لا يحتمل الجهالة رأساً، والمهر في النكاح يحتمل ضرباً من الجهالة، فلما ثبتت في الذمة
في البيع؛ فلأن تثبت في النكاح أولى.
وجه الرواية الأُخرى لأبي حنيفة أن امتناع ثبوتها في الذمة لمكان الجهالة، فإذا وصفت
(١) سقط في ط.

٥٠٧
كِتَابُ النَّاحِ
فقد زالت الجهالة، فيصح ثبوتها في الذمة مهراً في النكاح، وإنما لا يصح السلم فيها إلا
مؤجلاً؛ لأن العلم بها يقف على التأجيل؛ بل لأن السلم لم يشرع إلا مؤجلاً، والأجل ليس
بشرط في المهر، فكان ثبوتها في المهر غير مؤجلة كثبوتها في السلم مؤجلة، فيجبر على
تسليمها .
ولو قال: تزوجتك على هذا العبد، أو على ألف، أو على ألفين - فالتسمية فاسدة في
قول أبي حنيفة، ويحكم مهر مثلها، فإن كان مهر مثلها مثل الأدون أو أقل - فلها الأدون، إلا
أن يرضى الزوج بالأرفع، وإن كان مهر مثلها مثل الأرفع فلها الأرفع إلا أن ترضى المرأة
بالأدون، وإن كان مهر مثلها فوق الأدون أو أقل من الأرفع - فلها مهر مثلها، وقال أبو يوسف
ومحمد: التسمية صحيحة، ولها الأدون على كل حال.
وجه قولهما: إن المصير إلى مهر المثل عند تعذر إيجاب المسمى، ولا تعذر لههنا؛ لأنه
يمكن إيجاب الأقل لكونه متيقناً، وفي الزيادة شك، فيجب المتيقن به وصار؛ كما إذا أعتق
عبده على ألف أو ألفين، أو خالع امرأته على ألف أو ألفين؛ أنه تصح التسمية، وتجب
الألف؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه جعل المهر أحد المذكورين غير عين؛ لأن كلمة ((أو))
تتناول أحد المذكورين غير عين، وأحدهما غير عين مجهول، فكان المسمى مجهولاً، وهذه
الجهالة أكثر من جهالة مهر المثل.
ألا ترى أن كلمة ((أو)) تدخل بين أقل الأشياء وأكثرها، فتمنع صحة التسمية؛ فيحكم مهر
المثل؛ لأنه الموجب الأصلي فى هذا الباب، فلا يعدل عنه إلا عند صحة التسمية، ولا صحة
إلا بتعيين المسمى ولم يوجد، فيجب مهر المثل؛ لأنه لا ينقص عن الأدون؛ لأن الزوج رضي
بذلك القدر، ولا يزاد على الأرفع لرضا المرأة بذلك القدر، ولا يلزم على هذا ما إذا تزوجها
على هذا العبد، أو على هذا العبد أن الزوج بالخيار في أن يدفع أيهما شاء، أو على أن المرأة
بالخيار في ذلك تأخذ أيهما شاءت؛ أنه تصح التسمية، وإن كان المسمى مجهولاً؛ لأن تلك
الجهالة یمکن رفعها .
ألا ترى أنها ترتفع باختيار من له الخيار، فقلت الجهالة؛ فكانت كجهالة مهر المثل، أو
أقل من ذلك، فلا تمنع صحة التسمية لههنا [و] لا سبيل إلى إزالة هذه الجهالة؛ لأنه إذا لم
يكن فيه خيار كان لكل واحد منهما أن يختار غير ما يختاره صاحبه، ففحشت الجهالة، فمنعت
صحة التسمية، بخلاف الإعتاق والخلع؛ لأنه ليس لهما موجب أصلي يصار إليه عند وقوع
الشك في المسعى، فوجب المتيقن من المسعى؛ لأن إيجابه أولى من الإيقاع مجاناً بلا عوض
أصلاً لعدم رضا المولى والزوج بذلك، وفيما نحن فيه له موجب أصلي، فلا يعدل عنه إلا عند

٥٠٨
كِتَابُ النكاحِ
تعين المسعى، ولا تعين مع الشك بإدخال كلمة الشك، فالتحقت التسمية بالعدم، فبقي
الموجب الأصلي واجب المصير إليه.
ولو تزوج امرأة على ألف إن لم يكن له امرأة، وعلى ألفين إن كانت له امرأة، أو
تزوجها على ألف إن لم يخرجها من بلدها، وعلى ألفين إن أخرجها من بلدها، أو تزوجها
على ألف إن كانت مولاة، وعلى ألفين إن كانت عربية، وما أشبه ذلك - فلا شك أن النكاح
جائز؛ لأن النكاح المؤبد الذي لا توقيت فيه لا تبطله الشروط الفاسدة؛ لما قلنا إن هذه
الشروط لو أثرت لأثرت في المهر بفساد التسمية، وفساد التسمية لا يكون فوق العدم، ثم عدم
التسمية رأساً لا يوجب فساد النكاح؛ ففسادها أولى.
وأما المهر: فالشرط الأول جائز بلا خلاف، فإن وقع الوفاء به فلها ما سمى على ذلك
الشرط، وإن لم يقع الوفاء به؛ فإن كان على خلاف ذلك أو فعل خلاف ما شرط لها - فلها
مهر مثلها، لا ينقص من الأصل(١) ولا يزاد على الأكثر، وهذا قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان.
١٣٠
وقال زفر: الشرطان فاسدان، وهذه فريعة مسألة مشهورة في الإجارات/، وهو أن يدفع
رجل ثوباً إلى الخياط، فيقول: إن خطه اليوم فلك درهم، وإن خطه غداً فلك نصف درهم.
وجه قول زفر: أن كل واحد من الشرطين يخالف الآخر(٢)، فأوجب ذلك جهالة
المستحق [فلم تضع التسمية .
وجه قولهما: إن المسمى معلوم في الشرط الثاني؛ كما هو معلوم في الشرط الأول](٣)،
فتصح التسميتان؛ كما إذا قال للخياط: إن خطه رومياً فبدرهم، وإن خطه فارسياً فبنصف
درهم.
ولأبي حنيفة أن الشرط الأول وقع صحيحاً بالإجماع، وموجبه رد مهر المثل إن لم يقع
الوفاء به، فكانت التسمية الأولى صحيحة، فلو صح الشرط الثاني لكان نافياً موجب الشرط
الأول، والتسمية الأولى، والتسمية بعدما صحت لا يجوز نفي موجبها، فبطل الشرط الثاني
ضرورة، وقال: إن ما شرط الزوج من طلاق [المرأة](٤) وترك الخروج من البلد - لا يلزمه في
الحكم؛ لأن ذلك وعد وُعِدَ لها فلا يكلف به، وعلى هذا يخرج ما إذا تزوجها على حكمه، أو
حكم أجنبي؛ أن التسمية فاسدة؛ لأن المحكوم به مجهول، وجهالته أكثر من جهالة مهر
(١) في أ: الأقل.
(٢) في أ: مخالف للأخر.
(٣) سقط في ط .
(٤) سقط في أ.

١
٥٠٩
كِتَابُ النّكَاحِ
المثل، فيمنع صحة التسمية(١)، ثم إن كان التزوج على حكم الزوج ينظر إن حكم بمهر مثلها،
أو أكثر فلها ذلك؛ لأنه رضي ببذل الزيادة، وإن حكم بأقل من مهر مثلها فلها مهر مثلها، إلا
أن ترضى بالأقل، وإن كان التزوج على حكمها، فإن حكمت بمهر مثلها أو أقل - فلها ذلك؛
لأنها رضيت بإسقاط حقها، وإن حكمت بأكثر من مهر مثلها - لم تجز الزيادة؛ لأن المستحق
هو مهر المثل، إلا إذا رضي الزوج بالزيادة، وإن كان التزوج على حكم أجنبي، فإن حكم
بمهر المثل جاز، وإن حكم بأكثر من مهر المثل يتوقف على رضا الزوج، وإن حكم بأقل من
مهر المثل يتوقف على رضا المرأة؛ لأن المستحق هو مهر المثل، والزوج لا يرضى بالزيادة،
والمرأة لا ترضى بالنقصان؛ فلذلك توقف الأمر في الزيادة والنقصان على رضاهما، فإن
تزوجها على ما يكسب العام أو يرث، فهذه تسمية فاسدة لأن جهالة هذا أكثر من جهالة مهر
المثل، وقد انضم إلى الجهالة الخطر؛ لأنه قد يكسب وقد لا يكسب، ثم الجهالة بنفسها تمنع
صحة التسمية، فمع الخطر أولى.
ولو تزوج امرأتين على صداق واحد [يجوز إلا](٢) أن يقول: تزوجتكما على ألف درهم
فقبلتا - فالنكاح جائز لا شك فيه، ويقسم الألف بينهما على قدر مهر مثليهما؛ لأنه جعل الألف
بدلاً عن بضعيهما، والبدل يقسم على قدر قيمة المبدل، والمبدل هو البضع، فيقسم البدل على
قدر قيمته وقيمته مهر المثل؛ كما لو اشترى عبدين بألف درهم؛ أنه يقسم الثمن على قدر
قیمتهما؛ كذا هذا.
فإن قبلت إحداهما دون الأخرى جاز النكاح في التي قبلت بخلاف البيع؛ فإنه إذا قال:
بعت هذا العبد منكما، فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر - لم يجز البيع أصلاً، والفرق أنه لما
قال: تزوجتكما، فقد جعل قبول كل واحدة منهما شرطاً لقبول الأخرى، والنكاح لا يحتمل
التعليق بالشرط، فكان إدخال الشرط فيه فاسداً، والنكاح لا يفسد بالشرط الفاسد(٣) والبيع
یفسد به .
وإذا جاز النكاح تقسم الألف على قدر مهر مثلهما لما قلنا، فما أصاب حصة التي قبلت
فلها ذلك القدر، والباقي يعود إلى الزوج، وإن كانت إحداهما ذات زوج، أو في عدة من
زوج، أو كانت ممن لا يحل له نكاحها؛ فإن جميع الألف التي يصح نكاحها في قول أبي
حنيفة - رحمه الله - وعندهما: تقسم الألف على قدر مهر مثليهما، فما أصاب [حصة] (٤) التي
صح نكاحها - فلها ذلك، والباقي يعود إلى الزوج.
(١) في ط: التسليم.
(٢) في أ: نحو.
(٣) في أ: بالشروط الفاسدة.
(٤) سقط في أ.

٥١٠
كِتَابُ النَّكَاحِ
وجه قولهما: إنه جعل الألف مهراً لهما جميعاً، وكل واحدة منهما [محل](١) صالح
للنكاح حقيقة؛ لكونها قابلة للمقاصد المطلوبة منه حقيقة، إلا أن المحرمة منهما لا تزاحم
صاحبتها في الاستحقاق؛ لخروجها من أن تكون محلاً لذلك شرعاً مع قيام المحلية حقيقة،
فيجب إظهار أثر المحلية الحقيقية في الانقسام.
ولأبي حنيفة أن المهر يقابل ما يستوفي بالوطء وهو منافع البضع، وهذا العقد في حق
المحرمة لا يمكن من استيفاء المنافع؛ لخروجها من أن تكون محلاً للعقد شرعاً، والموجود
الذي لا ينتفع به والعدم الأصلي سواء، فيجعل ذلك المهر بمقابلة الأجنبية؛ كما إذا جمع بين
المرأة والأتان وقال: تزوجتكما على ألف درهم، فإن دخل الزوج بالتي فسد نكاحها، ففي
٣٠ب قياس قول أبي حنيفة لها مهر مثلها بالغاً ما / بلغ؛ لأنه لا تعتبر التسمية حقها، فالتحقت التسمية
بالعدم.
وفي قياس قول أبي يوسف ومحمد؛ لها مهر مثلها، لا يجاوز حصتها من الألف؛
لأنهما لا يعتبران التسمية [في حقها] (٢) في حق الانقسام، والله - عز وجل - أعلم.
وعلى هذا تخرج تسمية المهر على السمعة والرياء، أنها تصح أو لا تصح، وجملة
الكلام فيه أن السمعة في المهر؛ إما أن تكون في قدر المهر، وإما أن تكون في جنسه؛ فإن
كانت في قدر المهر بأن تواضعا في السر والباطن، واتفقا على أن يكون المهر ألف درهم،
لكنهما يظهران في العقد ألفين لأمر حملهما على ذلك؛ فإن لم يقولا: ألف منهما سمعة
فالمهر ما ذكراه في العلانية وذلك ألفان؛ لأن المهر ما يكون مذكوراً في العقد، والألفان
مذكوران في العقد؛ فإذا لم يجعلا الألف منهما سمعة - صحت تسمية الألفين، وإن قالا:
الألف منهما سمعة فالمهر ما ذكراه في السر، وهو الألف في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو
قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -.
وروي عن أبي حنيفة؛ أن المهر ما أظهره(٣) وهو الألفان.
وجه هذه الرواية أن المهر هو المذكور في العقد؛ لأنه اسم لما يملك به البضع، والذي
يملك به البضع هو المذكور في العقد، وأنه يصلح أن يكون مهراً؛ لأنه مال معلوم فتصح
تسميته، ويصير مهراً، ولا تعتبر المواضعة (٤) السابقة.
وجه ظاهر الرواية؛ أنهما لما قالا: الألف منهما سمعة، فقد هزلا بذلك قدر الألف
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: أظهراه.
(٢) سقط في ط .
(٤) في ط: المواضع.

٥١١
كِتَابُ النّكَاحِ
حيث لم يقصد به مهراً، والمهر مما يدخله الجد والهزل، ففسدت تسميته قدر الألف،
والتحقت بالعدم، فبقي العقد على ألف، وإن كانت السمعة من جنس المهريات تواضعا،
واتفقا في السر والباطن على أن يكون المهر ألف درهم، ولكنهما يظهران في العقد مائة دينار؛
فإن لم يقولا رياء وسمعة - فالمهر ما تعاقدا عليه لما قلنا، وإن قالا رياء وسمعة، فتعاقدا على
ذلك - فلها مهر مثلها في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ورواية(١) عنه أن لها مهر العلانية مائة
دینار .
وجه هذه الرواية على نحو ما ذكرنا أن المائة دينار هي المذكورة في العقد، والمهر اسم
للمذكور في العقد لما بينا، فيعتبر المذكور فيه(٢)، ولا تعتبر المواضعة السابقة.
وجه ظاهر الرواية؛ أن ما تواضعا عليه وهو الألف لم يذكراه في العقد، وما ذكراه [في
العقد](٣) وهو المائة دينار ما تواضعا عليه، فلم توجد التسمية، فيجب مهر المثل؛ كما لو
تزوجها ولم يسم لها مهراً؛ هذا الذي ذكرنا إذا لم يتعاقدا في السر والباطن [ولكنهما تواضعا
وتوافقا في السر والباطن](٤) على أن يكون للمهر قدر أو جنس، ثم يتعاقدا على ما تواضعا
واتفقا عليه، فأما إذا تعاقدا في السر على قدر من مهر أو جنس منه، ثم اتفقا وتواضعا في السر
على أن يظهرا في عقد العلانية أكثر من ذلك [أو](٥) جنساً آخر، فإن لم يذكرا في المواضعة
السابقة أن ذلك سمعة - فالمهر ما ذكراه في العلانية في قول أبي حنيفة ومحمد، ويكون ذلك
زيادة على المهر الأول، سواء كان من جنسه أو من خلاف جنسه [فإن كان من خلاف
جنسه](٦)، فجميعه يكون زيادة على المهر الأول، وإن كان من جنسه فقدر الزيادة على المهر
الأول يكون زيادة، وروي عن أبي يوسف؛ أنه قال: المهرُ مهرُ السِّرِّ.
وجه قوله: إن المهر ما يكون مذكوراً في العقد، والعقد هو الأول؛ لأن النكاح لا
يحتمل الفسخ والإقالة، فالثاني لا يرفع الأول، فلم يكن الثاني عقداً في الحقيقة، فلا يعتبر
المذكور عنده، فكان المهر المذكور في العقد الأول.
وجه قولهما؛ إنهما قصدا شيئين: استئناف العقد، وزيادة في المهر، واستئناف العقد لا
يصح؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ، والزيادة صحيحة؛ فصار كأنه زاد ألفاً أُخرى أو مائة
دينار، وإن ذكرا في المواضعة السابقة أن الزيادة أو الجنس الآخر سمعة - فالمهر هو المذكور
في العقد الأول، [و]المذكور في العقد الثاني لغو؛ لأنهما هزلا به، حيث جعلاه سمعة،
والهزل يعمل في المهر فيبطله، والله أعلم.
(١) في أ: روى.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ط.
(٥) سقط في ط .
(٦) سقط في ط.

٥١٢
كِتَابُ النَّاحِ
فصل
ومنها: أن يكون النكاح صحيحاً، فلا تصح التسمية في النكاح الفاسد، حتى لا يلزم
المسمى؛ لأن ذلك ليس بنكاح؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى، إلا أنه إذا وجد الدخول يجب
مهر المثل، لكن بالوطء لا بالعقد، على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى، ولو تزوج امرأة
عى جارية بعينها، واستثنى ما في بطنها - فلها الجارية وما في بطنها، ذكره الكرخي والطحاوي
١٣١ من/ غير خلاف؛ لأن تسمية الجارية مهراً قد صحت؛ لأنها مال معلوم، واستثناء ما في بطنها
لم يصح؛ لأن الجنين في حكم جزء من أجزائها، فإطلاق العقد على الأم يتناوله، فاستثناؤه
يكون بمنزلة شرط فاسد، والنكاح [لا يحتمل] (١) شرطاً فاسداً، فيلغو الاستثناء، ويلتحق
بالعدم؛ كأنه لم يستثن رأساً، وكذلك إذا وهب جارية، واستثنى ما في بطنها، أو خالع، أو
صالح من دم العمد؛ لأن هذه التصرفات لا تبطلها الشروط الفاسدة.
ولو تزوج امرأة على جارية، فاستحقت، أو (٢) هلكت قبل التسليم - فلها قيمتها؛ لأن
التسمية قد صحت؛ لكون المسمى مالاً متقوماً معلوماً، فالعقد انعقد موجب التسليم [ولم يبطل
فوات التسليم](٣) بالاستحقاق والهلاك؛ لأنه عجز عن تسليمها فتجب قيمتها، بخلاف البيع إذا
هلك المبيع قبل التسليم إلى المشتري؛ أنه لا يغرم البائع قيمته، وإنما يسقط الثمن لا غير؛
لأن هلاك المبيع يوجب بطلان البيع، وإذا بطل البيع لم يبق وجوب التسليم فلا تجب القيمة،
ثم تفسير مهر المثل هو أن يعتبر مهرها بمهر مثل نسائها من أخواتها لأبيها وأمها أو لأبيها،
وعماتها وبنات أعمامها في بلدها وعصرها على مالها وجمالها وسنها وعقلها ودينها؛ لأن
الصداق يختلف باختلاف البلدان [والأعصار] (٤) وكذا يختلف باختلاف المال والجمال، والسن
والعقل والدين؛ فيزداد مهر المرأة لزيادة مالها وجمالها وعقلها ودينها وحداثة سنها، فلا بد من
المماثلة بين المرأتين في هذه الأشياء؛ ليكون الواجب لها مهر مثل نسائها؛ إذ لا يكون مهر
المثل بدون المماثلة بينهما، ولا يعتبر مهرها بمهر أمها ولا بمهر خالتها، إلا أن تكون من
قبيلتها من بنات أعمامها؛ لأن المهر يختلف بشرف النسب، والنسب من الآباء لا من
الأمهات؛ فإنما يحصل لها شرف النسب من قبيل(٥) أبيها أو قبيلته، لا من قبل أمها وعشيرتها،
والله أعلم.
(١) في أ: إذا استثنى فيه.
(٢) في ط: وهلكت.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ط.
(٥) في أ: قِبَل.

٥١٣
كِتَابُ النّكَاحِ
فصل في بیان ما يجب به المهر
وأما بيان ما يجب به المهر، وبيان وقت وجوبه وكيفية وجوبه، وما يتعلق بذلك من
الأحكام: فنقول ـ وبالله التوفيق -: المهر [في النكاح الصحيح] (١) يجب بالعقد؛ لأنه إحداث
الملك، والمهر يجب بمقابلة إحداث الملك؛ ولأنه عقد معاوضة، وهو معاوضة البضع
بالمهر، فيقتضي وجوب العوض كالبيع، سواء كان المهر مفروضاً في العقد أو لم يكن
عندنا(٢).
(١) سقط في أ.
(٢) المهر في النكاح الصحيح يجب للزوجة على زوجها وجوباً موسعاً ويتضيق بالمكالية سواء كان المهر
مفروضاً في العقد أو لم يكن وغنياً لحنفية وجوب مهر المثل بنفس العقد وعند الشافعي لا يجب بنفس
العقد وإنما يجب بالغرض أو بالدخول. للحنفية أن ملك النكاح لم يشرع لعين بل لمقاصد لا حصول لها
إلا بالدوام على النكاح والقرار عليه ولا يدوم إلا بوجوب المهر بنفس العقد لما يجري بين الزوجين من
الأسباب التي تحمل الزوج على الطلاق من الوحشة والخشونة فلو لم يجب المهر بنفس العقد لا يبالي
الزوج عن إزالة هذا الملك بأدنى خشونة تحدث بينهما لأنه لا يشق عليه إزالة إذ لم يخف لزوم المهر فلا
تحصل المقاصد المطلوبة من النكاح.
ولأن مصالح النكاح ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة
مكرمة عند الزوج ولا عزة إلا بانسداد طريق الوصول إليها ولا انسداد للطريق إلا بمال له خطر. واجباً
بنفس العقد لأن بإضافة طريق إصابته يعز في الأعين فيعز به إمساكه وما يتيسر طريق إصابة يهون في
الأعين فيهون إمساكه ومتى كانت في عين الزوج تلحقها الوحشة فلا تقع الموافقة فلا تحصل مقاصد
النكاح: والدليل على صحة ما قلنا وفساد ما قال إنها لو طلبت الفرض من الزوج يجب عليه الفرض حتى
لو امتنع فالقاضي يجبره على ذلك. ولو لم يفعل ناب القاضي منابه في الغرض وهذا دليل الوجوب قبل
الفرض لأن الفرض تقدير ومن المحال وجوب تقدير ما ليس بواجب.
وكذا لها أن تحبس نفسها حتى يفرض لها المهر ويسلم إليها بعد الفرض وذلك كله دليل الوجوب بنفس
العقد.
واحتج الشافعي بقوله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ سمى الصداق نحلة والنحلة هي العطية
والعطية هي الصلة فدل أن المهر صلة زائدة في باب النكاح فلا يجب بنفس العقد.
ولأن النكاح عقد ازدواج لأن اللفظ لا ينبىء إلا عنه فيقتضي ثبوت الزوجية بينهما وحل الاستمتاع لكل
واحد منهما بصاحبه تحقيقاً لمقاصد النكاح إلا أنه ثبت عليها نوع ملك في منافع البضع ضرورة تحقق
المقاصد ولا ضرورة في إثبات ملك المهر لها عليه فكان المهر عهدة زائدة في حق الزوج صلة لها فلا
يصير عوضاً إلا بالتسمية.
ويقال في الرد عليه إن الآية التي استدللت بها لا تصلح حجة لإثبات مدة فأن النحلة كما تذكر بمعنى
العطية تذكر بمعنى الدِّين يقال ما نحلتك أي ما دينك فكان معنى قوله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن
نحلة﴾ أي ديناً أي انتحلوا ذلك وعلى هذا كانت الآية حجة عليك لأنها تقتضي أن يكون وجوب المهر
في النكاح ديناً فيقع الاحتمال في المراد فلا تكون حجة مع الاحتمال.
بدائع الصنائع ج٣ - م٣٣
=

٥١٤
كِتَابُ النَّاحِ
وعند الشافعي: إن كان مفروضاً لا يجب [فكذلك وإن لم يكن مفروضاً] بنفس العقد، وإنما
يجب بالفرض أو بالدخول على ما ذكرنا فيما تقدم، وفي النكاح الفاسد: يجب المهر لكن لا بنفس
العقد، بل بواسطة الدخول؛ لعدم حدوث الملك قبل الدخول أصلاً، وعدم حدوثه بعد الدخول
مطلقاً، ولانعدام المعاوضة قبل الدخول رأساً، وانعدامها بعد الدخول مطلقاً؛ لما نذكره إن شاء الله
تعالى في موضعه، ويجب عقيب العقد بلا فصل لما ذكرنا أنه يجب بإحداث الملك، والملك
يحدث عقيب العقد بلا فصل؛ ولأن المعاوضة المطلقة تقتضي ثبوت الملك في العوضين في وقت
واحد، وقد ثبت الملك في أحد العوضين وهو البضع عقيب العقد، فيثبت في العوض الآخر عقيبة
تحقيقاً للمعاوضة المطلقة، إلا أنه يجب بنفس العقد وجوباً موسعاً، وإنما يتضيق عند المطالبة
كالثمن في باب البيع؛ أنه يجب بنفس البيع وجوباً موسعاً، وإنما يتضيق عند مطالبة البائع، وإذا
طالبت المرأة بالمهر يجب على الزوج تسليمه أولاً؛ لأن حق الزوج في المرأة متعين، وحق المرأة
في المهر لم يتعين بالعقد؛ وإنما يتعين بالقبض؛ فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين؛
كما في البيع أن المشتري يسلم الثمن أولاً، ثم يسلم البائع المبيع، إلا أن الثمن في باب البيع إذا كان
ديناً يقدم تسليمه على تسليم المبيع؛ ليتعين.
وأما القول بأن النكاح بنبىء عن الازدواج فقط فنعم لكنه شرع لمصالح لا تصلح إلا بالمهر فيجب المهر
=
ألا ترى أنه لا ينبىء عن الملك أيضاً لكن لما كان مصالح النكاح لا تحصل بدونه ثبت تحصيلاً للمصالح
كذا المهر.
وفي النكاح الفاسد يجب المهر لكن لا بنفس العقد بل بواسطة الدخول لعدم حدوث الملك قبل الدخول
أصلاً وعدم حدوثه بعد الدخول مطلقاً ولانعدام المعاوضة قبل الدخول رأساً وانعدامها بعد الدخول لأن
الأصل في النكاح الفاسد أنه ليس بنكاح حقيقة لانعدام محله يعني حكمه وهو الملك لأن الملك يثبت في
المنافع ومنافع البضع ملحقة بالأصل والحر بجميع أجزائه ليس محلاً للملك لأن الحرية خلوص والملك
ينافي ولأن الملك في الآدمي لا يثبت إلا بالرق والحرية تنافي الرق إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي في
النكاح الصحيح لحاجة الناس إلى ذلك وفي النكاح الفاسد بعد الدخول لحاجة الناكح إلى درء الحد
وصيانة مائه عن الضياع بثبات النسب ووجوب العدة وصيانة البضع المحترم عن الاستعمال من غير غرامة
ولا عقوبة توجب المهر فجعل منعقداً في حق المنافع المستوفاة لهذه الضرورة ولا ضرورة قبل استيفاء
المنافع وهو ما قبل الدخول فلا يجعل منعقداً قبله.
ويجب المهر عقيب العقد الصحيح بلا فصل لأنه يجب بأحداث الملك والملك يحدث عقيب العقد بلا
فصل ولأن المعاوضة المطلقة تقتضي ثبوت الملك في العوضين في وقت واحد وقد ثبت الملك في أحد
العوضين وهو البضع عقيب العقد فيثبت في العوض الآخر عقيبه تحقيقاً للمعاوضة المطلقة وإذا طالبت
المرأة بالمهر يجب على الزوج تسليم أولاً لأن حق الزوج في المرأة متعين وحق المرأة في المهر لم يتعين
بالعقد وإنما يتعين بالقبض فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين.
ينظر: نص كلام شيخنا عفيفي السيد في المهر.

٥١٥
كِتَابُ التَّاحِ
إن كان عيناً يسلمان معاً، ولههنا يقدم تسليم المهر على كل حال، سواء كان ديناً أو
عيناً؛ لأن القبض والتسلم لههنا معاً متعذر، ولا تعذر في البيع.
وإذا ثبت هذا، فنقول للمرأة قبل دخول الزوج بها: أن تمنع الزوج عن الدخول حتى
يعطيها جميع المهر، ثم تسلم نفسها إلى زوجها، وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها؛ لما
ذكرنا أن بذلك يتعين حقها، فيكون تسليماً بتسليم؛ ولأن المهر عوض عن بضعها؛ كالثمن
عوض عن المبيع، وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن، فكان للمرأة حق حبس نفسها
لاستيفاء المهر، وليس للزوج/ منعها عن السفر، والخروج من منزله، وزيارة أهلها قبل إيفاء ٣١ب
المهر؛ لأن حق الحبس إنما يثبت لاستيفاء المستحق، فإذا لم يجب عليها تسليم النفس قبل
إيفاء المهر - لم يثبت للزوج حق الاستيفاء؛ فلا يثبت له حق الحبس، وإذا أوفاها المهر - فله
أن يمنعها من ذلك كله، إلا من سفر الحج إذا كان عليها حجة الإسلام ووجدت محرماً، وله
أن يدخل بها؛ لأنه إذا أوفاها حقها يثبت له حق الحبس لاستيفاء المعقود عليه، فإن أعطاها
المهر إلا درهماً واحداً - فلها أن تمنع نفسها، وأن تخرج من مصرها حتى تقبضه(١)؛ لأن حق
الحبس لا يتجزأ، فلا يبطل إلا بتسليم كل البدل كما في البيع.
ولو خرجت لم يكن للزوج أن يسترد منها ما قبضت؛ لأنها قبضته بحق؛ لكون المقبوض
حقاً لها، والمقبوض بحق لا يحتمل النقض، هذا إذا كان المهر معجلاً بأن تزوجها على صداق
عاجل، أو كان مسكوتاً عن التعجيل والتأجيل؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل؛ لأن هذا
عقد معاوضة، فيقتضي المساواة من الجانبين، والمرأة عنيت حق الزوج، فيجب أن يعين
الزوج حقها، وإنما يتعين بالتسليم.
فأما إذا كان مؤجلاً؛ بأن تزوجها على مهر آجل، فإن لم يذكر الوقت لشيء من المهر
أصلاً؛ بأن قال: تزوجتك على ألف مؤجلة، أو ذكر وقتاً مجهولاً جهالة متفاحشة؛ بأن قال:
تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة، أو هبوب الرياح، أو إلى أن تمطر الماء فكذلك؛ لأن
التأجيل لم يصح لتفاحش الجهالة فلم يثبت الأجل.
ولو قال: نصفه معجل، ونصفه مؤجل؛ كما جرت العادة في ديارنا، ولم يذكر الوقت
للمؤجل.
اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجوز الأجل ويجب حالاً؛ كما إذا قال: تزوجتك
على ألف مؤجلة. وقال بعضهم: يجوز، ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالطلاق أو
الموت .
(١) في أ: تأخذه

٥١٦
كِتَابُ النّكَاحِ
وروي عن أبي يوسف ما يؤيد هذا القول، وهو أن رجلاً كفل لامرأة عن زوجها نفقة كل
شهر، ذكر في كتاب النكاح أنه يلزمه نفقة شهر واحد في الاستحسان. وذكر عن أبي يوسف أنه
يلزمه نفقة كل شهر، ما دام النكاح قائماً بينهما؛ فكذلك لههنا.
وإن ذكر وقتاً معلوماً للمهر، فليس لها أن تمنع نفسها في قول أبي حنيفة ومحمد - وقال
أبو يوسف أخيراً: لها أن تمنع نفسها، سواء كانت المدة قصيرة أو طويلة، بعد أن كانت
معلومة أو مجهولة جهالة متقاربة؛ كجهالة الحصاد والدیاس.
وجه قول أبي يوسف: أن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس بكل حال؛
ألا ترى أنه لو كان معيناً أو غير معين - وجب تقديمه، فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك رضاً
بتأخير حقه في القبض، بخلاف البائع إذا أجل الثمن أنه ليس له أن يحبس المبيع، ويبطل حقه
في الحبس بتأجيل الثمن؛ لأنه ليس من حكم الثمن تقديم تسليمه على تسليم المبيع لا محالة.
ألا ترى أن الثمن إذا كان عيناً يسلمان معاً، فلم يكن قبول المشتري التأجيل رضاً منه
بإسقاط حقه في القبض.
وجه قولهما: إن المرأة بالتأجيل رضيت بإسقاط حق نفسها، فلا يسقط حق الزوج؛
كالبائع إذا أجل الثمن أنه يسقط حق حبس المبيع، بخلاف ما إذا كان التأجيل إلى مدة مجهولة
جهالة متفاحشة؛ لأن التأجيل ثمة لم يصح، فلم يثبت الأجل فبقي المهر حالاً .
وأما قوله: من شأن المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس - فنقول: نعم إذا كان
معجلاً، أو مسكوتاً عن الوقت، فأما إذا كان مؤجلاً تأجيلاً صحيحاً، فمن حكمه أن يتأخر
تسليمه عن تسليم النفس؛ لأن تقديم تسليمه ثبت حقاً لها؛ لأنه ثبت تحقيقاً للمعاوضة
المقتضية للمساواة حقاً لها، فإذا أجلته فقد أسقطت حق نفسها، فلا يسقط حق زوجها(١)؛
لانعدام الإسقاط منه، والرضا بالسقوط لهذا المعنى سقط حق البائع في الحبس بتأجيل الثمن.
كذا هذا. ولو كان بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً أجلاً معلوماً - فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال
بالإجماع، أما عندهما؛ فلأن الكل لو كان مؤجلاً لكان له أن يدخل بها، فإذا كان البعض
معجلاً وأعطاها ذلك أولى، والفقه ما ذكرنا أن الزوج ما رضي بإسقاط حقه فلا يسقط حقه.
وأما عند أبي يوسف؛ فلأنه لما عجل البعض، فلم يرض بتأخير حقه عن القبض؛ لأنه
لو رضي بذلك لم يكن لشرط التعجيل فائدة، بخلاف ما إذا كان الكل مؤجلاً؛ لأنه لما قبل
٣٢أ التأجيل فقد رضي بتأخير حقه، ولو لم يدخل بها حتى حل أجل الباقي - فله/ أن يدخل بها إذا
أعطاها الحال لما قلنا .
-
(١) في أ: الزوج.

٥١٧
كِتَابُ النَّاحِ
ولو كان الكل مؤجلاً أجلاً معلوماً، وشرط أن يدخل بها قبل أن يعطيها كله - فله ذلك
عند أبي يوسف أيضاً؛ لأنه لما شرط الدخول لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع.
ولو كان المهر مؤجلاً أجلاً معلوماً، فحل الأجل ليس لها أن تمنع نفسها؛ لتستوفي
المهر على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ لأن حق الحبس قد سقط بالتأجيل، والساقط لا يحتمل
العود كالثمن في المبيع، وعلى أصل أبي يوسف لها أن تمنع نفسها؛ لأن لها أن تمنع قبل
حلول الأجل فبعده أولى.
ولو كان المهر حالاً فأخرته شهراً - ليس لها أن تمنع عندهما، وعنده: لها ذلك؛ لأن
هذا تأجيل طارىء، فكان حكمه حكم التأجيل المقارن، وقد مر الكلام فيه، ولو دخل الزوج
بها برضاها وهي مكلفة - فلها أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر، ولها أن تمنعه أن يخرجها من
بلدها في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لها ذلك، وعلى هذا الخلاف إذا
خلا بها .
وجه قولهما: إنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة سلمت جميع المعقود عليه
برضاها، وهي من أهل التسليم فبطل حقها في المنع؛ كالبائع إذا سلم المبيع، ولا شك في
الرضا وأهلية التسليم. والدليل على أنها سلمت جميع المعقود عليه؛ أن المعقود عليه في هذا
الباب في حكم العين؛ ولهذا يتأكد جميع المهر بالوطء مرة واحدة، ومعلوم أن جميع البدل لا
يتأكد بتسليم بعض المعقود عليه، وما يتكرر من الوطئات محق بالاستخدام؛ فلا يقابله شيء
من المهر.
ولأبي حنيفة أن المهر مقابل بجميع ما يستوفي من منافع البضع في جميع الوطآت التي
توجد في هذا الملك، لا بالمستوفي بالوطأة الأولى خاصة؛ لأنه لا يجوز إخلاء شيء من منافع
البضع عن بدل يقابله؛ احتراماً للبضع، وإبانة لخطره، فكانت هي بالمنع ممتنعة عن تسليم ما
يقابله بدل، فكان لها ذلك بالوطء في المرة الأولى، فكان لها أن تمنعه عن الأول حتى تأخذ
مهرها، فكذا عن الثاني والثالث، إلا أن المهر يتأكد بالوطء مرة واحدة؛ لأنه موجود معلوم،
وما وراءه معدوم مجهول، فلا يزاحمه في الانقسام، ثم عند الوجود [يتعين] (١) قطعاً، فيصير
مزاحماً، فيأخذ قسطاً من البدل؛ كالعبد إذا جنى جناية يجب دفعه بها، فإن جنى جناية أُخرى،
فالثانية تزاحم الأولى عند وجودها في وجوب الدفع بها، وكذا الثالثة والرابعة إلى ما لا
يتناهى، بخلاف البائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن، أو بعدما قبض شيئاً منه، ثم أراد أن
يسترد؛ أنه ليس له ذلك؛ لأنه سلم كل المبيع، فلا يملك الرجوع فيما سلم، ولههنا ما سلمت
(١) سقط في أ.

٥١٨
كِتَابُ التكَاحِ
كل المعقود عليه، بل البعض دون البعض؛ لأن المعقود عليه منافع البضع، وما سلمت كل
المنافع، بل بعضها دون البعض، فهي بالمنع تمتنع عن تسليم ما لم يحصل مسلماً بعد، فكان
لها ذلك؛ كالبائع إذا سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن - كان له حق حبس الباقي ليستوفي
الثمن؛ كذا هذا.
وكان أبو القاسم الصفار - رحمه الله - يفتي في منعها نفسها بقول أبي يوسف ومحمد،
وفي السفر بقول أبي حنيفة، وبعد إيفاء المهر كان له أن ينقلها حيث شاء.
وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن محمد بن سلمة؛ أنه كان يفتي أن بعد تسليم المهر
لیس لزوجها أن يسافر بها.
قال أبو يوسف: ولو وجدت المرأة [المهر](١) زيوفاً أو سَتُوقاً (٢) فردت، أو كان
المقبوض عرضاً اشترته من الزوج بالمهر، فاستحق بعد القبض، وقد کان دخل بها ۔ فليس لها
أن تمنع نفسها في جميع ذلك؛ وهذا على أصلهما مستقيم؛ لأن من أصلهما أن التسليم من
غير قبض المهر يبطل حق المنع، وهذا تسليم من غير قبض؛ لأن ذلك القبض بالرد،
والاستحقاق انتقض والتحق بالعدم؛ فصار كأنها لم تقبضه، وقبل القبض الجواب هكذا
عندهما، وأما عند أبي حنيفة: فينبغي أن يكون لها أن تمنع نفسها.
ثم فرق أبو يوسف بين هذا وبين البيع(٣)؛ أنه إذا استحق الثمن من يد البائع، أو وجده
زيوفاً أو ستوقاً فرده - له أن يسترد المبيع فيحبسه؛ لأن البائع بعد الاسترداد يمكنه الحبس على
الوجه الذي كان قبل ذلك. وأما هُهنا لا يمكنه؛ لأنه استوفى بعض منافع البضع، فلا يكون
هذا الحبس مثل الأول، فلا يعود حقها في الحبس، ومما يلتحق (٤) بهذا الفصل أن للمرأة أن
تهب مهرها للزوج، دخل بها أو لم يدخل؛ لقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَّكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
٣٢ب نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء: ٤]، وليس لأحد من أوليائها الاعتراض عليها سواء كان أباً أو
غيره؛ لأنها وهبت خالص ملكها، وليس لأحد في عين المهر حق فيجوز ويلزم، بخلاف ما إذا
زوجت نفسها، وقصرت عن مهر مثلها؛ أن للأولياء حق الاعتراض في قول أبي حنيفة؛ لأن
الأمهار حق الأولياء، فقد تصرفت في خالص حقهم؛ ولأنها ألحقت الضرر بالأولياء بإلحاق
العار والشنار بهم، فلهم دفع هذا الضرر بالاعتراض والفسخ، وليس للأب أن يهب مهر ابنته
عند عامة العلماء. وقال بعضهم: له ذلك، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةٌ
النّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣]، والأب بيده عقدة النكاح.
(١) سقط في: ط.
(٢) درهم سُتُّون، وسُتُّون: زَيْفٌ بَهْرَجْ لا خير فيه وهو معرب ينظر اللسان ١٩٣٦/٣.
(٤) في أ: يلحق.
(٣) في ط: المتع.

٥١٩
كِتَابُ النكاحِ
ولنا: أن المهر ملك المرأة وحقها؛ لأنه بدل بضعها، وبضعها حقها وملكها، والدليل
عليه قوله - عز وجل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نَحْلَةٌ﴾ [النساء: ٤]، أضاف الجهر إليها فدل أن
المهر حقها وملكها. وقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾
[النساء: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ [النساء: ٤] أي: من الصداق، لأنه هو المكنى السابق، أباح
للأزواج التناول من مهور النساء، إذا طابت أنفسهن بذلك؛ ولذا علق سبحانه وتعالى الإباحة
بطيب أنفسهن، فدل ذلك كله على أن مهرها ملكها وحقها، وليس لأحد أن يهب ملك الإنسان
بغير إذنه؛ ولهذا لا يملك الولي هبة غيره من أموالها؛ فكذا المهر.
وأما الآية الشريفة: فقد قيل: إن المراد من الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، كذا روي
عن علي - رضي الله تعالى عنه - وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -
ويجوز أن يحمل قول من صرف التأويل إلى الوالي على بيان نزول الآية على ما قيل: إن حين
النزول كانت المهور للأولياء، ودليله قول شعيب لموسى - عليهما الصلاة والسلام - ﴿إِنِّي أُرِيدُ
أَنْ أُنْكِحَكَ إَحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنٍ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجِ﴾ [القصص: ٢٧]، شرط المهر لنفسه
لا لابنته، ثم نسخ بما تلونا من الآيات، وللمولى أن يهب صداق أمته ومدبرته وأم ولده من
زوجها؛ لأن المهر ملكه، وليس له أن يهب مهر مكاتبته، ولو وهب لا يبرأ الزوج بدفعه(١) إلى
المولى؛ لأن مهر المكاتبة لها لا للمولى؛ لأنه من إكسابها، وكسب المكاتب له لا لمولاه.
وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها، والحط عنه إذا رضيت به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٤]، رفع الجناح فيما تراضيا به الزوجان
بعد الفريضة، وهو التسمية، وذلك هو الزيادة في المهر والحط عنه، وأحق ما تصرف إليه الآية
الزيادة؛ لأنه ذكر لفظة التراضي، وأنه يكون بين اثنين، ورضا المرأة كان في الحط؛ ولأن
الزيادة تلحق العقد، ويصير كأن العقد ورد على الأصل، والزيادة جميعاً كالخيار في باب البيع
والأجل فيه؛ فإن من اشترى من آخر عبداً بيعاً باتاً، ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوماً -
جاز ذلك، حتى لو نقض البيع جاز نقضه، ويصير ذلك؛ كالخيار المشروط في أصل البيع.
وكذا إذا اشترى عبداً بألف درهم حالة، ثم إن البائع أجل المشتري في الثمن شهراً أجاز
التأجيل، ويصير كأنه كان مسمى في العقد؛ كذا لههنا، ولا يثبت خيار الرؤية في المهر، حتى
لو تزوج امرأة على عبد بعينه، أو جارية بعينها، ولم تره ثم رأته - ليس لها أن ترده بخيار
الرؤية؛ لأن النكاح لا ينفسخ برده، فلو ردت لرجعت عليه بعبد آخر، وثبت لها فيه خيار
الرؤية فترده، ثم ترجع عليه بآخر إلى ما لا يتناهى، فلم يكن الرد مفيداً؛ لخلوه عن العاقبة
الحميدة، فکان سفهاً فلا يثبت لها حق الرد.
(١) في ط: ولا يدفعه إلى المولى.

٥٢٠
كِتَابُ النّكَاحِ
وكذلك الخلع والإعتاق على مال، والصلح عن دم العمد لما قلنا، بخلاف البيع أنه
يثبت فيه خيار الرؤية؛ لأن البيع ينفسخ برد المبيع، ويرجع بالثمن، فكان الرد مفيداً لذلك
افترقا، وهل يثبت خيار العيب في المهر؟ ينظر في ذلك إن كان العيب يسيراً لا يثبت، وإن كان
فاحشاً يثبت، وكذلك هذا في بدل الخلع والإعتاق على مال، والصلح عن دم العمد، بخلاف
البيع والإجارة، وبدل الصلح على مال أنه يرد بالعيب اليسير والفاحش؛ لأن هناك ينفسخ العقد
برده، ولههنا لا ينفسخ، وإذا لم ينفسخ فيقبض مثله، فربما يجد(١) فيه عيباً يسيراً أيضاً؛ لأن
الأعيان لا تخلو عن قليل عيب عادة، فيرده، ثم يقبض مثله، فيؤدي إلى ما لا يتناهى؛ فلا
يفيد الرد، وهذا المعنى لا يوجد في البيع والإجارة؛ لأنه ينفسخ العقد بالرد؛ فكان الرد مفيداً؛
ولأن حق الرد بالعيب إنما يثبت استدراكاً للفائت، وهو صفة السلامة المستحقة بالعقد،
والعيب إذا كان يسيراً لا يعرف الفوات بيقين؛ لأن العيب اليسير يدخل تحت تقويم المقومين لا
١٣٣ يخلو/ عنه.
فمن مقوم يقومه بدونه العيب بألف، ومن مقوم يقومه مع العيب بألف أيضاً، فلا يعلم
فوات صفة السلامة بيقين، فلا حاجة إلى الاستدراك بالرد، بخلاف العيب الفاحش؛ لأنه لا
يختلف فيه المقومون، فكان الفوات حاصلاً بيقين، فتقع الحاجة إلى استدراك الفائت بالرد، إلا
أن هذا المعنى [الأخير](٢) يشكل بالبيع وأخوانه، فإن العيب اليسير فيها يوجب حق الرد، وإن
كان هذا المعنى موجوداً فيها - فالأصح هو الوجه الأول، ولا شفعة في المهر؛ لأن من شرائط
ثبوت حق الشفعة معاوضة المال بالمال، لما نذكره في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى،
والنكاح معاوضة البضع بالمال؛ فلا يثبت فيه حق الشفعة.
فصل في بيان ما يتأكد به المهر
وأما بيان ما يتأكد به المهر: فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة: الدخول، والخلوة
الصحيحة، وموت أحد الزوجين، سواء كان مسمى أو مهر المثل، حتى لا يسقط شيء منه بعد
ذلك إلا بالإبراء من صاحب الحق، أما التأكد بالدخول فمتفق(٣) عليه، والوجه فيه أن المهر قد
وجب بالعقد، وصار ديناً في ذمته، والدخول لا بسقطه؛ لأنه استيفاء المعقود عليه، واستيفاء
المعقود عليه يقرر البدل، لا أن يسقطه كما فى الإجارة؛ ولأن المهر يتأكد بتسليم المبدل من
غير استيفائه لما نذكره؛ فلأن يتأكد بالتسليم مع الاستيفاء أولى.
(١) في أ: يحدث.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: فمجمع.