Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كِتَابُ التّكَاحِ
والوجه الثاني: هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر لأن الولد
=
ينشأ رقيقاً برق أمه. فإذا كانت الأم مملوكة لكافر وتزوجها مسلم نشأ الولد رقيقاً برق أمه مسلماً بإسلام
أبيه مملوكاً لكافر هو سيد أمه. ولا شك أن هذا التعريض محظور شرعاً فيحظر ما أفضى إليه وهو التزوج
بالأمة الكتابية إذ إن ما يفضي إلى المحظور يكون محظوراً.
ونوقش المعقول بوجهية :
بأن على تسليم كون نكاح الإماء فيه تعريض الولد للرق لا يفضي إلى التحريم بل يفيد الكراهة. إذ لو كان
محرماً لما أجاز الشارع للعبد أن يتزوج بأمتين مع وجود العلة المذكورة في نكاحه. كما أن تحصيل الولد
رقيقاً مسلماً أولى من عدم تحصيله أصلاً لأنه فيه تكثير المقرين بالوحدانية الأمر الذي هو المقصود
الأصلي من النكاح. أما كون الولد حراً بعد كونه مسلماً فهو كمال يرجع إلى أمر دنيوي. وفي إمكان
المتزوج بالأمة الكتابية عدم تحصيل الولد أصلاً بنكاح من لا تلد فلا بتحقق المانع فلا تحرم - أما كون
النكاح فيه تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر فهذا غير مطرد. ومؤثر في بعض الحالات دون بعض.
وغاية ما يفيد الكراهة لا الحرمة.
وهناك معقول ثالث: استدل به المانعون هو أن الأمة الكتابية جمعت بين نقصين مؤثرين في منع النكاح
هما الكفر والرق فيحرم نكاحها كالحرة المجوسية حرمت لاجتماع نقص الكفر وعدم الكتاب فيها.
ونوقش: بأن المانع من نكاح الحرة المجوسية هو تغليظ كفرها بعدم الانتماء إلى بني أو كتاب منزل
فأشبهت المشركة ولا كذلك الأمة الكتابية فظهر الفرق بينهما.
واستدل المجيزون: بالكتاب والمعقول:
أولاً: الكتاب وهو قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية .. وقوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوْا
فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله ﴿والْمُخْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وجه الدلالة - أن العمومات التي اشتملت عليها هذه الآيات أفادت حل النكاح بالنساء مطلقاً من غير تقييد
بحراثر أو إماء بإيمان أو غير إيمان. ذلك - لأن الآية أفادت حل النساء المستطابة مطلقاً من غير تقييد
بحرية أو غيرها - والآية التائبة - أفادت حل المملوكات. وهو بإطلاق شامل للكتابيات، وغيرها - والآية
التالية إنمَّا يَتم الاستدلال بها على المطلوب إذا فسدت المحصنات بالعفائف. لا عن العفيفة كما تكون
حرة تكون أمة. دل عليه استثناؤها من المحصنات في قوله ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ﴾ فَكَانَ لفظ المحصنات متناولاً للإمام كما هو متناول الحرائر للحرائر.
ونوقش :
بأن هذه العمومات المستدل بها مراد بها الحرائر دون الاماء شهد بذلك سياق الآيات. ففي سياق قوله
﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾. قوله تعالى ﴿وَآتُّوا النِّسَاءِ صَدُقَاتِهُنَّ نِحْلَةً﴾ والمملوكة سيدها هو المتولي قبض
مهرها. فكان هذا دليلاً على خصوصية الحرائر بالآية لأنهن اللائي يقبضن مهورهن.
وكذا قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سيق لبيان عدم اشتراط العدل في نكاح
المملوكات دون الحرائر أما قوله ﴿والْمُخْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلا دلالة فيها على
حل نكاح الإماء لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معان مختلفة سبق بيانها، وليس بعام حتى يجري على
مقتضى لفظه فكان مجملاً موقوفاً على البيان معناه. ووقوع الاتفاق على أن حل الحرائر من الكتابيات =

٤٦٢
كِتَابُ النكاحِ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، والكتابية
مشركة على الحقيقة؛ لأن المشرك من يشرك بالله تعالى في الألوهية، وأهل الكتاب كذلك قال
الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَىْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقالت
النصارى: ((إن الله ثالث ثلاثة)) - سبحانه وتعالى عما يقولون - فعموم النص يقتضي حرمة نكاح
جميع المشركات، إلا أنه خص منه الحرائر من الكتابيات بقوله تعالى: ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهن الحرائر، فبقيت الإماء منهن على ظاهر العموم؛
= مستفاد من الآية مشعر بورود بيان يفيد ذلك. أما الإماء فعدم البيان في حقهن مبقٍ لهن على أصل المنع
والتحریم.
وأجيب:
بأن دعوى سوق العمومات في الحرائر دون الإماء لا تمنع دلالة العمومات على حل الإماء الكتابيات إذا
ليس هناك ما يمنع ثبوت حكم بسياق اللفظ وآخر بإشارته.
وما استندوا إليه من الاتفاق على حل الحرائر لا ينهض حجة لهم. لأن التحريم لا يثبت إلا بنص فما لم
يرد. يكون حكم العموم جارياً على أفراده. وهُهنا كذلك فتكون العمومات متناولة للحرائر والاماء - على
أن الراجح إرادة العفائف من المحصنات لا غيرها في هذا المقام كما روي هذا عن جماعة من السلف.
وأيده كون العفة من معاني الإحصان. وورود القرآن الكريم بذلك. وما عدا هذا المعنى من معاني
الإحصان فغير مراد لعدم قيام الدليل. وحيث كانت العفة هي المرادة وهي صادقة على الحرائر والاماء
وجب اعتبار عموم العفة في تناولها للحرائر والإماء. فوجب القول بحل الإماء الكتابيات لأنها من أفراد
العام في الآية:
واستدلوا ثانياً. بالمعقول وهو قياس الأمة الكتابية على الأمة المسلمة بجامع جواز وطء كل منهما بملك
اليمين. فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاق جاز كذلك نكاح الأمة الكتابية.
ونوقش :
بأن وطء الإماء بملك اليمين أقل شأناً من وطئهن بملك النكاح. وثبوت الحكم في الأدنى غير مستلزم
ثبوته في الأعلى ولذا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين. وعند وجود مرة تحت الزوج
يمتنع. ولو كانت حرة لا أمة لجاز النكاح.
وأجيب:
بأن ما استظهر به من منع نكاح الأمة المسلمة عند وجود حرة لا يصلح عليه في جميع الأحوال بل هو
علة لجواز الأمة منفردة غير مجموعة إلى غيرها. ومن هنا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك
اليمين. ويجوز نكاحها منفردة. وحين تكون تحت الزوج حرة يمتنع نكاحها من جهة أخرى هي جمعها
مع حرة.
ينظر نص كلام شيخنا بدران أبو العنين في أثر اختلاف الدين في الأحكام، وينظر المبسوط السرخسي
الجزء الخامس ص ١١٠، الزيلعي ج٢ ص١١٦، كشاف القناع ج٣ ص٣٨، مغني المحتاج ج٢ ص ١٨٥
الشرح الكبير للدسوقي ج٢ ص٢٦٧

٤٦٣
كِتَابُ النكاحِ
ولأن جواز نكاح الإماء في الأصل ثبت بطريق الضرورة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، والضرورة تندفع
بنكاح الأمة المؤمنة .
ولنا عمومات النكاح نحو قوله - عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]،
وقوله - عز وجل: ﴿فَانْكِحُوِنَّ بَإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله - عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ
لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وغير ذلك من غير فصل بين الأمة المؤمنة، والأمة الكافرة الكتابية
إلا ما خص بدلیل.
وأما الآية: فهي في غير الكتابيات من المشركات؛ لأن أهل الكتاب وإن كانوا مشركين
على الحقيقة، لكن هذا الاسم في متعارف الناس يطلق على المشركين من غير أهل الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَّرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: ٦]،
فصل بين الفريقين في الاسم، على أن الكتابيات وإن دخلن تحت عموم اسم المشركات بحكم
ظاهر اللفظ، لكنهن خصصن عن العموم بقوله تعالى: ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وأما الكتابيات: إذا كن عفائف يستحقن هذا الاسم؛ لأن الإحصان في كلام العرب عبارة
عن المنع، ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح؛ كما يحصل بالحرية والإسلام والنكاح؛ لأن
[كل] (١) ذلك مانع المرأة عن ارتكاب الفاحشة، فيتناولهن عموم اسم المحصنات.
وقوله الأصل في نكاح الإماء الفساد - ممنوع، بل الأصل في النكاح هو الجواز، حرة
كانت المنكوحة أو أمة مسلمة أو كتابية؛ لما مر أن النكاح عقد مصلحة، والأصل في المصالح
إطلاق الاستيفاء، والمنع عنه لمعنى في غيره على ما عرف، ولا يجوز للمسلم نكاح
المجوسية؛ لأن المجوس ليسوا من أهل الكتاب. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا كَتَابٌ أَنْزَلْنَا
مُبَارَكٌ .... ) إلى قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]،
معناه والله أعلم، أي أنزلت عليكم لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا.
ولو كان المجوس من أهل الكتاب لكان أهل الكتاب ثلاث طوائف، فيؤدي إلى الخلف
في خبره - عز وجل، وذلك محال على أن هذا لو كان حكاية عن قول المشركين - لكان دليلاً
على ما قلنا؛ لأنه حكى عنهم القول، ولم يعقبه بالإنكار عليهم والتكذيب إياهم، والحكيم إذا
حكى عن منكر غيره.
(١) سقط في ط.

٤٦٤
كِتَابُ النكاحِ
والأصل فيه ما روي عن رسول الله وَّ؛ أنه قال: ((سُنُوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ،
غَيْرَ أَنَّكُمْ لَيْسُوا نَاكِجِي نِسَائِهِمْ، وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ))(١).
ودَلَّ قوله: سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب، على أنهم ليسوا من أهل الكتاب، ولا
يحلُّ وطؤها بملك اليمين أيضاً.
والأصل أنه لا يحل وطء كافرة بنكاح ولا بملك يمين إلا الكتابيات خاصة؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
واسم النكاح يقع على العقد والوطء جميعاً، فيحرمان جميعاً، ومن كان أحد أبويه كتابياً
(١) أخرجه مالك (٢٧٨/١) كتاب الزكاة - باب جزية أهل الكتاب والمجوس حديث (٤٢) والشافعي (٢/
١٣٠) كتاب الجهاد - باب ما جاء من الجزية حديث (٤٣٠) وعبد الرزاق (٦٨/٦ - ٦٩) كتاب أهل
الكتاب - باب أخذ الجزية من المجوس - حديث (١٠٠٢٥) وابن أبي شيبة (٢٤٣/١٢) كتاب الجهاد باب
ما قالوا في المجوس تكون عليهم جزية - حديث (١٢٦٩٦) وأبو عبيد في الأموال ص (٤٠) - حديث
(٧٨) والبيهقي (١٨٩/٩ - ١٩٠) كتاب الجزية - باب المجوس أهل الكتاب والجزية تؤخذ منهم. وأبو
يعلى (١٦٨/٢) رقم (٨٦٢) كلهم من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ذكر
المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد سمعت رسول الله اَلد
يقول ((سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب)) وفي تنوير الحوالك (٢٠٧/١) قال ابن عبد البر هذا حديث منقطع فإن
محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٧٢/٣): وهو منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن
وقد رواه أبو علي الحنفي عن مالك عن جعفر عن أبيه عن جده قال الخطيب في الرواة عن مالك: تفرد
بقوله - عن جده - أبو علي قلت - أي الحافظ -: وسبقه إلى ذلك الدارقطني في غرائب مالك وهو مع ذلك
منقطع لأن علي بن الحسين لم يلق عمرو ولا عبد الرحمن إلا أن يكون الضمير في جده يعود على
محمد فجده محمد سمع منهما لكن في سماع محمد من حسين نظر كبيرا. هـ. وللحديث شاهد من
حدیث السائب بن يزيد.
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٦/٦) عنه قال: شهدت رسول الله وَل فيما عهد إلى العلاء حين وجهه إلى
اليمن قال: ولا يحل لأحد جهل الفرض والسنن ويحل له ما سوى ذلك وكتب للعلاء أن سنوا بالمجوس
سنة أهل الكتاب.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.
لكن لحديث عبد الرحمن طريق آخر ذكره الحافظ في ((التلخيص (١٧٢/٣) فقال: ورواه ابن أبي عاصم
في كتاب النكاح بسند حسن قال ثنا ابراهيم بن الحجاج ثنا أبو رجاء جار لحماد بن سلمة ثنا الأعمش عن
زيد بن وهب قال: كنت عند عمر بن الخطاب فذكر من عنده المجوس فوثب عبد الرحمن بن عوف
فقال: أشهد بالله على رسول الله وَّه لسمعته يقول ((إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على
ما تحملون عليه أهل الكتاب)».

٤٦٥
كِتَابُ النّكَاحِ
والآخر مجوسياً - كان حكمه حكم أهل الكتاب؛ لأنه لو كان أحد أبويه مسلماً يعطى له حكم
الإسلام؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، فكذا إذا كان كتابياً يعطى له حكم أهل الكتاب/ ولأن ١٢٣
الكتابي له بعض أحكام أهل الإسلام، وهو المناكحة وجواز الذبيحة، والإسلام يعلو بنفسه
وبأحكامه؛ ولأن رجاءه الإسلام من الكتابي أكثر؛ فكان أولى بالاستتباع.
وأما الصَّابئات: فقد قَالَ أَبُو حنيفة - رحمه الله - إنه يجوز للمسلم (١) نكاحهن. وقال أبو
يوسف ومحمد: لا يجوز.
وقيل: ليس هذا باختلاف في الحقيقة؛ وإنما الاختلاف لاشتباه مذهبهم، فعند أبي
حنيفة: هم قوم يؤمنون بكتاب، فإنهم يقرأون الزبور ولا يعبدون الكواكب، ولكن يعظمونها
كتعظيم المسلمين الكعبة في الاستقبال إليها، إلا أنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في
بعض دياناتهم، وذا لا يمنع المناكحة كاليهود مع النصارى. وعند أبي يوسف ومحمد؛ أنهم
قوم يعبدون الكواكب، وعابد الكواكب كعابد الوثن؛ فلا يجوز للمسلمين مناكحاتهم.
فصل في عدم نكاح الكافر المسلمة
ومنها: إسلام الرجل إذا كانت المرأة مسلمة، فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر
خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال
فيما يؤثروا من الأفعال، ويقلدونهم في الدين، إليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله - عز
وجل: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى
الكفر دعاء إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فكان نكاح الكافر المسلمة سبباً داعياً إلى
الحرام، فكان حراماً، والنص وإن ورد في المشركين، لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم
الكفرة أجمع، فيتعمم الحكم بعموم العلة، فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي؛ كما لا يجوز
إنكاحها الوثني والمجوسي؛ لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ
يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]، فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له
عليها سبيل، وهذا لا يجوز.
وأما أنكحة الكفار غير المرتدين بعضهم لبعض - فجائز في الجملة عند عامة العلماء،
وقال مالك: أنكحتهم فاسدة؛ لأن للنكاح في الإسلام شرائط لا يراعونها؛ فلا يحكم بصحة
أنكحتهم، وهذا غير سديد؛ لقوله - عز وجل: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المد: ٤]، سماها الله
(١) في أ: للمسلمين.
بدائع الصنائع ج٣ - ٣٠٣

٤٦٦
كِتَابُ النّكَاحِ
تعالى امرأته، ولو كانت أنكحتهم فاسدة لم تكن امرأته حقيقة؛ ولأن النكاح سنة آدم - عليه
الصلاة والسلام - فهم على شريعته في ذلك.
وقال النبي ◌َّه: ((وُلِذْتُ مِنْ نِكَاحَ وَلَمْ أُولَذْ مِنْ سِفَاح))(١)، وإن كان أبواه كافرين؛ ولأن
القول بفساد أنكحتهم يؤدي إلى أمر قبيح، وهو الطعن في نسب كثير من الأنبياء - عليهم
الصلاة والسلام - لأن كثيراً منهم ولدوا من أبوين كافرين، والمذاهب تمتحن بعبادها (٢)، فلما
أفضى إلى قبيح عرف فسادها، ويجوز نكاح أهل الذمة بعضهم لبعض، وإن اختلفت شرائعهم؛
(١) أجمع المسلمون على أن المرأة المسلمة لا يحل لها أن تتزوّج كافراً ولو كتابياً. لأن النكاح فيه مذلة
للمرأة باستفراشها ويستلزم أن يكون للرجل السلطان على المرأة. والإسلام لا يبيح أن يكون المسلم تحت
سلطان الكافر قال تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ فلو تزوجت مسلمة بكافر كان
النكاح باطلاً يجب فسخه. كما اتفقوا على القول بأنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج الوثنية لقوله تعالى ﴿ولا
تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ وقد نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي لما بعثه رسول الله وَلته إلى مكة
سراً ليحمل بعض أصحابه وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها ((عتاق)) فجاءته فقال لها إن
الإسلام حرم ما كان في الجاهلية فعرضت عليه أن يتزوجها فقال حتى استأذن رسول الله وَ لير فأتى
النبي ◌َ ل فاستأذن في نكاحها فنزلت الآية فنهاه النبي وَّر عن التزوج بها لأنها مشركة. كما اتفق
المسلمون على أن لا يجوز للمسلم أن ينكح المرتدة فإذا عقد مسلم على وثنية أو مرتدة فالنكاح فاسد لا
يقر عليه بحال.
أخرجه الطبراني (٣٩٩/١٠) حديث (١٠٨١٢)، والبيهقي (٧/ ١٩٠) كتاب ((النكاح)): باب («نكاح أهل
الشرك وطلاقهم))، وابن سعد في ((الطبقات)) (٥١/١) من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢١٧/٨): رواه الطبراني عن علي بن المديني عن أبي الحويرث ولم
أعرف المديني ولا شيخه، وبقية رجاله وثقوا.
ولفظ حديث ابن عباس أن النبي ◌َّير قال: ((ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح
کنكاح الإسلام».
وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٥٠/١)، والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع البحرين)) (١٢٥/٦)
(٣٤٨٣)، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص٣٦١) من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢١٧/٨)؛ رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن جعفر بن
محمد بن علي صحح له الحاكم في المستدرك وقد تكلم فيه، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١/ ٥١) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
قال ابن حجر في ((تلخيص الحبير» (٣٦١/٣)، رواه الطبراني والبيهقي من طريق أبي الحويرث، عن ابن
عباس وسنده ضعيف، ورواه الحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن سعد من طريق عائشة وفيه الواقدي،
ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً بلفظ ((إني خرجت من نكاح ولم
أخرج من سفاح)) ووصله ابن عدي والطبراني في الأوسط من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده
نظر، ورواه البيهقي من حديث أنس، وإسناده ضعيف.
(٢) في أ. بفسادها.

٤٦٧
كِتَابُ النّكَاحِ
لأن الكفر كله ملة واحدة؛ إذ هو تكذيب الرب سبحانه، وتعالى عما يقولن علواً كبيراً فيما
أنزل على رسله - صلوات الله وسلامه عليهم - وقال الله - عز وجل: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ﴾
[الكافرون: ٦]، واختلافهم في شرائعهم بمنزلة اختلاف كل فريق منهم فيما بينهم في بعض
شرائعهم، وذا لا يمنع جواز نكاح بعضهم لبعض؛ كذا هذا.
فصل في شرط الزوجية
ومنها: ألا يكون أحد الزوجين ملك صاحبه، ولا ينتقص منه ملكه؛ فلا يجوز للرجل أن
يتزوج بجاريته، ولا بجارية مشتركة بينه وبين غيره.
وكذلك لا يجوز للمرأة أن تتزوج عبدها، ولا العبد المشترك بينها وبين غيرها؛ لقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ .... ﴾
[المؤمنون: ٥و٦] الآية. ثم أباح الله - عز وجل - الوطء إلا بأحد أمرين؛ لأن كلمة تتناول أحد
المذكورين، فلا تجوز الاستباحة بهما جميعاً؛ ولأن للنكاح حقوقاً تثبت على الشركة بين
الزوجين؛ منها مطالبة المرأة الزوج بالوطء، ومطالبة الزوج الزوجة(١) بالتمكين، وقيام ملك
الرقبة يمنع من الشركة، وإذا لم تثبت الشركة في ثمرات النكاح لا يفيد النكاح؛ فلا يجوز؛
ولأن الحقوق الثابتة بالنكاح لا يجوز أن تثبت على المولى لأمته، ولا على الحرة لعبدها؛ لأن
ملك الرقبة يقتضي أن تكون الولاية للمالك، وكون المملوك يولي عليه، وملك النكاح يقتضي
ثبوت الولاية للمملوك على المالك؛ فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد ولياً
ومولياً عليه في شيء واحد وهذا محال، ولأن النكاح لا يجوز من غير مهر عندنا، ولا يجب
للمولى على عبده دين، ولا للعبد/ على مولاه.
وكذا لا يجوز أن يتزوج مدبرته ومكاتبته؛ لأن كل واحد منهما ملكه، فكذا إذا اعترض
ملك اليمين على نكاح يبطل النكاح؛ بأن [كان](٢) ملك أحد الزوجين صاحبه، أو شقصاً منه؛
لما نذكر إن شاء الله تعالى في موضعه.
٢٣ب
فصل في النكاح المؤقت
ومنها: التأبيد، فلا يجوز النكاح المؤقت وهو نكاح المتعة، وأنه نوعان:
أحدهما: أن يكون بلفظ التمتع.
(١) في أ: المرأة.
(٢) سقط في ط.

٤٦٨
كِتَابُ النكاح
والثاني: أن يكون بلفظ النكاح والتزويج، وما يقوم مقامهما (١).
(١) أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، يقال تمتعت بكذا، واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري:
ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأن انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة
من الزمن سواء أكانت المدة معلومة، مثل أن يقول زوجتك ابنتي مثلاً شهراً. أو مجهولة مثل أن يقول
زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة، فَقَدْ بَطَلَ حكم النكاح، وإنما سمي النكاح
لأجل بذلك لانتفاعها بما يعطيها، وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد،
وغيره من أغراض النكاح.
وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة، ثم يتركها من غير أن
يرى العرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبي وَلتر
نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة، فقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن
رسول الله وَّ ((نَهَى عَنْ مُتْعَة النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ)) واستمر الأمر على ذلك،
حتى فتح مكة حيث ثبت أن النبي واليوم أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم أوطاس،
ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال: يوم أوطاس، فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول
الله ◌َو بعد ذلك إلى يوم القيامة.
فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت في خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت
بعد ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين.
وقد نشأ من هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة، فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت
للضرورة، وللحاجة، ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول اللّه ◌َطير، ثم لما تجددت الحاجة
عام الفتح أذن فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها، وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا كان
يقول ابن عباس - رضي الله عنهما - إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه. ومنهم من يرى أن نهي النبي ◌َل
عن المتعة يوم خيبر كان نسخاً لها، ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم
القيامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة.
اختلف الفقهاء في المتعة هل هي محرمة فتكون من الأنكحة الفاسد، أو مباحة فتكون من الأنكحة
الصحیحة؟
فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وإنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده،
وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك،
وقال إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية. ولما لم أجد كتاباً من كتب الأمامية
أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن اكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني،
وهو من علماء الشيعة، فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه، والحديث يدل على تحريم نكاح
المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً،
ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة
أشهر وعشر ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به
إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسبب هكذا ذكره في بعض كتب الامامية وأن أذكر دليل الإمامية والرد
عليه استدل الإمامية على القول بإباحة المتعة بالكتابة، والأثر والمعقول، والإجماع.
=

٤٦٩
كِتَابُ النَّكَاحِ
أما الكتاب فقول الله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية
على المتعة، وقالوا المراد بقوله تعالى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة
قراءة أبي وابن عباس ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ﴾ فهي صريحة في المتعة.
وأما الآية: فألا ما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا لو لم تكن
المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة .
وثانياً: بما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال تمتعنا على عهد رسول الله وض له وأبي بكر وصدر من
خلافة عمر، ثم نهانا عمر - ووجه الدلالة من هذا أن جابراً - رضي الله عنه - أخبر أنهم استمتعوا في زمن
النبي ◌َّير وفي خلافة أبي بكر وفي صدر من خلافة عمر وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها
عمر من باب السياسة الشرعية.
وأما المعقول: فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القيح، ولا نعلم فيها ضرراً عاجلاً، ولا آجلاً،
وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة وأما الإجماع : - فإنهم قالوا أجمع أهل البيت على إباحتها.
وتناقش هذه الأدلة: التي تمسك بها الإمامية بما يأتي:
أما الآية فيقال لهم فيها أنها بمعزل عن الدلالة لكم إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة
من المهر كاملاً إذا استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد
المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها - وتسمية المهر أجراً لا يدل على أن أجر المتعة فقد
سمي المهر أجراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجِكَ اللَّتِي آتَيْتَ
أَجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أَجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن،
وأما قراءة أبي وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي وهي الآية الدالة على التحريم،
وهي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أحد الدليلين أن تساويا في القوة وتعارضا
في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أن ثبت رجوعه عنه، وقد
كان يفتي بها أولاً؛ لأنه فهم من نهي النبي ◌َّ عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح تم نهيها عنها بعد
ذلك، أن الإباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما رُوِيّ عن شعبة عن أبي جمرة قال:
سمعت ابن عبّاس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له إنما ذلك في الحال الشديد، وفي
النساء قلت، فقال ابن عباس نعم. فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة
لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.
ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام
كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه، وتصلح له
شأنه حتى نزلت ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَثْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فقال ابن عباس، فكل فرج سواهما حرام.
وقد روى رجوعه أيضاً البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: ((اللَّهُمَّ إنِّي أَتُوبُ
إِلَيْكَ من قوله في المتعة والصرف، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس وقد رجع عنها.
ويقال لهم في أثر جابر أن قوله ((تمتعنا الخ)) يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو
يكون جابر - رضي الله عنه - قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله ◌َّليل ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر،
فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل
السياسة الشرعية غير مسلم، فإن عمر إنما قصد الأخبار عن تحريم النبي ◌َّ ونهيهه عنها.
=

٤٧٠
كِتَابُ النّكَاحِ
إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبي ◌َّ أباحه، وبقي على إباحته: ومما يؤيد أن نهيه عنها ليس من قبيل
=
السياسة الشرعية، بل أن نهي عنها لما علم نهى النبي ◌َّ: ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه
عن عمر قال صعد عمر المنبرِ محمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((مَا بَالُ رِجَالٍ ينكحن مَد هَذِهِ الْمُتْعَة وَقَدْ
نَھَى رَسُولُ اللهِوَ عَنْهَا («لا أُوْلَى بِأَحَدٍ نَكَحَهَا إلاَّ رَجَمْتُهُ)).
ويقال لهم في المعقول لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في
العاجل، بل الضد متحقق فيها، فإن فيها امتهان المرأة وضياع الأنساب، فإن مما لا شك فيه أن المرأة
التي تنصب نفسها، ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضاً فهو معقول في مقابلة
النص، وهو باطل.
ويقال لهم في الإجماع أولاً: أن إجماع أهل البيت على فرض اجماعهم ليس بحجة، فما بالك والإجماع
لم يصح عنهم فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإمام علياً - رضي الله عنه -
وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي عن طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن
عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علياً بن أبي
طالب يقول لابن عباس إنك رجل تائه أي: مائل أن رسول الله وَلقر نهى عن المتعة. وأما الجمهور فقد
استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، ووجه الدلالة
من هذه الآية الكريمة؛ أنها أفادت أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة، والمملوكة؛ وامرأة المتعة لا شك
أنها ليست مملوكة، ولا زوجة.
أما أنها ليست مملوكة فواضح. وأما أنها ليست زوجة فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما، لقوله
تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ... ) الآية وبالاتفاق لا توارث بينهما.
وثانياً: لثبت النسب؛ لقوله وَله: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))، وبالاتفاق لا يثبت النسب.
وثالثاً: لوجبت العدة عليها؛ لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ... ) الآية.
وأما السنة فأولاً: ما روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي
طالب - رضي الله عنه - عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب؛ أن رسول الله وَّر ((نهى عن متعة النساء يوم
خيبر، وعن لحوم الحمر الأنسية)).
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ◌َّ نهى عن المتعة، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون نكاح
المتعة فاسداً.
والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها.
ثانياً: ما روي عن سبرة الجهني: أنه غزا مع النبي ◌َّر فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا
رسول الله وَ﴿ في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال «فلم أخرج منها حتى حرمها رسولُ اللهِ وَ﴾)).
وفي رواية أنه كان مع النبي ◌ِّر فقال: ((يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن
الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فَليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن
شيئاً)) رواه أحمد ومسلم.
ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية الثانية التصريح
بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون ذلك نسخاً لإباحتها، وإذا ثبت ذلك، فهي من الأنكحة الفاسدة.
=

٤٧١
كِتَابُ النّكَاحِ
وأما المعقول: فقد قالوا إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة، بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها.
واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح؛ فلا يكون مشروعاً.
وأما الإجماع: فقد قالوا إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة، مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك ألا
لعلمهم بنسخها .
وقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي:
أما حديث علي فقد قيل لهم فيه: إنه وقع فيه كلام، حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي يوم خيبر
غلط. وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر،
وهذا شيء لا يعرفه أهل السير، ورواة الآثار. والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري.
وقد أشار ابن القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير، فقال: وأما نكاح المتعة فثبت عنه أن أحلها عام الفتح،
وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان
عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية. وإنما قال علي لابن عباس إن رسول الله وَ ل* نهى
يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية؛ محتجاً عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد
بيوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين، وقیده بيوم خيبر :
وترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري قد اتفقوا على نهي النبي ◌َّر عن المتعة يوم خيبر، وهم حفاظ
ثقات، وزيادة الحافظ الثقة تقبل؛ ولهذا قال عياض تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه.
والقول بأنه وقع في لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالف ظاهر الحديث؛ فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف
التحريم نكاح المتعة .
ومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر، الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي؛ أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر
عن المتعة، فقال: حرام، قال: فإن فلاناً يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله بَّر حرمها يوم
خيبر، وما كنا مسافحين.
والذي يظهر لي أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الحمر الأهلية: يحاولون بذلك استبعاد
أن تكون المتعة قد نسخت مرتين؛ لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر؛ إذ إن
خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وغزوة الفتح في السنة الثامنة؛ فيلزم من ذلك نسخها مرتين.
ونحن نرى أن لا داعي لهذه المحاولة؛ ما دام الحديث ظاهراً في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة،
ولا مانع من نسخها مرتين، ولها نظير في الشريعة الإسلامية: وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين. وذلك
أن النبي ◌َّير كان يصلح بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة؛ تأليفاً لليهود،
وامتحاناً للمسلمين الذين اتبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة ثانياً.
وقيل لهم في حديث سبرة الجهني أن القول بأن النبي ◌ّر عرفها إلى يوم القيامة - معارض بما روي عنه
أن النبي ◌َّ نهى عن المتعة في حجة الوداع؛ كما عند أبي داود.
وترد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح؛ لأنهم في فتح مكة
شكوا للنبي ◌ّ العزوبة، فرخص لهم فيها مدة، ثم نسخها. وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة
الوداع. فنقول إن النبي ◌َّ أعاد النهي في حجة الوداع؛ ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكد ذلك حتى
لا تبقی شبهة لأحد يدعي تحليلها.
=

٤٧٢
كِتَابُ النَّاحِ
ويقال لهم في الإجماع: إن غير مسلم، فقد ثبت الجواز عن ابن عباس؛ كما ثبت عن جماعة من
=
التابعين .
ويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة كما قدمنا، فانعقد الإجماع على
تحريمها. وأما خلاف بعض التابعين فإن إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم.
يتبين لنا من بيان الأدلة ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور، من أن المتعة حرام، وهي من الأنكحة
الفاسدة؛ لقوة أدلتهم. وأن لا عبرة بمخالفة الإمامية؛ لما تبين من بطلان ما تمسكوا به من الأدلة.
هذا وقد نسب بعض العلماء القول بصحة نكاح المتعة إلى إمام دار الهجرة - رضي الله عنه -.
قال صاحب الهداية من الحنفية: ((ونكاح المتعة باطل، وهو أن يقول لامرأة: أتمتع بك كذا مدة بكذا من
المال». وقال مالك (رحمه الله) هو جائز.
وهذه النسبة باطلة؛ فإن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - لم يقل بإباحة نكاح المتعة، ولا قال به أحد من
المالكية؛ فإنهم جميعاً اتفقوا على تحريم نكاح المتعة.
ولأجل مخالفة هذه النسبة لمذهب المالكية - نجد بعض علماء الحنفية أنكرها على صاحب ((الهداية)).
قال ابن نجيم في ((البحر الرائق)): وما في ((الهداية)) من نسبته إلى مالك فغلط، كما ذكره الشارحون.
والموجود في كتب المالكية إنما هو فيمن نكح نكاحاً مطلقاً، ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها،
فقالوا: إن ذلك جائز، وليس هو بنكاح متعة، ولو علمت المرأة بنيته .
وهذا لم ينفرد به المالكية، بل قال به الجمهور، إلا ما روي عنه الأوزاعي فقد قال: هذا نكاح متعة، ولا
خیر فیه .
وقد قال الإمام مالك ليس هذا من الجميل، ولا من أخلاق الناس.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا النكاح الذي نوى فيه الرجل الإقامة معها مدة نواها، وبين نكاح المتعة الذي
قالت به الإمامية، وقلتم ببطلانه - نقول الفرق بينهما واضح، وهو أن نكاح المتعة الذي قلنا ببطلانه،
والذي قالت به الإمامية دخلا فيه على تحديده بمدة معينة أو غير معينة، وأيضاً فهو نكاح لا تترتب عليه
أحكام النكاح من التوارث، ولحوق النسب، ووجوب العدة بخلاف هذا، فإنه وإن نوى الإقامة معها
مدة، إلا أنهما لم يدخلا على ذلك، وهو نكاح تترتب عليه آثاره، ففرق بينهما غاية الأمر أنه نوى الإقامة
معها مدة نواها، وهذا لا يضر؛ لأن الرجل بيده الطلاق، فله أن يطلق في أي وقت شاء.
النكاح المؤقت: فرق زفر من الحنفية بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت فقال المتعة باطلة. وأما النكاح المؤقت فهو
صحيح ويلغى فيه الشرط. وقد ذكر في العناية فرقاً بينهما بأن النكاح الموقت يكون بحضرة شهود ويذكر فيه مدة
معينة مثل أن يقول أتزوجك عشرة أيام ونحو ذلك. بخلاف المتعة فإنه لو قال أتمتع بك ولم يذكر مدة كان متعة.
وخالف في ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. فإنهم قالوا لا فرق بينهما والكل نكاح متعة. ووجه قول
زفر أن النكاح المؤقت صحيح أنه قال ذكر النكاح وشرط فيه شرط فاسد. والنكاح لا تبطله الشروط
الفاسدة. وذلك كما لو شرطه أن لا يتزوج عليها ولا يسافر بها فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحاً.
ولكن يرد هذا بأن قوله أتى بنكاح ثم أدخل عليه شرطاً فاسداً ممنوع بل هو أتى بنكاح مؤقت فيه شرط مانع من
بقاء النكاح. والنكاح المؤقت نكاح متعة فإن معنى المتعة العقد على امرأة لا يراد به مقاصد عقد النكاح من
القرار للولد وتربيته. بل أما إلى مدة معينة ينتهي العقد بانتهائها أو غير معينة بمعنى بقاء العقد ما دام معها .
فالنكاح المؤقت نكاح متعة وقد بينا أن المتعة منسوخة فلا وجه حينئذٍ لتفرقة زفر بين المتعة والنكاح المؤقت.

٤٧٣
كِتَابُ النَّاحِ
أما الأول: فهو أن يقول أعطيك كذا على أن أتمتع منك يوماً أو شهراً أو سنة، ونحو
ذلك، وأنه باطل عند عامة العلماء. وقال بعض الناس: هو جائز، واحتجوا بظاهر قوله تعالى:
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، والاستدلال بها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ذكر الاستمتاع ولم يذكر النكاح، والاستمتاع والتمتع واحد.
والثاني: أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر، وحقيقة [الأجر في](١) الإجارة والمتعة عقد الإجارة
على منفعة البضع.
والثالث: أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، وذلك يكون في عقد الإجارة
والمتعة، فأما المهر فإنما يجب في النكاح بنفس العقد، ويؤخذ الزوج بالمهر أو لا، ثم يمكن
من الاستمتاع، فدلت الآية الكريمة على جواز عقد المتعة.
ولنا الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:
أما الكتاب الكريم فقوله - عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٫٥]، حرم تعالى الجماع إلا بأحد شيئين، والمتعة ليست
بنكاح ولا بملك يمين؛ فیبقی التحریم.
والدليل على أنها ليست بنكاح أنها ترتفع من غير طلاق ولا فرقة، ولا يجري التوارث
بينهما، فدل أنها ليست بنكاح، فلم تكن هي زوجة له، وقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَمَنْ
ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧]، سمى مبتغى ما وراء ذلك عادياً، فدل على
حرمة الوطء بدون هذين الشيئين، وقوله - عز وجل: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾
[النور: ٣٣]، وكان ذلك منهم إجازة الإماء، نهى الله - عز وجل - عن ذلك وسماه بغاء؛ فدل
على الحرمة .
وأما السنة: فما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله وَ لَّةَ «نَهَى عَنْ مُتْعَةٍ
النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الْحُمُرِ الإنْسِيَّةِ))(٢).
(١) سقط في ط.
(٢) ورد تحريم نكاح المتعة من حديث جماعة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب
وسلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد وأبو هريرة وجابر وثعلبة بن الحكم وابن عمر وأبو ذر وابن عباس
ورجل والحارث بن غزية وسهل بن سعد وكعب بن مالك وابن مسعود وأنس وحذيفة وعائشة.
- حديث علي:
أخرجه مالك (٥٤٢/٢) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة (٤١) والبخاري (٧/ ٤٨١) كتاب المغازي: باب
غزوة خيبر حديث (٤٢١٦) ومسلم (١٠٢٧/٢، ١٠٢٨) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة حديث (٢٩ -
١٤٠٧/٣٢) والنسائي (١٢٥/٦ - ١٢٦) كتاب النكاح: باب تحريم المتعة والترمذي (٤٢٩/٣) كتاب
النكاح: باب تحريم نكاح المتعة حديث (١١٢١) وابن ماجه (٦٣٠/١) كتاب النكاح: باب النهي عن =

٤٧٤
كِتَابُ النّكَاحِ
نكاح المتعة حديث (١٩٦١) والشافعي (١٤/٢) كتاب النكاح: باب الترغيب في التزوج حديث (٣٥)
=
وأحمد (٧٩/١) والطيالسي (١٨/١) حديث (١١١) والدارمي (٢/ ١٤٠) كتاب النكاح: باب النهي عن
متعة النساء والحميدي (٢٢/١) رقم (٣٧) وابن الجارود (٦٩٧) وأبو يعلى (١/ ٤٣٤) رقم (٥٧٦)
والطبراني في ((المعجم الصغير)) (١٣٣/١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤/٣) والدارقطني (٣/
٢٥٧ - ٢٥٨) كتاب النكاح: باب المهر حديث (٥١) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٧/٣) والبيهقي (٧)
٢٠١ - ٢٠٢) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (١٠٢/٦) والبغوي في
(شرح السنة)) (٧٧/٥ - بتحقيقنا) من طريق عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن
أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله وَّل نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر
الأنسية .
قال الترمذي: حديث علي حديث حسن صحيح وقال أبو نعيم: هذا حديث صحيح متفق عليه.
وقال البغوي: هذا حديث متفق على صحته.
والحديث أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨/ ٤٦١) من طريق مالك عن الزهري عن عبد الله - وحده
دون ذكر الحسن - عن أبيه عن علي بن أبي طالب به.
- وللحديث طريق آخر عن علي:
أخرجه الدارقطني (٢٥٩/٣) كتاب النكاح: باب المهر حديث (٥٥) ومن طريقه الحازمي في ((الاعتبار))
(ص - ١٧١) من طريق ابن لهيعة عن موسى بن أيوب عن إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال:
نهى رسول الله وَّلقول عن المتعة قال: وإنما كانت لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والنكاح
والميراث بين الزوج والمرأة نسخت .
وقال الحازمي: غريب من هذا الوجه وقد روي من طرق تقوي بعضها بعضاً.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣/ ١٨٠): وضعفه ابن القطان في كتابه ا. هـ.
وقد جاء النهي عن علي موقوفاً أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٥٠٥) رقم (١٤٠٤٦) عنه قال: نسخ رمضان كل
صوم ونسخت الزكاة كل صدقة ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث.
قلت: وسنده ضعيف.
- حديث عمر بن الخطاب:
أخرجه ابن ماجه (٦٣١/١) كتاب النكاح: باب النهي عن نكاح المتعة حديث (١٩٦٣) من طريق أبان بن
أبي حازم عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن
رسول الله * أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة
إلا أن يأتي بأربعة يشهدون أن رسول الله ◌َو أحلها بعد إذ حرمها.
قال البوصيري في ((الزوائد)) (١٠٨/٢): هذا إسناد فيه مقال أبو بكر بن حفص ذكره ابن حبان في الثقات
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبت عنه وعن أبيه وكان أبوه يكذب قلت: لا بأس به قال: لا يمكنني أن
أقول لا بأس به انتهى .... وأبان بن أبي حازم مختلف فيه. انتهى كلام البوصيري.
وأبان هو ابن عبد الله بن أبي حازم البجلي الأحمسي.
قال البخاري: صدوق الحديث ((علل الترمذي)) ص - ٩٥
=

٠ ٤٧٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وقال أحمد صالح الحديث ((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٢٠١)
=
وقال العجلي: ثقة الثقات (١٠)
وقال ابن حبان في ((المجروحين)) (٩٩/١): كان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير.
وضعفه النسائي فقال: ليس بالقوي وكذا الدارقطني ينظر التهذيب رقم (١٧٢).
وقال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)» (٣١/١) رقم (١٦٢): صدوق في حفظه لين.
وصحح الحافظ سنده في ((التلخيص)) (١٥٤/٣)
- حديث سلمة بن الأكوع:
أخرجه أحمد (٥٥/٤) ومسلم (١٠٢٢/٢) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة حديث (١٤٠٥/١٨).
والدارقطني (٢٥٨/٣) كتاب النكاح: باب المهر (٥٢) والبيهقي (٢٠٤/٧) كتاب النكاح: باب نكاح
المتعة. كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد حدثني أبو عميس عن إياس بن سلمة عن أبيه أن النبي ◌َّه
رخص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها.
- حديث سبرة بن معبد الجهني:
أخرجه مسلم (١٠٢٦/٢) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة حديث (١٤٠٦/٢٤) وأبو داود (٥٥٨/٢ -
٥٥٩) كتاب النكاح: باب في نكاح المتعة حديث (٢٠٧٢، ٢٠٧٣) والنسائي (١٢٦/٦ - ١٢٧) كتاب
النكاح: باب تحريم المتعة وابن ماجه (٦٣١/١) كتاب النكاح: باب النهي عن نكاح المتعة حديث
(١٩٦٢) والشافعي (١٤/٢) كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح حديث (٣٣، ٣٤) والحميدي (٢/
٣٧٤) رقم (٨٤٦، ٨٤٧) وأحمد (٤٠٤/٣) والدارمي (١٤٠/٢) كتاب النكاح: باب النهي عن متعة
النساء وابن الجارود (٦٩٨، ٦٩٩) وأبو يعلى (٢٣٨/٢) رقم (٩٣٨، ٩٣٩) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (٢٥/٣ -٢٦) والبيهقي (٧/ ٢٠٣، ٢٠٤) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وأبو نعيم في ((الحلية))
(٣٣٦/٥) والخطيب في («تاريخ بغداد (٣٢٨/٤) من طريق الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه أن النبي وكل
نهى عن نكاح المتعة .
- حديث أبي هريرة:
أخرجه أبو يعلى (٥٠٣/١١ - ٥٠٤) رقم (٦٦٢٥) وابن حبان (١٢٦٧ - موارد) والدار قطني (٢٥٩/٣)
كتاب النكاح: باب المهر (٥٤) والبيهقي (٧/ ٢٠٧) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة، كلهم من طريق
مؤمل بن اسماعيل حدثنا عكرمة بن عمار قال أخبرني سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: خرجنا مع
رسول الله وَّي في غزوة تبوك فنزلنا تثنية الوداع فرأى رسول الله وَلقر مصابيح ورأى نساءً يبكين فقال: ما
هذا فقال: نساءٌ تُمتِّع منهن يبكين فقال رسول الله وَّر: ((حرَّم أو قال هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة
والميراث)».
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٦٧/٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه مؤمل بن اسماعيل وثقه ابن
معين وابن حبان وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٢/ ٧٠) رقم (١٦٧٩) وعزاه إلى أبي يعلى.
وقال في ((التلخيص)) (١٥٤/٣) إسناده حسن. وقد خالف مؤمل في هذا الحديث بشر بن عمر الزهراني.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٤٧٧ - بغية الباحث) ثنا بشر بن عمر الزهراني ثنا عكرمة بن عمار حدثني
عبد الله بن سعيد المقبري قال رسول الله قال: تهدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث هكذا مرسل . =

٤٧٦
كِتَابُ النَّاحِ
وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٢/ ٧٠) رقم (١٦٧٨) وعزاه للحارث وقال: هكذا قال بشر بن
=
عمر .
۔ حديث جابر:
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد» (٢٦٧/٤) والحازمي في ((الاعتبار في الناسخ
والمنسوخ)) (ص - ١٧٩) عن جابر قال: خرجنا ومعنا النسوة اللاتي استمتعنا بهن حتى أتينا ثنية الركاب
فقلنا يا رسول الله هؤلاء النسوة اللاتي استمتعنا بهن فقال رسول الله وَ لجر: هن حرام إلى يوم القيامة
فودعننا عند ذلك فسميت عند ذلك ثنية الوداع وما كانت قبل ذلك إلا ثنية الوداع وما كانت قبل ذلك إلا
ثنية الركاب.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه صدقة بن عبد الله وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه أحمد
وجماعة وبقية رجاله رجال الصحيح.
- حديث ثعلبة بن الحكم:
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٦٨/٤) عنه أن النبي ◌َّ نهى يوم خيبر عن نكاح المتعة.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا شريك وهو ثقة.
۔ حديث ابن عمر:
يخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد)) (٢٦٨/٤) من طريق سالم بن عبد الله قال: أتى
عبد الله بن عمر فقيل له إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان الله ما أظن ابن عباس
يفعل هذا قالوا: بلى أنه يأمر به قال: وهل كان ابن عباس إلا غلاماً صغيراً إذا كان رسول الله وَ ظير ثم قال
ابن عمر: نهانا عنها رسول الله ◌َّليو وما كنا مسافحين.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا المعافى بن سليمان وهو ثقة.
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٥٤/٣) وقال: إسناده قوي.
وأخرج البيهقي (٢٠٦/٧) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه سئل عن متعة النساء فقال
حرام أما إن عمر بن الخطاب لو أخذ فيها أحداً لرجمه بالحجارة.
- وللحديث طريق آخر :
أخرجه البلخي في ((مسند أبي حنيفة)) كما في ((جامع المسانيد)» (٢/ ٩٧) للخوارزمي من طريق أبي حنيفة
عن محارب بن دثار عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَلقر نهى يوم خيبر عن متعة النساء.
۔ حديث أبي ذر:
أخرجه البيهقي (٢٠٧/٧) عنه قال: إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله وَ ل متعة النساء ثلاثة أيام ثم نهى
عنها رسول الله اَل﴾.
۔ حديث ابن عباس:
أخرجه الترمذي (٤٣٠/٣) كتاب النكاح: باب تحريم نكاح المتعة حديث (١١٢٢) والبيهقي (٢٠٤/٧ -
٢٠٥) كتاب النكاح: باب نكاح المتعة من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب عن ابن
عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة
بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية ﴿إلا على أزواجهم أو ما مذكت
أيمانهم﴾ قال ابن عباس: فكل فرج سوى هذين فهو حرام.
=

٤٧٧
كِتَابُ النّكَاحِ
وهذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي. وهذا الأثر يحتج به الذين يقولون برجوع ابن عباس
=
عن فتواه بجواز المتعة .
- حديث رجل:
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) (٢٦٨/٤ - ٢٦٩) عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت أنا
وصاحب لي نماكس امرأة في الأجل وتماكسنا فأتانا آتٍ فأخبرنا أن رسول الله وَّر حرم نكاح المتعة وحرم
أكل كل ذي ناب من السباع والحمر الأنسية.
وقال الهيثمي وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.
- حديث الحارث بن غزية :
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٩/٤) عنه قال: سمعت النبي ◌ّ يقول يوم فتح مكة: متعة النساء حرام
ثلاث مرات.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو ضعيف.
۔ حدیث سهل بن سعد:
ذكره الهيثمي في («المجمع» (٢٦٩/٤) عنه قال: إنما رخص رسول الله وَل# في المتعة لحاجة كانت
بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه يحيى بن عثمان بن صالح وابن لهيعة وكلاهما حديثه حسن وفيه كلام
وبقية رجاله رجال الصحيح.
۔ حدیث کعب بن مالك:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٩/٤) عنه قال: نهى رسول الله وَلثر عن متعة النساء.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو متروك.
- حديث ابن مسعود:
ذكره الخوارزمي في ((جامع المسانيد)» (١٠٦/٢) وعزاه إلى محمد بن الحسن في ((الآثار)) والحسين بن
خسرو في ((مسند أبي حنيفة)) عن أبي حنيفة عن ابراهيم عن عبد الله بن مسعود أنه قال في متعة النساء
إنما خصت لأصحاب النبي ◌َّي ثلاثة أيام في غزاة لهم شكوا إلى النبي ◌َّر ثم نسختها آية النكاح
والصداق والميراث.
۔ حديث أنس :
أخرجه أبو محمد البخاري وطلحة بن محمد وأبو بكر محمد بن عبد الباقي والحسن بن زياد في ((مسانيد
أبي حنيفة)) كما في ((جامع المسانيد)) (٨٦/٢ - ٨٧) عن أبي حنيفة عن الزهري عن أنس أن النبي ◌َّ نهى
عن المتعة .
۔ حديث حذيفة :
أخرجه أبو محمد البخاري في ((مسند أبي حنيفة)) كما في ((جامع المسانيد) (١٠٩/٢) عن أبي حنيفة عن
حماد عن سعيد بن جبير عن حذيفة قال: سمعت رسول الله وَالر حرم متعة الناس.
- حديث عائشة :
أخرجه الحاكم (٣٩٣/٢) والبيهقي (٢٠٦/٧) والحارث بن أبي أسامة (٤٧٨ - بغية الباحث من طريق =

٤٧٨
كِتَابُ النَّاحِ
[وَعَنْ سَمُرَةَ الْجُهَنِيِّ - رضي الله تعالى عنه - أن رَسُولَ اللهِ وَوَ](١) نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ
يَوْمَ فَتْحِ مَكّْةً(٢).
وعن عبد الله بن عمر؛ أنه قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ
لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ(٣).
وعن سبرة قال رأيت رسول الله ﴿ كَانَ قَائِماً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَهُوَ يقول إني كنت
أذِنْتُ لَكُمْ فِي الْمُتْعَةِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُفَارِقُهُ، وَلاَ تَأْخُذُوا مما أَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً؛ فإن الله
قَدْ حَرَّمَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(٤).
وأما الإجماع: فإن الأمة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة، مع ظهور الحاجة لهم إلى
ذلك.
وأما المعقول: فهو أن النكاح ما شرع لاقتضاء الشهوة، بل لأغراض ومقاصد يتوسل به
إليها، واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد؛ فلا يشرع.
وأما الآية الكريمة فمعنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] أي: في النكاح؛
لأن المذكور في أول الآية، وآخرها هو النكاح؛ فإن الله تعالى ذكر أجناساً من المحرمات في
أول الآية في النكاح، وأباح ما وراءها بالنكاح بقوله - عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ
تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: بالنكاح.
وقوله تعالى: ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: غير متناكحين غير زانين،
وقال تعالى في سياق الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُخْصَنَاتِ﴾
[النساء: ٢٥]، ذكر النكاح لا الإجارة والمتعة، فيصرف قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ [النساء:
٢٤] إلى الاستمتاع بالنكاح.
نافع بن عمر عن ابن مليكة قال: سئلت عائشة عن متعة النساء فقالت: بينكم وبيني كتاب الله وقرأت إلا
=
على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين. من ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية))
(٢/ ٧٠) رقم (١٦٧٧) وعزاه للحارث.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٨/٥) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١) في أ: ويروى في رواية أخرى أنه.
(٢) تقدم في تخريج الحديث السابق.
(٣) انظر الحديث السابق.
(٤) انظر الحديث السابق.

٤٧٩
كِتَابُ النّكَاحِ
وأما قوله: سمى الواجب أجراً، فنعم المهر في النكاح يسمى أجراً، قال الله - عز وجل:
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بَإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: مهورهن، وقال سبحانه وتعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقوله أمر تعالى بإيتاء
الأجر بعد الاستمتاع بهن، والمهر يجب بنفس النكاح ويؤخذ قبل الاستمتاع، قلنا: قد قيل في
الآية الكريمة تقديم وتأخير؛ كأنه تعالى قال: ﴿فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم به منهن﴾ [النساء:
٢٤]، أي: إذا أردتم الاستمتاع بهن؛ كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: إذا أردتم تطليق النساء على أنه إن كان المراد من الآية الإجارة
والمتعة، فقد صارت منسوخة بما تلونا من الآيات، وروينا من الأحاديث، وعن ابن عباس -
رضي الله تعالى عنهما - أن قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] نسخه قوله - عز وجل:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾(١) [الطلاق: ١].
وعن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: (([الْمُتْعَةُ بِالنِّسَاءِ](٢) مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا
آيَةُ الطَّلاَقِ وَالصَّدَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَوَارِيثِ/))(٣)، والحقوق التي يجب فيها النكاح، أي: النكاح ٢٤
هو الذي تثبت به هذه الأشياء، ولا يثبت شيء منها بالمتعة، والله أعلم.
وأما الثاني: فهو أن يقول: أتزوجك عشرة أيام ونحو ذلك، وأنه فاسد عند أصحابنا
الثلاثة، وقال زفر: النكاح جائز وهو مؤبد، والشرط باطل.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة؛ أنه قال: إذا ذكرا من المدة مقدار ما يعيشان إلى
تلك المدة - فالنكاح باطل، وإن ذكرا من المدة مقدار ما لا يعيشان إلى تلك المدة في الغالب
يجوز النكاح؛ كأنهما ذكرا الأبد.
وجه قوله: أنه ذكر النكاح، وشرط فيه شرطاً فاسداً، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة،
فبطل الشرط وبقي النكاح صحيحاً؛ كما إذا قال: تزوجتك إلى (٤) أن أطلقك إلى عشرة أيام.
ولنا: أنه لو جاز هذا العقد لكان لا يخلو؛ إما أن يجوز مؤقتاً بالمدة المذكورة، وإما أن
يجوز مؤبداً لا سبيل إلى الأول؛ لأن هذا معنى المتعة، إلا أنه عبر عنها بلفظ النكاح والتزوج،
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢/ ٢٥١)، وعزاه إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر والنحاس من
طريق عطاء عن ابن عباس.
(٢) في أ: المتعة متعة النساء.
(٣) أخرجه البيهقي (٢٠٧/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((نكاح المتعة))، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢/
٢٥١)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر.
(٤) في أ: على.

٤٨٠
كِتَابُ النّكَاحِ
والمعتبر في العقود معانيها لا الألفاظ كالكفالة بشرط براءة الأصيل؛ أنها حوالة معنى لوجود
الحوالة، وإن لم يوجد لفظها، والمتعة منسوخة ولا وجه للثاني؛ لأن فيه استحقاق البضع
عليها من غير رضاها، وهذا لا يجوز.
وأما قوله: أتى بالنكاح ثم أدخل عليه شرطاً فاسداً - فممنوع، بل أتى بنكاح مؤقت،
والنكاح المؤقت نكاح متعة، والمتعة منسوخة، وصار هذا كالنكاح المضاف أنه لا يصح، ولا
يقال: يصح النكاح وتبطل الإضافة؛ لأن المأتي به نكاح مضاف، وأنه لا يصح كذا هذا،
بخلاف ما إذا قال: تزوجتك على أن أطلقك إلى عشرة أيام؛ لأن هناك أبد النكاح، ثم شرط
قطع التأبيد بذكر الطلاق في النكاح المؤبد؛ لأنه على أن (إن) كلمة شرط، والنكاح المؤبد لا
تبطله الشروط؛ والله - عز وجل - أعلم.
فصل في المهر
ومنها: المهر، فلا (١) جواز للنكاح بدون المهر عندنا، والكلام في هذا الشرط في
(١) فقال مهر المرأة يمهرها بضم الهاء ومهر المرأة يمهرها بفتحها مهراً أي جعل لها مهراً فهو من بابي (نصر - وفتح).
وفي المغرب مهر المرأة أعطاها المهر: وأمهرها سمى لها مهراً وتزوجها به ا. هـ. وعن أبي زيد مهر
المرأة وأمهرها بمعنى: وامرأة مهيرة أي غالية المهر: وجمع المهر مهور ومهورة.
تعریف المھر
المهر اسم للمال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البضع إما بالتسمية أو بالعقد واعترض
على هذا التعريف بأنه غير شامل للواجب بالوطء بشبهة والوطء في نكاح فاسد: وأجيب عنه بأن المعرف
هو أن المهر الذي هو حكم العقد الصحيح.
وعرف بعضهم بما يشتمل كل الصور بقوله:
المهر اسم لما تستحقه المرأة بعقد النكاح أو بالوطء فلذا يجب التعديل عليه والصداق رديف المهر
وكلاهما متعارف شائع ولذا نعنى بهما وتقدم الكلام على لفظة المهر من جهة اللغة بقي الكلام على
مرادفها، يقال أصدق المرأة سمى لها صداقها وقد جاء متعدياً إلى مفعوله والصداق بفتح الصاد وتكسر
قيل والكسر أفصح ويجمع على أصدقه وصدق وهو اسم مصدر لأصدق والمصدر الأصداق: وهو مأخوذ
من الصدق بكسر الصاد لأنه ينبىء عن صدق رغبة بأدلة في النكاح إذ إنه هو الأصل في إيحابه.
وقيل مشتق من الصدق بفتحها اسم للشيء الصلب بضم الصاد أي الشديد وكأنه أشد الأعواض لزوماً من
جهة عدم سقوطه بالتراضي.
وقد ذكروا لمعنى المهر عدة أسماء غير هذين منها النحلة والأجر والفريضة والصدقة بضم الدال والعلائق
والعقر وهو غالب في الأماء والحباء: فهذه تسعة أسماء قال ◌َ لّ ((أدوا العلائق)) قيل يا رسول الله وما
العلائق قال (ما تراضى عليه الأهلون) رواه الدارقطني وقال عليه السّلام ((لها عقر نسائها)) وكلها على
معنى: وقيل الصداق ما وجب بالعقد والمهر ما وجب بغيره.
=