Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه هذه الرواية: أن منافع بضع العبد لم تدخل تحت ملك المولى، بل هو أجنبي
عنها، والإنسان لا يملك التصرف في ملك غيره من غير رضاه؛ ولهذا لا يملك إنكاح
المكاتب والمكاتبة بخلاف الأمة؛ لأن منافع بضعها مملوكة للمولى؛ ولأن نكاح المكره لا
يفيد(١) ما وضع له من المقاصد المطلوبة منه؛ لأن حصولها بالدوام على النكاح والقرار عليه،
ونكاح المكره لا/ يدوم، بل يزيله العبد بالطلاق؛ فلا يفيد فائدة.
٦ب
وجه ظاهر الرواية قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
وَأَمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، أمر الله - سبحانه وتعالى - الموالي بإنكاح العبيد والإماء، مطلقاً عن
شرط الرضا، فمن شرطه يحتاج إلى الدليل؛ ولأن إنكاح المملوك من المولى تصرف لنفسه؛
لأن مقاصد النكاح ترجع إليه، فإن الولد في إنكاح الأمة له، وكذا في إنكاح أمته من عبده،
ومنفعة العفة(٢) عن الزنا الذي يوجب نقصان مالية مملوكه حصل له أيضاً؛ فكان هذا الإنكاح
(١) في ط: ينفذ.
(٢) قال صاحب ((لسان العرب)): العفة: الكف عما لا يحل ويجمل: عف عن المحارم والأطماع الدنية يعف
عنه، وعفّاً، وعفافاً، وعفافةً، فهو عفيف وعفَّ أي: كف، وتعفف، واستعفف وأعفه الله، وفي التنزيل:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ فسَّره ثعلب فقال: ليضبط نفسه بمثل الصوم، وفي الحديث ((من
يستعفف يعفه الله)). أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها.
وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء ومنه الحديث ((اللَّهم إنّي أسألك العفّة والغِنى الخ ... )).
وعرف علماء الأخلاق فضيلة العفة بتعاريف متعددة مختلفة أهما ما يأتي:
أولاً: عرفها حجة الإسلام الغزالي فقال: هي تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشّرع.
ثانياً: عرفها محيي الدين بن العربي: بأنها ضبط النفسي عن الشهوات وفسرها على الاكتفاء بما يقيم
الجسد، ويحفظ صحته.
والذي ألاحظه على هذين التعريفين قصد العفة على شهوات البدن فقط. مع أنها تتناول ملاذ الروح
أيضاً.
وحقيقة العفة تقدم أنَّ العفّة لغة. كفِّ النَّفس عن القبيح، وتسمى ضبط النفس أيضاً، وأنها في عرف أهل
الفنّ تنحصر في خضوع الشهوة مطلقاً، والغضب إلى حد ما للعقل، فهي وسط بين رذيلتين هما الشّره،
والجمود.
فأما الشره: فهو الاندفاع في اللذات، والخروج فيها عما ينبغي وأما الجمود: فهو ركود النفس وسكونها
عن تطلب جميل اللذات التي يحتاج إليها البدن في صلاح حال، وضرورات بقائه، فكل من الشره
والجمود رذيلة، لأن كلاً منهما طرف للوسط (العفة) وكل منهما مذموم، لأن خروج بالإنسان من طبعه
إلى حيث يهيهم على وجهه في كل سبيل، ويركب رأسه إلى كل لذة، ولا يقف في طريقه قانون، ولا
یزجره عقل ولا یعصمه دین.
أو يقف مكتوف أمام كل لذة يرضاها العقل، ويقرها الدين، فيقطع بذلك سلسلة الحياة التي وصلت إليه
حلقاتها بمن قبله، لأن خلقه أصبحت عقيمة بثراء لا تتصل بشيء بعدها، وإن اتصلت بمن قبلها، ففي =

٣٤٢
كِتَابُ النكاح
تصرفاً لنفسه، ومن تصرف في ملك نفسه لنفسه ينفذ، ولا يشترط فيه رضا المتصرف فيه؛ كما
في البيع والإجارة وسائر التصرفات؛ ولأن العبد ملكه بجميع أجزائه مطلقاً؛ لما ذكرنا من
الدلائل فيما تقدم، ولكل مالك ولاية التصرف في ملكه، إذا كان التصرف مصلحة، وإنكاح
العبد مصلحة في حقه؛ لما فيه من صيانة ملكه عن النقصان بواسطة الصيانة عن الزنا، وقوله:
منافع البضع (١) غير مملوكة لسيده - ممنوع، بل هي مملوكة إلا أن المولى يمنع(٢) من
استيفائها؛ لما فيه؛ من الفَسَادِ، وهذا لا يمنع ثبوت الملك كالجارية المجوسية، والأخت من
الرِّضَاعة أنه يمنع المولى من الاستمتاع بهما مع قيام الملك؛ كذا هذا.
والملك المطلق لم يوجد في المكاتب؛ لزوال ملك اليد بالكتابة، حتى كان أحق
بالكتابة؛ ولهذا لم يدخل تحت مطلق اسم المملوك في قوله: كل مملوك لي فهو حر إلا
كل من الشره والجمود قضاء على الفرد والمجتمع، وفي التوسط والاعتدال سعادتهما وصلاحهما، فلا
=
يعتبر الشخص عفيفاً، ولا معتدلاً إذا حملة شهوة بطنه على الإكثار من الأطعمة والتفنن في ألوان المائدة،
حتى يفقد ثروته، ثم يمد يده إلى الاستدانة، سؤال الناس أعطوه أو منعوه، وما كان أغناه عن ذلك لو
اعتدل في طعامه، وعف في أكله، بل يعتبر مثل هذا شرهاً ساقطاً بالرذيلة: فيجب أن يعتدل الإنسان،
حتى في مواطن المحضة ليبقى حافظاً لكرامته مستبقياً ماء وجهه مؤدياً كل ما يلزمه من الواجبات.
وعلى كل فإن مجاوزة الخير الوسط، ولو في مباح اللذات هادم للفضيلة التي هي العفة. مسقط في
الرذيلة سواء كانت مجاوزة الحد إلى الزيادة والإفراط، أم نزولاً عنه إلى النقص والتفريط فالعفة هي دواء
النفوس الذي لا يغني عنه سواه، فإذا تعهد الإنسان نفسه بهذا الأدب وألزمها السير عليه، فقد سعد
السعادة العظمى، وبلغ منتهى الكمال، وأما إذا غلبته شهواته، فقد شقي شقه الأبد، وهلك مع الهالكين؛
لأن العفة تستوجب أن يكون المرء أسير نفسه يتحكم فيها بعقله، ويلزمها أمر ربه، فيتصرف في ميوله
وشهواته تصرف النقائد المطاع بجنده، والراعي بماشيته لا تعصى له أمراً، ولا تستخف له رأياً.
فإن تمَّ له ذلك، فهو عفيف، ومعتدل، وإلا فهو عديم الاعتدال ساقط، بالرذيلة.
فقد شبه العلماء ضابط نفسه بالماء والنار خلقها الله لانتفاعنا وقضاء حوائجنا، وحفظ حياتنا، فمن ألقى
بنفسه في الماء غرق، أو في النَّار حُرق، فالشهوة كالماء، والنار كالغضب. إذا لم يستعملا بالحكمة، ولم
يوقفا عند المصلحة كانا وسيلتي شر، وآلتي تدمير فامتلاك زمام الشهوة، والغضب سبيل السعادة، وملاك
مكارم الأخلاق. وأساس الحياة الأدبية، فليست العفة فضيلة واحدة، ولكنها الفضائل مجتمعة والآداب
متآلفة .
قال بعض الحكماء: العفة والأمانة قبل كل شيء أساس الحياة الأدبية وشرط وجودها:
وقال آخر: أن النجاح في العمل، وفي الحياة يتوقف على العفّة، وتهذيب النفس، والحلم. فإنَّهنَّ
الصفات تكسب صاحبها السيادة على نفسه، وعلى غيره، لأنها تمهد له سبل الحياة، وتفتح له الأبواب
الموصدة. وفي ط: العقد.
(١) في أ: يضع العبد.
(٢) في ط: إلا أن مولاها إذا كانت أمة منعت من استيفائها.

٣٤٣
كِتَابُ النّكَاحِ
بالنية، فقيام ملك الرقبة إن اقتضى ثبوت الولاية؛ فانعدام ملك اليد يمنع من الثبوت، فلا (١)
تثبت الولاية بالشك؛ ولأن في التزويج من غير رضا المكاتب ضرراً؛ لأن المولى بعقد الكتابة
جعله أحق بمكاسبه؛ ليتوصل بها إلى شرف الحرية، فالتزويج من غير رضاه يوجب تعلق المهر
والنفقة بكسبه؛ فلا يصل إلى الحرية فيتضرر به بشرط رضاه دفعاً للضرر عنه.
وقوله: لا فائدة في هذا النكاح - ممنوع، فإن في طبع كل فحل التوقان إلى النساء،
فالظاهر هو قَضَاءُ الشهوة، خصوصاً عند عدم المانع وهو الحرمة، وكذا الظَّاهر من حال العَبْدِ
الامتناع من بعض(٢) تصرف المولى احتراماً له، فيبقى النكاح فيفيد فائدة تامة، والله الموفق.
وأما ولاية القرابة(٣) فسبب ثبوتها هو أصل القرابة وذاتها، لا كمال القرابة، وإنما الكمال
شرط التقدم على ما نذكر، وهذا عند أصحابنا.
(١) في أ: باكتسابه.
(٢) في أ: نقص.
(٣) القرابة فهي تنتظم ولاية بعض الأقرباء على بعض في النفس والمال جميعاً أو في النفس وحدها سواء كان
عصبة أم لا. لكن الأحق هو العصبة بنفسه فإن لم يكن انتقلت إلى غيره كما سيأتي بعد بيانه: أن العصبة
قسمان : نسبية - سببية .
والنسبية تنقسم إلى عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع الغير. فالعصبة بنفسه هي كل ذكر لا يدخل في
نسبته إلى الميت أنثى ولا يرد المعتقة وعصبتها على هذا التعريف لأننا نعرف العصبة بسبب القرابة.
والمعتقة ليست منها أو يقال في التعريف كما قال الدر المختار (العصبة بنفسه هو من يتصل بالميت بلا
توسط أنثى) قال في رد المختار (وعبر بمن لإدخال المعتقة) ولكن هذا التعريف معترض وقد ذكر
الاعتراض ابن عابدين .
وقال ابن عابدين بعد ذلك (الأولى في التعريف ما ذكره في النهر. العصبة بنفسه من يأخذ كل المال إذا
انفرد والباقي مع ذي سهم) ا.هـ.
والعصبة بالغير هن اللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بغيرهن كالبنت مع الابن والأختين مع
الأخ.
والعصبة مع الغير هي كل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت مع البنت. قال في رد المختار عند
قوله (الولي في النكاح العصب بنفسه) خرج به العصبة بالغير والوصية مع الغير إلى أن قال (والمراد
خروجهما من رتبة التقديم وإلا فلهما ولاية في الجملة) وقال: (الحاصل أن ولاية من ذكر بالرحم لا
بالتعصيب وإن كانت في حال عصوبتها كالبنت مع الابن الصغير فإنها تزوج أمها المجنونة وكذا المعتوهة
بالرحم لا بكونها عصبة مع الابن) ا. هـ.
والعصبة السببية من هذا تبيّن أن أصل القرابة سبب لثبوت الولاية. والقرابة القريبة شرط التقدم. وعند
الشافعي سبب ثبوت الولاية القرابة القريبة. فعلى هذا يجوز لغير الأب والجد كالأخ والعم مثلاً ولاية
الإنكاح عندنا ولا يجوز عند الشافعية.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.

٣٤٤
كِتَابُ النّكَاحِ
وعند الشافعي: السبب هو القرابة القريبة وهي قرابة الولاد، وعلى هذا يبنى أن لغير
الأب والجد كالأخ والعم ولاية الإنكاح(١) عندنا خلافاً له.
واحتج بما روي عن رسول الله وَثير؛ أنه قال: ((لاَ تَنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ))(٢)، وحقيقة
اسم اليتيمة للصغيرة لغة، قال النبي ◌َِلّ: ((لاَ يُثْمَ بَعْدَ الحُلُم))(٣) نهى ◌ََّ عن إنكاح اليتيمة
ومده إلى غاية الاستثمار، ولاَ تصير أَهْلاً للاستثمار إلا بعد البلوغ، فيتضمن (٤) البلوغ كأنه
قال ◌َله: حتى تبلغ وتستأمر؛ ولأن النكاح عقد إضراراً في(٥) جانب النساء لما يذكر إن شاء
(١) في أ: النكاح.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٣٠،٢٩٩/٣) كتاب النكاح - حديث (٣٥، ٣٦، ٤٠،٣٧) والحاكم (١٦٧/٢) كتاب
النكاح - باب لا تنكحوا النساء حتى تستأمرونهن، والبيهقي (١٢١/٧) كتاب النكاح - باب ما جاء في
إنكاح اليتيمة. من حديث ابن عمر قال: ((قال رسول الله - وَ لر - لا تنكح المرأة اليتيمة إلا بإذنها)» لفظ
الدارقطني. وهي رواية للدارقطني والبيهقي (لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنهن) من
حديث عبد الله بن عمر وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ «تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو
إذنها وإن أبت فلا جواز عليها».
أخرجه أبو داود (٥٧٣/٢-٥٧٤) كتاب النكاح - حديث (٢٠٩٤) والترمذي (٤١٧/٣) كتاب النكاح ما جاء
في إكراه اليتيمة على التزويج - حديث (١١٠٩) و(٨٧/٦) كتاب النكاح - باب البكر يزوجها أبوها وهي
والبيهقي (٧/ ١٢٠) كتاب النكاح - باب ما جاء في إنكاح من حديث أبي هريرة بزيادة ((فإن سكتت فهو
اذنها فلا جواز عليها».
وقال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه أبو داود (٥٧٨/٢ -٥٧٩) كتاب النكاح - حديث (٢١٠٠) والنسائي (٨٥/٦) كتاب النكاح -باب
البكر في نفسها - من حديث ابن عباس ((أن رسول الله - وَ لو -قال: ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر
إقرارها)) وأخرجه الحاكم (١٦٦/٢-١٦٧) كتاب النكاح باب تستأمر اليتيمة في نفسها، والبيهقي (٧/ ١٢٠)
النكاح - باب ما جاء في إنكاح اليتيمة - من حديث أبي هريرة قال سمعت النبي ◌َّله يقول تستأمر اليتيمة فإن
سكتت فهو رضاها وإن كرهت فلا كره عليها قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٨/٢) كتاب الوصايا: باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث (٢٨٧٣) والطبراني في
((المعجم الصغير)) (٩٦/١) من طريق عبد الله بن أبي أحمد عن علي بن أبي طالب به قال الحافظ في
((التلخيص)) (١٠١/٣): وقد أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي
متمسكاً بسكوت أبي داود عليه ... ا. هـ.
۔ وللحدیث طريق آخر:
أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٩٩/٥) من طريق إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس على علي بن
أبي طالب قال: قال رسول الله - وَ الرلـ: لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام وقال الهيثمي في
((المجمع)) (٣٣٧/٤): رواه الطبراني في الصغير ورجاله ثقات.
(٤) في أ: فيضمن.
(٥) في أ: من.

٣٤٥
كِتَابُ النّكَاحِ
الله تعالى في مسألة(١) إنكاح الثيب(٢) البالغة، ومثل هذا التصرف لا يدخل تحت ولاية
المولى؛ كالطلاق، والعتاق، والهبة، وغيرها إلا أنه تثبت الولاية للأب والجد بالنص
والإجماع، لكمال شفقتهما، وشفقة غير الأب والجد قاصرة، وقد ظهر أثر القصور في سلب
ولاية التصرف في الحال بالإجماع، وسلب ولاية اللزوم عندكم، فتعذر الإلحاق.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وهذا خطاب لعامة المؤمنين؛
لأنه بني على قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، ثم
خص منه الأجانب، فبقيت الأقارب تحته إلا من خص بدليل؛ ولأن سبب ولاية التنفيذ في
الأب والجد هو مطلق القرابة، لا القرابة القريبة، وإنما قرب القرابة سبب زيادة الولاية وهي
ولاية الإلزام؛ لأن مطلق القرابة حاصل على أصل الشفقة، أعني به شفقة زائدة على شفقة
الجنس وشفقة الإسلام، وهي داعية إلى تحصيل النظر في حق المولى عليه، وشرطها عجز
المولى عليه عن تحصيل النظر بنفسه مع حاجته إلى التحصيل؛ لأن مصالح النكاح مضمنة
تحت الكفاءة، والكفء عزيز الوجود؛ فيحتاج إلى إحرازه للحال لاستيفاء [مصالح النكاح](٣)
بعد البلوغ، وفائدتها وقوعها وسيلة إلى ما وضع النكاح له، وكل ذلك موجود في إنكاح الأخ
والعم فينفذ إلا أنه لم يلزم تصرفه، لانعدام شرط اللزوم، وهو قرب القرابة، ولم تثبت له
ولاية/ التصرف في المال لعدم الفائدة؛ لأنه لا سبيل إلى القول باللزوم؛ لأن قرابة غير الأب ٧أ
والجد ليست بملزمة، ولا سبيل إلى القول (٤) بالنفاذ بدون اللزوم؛ لأنه لا يفيد؛ إذ المقصود
من التصرف في المال، وهو الربح لا يحصل إلا بتكرار التجارة، ولا يحصل ذلك مع عدم
اللزوم؛ لأنه إذا اشترى شيئاً يحتاج إلى أن يمسكه إلى وقت البلوغ فلا يحصل المقصود،
فسقطت ولاية التصرف في المال بطريق الضرورة، وهذه الضرورة منعدمة في ولاية الإنكاح،
فثبتت ولاية الإنكاح.
وأما الحديث: فالمراد منه اليتيمة البالغة بدلالة الاستثمار، وهذا وإن كان مجازاً لكن فيما
ذكره أيضاً إضمار، فوقعت المعارضة فسقط الاحتجاج به، أو نحمله على ما قلنا؛ توفيقاً بين
الدليلين صيانة لهما عن التناقض، ثم إذا زوَّج الصغير أو الصغيرة - فلهما الخيار إذا بلغا عند
أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: لا خيار لهما، ونذكر المسألة إن شاء الله تعالى في
شرائط اللزوم .
(١) في ط: مثله.
(٢) في ط: البنت البالغة.
(٣) في أ: المصالح.
(٤) في ط: التوالي.

٣٤٦
كِتَابُ النّكَاحِ
وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فنوعان في الأصل: نوع هو شرط ثبوت أصل الولاية،
ونوع هو شرط التقدم، أما شرط ثبوت أصل الولاية فأنواع: بعضها يرجع إلى الولي، وبعضها
يرجع إلى المولى عليه، وبعضها يرجع إلى نفس التصرف.
أما الذي يرجع إلى الولي فأنواع: منها: عقل الولي، ومنها: بلوغه، فلا تثبت الولاية
المجنون والصبي؛ لأنهما ليسا من أهل الولاية؛ لما ذكرنا في ولاية الملك، ولهذا لم تثبت
لهما الولاية على أنفسهما مع أنهما أقرب إليهما؛ فلأن [لا](١) تثبت على غيرهما أولى(٢).
ومنها: أن يكون ممن يرث الخروج؛ لأن سبب ثبوت الولاية والوراثة واحد وهو
القرابة، وكل من يرثه يلي عليه، ومن لا [يرثه فلا يلي عليه](٣)، وهذا يطرد على أصل أبي
حنيفة خاصة، وينعكس عند الكل، فيخرج عليه مسائل فنقول: لا ولاية للمملوك على أحد؛
لأنه لا يرث أحداً؛ ولأن المملوك ليس من أهل الولاية.
ألا ترى أنه لا ولاية له على نفسه؛ ولأن الولاية تنبىء عن المالكية، والشخص الواحد
(١) سقط في ط.
(٢) ولما كان الملحوظ في الولي أنه نصير ومعين للمولى عليه اتفق الأئمة على أنه يشترط أن يكون حراً عاقلاً
بالغاً متحداً دينه ودین المولى عليه.
واشترط الذكورة غير الحنفية وهم الأئمة الثلاثة بناء على أن النكاح عندهم لا ينعقد بعبارة النساء.
وزاد الشافعية ألا يكون محجوراً عليه لسفه. وألا يكون مختل النظر بهرم أو غيره كخبل وكثرة أسقام وألا
یکون فاسقاً.
وإنما قال الأئمة الولي لا بد أن يكون حراً بالغاً لأنه لا ولاية للعبد ولا للصبي على أنفسهما فأولى ألا
تكون لهما ولاية على غيرهما على أن المقصود من الولاية النظر والنظر يحتاج إلى تأمل لأجل تحصيل
الكفء الذي يتفق مع مولیته.
والتفويض إليهما مخل بذلك لأن العبد مشغول بخدمة سيده فلا يعرف كون إنكاحه مفسدة أو مصلحة
والصبي لا رأي له والمعتوه مثله.
وإن يكون عاقلاً لأن المجنون لا ولاية له على نفسه فأولى ألاّ تثبت على غيره. أضف إلى ذلك أن الولاية
نظرية ولا نظر للمجنون حتى يفوض إليه أمر الزواج. قال الكمال (والمراد بالمجنون المطبق) وقد اختلف
في تحديده فقيل سنة وقيل أكثر السنة وقيل شهراً وعليه الفتوى.
وروي أن أبا حنيفة لا يرى التحديد بوقت معين ويفوض الرأي إلى القاضي. قال الكمال وفي التجنيس.
(وأبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يوقت في الجنون المطبق شيئاً كما هو رأيه في التقديرات فيفوض الرأي
إلى القاضي) ا. هـ.
وغير المطبق تثبت له الولاية حال إفاقته بالإجماع.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(٣) في أ: فلا .

٣٤٧
كِتَابُ النكاح
لا (١) يكون مالكاً ومملوكاً في زمان واحد؛ لأن هذه ولاية نظر ومصلحة، ومصالح النكاح لا
يتوقف عليها إلا بالتأمل والتدبر، والمملوك لاشتغاله بخدمة مولاه لا يتفرغ للتأمل والتدبر، فلا
يعرف كون إنكاحه مصلحة، والله عز وجل الموفق.
ولا ولاية للمرتد على أحد، لا على مسلم، ولا على كافر، ولا على مرتد مثله؛ لأنه لا
يرث أحداً؛ ولأنه لا ولاية له على نفسه، حتى لا يجوز نكاحه أحداً لا مسلماً، ولا كافراً، ولا
مرتداً مثله، فلا يكون له ولاية على غيره، ولا ولاية للكافر على المسلم؛ لأنه لا ميراث بينهما.
قال النبي وَّ: ((لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا))(٢)؛ ولأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم؛
لأن الشرع قطع ولاية الكافر على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]، وقال ◌َ: ((الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُغْلَىْ))(٣)؛ ولأن إثبات الولاية
-
(١) في ط: كيف يكون؟
(٢) أخرجه أحمد (١٧٨/٢) وأبو داود (٣٢٨/٣) كتاب الفرائض: باب هل يرث المسلم الكافر حديث
(٢٩١١) وابن ماجه (٩١٢/٢) كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الاسلام من أهل الشرك حديث (٢٧٣١)
وسعيد بن منصور في ((سننه)) رقم (١٣٧) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٦٧) والدار قطني (٧٥/٤)
كتاب الفرائض حديث (٢٥) وابن عدي في ((الكامل)) (٨٢/٥) والبيهقي (٢١٨/٦) كتاب الفرائض: باب
لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم والبغوي في ((شرح السنة)» (٤٧٩/٤ - بتحقيقنا) والخطيب في
((تاريخ بغداد)» (٢٩٠/٥) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧٢/٩) كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده أن النبي - ◌َلّ - قال: لا يتوارث أهل ملتين شتى.
والحديث صححه ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير» (٣٥/٢) فقال: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
والدارقطني من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناد أبي داود والدارقطني إسناد صحيح.
ا. هـ.
وقال الألباني في «إرواء الغليل)) (١٢١/٦): وهذا سند حسن ا. هـ.
۔ وللحدیث شاهد من حديث جابر:
أخرجه الترمذي (٤٢٤/٤) كتاب الفرائض: باب لا يتوارث أهل ملتين حديث (٢١٠٨) من طريق ابن أبي
ليلى عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - وَّليه - قال: لا يتوارث أهل ملتين وقال الترمذي: هذا حديث لا
نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى.
وضعفه ابن الملقن في ((الخلاصة)) (١٣٥/٢) فقال: رواه الترمذي من رواية جابر بإسناد ضعيف.
(٣) روي من حديث عائذ بن عمرو المزني، وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس.
- أما حديث عائذ بن عمرو المزني :
أخرجه الدارقطني (٢٥٢/٣): كتاب ((النكاح)): باب ((المهر)) حديث (٣٠). قال الزيلعي في: ((نصب
الراية» (٢١٣/٣): قال الدارقطني: عبد الله بن حشرج وأبوه مجهولان. والبيهقي في الكبرى (٢٠٥/٦)
كتاب ((اللقطة)): باب ((من أولاد الصحابة - رضي الله عنهم -)).
- أما حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

٣٤٨
كِتَابُ النكاحِ
للكافر على المسلم تشعر بإذلال المسلم من جهة الكافر، وهذا لا يجوز؛ ولهذا صينت المسلمة
عن نكاح الكافر. وكذلك إن كان الولي مسلماً، والمولى عليه كافراً - فلا ولاية له عليه؛ لأن
المسلم لا يرث الكافر؛ كما أن الكافر لا يرث المسلم. قال النبي ◌َّ: (لاَ يَرِثِ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ
وَلاَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ))(١)، إلا أن ولد المرتد إذا كان مؤمناً صار مخصوصاً عن النص.
وأما إسلام الولي فليس بشرط لثبوت الولاية في الجملة، فيلي الكافر على الكافر؛ لأن
أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في دلائل النبوة كما في ((نصب الراية)) (٢١٣/٣)، وصاحب التعليق
=
المغني (٢٥٢/٣).
- وأما حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -:
أخرجه نهشل في ((تاريخ واسط)) كما في «نصب الراية» (٢١٣/٣).
- وأما حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه :
ذكره البخاري تعليقاً (٥٨٢/٣) كتاب ((الجنائز)) باب ((إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض
على الصبي الإسلام)).
(١) أخرجه مالك (٥١٩/٢) كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الملل حديث (١٠) والبخاري (١٢ / ٥٠) كتاب
الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم حديث (٦٧٦٤) ومسلم (١٢٣٣/٣) كتاب
الفرائض حديث (١٦١٤/١) وأبو داود (٣٢٦/٣) كتاب الفرائض: باب هل يرث المسلم الكافر حديث
(٢٩٠٩) والترمذي (٤٢٣/٤) كتاب الفرائض: باب إبطال الميراث بين المسلم والكافر حديث (٢١٠٧)
وابن ماجه (٢/ ٩١١) كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك حديث (٢٧٢٩) والنسائي
في «الكبرى» (٨٠/٤) كتاب الفرائض: باب في الموارثة بين المسلمين والمشركين حديث (٦٣٧١)
والدارمي (٢/ ٣٧٠) كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام وأحمد (٢٠٠/٥) وأبو داود
الطيالسي (٢٨٣/١ - منحة) رقم (١٤٣٥) والحميدي (٢٤٨/١) رقم (٥٤١) وسعيد بن منصور في ((سننه))
(١٨٤/١) رقم (١٣٦،١٣٥) وعبد الرزاق (١٤/٦) رقم (٩٨٥١، ٩٨٥٢) والشافعي في ((مسنده)) (٢/
١٩٠) كتاب الفرائض حديث (٦٧٦) ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (ص: ١٠٤) رقم (٣٨٦)
وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٥٣) وابن خزيمة في «صحيحه» (٣٢٢/٤ - ٣٢٣) رقم (٢٩٨٥) وابن
حبان (٦٠٠١ - الإحسان) والطبراني في ((الكبير)) (١٢٧/١) رقم (٣٩١) وفي ((الأوسط)) رقم (٥١)
والدارقطني (٦٩/٤) كتاب الفرائض: حديث (٧) والحاكم (٢٤٠/٢) والبيهقي (٢١٧/٦) كتاب
الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٤٤/٣ - ١٤٥)
والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٧٨/٤ - بتحقيقنا) وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد)) (٢٢٦/٢) وابن عبد
البر في ((التمهيد)) (٩/ ١٦٠) كلهم من طريق الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن
أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - ريو -: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
- وقال الترمذي: حديث حسن صحيح:
وزاد الحاكم في أوله: لا يتوارث أهل ملتين ولا يرث ... وقد اختلف في اسم عمرو بن عثمان هل هو
عمرو بن عثمان أم عمر بن عثمان.
فالجماعة روته عن الزهري فقالوا عمرو بن عثمان وخالهم مالك في الموطأ وتبعه ابن عبد البر ثقالا
عمر بن عثمان قال ابن عبد البر في ((التمهيد)» (١٦١/٩ - ١٦٢): ومالك يقول فيه عن ابن شهاب =

٣٤٩
كِتَابُ النّكَاحِ
الكفر لا يقدح في الشفقة الباعثة عن تحصيل النظر في حق المولى عليه، ولا في الوراثة، فإن
الكافر يرث الكافر؛ ولهذا كان من أهل الولاية على نفسه؛ فكذا على غيره(١).
وقال الله - عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وكذا العدالة
ليست بشرط لثبوت الولاية عند أصحابنا، وللفاسق أن يزوج ابنه وابنته الصغيرين، وعند
الشافعي شرط: وليس للفاسق ولاية التزويج، واحتج بما روي عن رسول الله وَلتر؛ أنه قال:
((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٌّ مُرْشِدٍ))(٢)، والمرشد بمعنى الرشيد، كالمصلح بمعنى الصالح، والفاسق
ليس برشيد، ولأن الولاية من باب الكرامة والفسق سبب الإهانة؛ ولهذا لم أقبل شهادته.
عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة وقد وافقه الشافعي ويحيى بن سعيد القطان على ذلك
=
فقال هو عمرو أبى أن يرجع وقال: قد كان لعثمان ابن يقال له عمرو هذه داره ومالك لا يكاد يقاس به
غيره حفظاً واتقاناً لكن الغلط لا يسلم منه أحد وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا عمرو
بالواو وقال علي بن المديني عن سفيان بن عيينة أنه قيل له إن مالكاً يقول في حديث لا يرث المسلم
الكافر: عمر بن عثمان، فقال سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة وتفقدته منه فما قال إلا
عمرو بن عثمان. ا. هـ.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢/ ٥٠) رقم (١٦٣٥): سئل أبو زرعة عن حديث مالك عن الزهري عن
علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله - وَلو - قال: لا يرث المسلم الكافر))
قال أبو زرعة: الرواة يقولون: عمرو ومالك يقول: عمر بن عثمان قال أبو محمد - أي ابن أبي حاتم - أما
الرواة الذين قالوا عمرو بن عثمان وسفيان بن عيينة ويونس بن يزيد عن الزهري.
(١) من شروط الولاية أن يكون متحداً دينه ودين المولى عليه لأن الولاية مبنية على الميراث فالمسلم ولي
على مثله وكذا الكافر ولي على مثله قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ولذا تقبل شهادته
عليه ويتوارثان من هذا تبين أنه لا ولاية للكافر على المسلم لأن الشرع قطع ولايتهم على المسلمين قال
تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ فهذه الآية الكريمة تقتضي نفي السبيل من كل
وجه لأن النكرة في موضع النفي تعم.
ولا ولاية للمسلم على الكافر إلا بالسبب العام بأن يكون المسلم سيد أمة كافرة أو سلطاناً أو نائبه.
قال ابن عابدين قالوا وينبغي أن يقال إلا أن يكون المسلم سيد أم كافرة أو سلطاناً. قال السروجي. لم أرَ
هذا الاستثناء في كتب أصحابنا وإنما هو منسوب إلى الشافعي ومالك. قال في المعراج وينبغي أن يكون
مراداً. ورأيت في موضع معزواً إلى المبسوط (الولاية بالسبب العام تثبت للمسلم على الكافر كولاية
السلطنة والشهادة فقد ذكر معنى ذلك الاستثناء) ا. هـ. نقلاً عن البحر والفتح وغيرهما.
هذا والمرتد لا ولاية له على أحد لا على مسلم ولا على كافر ولا على مرتد مثله لأنه لا يرث أحداً ولأنه
لا ولاية له على نفسه حتى لا يجوز نكاحه أحداً لا مسلماً ولا كافراً ولا مرتداً مثله فلا يكون له ولایة
على غيره.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(٢) روي من حديث عائشة وعبد الله بن عباس، وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة - رضي الله عنهم -.
- أما حديث عائشة - رضي الله عنها -:
=

٣٥٠
كِتَابُ النُّكاح
أخرجه أحمد (٢٥٠/١)، (٢٦٠/٦)، وابن حبان (٣٨٦/٩) كتاب ((النكاح)): باب ((الولي)) حديث
=
(٤٠٧٥)، وأبو يعلى (١٩١/٨) (٤٧٤٩/٣٩٣)، والطيالسي (٣٠٥/١) كتاب ((النكاح)) باب ((لا نكاح إلا
بولي» (١٥٥٣)، والبيهقي (١٢٥/٧) كتاب ((النكاح)»: باب («لا نكاح إلا بشاهدين عدلين)»، والدار قطني
(٢٢٧،٢٢٦/٣): كتاب ((النكاح)): باب: (( ... )) حديث (٢٣). أن رسول الله - وَليو -: ((لا نكاح إلا
بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجرا فالسلطان ولي من لا ولي
له)). قال ابن حبان: قال أبو حاتم :
لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري هذا ((وشاهدي عدل)» إلا ثلاثة
أنفس، سعيد بن يحيى الأموي عن حفص بن غياث، وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن خالد بن
الحارث، وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس، ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا.
- وأما حديث أبي هريرة:
أخرجه ابن حبان (٣٨٨/٩) كتاب ((النكاح)): باب ((الولي)) حديث (٤٠٧٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦/
٢٠٠) (١٠٤٩٣)، وابن حبان (١٦٩/٤) (١٢٤٦)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٤٤/٣) والبيهقي (٧)
١٢٥) كتاب ((النكاح)): باب ((لا نكاح إلا بشاهدين عدلين))، (١٤٣/٧) كتاب ((النكاح)): باب لا يزوج
نفسه امرأة هو وليها كما لا يشتري من نفسه شيئاً هو ولي بيعه))، وحديث أبي هريرة: أن رسول الله - زكياليوم
- قال: ((لا نكاح إلا بولي».
- وأما حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -:
أخرجه أحمد (١/ ٢٥٠)، وابن ماجه (٦٠٥/١) كتاب ((النكاح)): باب ((لا نكاح إلا بولي)) حديث
(١٨٨٠)، والبيهقي (١٠٧/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((لا نكاح إلا بولي))، والطبراني في ((معجمة)) (١١/
٣٤٠) (١٩٤٤)، (٦٤/١٢) (١٢٤٨٣)، والدارقطني (٢٢١/٣) كتاب ((النكاح)): باب (( ... )) حديث
(١١)، وابن أبي شيبة (٤٥٤/٣) كتاب ((النكاح)): باب ((من قال لا نكاح إلا بولي أو سلطان («حديث
(١٥٩٢٣)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٧/٥) كتاب ((النكاح)): باب ((رد النكاح بغير إذن الولي)) حديث
(٢٢٥٧)، والشافعي (١٢/٢) كتاب ((النكاح)) باب: ((في الولي)) حديث (٢٢)، وأبو يعلى (٣٨٦/٤)
(٢٥٠٧/١٨٠)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩٠/٦) كتاب ((النكاح)) باب: ((النكاح بغير ولي)) حديث
(١٠٤٨٣)، وأبو يعلى (١٤٨/٨) (٤٦٩٢/٣٣٦) عن عائشة وابن عباس، حديث (٢٥٠٧) عنهما أيضاً،
وأخرجه عن ابن عباس (٣٠٩/٨) (٤٩٠٧)، وهي الرواية التي ذكرت ((وولى مرشد)) قال الهيثمي في
(«مجمع الزوائد» (٢٨٩/٤): رواه الطبراني، وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
- وأما حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -:
أخرجه أحمد (٣٩٤/٤)، (٤١٣/٤)، وأبو داود (٢٢٩/٢) كتاب ((النكاح)): باب ((في الولي)) حديث
(٢٠٨٥)، والترمذي (٤٩٨/٣) كتاب ((النكاح)): باب ((ما جاء لا نكاح إلا بولي)) حديث (١١٠١)، وابن
ماجه (٦٠٥/١) كتاب ((النكاح)): باب ((لا نكاح إلا بولي)) حديث (١٨٨١)، والدارمي (١٣٧/٢) كتاب
النكاح: باب ((النهي عن النكاح بغير ولي)»، والطيالسي في ((منحة المعبود)) (٣٠٥/١) كتاب «النكاح)»: باب
(قوله - رَّلير -: ((لا نكاح إلا بولي وما جاء في العضل)) حديث (١٥٥٤)، والدارقطني (٢٢٠/٣) كتاب
((النكاح)": باب (( ... )) حديث (٨)، وابن الجارود برقم (٧٠١، ٧٠٣)، وابن حبان (٣٨٩/٩): كتاب
((النكاح)»: باب ((الولي)) حديث (٤٠٧٧)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٤١/٦،٢١٤/٢، ٨٦/١٣)، =

٣٥١
كِتَابُ النّكَاحِ
ولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله وَّهُ: ((زَوِّجُوا بَنَاتِكُمْ
الأَكْفَاءَ))(١) من غير فصل.
وابن حبان (١٦٥/٤) كتاب ((النكاح)»: باب ((ما جاء في الولي والشهود)) حديث (١٢٤٣ - الموارد)،
=
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢/٥) كتاب ((النكاح)) باب ((رد النكاح بغير إذن الولي)) حديث (٢٢٥٤)
والبيهقي (١٠٧/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((لا نكاح إلا بولي))، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩٦/٦) كتاب
((النكاح)): باب ((النكاح بغير ولي)) حديث (١٠٤٧٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩،٨/٣)
كتاب ((النكاح)): باب ((النكاح بغير ولي عصبة))، والحاكم (١٦٨/٢)، وابن أبي شيبة (٤٥٥/٣، ٤٥٦)
كتاب ((النكاح)): باب ((من قال لا نكاح إلا بولي أو سلطان)) حديث (١٥٩٣٧ - ١٥٩٣٩) موصولاً
ومرسلاً على أبي بردة.
قال الترمذي: وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف؛ رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله، وأبو عوانة
وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - الشَّد -.
وروى أسباط بن محمد وزيد بن خطاب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي
.- 醬 -
وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى، عن النبي - وَالر -
نحوه، ولم يذكر فيه (عن أبي إسحاق).
وقد رُوي عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي - وَّر -
أيضاً.
وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - { طيور -: ((لا نكاح إلا بولي)). وقد ذكر
بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. ولا يصح. وهؤلاء الذين
رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى، عن النبي - نَّر -: ((لا نكاح إلا بولي عندي أصح؛
لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء
الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فالرواية هؤلاء عندي أشبه، لأن شعبة والثوري سمعا هذا
الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا
أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال
رسول الله - رَ ﴾ -: ((لا نكاح إلا بولي؟ فقال: نعم.
فدل ذلك عن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد. وإسرائيل هو ثقة ثبت في
أبي إسحاق، وسمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني من حديث
الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل، لأنه كان يأتي به اثم. والعمل في هذا
الباب على حديث النبي - ◌َّة - ((لا نكاح إلا بولي)) عند أهل العلم من أصحاب النبي - وَّر - منهم:
عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وغيرهم، وهكذا روي عن
بعض فقهاء التابعين لا نكاح إلا بولي ((منهم)) سعيد بن المسيب، والحسن البصري وشريح وإبراهيم
النخعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك
ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
(١) ذكره الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (١٧٤) بلفظ «زوجوا الأكفاء وتزوجوا الأكفاء واختاروا لنطفكم
وإياكم والزنج فإنهم خلق مشوه)). قال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٥٣٤/١) (١٤٣٦): رواه ابن حبان =

٣٥٢
كِتَابُ النّكَاحِ
٧ب
ولنا إجماع الأمة أيضاً، فإن الناس عن آخرهم، عامهم وخاصهم من/ لدن رسول الله رحي له
إلى يومنا هذا يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد، خصوصاً الأعراب والأكراد والأتراك؛ ولأن
هذه ولاية نظر، والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، ولا في الداعي إليه وهو الشفقة،
وكذا لا يقدح في الوراثة، فلا يقدح في الولاية كالعدل؛ ولأن الفاسق من أهل الولاية على نفسه،
فيكون من أهل الولاية على غيره كالعدل؛ ولهذا قبلنا شهادته؛ ولأنه من أهل أحد نوعي الولاية،
وهو ولاية الملك، حتى يزوج أمته فيكون من أهل النوع الآخر. وأما الحديث: فقد قيل: إنه لم
يثبت بدون هذه الزيادة، فيكف يثبت مع الزيادة، ولو ثبت فنقول بموجبه، والفاسق مرشد؛ لأنه
يرشد غيره لوجود آلة الإرشاد وهو العقل، فكان هذا نفي الولاية للمجنون، وبه نقول: إن
المجنون لا يصلح ولياً، والمحدود في القذف إذا تاب فله ولاية الإنكاح بلا خلاف؛ لأنه إذا تاب
فقد صار عدلاً، وإن لم يتب فهو على الاختلاف؛ لأنه فاسق، والله الموفق.
وأما كون المولى من العصبات فهل هو شرط لثبوت الولاية أم لا؟ فنقول وبالله التوفيق:
جملة الكلام فيه أنه لا خلاف في أن للأب والجد ولاية الإنكاح، إلا شيء يحكى عن عثمان
البتي(١) وابن شبرمة؛ أنهما قالا: ليس لهما ولاية التزويج (٢).
في الضعفاء عن عائشة. قال الشوكاني: في إسناده محمد بن مروان السدي وهو كذاب، وله طريق أخرى
=
عند أبي نعيم في الحلية.
قال ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٣٢/٢): أخرجه ابن حبان من حديث عائشة من طريق محمد بن
مروان السدي وتابعه عامر بن صالح الزبيري وليس بشيء، وتعقب بأنه له طريق آخر أخرجه أبو نعيم في
الحلية من طريق زياد بن سعد عن الزهري عن أنس بلفظ «تخيروا لنطفكم واجتنبوا هذا السواد فإنه لون
مشوهِ)) .
قال أبو نعيم: غريب من حديث زياد الزهري لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
قلت: أي ابن عراق وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: منكر وفيه عبد العظيم بن إبراهيم وشيخه
عبد الملك بن يحيى لا أعرفهما، ولحديث عائشة طرق أخرى أخرجهها ابن الجوزي في الواهيات. والله
أعلم. ا.هـ.
(١) عثمان بن مسلم البتي بفتح الموحدة بعدها مثناة مكسورة أبو عمرو المصري الفقيه عن أنس والشعبي
وصالح بن أبي مريم. وعنه شعبة والثوري وحماد بن سلمة. وثقه أحمد، وابن سعد والدارقطني.
واختلف فيه كلام ابن معين. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة .
ينظر: الخلاصة (٢٢١/٢).
(٢) لا خلاف بين العلماء في أنه يجوز للولي أن يزوج البكر الصغيرة إلا ما حكي عن ابن شبرمة وأبي بكر
الأصم.
قال أبو بكر الرازي (ولا نعلم في جواز ذلك خلافا بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئاً رواه
بشر بن الوليد عن ابن شبرمة أن تزويج الآباء على الصغاء لا يجوز وهو مذهب الأصم) ا. هـ.
وقال في البدائع (لا خلاف في أن للأب والجد ولاية الانكاح إلا شيء يحكى عن عثمان البتي وابن =

٣٥٣
کِتَابُ النكاح
شبرمة أنهما قالا (ليس لهما ولاية التزوج) ا. هـ. وقال ابن رشد (اتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير
=
على النكاح وكذلك ابنته الصغيرة ولا يستأمرها ... إلى أن قال: إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة)
ا. هـ. استدل ابن شبرمة ومن معه :
أولاً: بقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾
فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة.
وثانياً: بأن ثبوت الولاية على الصغير والصغيرة لحاجة المولى عليه ولا حاجة بهما إلى النكاح لأن
مقصود النكاح طبعاً هو قضاء الشهوة وشرعا النسل والصغر ينافيهما.
وثالثاً: وبأن هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكام بعد البلوغ إلى أن يوجد ما يبطله فلا يكون لأحد أن
يلزمهما ذلك إذ لا ولاية لأحد عليهما بعد البلوغ.
واستدل لهم بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر)) وجهه أن اليتيمة هي القاصرة عن
درجة البلوغ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يتم بعد الحلم)) وقد نهى عن إنكاح إلى غاية هي استثمارها
ولا تصلح أن تستأمر إلا بعد البلوغ. فكأنه قال - لا تنكح اليتيمة حتى تبلغ - وفي هذا الدليل نظر لأن غاية
ما يفيده عدم إجبار اليتيمة ولا يمنع إجبار ذات الأب فهو دون الدعوى. والدعوى منع تزويج الصغار
مطلقاً واستدل الجمهور :
أولاً: بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى﴾ فقد أمر الله بإنكاح الأيامى. والأيم لغة اسم لمن لا زوج لها
صغيرة أو كبيرة فهي إذن عامة فتبقى على عمومها ما لم يكن دليل للتخصيص ولا دليل.
وثانياً: بقوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وجه
الاستدلال أن الله منع من نكاحهن عند خوف عدم العدل فيهن. وهذا فرع جواز نكاحها عند عدم
الخوف. ولا يقال ــ هذا استدلال بمفهوم الشرط. لأن الأصل جواز نكاح غير المحرمات مطلقاً. ويصرح
بجواز نكاح الصغيرة مطلقاً قول عائشة أن الآية ﴿وإن خفتم﴾ نزلت في يتيمة تكون في حجر وليها يرغب
في مالها ولا يقسط في صداقها فنهوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن سننهن في الصداق. قالت عائشة -
رضي الله عنها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله - وَلو - بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله ﴿يستفتونك في
النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ قالت
والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا﴾
الآية .
وقوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾. رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة
المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم
عنهن. وقد روي عن ابن عباس نحو ذلك.
وثالثاً: بقوله تعالى: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا توتونهن ما كتب لهن﴾ الآية. قالت عائشة: نزلت في
يتيمة تكون في حجر وليها ولا يرغب في نكاحها لدمامتها ولا يزوجها من غيره كي لا يشاركه في ماله
فأنزل الله هذه الآية. فهذه الآية أمر بتزويجهن من غيرهم أو تزوجهن مع الأقساط.
رابعاً: بقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾ وجه الاستدلال أن هذه الآية أثبتت العدة للصغيرة والعدة فرع
تصور نكاحها شرعاً وأيضاً سبب النزول يدل على ذلك. فقد روي عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن
كعب يا رسول الله. إن عدداً من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال. فأنزل =
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٣

٣٥٤
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه قولهما: إن حكم النكاح إذا ثبت لا يقتصر على حال الصغر، بل يدوم ويبقى إلى
ما بعد البلوغ إلى أن يوجد ما يبطله، وفي هذا ثبوت الولاية على البالغة؛ ولأنه استبد أو كأنه
أنشأ الإنكاح بعد البلوغ، وهذا لا يجوز.
الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن
=
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في
عدد من ذكر من الصغار والكبار وأولات الأحمال.
وخامساً: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - رَّ - تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت
عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعاً. وقال العلماء إن هذا الحديث قريب من المتواتر.
وسادساً: بالآثار فقد روي أن قدامة بن مظعون تزوج بنت الزبير - رضي الله عنه - يوم ولدت وقال إن مت فهي
خير ورثتي وإن عشت فهي بنت الزبير - وروي أن ابن عمر - رضي الله عنه - زوج بنتاً له صغيرة من عروة بن
الزبير - رضي الله عنه - وأيضاً زوج عروة بن الزبير - رضي الله عنه - بنت أخيه ابن أخته وهما صغيران. مع علم
الصحابة في كل هذا. وهذا دليل أيضاً على فهم الصحابة عدم الخصوصية في نكاح عائشة .
وأدلة المانعين
أولاً: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ لا تصلح دليلاً لهم لأنها لبيان وقت تسليم
أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإثباتها على الإطلاق. قال الألوسي عند قوله تعالى: ﴿وابتلوا
اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ أي إذا بلغوا حد البلوغ وهو أما بالاحتلام أو بالسن إلى أن قال وهذه الآية
لبيان وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإثباتها على الإطلاق. والخطاب فيها
للأولياء. والابتلاء الاختبار أي واختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط
الأموال وحسن التصرف فيها حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزم
الحدود والأحكام ا. هـ.
على أننا لو أردنا من النكاح الوطء أو العقد لا يكون له معنى إلا إذا أردنا لازمه في كل وهو الاحتلام.
فعلى الأول لو قيل. وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح. أي الوطء لا يكون له معنى إلا إذا أردنا
الاحتلام من إطلاق الملزوم وهو النكاح بمعنى الوطء وإرادة اللازم وهو الاحتلام.
وإن أريد الثاني كان المعنى واختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا العقد. وليس لهذا معنى إلا أن يراد منه بلغو
إحالة بها يمكنهم مباشرة العقد بأنفسهم وهي البلوغ فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم وهو
البلوغ وكلا المعنيين يرجع إلى ما قاله المفسرون من أن المراد في قوله تعالى إذا بلغوا النكاح الاحتلام.
ثانياً: وقولهم لا حاجة إلى النكاح ممنوع لأن مقاصد النكاح ليست منحصرة في النسل وقضاء الشهوة بل
من مقاصده توفير الإلفة بسكون كل من الزوجين إلى صاحبه وتثبت النصرة والمودة والتعاون على الحياة
وهذه المقاصد لا تتوفر إلا بين المتكافئين عادة والكفء لا يتيسر في كل زمان فأثبتنا الولاية على الصغيرة
خوف فوات الكفء إذا انتظر إلى البلوغ.
وقولهم إن هذا العقد يعقد للعمر ونلزمهما أحكامه مسلم في ذاته ولكن البقاء بالانكاح السابق لا بإنكاح
مبتعد أبعد البلوغ وهذا جائز ولا شيء فيه ألا ترى أن للأب أو الجد بيع مال الصغير وإن كان حكم البيع
وهو الملك يبقى بعد البلوغ.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.

٣٥٥
كِتَابُ النَّاحِ
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأيم اسم لأنثى من بنات آدم -
عليه الصلاة والسلام - كبيرة كانت أو صغيرة لا زوج لها، وكلمة (من) إن كانت للتبعيض يكون
هذا خطاباً للآباء، وإن كانت للتجنيس يكون خطاباً لجنس المؤمنين، وعموم الخطاب يتناول
الأب والجد، وأنكح الصديق - رضي الله تعالى عنه - عائشة - رضي الله تعالى عنها - وهي بنت
ست سنين من رسول الله وَله وتزوجها رسول الله وَلّه وزوج على ابنته أم كلثوم وهي صغيرة
من عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وزوج عبد الله بن عمر ابنته وهي صغيرة
عروة بن الزبير - رضي الله تعالى عنهم - وبه تبين أن قولهما خرج مخالفاً لإجماع الصحابة،
وكان مردوداً.
وأما قولهما: إن حكم النكاح بقي بعد البلوغ فنعم، ولكن بالإنكاح السابق لا بإنكاح
مبتدأ بعد البلوغ، وهذا جائز كما في البيع، فإن لهما ولاية بيع مال الصغير، وإن كان حكم
البيع وهو الملك يبقى بعد البلوغ لما قلنا؛ كذا هذا، وللأب [ولاية](١) قبض صداق ابنته
البكر، صغيرة كانت أو بالغة، ويبرأ الزوج بقبضه.
أما الصغيرة: فلا شك فيه؛ لأن له ولاية التصرف في مالها.
وأما البالغة؛ فلأنها تستحي من المطالبة به بنفسها؛ كما تستحي عن التكلم بالنكاح،
فجعل سكوتها رضاً بقبض الأب؛ كما جعل رضا بالنكاح؛ ولأن الظاهر أنها ترضى بقبض
الأب؛ لأنه يقبض مهرها فيضم إليه أمثاله فيجهزها به، هذا هو الظاهر، فكان مأذوناً بالقبض
من جهتها دلالة، حتى لو نهته عن القبض لا يتملك (٢) القبض ولا يبرأ الزوج، وكذا الجد يقوم
مقامه عند عدمه. وإن كانت ابنته عاقلة وهي ثيب، فالقبض إليها لا إلى الأب، ويبرأ الزوج
بدفعه إليها، ولا يبرأ بالدفع إلى الأب، وما سوى الأب والجد من الأولياء ليس لهم ولاية
القبض، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إلا إذا كان الولي وهو الوصي؛ فله حق القبض إذا كانت
صغيرة؛ كما يقبض سائر ديونها، وليس للوصي حق القبض إلا إذا كانت صغيرة.
وإذا ضمن الولي المهر صح ضمانه؛ لأن حقوق العقد لا تتعلق به، فصار كالأجنبي
[بخلاف الوكيل بالبيع إذا ضمن عن المشتري الثمن](٣)، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو
وليها؛ لوجود ثبوت سبب حق المطالبة من كل واحد منهما، وهو العقد من الزوج، والضمان
من الولي، ولا خلاف بين أصحابنا في أن لغير الأب والجد من العصبات ولاية الإنكاح،
للأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، واختلفوا في غير العصبات.
(١) سقط في ط .
(٣) سقط في أ.
(٢) في أ: يملك.

٣٥٦
كِتَابُ النكاحِ
قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - لا يجوز إنكاحه، حتى لو لم يتوارثا بذلك
النكاح، ويقف على إجازة العصبة.
وعن أبي حنيفة فيه روايتان، وهذا يرجع إلى ما ذكرنا أن عصوبة الولي هل هي شرط
لثبوت الولاية، مع اتفاقهم على أنها شرط التقديم، فعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية،
١٨ وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، فإنه روي عنه أنه قال: لا يزوج الصغيرة إلا/ العصبة.
وروى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة؛ أنها ليست بشرط لثبوت أصل الولاية، وإنما
هي شرط التقدم عل قرابة الرحم، حتى أنه إذا كان هناك عصبة لا تثبت لغير العصبة ولاية
الإنكاح، وإن لم يكن ثمة عصبة؛ فلغير العصبة من القرابات من الرجال والنساء؛ نحو الأم
والأخت والخالة ولاية التزويج الأقرب فالأقرب، إذا كان المزوج ممن يرث المزوج، وهو
الرواية المشهورة عن أبي حنيفة - رحمه الله -.
وجه قولهما ما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((النِّكَاحُ إِلَى الْعَصَبَاتِ»،
فوض كل نكاح إلى كل عصبة؛ لأنه قابل الجنس بالجنس أو بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد
بالفرد؛ ولأن الأصل في الولاية هم العصبات، فإن كان الرأي وتدبير القبيلة وصيانتها عما
يوجب العار والشين إليهم، فكانوا هم الذين يحرزون عن ذلك بالنظر والتأمل في أمر النكاح،
فكانوا هم المحقين(١) بالولاية؛ ولهذا كانت قرابة التعصيب مقدمة على قرابة الرحم بالإجماع.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾
[النور: ٣٢] من غير فصل بين العصبات وغيرهم، فتثبت ولاية الإنكاح على العموم، إلا من
خص بدليل، ولأن سبب ثبوت الولاية هو مطلق القرابة وذاتها؛ لما بينا أن القرابة حاملة على
الشفقة في حق القريب داعية إليها، وقد وجد لههنا فوجد السبب ووجد شرط الثبوت أيضاً،
وهو عجز المولى عليه عن المباشرة بنفسه، وإنما العصوبة وقرب القرابة شرط التقدم، لا شرط
ثبوت أصل الولاية، فلا جرم العصبة تتقدم على ذي الرحم، والأقرب من غير العصبة يتقدم
على الأبعد؛ ولأن ولاية الإنكاح مرتبة على استحقاق الميراث؛ لاتحاد سبب ثبوتها وهو
القرابة، فكل من استحق، الميراث استحق الولاية.
ألا ترى أن الأب إذا كان عبداً لا ولاية له، لأن العبد لا يرث أحداً؛ وكذا إذا كان كافراً
والمولى عليه مسلم لا ولاية له؛ لأنه لا يرثه، وكذا إذا كان مسلماً، والمولى عليه كافر
[ألأنه](٢) لا ولاية له؛ لأنه لا ميراث له منه. فثبت أن الولاية تدور مع استحقاق الميراث،
(١) في أ: المختصين.
(٢) سقط في ط.

٣٥٧
كِتَابُ النَّاحِ
فثبت لكل قريب يرث يزوج، ولا يلزم على هذه القاعدة المولى؛ أنه (١) يزوج ولا يرث.
وكذا الإمام يزوج ولا يرث؛ لأن هذا عكس العلة؛ لأن طرد ما قلنا: إن كل من يرث
يزوج، وهذا مطرد على أصل أبي حنيفة، وعكسه أن كل من لا يرث لا يزوج.
والشرط في العلل الشرعية الاطراد دون الانعكاس؛ لجواز إثبات الحكم الشرعي بعلل،
ثم نقول ما قلناه منعكس أيضاً؛ ألا ترى أن للمولى الولاء في مملوكه وهو نوع إرث.
وأما الإمام فهو نائب [عن جماعة](٢) المسلمين، وهم يرثون من لا ولي له من جهة
الملك والقرابة والولاء؛ ألا ترى أن ميراثه لبيت المال وبيت المال ما لهم، فكانت الولاية في
الحقيقة لهم، وإنما الإمام نائب عنهم، فيتزوجون ويرثون أيضاً، فاطرد هذا الأصل وانعكس
بحمد الله تعالى.
وأما قول علي - رضي الله عنه -: ((النِّكَاحُ إِلَى الْعَصَبَاتِ»، فالمراد منه حال وجود
العصبة؛ لاستحالة تفويض النكاح إلى العصبة ولا عصبة، ونحن به نقول: إن النكاح إلى
العصبات حال وجود العصبة، ولا كلام فيه، والله أعلم.
? فصل الذي يرجع إلى المولى عليه
وأما الذي يرجع إلى المولى عليه، فنقول: الولاية بالنسبة إلى المولى(٣) عليه نوعان:
ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب واستحباب، وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف الأول،
وأما على أصل محمد فهي نوعان أيضاً: ولاية استبداد، وولاية شركة، وهي(٤) قول أبي
يوسف الآخر، وكذا نقول الشافعي، إلا أن بينهما اختلاف في كيفية الشركة، على ما نذكر إن
شاء الله .
وأما ولاية الحتم والإيجاب والاستبداد، فشرط ثبوتها على أصل أصحابنا - رحمهم الله -
كون المولى عليه صغيراً أو صغيرة، أو مجنوناً كبيراً أو مجنونة كبيرة، سواء كانت الصغيرة
بكراً أو ثيباً، فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل، ولا على العاقلة البالغة [سواء كانت ثيباً
أو بكراً](٥)، وعلى أصل الشافعي شرط ثبوت ولاية الاستبداد في الغلام هو الصغر، وفي
الجارية البكارة، سواء كانت صغيرة أو بالغة، فلا تثبت هذه الولاية عنده على الثيب، سواء
(١) في أ: له أن.
(٣) في أ: الولي.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: من جملة.
(٤) في أ: وهو.

٣٥٨
كِتَابُ النّكَاحِ
كانت بالغة أو صغيرة، والأصل أن هذه الولاية على أصل أصحابنا - رحمهم الله - تدور مع
الصغر وجوداً وعدماً في الصغير والصغيرة [جميعاً](١)، وعنده في الصغير كذلك. أما في
الصغيرة؛ فإنها تدور مع البكارة وجوداً وعدماً، وفي الكبير والكبيرة تدور مع الجنون وجوداً
وعدماً، سواء كان الجنون أصلياً؛ بأن بلغ مجنوناً، أو عارضاً بأن طرأ بعد البلوغ عندنا.
وقال زفر: إذا طرأ الجنون لم يجز/ للمولى(٢) التزويج، وعلى هذا يبتنى أن الأب
والجد لا يملكان إنكاح البكر البالغة بغير رضاها عندنا.
٨ب
[وقال الشافعي: يملكانه، ولا خلاف في أنهما لا يملكان إنكاح الثيب البالغة بغير
رضاها](٣).
وجه قوله: إن البكر وإن كانت عاقلة بالغة فلا تعلم بمصالح النكاح؛ لأن العلم بها يقف
على التجربة والممارسة، وذلك بالثيابة ولم توجد، فالتحقت بالبكر الصغيرة، فبقيت ولاية
الاستبداد عليها، ولهذا ملك الأب قبض صداقها من غير رضاها، بخلاف الثيب البالغة؛ لأنها
علمت بمصالح النكاح وبالممارسة، ومصاحبة الرجال؛ فانقطعت ولاية الاستبداد عنها.
ولنا أن الثيب البالغة لا تزوج إلا برضاها، فكذا البكر البالغة، والجامع بينهما وجهان:
أحدهما: طريق أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، والثاني: طريق محمد وأبي يوسف الآخر.
أما طريق أبي حنيفة - رحمه الله -: فهو أن ولاية الحتم والإيجاب في حالة الصغر إنما
تثبت بطريق النيابة عن الصغيرة؛ لعجزها عن التصرف على وجه النظر والمصلحة بنفسها،
وبالبلوغ والعقل زال العجز، وثبتت القدرة حقيقة؛ ولهذا صارت من أهل الخطاب في أحكام
الشرع، إلا أنها مع قدرتها حقيقة عاجزة عن مباشرة النكاح عجز ندب واستحباب؛ لأنها تحتاج
إلى الخروج إلى محافل الرجال والمرأة مخدرة مستورة، والخروج إلى محفل(٤) الرجال من
النساء عيب في العادة، فكان عجزها عجز ندب واستحباب لا حقيقة، فثبتت الولاية عليها على
حسب العجز، وهي ولاية ندب واستحباب لا ولاية حتم وإيجاب؛ إثباتاً للحكم على قدر
العلة .
وأما طريق محمد - رحمه الله - فهو أن الثابت بعد البلوغ ولاية الشركة لا ولاية
الاستبداد، فلا بد من الرضا؛ كما في الثيب البالغة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في مسألة
النكاح بغير ولي، وإنما ملك الأب قبض صداقها؛ لوجود الرضا بذلك منها دلالة؛ لأن العادة
(١) سقط في ط
(٢) في أ: الولي.
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ: محافل.

٣٥٩
كِتَابُ النكاح
أن الأب يضم إلى الصداق من خالص ماله، ويجهز بنته البكر حتى لو نهته عن القبض لا
يملك، بخلاف الثيب؛ فإن العادة ما جرت بتكرار الجهاز، وإذا كان الرضا في نكاح البالغة
شرط الجواز، فإذا زوجت بغير إذنها توقف التزويج على رضاها، فإن رضيت جاز، وإن ردت
بطل ثم إن كانت ثيباً فرضاها يعرف بالقول تارة وبالفعل أُخرى.
أما القول فهو التنصيص على الرضا، وما يجري مجراه؛ نحو أن تقول: رضيت أو
أجزت، ونحو ذلك.
والأَصْلُ فيه قوله وَّهِ: (الثَّيْبُ تُشَاوَرُ))(١)، وقوله بَّهِ: ((الثَّيْبُ يُعْرَبُ عَنْهَا لِسَانُهَا))(٢)،
وقوله وَ﴿: (تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ في أَبْضَاعِهِنَّ))(٣)، وقوله ◌َّهَ: ((لاَ تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى
(١) أخرجه مالك (٥٢٤/٢) كتاب النكاح - باب استئذان البكر والايم في أنفسهما - حديث (٤) ومن طريق
مالك رواه أحمد (٢٤١/١-٢٤٢-٢٤٣، ٣٤٥) والدارمي (١٣٨/٢) كتاب النكاح - باب استثمار البكر
والثيب، ومسلم (١٠٣٧/٢) كتاب النكاح - باب استئذان الثيب في النكاح - حديث (١٤٢١/٦٦) وأبو
داود (٢/ ٥٧٧) كتاب النكاح - باب في الثيب - حديث (٢٠٩٨) والترمذي (٤١٦/٣) كتاب النكاح - باب
ما جاء في استثمار البكر والثيب - حديث (١١٠٨) والنسائي (٨٤/٦) كتاب النكاح - باب استئذان البكر
في نفسها وابن ماجه (٦٠١/١) كتاب النكاح - باب استثمار الفكر والثيب - حديث (١٨٧٠) وابن الجارود
(ص: ٢٣٨): كتاب النكاح - حديث (٧٠٩) والشافعي (١٢/٢) كتاب النكاح: باب فيما جاء في الولي
حديث (٢٤) وعبد الرزاق (١٤٢/٦) رقم (١٠٢٨٣) والدارمي (١٣٨/٢) كتاب النكاح: باب استثمار
البكر والثيب وسعيد بن منصور (١٨١/١-١٨٢) رقم (٥٥٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
٣٦٦) والدارقطني (٢٣٨/٣-٢٣٩) كتاب النكاح والبيهقي (١١٥/٧) كتاب النكاح: باب ما جاء في
النكاح والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٧٦/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٥/٥ - بتحقيقنا) عن
عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله - وَلير -: ((الأيم أحق
بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها)).
وأخرجه أحمد (٢١٩/١) ومسلم (١٠٣٧/٢) كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح - حديث (٦٧ / ١٩
١٤٢١) وأبو داود (٢/ ٥٧٨٥٧٧) كتاب النكاح - باب في الثيب - حديث (٢٠٩٩) والنسائي (٨٥/٦)
كتاب النكاح - باب استثمار الأب البكر في نفسها - والحميدي (٢٣٩/١) رقم (٥١٧) من طريق زياد بن
سعد عن عبد الله بن الفضل عن نافع عن جبير عن ابن عباس به بلفظ الثيب بدل الأيم.
وأخرجه أبو داود (٥٧٨/٢) كتاب النكاح: باب في الثيب (٢١٠٠) والنسائي (٨٤/٦) كتاب النكاح: باب
استثمار الأب البكر في نفسها وأحمد (٢٦١/١) من طريق صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل به.
وأخرجه عبد الرزاق (١٤٢/٦) رقم (١٠٢٨٢) من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن الفضل به.
وورد بلفظ: الثيب تستأمر في نفسها ولم أجد الحديث بلفظ المصنف.
(٢) تقدم تخريجه في الحديث السابق.
(٣) أخرجه البيهقي (١١٩/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((ما جاء في إنكاح الثيب))، وابن أبي شيبة (٤٥٨/٣):
كتاب ((النكاح)): باب ((الرجل يزوج ابنته، من قال يستأمرها)) حديث (١٥٩٦٨) من حديث عائشة بهذا
اللفظ، ويراجع التخريج في حديث الثيب يعرب عن نفسها وقد تقدم.

٣٦٠
كِتَابُ النّكَاحِ
تُسْتَأْمَرَ))(١)، والمراد منه البالغة.
وأما الفعل فنحو التمكين من نفسها، والمطالبة بالمهر والنفقة ونحو ذلك؛ لأن ذلك دليل
الرضا، والرضا يثبت بالنص مرة وبالدليل(٢) أخرى.
والأصل فيه ما روي عن النبي بَّرَ؛ أنه قال لبريرة: ((إِنْ وَطِئَكِ زَوْجُكِ فَلاَ خِيَار
لَكِ))(٣)، وإن كانت بكراً فإن رضاها يعرف بهذين الطريقين، وبثالث وهو السكوت، وهذا
استحسان .
والقياس ألا يكون سكوتها رضاً، وجه القياس أن السكوت يحتمل الرضا، ويحتمل
السخط، فلا يصلح دليل الرضا مع الشك والاحتمال؛ ولهذا لم يجعل دليلاً إذا كان الزوج
أجنبياً أو ولياً غيره أولى منه.
ولنا ما روي عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ في أَبْضَاعِهِنَّ))(٤)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ
- رضي الله تعالى عنها - إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ مَ: ((إِذْنُهَا صُمَاتُهَا))(٥)، وروي:
((سُكُوتُهَا رِضَاهَا))، وروي: سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا، وكل ذلك نص في الباب، وروي: ((الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ
فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ رَضِيَتْ))، وهذا أيضاً نص؛ ولأن البكر تستحي عن النطق بالإذن
في النكاح، لما فيه من إظهار رغبتها في الرجال، فتنسب إلى الوقاحة، فلو لم يجعل سكوتها
إذناً ورضاً بالنكاح دلالة وشرط استنطاقها، وأنها لا تنطق عادة - لفاتت عليها مصالح(٦) النكاح
مع حاجتها إلى ذلك؛ وهذا لا يجوز.
وقوله: السكوت يحتمل مسلم، لكن ترجح جانب الرضا على جانب السخط؛ لأنها لو
لم تكن راضية لردت؛ لأنها إن كانت تستحي عن الإذن، فلا تستحي عن الرد، فلما سكتت
ولم ترد - دل أنها راضية، بخلاف ما إذا زوجها أجنبي، أو ولي غيره أولى منه، لأن هناك
ازداد احتمال السخط: لأنها يحتمل أنها سكتت عن جوابه، مع أنها قادرة على الرد، تحقيراً
له وعدم المبالاة بكلامه، وهذا أمر معلوم بالعادة، فبطل رجحان دليل الرضا؛ ولأنها إنما
تستحي من الأولياء لا من الأجانب، والأبعد عند قيام الأقرب وحضوره أجنبي، فكانت في
(١) تقدم قريباً في أول هذا الكتاب.
(٢) في أ: وبالدلالة.
(٣) أخرجه البيهقي (٢٢٥/٧): كتاب ((النكاح)): باب ((ما جاء في وقت الخيار))، والدارقطني (٢٩٤/٣):
كتاب ((النكاح)): باب ((المهر)) حديث (١٨٥).
(٤) تقدم تخريجه قريباً.
تقدم تخريجه.
(٥)
(٦) في أ: مقاصد.