Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كِتَابُ الْخَجِّ زال، فلم يبق الرمل سنة، لكنا نقول: الرواية عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - لا تكاد تصح؛ لأنه قد صَحَّ أن رسول اللهَ وََّ ((رَمَلَ بَعْدَ فَتْحِ مَكْة)). وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ ◌ّهِ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثاً وَمَشَى أَرْبَعاً))، وكذا أصحابُه - رضي الله تعالى عنهم - بعده رملوا، وكذا المسلمون إلى يومنا هذا، فصار الرمل سنة متواترة، فإما أن يقال: إن أول الرمل كان لذلك السبب، وهو إظهار الجلادة وإبداء القوة للكفرة، ثم زال ذلك السبب، وبقيت سنة الرمل على الأصل المعهود أن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم؛ كالبيع، والنكاح، وغيرهما(١)، وإما أن يقال: لما رمل النبي ◌َّلوه بعد زوال ذلك السبب - صار الرمل سنة مبتدأة، فنتبع النبي ◌ٍَّّ في ذلك، وإن كان لا نعقل معناه، وإلى هذا أشار عمر - رضي الله تعالى عنه - حين رمل في الطواف، وقال: مَا لِي أَهُزُّ كَتِفَيَّ وَلَيْسَ هُهُنَا أَحَدٌ رَأَيْتُهُ، لَّكِنْ أَتَّبعُ رَسُولَ اللهَ بَّهَ، أو قال: لَكِنْ أَفْعَلُ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِوَل . ويرمل من الحجر إلى الحجر، وهذا قول عامة العلماء، وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وطاوس - رضي الله تعالى عنهم -: ((لاَ يَزْمُلُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَبَيْنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَإِنَّمَا يَرْمُلُ مِنَ الْجَانِبِ الآخَرِ)). وجه قولهم: إن الرمل في الأصل كان لإظهار الجلادة(٢) للمشركين، والمشركون إنما كانوا يطلعون على المسلمين من ذلك الجانب، فإذا صاروا إلى الركن اليماني لم يطلعوا عليهم؛ لصيرورة البيت حائلاً بينهم وبين المسلمين. ولنا ما روي أن رسول الله وَل﴿ ((رَمَلَ ثَلاَئاً مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ))(٣) والجواب عن (١) في أ: نحوها. (٢) في أ: الجلد. (٣) أخرجه مسلم (٩٢١/٢، ٩٢٢): كتاب الحج: باب استحباب الرمل في الطواف والعمر، وفي الطواف الأول من الحج، حديث (١٢٦٤/٢٣٧)، وأبو داود (٤٤٤/٢): كتاب المناسك (الحج): باب في الرمل، حديث (١٨٨٥)، وابن ماجه (٩٨٤/٢): كتاب المناسك: باب الرمل حول البيت، حديث (٢٩٥٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢/ ١٨٠): كتاب مناسك الحج: باب الرمل في الطواف، والبيهقي (١٠٠/٥): كتاب الحج: باب الطواف راكباً، والطيالسي (٢٠٧/١): كتاب الحج والعمرة: باب حديث أبي الطفيل عن ابن عباس المتضمن أسرار الحج، حديث (٩٩٢)، وأحمد (٢٢٩/١)، من طرق عن أبي الطفيل، قال: ((قلت لابن عباس: زعم قومك أن رسول الله - بَّلو - رمل بالبيت وأنها سنة. قال: صدقوا وكذبوا. وقد رمل رسول الله ـ رَ له - بالبيت، وليس بسنة، ولكن قدم رسول الله - وَ لهره - مكة والمشركون قعيقعان، وبلغه أنهم يقولون: إن به ويأصحابه هزالاً، فقال لأصحابه: ارملوا، أروهم أن بكم قوة، فكان رسول الله - بَّل ـ يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، فإذا توارى عنهم مشى)). ١٢٢ كِتَابُ الْحَجْ قولهم: إن الرمل كان لإظهار القوة والجلادة؛ أن الرمل الأول كان لذلك، وقد زال وبقي حكمه، أو صار الرمل بعد ذلك سنة مبتدأة، لا لما شرع له الأول، بل لمعنى آخر لا نعقله. وأما الاضطباع: فلما روينا أن رسول الله وَ ﴿ ((كَانَ يَزْمُلُ مُضْطَبِعاً بِرِدَائِهِ))، وتفسير الاضطباع بالرداء هو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر، سمي اضطباعاً؛ لما فيه من الضبع وهو العضد، لما فيه من إبداء الضبعين وهما العضدان، فإن زوحم في الرمل وقف، فإذا وجد فرجة رمل، لأنه ممنوع من فعله إلا على وجه السنة، فيقف إلى أن يمكنه فعله على وجه السنة. ويستلم الحجر في كل شوط يفتتح به إن استطاع من غير أن يؤذي أحداً؛ لما روي أن رسول الله وََّ ((كَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ اسْتَلَمَهُ»، ولأن كل شوط طواف على حدة، فكان استلام الحجر فيه مسنوناً كالشوط الأول، وإن لم يستطع استقبله وكبر وهلل. وأما الركن اليماني: فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة، ولكنه قال: إن استلمه فحسن، وإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهذا يدل على أنه مستحبٌّ وليس بسنة: وقال محمد رحمه الله: يستلمه ولا يتركه، وهذا يدلّ على أن استلامه سنة، ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة، وقال الشافعي: يستلمه ويقبل يده. وجه قول محمد ما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ ((يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلاَ يَسْتَلِمُ غَيْرَهُمَا))(١) . وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ)(٢) . وجه ما ذكر في الأصل، وهو أنه مستحب، وليس بمسنون؛ أنه ليس من السنة تقبيله، ولو كان مسنوناً لسن تقبيله كالحجر الأسود، وعن جابر - رضي الله تعالى عنه - إن النبي وَل ((اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ(٣)، وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة. (١) أخرجه البخاري (٥٥٣/٣) كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين الحديث (١٦٠٩) ومسلم (٢/ ٩٢٤) كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين الحديث (١٢٦٧). وأبو داود (٢/ ١٥١) كتاب المناسك، باب في وقت الاحرام الحديث (١٧٧٢). والنسائي (٢٣٢/٥) كتاب الحج، باب ترك استلام الركنين الآخرين. والدارمي (٧١/١) وأحمد (٣٧،٣٦،٢٩/٢) والبيهقي (٧٦،٣١/٥) وابن حبان (٧٨/٩) رقم (٣٧٦٣) والبغوي في شرح السنة (٤/ ٦٤) رقم (١٨٩٥ - بتحقيقنا). (٢) تقدم. (٣) تقدم ١٢٣ كِتَابُ الْحَجْ وأما الركنان الآخران، وهما العراقي والشامي، فلا يستلمهما عند عامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وهو قولنا . وعن معاوية وزيد بن ثابت، وسويد بن غفلة - رضي الله تعالى عنهم - ((أنه يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ الأَرْبَعَةَ)). وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ ((أنه رَأىُ مُعَاوِيَةً وَسُوَيْداً اسْتَلَمَا جَمِيعَ الأَرْكَانِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ لِمُعَاوِيَةِ: إِنَّمَا يُسْتَلَمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُوراً، والصحيح قول العامة؛ لأن الاستلام إنما عرف سنة بفعل رسول الله مَائ﴾ ، ورسول الله وَ﴾ [ما استلم] (١) غير الركنين، لما روينا عن عمر/ - رضي الله تعالى عنه - أنه ٢٣٤ب قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِّهِ يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلاَ يَسْتَلِمُ غَيْرَهُمَا)) ولأن الاستلام لأركان البيت والركن الشامي والعراقي ليسا من الأركان حقيقة؛ لأن ركن الشيء ناحيته وهما في وسط البيت؛ لأن الحطيم من البيت، وجعل طوافه من وراء الحطيم، فلو لم يجعل طوافه من ورائه لصار تاركاً الطواف ببعض البيت إلا أنه لا يجوز التوجه إليه في الصلاة؛ لما ذكرنا فيما تقدم. وإذا فرغ من الطواف يصلي ركعتين عند المقام، أو حيث تيسّر عليه من المسجد، وركعتا الطواف واجبة عندنا، وقال الشافعي: سنة؛ بناء على أنه لا يعرف الواجب إلا الفرض، وليستا بفرض، وقد واظب عليهما رسول الله وَ ﴿ فكانتا سنة، ونحن نفرقُ بين الفرض والواجب، ونقول: الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت وجوبه بدليل غير مقطوع به، ودليل الوجوب. قوله - عز وجل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مُقَام إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة : ١٢٥] . قيل في بعض وجوه التأويل: إن مقام ابراهيم ما ظهر فيه آثار قدميه الشريفين - عليه الصلاة والسلام - وهو حجارة كان يقوم عليها حين نزوله وركوبه من الإبل، حين كان يأتي إلى زيارة هاجر وولده اسماعيل، فأمر النبي وَ لّ باتخاذ ذلك الموضع مُصَلَّى يصلي عنده صلاة الطواف مستقبلاً الكعبة، على ما روي؛ أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لما قَدِمَ مَكَّةَ قَامَ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لِيُصَلِي، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله تعالى عنه - أَلاَ نَتَّخِذَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومطلق الأمر لوجوب العمل. وروي أن النبي وَّ((لَمَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ أَتَى الْمَقَامَ وَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، وَتَلاَ قولَه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾(٢) [البقرة: ١٢٥]. (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: لم يستلم. (٢) انظر الذي بعده. ١٢٤ كِتَابُ الْحَجْ وروي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه نَسِيَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ فَقَضَاهُمَا بِذِي طُوَّى؛ فدلَّ أنها واجبة(١) ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه ليكون افتتاح السعي بين الصفا والمروة باستلام الحجر؛ كما يكون افتتاح الطواف باستلام الحجر الأسود، والأصل فيه أن كل طواف بعده سعي، فإنه يعود بعد الصلاة إلى الحجر، وكل طواف لا سعي(٢) بعده لا يعود إلى الحجر، كذا روي عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم -. وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - ((أَنَّهُ لاَ يَعُودُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ سَغْيٌ)) وهو قولُ عمر بن عبد العزيز، والصحيح أنه يعود؛ لما روي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي وَلير ((لما فَرِغَ منِ طَوَافِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَقَرَأَ فِيهِمَا آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿وَأَتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرةَ: ١٢٥] وَرَفَعَ صَوْتَهُ يُسْمِعُ النَّاسَ))(٣) ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ولأن السعي مرتب على الطواف، لا يجوز قبله. ويكره أن يفصل بين الطواف وبين السعي، فصار كبعض أشواط الطواف والاستلام بين كل شوطين سنة، وهذا المعنى لا يوجد في طواف لا يكون بعده سعي؛ لأنه إذا لم يكن بعده سعي لا يوجد الملحق له بالأشواط، فلا يعود إلى الحجر. ثم يخرج إلى الصفا؛ لما روى جابر؛ أن النبي ◌َّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا، فَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، وَتَلاَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ولم يذكر (١) اختلف أهل العلم في ركعتا الطواف فذهب والشافعية والحنابلة إلى أنها سنة خلافاً للأحناف وتردد فيها أقوال المالكية . قال النووي في المجموع: هما باتفاق الأصحاب سنة، ثم الجمهور أطلقوا القولين ولم يذكروا أين نص الشافعي عليهما، مع اتفاقهم على أن الأصح كونهما سنة. وقال أبو علي البندنيجي في جامعه: نص في الجديد أنهما سنة. قال: وظاهر كلامه في القديم أنهما واجبتان . قال في المبدع: يصلي ركعتين بعد فراغه من الطواف، ولا شك أنهما سنة مؤكدة للنصوص المذكورة. قال الخرشي ٣٢٧/٢ اتفق المذهب على عدم ركنيتهما ولا خلاف في مشروعيتهما واختلف في ذلك بالسنية والوجوب سواء كان الطواف واجباً أو تطوعاً والقائل بالأول عبد الوهاب وبالثاني الباجي ولم يعتبر القول بتبعيتهما للطواف من وجوب وندب وهو قول الأبهري وابن رشد ولو اعتبره لقال وفي سنية ركعتي الطواف ووجوبهما والتبعية للطواف وكأنه إنما لم يعول عليه لأن غرضه الإشارة بالتردد والأبهري ليس من المتأخرين أي فليس ممن يشير له بالتردد ووجه وجوبهما على القول به مع ندب الطواف أنهما لما كانتا تابعتين له فكأنهما من تتمته وبالشروع فيه كأنه شارع فيهما فلذلك وجب الإتيان بهما . (٢) في أ: لا يسعى. (٣) جزء من حديث جابر تقدم. ١٢٥ كِتَابُ الْحَجْ في الكتاب أنه من أي باب يخرج من باب الصفا أو من حيث تيسر له، وما روي أن رسول اللهِ وَ لّ ((خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا)) فذلك ليس على وجه السنة عندنا، وإنما خرج منه لقربه من الصفا أو لأمر آخر، ويصعد على الصفا إلى حيث يرى الكعبة، فيحول وجهه إليها، ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على النبي وَ لّه ويدعو الله تعالى بحوائجه، ويرفع يديه، ويجعل بطون كفيه إلى السماء؛ لما روي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي وح لول ((رَقَىْ عَلَى الصَّفَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاَثَاً، وَقَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَاَ إِلَّهَ إِلَّ الله، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ))، وَجَعَلَ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَهْبِطُ نَحْوَ الْمَرْوَةِ فَيَمْشِي عَلَى هينته حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَىْ بَطْنِ الْوَادِي)»(١). فإذا كان عند الميل الأخضر في بطن الوادي سعى حتى يُجَاوِزَ الميل الأخضر، فيسعى بين الميلين الأخضرين؛ لحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ◌ََّ ((لَمَّا فَرَغَ مِنَ الدُّعَاءِ مَشَى نَحْوَ الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْتَصَبَتْ(٢) قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، وَقَالَ فِي سَغْيِهِ: ((رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأُْرَمُ))(٣). وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - إِذَا رَمَلَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَال: ((اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنِي ١٢٣٥ بِسُنَّةِ نَبِيِّكَ وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ، وَأَعِذْنِي مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، ثم يمشي على هينته حتى يأتي المروة، فيصعد عليها، ويقوم مستقبل القبلة، فيحمد الله تعالى ويثني عليه، ويكبر ويهلل، ويصلي على النبي وَليّة، ويسأل الله تعالى حوائجه، فيفعل على المروة مثل ما فعل على الصفا؛ لما روي أن النبي صَلّ هذا فعل. ويطوف بينهما سبعة أشواط، هكذا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ويسعى في بطن الوادي في كل شوط، ويعد البداية شوطاً والعود شوطاً آخر، خلافاً لما قاله الطحاوي؛ أنهما يعدان جميعاً شوطاً واحداً، وأنه خلاف ظاهر الرواية لما بينا فيما تقدم، فإذا فرغ من السعي، فإن كان محرماً بالعمرة، ولم يسق الهدي يحلق أو يقصر فيحل؛ لأن أفعال العمرة هي الطواف والسعي، فإذا أتى بهما لم يبق عليه شيء من أفعال العمرة، فيحتاج إلى الخروج منها بالتحلل، وذلك بالحلق أو التقصير كالتسليم في باب الصلاة، والحلق أفضل؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فإذا حلق أو قصر حل له جميع محظورات الإحرام. (١) تقدم. (٢) في أ: انصبت . (٣) تقدم. ١٢٦ كِتَابُ الْحَجُ وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا، وقال الشافعي: يقع التحللّ من العمرة بالسعي، ومن الحج بالرمي، والمسألة قد مرت في بيان واجبات الحج، وإن كان قد ساق الهدي لا يحلق ولا يقصر للعمرة، بل يقيم حراماً إلى يوم النحر، لا يحل له التحلل إلا يوم النحر عندنا، وعند الشافعي: سوق الهدي لا يمنع من التحلل، ونذكر المسألة في التمتع، إن شاء الله تعالى. وإن كان محرماً بالحج، فإن كان مفرداً به يقيم على إحرامه ولا يتحلل؛ لأن أفعال الحج عليه باقية، فلا يجوز له التحلل إلى يوم النحر، ومن الناس من قال: يجوز له أن يفتتح إحرام الحج بفعل العمرة، وهو الطواف والسعي، والتحلل منها بالحلق أو التقصير؛ لما روي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن أصحاب رسول الله وَّ رَ كَانُوا أَهَلُوا بِالْحَجِّ مُفْردِينَ، فَقَالَ لَهُمُ النبيُّ ◌َ: ((أَحِلُّوا مِنْ إِخْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلاَلاً حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهلُّوا بِالْحَجْ) (١)، فالجواب أن ذلك كان ثم نسخ. وعن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: أَشْهَدُ أَنَّ نَسْخَ (٢) الْإِخْرَامِ كَانَ خَاصّاً لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ◌َلّ. وإن كان قارناً؛ فإنه يطوف طوافين، ويسعى سعيين عندنا، فيبدأ أولاً بالطواف والسعي للعمرة، فيطوف ويسعى للعمرة، ثم يطوف ويسعى للحج كما وصفنا، وعند الشافعي: يطوف لهما جميعاً طوافاً واحداً، ويسعى لهما سعياً واحداً، وهذا بناء على أن القارن عندنا محرم بإحرامين: بإحرام العمرة، وإحرام الحج، ولا يدخل إحرام العمرة في إحرام الحج، [وعنده يحرم بإحرام واحد، ويدخل](٣) إحرام العمرة في إحرام الحج؛ لأن نفس العمرة لا تدخل في الحجة؛ ولأن الإحرام على أصله ركن لما نذكر؛ فكان من أفعال الحج، والأفعال يجوز فيها التداخل؛ كسجدة التلاوة؛ والحدود، وغيرها. ولنا: ما روي عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي ◌َّ- فرق بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين؛ ولأن القارن محرم بالعمرة، ومحرم بالحجة حقيقة؛ لأن قوله: لبيك بعمرة وحجة معناه: لبيك بعمرة ولبيك بحجة؛ كقوله: جاءني زيد وعمرو؛ أن معناه: جاءني زيد، وجاءني عمرو، وإذا كان محرماً بكل واحد منهما يطوف ويسعى لكل واحد منهما طوافاً على حدة، وسعياً على حدة؛ (١) أخرجه البخاري (٢٠٨/٤) كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد الحديث (١٥٦٨) ومسلم (٤/ ٤٠٧) كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام الحديث (١٢١٦/١٤٣). (٢) في ط: فسخ. (٣) ما بين المعكوفين سقط في أوثبت بدله قوله: واحتج بما روي عن النبي - ◌َلر - أنه قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة أي. ١٢٧ كِتَابُ الْحَجْ وكذا تسمية القران يدل على ما قلنا؛ إذ القران حقيقة يكون بين شيئين؛ إذ هو ضم شيء إلى شيء، ومعنى الضم حقيقة فيما قلنا لا فيما قاله، واعتبار الحقيقة أصل في الشريعة . وأما الحديث: ((فمعناه)) دخل وقت العمرة في وقت الحج؛ لأن سبب ذلك أنهم كانوا يعدون العمرة في وقت الحج من أفجر الفجور، ثم رخص لهم النبي وعَ لّ فقال: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) أي: دخل وقتُ العمرة في وقت الحجة وهو أشهر الحج، ويحتمل ما قلنا، ويحتمل ما قاله؛ فلا يكون حجة مع الاحتمال. ولو طاف القارن طوافين متواليين، وسعى سعيين متواليين أجزأه وقد أساء، أما الجواز؛ فلأنه أتى بوظيفة من الطوافين والسعيين، وأما الإساءة فلتركه السنة، وهي تقديم أفعال [الحج على أفعال العمرة](١)، ولو طاف أولاً بحجته وسعى لها، ثم طاف لعمرته، وسعى لها فنيته لغو، وطوافه الأول وسعيه يكونان للعمرة؛/ لما مر أن أفعال العمرة تترتب على ما أوجبه(٢) ٢٣٥ب إحرامه، وإحرامه أوجب تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج فلغت نيته . وإذا فرغ من أفعال العمرة لا يحلق ولا يقصر؛ لأنه بقي محرماً بإحرام الحج، وإن كان متمتعاً فإذا قدم مكة؛ فإنه يطوف ويسعى لعمرته، ثم يحرم بالحج في أشهر الحج، [ويلبس الإزار والرداء، ويلبي بالحج؛ لأن هذا ابتداء دخوله في الحج للإحرام بالحج](٣) وله أن يحرم من جوف مكة، أو من الأبطح، أو من أي حرم شاء، وله أن يحرم يوم التروية عند الخروج إلى منى، وقيل: يوم التروية، وكلما قدم الإحرام بالحج على يوم التروية، فهو أفضل عندنا وقال الشافعي: الأفضل أن يحرم يوم التروية . واحتج بما روي أن رسول الله وَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْرَامِ يَوْمَ الشَّرْوِيَةِ؛ فدل أن ذلك أفضل. ولنا ما روي عن رسول الله وَّه أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَدَاءَ الْحَجْ فَلْيَتَعَجَّلْ))(٤) وأدنى درجات الأمر الندب؛ ولأن التعجيل من باب المسارعة إلى العبادة فكان أولى؛ ولأنه أشق على البدن؛ لأنه إذا أحرم بالحج يحتاج إلى الاجتناب عن محظورات الإحرام، وأفضل الأعمال أحمزها على لِسَانِ رسولِ الله وَّي. وأما الحديث: فإنما ندب إلى الإحرام بالحج يوم التروية لركن (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: العمرة على أفعال الحج. (٢) في أ: أوجب. (٣) سقط في أ. (٤) تقدم. ١٢٨ كِتَابُ الْحَجْ خاص، اختار لهم الأيسر على الأفضل؛ ألا ترى أنه أمرهم بفسخ إحرام الحج، وأنه لا يفسخ اليوم. وإذا أحرم المتمتع بالحج؛ فلا يطوف بالبيتِ، ولا يسعى في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن طواف القدوم للحج لمن قدم مكة بإحرام الحج، والمتمتع إنما قدم مكة بإحرام العمرة لا بإحرام الحج، وإنما يحرم للحج من مكة، وطواف القدوم لا يكون بدون القدوم، وكذلك لا يطوف ولا يسعى أيضاً؛ لأن السعي؛ بدون الطواف غير مشروع؛ ولأن المحل الأصلي للسعي ما بعد طواف الزيارة؛ لأن السعي واجب، وطواف الزيارة فرض، والواجب يصلح تبعاً للفرض، فأما طواف القدوم فسنة، والواجب لا يتبع السنة، إلا أنه رخص تقديمه على محله الأصلي عقيب طواف القدوم؛ فصار واجباً عقيبه بطريق الرخصة، وإذا لم يوجد طواف القدوم يؤخر السعي إلى محله الأصلي؛ فلا يجوز قبل طواف الزيارة. وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ أن المتمتع إذا أحرم بالحج يوم التروية أو قبله؛ فإن شاء طاف وسعى قبل أن يأتي إلى منى وهو أفضل، وروى هشام عن محمد أنه إن طاف وسعى لا بأس به. ووجه ذلك أن هذا الطواف ليس بواجب، بل هو سنة، وقد ورد الشرع بوجوب السعي عقيبه، وإن كان واجباً رخصة وتيسيراً في حق المفرد بالحج والقارن فكذا المتمتع، والجواب نعم أنه سنة، لكنه سنة القدوم للحج لمن قدم بإحرام الحج، والمتمتع لم يقدم مكة بإحرام الحج؛ فلا يكون سنة في حقه، وعن الحسن بن زياد؛ أنه فرق بينهما قبل الزوال وبعده، فقال: إذا أحرم يوم التروية طاف وسعى، إلا أن يكون أحرم بعد الزوال. ووجهه أن بعد الزوال يلزمه الخروج إلى منى، فلا يشتغل بغيره، وقبل الزوال لا يلزمه الخروج، فكان له أن يطوف ويسعى، والجواب ما ذكرنا، وإذا فرغ المفرد بالحج أو القارن من السعي يقيم(١) على إحرامه، ويطوف طواف التطوع ماشياً إلى يوم التروية؛ لأن الطواف خير موضوع كالصلاة، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر، وطواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء، وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف؛ إذ لا يمكنهم الطواف في كل مكان، ولا تفوتهم الصلاة، لأنه يمكن فعلها في كل مكان، وأهل مكة لا يفوتهم الطواف ولا الصلاة، فعند الاجتماع الصلاة أفضل، وعلى هذا الغازي الحارس في دار الحرب؛ أنه إن كان هناك من ينوب عنه في دار الحرب - فصلاة التطوع أفضل له، وإن لم يكن فالحراسة أفضل. (١) في أ: يبقى. - ١٢٩ كِتَابُ الْحَجْ ولا يرمل في هذا الطواف، بل يمشي على هينته، ولا يسعى بعده بين الصفا والمروة غير السعي الأول، ويصلي لكل أسبوع ركعتين في الوقت الذي لا يكره فيه التطوع، ويكره الجمع بين أسبوعين من غير صلاة بينهما عند أبي حنيفة ومحمد، سواء انصرف عن شفع أو وتر. وقال أبو يوسف: لا بأس به إذا انصرف عن وتر؛ نحو أن ينصرف عن ثلاثة أسابيع، أو عن خمسة أسابيع، أو عن سبعة أسابيع. واحتج بما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أَنَّهَا كَانَتْ تَجْمَعُ بَيْنَ الطَّوَافِ ثُمَّ تُصَلِّ بَعْدَهُ، ثم فرق أبو يوسف بين انصرافه عن شفع أو عن وتر، فقال: إذا انصرف عن أسبوعين، وذلك أربعة عشر أو / أربعة أسابيع، وذلك ثمانية وعشرون - يكره، ولو انصرف عن ١٢٣٦ ثلاثة، أو عن خمسة - لا يكره؛ لأن الأول شفع والثاني وتر، وأصل الطواف سبعة، وهي وتر . ولهما أن ترتيب الركعتين على الطواف كترتيب السعي عليه؛ لأن كل واحد منهما واجب، ثم لو جمع بين أسبوعين من الطواف، وأخر السعي - يكره؛ فكذا إذا جمع بين أسبوعين منه وأخر الصلاة. وأما حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - فيحمل أنها فعلت ذلك لضرورة وعذر، فإذا كان يوم التروية - وهو اليوم الثامن من ذي الحجة - يروح مع الناس إلى منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء [لأوقاتها، ويبيت بها ليلة عرفة، ويصلي صلاة الفجر يوم عرفة بمنى لوقتها، فإذا طلعت الشمس يخرج إلى عرفات](١)؛ لما روي عن ابن عمر عن النبي وَّ، أَنَّهُ قَالَ: ((جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ - عليهما السلام - يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ فَخَرَجَ بِهِ إِلَى مِنَّى، فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغَرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةِ (٢) وَالْفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا بِهِ إِلَى عَرَفَاتٍ))، وروي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((لَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ - تَوَجَّهَ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى مِنَّى، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّىَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَسَارَ إِلَّى عَرَفَاتٍ))(٣). فإن دفع منها قبل طلوع الشمس جاز، والأول أفضل؛ لما روينا، فيخرج إلى عرفات على السكينة والوقار، فإذا انتهى إليها نزل بها حيث أحب إلا في بطن عرنة؛ لما رُوِيّ عَنْهُ وََّ، أنه قال: ((عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ)) ويغتسل يوم عرفة، وغسل يوم عرفة (١) سقط في ط . (٢) سقط في ط . (٣) جزء من حديث جابر في الحج. ١٣٠ كِتَابُ الْحَجْ سنة؛ كغسل يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وذكر في الأصل إن اغتسل فحسن، وهذا يشير إلى الاستحباب، ثم غسل يوم عرفة لأجل يوم عرفة أو لأجل الوقوف، فيجوز أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في غسل يوم الجمعة في كتاب الطهارة، فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر؛ فأذن المؤذنون، والإمام على المنبر في ظاهر الرواية، فإذا فرغوا من الأذان قام الإمام، وخطب خطبتين. وعن أبي يوسف ثلاث روايات؛ روي عنه مثل قول أبي حنيفة ومحمد، وروي عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط، ثم يخرج بعد فراغ المؤذن من الأذان، فيصعد المنبر ويخطب . وروى الطحاوي عنه في باب خطب الحج؛ أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل الأذان، فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون، ثم يتم خطبته بعد الأذان، أما تقديم الخطبة على الصلاة؛ فلأن النبي ◌َّ﴿ قَدَّمَهَا عَلَى الصَّلاَةِ، ولأن المقصود من هذه الخطبة تعليم أحكام المناسك، فلا بد من تقديمها ليعلموا، ولأنه لو أخرها يتبادر القوم إلى الوقوف ولا يستمعون؛ فلا يحصل المقصود من هذه الخطبة. ثم هذه الخطبة سنة وليست بفريضة، حتى لو جمع بين الظهر والعصر، فصلاهما من غير خطبة - أجزأه، بخلاف خطبة الجمعة؛ لأنه لا تجوز الجمعة بدونها، والفرق أن هذه الخطبة لتعليم المناسك، لا لجواز الجمع بين الصلاتين، وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة، وقيامها مقام البعض؛ على ما قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - ((إِنَّمَا قَصُرَتْ الْجُمُعَةُ لِمَكَانٍ الْخُطْبَةِ)، وقصر الصلاة ترك شَطْرها، ولا يجوز ترك الفرض إلا لأجل الفرض؛ فكانت الخطبة فرضاً، ولا قصر لههنا؛ لأن كل واحد من الفرضين يؤدي على الكمال والتمام، فلم تكن الخطبة فرضاً، إلا أنه يكون مسيئاً بترك الخطبة؛ لأنه ترك السنة. ولو خطب قبل الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ وقد أساء، أما الجواز؛ فلأن هذه الخطبة ليست من شطر(١) الصلاة، فلا يشترط لها الوقت، وأما الإساءة فلتركه السنة؛ إذ السنة أن تكون الخطبة بعد الزوال، بخلاف خطبة يوم الجمعة، فإنه إذا خطب قبل الزوال لا تجوز الجمعة؛ لأن الخطبة هناك من فرائض الجمعة؛ ألا ترى أنه قصرت الجمعة لمكانها، ولا يترك بعض الفرض إلا لأجل الفرض. وأما الكلام في وقت صعود الإمام على المنبر؛ أنه يصعد قبل الأذان أو بعده - فوجه رواية أبي يوسف: أن الصلاة التي تؤدى في هذا الوقت هي صلاة الظهر والعصر، فيكون (١) في أ: شرائط. ١٣١ كِتَابُ الْحَجْ الأذان فيهما قبل خروج الإمام؛ كما في سائر الصلوات، وكما في الظهر والعصر في غير هذا المكان والزمان، وجه ظاهر الرواية أن هذه الخطبة لما كانت متقدمة على الصلاة كان هذا الأذان للخطبة، فيكون بعد صعود الإمام على المنبر كخطبة الجمعة، وقد خرج الجواب عما قاله أبو يوسف: إن هذه صلاة الظهر والعصر؛ لأنا نقول: نعم لكن نقدم عليها الخطبة، فيكون وقت الأذان بعدما صعد الإمام المنبر/ للخطبة؛ كما في خطبة الجمعة، فإذا فرغ المؤذنون من ٢٣٦ب الأذان - قام الإمام، وخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلسة خفيفة؛ كما يفصل في خطبة الجمعة . وصفة الخطبة هي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويكبر ويهلل ويعظ الناس، فيأمرهم بما أمرهم الله - عزّ وجل، وينهاهم عما نهاهم الله عنه، ويعلمهم مناسك الحج؛ لأن الخطبة في الأصل وضعت؛ لما ذكرنا من الحمد والثناء، والتهليل والتكبير، والوعظ والتذكير، ويراد في هذه الخطبة تعليم معالم الحج؛ لحاجة الحجاج إلى ذلك؛ ليتعلموا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، والوقوف بمزدلفة، فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذنون، فصلى الإمام بهم صلاة الظهر، ثم يقوم المؤذنون فيقيمون للعصر، فيصلي بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ولا يشتغل الإمام والقوم بالسنن والتطوع فيما بينهما؛ لأن النبي ◌َّ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةً بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ولم يتنفل قبلهما ولا بعدهما مع حرصه على النوافل. فإن اشتغلوا فيما بينهما بتطوع أو غيره - أعادوا الأذان للعصر؛ لأن الأصل أن يؤذن لكل مكتوبة، وإنما عرف ترك الأذان بفعل النبي ◌َّله وأنه لم يشتغل فيما بين الظهر والعصر بالتطوع ولا بغيره، فبقي الأمر عند الاشتغال على الأصل، ويخفي الإمام القراءة فيهما، بخلاف الجمعة والعيدين؛ فإنه يجهر فيهما بالقراءة؛ لأن الجهر بالقراءة هناك من الشعائر، والسبيل في الشعائر إشهارها، وفي الجهر زيادة إشهار؛ فشرعت تلك الصلاة كذلك، فأما الظهر والعصر فهما على حالهما لم يتغيرا، لأنهما كظهر سائر الأيام وعصر سائر الأيام، والحادث ليس إلا اجتماع الناس، واجتماعهم للوقوف لا للصلاة، وإنما اجتماعهم في حق الصلاة حصل اتفاقاً. ثم إن كان الإمام مقيماً من أهل مكة؛ يتم كل واحدة من الصلاتين أربعاً أربعاً والقوم يتمون معه، وإن كانوا مسافرين؛ لأن المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت يلزمه الإتمام؛ لأنه بالاقتداء بالإمام صار تابعاً له في هذه الصلاة، وإن كان الإمام مسافراً يصلي كل واحدة من الصلاتين ركعتين ركعتين، فإذا سلم يقول لهم: أتموا صلاتكم يا أهلَ مكة فإنا قوم سفر. ثم لجواز الجمع، أعني: تقديم العصر على وقتها، وأداءها في وقت الظهر شرائط ؛ بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، أما المتفق عليه فهو شرطان: أحدهما: أن يكون أداؤها عقيب الظهر لا يجوز تقديمها عليها؛ لأنها شرعت مرتبة على الظهر، فلا يسقط الترتيب إلا بأسباب مسقطة ولم يوجد، فلا تسقط؛ فلزم مراعاة الترتيب. ١٣٢ كِتَابُ الْحَجْ والثاني: أن تكون مرتبة على ظهر جائزة استحساناً، حتى لو صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في يوم غيم، ثم استبان لهم أن الظهر وقعت قبل الزوال، والعصر بعد الزوال - فعليهم إعادة الظهر والعصر جميعاً استحساناً، والقياس ألا يكون هذا شرطاً، وليس عليه إلا إعادة الظهر. وجه القياس الاعتبار بسائر الأيام، فإنه إذا صلى العصر في سائر الأيام على ظن أنه صلى الظهر، ثم تبين أنه لم يصلها - يعيد الظهر خاصة كذا لههنا، والجامع أنه صلى العصر على ظن أنه ليس عليه إلا إعادة الظهر، فأشبه الناسي؛ والنسيان عذر مسقط للترتيب. وجه الاستحسان: أن العصر مؤداة قبل وقتها حقيقة، فالأصل ألا يجوز أداء العبادة المؤقتة قبل وقتها، وإنما عرفنا جوازها بالنص مرتبة على ظهر جائزة، فإذا لم تجز بقي الأمر فيها على الأصل. وأما المختلف فيه: فمنها: أن يكون أداء الصلاتين بالجماعة عند أبي حنيفة، حتى لو صلى العصر وحده أو الظهر وحده - لا تجوز العصر قبل وقتها عنده، وعند أبي يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط، ويجوز تقديمها على وقتها. وجه قولهما: إن جواز التقديم لصيانة الوقوف بعرفة؛ لأن أداء العصر في وقتها يحول بينه وبين الوقوف، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين الوحدان والجماعة، ولأبي حنيفة أن الجواز ثبت معدولاً به عن الأصل؛ لأنها عبادة مؤقتة، والعبادات(١) المؤقتة لا يجوز تقديمها على أوقاتها، إلا أن الجواز تقديم العصر على وقتها ثبت بالنص غير معقول المعنى، فيراعى فيه عين ما ورد به النص، والنص ورد بجواز أداء العصر/ كاملاً مرتباً على ظهر كامل، وهي المؤداة بالجماعة، والمؤداة لا بجماعة لا تساويها في الفضيلة، فلا يكون في معنى المنصوص عليه . ١٢٣٧ وقولهما: إن الجواز ثبت لصيانة الوقوف - ممنوع، ولا يجوز أن يكون معلولاً به؛ لأن الصلاة لا تنافي الوقوف؛ لأنها في نفسها وقوف، والشيء لا ينافي نفسه، وإنما ثبت نصاً غير معقول المعنى، فيتبع فيه مورد النص، وهو ما ذكرنا ولم يوجد، ولو أدرك ركعة من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام؛ بأن أدرك ركعة من الظهر، ثم قام الإمام ودخل في العصر، فقام الرجل وقضى ما فاته من الظهر، فلما فرغ من الظهر دخل في صلاة الإمام في العصر، وأدرك شيئاً من كل واحدة من الصَّلاتين مع الإمام - جاز له تَقْدِيمُ العَصْرِ بلا خِلاَفٍ؛ لأنه أَدْرَكَ فضيلة الجماعة، فتقع العصر مرتبة على ظهر كامل. (١) في أ: العبادة. ١٣٣ كِتَابُ الْحَجْ ومنها: أن يكون أداء الصلاتين بإمام وهو الخليفة أو نائبه في قول أبي حنيفة، حتى لو صلى [الظهر بجماعة](١) لكن لا مع الإمام والعصر مع الإمام ــ لم تجز العصر عنده، وعندهما هذا ليس بشرط، والصحيح قول أبي حنيفة؛ لما ذكرنا أن جواز التقديم ثبت معدولاً به عن الأصل مرتباً على ظهر كامل (٢) وهي المؤداة بالجماعة مع الإمام أو نائبه، فالمؤداة بجماعة من غير إمام أو نائبه - لا تكون مثلها في الفضيلة؛ فلا تكون في معنى مورد النص. ولو أحدث الإمام بعدما خطب، فأمر رجلاً بالصلاة - جاز له أن يصلي بهم الصلاتين جميعاً، سواء شهد المأمور الخطبة أو لم يشهد، بخلاف الجمعة؛ لأن الخطبة ليست هناك من شرائط جواز الجمعة، ولههنا الخطبة ليست بشرط لجواز الجمع بين الصلاتين، والفرق ما بينا، فإن لم يأمر الإمام أحداً، فتقدم واحد من عرض الناس، وصلى بهم الصلاتين جميعاً - لم يجز الجمع في قول أبي حنيفة؛ لأن الإمام أو نائبه شرط عنده ولم يوجد، وعندهما يجوز، وإن كان المتقدم رجلاً من ذي سلطان؛ كالقاضي، وصاحب الشُّرَطِ جاز؛ لأنه نائب الإمام، فإن كان الإِمَامُ سبقه الحدث في الظهر، فاستخلف رجلاً؛ فإنه يصلي بهم الظهر والعصر؛ لأنه قائم مقام الإمام، فإن فرغ من العصر قبل أن يرجع الإمام؛ فإن الإمام لا يصلي العصر إلا في وقتها؛ لأنه لما استخلف صار كواحد من المؤتمين، والمؤتم إذا صلى الظهر مع الإمام، ولم يصل العصر معه - لا يصلي العصر إلا في وقتها؛ كذا هذا. ومنها: أن يكون محرماً بالحج حال أداء الصلاتين جميعاً، حتى لو صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو حلال من أهل ((مكة)) ثم أحرم للحج - لا يجوز له أن يُصَلِّي العصر إلا في وقتها؛ كذا ذكر في ((نوادر الصلاة))، وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول؛ أنه يجوز، وهو قول زفر، والصحيح رواية ((النوادر))؛ لأن العصر شرعت مرتبة على ظهر كامل، وهو ظهر المحرم، وظهر الحلال لا يكون مثل ظهر المحرم في الفضيلة؛ فلا يجوز ترتيب العصر على ظهر هي دون المنصوص عليه. وعلى هذا إذا صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو محرم، لكن بإحرَام العمرة، ثم أحرم بالحج - لا يجزئه العصر إلا في وقتها، وعند زفر: يجوز؛ كما في المسألة الأولى، والصحيح قولنا؛ لأن ظهر المحرم بالعمرة لا يكون مثل ظهر المحرم بالحج في الفضيلة، فلا يكون أداء العصر في معنى مورد النص، فلا تجوز إلا في وقتها؛ ولو نفر الناس عن الإمام، فصلى وحده الصلاتين - أجزأه . (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: العصر في جماعة. (٢) في أ: كاملة . ١٣٤ كِتَابُ الْحَجْ ودلت هذه المسألة على أن الشرط في الحقيقة هو الإمام عند أبي حنيفة لا الجماعة، فإن الصلاتين جازتا للإمام ولا جماعة، فتبنى المسائل عليه؛ إذ هو أقرب إلى الصيغة، ولا يلزمه على هذا ما إذا سبق الإمام الحدث في صلاة الظهر، فاستخلف رجلاً، وذهب الإمام ليتوضأ، فصلى الخليفة الظهر والعصر، ثم جاء الإمام؛ أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها؛ لأن عدم الجواز هناك ليس لعدم الجماعة بل لعدم الإمام؛ لأنه خرج عن أن يكون إماماً، فصار كواحد من المؤتمين، أو يقال: الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام، والله تعالى الموفق. فإن مات الإمام، فصلى بالناس خليفته - جاز؛ لأن موت الإمام لا يوجب بطلان ولاية خلفائه؛ كولاية السلطنة والقضاء، فإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة، وراح الناس معه؛ لأن النبي نَّهِ رَاحَ إِلَيْهِ عَقِيبَ الصَّلاَةِ. ويرفع الأيدي بسطاً يستقبل؛ كما يستقبل الداعي بيده ووجهه؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -/ أنه قال: ((رَأيْتُ رَسُولَ الله وَ يَدْعُو بِعَرَفَاتٍ بَاسِطاً يَدَيْهِ فِي نَحْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِين))(١)، فيقف الإمام والناس إلى غروب الشمس يكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى، ويثنون عليه، ويصلون على النبي بَّه ويسألون الله تعالى حوائجهم، ويتضرعون إليه بالدعاء؛ لما روي عن النبي وَّ؛ أنه قال: ((أَفْضَلُ الدّعَاءِ دُعَاءُ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ وَقَالَتِ الأَنْبِيَاءُ قَبْلِي عَشِيَّةَ يَوْمٍ عَرَفَةَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُخْبِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٍّ، لاَ يَّمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(٢). ٢٣٧ب (١) قال الزيلعي في نصب الراية (٦٤/٣): ((أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس: رأيته عليه السلام يدعو بعرفة يداه إلى صدره كالمستطعم المسكين)) ورواه البزار في مسنده حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا عبادة ثنا ابن جريج عن الحسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس عن الفضل قال: رأيت رسول الله - وَلجر - واقفاً بعرفة ماداً يديه كالمستطعم أو كلمة نحوها قال ولا نعلم له طريقاً عن الفضل إلا هذا الطريق)) ا. هـ. وعزاه أيضاً لابن عديّ في الكامل. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٤٢٢/١، ٤٢٣) كتاب (الحج): باب ((جامع الحج)) حديث (٢٤٦) مرسلاً. ووصله البيهقي (٢٨٤/٤) كتاب ((الصيام)): باب ((الاختيار للحاج في ترك صوم يوم عرفة))، وقال: هذا مرسل، والبغوي (٩٣/٤) كتاب ((الحج)): باب ((الدعاء يوم عرفة)) حديث (١٩٢٢). والبيهقي في معرفة («السنن والآثار)) (١١٠/٤)، وابن كثير في («البداية والنهاية)) (١٩٣/٥). قال أحمد: رواه طلحة بن عبيد الله بن كريز عن النبي - رَلّ - مرسلاً. وأخرجه الترمذي (٥٧٢/٥) كتاب ((الدعوات)) باب ((في دعاء يوم عرفة)) حديث (٣٥٨٥)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي محمد، وهو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث، وابن كثير في = ١٣٥ كِتَابُ الْحَجْ وعن علي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي وَّرَ قال: ((إِنَّ أَكْثَرَ دُعَائِي وَدُعَاءِ الأَنْبِيَاءِ قَبْلي عَشِيَّةَ يَوْمٍ عَرَفَةَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اِجْعَلَ فِي قَلْبِيَ نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِيٍ صَدْرِيٍ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْوَاسِ الصُّدُورِ، وسَيْئَاتِ الأُمُورِ، وَفِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرْ مَا يَلِجُ فَي اللَّيْلِ وَشَرِّ مَاَ تَهِبُّ بِهِ الرِّيَاحُ)) (١) . وليس عن أصحابنا فيه دعاء موقت؛ لأن الإنسان يدعو بما شاء، ولأن توقيت الدعاء يذهب بالرقة؛ لأنه يجري على لسانه من غير قصده، فيبعد عن الإجابة، ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة، ولا يقطع التلبية، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: إذا وقف بعرفة يقطع التلبية، والصحيح قول العامة؛ لما روي أن رسول الله وَّر ((لَبَّى حَتَّى(٢) رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَة))(٣) («البداية والنهاية)) (١٩٣/٥) قال ابن حجر في ((التلخيص)) (٤٨٤/٢، ٤٨٥): رواه مالك في الموطأ من = حديث طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن كريز - بفتح الكاف - مرسلاً، وروي عن مالك موصولاً ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابن عبد البرفي التمهيد، وله طريق أخرى موصولة، رواه أحمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة)) الحديث وفي إسناده حماد بن أبي حميد وهو ضعيف، ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث نافع عن ابن عمر بلفظ ((أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله)) وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جداً، قال البخاري: منكر الحديث، ورواه الطبراني في المناسك من حديث على نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع. ا.هـ. (١) أخرجه البيهقي (١١٧/٥): كتاب ((الحج)) باب ((أفضل الدعاء دعاء عرفة))، وابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٩٣/٥). قال البيهقي: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه علياً - رضي الله عنه -. (٢) في أ: حين. (٣) ورد هذا الحديث من رواية الفضل بن العباس - رضي الله عنه -: أخرجه أحمد (٢١٠/١-٢١١-٢١٢-٢١٣-٢١٤)، والبخاري (٣٣٢/٤) كتاب ((الحج)): باب ((النزول بين عرفة وجمع)) حديث (١٦٧٠)، (٣٤٩/٤) كتاب ((الحج)): باب ((التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة والأرتداد في السير)) حديث (١٦٨٥)، ومسلم (٣٤٣/٤ - الأبي) كتاب ((الحج)): باب ((استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر)) حديث (١٢٨١ -٢٦٧، ١٢٨٢/٢٦٨)، وأبو داود (١٦٣/٢) كتاب ((المناسك)): باب ((متى يقطع التلبية)) حديث (١٨١٥)، والترمذي (٢٥١/٣) كتاب ((الحج)): باب «ما جاء متى يقطع التلبية في الحج؟))، حديث (٩١٨)، والنسائي (٢٩٦/٥) كتاب ((الحج)) باب ((التلبية في السر)) حديث (٣٠٥٥)، (٣٠٤/٥، ٣٠٥) كتاب ((الحج)): باب ((قطع المحرم التلبية إذا رمى جمرة العقبة)) حديث (٣٠٨٠ -٣٠٨١ -٣٠٨٢)، وابن ماجه (١٠١١،١٠١٠/٢) كتاب ((الحج)): باب ((متى يقطع الحاج التلبية)) حديث (٣٠٣٩)، (٣٠٤٠)، وابن خزيمة (٢٨١/٤) كتاب ((الحج)): باب ((قطع التلبية إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم النحر)) حديث (٢٨٨٥)، (٢٨٨٧)، وابن حبان (١١٣/٩) كتاب ((الحج)): باب ((الإحرام)) حديث (٣٨٠٤)، والطبراني (٢٣١/١١) (٢/١١٥٨٥)، = ١٣٦ كِتَابُ الحَجْ [رواه في الصحيحين)] (١). وروي عن عبد الله مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه لَبِّى عَشِيَّةً يَوْم عَرَفَةَ، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ التَّلْبِيَّةِ؟ فَقَالَ: أَجْهِلَ النَّاسُ أَمْ نَسُوا، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ، لَقَدْ حَجِجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَمَا تَرَكَ التَّلْبِيَّةَ حَتَى رَمَىْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلاَّ أَنْ يُخَلِلْهَا أَوْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ (٢)، ولأن التلبية ذكر يؤتى به في ابتداء هذه العبادة وتكرر في أثنائها، فأشبه التكبير في باب الصلاة، وكان ينبغي أن يؤتى به إلى آخر أركان هذه العبادة كالتكبير إلا أنا تركنا القياس فيما بعد رمي جمرة العقبة، أو ما يقوم مقام الرمي في القطع بالإجماع، فبقي الأمر فيما قبل ذلك على أصل القياس. وسواء كان مفرداً بالحج أو قارناً، أو متمتعاً، بخلاف المفرد بالعمرة؛ أنه يقطع التلبيةً إذا استلم الحجر حين يأخذ في طواف العمرة؛ لأن الطواف ركن في العمرة، فأشبه طواف الزيارة في الحج، وهناك يقطع التلبية قبل الطواف؛ كذا لههنا، والأفضل أن يكون في الموقف مستقبل القبلة، لما روي عن النبي ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ))(٣) . والبيهقي (١٣٧/٥) كتاب ((الحج)»: باب ((التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأول حصاة ثم يقطع)). = قال الترمذي: حديث الفضل حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ◌َّر - وغيرهم، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والحديث أخرجه البخاري (٣٤٩/٤) كتاب ((الحج)): باب ((التلبية والتكبير غداة النحرين يرمي الجمرة، والارتداف في السير)) حديث (١٦٨٦، ١٦٨٧) عن ابن عباس عن أسامة بن زيد والفضل بن العباس - رضي الله عنهم - بهذا الحديث، وأخرجه الطبراني (٣٨/١١) (١٠٩٦٧)، (٤٤/١١) (١٠٩٩٠)، (١١/ ١٢٠) (١١٢٣٥)، (١٣٧/١١) (١١٢٨٩)، (١٤٩/١١) (١١٣٢٤). ولم يذكر الفضل ولا أسامة، إنما أخرجه عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. (١) سقط في ط. (٢) أخرجه أحمد (٣٧٤/١)، ومسلم (٣٤٣/٤) كتاب ((الحج)): باب ((استحباب إدامة الحج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر)) حديث (٢٦٩، ٢٧٠، ١٢٨٣/٢٧١) ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٤/ ٢٨٢،٢٨١) كتاب ((الحج)): باب ((قطع التلبية إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم النحر)) حديث (٢٨٨٦)، والبيهقي (١٣٧/٥) كتاب ((الحج)): باب ((التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأول حصاة ثم يقطع)) مختصراً. وأخرجه البيهقي (١٣٨/٥) كتاب ((الحج)): باب التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأول حصاة ثم يقطع)) وذكر القصة بكاملها . (٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٧٠)، والبيهقي (٢٧٢/٧) كتاب ((الصداق)): باب ((ما جاء في تستير المنازل))، والطبراني (٣٨٩/١٠) (١٠٧٨١) من حديث عبد الله بن عباس بلفظ ((إن لكل شيء شرفاً وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة)). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٦٢/٨)، رواه الطبراني وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك. قال الحاكم، وقد رواه مطولاً: وله إسناد آخر قال العبس ثنا أبو المقدام هشام بن زياد ثنا القرظي، وتعقبه = ١٣٧ كِتَابُ الْحَجُ وروي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((رَكِبَ رَسُولُ اللهِوَّةٍ حَتَّى أَتَّى الْمَوْقِفَ، فَاسْتَقْبَلَ بِهِ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ)) (١) فإن انحرف قليلاً لم يضره؛ لأن الوقوف ليس بصلاة، وكذا لو وقف وهو محدث أو جنب لم يضره؛ لما مر أن الوقوف عبادة لا يتعلق بالبيت، فلا يشترط له الطهارة كرمي الجمار. والأفضل للإمام أن يقف على راحلته؛ لأن النبي ◌َّ وَقَّفَ رَاكِباً(٢). وكلما قرب في وقوفه من الإمام فهو أفضل؛ لأن الإمام يعلم الناس ويدعو، فكلما كان أقرب كان أمكن من السماع. وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، فإنه يكره الوقوف فيه؛ لما ذكرنا في بيان مكان الوقوف، فيقف إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس دفع الإمام والناس معه، ولا يدفع أحد قبل غروب الشمس؛ لا الإمام ولا غيره؛ لما مر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب. وروي عن النبي ◌َّ؛ أنَّهُ خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَإِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَدْفَعُ مِنْ هَهُنَا، وَالشَّمْسُ عَلَىْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ مِثْلُ الْعَمَائِمِ عَلَى رُؤُوسِ الرَّجَالِ، فَخَالِفُوهُمْ))(٣)، وأمر النبي ◌ِّرَ بالدَّفْعِ مِنْهُ بَعْدَ الغروبِ، فإن خاف بعض القوم الذهبي بأن فيه هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني فبطل الحديث. = وذكره من حديث ابن هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: ((إن لكل شيء سيداً وإن سيد المجالس قبالة المسجد» . قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٢) من حديث ابن عمر بلفظ ((أكرم المجالس ما استقبل به القبلة))، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه حمزة بن أبي حمزة، وهو متروك، وذكره أيضاً العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٩٢/١)، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بسند فيه حمزة بن أبي جمرة متروك عن ابن عمر رفعه، ورواه ابن عدي وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، والطبراني في الكبير، والعقيلي بسند فيه أبو المقدام هشام بن زياد متروك، عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ إن لكل شيء شرفاً، وإن شرف المجالس ما استقبل به القبلة، ورواه الحاكم من جهة هشام المذكور ومن جهة مصادق بن زياد في حديث طويل وقال إنه صحيح، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رفعه إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس حيالة القبلة وسنده حسن، لكن قال ابن حبان في كتابه (وصف الاتباع وبيان الابتداع) أنه خير موضوع تفرد به أبو المقدام عن ابن عباس، وقد كانت أحواله - وَ لير - في مواعظه أن يخطب مستدبر القبلة انتهى، قال السخاوي وما استدل به لا ينهض للحكم بالوضع، إذ استدباره للقبلة ليكون مستقبلاً لمن يعظه لا سيما مع تعدد طرقه. (١) تقدم في حديث جابر الطويل من الحج. (٢) انظر السابق. (٣) أخرجه الحاكم (٢٧٧/٢)، (٥٢٤/٣)، والبيهقي (١٢٥/٥) كتاب ((الحج)): باب ((الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس))، وذكره السيوطي في ((الدر)) (٢٢٢/١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن المسور بن مخرمة قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ------ ---- - ------ ١٣٨ كِتَابُ الْحَجْ الزحام، أو كانت به علة؛ فيقدم قبل الإمام قليلاً، ولم يجاوز(١) حد عرفة فلا بأس به؛ لأنه إذا لم يجاوز عرفة، فهو في مكان الوقوف، وقد دفع الضرر عن نفسه، وإن ثبت على مكانه حتى يدفع الإمام فهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] وينبغي للناس أن يدفعوا وعليهم السكينة والوقار، حتى يأتوا مزدلفة؛ لما روي أن النبيِ نَّ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَكْبَحُ(٢) نَاقَتَهُ(٣) . ١٢٣٨ وروي/ أنه لما دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ فِي إِيجَافِ الْخَيْلِ، وَلاَ فِي أَبْضَاعِ الْإِبِلِ، [بَلْ](٤) عَلَى هِيَنِتِكُمْ) (٥)، ولأن هذا مشى إلى الصلاة؛ لأنهم يأتون مزدلفة؛ ليصلوا بها المغرب والعشاء، وقد [قال](٦) النبي ◌ََّ(٧) ((إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَّارُ))(٨)، فإن أبطأ الإمام بالدفع، وتبين للناس الليل دفعوا قبل الإمام؛ لأنه إذا تبين الليل فقد جاء أوان الدفع، والإمام بالتأخير ترك السنة؛ فلا ينبغي لهم أن يتركوها. وإذا أتى مزدلفة ينزل حيث شاء، عن يمين الطريق أو عن يساره، ولا ينزل على قارعة الطريق ولا في وادي محسر؛ لقول النبي وَّرِ: ((مُزْدَلِفَةُ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ وَادِي مُحَسِّرٍ))(٩)، وإنما لا ينزل على الطريق؛ لأنه يمنع الناس عن الجواز فيتأذون به، فإذا دخل وقت العشاء يؤذن المؤذن ويقيم، فيصلي [الإمام بهم](١٠) صلاة المغرب في وقت صلاة العشاء، ثم يصلي بهم صلاة العشاء بأذان واحد وإقامة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة . (١) في أ: يجز. (٢) كبحت الدابة إذا جذبت رأسها إليك وأنت راكب ومنعتها من الجماح وسرعة السير. ينظر: النهاية (١٣٩/٤). (٣) أخرجه أحمد (١٠٧،٢٠١/٥)، والنسائي (٢٨٣/٥) كتاب ((مناسك الحج)): باب ((خرص الوقوف بعرفة)» حديث (٣٠١٨) من حديث أسامة - رضي الله عنه - بلفظ ((أفاض رسول الله - وَطير - من عرفة وأنا ردیفه، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل، وهو يقول: عليكم بالسكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاح الإبل)، وقد تقدم تخريج هذا الحديث في حديث الفضل وأسامة قريباً تخريجاً تفصيلياً، وهو في الصحيحين. (٤) سقط في أ. تقدم في الحديث السابق. (٥) (٦) بدل ما بين المعكوفين في أ: روي عن. (٧) في أ: وسلم أنه قال. تقدم في الصلاة. (٨) (٩) تقدم تخريجه. (١٠) في أ: بهم الإمام. ١٣٩ كِتَابُ الْحَجْ وقال زفر: بأذان واحد وإقامتين. وقال الشافعي: بأذانين وإقامة واحدة، احتج زفر بما روي أن رسول الله وَ﴿ ((صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِقَامَتَيْنٍ(١)؛ ولأن هذا أحد نوعي الجمع، فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجمع بعرفة، والجمع هناك (٢) بأذان واحد وإقامتين؛ كذا هُهنا . ولنا: ما روي عن عبد الله بن عمر، وخزيمة بن ثابت - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ((صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ)(٣)، وعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: صَلَّيْتُهُمَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهَ بِأَذَانٍ [واحِدٍ](٤) وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ (٥)، وما احتج به زفر محمول على الأذان والإقامة، فيسمي الأذان إقامة؛ كما يقال؛ سنة العمرين، ويراد به سنة أبي بكر [وعمر](٦) - رضي الله تعالى عنهما - وقال النبي وَلِّ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لِمَنْ شَاءَ إِلاَّ الْمَغْرِب))(٧) وأراد به الأذان والإقامة، كذا لههنا، والقياس على الجمع الآخر غير سديد؛ لأن هناك الصلاة الثانية، وهي العصر تؤدي في غير وقتها، فتقع الحاجة إلى إقامة أُخرى للأعلام بالشروع فيها. والصلاة [الثانية](٨) لههنا وهي العشاء تؤدى في وقتها، فيستغني عن تجديد الإعلام كالوتر مع العشاء، ولا يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره؛ لأن النبي ◌َ﴿ (لَمْ يَتَشَاغَلْ بَيْنَهُمَا بِتَطَوُّعِ وَلاَ بِغَيْرِهِ) فإن تطوع بينهما، أو تشاغل [بشيء] (٩) أعاد الإقامة للعشاء؛ لأنها انقطعت عن الإعلام الأول، فاحتاجت إلى إعلام آخر، فإن صلى المغرب وحده والعشاء وحده - أجزأه، بخلاف الظهر والعصر بعرفة على قول أبي حنيفة؛ أنه لا يجوز إلا بجماعة عنده. والفرق له أن المغرب تؤدى فيما هو وقتها في الجملة إن لم يكن وقت أدائها، فكان الجمع لههنا بتأخير المغرب عن وقت أدائها، فيجوز فعلها وحده؛ كما لو [تأخرت عنه](١٠) بسبب آخر، فقضاه في وقت العشاء وحده، والعصر هناك تؤدى فيما ليس وقتها أصلاً ورأساً، فلا يجوز؛ إذ لا جواز للصلاة قبل وقتها، وإنما عرفنا جوازها بالشرع، وإنما ورد الشرع بها بجماعة، فيتبع مورد الشرع. (١) تقدم في الصلاة. (٢) في أ: والجمع بعرفة. (٣) تقدم. (٤) سقط في أ. (٥) تقدم. (٦) سقط في أ. (٧) تقدم تخريجه. (٨) سقط في أ. (٩) سقط في أ. (١٠) بدل ما بين المعكوفين في أ: تأخر. ١٤٠ كِتَابُ الْحَجْ والأفضل أن يصليهما مع الإمام بجماعة؛ لأن الصلاة بجماعة أفضل. ولو صلى المغرب بعد غروب الشمس، قبل أن يأتي مزدلفة؛ فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر - لم تجز صلاته، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد، وزفر والحسن. وقال أبو يوسف: [بجزئه] (١) وقد أساء، وعلى هذا الخلاف إذا صلى العشاء في الطريق بعد دخول وقتها . وجه قوله: إنه أدى المغرب والعشاء في وقتيهما؛ لأنه ثبت كون هذا الوقت وقتاً لهما بالكتاب العزيز، والسنن المشهورة المطلقة عن المكان، على ما ذكرنا في كتاب الصلاة، فيجوز كما لو أداها في غير ليلة المزدلفة، إلا أن التأخير سنة، وترك السنة لا يسلب الجواز بل(٢) يوجب الإساءةِ؛ ولهما(٣) ما روي أن رسول الله وَِّ هلَمَا دَفَعَ مِنَ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رضي الله تعالى عنه - رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ وَّرَ قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ الشّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ. أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً خَفِيفاً، فَقُلْتُ: الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ الصَّلاَةُ أَمَامَكَ (٤)، وروي أنه نَّهِ قال: ((الْمُصَلّى أَمَامَكَ فَجَاءَ مُزْدَلِفَةَ)) فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ [الْوُضُوءَ] (٥) فدل الحديث على اختصاص جوازها في حال الاختيارَ/ والإمكان بزمان ومكان، وهو وقت العشاء بمزدلفة ولم يوجد؛ فلا يجوز، ويؤمر بالإعادة في وقتها ومكانها ما دام الوقت قائماً، فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضاً؛ لأن ٢٣٨ب (١) في أ: أجزأه. (٢) في أ: وإنما. (٣) في أ: ولهم. (٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١/ ٤٠١) كتاب ((الحج)): باب ((صلاة المزدلفة)) حديث (١٩٧) وأحمد (٥٪ ١٩٩-٢٠٠ - ٢٠١ - ٢٠٢ - ٢٠٨ - ٢١٠)، والبخاري (٣٣٢/٤) كتاب ((الحج)): باب ((النزول بين عرفة وجمع)) حديث (١٦٦٧)، ومسلم (٣٤٠/٤) كتاب ((الحج)) باب: ((استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر)) الحديث (٢٦٦/ ١٢٨٠)، وأبو داود (١٩٠/٢) كتاب ((الحج)): باب ((الدفعة من عرفة)) حديث (١٩٢١) والنسائي (٣١٨/١) كتاب ((المواقيت)): باب: ((كيف الجمع)) حديث (٦٠٨)، (٢٨٦/٥) كتاب ((المناسك)) باب ((النزول بعد الدفع من عرفة)) حديث (٣٠٢٤_٣٠٢٥)، وابن ماجه (١٠٠٥/٢) كتاب ((المناسك)) باب ((النزول بين عرفات وجمع لمن كانت له حاجة)) حديث (٣٠١٩)، والدارمي (٥٧/٢) كتاب ((الحج)) باب ((الجمع بين الصلاتين بجمع))، والبيهقي (٨٣/١) كتاب ((الطهارة)): باب («تفريق الوضوء))، (١٢٠/٥) كتاب ((الحج)) باب ((الجمع بينهما بإقامة إقامة لكل صلاة))، وابن خزيمة (٢٦٨،٢٦٧/٤) (٢٨٤٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٦٧/٩)، والحميدي (٢٥١/١) حديث (٥٤٨)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٤/٢) كتاب ((الحج)) باب («الجمع بين الصلاتين بجمع، كيف هو؟))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٠٦/٧). (٥) سقط في أ.