Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كِتَابُ الْحَجْ مكة بإحرامه الأول، ولا يحتاج إلى إِخرام جديد، وهو محرم عن النساء إلى أن يعود فيطوف، وعليه للتأخير دم عند أبي حنيفة، ولا يجزىء عن هذا الطواف بدنة، لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزىء عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها، بل يجب الإتيان بعينها كالوقوف بعرفة. وكذا لو كان طاف ثلاثة أشواط، فهو والذي لم يطف سواء؛ لأن الأقل لا يقوم مقام الكل، وإن كان طاف جنباً؛ أو على غير وضوء، أو طاف أربعة أشواط ثم رجع إلى أهله. أما إذا طاف جنباً فعليه أن يعود إلى مكة لا محالة، هو العزيمة، وبإحرام جديد حتى يعيد الطواف، أما وجوب العود بطريق العزيمة؛ فلتفاحش النقصان بالجنابة، فيؤمر بالعود كما لو ترك أكثر الأشواط . وأما/ تجديد الإحرام؛ فلأنه حصل التحلل بالطواف مع الجنابة على أصل أصحابنا، ١٢٢٧ والطهارة(١) عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجواز الطواف، فإذا حصل التحلل صار حلالاً، والحلال لا يجوز له دخول مكة بغير إحرام، فإن لم يعد إلى مكة، لكنه بعث بدنة - جاز؛ لما ذكرنا أن البدنة تجبر النقص بالجنابة؛ لأن العزيمة هو العود، لأن النقصان فاحش، فكان العود أجبر له؛ لأنه جبر بالجنس . وأما إذا طاف محدثاً، أو طاف أربعة أشواط؛ فإن عاد وطاف جاز؛ لأنه جبر النقص بجنسه، وإن بعث شاة جاز أيضاً؛ لأن النقص يسير فينجبر بالشاة، والأفضل أن يبعث بالشاة؛ لأن الشاة تجبر النقص وتنفع الفقراء، وتدفع عنه مشقة الرجوع، وإن كان بمكة فالرجوع(٢) أفضل؛ لأنه جبر الشيء بجنسه؛ فكان أولى، والله تعالى أعلم. فصل في واجبات الحج وأما واجبات الحج فخمسة السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الصدر، أما السعي: فالكلام فيه [يقع] في مواضع: في بيان صفته، وفي بيان قدره، وفي بيان ركنه، وفي بيان شرائط جوازه، وفي بيان سننه، وفي بیان وقته، وفي بيان حكمه إذا تأخر عن وقته. أما الأول: فقد قال أصحابنا: أنه واجب، وقال الشافعي: إنه فرض، حتى لو ترك الحاج خطوة منه، وأتى أقصى بلاد المسلمين يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع، فيضع قدمه عليه، ويخطو تلك الخطوة، وقال بعض الناس: ليس بفرض ولا واجب، واحتج هؤلاء بقوله - عز (١) في أ: في الطهارة. (٢) في أ: فالإعادة. بدائع الصنائع ج ٣ - م٦ ٨٢ كِتَابُ الْحَجْ وجل -: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وكلمة ((لا جناح)) لا تستعمل في الفرائض والواجبات، ويدل عليه قراءة أبي ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. واحتج الشافعي بما روي عن صفية بنت فلان؛ أنها سمعت امرأة سألت رسول الله وعليه عن ذلك فقال: ((إن الله تَعَالَى: كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَزْوَةِ»(١) أي: فرض عليكم؛ إذ الكتابة عبارة عن الفرض؛ كما في قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] وغير ذلك. (١) أخرجه الشافعي (٣٥١/١، ٣٥٢): كتاب الحج: الباب السادس فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة إلى فراغه من مناسكه حديث (٩٠٧)، والدارقطني (٢٥٦/٢): كتاب الحج: باب المواقيت، حديث (٨٨،٨٧)، والبيهقي (٩٨/٥): كتاب الحج: باب وجوب الطواف بين الصفا والمروة، وأن غيره لا يجزىء عنه، وأحمد (٤٢١/٦)، والحاكم (٧٠/٤)، كتاب معرفة الصحابة، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٪ ١٥٩)، وابن سعد (٨/ ١٨٠) وابن عديّ في ((الكامل)) (١٤٥٦/٤). من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية. وسكت عنه الحاكم وضعفه ابن عدي وأعله بعبد الله بن المؤمل. وعبد الله بن المؤمل. ضعفه الدارقطني وجماعة . وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: يخطىء. ينظر الثقات لابن حبان (٢٨/٧) والمغني (٣٥٩/١). والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣/ ٢٥٠) وقال وفيه. عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطىء وضعفه غيره. والحديث رواه أيضاً ابن المنذر وابن قانع كما في ((الدر المنثور» (١٦٠/١) وإسحاق بن راهويه كما في نصب الراية (٥٥/٣). وللحديث طريق آخر أخرجه الدار قطني (٢٥٥/٢) كتاب الحج باب المواقيت (٨٤) من طريق ابن المبارك عن معروف بن مشكان عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار اللائي أدركن رسول الله - وَ ل ير - قلن: دخلنا على دار بن أبي حسين فاطلعنا من باب مقطع فرأينا رسول الله - بَير - يشتد في المسعى حتى إذا بلغ زقاق بني فلان موضعاً قد سماه من المسعى استقبل الناس وقال: يا أيها الناس اسعوا فإن المسعى قد كتب عليكم قال أبو الطيب أبادي في ((التعليق المغني)) (٢٥٥/٢): قال صاحب التنقيح إسناده صحيح ومعروف بن مشكان صدوق لا نعلم من تكلم فيه ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين. وللحدیث شاهد من حديث ابن عباس. ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥١/٣) عنه قال: سئل رسول الله - وَّ ر - عن الرمل فقال إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه المفضل بن صدقة وهو متروك. ٨٣ كِتَابُ الْحَجُ ولنا قوله - عز وجل -: ﴿وَللهُ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وحج البيت هو زيارة البيت؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فظاهره يقتضي أن يكون طواف الزيارة هو الركن لا غير، إلا أنه زيد عليه الوقوف بعرفة بدليل، فمن ادعى زيادة السعي فعليه الدليل، وقول النبي ◌َّ: (الْحَجُّ عَرَفَةُ))، فظاهره يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة كل الركن، إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة، فمن ادعى زيادة السعي فعليه الدليل. وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((مَا تَمَّ حَجُّ امْرِئٍ قَطُّ إِلاَّ بِالسَّغي))، وفيه إشارة إلى أنه واجب وليس بفرض؛ لأنها وصفت الحج بدونه بالنقصان لا بالفساد، وفوت الواجب هو الذي يوجب النقصان، فأما فوت الفرض؛ فيوجب الفساد والبطلان، ولأن الفرضية إنما ثبتت بدليل مقطوع به، ولا يوجد ذلك في محل الاجتهاد إذا كان الخلاف بين أهل الديانة . وأما الآية: فليس المراد منها رفع الجناح على الطواف بهما مطلقاً، بل على الطواف بهما لمكان الأصنام التي كانت هنالك؛ لما قيل: إنه كان بالصفا صنم، وبالمروة صنم، وقيل: كان بين الصفا والمروة أصنام فتحرجوا عن الصعود عليهما، والسعي بينهما احترازاً عن التشبه بعبادة الأصنام، [والتشبه بأفعال الجاهلية؛ فرفع الله عنهم الجناح بالطواف بهما، أو بينهما مع كون الأصنام هنالك](١). وأما قراءة أبيّ - رضي الله عنه - فيحتمل أن تكون ((لا)) صلة زائدة، معناه: لا جناح عليه أن يطوف بينهما(٢)؛ لأن ((لا)) قد تزاد في الكلام صلة؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، معناه: أن تسجد، فكان كالقراءة المشهورة في المعنى. وأما الحديث: فلا يصح تعلق الشافعي به على زعمه؛ لأنه قال: روت صفية بنت فلان، فكانت مجهولة لا تدري من هي، والعجب منه أنه يأبى مرة قبول المراسيل لتوهم الغلط، ويحتج بقول امرأة لا تعرف ولا يذكر اسمها، على أنه إن ثبت فلا حجة له فيه؛ لأن الكنية قد تذكر ويراد بها الحكم، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأحزاب: ٦]، أي: في حكم الله. وقال - عز وجل -: ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: حكم الله عليكم، فإن أريد بها الأول تكون حجة، وإن أريد بها الثاني لا تكون حجة؛ لأن حكم الله تعالى لا يقتصر على الفرضية، بل الوجوب والانتداب والإباحة من حكم الله تعالى، فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو نحملها على الوجوب دون الفرضية توفيقاً بين الدلائل ؛ صيانة لها عن التناقض. (١) سقط في أ. (٢) في أ: بهما. ٨٤ كِتَابُ الْحَجُ وإذا كان واجباً؛ فإن تركه لعذر فلا شيء عليه، وإن تركه لغير عذر لزمه دم؛ لأن هذا ٢٢٧ ب حكم/ ترك الواجب في هذا الباب، أصله طواف الصدر، وأصل ذلك ما روي عن النبي وَّر، أنه قال: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ)»(١)، ورخص للحائض بخلاف الأركان، فإنها لا تسقط بالعذر؛ لأن ركن الشيء ذاته، فإذا لم يأت به فلم يوجد الشيء أصلاً؛ كأركان الصلاة بخلاف الواجب، ولو ترك أربعة أشواط بغير عذر - فعليه دم. والأصل أن كل ما وجب في جميعه دم يجب في أكثره دم، أصله طواف الصدر ورمي الجمار، ولو ترك ثلاثة أشواط أطعم لكل شَوْطِ نِصْفَ صاع من بر مسكيناً، إلا أن يبلغه ذلك دماً فله الخيار، والأصل في ذلك؛ أن كل ما يكون في جميعه دم يكون في أقله صدقة؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى، ولو ترك الصعود على الصفا والمروة - يكره له ذلك، ولا شيء عليه؛ لأن الصعود عليهما سنة؛ فيكره تركه، ولكن لو ترك لا شيء عليه؛ كما لو ترك الرمل في الطواف. فصل في قدر السعي وأما قدره: فسبعة أشواط؛ لإجماع الأمة ولفعل رسول الله وَله ويعد من الصفا إلى المروة شوطاً، ومن المروة إلى الصفا شوطاً آخر، كذا ذكر في الأصل، وقال الطحاوي: من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا - شوط واحد، والصحيح ما ذكر في الأصل؛ لما روي أن النبي ◌ََّ (طَافَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطِ))(٢)، ولو كان كما ذكره الطحاوي لكان أربعة عشر (١) أخرجه البخاري (٤١٦/٤) كتاب الحج، باب طواف الوداع الحديث (١٧٥٥). ومسلم (٨٩/٥) كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع الحديث (١٣٢٨) وأبو داود (٢٠٨/٢) كتاب المناسك، باب الوداع الحديث (٢٠٠٢). وابن ماجه (١٠٢٠/٢) كتاب المناسك، باب طواف الوداع الحديث (٣٠٧٠). والدارمي (٧٢/٢) كتاب المناسك، باب في طواف الوداع والحميدي رقم (٥٠٢) والطبراني في الكبير (٤٣/١١) رقم (١٠٩٨٦) والبيهقي في السنن (١٦١/٥). والبغوي في شرح السنة (١٣٨/٤) رقم (١٩٦٥) بتحقيقنا والشافعي في مسنده (٣٦٣/١) رقم (٩٤١). (٢) أخرجه البخاري (٤٧٧/٣): كتاب الحج: باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلى ركعتين، ثم خرج إلى الصفا، حديث (١٦١٦)، ومسلم (٢/ ٩٢٠): كتاب الحج: باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، وفي الطواف الأول من الحج، حديث (١٢٦١/٢٣١)، من حديث ابن عمر ((أن رسول الله - ول وس ـ كان إذا طاف بالحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعاً، ثم يصلي سجدتین)) . وأخرجه أبو داود (٤٤٣/٢): كتاب المناسك (الحج): باب الطواف الواجب، حديث (١٨٨١)، وأحمد (٣٠٤/١)، من حديث ابن عباس: ((أن النبي - وَلّر - قدم مكة، وهو يشتكي فطاف على راحلته، كلما أتى على الركن استلم الركن مججن، فلما فرع من طوافه أناح فصلى ركعتين)). ٨٥ كِتَابُ الْحَجْ شوطاً، والدليل على أن المذهب ما قلنا أن محمداً - رحمه الله - ذكر في الأصل، فقال: يبتدىء بالصفا ويختم بالمروة، وعلى ما ذكره الطحاوي يقع الختم بالصفا لا بالمروة، فدل أن مذهب أصحابنا ما ذكرنا. فصل في ركن السَّعي وأما ركنه: فكينونته بين الصفا والمروة، سواء كان بفعل نفسه، أو بفعل غيره عند عجزه عن السعي بنفسه؛ بأن كان مغمى عليه أو مريضاً، فسعى به محمولاً أو سعى راكباً؛ لحصوله كائناً بين الصفا والمروة، وإن كان قادراً على المشي بنفسه، فحمل أو ركب - يلزمه الدم؛ لأن السعي بنفسه عند القدرة على المشي واجب، فإذا تركه فقد ترك الواجب من غير عذر، فيلزمه الدم؛ كما لو ترك المشي في الطواف من غير عذر. فصل في شرائط جواز السعي وأما شرائط جوازه: فمنها أن يكون بعد الطواف، أو بعد أكثره؛ لأن النبي وسط﴿ هَكَذَا فَعَلَ، وقد قال وَّهَ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))(١)؛ ولأن السعي تبع للطواف، وتبع الشيء كاسمه، وهو أن يتبعه فيما تقدمه لا يتبعه، فلا يكون تبعاً له، إلا أنه يجوز بعد وجود أكثر [إتيانه](٢) الطواف قبل تمامه، لأن للأكثر حكم الكل. ومنها: البداية بالصفا والختم بالمروة في الرواية المشهورة، حتى لو بدأ بالمروة وختم بالصفا - لزمه(٣) إعادة شوط واحد، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى: أن ذلك ليس بشرط، ولا شيء عليه لو بدأ بالمروة. وجه هذه الرواية: أنه أتى بأصل السعي، وإنما ترك الترتيب؛ فلا تلزمه الإعادة؛ كما لو توضأ في باب الصلاة، وترك الترتيب. ولنا أن الترتيب لههنا مأمور به، لقول النبي وَ لَه وفعله، أما قوله؛ فلما روي أنه لما نزل قوله - عز وجل -: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، قالوا: بأيهما نبدأ يا رسول الله؟ فقال ◌َ: ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ)(٤)، وأماَ فعلُه وَِّ؛ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالصَّفَا وَخَتَمَ بِالْمَزْوَةِ؛ (٢) سقط في ط . (١) تقدم. (٣) في أ: يلزمه. (٤) أخرجه النسائي ٢٣٦/٥ كتاب مناسك الحج/ باب القول بعد ركعتي الطواف من حديث جابر: ((أنَّ رسول الله - وَلير - طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم قرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فصلى= ٨٦ كِتَابُ الْحَجِّ وأفعال النبي ◌َّ في مثل هذا موجبة لما تبين، وإذا لزمت البداية بالصفا، فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا - لا يعتد بذلك الشوط، فإذا جاء من الصفا إلى المروة كان هذا أول شوط؛ فيجب عليه أن يعود بعد ستة من الصفا إلى المروة حتى يتم سبعة . وأما الطهارة عن الجنابة والحيض: فليست بشرط، فيجوز سعي الجنب والحائض، بعد أن كان طوافه بالبيت على الطهارة عن الجنابة والحيض؛ لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت؛ فلا تشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض كالوقوف، إلا أنه يشترط أن يكون الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض؛ لأن السعي مرتب عليه ومن توابعه، والطواف مع الجنابة والحيض لا يعتدُّ به حتى تجب إعادته؛ فكذا السعي الذي هو من توابعه ومرتب عليه، فإذا كان طوافه على الطهارة عن الحدثين - فقد وجد شرط جوازه؛ فجاز وجاز سعي الجنب والحائض تبعاً له؛ لوجود شرط جواز الأصل؛ إذ التبع لا يفرد بالشرط، بل يكفيه شرط الأصل، فصار الحاصل أن حصول الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض من شرائط جواز السعي، فإن كان طاهراً وقت الطواف - جاز السعي، سواء كان طاهراً وقت السعي أو لا، وإن لم يكن طاهراً وقت الطواف - لم يجز سعيه رأساً، سواء كان طاهراً أو لم يكن، والله أعلم. فصل في سنن السعي وأما سننه: فالرمل في بعض/ كل شوط، والسعي في البعض، وسنذكرها في بيان سنن الحج؛ لأنها من السنن لا من الواجبات، حتى لو رمل في الكل، أو سعى في الكل - لا شيء عليه، لكنه يكون مسيئاً لتركه السنة، والله أعلم. ١٢٢٨ فضلً وأما وقته: فوقته الأصلي يوم النحر بعد طواف الزيارة لا بعد طواف اللقاء؛ لأن ذلك سنة والسعي واجب؛ فلا ينبغي أن يجعل الواجب تبعاً للسنة، فأما طواف الزيارة ففرض، سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن ثم خرج فقال إن الصفا والمروة من شعائر الله = فابدؤوا بما بدأ الله به)). وأصل الحديث رواه مسلم ٨٨٦/٢ كتاب الحج/ باب حجة النبي - ◌َلو - (١٢١٨). وأبو داود ١/ ٥٨٥ كتاب المناسك/ باب صفة حجة النبي (٥-١٩) والنسائي ٢٣٦،٢٣٥/٥ كتاب مناسك الحج/ باب القول بعد ركعتي الطواف. وابن ماجه ١٠٢٢/٢ كتاب المناسك/ باب حجة الرسول (٣٠٧٤) ومالك في الموطأ ٣٧٢/١ كتاب الحج/ باب البدء بالصفا في السعي (١٢٦ -١٢٧) والبيهقي ٥ /٩٠٧. والبغوي في شرح السنة ٢٨٠/٤، ٨١ (رقم ١٩١٢،١٩١١ - بتحقيقنا) وابن الجارود في المنتقى (٤٦٥). ٨٧ كِتَابُ الْحَجْ والواجب يجوز أن يجعل تبعاً للفرض، إلا أنه رخص السعي بعد طواف اللقاء، وجعل ذلك وقتاً له؛ ترفيهاً بالحاج وتيسيراً له؛ لازدحام الاشتغال له يوم النحر، فأما وقته الأصلي فيوم النحر، عقيب طواف الزيارة لما قلنا، والله أعلم. فضل وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته الأصلي، وهي أيام النحر بعد طواف الزيارة، فإن كان لم يرجع إلى أهله فإنه يسعى ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بما وجب عليه، ولا يلزمه بالتأخير شيء؛ لأنه فعله في وقته الأصلي، وهو ما بعد طواف الزيارة، ولا يضره إن كان قد جامع؛ لوقوع التحلل بطواف الزيارة؛ إذ السعي ليس بركن حتى يمنع التحلل، وإذا صار حلالاً بالطواف - فلا فرق بين أن يسعى قبل الجماع أو بعده، غير أنه لو كان بمكة يسعى ولا شيء عليه لما قلنا، وإن كان رجع إلى أهله - فعليه دم؛ لتركه السعي بغير عذر، وإن أراد أن يعود إلى مكة يعود بإحرام جديد؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة؛ لوقوع التحلل به، فيحتاج إلى تجديد الإحرام، وإذا عاد وسعى يسقط عنه الدم؛ لأنه تدارك المتروك(١)، وذكر في الأصل، وقال: والدم أحب إليَّ من الرجوع؛ لأن فيه منفعة للفقراء، والنقصان ليس بفاحش، فصار كما إذا طاف محدثاً، ثم رجع إلى أهله، على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم. فصل في الوقوف بمزدلفة وأما الوقوف بمزدلفة: فالكلام فيه يقع في مواضع: في بيان صفته، وركنه، ومكانه، وزمانه، وحكمه إذا فات عن وقته. أما الأول: فقد اختلف فيه أصحابنا قال بعضهم: أنه واجب، وقال الليث: إنه فرض، وهو قول الشافعي، واحتجا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمشعر الحرام هو المزدلفة، والأمر بالذكر عندها يدلُّ على فرضيةً الوقوفَ بها . ولنا: أن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد؛ لأن المسألة اجتهادية بين أهل الديانة، وأهل الديانة لا يختلفون في موضع هناك دليل قطعي(٢) ودليل الوجوب ما روي عن عروة بن المضرس الطائي جاء إلى النبي بَّهَ وَقَالَ: ((أَتْعَبْتُ مَطِيئَتِي فَمَا مَرَرْتُ بِشَرَفٍ إِلاَّ عَلَوْتُه (١) في ط: الترك. (٢) في أ: قاطع. ٨٨ كِتَابُ الْحَجْ فَهَلْ لِي مِنْ حَجْ))، وفي بعض الروايات: قال: ((أَتْعَبْتُ رَاحِلَتِي وَأَجْهَدْتُ نَفْسِي وَمَا تَرَكْتُ جَبَلاً مِنْ جِبَالِ طَيِّ إِلَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجِ)) فقال رسول الله وَّ: ((مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ(١)، وَصَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاَةَ، وَقَدْ كَانَ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) (٢) فقد علق تمام الحج بهذا الوقوف، والواجب هو الذي يتعلق التمام بوجوده لا الفرض؛ لأن المتعلق به أصل الجواز لا صفة التمام، وقال النبي ◌َّ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ))، جعل الوقوف بعرفة كل الحج، وظاهره يقتضي أن يكون كل الركن، وكذا جعل مدرك عرفة مدركاً للحج، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركناً - لم يكن الوقوف بعرفة كل الحج بل بعضه، ولم يكن أيضاً مدركاً للحج بدونه، وهذا خلاف الحديث، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون الركن هو الوقوف بعرفة لا غير، إلا أن طواف الزيارة عرف ركناً بدليل آخر، وهو ما ذكرنا فيما تقدم؛ ولأن ترك الوقوف بمزدلفة جائز لعذر على ما نبين، ولو كان فرضاً لما جاز تركه أصلاً كسائر الفرائض، فدل أنه ليس بفرض، بل هو واجب، إلا أنه قد يسقط وجوبه؛ لعذر: من ضعف، أو مرض، أو حيض، أو نحو ذلك، حتى لو تعجل ولم یقف ـ لا شيء عليه. وأما الآية: فقد قيل فى تأويلها: إن المراد من الذكر هو صلاة المغرب والعشاء بمزدلفة، وقيل: هو الدعاء، وفرضيتها لا تقتضي فرضية الوقوف، على أن مطلق الأمر للوجوب لا للفرضية، بل الفرضية ثبتت بدليل زائد، والله أعلم. فصل وأما ركنه: فكينونته بمزدلفة، سواء كان بفعل نفسه، أو بفعل غيره؛ بأن كان محمولاً وهو نائم أو مغمى عليه، أو كان على دابة لحصوله كائناً بها، وسواء علم بها أو لم يعلم لما قلنا؛ ولأن الفائت ليس إلا النية، وأنها ليست بشرط كما في الوقوف بعرفة، وسواء وقت أو مر ٢٢٨ ب ماراً؛ لحصوله كائناً بمزدلفة وإن قل، ولا تشترط له/ الطهارة عن الجنابة والحيض؛ لأنه عبادة لا تتعلَّق بالبيت، فتصح من غير طهارة كالوقوف بعرفة ورمي الجمار، والله أعلم. فضل وأما مكانه فجزء من أجزاء مزدلفة، أي: جزء كان، وله أن ينزل في أي موضعٍ شاء منها، إلا أنه لا ينبغي أن ينزل في وادي محسر؛ لقول النبي ◌َّرَ: «عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّ بَطْنَ (١) في ط: الوقوف. (٢) تقدم. ٨٩ كِتَابُ الْحَجْ عُرَنَةَ، وَمُزْدَلِفَةِ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّ وَادِي مُحَسِّرِ))(١)، وروي أنه قال: ((مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنِ الْمُحَسِّرِ))(٢)، فيكره النزل فيه، ولو وقف به أجزأه مع الكراهة، والأفضل أن يكون وقوفه خلف الإمام على الجبل الذي يقف عليه الإمام، وهو الجبل الذي يقال له: ((قزح))؛ لأنه روي أنَّ رَسُولَ الله وَّهِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((خُذُوا عَنِّ مَنَاسِكَكُمْ))، ولأنه يكون أقرب إلى الإمام؛ فيكون أفضل، والله تعالى أعلم. فضل وأما زمانه: فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس، فمن حصل(٣) بمزدلفة في هذا الوقت - فقد أدرك الوقوف، سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل بها فيه، فقد فاته الوقوف، وهذا عندنا . وقال الشافعي: يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر؛ كما قال في الوقوف بعرفة، وفي جمرة العقبة، والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتونة ليست بواجبة؛ إنما الواجب هو الوقوف، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام؛ فيدعو الله تعالى، ويسأله حوائجه إلى أن يسفر، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى ((منى))، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر - فقد أساء، ولا شيء عليه لتركه السنة. والله أعلم. فضل وأما حكم فواته عن وقته؛ أنه إن كان لعذر فلا شيء عليه، لما روي أن رسول الله وعليه ((قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْكَفَّارَةِ))(٤)، وإن كان فواته لغير عذر فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب من غير عذر، وإنه يوجب الكفارة، والله عز وجل أعلم. (١) تقدم. (٢) ينظر السابق. (٣) في أ: جعل. (٤) أخرجه البخاري (٤ /٣٤١) كتاب الحج، باب من قدم ضعفه أهله بليل الحديث (١٦٧٦). ومسلم (٤٧/٥) كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء الحديث (١٢٩٥) وأحمد (٢/ ٣٢) ومالك في الموطأ (٣٩١/١) في الحج، باب تقديم النساء والصبيان. وابن حبان في صحيحه (١٧٨/٩) رقم (٣٨٦٧). والبيهقي (١٢٣/٥) كلهم من حديث ابن عمر أنه كان يقدم ضعفه أهله من المزدلفة إلى منى ويذكر أن رسول الله - رمل * - يفعله وللحديث شاهد من حديث ابن عباس وعائشة وأم سلمة . - أما حديث ابن عباس : = ٩٠ كِتَابُ الْحَجْ فضل وأما رمي الجمار: فالكلام فيه في مواضع: في بيان وجوب الرمي، وفي تفسير الرمي، وفي بيان وقته، وفي بيان مكانه، وفي بيان عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها، ومقدار ما يرمي كل يوم عند كل موضع، وكيفية الرمي، وما يسن في ذلك ويستحب، وما يكره، وفي بيان حكمه إذا تأخر عن وقته، أو فات عن وقته. أما الأول: فدليل وجوبه الإجماع، وقول رسول اللهِ وَلَه وفعله، أما الإجماع؛ فلأن الأمة أجمعت على وجوبه. وأما قولُ رسول الله وَّه فما رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ، وَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ ثُمّ أخرجه البخاري (٥٢٦/٣): كتاب الحج باب من قدم ضعفة أهله فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدم إذا = غاب القمر، حديث (١٦٧٨)، ومسلم (٢/ ٩٤١): كتاب الحج: باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء، وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليالي قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، حديث (١٢٩٣/٣٠١)، وأبو داود (٢٧٩/٢، ٢٤٠): كتاب المناسك (الحج): باب التعجيل من جمع، حديث (١٩٣٩)، والترمذي (٢٣٩/٣، ٢٤٠): كتاب الحج: باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، حديث (٨٩٢)، (٨٩٣)، والنسائي (٢٦١/٥): كتاب الحج: باب تقديم النساء والصبيان إلى منازلهم بمزدلفة وابن ماجه (١٠٠٧/٢): كتاب المناسك: باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار، حديث (٣٠٢٦). وابن الجارود (٤٦٣/٢) والطيالسي وابن خزيمة (٢٧٥/٤) رقم (٢٨٧٠) وابن حبان (٣٨٧٠ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٧/٢) وأبو يعلى (٢٧٤/٤) رقم (٢٣٨٦) من طرق عن ابن عباس قال: ((أنا ممن قدم النبي - ◌َلير - ليلة المزدلفة من ضعفه أهله)). - وأما حديث عائشة: أخرجه البخاري (٥٢٦/٣) كتاب الحج: باب من قدم ضعفة أهله بليل ... حديث (١٦٨٠) ومسلم (٢/ ٩٣٩) كتاب الحج: باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن - (١٢٩٠/٢٩٤) وأحمد (٦/ ٢١٣-٢١٤) والنسائي (٢٦٢/٥) كتاب الحج: باب الرخصة للنسائي في الإفاضة من جمع قبل الصبح وابن ماجه (١٠٠٧/٢) كتاب المناسك: باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار (٣٠٢٧) والدارمي (٥٨/٢) كتاب المناسك: باب الرخصة في النفر من جمع بليل والبيهقي (١٢٤/٥) وأبو يعلى (٢٣٦/٨) رقم (٤٨٠٨) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ((كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله - ◌َ﴾ - أن تفيض من جمع بليل فأذن لها)). وللحديث شاهد أيضاً وأم سلمة . - وأما حديث أم سلمة: أخرجه الطبراني في الكبير كما في ((مجمع الزوائد» (٢٦٠/٣) عنها قالت قد مني رسول الله - رَّر - فيمن قدم من ضعفه أهله ليلة المزدلفة قالت: فرميت الجمرة بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه سليمان بن أبي داود قال ابن القطان لا يعرف. ٩١ كِتَابُ الْحَجْ رَمَيْتُ، فَقَالَ وََّ: ((ازْم وَلاَ حَرَجَ))(١)، وظاهر الأمرَ يقتضي وجوب العمل. وأما فعله: فلأنه بَّر رمى، وأفعال النبي ◌َّ فيما لم يكن بياناً لمجمل الكتاب، ولم يكن من حوائج نفسه، ولا من أمور الدنيا - محمولة(٢) على الوجوب؛ لورود النصوص بوجوب الاقتداء به، والاتباع له، ولزوم طاعته، وحرمة مخالفته؛ فكانت أفعاله فيما قلنا محمولة على الوجوب، لكن عملاً لا اعتقاداً على طريق التعيين؛ لاحتمال الخصوص؛ كما في بعض الواجبات؛ نحو صلاة الليل، وبعض المباحات، وهو حل تسع نسوة أو زيادة عليها، فاعتقاد الوجوب منها عيناً يؤدي إلى اعتقاد غير الواجب واجباً في حقه، وغير المباح مباحاً في حقه؛ وهذا لا يجوز، فأما القول بالوجوب عملاً مع الاعتقاد مبهماً؛ أن ما أراد الله به فهو حق مما لا ضرر فيه؛ لأنه إن كان واجباً يخرج عن العهدة بفعله، وإن لم يكن واجباً يثاب على فعله، فكان ما قلناه احترازاً عن الضَّرر بقدر الإمكان، وإنه واجب عقلاً وشرعاً. والله أعلم. فضل وأما تفسير رمي الجمار، فرمي الجمار في اللغة هو القذف بالأحجار الصغار، وهي الحصى؛ إذ الجمار جمع ((جمرة))، والجمرة هي الحجر الصغير(٣) وهي الحصاة، وفي عرف الشرع هو القذف بالحصى في زمان مخصوص، ومكان مخصوص، وعدد مخصوص، على ما نبين إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يخرج ما إذا قام عند الجمرة، ووضع الحصاة عندها وضعاً؛ أنه لم يجزه؛ لعدم الرمي وهو القذف، وإن طرحها طرحاً أجزأه لوجود الرمي، إلا أنه رمي خفيف فيجزئه، وسواء رمى بنفسه، أو بغيره عند عجزه، عن الرمي بنفسه؛ كالمريض الذي لا يستطيع الرمي، فوضع الحصى في كفه فرمى بها، أو رمى عنه غيره؛ لأن أفعال الحج تجري فيها النيابة؛ كالطواف، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والله أعلم. فضل وأما وقت الرمي: فأيام الرمي أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، أما يوم النحر فأول وقت الرمي منه: ما بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ فلا يجوز قبل طلوعه، وأول (١) تقدم. (٢) في ط: محمول. (٣) في أ: الصغيرة. ٩٢ كِتَابُ الْحَجُ وقته المستحب: ما بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وهذا عندنا. وقال الشافعي/ : إذا انتصف ليلة النحر دخل وقت الجمار؛ كما قال في الوقوف بعرفة ومزدلفة، فإذا طلعت الشمس وجب. وقال سفيان الثوري: لا يجوز قبل طلوع الشمس، والصحيح قولنا؛ لما روي عن النبي ◌ََّ؛ أنه قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. وَقَال ◌َ: ((لاَ تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَكُونُوا مُضْبِحِينَ))(١)، نهى عن الرمي قبل الصبح. وروي أن النبي ◌ََّ كَانَ يَلِجُ أَفْخَاذَ أُغَيْلِمَة بَني عَبْدِ المُطَّلِبٍ وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: ((لاَ تَزْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَكُونُوا مُصْبِحِينَ)»(٢). فإن قيل: قد روي أنه قال: ((لاَ تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»(٣)، وهذا حجة سفيان، فالجواب أن ذلك محمول على بيان الوقت المستحب؛ توفيقاً بين الروايتين بقدر الإمكان، وبه نقول: إن المستحب ذلك. وأما آخره فآخر النهار؛ كذا قال أبو حنيفة: إن وقت الرمي يوم النحر، يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو يوسف: يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت، ويكون فيما بعده قضاء. وجه قول أبي يوسف: إن أوقات العبادة لا تعرف إلا بالتوقيف، والتوقيف ورد بالرمي في يوم النحر قبل الزوال، فلا يكون ما بعده وقتاً له أداء؛ كما في سائر أيام النحر؛ لأنه لما جعل وقته فيها بعد الزوال - لم يكن قبل الزوال وقتاً له، ولأبي حنيفة الاعتبار بسائر الأيام، وهو أن في سائر الأيام ما بعد الزوال إلى غروب الشمس وقت الرمي؛ فكذا في هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم إنما يفارق سائر الأيام في ابتداء الرمي لا في انتهائه؛ فكان مثل سائر الأيام في الانتهاء، فكان آخره وقت الرمي؛ كسائر الأيام، فإن لم يرم حتى غربت الشمس، فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني - أجزأه، ولا شيء عليه في قول أصحابنا، وللشافعي فيه قولان: في قول: إذا غربت الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية، وفي قول: لا يفوت إلا في آخر أيام التشريق. (١) تقدم طرفه من حديث ابن عمر لكنه ورد من حديث ابن عباس، أن رسول الله - مشلو - قدم ضعفه أهله، وقال: ((لا ترموا بالجمرة حتى تطلع الشمس)). أخرجه أبو داود (٢/ ٤٨٠): كتاب المناسك (الحج): باب التعجيل مع جمع، حديث (١٩٤٠)، والنسائي (٢٧١/٥، ٢٧٢): كتاب الحج: باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وابن ماجه (١٠٠٧/٢): كتاب المناسك: باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار، حديث (٣٠٢٥)، والبيهقي (١٣٢،١٣١/٥): كتاب الحج، باب الوقت المختار لرمي جمرة العقبة، وأحمد (٢٣٤/١)، من رواية الحسن العرني، عن ابن عباس، قال: ((قدمنا رسول الله - ر - أغيلمة بن عبد المطلب من جمع بليل على جمرات لنا فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: أبيني: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) وزاد بعضهم: قال ابن عباس: ((ما أخال أحداً يعقل يرمي حتى تطلع الشمس)). (٢) انظر السابق. (٣) انظر السابق. ١٢٢٩ ٩٣ كِتَابُ الْحَجِ والصحيح قولنا؛ لما روي أن رسول الله وَّهِ: ((أَذِنَ للرّعَاءِ أَنْ يَزْمُوا بِاللَّيل))(١)، ولا يقال: إنه رخص لهم ذلك لعذر؛ لأنا نقول: ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضاً، فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن الإباحة [ما](٢) كانت لعذر، فيدل على الجواز مطلقاً فلا يجب الدم. فإن أخر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني - رمى، وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا شيء عليه، والكلام فيه يرجع إلى أن الرمي مؤقت عنده، وعندهما ليس بمؤقت، وهو قول الشافعي، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في طواف الزيارة في أيام النحر؛ أنه مؤقت بها وجوباً عنده، حتى يجب الدم بالتأخير عنها(٣) وعندهم ليس بمؤقت أصلاً؛ فلا يجب بالتأخير شيء، والحجج من الجانبين، وجواب أبي حنيفة عن تعلقهما بالخبر، والمعنى ما ذكرنا في الطواف، والله أعلم. فصل وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي - فبعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة: أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمی قبله جاز. وجه هذه الرواية أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر؛ فكذا في اليوم الثاني والثالث؛ لأن الكل أيام النحر. وجه الرواية المشهورة ما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لَ﴾ ((وَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّخْرِ ضُحَى، وَرَمَىْ في بَقِيَّةِ الأَيَّامِ بَعْدَ الزَّوَالِ)) (٤) وهذا باب لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيف، فإن أخر الرمي فيهما إلى الليل فَرمى قبل طلوع الفجر - جاز ولا شيء عليه؛ لأن الليل وقت الرمي في أيام الرمي؛ لما روينا من الحديث، فإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال، فأراد أن ينفر من منى إلى مكة، وهو المراد من النفر الأول - فله ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي: من نفر إلى مكة بعدما رمى يومين من أيام (١) تقدم. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: فيها. (٤) حديث جابر المتقدم. ٩٤ كِتَابُ الْحَجُ التشريق، وترك الرمي في اليوم الثالث - لا إثم عليه في تعجيله، والأفضل ألا يتعجل، بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث منها، فيستوفي الرمي في الأيام كلها ثم ينفر، وهو المعنى من النفر الثاني، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وفي ظاهر هذه الآية الشريفة إشكال من وجهين: أحدهما: أنه ذكر قوله تعالى: ﴿لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] في المتعجل والمتأخر جميعاً، وهذا إن كان يستقيم في حق المتعجل؛ لأنه يترخص لا يستقيم في حق المتأخر؛ لأنه أخذ بالعزيمة، والأفضل. والثاني: أنه قال تعالى في المتأخر: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيدِ بالتقوى، وهذا التقييد بالمتعجل أليق؛ لأنه أخذ بالرخصة، ولم يذكر فيه هذا التقييد/ . ٢٢٩ب والجواب عن الإشكال الأول، ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية: ((فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ تَأَخَّرَ غُفِرَ لَهُ)) (١)، وكذا روي عن(٢) ابن مَسْعُود - رضي الله عنه - أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] رجع مغفوراً له، وأما قوله تعالى: ﴿لِمَنْ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهو بيان أن ما سبق من وعد المغفرة للمتعجل، والمتأخر بشرط التقوى. ثم من أهل التأويل من صرف التقوى إلى الإتقاء عن قَتْلِ الصَّيْدِ في الإحرام، أي: لمن اتقى قتل الصيد في حال الإحرام، صرف أيضاً قوله تعالى: [﴿وَاتَّقُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي: فاتقوا الله، ولا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام، ومنهم من صرف التقوى] (٣) إلى الإتقاء عن المعاصي كلها في الحج، وفيما بقي من عمره، ويحتمل أن يكون المراد منه التقوى عما حظر عليه الإحرام من الرفث والفسوق والجدال وغيرها، والله تعالى أعلم. وإنما يجوزُ له النفر في اليوم الثاني والثالث، ما لم يطلع الفجر من اليوم الثاني، فإذا طلع الفجر لم يجز له النفر. وأما وقت الرمي من اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام الرمي - فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز، واحتجا بما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي ◌َِّ ((رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحَى، وَرَمَى في بَقِيَّةِ الأَيَّامِ بَعْدَ الزَّوَالِ)) (٤)، وأوقات المناسك لا تعرف (١) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (١٥٢/٥) كتاب الحج، باب من تعجل في يومين بعد يوم النحر. وانظر الدر المنثور (٤٢٤/١). (٢) أخرجه الطبري (٢١٨/٤) رقم (٣٩٣٤، ٣٩٣٦) وعزاه السيوطي في الدر (٤٢٤/١) لوكيع والغريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني. (٣) سقط في أ. (٤) حديث جابر في الحج المتقدم. ٩٥ كِتَابُ الْحَجُ قياساً، فدل أن وقته بعد الزوال؛ ولأن هذا يوم من أيام الرمي، فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال؛ كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق. ولأبي حنيفة: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -؛ أنه قال: ((إِذَا أَفتَتَحَ النَّهَارُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جَازَ الرَّمْيُ))، والظاهر أنه قاله سماعاً من النبي ◌َّ؛ إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد، فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصاً من حديث جابر - رضي الله عنه - بهذا الحديث، أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب؛ ولأن له أن ينفر قبل الرمي؛ ويترك الرمي في هذا اليوم رأساً، فإذا جاز له ترك الرمي أصلاً؛ فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى، والله تعالى أعلم. فصل في مكان الرمي وأما مكان الرمي: ففي يوم النحر عند جمرة العقبة، وفي الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع عند الجمرة الأولى، والوسطى، والعقبة، ويعتبر في ذلك كله مكان وقوع الجمرة لا مكان الرمي، حتى لو رماها من مكان بعيد فوقعت الحصاة عند الجمرة - أجزأه، وإن لم تقع عنده لم تجزها، إلا إذا وقعت بقرب منها؛ لأن ما يقرب من ذلك المكان كان في حكمه؛ لكونه تبعاً له. والله أَغْلَمُ. فصل في الكلام على الجمار وعددها وقدرها وغير ذلك وأما الكلام في عدد الجمار، وقدرها وجنسها، ومأخذها، ومقدار ما يرمي كل يوم عند كل موضع، وكيفية الرمي، وما يسن في ذلك وما يستحب وما يكره - فيأتي إن شاء الله تعالى في بيان سنن أفعال الحج، والله أعلم. فصل في حکمه إذا تأخر عن وقته أو فات وأما بَيَانُ حكمه إذا تأخر عن وقته أو فات فتقول: إذا ترك من جمار يوم النحر حَصَاةً أو حَصَاتين أو ثلاثاً إلى الغد، فإنه يرمي ما ترك، أو يتصدَّقْ لكل حَصَاةٍ نصف صاع من حنطة، إلا أن يبلغ قدر الطعام دماً؛ فينقص ما شاء ولا يبلغ دماً، والأصل أن ما يجب في جميعه دم، يجب في أقله صدقة؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى. ولههنا لو ترك جميع الرمي إلى الغد - كان عليه دم عند أبي حنيفة، فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة، إلا أن يبلغ دماً لما نذكر، وإن ترك الأكثر منها فعليه دم في قول أبي حنيفة؛ لأن في جميعه دم عنده، فكذا في أكثره، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجب في جميعه دم، فكذا في أكثره، فإن ترك رمي أحد الجمار الثلاث ٩٦ كِتَابُ الْحَجْ من اليوم الثاني - فعليه صدقة، لأنه ترك أقل وظيفة اليوم، وهو رمي سبع حصيات؛ فكان عليه صدقة إلى أن يصير المتروك أكثر من نصف الوظيفة؛ لأن وظيفة كل يوم ثلاث جمار، فكان رمي جمرة منها أقلها . ولو ترك الكل، وهو الجِمَارُ الثَّلاَثُ فيه - للزمه عنده دم؛ فيجب في أقلها الصَّدقة بخلاف اليوم الأول، وهو يوم النحر، إذا ترك الجمرة فيه - وهو سبع حصيات؛ أنه يلزمه دم عنده؛ لأن سبع حصيات كل وظيفة اليوم الأول، فكان تركه بمنزلة ترك كل وظيفة اليوم الثاني والثالث، وذلك أحد وعشرون حصاة، وترك ثلاث حصيات فيه بمنزلة ترك جمرة تامة من اليوم الثاني والثالث، وهي سبع حصيات، فإن تُرك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي وهو اليوم الرابع؛ فإنه يرميها فيه على الترتيب وعليه دم عنده، وعندهما: لا دم عليه؛ لما بينا أن الرمي مؤقت عنده، وعندهما ليس بمؤقت. ثم على قوله: لا يلزمه إلا دم واحد، وإن كان ترك وظيفة يوم واحد بانفراده يوجب دماً واحداً، ومع ذلك لا يجب عليه؛ لتأخير الكل إلا دم واحد؛ لأن جنس الجناية واحد، حظرها إحرام واحد من جهة غير متقومة؛ فيكفيها/ دم واحد؛ كما لو حلق المحرم ربع رأسه أنه يجب عليه دم واحد، ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضاً، وكذا لو طيب عضواً واحداً، أو طيب أعضاءه كلها، أو لبس ثوباً واحداً، أو لبس ثياباً كثيرة - لا يلزمه في ذلك كله إلا دم واحد؛ كذا ههنا . ١٢٣٠ بخلاف ما إذا قتل صيوداً؛ أنه يجب عليه لكل صيدٍ جزاؤه على حدة؛ لأن الجهة هناك متقومة، فإن ترك الكل حتى غربت(١) الشمس من آخر أيام التشريق، وهو آخر أيام الرمي - يسقط عنه الرمي، وعليه دم واحد في قولهم جميعاً. أما سقوط الرمي، فلأن الرمي عبادة مؤقتة، والأصل في العبادات المؤقتة إذا فات وقتها - أن تسقط، وإنما القضاء في بعض العبادات المؤقتة يجب بدليل مبتدأ، ثم إنما وجب هناك لمعنى لا يوجد لههنا، وهو أن القضاء صرف ماله إلى ما عليه؛ فيستدعي أن يكون جنس الفائت مشروعاً في وقت القضاء، فيمكنه صرف ماله إلى ما عليه، وهذا لا يوجد في الرمي؛ لأنه ليس في غير هذه الأيام رمي مشروع على هيئة مخصوصة ليصرف(٢) ماله إلى ما عليه؛ فتعذر القضاء فسقط ضرورة. ونظير هذا إذا فاتته صلاة في أيام التشريق فقضاها في غيرها؛ أنه يقضيها بلا تكبير؛ لأنه ليس في وقت القضاء تكبير مشروع؛ ليصرف ماله إلى ما عليه فسقط أصلاً؛ كذا هذا. - (١) في أ: غابت. (٢) في أ: ليمكنه صرف. ٩٧ كِتَابُ الْحَجْ وأما وجوب الدم؛ فلتركه الواجب عن وقته، أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأن رمي كل يوم مؤقت. وعندهما: إذ لم يكن مؤقتاً فهو مؤقت بأيام الرَّمْي، فقد ترك الواجب عن وقته، فإن ترك الترتيب في اليوم الثاني، فبدأ بجمرة العقبة فرماها، ثم بالوسطى، ثم بالتي تلي المسجد، ثم ذكر ذلك في يومه؛ فإنه ينبغي أن يعيد الوسطى وجمرة العقبة، وإن لم يعد أجزأه ولا يعيد الجمرة الأولى. أما إعادة الوسطى وجمرة العقبة؛ فلتركه(١) الترتيب؛ فإنه مسنون؛ لأن النبي وَّ رَتَّبَ، فإذا ترك المسنون تستحب الإعادة، ولا يعيد الأولى؛ لأنه إذا أعاد الوسطى والعقبة صارت هي الأولى، وإن لم يعد الوسطى والعقبة - أجزأة، لأن الرميات مما يجوز أن ينفرد بعضها من بعض؛ بدليل أن يوم النحر يرمي فيه جمرة العقبة، ولا يرمي غيرها من الجمار، وفيما جاز أن ينفرد البعض من البعض لا يشترط فيه الترتيب كالوضوء. بخلاف ترتيب السعي على الطّواف، أنه شرط؛ لأن السعي لا يجوز؛ أن ينفرد عن الطواف بحال، فإن رمى كل جمرة بثلاث حصيات، ثم ذكر ذلك؛ فإنه يبدأ فيرمي الأولى بأربع حصيات، حتى يتم ذلك؛ لأن رمي تلك الجمرة غير مرتب على غيره، فيجب عليه أن يتم ذلك بأربع حصيات، ثم يعيد الوسطى بسبع حصيات، لأن قدر ما فعل [بعضها](٢) حصل قبل الأولى؛ فيعيد مُرَاعاةً للترتيب. ألا ترى أنه لو فعل الكل يعيد، فإذا رمى الثلاث أولى أن يعيد، وكذلك جمرة العقبة، فإن كان قد رمى كل واحدة بأربع حصيات؛ فإنه يرمي كل واحدة بثلاث ثلاثٍ، لأن الأربع أكثر الرمي، فيقوم مقام الكل، فصار كأنه رتب الثاني على رمي كامل، وكذا الثالث وإن استقبل رميها فهو أفضل؛ ليكون الرمي في الثلاث البواقي على الوجه المسنون وهو الترتيب، ولو نقص حصاة لا يدري من أيتهن نقصها - أعاد على كل واحدة منهن حصاة حصاة؛ إسقاطاً للواجب عن نفسه بيقين؛ كمن ترك صلاة واحدة من الصلوات الخمس، لا يدري أيتها هي - أنه يعيد خمس صلوات؛ ليخرج عن العهدة بيقين؛ كذا هذا، والله أعلم. فصل في أحكام الحلق والتقصير وأما الحلق أو التقصير: فالكلام فيه يقع في وجوبه، وفي بيان مقدار الواجب وفي بيان (١) في أ: فلترك. (٢) سقط في ط. بدائع الصنائع ج ٣ - م٧ ٩٨ كِتَابُ الْحَجْ زمانه ومكانه، وفي بيان حكمه إذا وجد، وفي بيان حكم تأخره عن وقت فعله في غير مكانه. أما الأول: فالحلق أو التقصير واجب عندنا، إذا كان على رأسه شعر لا يتحلل بدونه، وعند الشافعي: ليس بواجب، ويتحلل من الحج بالرمي، ومن العمرة بالسعي، احتجٍ بما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه -؛ أن - عمر - رضي الله عنه - خَطَبَ بِعَرَفَة وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ فَقَالَ لَهُمْ إِذَا جِئْتُمْ مِنَّى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حُرَّمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلَّ النِّسَاءُ وَالطَّيْبُ حَتَّى يَطُوفَّ بِالْبَيْتِ. ولنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن التفث حلاق الشعر، ولبس الثياب، وما يتبع ذلك، وهو قول أهل التأويل؛ أنه حلق الرأس وقص الأظافير والشارب؛ ولأن التفث في اللغة الوسخ، يقال: امرأة تفثة إذا كانت خبيثة الرائحة، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهَ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقْ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمِنينَ مُحَلَّقِينَ رُؤُوسَكَمْ وَمُقَصِّرينَ﴾ [الفتح: ٢٧] قيل في بعض وجوه التأويل/: إن قوله: ﴿لتدخلن﴾ [الفتح: ٢٧] خبر بصيغته، ومعناه الأمر، أي: ادخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين، فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق أو التقصير؛ لأن مطلق الأمر لوجوب العمل، والاستثناء على هذا التأويل يرجع إلى قوله: ﴿آَمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: إن شاء الله أن تأمنوا تدخلوا وإن شاء لا تأمنوا لا تدخلونه. ٢٣٠ب وإن كانت الآية على الأخبار، والوعد على ما يقتضيه ظاهر الصيغة، فلا بد وأن يكون المخبر به على ما أخبر، وهو دخولهم محلقين ومقصرين، وذلك متعلق باختيارهم، وقد يوجد وقد لا يوجد، فلا بد من الدخول؛ ليكون الوجوب حاملاً لهم على التحصيل، فيوجد المخبر به ظاهراً وغالباً، فالاستثناء على هذا التأويل يكون على طريق التيمن والتبرك باسم الله تعالى، أو يرجع إلى دخول بعضهم دون بعض؛ لجواز أن يموت البعض، أو يمنع بمانع، فيحمل عليه؛ لئلا يؤدي إلى الخلف في الخبر، وقوله: ﴿مُحَلْقِينَ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. أي: بعضكم محلقين، وبعضكم مقصرين؛ لإجماعنا على أنه لا يجمع بين الحلق والتقصير، فدل أن الحلق أو التقصير واجب، لكن الحلقِ أفضل؛ لأنه روي أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ دَعَا لِلْمُحَلْقِينَ ثَلاَثَاً وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ)) فَقِيلَ لَهُ: وَالْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ،) فَقِيلَ لَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ فَقَال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ))(١)؛ ولأن في الحلق تقصيراً وزيادة، ولا حلق في التقصير أصلاً؛ فكان الحلق أفضل. (١) ورد هذا الحديث عن جمع من الصحابة منهم عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - فأما حديث عبد الله بن عمر. أخرجه البخاري (٥٦١/٣): كتاب الحج باب الحلق والتقصير عند الإحلال حديث (١٧٢٧)، ومسلم = ٩٩ كِتَابُ الْحَجْ وأما حديث عمر - رضي الله عنه - فيضمر فيه الحلق أو التقصير، معناه: فمن رمى الجمرة، وحلق أو قصر - فقد حل، ويجب حمله على هذا؛ ليكون موافقاً للكتاب. هذا إذا كان على رأسه شعر، فأما إذا لم يكن أجرى الموسى على رأسه؛ [لما روي عن ابن عمر؛ أنه قال: ((مَنْ جَاءَهُ يَوْمُ النَّخْرِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ - أَجْرَى الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ))](١)، والقدوري رواه مرفوعاً إلى رسول الله وَلّر ولأنه إذا عجز(٢) عن تحقيق الحَلْقِ، فلم يعجز عن التشبه بالحالقين، وقد قال النبي وَّرَ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْم فَهُوَ مِنْهُمْ))(٣)، فإن حلق رأسه بالنورة أجزأه، والموسى أفضل، أما الجواز؛ فلحصول المقصود وهو إزالة الشعر، وأما (٩٤٥/٢)، كتاب الحج: باب تفصيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير، حديث (١٣٠١/٣١٧). = وأبو داود (٦٠٦/٢) كتاب المناسك: باب الحلق والتقصير حديث (١٩٧٩) والترمذي (٥٦٤/٣ - تحفة) كتاب الحج باب ما جاء في الحلق والتقصير حديث (٩١٦) وابن ماجه (١٠١٢/٢) كتاب المناسك: باب الحلق حديث (٣٠٤٤) والنسائي في ((الكبرى)) (٤٤٩/٢) كتاب الحج: باب فضل الحلق حديث (٤١١٥) والدارمي (٢/ ٦٤) كتاب المناسك: باب فضل الحلق على التقصير وابن الجارود (٤٨٥) والطيالسي (١٨٣٥) وأحمد (١٦/٢، ٢٤، ٧٩، ١١٩) وابن خزيمة (٢٩٩/٤) رقم (٢٩٢٩) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٤٣/٢) والبيهقي (١٣٤/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (١٢٠/٤ - بتحقيقنا) من طرق نافع عن ابن عمر به . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أبي هريرة وأم الحصين الأحمسية وابن عباس وأبي سعيد الخدري ومالك بن ربيعة وحبشي بن جنادة وقارب. - وأما حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٦٥٦/٣) كتاب الحج: باب الحلق والتقصير عند الاحلال حديث (١٧٢٨) ومسلم (٢/ ٩٤٥) كتاب الحج باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير حديث (٣١٧ -١٣٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٠١٢) كتاب المناسك: باب الحلق حديث (٣٠٤٣) وأحمد (١٠١٢/٢) كتاب المناسك: باب الحلق حديث (٣٠٤٣) وأحمد (٢٣١/٢) والبيهقي (١٣٤/٥) من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - رَالول -: ((اللهم اغفر للمحلقين قالوا: وللمقصرين ... قالها ثلاثاً قال: وللمقصرين)). وله طريق آخر عن أبي هريرة. - وأما حديث ابن عباس: ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥١/٣) عنه قال: اسئل رسول الله - وَّل - عن الرمل فقال إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه المفضل بن صدقة وهو متروك. (١) سقط في أ. (٢) في ط: عجزوا. (٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٤١) كتاب اللباس / باب في لبس الشهرة (٤٠٣١) ورواه أحمد (٥٠/٢، ٩٢). وعبد بن حميد في ((المنتخب في المسند)) (٨٤٨). قال الهيثمي في المجمع (٢٧٠/٥): ((رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات)) ا. هـ. ١٠٠ كِتَابُ الْحَجْ أفضلية الحلق بالموسى؛ فلقوله تعالى: ﴿مُحَلْقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] وإطلاق اسم الحلق يقع على الحلق بالموسى، وكذا النبي ◌َّهَ حَلَقَ بِالْمُوسى، وَكَانَ يَخْتَارُ مِنَ الأَعْمَالِ أَفْضَلِهَا . وهذا إذا لم يكن محصراً، فأما المحصر فلا حلق عليه في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قول أبي يوسف: عليه الحلق، وسنذكر المسألة، إن شاء الله تعالى في بيان أحكام الاحصار، ولو وجب عليه الحلق أو التقصير، فغسل رأسه بالخطمى مقام الحلق - لا يقوم مقامه، وعليه الدم؛ لغسل رأسه بالخطمى في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا دم عليه، ذكر الطحاوي الخلاف. وقال الجصاص: لا أعرف فيه خلافاً، والصحيح أنه يلزمه الدم؛ لأن الحلق أو التقصير واجب لما ذكرنا، فلا يقع التحلل إلا بأحدهما ولم يوجد، فكان إحرامه باقياً، فإذا غسل رأسه بالخطمى فقد أزال التفث في حال قيام الإحرام؛ فيلزمه الدم، والله أعلم. ولا حلق على المرأة؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي وََّ، أَنَّهُ قَالَ: (َيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ تَقْصِيرٌ))(١)، وروت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ؛ [أَنَّه] (٢) نَهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تَخْلِقَ رَأْسَهَا(٣). ولأن الحلق في النساء مثلة؛ ولهذا لم تفعله واحدة من (٤) نساء رسول الله و18َ ولكنها تقصر، فتأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة، لما روي عن [ابن] عمر - رضي الله عنه - أنه سئل، فقيل له: كمْ تُقَصِّرِ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: ((مِثْلُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنْمُلَتِهِ» . (١) أخرجه أبو داود (١/ ٦٠٧) كتاب المناسك: باب الحلق والتقصير حديث (١٩٨٤، ١٩٨٥) والدارمي (٢/ ٦٤) كتاب المناسك: باب من قال ليس على النساء حلق، والدارقطني (٢٧١/٢) كتاب الحج، والبيهقي (١٠٤/٥) كتاب الحج: باب ليس على النساء حلق ولكن يقصرن كلهم من طريق صفية بنت شيبة عن أم عثمان بنت أبي سفيان عن ابن عباس مرفوعاً . وأخرجه من هذا الطريق الطبراني في ((الكبير)) (٢٥٠/١٢). وقال النووي في ((المجموع)» (١٨٣/٨): رواه أبو داود بإسناد حسن وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٢/ ٢٦١): وإسناده حسن وقواه أبو حاتم في ((العلل)) والبخاري في ((التاريخ)) وأعله ابن القطان ورد عليه ابن المواق فأصاب. (٢) سقط في أ. (٣) أخرجه البزار (٣٢/٢) الحديث (١١٣٧ - كشف) وقال البزار: ((ومصلى لا يتابع على حديثه)) ا. هـ. وقال الزيلعي في نصب الراية (٩٥/٣) ((ورواه ابن عدي في الكامل وقال: أرجو أنه لا بأس به)) ا.هـ. وانظر مجمع الزوائد (٢٦٣/٣). (٤) سقط في ط.