Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كِتَاب الصَّوم وجه قولهما: إن هذا أعذر من الناسي؛ لأن الناسي وجد منه الفعل حقيقة، وإنما انقطعت نسبته عنه شرعاً بالنص، وهذا لم يوجد منه الفعل أصلاً، فكان أعذر من الناسي، ثم لم يفسد صوم الناسي؛ فهذا أولى. ولنا: أن معنى الركن قد فات لوصول المغذي إلى جوفه، بسبب لا يغلب وجوده، ويمكن التحرز عنه في الجملة؛ فلا يبقى الصوم، كما لو أكل أو شرب بنفسه مكرهاً؛ وهذا لأن المقصود من الصوم معناه، وهو كونه وسيلة إلى الشكر والتقوى، وقهر الطبع الباعث على الفساد على ما بيّنا، ولا يحصل شيء من ذلك إذا وصل الغذاء إلى جوفه. وكذا النائمة الصائمة جامعها زوجها ولم تنتبه، أو المجنونة جامعها زوجها - فسد صومها عندنا(١) خلافاً لزفر، والكلام فيه على نحو ما ذكرنا، ولو تمضمض أو استنشق، فسبق الماء حلقه ودخل جوفه؛ فإن لم يكن ذاكراً لصومه لا يفسد صومه، لأنه لو شرب لم يفسد؛ فهذا أولى، وإن كان ذاكراً فسد صومه عندنا. وقال ابن أبي ليلى: إن كان وضوءه للصلاة المكتوبة لم يفسد، وإن كان للتطوع فسد. وقال الشافعي لا يفسد أيهما(٢) كان. وقال بعضهم: إن تمضمض ثلاث مرات فسبق الماء حلقه ــ لم يفسد، وإن زاد على الثلاث فسد . وجه قول ابن أبي ليلى، أن الوضوء للصلاة المكتوبة فرض، فكان المضمضة والاستنشاق من ضرورات إكمال الفرض، فكان الخطأ فيهما عذراً، بخلاف صلاة التطوع. وجه قول من(٣) فرق بين الثلاث وما زاد عليه: إن السنة فيهما الثلاث، فكان الخطأ فيهما من ضرورات إقامة السنة فكان عفواً، وأما الزيادة على الثلاث فمن باب الاعتداء، على ما قال النبيُّ وَّ: ((فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ، فَقَدْ تَعَذَّى وَظَلَمَ)) (٤)، فلم يعذر فيه، والكلام مع الشافعي على نحو ما ذكرنا في الإكراه. يؤيد ما ذكرنا أن الماء لا يسبق الحلق في المضمضة والاستنشاق عادة، إلا عند المبالغة فيهما، والمبالغة مكروهة في حق الصائم، قال النبيُّ نَّهَ للقيط بن صبرة: ((بَالِغْ فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ إلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمً»(٥) فكان في المبالغة متعدياً فلم يعذر بخلاف الناسي. (١) في أ: عنده. (٢) في أ: كيفما. (٣) في أ: زفر. (٤) تقدم في الوضوء. (٥) تقدم في الوضوء. ٦٠٢ كِتَاب الصَّوم ولو احتلم في نهار رمضان فأنزل، لم يفطره؛ لقول النبي - وَال﴾ -: ((ثَلاَتٌ لاَ يُفَطُّزْنَ الصَّائِمُ: القَيْءُ؛ والحِجَامَةُ، وَالاخْتِلاَمُ)) (١)؛ ولأنه لا صنع له فيه فيكون كالناسي، ولو نظر إلى امرأة وتفكر فأنزل - لم يفطره. وقال مالك: إن تتابع نظره فطره؛ لأن التتابع في النظر كالمباشرة. ولنا: أنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى؛ لعدم الاستمتاع بالنساء، فأشبه الاحتلام بخلاف المباشرة، ولو كان يأكل أو يشرب ناسياً ثم تذكر، فألقى اللقمة، أو قطع الماء، أو كان يتسحر فطلع الفجر وهو يشرب الماء فقطعه، أو يأكل فألقى اللقمة - فصومه تام؛ لعدم الأكل والشرب بعد التذكر والطلوع، ولو كان يجامع امرأته في النهار ناسياً لصومه فتذكر، فنزع من ساعته، أو كان يجامع في الليل فطلع الفجر وهو مخالط، فنزع من ساعته - فصومه تام. وقال زفر: فسد صومه، وعليه القضاء. وجه قوله: إن جزءاً من الجماع حصل بعد طلوع الفجر والتذكر، وأنه يكفي لفساد الصوم؛ لوجود المضادة له وإن قل. ولنا: أن الموجود منه بعد الطلوع والتذكر هو النزع، والنزع ترك الجماع، وترك الشيء لا يكون محصلاً(٢) له، بل يكون اشتغالاً بضده، فلم يوجد منه الجماع بعد الطلوع والتذكر رأساً؛ فلا يفسد صومه؛ ولهذا لم يفسد في الأكل والشرب كذا في الجماع. وهذا إذا نزع بعد ما تذكر أو بعد ما طلع الفجر، فأما إذا لم ينزع وبقي - فعليه القضاء، ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الطلوع والتذكر. فقال في الطلوع: عليه الكفارة. وفي التذكر: لا كفارة عليه وقال الشافعي: عليه القضاء والكفارة فيهما جميعاً. وجه قوله: أنه وجد الجماع في نهار رمضان متعمداً لوجوده بعد طلوع الفجر والتذكر؛ فيوجب القضاء والكفارة. وجه رواية أبي يوسف: وهو الفرق بين الطلوع والتذكر أن في الطلوع ابتداء الجماع كان عمداً، والجماع جماع واحد بابتدائه وانتهائه، والجماع العمد يوجب الكفارة، وأما في التذكر فابتداء الجماع كان ناسياً؛ وجماع الناسي لا يوجب فساد الصوم فضلاً عن وجوب الكفارة. (١) أخرجه الترمذي (٩٧/٣) كتاب الصوم: باب ما جاء في الصائم بذرعه القيء حديث (٧١٩). (٢) في أ: تحصيلاً. ٦٠٣ كِتَاب الصَّوم وجه ((ظاهر الرواية)): أن الكفارة إنما تجب بإفساد الصوم، وإفساد الصوم يكون بعد وجوده، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم، فإذا امتنع وجوده استحال الإفساد؛ فلا تجب الكفارة، ووجوب القضاء لانعدام صومه اليوم لا لإفساده بعد وجوده/، ولأن هذا جماع لم ١٢٠٩ يتعلق بابتدائه وجوب الكفارة، فلا يتعلق بالبقاء عليه؛ لأن الكل فعل واحد وله شبهة الاتحاد، وهذه الكفارةُ لا تجب مع الشبهة لما نذكره. ولو أصبح جنباً في رمضان - فصومه تام عند عامة الصحابة مثل: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وابن عباس، وابن عمر، ومعاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنهم. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّهُ لاَ صَوْمَ لَهُ))، واحتجَّ بما روي عن النبيِّ - اَلر - أنه قال: ((مَنْ أَصْبَحَ جُنُباً، فَلاَ صَوْمَ لَهُ(١) وَرَبِّ الْكَعْبَةَ))(٢) قاله راوي الحديث، وأكده بالقسم. ولعامة الصحابة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامَ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾ إلى قوله: ﴿قَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أحل الله - عز وجل - الجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وإذا كان الجماع في آخر الليل يبقى الرجل جنباً بعد طلوع الفجر لا محالة، فدل أن الجنابة لا تضر الصوم. وأما حديث أبي هريرة: فقد ردته عائشة وأم سلمة - رَضِي الله عَنْهُمَا -، فقالت عائشة: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ وَ - يُصْبِحَ جُنُبَاً مِنْ غَيْرِ اخْتِلاَمِ، ثُمَّ يُتِمُّ صَوْمَهُ ذَلِكَ مِنْ رَمَضَانَ))(٣) وقالتْ أم سلمةً ((كان رسولُ الله - وَلِّ - يُصْبِحُ جُنُباً مِنَ قِرَافٍ)) أي: جماع مع أنه خبر واحد وَرَدَ مخالفاً للكتاب. (١) في أ: ورب محمد. (٢) أخرجه البخاري (٤٣/٤) كتاب الصيام: باب الصائم يصبح جنباً، حديث (١٩٢٦) أو مسلم (٧٧٩/٢) كتاب الصيام: باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر حديث (١١٠٩/٧٥). (٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٣): كتاب الصيام: باب الصائم يصبح جنباً، حديث (١٩٢٥، ٢١٩٢٦)، ومسلم (٢/ ٧٨٠، ٧٨١): كتاب الصيام: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر، وهو جنب، حديث (٧٨/ ١١٠٩)، ومالك (٢٩١/١): كتاب الصيام: باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنباً في رمضان، حديث (١٢)، وأحمد (٣٦/٦)، وأبو داود (٧٢٦/١) كتاب الصيام: باب فيحسن أصبح جنباً في رمضان حديث (٢٣٨٨) والترمذي (١٤٩/٣) كتاب الصوم: باب ما جاء في الجنب يدركه الفجر وهو يريد الصوم حديث (٧٧٩) والدارمي (٣٤٥/١) والحميدي (١٠١/١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٣/٢) وابن الجارود (٣٩٢) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة به. ٦٠٤ كِتَاب الصَّوْم ولو نوى الصائم الفطر، ولم يحدث شيئاً آخر سوى النية - فصومه تام، وقال الشافعي : بطل صومُه. وجه قوله: إن الصوم لا بد له من النية، وقد نقض نية الصوم بنية ضده وهو الإفطار؛ فبطل صومه لبطلان شرطه . ولنا: أن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشّرع ما لم يتصلْ بِه الفعل؛ لقول النبي - وَل ـ: (إنَّ الله تَعَالَى عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ؛ مَّا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَفْعَلُوا))(١) ونية الإفطار لم يتصل به الفعل، وبه تبين أنه ما نقض نية الصوم بنية الفطر؛ لأن نية الصوم نية اتصل بها الفعل، فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل، على أن النية شرط انعقاد الصوم، لا شرط بقائه منعقداً - ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان والغفلة. ولو ذرعه القيء لم يفطره سواء كان أقل من ملء الفم أو كان ملء الفم؛ لقول النبيِّ - وَلَّم -: ((ثَلاَثٌ لاَ يُفَطُزْنَ الصَّائِمَ، القَيْءُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالاخْتِلاَمُ))(٢). وقوله: ((مَنْ قَاءَ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ))(٣)، ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه، بل يأتيه (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) أخرجه أبو داود (٧٧٦/٢): كتاب الصوم: باب الصائم يستقيء عامداً، حديث (٢٣٨٠)، والترمذي (٢/ ١١١): كتاب الصوم: باب ما جاء فيمن استقاء عمداً، حديث (٧١٦)، وابن ماجة (٥٣٦/١): كتاب الصيام: باب ما جاء في الصائم يقيء، حديث (١٦٧٦)، وأحمد (٤٩٨/٢)، والدارمي (١٤/٢): كتاب الصوم: باب الرخصة فيه [في القيء]، وابن الجارود ص (١٤٠): باب الصيام، حديث (٣٨٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٧/٢): كتاب الصيام: باب الصائم يقيء، والدار قطني (١٨٤/٢): كتاب الصيام: باب القبلة للصائم، حديث (٢٠) والحاكم (٤٢٧/١): كتاب الصوم، والبيهقي (٤/ ٢١٩): كتاب الصيام: باب من ذرعه القيء لم يفطر ومن استقاء أفطر. وابن خزيمة (٢٢٦/٣) رقم (١٩٠٦) وابن حبان (٩٠٧ - موارد) والبغوي في «شرح السنة)) (٤٨٨/٣ - بتحقيقنا) من طريق عيسى بن يونس قال: ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان. وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات. أما الترمذي فقال: حديث أبي هريرة حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ إلا من حديث عيسى بن يونس وقال محمد - يعني البخاري - لا أراه محفوظاً. وقد توبع عيسى بن يونس عليه تابعه حفص بن غياث. أخرجه ابن ماجة (٥٣٦/١) كتاب الصيام: باب ما جاء في الصائم يقيء حديث (١٦٧٦) وابن خزيمة (٢٢٦/٣) رقم (١٩٦١) والحاكم (٤٢٦/١) والبيهقي (٢١٩/٤) من طريقه عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. = ٦٠٥ كِتَاب الصَّوم على وجه لا يمكنه دفعه فأشبه الناسي؛ ولأن الأصل ألا يفسد الصوم بالقيء سواء ذرعه أو تقيأ، لأن فساد الصوم متعلق بالدخول شرعاً؛ قال النبيُّ - وَرَ -: ((الفِطْرُ مِمَّا يَدْخُلُ، وَالوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ))(١)، علق كل جنس الفطر بكل ما يدخل، ولو حصل لا بالدخول لم يكن كل جنس الفطر معلقاً بكل ما يدخل، لأن الفطر الذي يحصل بما يخرج لا يكون ذلك الفطر حاصلاً بما يدخل، وهذا خلافُ النص، إلا أنا عرفنا الفساد بالاستيقاء بنص آخر، وهو قولُ النبيِّ - وَلَّ -: (وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاء))(٢) فبقي الحكم في الذرع على الأصل، ولأنه لا صنع له في الذرع وهو سبق القيء، بل يحصل بغير قصده واختياره، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه؛ فلهذا لا يؤاخذ الناسي بفساد الصوم فكذا هذا، لأن هذا في معناه بل أولى؛ لأنه لا صنع له فيه أصلاً بخلاف الناسي على ما مر. فإن عاد إلى جوفه فإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد بلا خلاف. وإن كان ملء الفم، فذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أن في قول أبي يوسف: يفسد، وفي قول محمد: لا يفسد، وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) الاختلاف على العكس، فقال في قول أبي يوسف: لا يفسد، وفي قول محمد: يفسد. وجه قول من قال: يفسد؛ أنه وجد المفسد وهو الدخول في الجوف؛ لأن القيء ملء الفم له حكم الخروج؛ بدليل انتقاض الطهارة [به](٣)، والطهارة لا تنتقض إلا بخروج النجاسة، فإذا عاد فقد وجد الدخول، فيدخل تَحْتَ قول النبيِّ - وََّ -: ((والفِطْرُ مِمَّا يَدْخُلُ))(٤) وصححه ابن خزيمة . = وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٨/٣) وأبو يعلى (٤٨٢/١١) رقم (٦٦٠٤). والدارقطني (١٨٤/٢، ١٨٥) من طريق عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة به. وهذا سند ضعيف جداً عبد الله بن سعيد المقبري متروك الحديث. وفي الباب عن ابن عمر موقوفاً: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٠٤) كتاب الصيام: باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات رقم (٤٧) من طريق نافع عنه قال: ((من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء)). وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٧٥٥١) وابن أبي شيبة (٣٨/٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٨/٢). (١) قال في الكشف: (١٨٣٠): رواه أبو يعلى عن عائشة وعلقه البخاري عن ابن عباس من قوله. (٢) تقدم. (٣) سقط في ط . (٤) تقدم. ٦٠٦ كِتَاب الصَّوم وجه قول من قال: لا يفسد: أن العود ليس صنعه، بل هو صنع الله تعالى على طريق التمحض يعني به مصنوعه، لا صنع للعبد فيه رأساً، فأشبه ذرع القيء، وأنه غير مفسد؛ كذا عود القيء فإن أعاده فإن كان ملء الفم - فسد صومه بالاتفاق؛ لوجود الإدخال متعمداً؛ لما ذكرنا أن للقيء ملء الفم حكم الخروج حتى يوجب انتقاض الطهارة، فإذا أعاده فقد أدخله في الجوف عن قصد، فيوجب فساد الصوم، وإن كان أقل من ملء الفم ففي قول أبي يوسف: لا يفسد، وفي قول محمد: يفسد. وجه قول محمد أنه وجد الدخول إلى الجوف بصنعه، فيفسد، ولأبي يوسف: أن ٢٠٩ب الدخول إنما يكون بعد الخروج، وقليل القيء ليس له حكم الخروج؛ بدليل عدم انتقاض/ الطهارة به، فلم يوجد الدخول فلا يفسد. هذا الذي ذكرنا كله إذا ذرعه القيء، فأما إذا استقاء فإن كان ملء الفم يفسد صومه بلا خلاف، لِقَوْلِ النبيِّ وَلَهُ: ((وَمَن أَسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ))(١)، وإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد في قول أبي يوسف، وعند محمد: يفسد، واحتج بقول النبي وََّ ـ: ((وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاء»، مطلقاً من غير فصل بين القليل والكثير. وجه قول أبي يوسف ما ذكرنا أن الأصل ألا يفسد الصوم إلا بالدخول بالنص الذي روينا، ولم يوجد ههنا فلا يفسد، والحديثُ محمول على الكثير؛ توفيقاً بين الدليلين بقدر الإمكان . ثم كثير المستقاء لا يتفرع عليه العود والإعادة؛ لأن الصوم قد فسد بالاستقاء، وكذا قليله في قول محمد؛ لأن عنده فسد الصوم بنفس الاستقاء وإن كان قليلاً، وأما على قول أبى يوسف فإن عاد لا يفسد، وإن أعاده ففيه عن أبي يوسف روايتان: في رواية يفسد، وفي رواية: لا يفسد. وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر؛ بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه، فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ - فسد صومه، أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه؛ لوجود الأكل من حيث الصورة، وكذا إذا وصل إلى الدماغ؛ لأن له منفذاً إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف. وقد روي عن النبيِّ - ◌ََّ ـــ أنه قَالَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: (بَالِغْ فِي المَضْمَضَة وَالاسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً)(٢) ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم، وإلا لم يكن للاستثناء معنى. (١) تقدم. (٢) تقدم. ٦٠٧ كِتَاب الصَّوم ولو وصل إلى الرأس ثم خرج - لا يفسد؛ بأن استعط بالليل ثم خرج بالنهار؛ لأنه لما خرج علم أنه لم يصل إلى الجوف أو لم يستقر فيه. وأما ما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن غير المخارق الأصلية؛ بأن داوى الجائفة والآمة، فإن داواها بدواء يابس: لا يفسدِ، لأنه لم يصل إلى الجوف ولا إلى الدماغ، ولو علم أنه وصل: يفسد في قول أبي حنيفة، وإن داواها بدواء رطب: يفسد عند أبي حنيفة (١)، وعندهما: لا يفسد، هما اعتبرا المخارق الأصلية؛ لأن الوصول إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به، ومن غيرها مشكوك فيه فلا نحكم بالفساد مع الشك. ولأبي حنيفة: إن الدواء إذا كان رطباً، فالظاهر هو الوصول؛ لوجود المنفذ إلى الجوف، فيبنى الحكم على الظاهر، وأما الإقطار في الإحليل فلا يفسد في قول أبي حنيفة، وعندهما: يفسد، قيل: إن الاختلاف بينهم بناء على أمر خفي، وهو كيفية خروج البول من الإحليل، فعندهما: أن خروجه منه؛ لأن له منفذاً، فإذا قطر فيه يصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن. وعند أبي حنيفة: إن خروج البول منه من طريق الترشح (٢) كترشح الماء من الخزف الجديد، فلا يصل بالإقطار فيه إلى الجوف، والظاهر أن البول يخرج منه خروج الشيء من منفذه كما قالا . وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما، وعلى هذه الرواية اعتمد أستاذي - رحمه الله. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))، وقول محمد مع أبي حنيفة. وأما الإقطار في قُبُلِ المرأة فقد قال مشايخنا: إنه يفسد صومها بالإجماع؛ لأن لمسانتها مَنْفَذاً، فيصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن، ولو طعن برمح فوصل إلى جوفه أو إلی دماغه، فإن أخرجه مع (٣) النصل لم يفسد، وإن بقي النصل فيه يفسد، وكذا قالوا فيمن ابتلع لحماً مربوطاً على خيط ثم انتزعه من ساعته: إنه لا يفسد، وإن تركه فسد، وكذا روي عن محمد في الصائم إذا أدخل خشبة في المقعد أنه لا يفسد صومه، إلا إذا غاب طرفا الخشبة، وهذا يدل على أن استقرار الداخل في الجوف شرط فساد الصوم. ولو أدخل أصبعه في دبره قال بعضهم: يفسد صومه. وقال بعضهم: لا يفسد، وهو قول الفقيه أبي الليث؛ لأن الأصبع ليست بآلة الجماع (١) في أ: في قول عند أبي حنيفة. (٢) في أ: الترشيح. (٣) في أ: قبل. ٦٠٨ كِتَاب الصَّوم فصارت كالخشب [إلا أن يكون الأصبع مبلولاً، هكذا قالوا]، ولو اكتحل الصائم لم يفسد، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء. وقال ابن أبي ليلى: يفسد. وجه قوله؛ أنه لما وجد طعمه في حلقه، فقد وصل إلى جوفه. ولنا: ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولَ - وَلَّهِ - فِي رَمَضَانَ، وَعَيْنَاهُ مَمْلوءَتَانِ كُخْلاً، كَحَلَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَة))، ولأنه لا منفذ من العين إلى الجوف ولا إلى الدماغ، وما وجد من طعمه فذاك أثره لا عينه، وأنه لا يفسد كالغبار والدخان، وكذا لو دهن رأسه أو أعضاءه فتشرب فيه، أنه لا يضره؛ لأنه وصل إليه الأثر لا العين، ولو أكل حصاة أو نواه أو خشباً أو حشيشاً أو نحو ذلك، مما لا يؤكل عادة، ولا يحصل به قوام البدن ـ يفسد صومه؛ لوجود الأكل صورة. ولو جامع امرأته/ فيما دون الفرج فأنزل، أو باشرها أو قبلها أو لمسها بشهوة، فأنزل - يفسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وكذا إذا فعل ذلك فأنزلت المرأة؛ لوجود الجماع من حيث المعنى، وهو قضاء الشهوة بفعله وهو المس، بخلاف النظر فإنه ليس بجماع أصلاً لأنه ليس بقضاء للشهوة، بل هو سبب لحصول الشهوة على ما نطق به الحديث: ((إيَّاكُمْ وَالنَّضْرَةَ، فَإِنَّهَا تَزْرَعُ فِي القَلْبِ الشَّهْوَةَ»(١) . ١٢١١ ولو عالج ذكره فأمنى، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يفسد، وقال بعضهم: يفسد، وهو قول محمد بن سلمة والفقيه أبي الليث - رحمهما الله - لوجود قضاء الشهوة، بفعله، فكان جماعاً من حيث المعنى، وعن محمد فيمن أولج ذكره في امرأته قبل الصبح، ثم خشي الصبح فانتزع منها، فأمنى بعد الصبح - أنه لا يفسد صومه، وهو بمنزلة الاحتلام. ولو جامع بهيمة فأنزل فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه، لأنه وإن وجد الجماع صورة ومعنى وهو قضاء(٢) الشهوة، لكن على سبيل القصور لسعة المحل، ولو جامعها ولم ينزل: لا يفسد. (١) له شاهد من حديث علي. أخرجه أحمد (٣٥٣/٥-٣٥٧) وأبو داود (٦١٠/٢) كتاب النكاح - باب ما يؤمر به من غض البصر - حديث (٢١٤٩) والترمذي (١٠١/٥) كتاب الأدب - باب ما جاء في نظرة المفاجأة - حديث (٢٧٧٧). والبيهقي (٧/ ٩٠) كتاب النكاح - باب ما جاء في نظر الفجاءة من حديث علي. (٢) في أ: اقتضاء. ٦٠٩ كِتَاب الصَّوْم ولو حاضت المرأة أو نفست بعد طلوع الفجر - فسد صومهما؛ لأن الحيض والنفاس منافيان للصوم؛ لمنافاتهما أهلية الصوم شرعاً، بخلاف القياس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما بينا فيما تقدم، بخلاف ما إذا جن إنسان بعد طلوع الفجر أو أغمي عليه، وقد كان نوى من الليل - أن صومه ذلك اليوم جائز؛ لما ذكرنا أن الجنون والإغماء لا ينافيان أهلية الأداء، وإنما ينافيان النية بخلاف الحيض والنفاس - والله تعالى أعلم. فصل في حكم من أفسد صومه وأما حكم فساد الصوم، ففساد الصوم يتعلق به أحكام: بعضها يعم الصيامات كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض، أما الذي يعم الكل: فالإثم إذا أفسد بغير عذر؛ لأنه أبطل عمله من غير عذر، وإبطال العمل من غير عذر حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقال الشافعي كذلك، إلا في صوم التطوع بناء على أن الشروع في التطوع موجب(١) للإتمام عندنا، وعنده ليس بموجب، والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة، وإن كان بعذر لا يأثم، وإذا اختلف الحكم بالعذر فلا بد من معرفة الأعذار المسقطة للإثم والمؤاخذة، فنبينها بتوفيق الله تعالى، فنقول : هي المرض، والسفر، والإكراه، والحبل، والرضاع، والجوع، والعطش، وكبر السن، لکن بعضها مرخص، وبعضها مبیح مطلق لا موجب، کما فيه خوف زیادة ضرر دون خوف الهلاك فهو مرخص، وما فيه خوف الهلاك فهو مبيح مطلق بل موجب، فنذكر جملة ذلك فنقول . أما المرض: فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت الإشارة في ((الجامع الصغير)) فإنه قال في رجل خاف إن لم يفطر تزداد عيناه وجعاً أو حُماه شدة - أفطر، وذكر الكرخي في ((مختصره)): أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت، أو زيادة العلة، كائناً ما كانت العلة. وروي عن أبي حنيفة: أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعداً - فلا بأس به يفطر، والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك؛ لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة؛ لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب، والوجوب لا يبقى في هذه الحالة وأنه حرام، فكان الإفطار مباحاً بل واجباً. (١) في أ: يوجب. بدائع الصنائع ج٢ - م٣٩ ٦١٠ كِتَاب الصَّوْم وأما السفر: فالمرخص منه هو مطلق السفر المقدر، والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فمن كان منكم مريضاً، أو على سفر، فأفطر بعذر المرض والسفر - فعدة من أيام أخر، دل أن المرض والسفر سببا الرخصة، ثم السفر والمرض، وإن أطلق ذكرهما في الآية، فالمراد منهما المقيد، لأن مطلق السفر ليس بسبب الرخصة؛ لأن حقيقة السفر هو الخروج عن الوطن أو الظهور، وذا يحصل بالخروج إلى الضيعة، ولا تتعلق به الرخصة، فعلم أن المرخص سفر مقدر بتقدير معلوم، وهو الخروج عن الوطن على قصد مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً عندنا، وعند الشافعي: يوم وليلة، وقد مضى الكلام في تقديره في ((كتاب الصلاة)). وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة، لأن الرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم؛ تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما؛ على ما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويخففه، ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل، بل الأكل يضره ويشتد عليه، ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله، والتضييق بما يشتد عليه. وفي الآية دلالة وجوب القضاء على من أفطر بغير عذر؛ لأنه لما وجب القضاء على المريض والمسافر، مع أنهما أفطرا بسبب العذر المبيح للافطار - فلأن يجب على غير ذي العذر أولى. ٢١١ب وسواء كان السفر سفر طاعة أو مباح أو معصية عندنا/ . وعند الشافعي: سفر المعصية لا يفيد الرخصة، والمسألة مضت في ((كتاب الصلاة))، والله أعلم. وسواء سافر قبل دخول شهر رمضان أو بعده - أن له أن يترخص، فيفطر عند عامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - أنه إذا أهل في المصر ثم سافر - لا يجوز له أن يفطر. وجه قولهما: أنه لما استهل في الحضر لزمه صوم الإقامة؛ وهو صومُ الشهر حتماً، فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه، فلا يملك ذلك، كاليوم الذي سافر فيه أنه لا يجوز له أن يفطر فیه لما بيّنا، كذا هذا. ولعامة الصحابة - رضي الله عنهم - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، جعل الله مطلق السفر سبب الرخصة، ولأن السفر إنما كانّ سبب الرخصة لمكان المشقة، وأنها توجد في الحالين، فتثبت الرخصة في الحالين جميعاً. ٦١١ كِتَاب الصَّوم وأما وجه قولهما: إن بالإهلال في الحضر لزمه صوم الإقامة، فنقول: نعم إذا أقام، أما إذا سافرِ يلزمه صوم السفر، وهو أن يكون فيه رخصة الإفطار، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، فكان ما قلناه عملاً بالآيتين، فكان أولى، بخلاف اليوم الذي سافر فيه؛ لأنه كان مقيماً في أول اليوم، فدخل تحت خطاب المقيمين في ذلك اليوم، فلزمه إتمامه حتماً . فأما اليوم الثاني والثالث فهو مسافر، فلا يدخل تحت خطاب المقيمينٍ، ولأن من المشايخ من قال: إن الجزء الأول من كل يوم سبب لوجوب صوم ذلك اليوم، وهو كان مقيماً في أول الجزء، فكان الجزء الأول سبباً لوجوب صوم الإقامة، وأما في اليوم الثاني والثالث فهو مسافر فيه، فكان الجزء الأول في حقه سبباً لوجوب صوم السفر، فيثبت الوجوب مع رخصة الإفطار. ولو لم يترخص المسافر وصام رمضان - جاز صومه، وليس عليه القضاء في عدة من أيام أخر، وقال بعض الناس: لا يجوز صومه في رمضان، ولا يعتد به ويلزمه القضاء. وحكى القدوري فيه اختلافاً بين الصحابة، فقال: يجوز صومه في قول أصحابنا، وهو قول علي، وابن عباس، وعائشة، وعثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله عنهم، وعند عمر، وابن عمر، وأبي هريرة - رضي الله عنهم: لا يجوز، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أمر المسافر بالصوم في أيام أخر مطلقاً، سواء صام في رمضان أو لم يصم، إذ الإفطار غير مذكور في الآية، فكان هذا من الله تعالى جعل وقت الصوم في حق المسافر أياماً أخر، وإذا صام في رمضان فقد صام قبل وقته - فلا يعتد به في منع لزوم القضاء. وروي عن النبيِّ - نَّهِ - أنه قال: ((مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِم))، والمعصية مضادَّة للعبادة، وَرُوِيَ عنه - بَّرَ - أنه قال: ((الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالمُفْطِرِ فِي الَخَّضَرِ))(١)، فقد حقق له حكم الإفطار. ولنا: ما روي أن رسول الله - وَلّ - صام في السفر، وروي أنه أفطر، وكذا روي عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم صاموا في السفر، وروي أنهم أفطروا، حتى روي أن علياً - رضي الله عنه - أهل هلال رمضان وهو يسير إلى نهروان، فأصبح صائماً، ولأن الله تعالى جعل المرض والسفر من الأعذار المرخصة للإفطار، تيسيراً وتخفيفاً على أربابها وتوسيعاً (١) أخرجه ابن ماجه (٥٣٢/١) كتاب الصيام باب ما جاء في الإفطار في السفر. حديث (١٦٦٦). ٦١٢ كِتَاب الصَّوم عليهم، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر، ولا يجوز في السفر - لكان فيه تعسير وتضييق عليهم، وهذا يضاد موضوع الرخصة، وينافي معنى التيسير؛ فيؤدي إلى التناقض في وضع الشرع، تعالى الله عن ذلك. ولأن السفر لما كان سبب الرخصة، فلو وجب القضاء مع وجود الأداء - لصار ما هو سبب الرخصة سبب زيادة فرض لم يكن في حق غير صاحب العذر، وهو القضاء مع وجود الأداء فيتناقض، ولأن جواز الصوم للمسافر في رمضان مجمع عليه، فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف فيه بين الصحابة - رضي الله عنهم -، والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني، بل الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عندنا، على ما عرف في أصول الفقه . وبه(١) تبين أن الإفطار مضمر في الآية، وعليه إجماع أهل التفسير، وتقديرها: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر - فعدة من أيام أخر، وعلى ذلك يجري ذلك المرخص على أنه ذكر الحظر في القرآن. قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَخْمُ الخِنْزِيرِ .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣] أي: من اضطر فأكل؛ لأنه لا إثم يلحقه بنفس الاضطرار،َ وقال تعالى: ﴿وَأَتِّمُوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لله فَإِن أُخْضِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذي﴾، فإن أحصرتم فأحللتم فما استيسر من الهدي؛ لأنه معلوم أنه على النسك من الحج ما لم يوجد إلا حلال وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَخْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مِحَلَّهُ فَمَنْ/ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذْى مِنْ رَأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه، فحلق ودفع الأذى عن رأسه، فقدية من صيام، ونظائره كثيرة في القرآن . ١٢١٢ والحديثان محمولان على ما إذا كان الصوم يجهده ويضعفه، فإذا لم يفطر في السفر في هذه الحالة صار كالذي أفطر في الحضر؛ لأنه يجب عليه الإفطار في هذه الحالة؛ لما في الصوم في هذه الحالة من إلقاء النفس إلى التهلكة، وأنه حرام. ثم الصوم في السفر أفضل من الإفطار عندنا، إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه. وقال الشافعي: الإفطار أفضل؛ بناء على أن الصوم في السفر عندنا عزيمة، والإفطار رخصة وعند الشافعي على العكس من ذلك؛ وذكر القدوري في المسألة اختلاف الصحابة، فقال: روي عن حذيفة وعائشة وعروة بن الزبير مثل مذهبنا، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مثل مذهبه، واحتج بما روينا من الحديثين في المسألة الأولى. (١) في ط: وبين تبين. - ٦١٣ كِتَاب الصَّوم ولنا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ) إلى قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. والاستدلال بالآية من وجوه: أحدها: أنه أخبر أن الصيام مَكتوب على المؤمنين عاماً، أي: مفروض؛ إذ الكتابة هي الفرض لغة. والثاني: أنه أمر بالقضاء عند الإفطار بقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والأمر بالقضاء عند الإفطار دليل الفرضية من وجهين. أحدهما: أن القضاء لا يجب في الآداب، وإنما يجب في الفرائض. والثاني: أن القضاء بدل عن الأداء، فيدل على وجوب الأصل. والثالث: أن الله تعالى مَنَّ علينا بإباحة(١) الافطار بعذر المرض والسفر؛ بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، أي: يريد الإذن لكم بالإفطار للعذر، ولو لم يكن الصوم فرضاً لم يكن للامتنان بإباحة الفطر معنى؛ لأن الفطر مباح في صوم النفل بالامتناع عنه . والرابع: أنه قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ شرط إكمال العدة في القضاء، وهو (٢) دليل لزوم حفظ المتروك؛ لئلا يدخل التقصير في القضاء، وإنما يكون ذلك في الفرائضٍ، وروي عَن النبيِّ - ◌ََّ - أنه قال: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إلى شِبَعِ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ))(٣)، أمر المسافر بصوم رمضان إذا لم يجهده الصوم. فثبت بهذه الدلائل أن صوم رمضان فرض على المسافر إلا أنه رخص له الإفطار، وأثر الرخصة في سقوط المأثم لا في سقوط الوجوب، فكان وجوب الصوم عليه هو الحكم الأصلي، وهو معنى العزيمة . وروي عن أنس - رضي الله عنه - عن النبيِّ - وََّ - أنه قال: ((المُسَافِرُ إِنْ أَفْطَرَ فَرُخْصَةٌ، وَإِنْ يَصُمْ فَهُوَ أَفْضَلُ))(٤)، وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل، وما ذكرنا من الدلائل في هذه المسألة حجة في المسألة الأولى؛ لأنها تدل على وجوب الصوم على المسافر في رمضان، وما لا يعتد به لا يجب. (١) في أ: في إباحة. (٢) في أ: وهذا. (٣) أخرجه أحمد (٤٧٦/٣) وابن الجوزي في العلل (٤٨/٢). (٤) تقدم. ٦١٤ كِتَاب الصَّوم والجواب عن تعلقه بالحديثين ما ذكرناه في المسألة الأولى، أنهما يحملان على حال خوف التلف على نفسه لو صام، عملاً بالدلائل أجمع بقدر الإمكان، وهذا الذي ذكرنا من وجوب الصوم على المسافر في رمضان، ـ قول عامة مشايخنا، وعند بعضهم: لا وجوب على المسافر في رمضان، والإفطار مباح مطلقاً له، لأنه ثبت رخصة وتيسير عليه، ومعنى الرخصة وهو التيسير والسهولة في الإباحة المطلقة - أكمل؛ لما فيه من سقوط الحظر والمؤاخذة جميعاً، إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة يعود حكم العزيمة. لكن مع هذا الصوم في حقه أفضل من الإفطار، لما روينا من حديث أنس - رضي الله عنه - وأما المبيح المطلق من السفر، فما فيه خوف الهلاك بسبب الصوم. والإفطار في مثله - واجب فضلاً عن الإباحة، لما ذكرنا في المرض. وأما الإكراه على إفطار صوم شهر رمضان بالقتل في حق الصحيح المقيم - فمرخص، والصوم أفضل، حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل - يثاب عليه؛ لأنه الوجوب ثابت حالة الإكراه، وأثر الرخصة في الإكراه في سقوط المأثم بالترك، لا في سقوط الوجوب، بل بقي الوجوب ثابتاً والترك حراماً، وإذا كان الصوم واجباً حالة الإكراه، والإفطار حراماً - كان حق الله تعالى قائماً، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حق الله تعالى طلباً لمرضاته، فكان مجاهداً في دینه، فيثاب عليه. وأما في حق المريض والمسافر فالإكراه مبيح مطلق في حقهما، بل موجب، والأفضل هو الإفطار، بل يجب عليه ذلك، ولا يسعه ألا يفطر حتى لو امتنع من ذلك فقتل يأثم. ووجه الفرق أن في الصحيح المقيم الوجوب كان ثابتاً قبل الإكراه، من غير رخصة الترك أصلاً، فإذا جاء الإكراه وأنه من أسباب الرخصة فكان أثره في إثبات رخصة الترك لا في إسقاط ٢١٢ ب الوجوب، فكان الوجوب قائماً، فكان حق/ الله تعالى قائماً، فكان بالامتناع باذلاً نفسه لإقامة حق الله تعالى، فكان أفضل كما في الإكراه على إجراء كلمة الكفر، والإكراه على إتلاف مال الغير، فأما في المريض والمسافر فالوجوب مع رخصة الترك كان ثابتاً قبل الإكراه، فلا بد وأن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتاً قبله، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأساً، وإثبات الإباحة المطلقة، فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة، وهناك يباح له الأكل بل يجب عليه؛ كذا هنا والله أعلم. وأما حبل المرأة وإرضاعها إذا خافتا الضرر بولدهما فمرخص، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد بينا أنه ليس المراد عين المرض؛ فإن المريض الذي لا يضره الصوم ليس له أن يفطر، فكان ذكر المرض كناية عن أمر يضر الصوم معه، وقد وجد ههنا؛ فيدخلان تحت رخصة الإفطار. ٦١٥ كِتَاب الصَّوم وقد روي عن النبيِّ - وَلّه ◌ِ أنه قَالَ: ((يُفْطِرُ المَرِيضُ، وَالحُبْلَى إِذَا خَافَتْ أَنْ تَضْعَ وَلَدَها، وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتِ الفَسَادَ عَلَى وَلَدِهَا))، وقد رُوِيَ [عن أنس](١) عن النبي - وَّر - أنه قال: ((إنَّ الله وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاَةِ، وَعَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ الصِّيَامَ))(٢)، وعليهما القضاء ولا فدیة علیهما عندنا . وقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لكل يوم مُدٍّ من حنطة، والمسألة مختلفة بين الصحابة والتابعين، فروي عن علي من الصحابة والحسن من التابعين؛ أنهما يقضيان ولا يفدیان؛ وبه أخذ أصحابنا . وروي عن ابن عمر من الصحابة، ومجاهد من التابعين؛ أنهما يقضيان ويفديان، وبه أخذ الشافعي . احتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلتا تحت الآية، فتجب عليهما الفدية . ولنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ... ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، أوجب على المريض القضاء فمن ضم إليه الفدية فقد زاد على النص، فلا يجوز إلا بدليل، ولأنه لما لم يوجب غيره دل أنه كل حكم لحادثة؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وقد ذكرنا أن المراد من المرض المذكور ليس صورة المرض، بل معناه، وقد وجد في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما، فيدخلان تحت الآية، فكان تقدير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً﴾، فمن كان منكم به معنى يضره الصوم، ﴿أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فقد قيل في بعض وجوه التأويل: إن ((لا)) مضمرة في الآية، معناه: وعلى الذين لا يطيقونه، وأنه جائز في اللغة قال الله تعالى: ﴿يُبِيِّنُ اللهَ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لا تضلوا، وفي بعض القرآآت: ((وَعَلَى الَّذِينَ يطوقونه ولا يطيقونه))، على أنه لا حجة له في الآية، لأن فيها شرع الفداء مع الصوم على سبيل التخيير دون الجمع بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان حتماً بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعنده يجب الصوم والفداء جميعاً، دل أنه لا حجة له فيها؛ ولأن الفدية لو وجبت إنما تجب جبراً للفائت، ومعنى الجبر يحصُل بالقضاء، ولهذا لم تجب على المريض والمسافر. (١) سقط في ط. (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٠). ٦١٦ كِتَاب الصَّوم وأما الجوع والعطش الشديد الذي يخاف منه الهلاك - فمبيح مطلق بمنزلة المرض الذي يخاف منه الهلاك بسبب الصوم لما ذكرنا، وكذا كبر السن حتى يباح للشيخ الفاني أن يفطر في شهر رمضان؛ لأنه عاجز عن الصوم، وعليه الفدية عند عامة العلماء، وقال مالك: لا فدية عليه . وجه قوله: إن الله تعالى أوجب الفدية على المطيق للصوم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِين يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وهو لا يطيق الصوم فلا تلزمه الفدية، وما قاله مالك خلاف إجماع السلف، فإن أصحاب رسول الله - يوليو - أوجبوا الفدية على الشيخ الفاني، فكان ذلك إجماعاً منهم. على أن المراد من الآية الشيخ الفاني إما على إضمار حرف ((لا)) في الآية على ما بينا، وإما على إضمار ((كانوا))، أي: وعلى الذين كانوا يطيقونه، أي: الصوم، ثم عجزوا عنه - فدية طعام مسكين. والله أعلم. ولأن الصوم لما فاته مست الحاجة إلى الجابر، وتعذر جبره بالصوم، فيجبر بالفدية، وتجعل الفدية مثلاً للصوم شرعاً في هذه الحالة للضرورة كالقيمة في ضمان المتلفات. ومقدار الفدية مقدار صدقة الفطر، وهو أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مقدار ما يطعم في صدقة الفطر، وقد ذكرنا ذلك في صدقة الفطر، وذكرنا الاختلاف فيه. ثم هذه الأعذار كما ترخص أو تبيح الفطر في شهر رمضان - ترخص أو تبيح في المنذور في وقت بعينه، حتى لو جاء وقت الصوم وهو مريض مرضاً لا يستطيع معه الصوم، أو يستطيع مع ضرر - أفطر وقضى، وأما الذي يخص البعض دون البعض، فأما صوم رمضان فيتعلق بفسادہ حکمان : أحدهما: وجوب القضاء. ١٢١٣ والثاني: وجوب الكفارة، أما وجوب/ القضاء فإنه يثبت بمطلق الإفساد، سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة، وسواء كان عمداً أو خطأ، وسواء كان بعذر أو بغير عذر؛ لأن القضاء يجب جبراً للفائت، فيستدعي فوات الصوم لا غير، والفوات يحصل بمطلق الإفساد، فتقع الحاجة إلى الجبر بالقضاء، ليقوم مقام الفائت، فينجبر الفوات معنى . وأما وجوب الكفارة فيتعلق بإفساد مخصوص، وهو الإفطار الكامل بوجود الأكل أو الشرب أو الجماع صورة ومعنى، متعمداً من غير عذر مبيح ولا مرخص، ولا شبهة الإباحة. ٦١٧ كِتَاب الصَّوم [ونعني بصورة الأكل والشرب ومعناهما](١) إيصال ما يقصد به التغذي أو التداوي إلى جوفه من الفم، لأن به يحصل قضاء شهوة البطن على سبيل الكمال، ونعني بصورة الجماع ومعناه إيلاج الفرج في القبل؛ لأن كمال قضاء شهوة الفرج لا يحصُل إلا به. ولا خلاف في وجوب الكفارة على الرجل بالجماع، والأضْلُ فيه حديثُ الأعرابيِّ، وهو ما رَوَي أن أعرابيًّا جَاءَ إلىْ رَسُولِ اللهِ - وََّ - وَقَال: ((يَا رَسُولَ الله، هَلَكْتُ وَأَهْلَكُتُ، فَقَال: مَاذَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدَاً، وَأَنَا صَائِمٌ! فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً))(٢)، وفي بعض الروايات قال له: ((مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ سَفَرٍ؟ قال: نَعَمْ. فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً)). وأما المرأة فكذلك يجب عليها عندنا إذا كانت مطاوعة، وللشافعي قولان في قول: لا يجب عليها أصلاً، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الرجل. وجه قوله الأول: أن وجوب الكفارة عرف نصاً بخلاف القياس لما نذكر، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة؛ فإنها موطوءة وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس. وجه قوله الثاني: أن الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل، فوجب عليه التحمل کثمن ماء الاغتسال. ولنا: أن النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمداً، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم. ويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء، وقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه، وزعم أن الصومين يتداخلان وهذا غير سديد؛ لأن صوم الشهرين يجب تكفيراً زجراً عن جناية الإفساد، أو رفعاً لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبراً للفائت، فكل واحد منهما شرع لغير ما شُرع له الآخر، فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالإعتاق. وقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - وَ -: ((أمَرَ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْماً)) . ولو جامع في الموضع المكروه - فعليه الكفارة في قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنه يجب به الحد، فلأن تجب به الكفارة أوْلَى، وعن أبي حنيفة روايتان: روى الحسن عنه أنه لا كفارة (١) سقط في أ. (٢) تقدم. ٦١٨ كِتَاب الصَّوم عليه، وروى أبو يوسف عنه: إذا توارت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، وعليه القضاء والكفارة. وجه رواية الحسن: أنه لا يتعلق به وجوب الحد، فلا يتعلق [به] (١) وجوب الكفارة، والجامع أن كل واحد منهما شُرع للزجر، والحاجة إلى الزجر فيما يغلب وجوده وهذا يندر؛ ولأن المحل مكروه فأشبه وطء الميتة. وجه رواية أبي يوسف: أن وجوب الكفارة يعتمد إفساد الصوم بإفطار كامل، وقد وجد لوجود الجماع صورة ومعنى. ولو أكل أو شرب ما يصلح به البدن؛ إما على وجه التغذي أو التداوي متعمداً - فعليه القضاء والكفارة عندنا. وقال الشافعي: لا كفارة عليه. وجه قوله: إن وجوب الكفارة ثبت معدولاً به عن القياس لأن وجوبها لرفع الذنب، والتوبة كافية لرفع الذنب؛ ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه؛ لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون وارداً في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص. ولنا: ما روي عن النبي - وَ﴿ل ـ أنه قال: ((مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّداً - فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ))، وعلى المظاهر الكفارة بنص الكتاب؛ فكذا على المفطر متعمداً. ولنا: أيضاً الاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، أما الاستدلال بها فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت؛ لكونها إفساداً لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر، على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمداً من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجاباً ههنا دلالة. والدليل/ على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: ٢١٣ب أحدهما: مجمل، والآخر مفسر. أما المجمل: فالاستدلال بحديث الأعرابي. (١) سقط في ط. ٦١٩ كِتَاب الصَّوم ووجهه ما ذكرناه في الخلافيات. وأما المفسر؛ فلأن إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلاً وشرعاً؛ لكونه قبيحاً، والكفارة تصلح رافعة له؛ لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة والإيمان، والأعمال الصالحات(١) رافعة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام وهو الله تعالى، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر - كان ذلك إيجاباً لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتاً بالنص، لا بالتعليل والقياس. والله أعلم. وجه (٢) القياس على المواقعة: فهو أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر أما الصلاحية، فلأن من تأمل أنه لو أفطر يوماً من رمضان - لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً - لامتنع منه، وأما الحاجة إلى الزجر؛ فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب والجماع، وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر؛ لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعاً ههنا من طريق الأولى. وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس؛ لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة - لا يفصل بين الكفارة وغيرها. ولو أكل ما لا يتغذى به ولا يتداوى، كالحصاة والنواة والتراب وغيرها - فعليه القضاء، ولا كفارة عليه عند عامة العلماء. وقال مالك: عليه الكفارة؛ لأنه وجد الإفطار من غير عذر. ولنا أن هذا إفطار صورة لا معنى؛ لأن معنى الصوم وهو الكف عن الأكل والشرب الذي هو وسيلة إلى العواقب الحميدة - قائم، وإنما الفائت صورة الصوم، إلا أنا ألحقنا الصورة بالحقيقة، وحكمنا بفساد الصوم احتياطاً. ولو بلع جوزة صحيحة يابسة، أو لوزة يابسة - فعليه القضاء، ولا كفارة عليه؛ لوجود الأكل صورة لا معنى؛ لأنه لا يعتاد أكله على هذا الوجه؛ فأشبه أكل الحصا، ولو مضغ الجوزة أو اللوزة اليابسة، حتى يصل المضغ إلى جوفها حتى ابتلعه - فعليه القضاء والكفارة، كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف؛ لأنه أكل لبها، إلا أنه ضم إليها ما لا يؤكل عادة. (١) في أ: الصالحة. (٢) في أ: وإما. ٦٢٠ كِتَاب الصَّوم وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه لو أكل لوزة صغيرة - فعليه القضاء والكفارة، وقوله في اللوزة محمول(١) على اللوزة الرطبة؛ لأنها مأكولة كلها كالخوخة، ولو أكل جوزة رطبة - فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنه لا يؤكل عادة، ولا يحصل به التغذي والتداوي. ولو أكل عجيناً أو دقيقاً - فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنه لا يقصد بهما التغذي ولا التداوي؛ فلا يفوت معنى الصوم. وذكر في ((الفتاوى)) رواية عن محمد أنه فرق بين الدقيق والعجين، فقال: في الدقيق القضاء والكفارة، وفي العجين القضاء دون الكفارة، ولو قضم حنطة فعليه القضاء والكفارة، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن هذا مما يقصد بالأكل، ولو ابتلع إهليلجة(٢) .. روى ابن رستم عن محمد: أن عليه القضاء ولا كفارة، لأنه لا يتداوى بها على هذه الصفة. وروى هشام عنه أن عليه الكفارة. قال الكرخي وهذا أقيس عندي؛ لأنه يتداوى بها على هذه الصفة، وهكذا روى ابن سماعة عن محمد، وكذا ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن (٣) عليه الكفارة. ولو أكل طيناً فعليه القضاء ولا كفارة لما قلنا، إلا أن يكون أَزْمِنِيّاً (٤) فعليه القضاء والكفارة، وكذا روى ابن رستم عن محمد قال محمد: لأنه بمنزلة الغاريقون أي: يتداوى به. قال ابن رستم: فقلت له: هذا الطين الذي يقلى يأكله الناس. قال: لا أدري ما هذا، فكأنه لم يعلم أنه يُتَدَاوَى به أو لا، ولو أكل وَرَقَ الشجر: فإن كان مما يؤكل عادة، فعليه القضاء والكفارة، وإن كان مما لا يؤكل، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه. ولو أكل مسكاً أو غالية أو زعفران - فعليه القضاء والكفارة؛ لأن هذا يؤكل ويتداوى به. وروي عن محمد فيمن تناول سمسمة قال: فطرته، ولم يذكر أن عليه الكفارة أو لا، واختلف المشايخ فيه، قال محمد بن مقاتل الرازي: عليه القضاء والكفارة، وقال أبو القاسم الصفار: عليه القضاء ولا كفارة عليه . وقد ذكرنا أن السمسمة لو كانت بين أسنانه فابتلعها أنه لا يفسد؛ لأنه لا يمكن/ التحرز عنه . ١٢١٤ (١) في أ: محمولة. (٢) الإهلِيلَج: شجر ينبت في الهند وكابل والصين، ثمره على هيئة حبُّ الصَّنّوبر الكبار. كذا في المعجم الوسيط (الإهليلج). (٣) في أ: أنه . (٤) في أ: أرمنياً.