Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وعند الشافعي: لا يسقط، وهو على الاختلاف في الزكاة وقد مرت المسألة، وإن هلك
البعض يسقط الواجب بقدره، ويؤدي عشر الباقي، قل الباقي أو كثر في قول أبي حنيفة،
وعندهما: يعتبر قدر الهالك مع الباقي في تكميل النصاب، إن بلغ نصاباً يؤدي، وإلا فلا.
وفي رواية عن أبي يوسف: يعتبر كمال النصاب في الباقي بنفسه من غير ضم قدر
الهالك إليه على ما مر.
وإن استهلك؛ فإن استهلكه غير المالك أخذ الضمان منه، وأدى عشره، وإن استهلك
بعضه أدى عشر القدر المستهلك من الضمان، وإن استهلكه المالك، أو استهلك البعض؛ بأن
أكله - ضمن عشر الهالك، وصار ديناً في ذمته في قول أبي حنيفة، خلافاً لأبي يوسف، وقد
ذكرنا المسألة .
ومنها الردة عندنا؛ لأن في العشر معنى العبادة؛ والكافر ليس من أهل العبادة؛ وعند
الشافعي: لا يسقط كالزكاة، ومنها موت المالك من غير وصية، إذا كان استهلك الخارج عندنا
خلافاً للشافعي، كما في الزكاة، وإن كان الخارج قائماً بعينه - يؤدي العشر منه في ظاهر
الرواية .
وفي رواية عن أبي يوسف: يسقط بخلاف الزكاة، وقد مضى الفرق فيما تقدم والله تعالى
أعلم.
فضل
هذا الذي ذكرنا حكم الخارج من الأرض، وأما حكم المستخرج من الأرض: فالكلام
فيه في موضعين :
أحدهما: في بيان ما فيه الخمس من المستخرج من الأرض، وما لا خمس فيه.
والثاني: في بيان من يجوز صرف الخمس إليه، ومن له ولاية أخذ الخمس.
أما الأول: فالمستخرج من الأرض نوعان:
أحدهما: يسمى كنزاً، وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض.
والثاني: يسمى معدناً، وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض،
والركاز: اسم يقع على كل واحد منهما، إلا أن حقيقته للمعدن، واستعماله للكنز مجازاً، أما
الكنز فلا يخلو؛ إما إن وجد في دار الإسلام أو دار الحرب.
وكل ذلك لا يخلو؛ إما أن يكون في أرض مملوكة، أو في أرض غير مملوكة، ولا

٥٢٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
يخلو؛ إما أن يكون به علامة الإسلام؛ كالمصحف، والدراهم المكتوب عليها: ((لا إله إلا الله
محمد رسول الله))، أو غير ذلك من علامات الإسلام، أو علامات الجاهلية من الدراهم
المنقوش(١) عليها الصنم، أو الصليب، ونحو ذلك، أو لا علامة به أصلاً(٢).
فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة؛ كالجبال، والمفاوز، وغيرها، فإن كان
به علامة الإسلام فهو بمنزلة اللَّقطة يصنع به ما يصنع باللقطة. يعرف ذلك في كتاب اللقطة؛
لأنه إذا كان به علامة الإسلام كان مال المسلمين، ومال المسلمين لا يغنم، إلا أنه مال لا
يعرف مالكه، فيكون بمنزلة اللقطة.
وإن كان به علامة الجاهلية ففيه الخمس، وأربعة أخماسه للواجد بلا خلاف؛ كالمعدن
على ما بين، وإن لم يكن به علامة الإسلام، ولا علامة الجاهلية - فقد قيل: إن في زماننا
يكون حكمه حكم اللقطة أيضاً، ولا يكون له حكم الغنيمة؛ لأن عهد الإسلام قد طال،
فالظاهر أنه لا يكون من مال الكفرة، بل من مال المسلمين لم يعرف مالكه، فيعطى له حكم
اللقطة .
وقيل: حكمه حكم الغنيمة؛ لأن الكنوز غالباً بوضع الكفرة.
وإن كان به علامة الجاهلية يجب فيه الخمس؛ لما روي أنه سُئِلَ رَسُولُ الله - وََّ - عَنِ
الكَثْزِ؟ فَقَالَ: ((فِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ))(٣)؛ ولأنه في معنى الغنيمة؛ لأنه استولى عليه على
(١) في أ: المكتوب.
(٢) في أ: رأساً.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣/٥): كتاب المساقاة: باب من حفر بئراً في ملكه لم يضمن، حديث (٢٢٥٥)،
ومسلم (١٣٣٤/٣): كتاب الحدود: باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث (١٧١٠/٤٥)،
وأبو داود (١٤): كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب ما جاء في الركاز وما فيه، حديث (٣٠٨٥)،
والترمذي (٤١٨/٢): كتاب الأحكام: باب ما جاء في العجماء أن جرحها جبار، حديث (١٣٩١)،
والنسائي (٤٥/٥): كتاب الزكاة: باب المعدل وابن ماجه (٨٣٩/٢): كتاب اللقطة: باب من أصاب
ركازاً، حديث (٢٥٠٩)، ومالك (٢٤٩/١): كتاب الزكاة: باب زكاة الركاز، حديث (٩)، والشافعي
(٢٤٨/١): كتاب الزكاة: الباب الرابع في الركاز والمعادن، حديث (٦٧١، ٦٧٢) وأبو عبيد
(٤٢٠، ٤٢١): كتاب الخمس وأحكامه وسننه: باب الخمس في المعادن والركاز، والطيالسي (ص:
٣٠٤)، حديث (٢٣٠٥)، وابن أبي شيبة (٢٢٤/٣، ٢٢٥): كتاب الزكاة: باب في الركاز يجدوه القوم،
فيه زكاة، وأحمد (٢٢٨/٢)، وابن الجارود (ص ١٣٥): كتاب الزكاة، حديث (٣٧٢)، والبيهقي (٤/
١٥٥): كتاب الزكاة باب زكاة الركاز، وعبد الرزاق (٦٦/١٠)، رقم (١٨٣٧٣)، والحميدي (٤٦٢/٢)،
رقم (١٠٧٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٤/٣)، وأبو يعلى (٤٣٧/١٠)، رقم (٦٠٥٠)،
والطبراني في ((الصغير)) (١٢٠/١-١٢١)، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((العجماء
جُبار))، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي ((الركاز الخمس)).
=

٥٢٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
طريق القهر، وهو على حكم ملك الكفرة، فكان غنيمة فيجب فيه الخمس، وأربعة أخماسه
وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم:
=
عبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن مسعود،
وسراة بنت نبهان، وأبو ثعلبة الخشني والحسن والشعبي كلاهما مرسلاً.
حديث عبد الله بن عمرو:
أخرجه الحاكم (٦٥/٢) وأبو عبيد في الأموال (ص - ٣٠٨)، رقم (٨٦٠)، والشافعي في ((الأم)) (٢/
٣٧). والبيهقي (١٥٥/٤)، وسكت عنه الحاكم، وقال: لم أزل أطلب الحجة في سماع شعيب بن
محمد من عبد الله بن عمرو فلم أصل إليها إلى وقتنا هذا.
حديث أنس بن مالك:
أخرجه أحمد (١٢٨/٣) عنه قال: خرجنا مع رسول الله ◌َّه إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة فقضى
حاجته فتناول لبنة يستطيب بها فانهارت عليه تبراً فأخذها فأتى بها النبي ◌َّير فأخبره بها فقال: زنها فوزنها
فإذا هي مائتي درهم فقال النبي ◌َّ هذا ركاز وفيه الخمس.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨٠/٣) وقال: رواه أحمد والبزار وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
وفيه كلام وقد وثقه ابن عدي.
وهذا كلام فيه نظر فعبد الرحمن شديد الضعف.
حديث جابر:
أخرجه أبو يعلى (١٠١/٤) رقم (٢١٣٤) وأحمد (٣٥٣/٣) والبزار (٤٢٣/١ - كشف) رقم (٨٩٤)
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/٣) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول
الله ◌َله: السانحة جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨٠/٣) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله
موثقون ا. هـ. ومجالد هو ابن سعيد وهو ضعيف.
حديث ابن عباس :
أخرجه أحمد (٣١٤/١) وابن ماجه (٨٣٩/٢) كتاب اللقطة: باب من أصاب ركازاً حديث (٢٥١٠).
حديث عبادة بن الصامت:
أخرجه أحمد (٣٢٦/٥-٣٢٧).
حديث عبد الله بن مسعود:
ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٨١/٣) بلفظ: العجماء جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الله بن بزيغ وهو ضعيف.
حدیث سراء بنت نبهان:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٨١/٣) عنها قالت: احتفر الحي في دار كلاب فأصابوا بها كنزاً عادياً فقالت
كلاب: دارنا وقال الحي: ((احتفرنا فنافروهم في ذلك إلى رسول الله وَّ* فقضى به للحي وأخذ منهم
الخمس .... )).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه أحمد بن الحارث الغساني وهو ضعيف. ا. هـ.
=
وأحمد بن الحارث الغساني شيخ لابن وارة قال أبو حاتم الرازي: متروك. ينظر: المغني (٣٥/١).

٥٢٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
للواجد؛ لأنه أخذه بقوة نفسه، وسواء كان الواجد حرّاً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، كبيراً أو
صغيراً؛ لأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين واجد وواجد؛ ولأن هذا المال بمنزلة الغنيمة.
ألا ترى أنه وجب فيه الخمس، والعبد والصبي والذمي من أهلِ الغنيمة، إلا إذا كان
ذلك بإذن الإمام، وقاطعه على شيء - فله أن يفي بشرطه؛ لقولِ النبيِّ - وَ -: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ
شُرُوطِهِمْ))(١)؛ ولأنه إذا قاطعه على شيء - فقد جعل المشروط أجرة لعمله، فيستحقه بهذا
=
حديث أبي ثعلبة الخشني :
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨١/١) عنه أن رسول الله وَلّر قال في الركاز الخمس.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه يزيد بن سنان وفيه كلام وقد وثق.
حدیث زيد بن أرقم:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٨١/٣) عنه قال: بعث رسول الله وَ ◌ّ ر عاملاً على اليمن فأتى بركاز فأخذ منه
الخمس ودفع بقيته إلى صاحبه فبلغ ذلك النبي وَلقر فأعجبه.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم.
مرسل الحسن :
أخرجه الإمام أحمد عنه مرسلاً بلفظ: المعدن جبار والبئر جبار وفي الركاز الخمس.
قال الهيثمي في («المجمع» (٨١/٣) إسناده صحيح.
مرسل الشعبي :
ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢/ ٣٨٢) وعزاه إلى ابن المنذر من طريق سعيد بن منصور ولفظه: أن
رجلاً وجد ركازاً فأتى به علياً رضي الله عنه فأخذ منه الخمس وأعطى بقيته للذي وجده فأخبر به
النبي ◌َ ل# فأعجبه قال الحافظ في ((الدراية)) (ص - ١٦٣): مرسل قوي.
(١) أخرجه أحمد (٣٦٦/٢) وأبو داود (١٩/٤) كتاب الأقضية: باب في الصلح حديث (٣٥٩٤) وابن
الجارود رقم (٦٣٨) وابن حبان (١١٩٩ - موارد) والدار قطني (٢٧/٣) كتاب البيوع حديث (٩٦) والحاكم
(٤٩/٢) والبيهقي (٦٤/٦) كتاب الصلح: باب صلح المعاوضة، كلهم من طريق كثير بن زيد عن
الوليد بن رياح عن أبي هريرة أن رسول الله و لو قال: المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين
المسلمين قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم مدنيون.
وقال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)»: لم يصححه وكثير ضعفه النسائي وقواه غيره.
وقال في موضع آخر (١٠١/٤): حديث منكر. لكن للحديث طريق آخر عن أبي هريرة.
أخرجه الدارقطني (٢٧/٣) كتاب البيوع الحديث (٩٧) والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق عبد الله بن الحسين
المصيصي ثنا عفان ثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَليه :
(الصلح جائز بين المسلمين)).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وهو معروف بعبد الله بن الحسين المصيصي وهو ثقة.
وتعقبه الذهبي بقول ابن حبان في عبد الله بن الحسين فقال: قال ابن حبان يسرق الحديث.
وللحديث شاهد من حديث عمرو بن عوف المزني.
أخرجه الترمذي (٦٣٤/٣) كتاب الأحكام: باب الصلح بين الناس حديث (١٣٥٢) وابن ماجه (٧٨٨/٢) =

٥٢٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الطريق، وإن وجد في أرض مملوكة - يجب فيه الخمس بلا خلاف؛ لما روينا من الحديث،
ولأنه مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر؛ فيخمس.
واختلف في الأربعة الأخماس.
قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله: هي لصاحب الخطة إن كان حيّاً وإن كان ميتاً،
فلورثته إن عرفوا، وإن كان لا يعرف صاحب الخطة ولا ورثته - تكون لأقصى مالك للأرض
أو لورثته، وقال أبو يوسف: أربعة أخماسه للواجد.
وجه قوله: إن هذا غنيمة ما وصلت إليها يد الغانمين، وإنما وصلت إليه يد الواجد لا
غير، فيكون غنيمة يوجب الخمس، واختصاصه بإثبات اليد عليه يوجب اختصاصه به، وهو
تفسيرُ الملك كما لو وجده في أرضٍ غير مملوكة.
ولهما: أن صاحب الخطة ملك الأرض بما فيها؛ لأنه إنما ملكها بتمليك الإمام، والإمام
كتاب الأحكام: باب الصلح حديث (٢٣٥٣) والدارقطني (٢٧/٣) كتاب البيوع حديث (٩٨) والحاكم
=
(٤ / ١٠١) والبيهقي (٦٥/٦) كتاب الصلح: باب صلح المعاوضة، كلهم من طريق كثير بن عبد الله بن
عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال قال رسول الله وَطر: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً
حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)» لفظ الترمذي.
وقال الترمذي: حسن صحيح:
وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: واهٍ.
و کثیر بن عبد الله:
قال النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) (٥٢٩): متروك الحديث وذكره الدار قطني أيضاً في ((الضعفاء
والمتروكين)) (٤٤٦).
وقال الحافظ في ((التقريب)) (١٣٢/٢) رقم (١٧): ضعيف منهم من نسبه إلى الكذب.
وقد عقب الذهبي في ((الميزان)) (٤٠٦/٣) على تصحيح الترمذي لهذا الحديث فقال: ((وأما الترمذي
فروى من حديثه - أي كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف: الصلح جائز بين المسلمين وصححه فلهذا لا
یعتمد العلماء على تصحیح الترمذي ا. هـ.
وقال المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) (٤/ ٤٨٧): وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر فإن في
إسناده كثير بن عبد الله بن عوف وهو ضعيف جداً، قال فيه الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان
الكذب وقال النسائي: ليس بثقة وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد وقد
نوقش الترمذي في تصحيح حديثه قال الذهبي: أما الترمذي فروى من حديثه: الصلح جائز بين المسلمين
وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في إرشاده: قد نوقش أبو عيسى يعني
الترمذي في تصحیحه هذا الحدیث وما شاکله. ا. هـ.
والحديث صححه الألباني بمجموع طرقه. انظر الإرواء (١٤٢/٥-١٤٤) وقد حسن حديث أبي هريرة
بمفرده.

٥٢٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
إنما ملك الأرض بما وجد منه، ومن سائر الغانمين من الاستيلاء، والاستيلاء كما ورد على
ظاهر الأرض - ورد على ما فيها؛ فملك ما فيها، وبالبيع لا يزول ما فيها؛ لأن البيع يوجب
زوال ما ورد عليه البيعُ، والبيع ورد على ظاهر الأرض لا على ما فيها، وإذا لم يكن ما فيها
تبعاً لها؛ فبقي على ملك صاحب الخطة، وكان أربعة أخماسه له.
وصار هذا كمن اصطاد سمكة كانت ابتلعت لؤلؤة، أو اصطاد طائراً كان قد ابتلع
جوهرة؛ أنه يملك الكل. ولو باع السمكة أو الطائر - لا تزول اللؤلؤة والجوهرة عن ملكه؛
لورود العقد على السمكة والطير دون اللؤلؤة والجوهرة؛ كذا هذا.
فإن قيل: كيف يملك صاحب الخطة ما في الأرض بتمليك الإمام إياه الأرض، والإمام
لو فعل ذلك لكان جوراً في القسمة، والإمام لا يملك الجور في القسمة؛ فثبت أن الإمام ما
ملكه إلا الأرض، فبقي الكنز غير مملوك لصاحب الخطة. فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الإمام ما ملكه إلا رقبة الأرض على ما ذكرتم، لكنه لما ملك الأرض
بتمليك الإمام، فقد تفرد بالاستيلاء على ما في الأرض، وقد خرج الجواب عن وجوب
الخمس؛ لأنه ما ملك ما في الأرض بتمليك الإمام، حتى يسقط الخمس؛ وإنما ملكه بتفرده
بالاستيلاء عليه، فيجب عليه الخمس؛ كما لو وجده في أرضٍ غيرِ مملوكة.
والثاني: إن مراعاة المساواة في هذه الجهة في القسمة مما يتعذر فيسقط اعتبارها دفعاً
للحرج.
هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام، فأما إذا وجده في دار الحرب، فإن وجده في أرض
ليست بمملوكة لأحد - فهو للواجد، ولا خمس فيه؛ لأنه مال أخذه لا على طريق القهر
والغلبة؛ لانعدام غلبة أهل الإسلام على ذلك الموضع، فلم يكن غنيمة؛ فلا خمس فيه،
ويكون الكل له؛ لأنه مباح استولى عليه بنفسه، فيملكه كالحطب والحشيش، وسواء دخل
بأمان أو بغير أمان؛ لأن حكم الأمان يظهر في المملوك، لا في المباح.
١١٩٦
وإن وجده في أرض مملوكة لبعضهم، فإن كان/ دخل بأمان رده إلى صاحب الأرض؛
لأنه إذا دخل بأمان لا يحل له أن يأخذ شيئاً من أموالهم بغير رضاهم؛ لما في ذلك من الغدر
والخيانة في الأمانة، فإن لم يرده إلى صاحب الأرض يصير ملكاً له، لكن لا يطيب له؛ لتمكّن
خبث الخيانة فيه، فسبيله التصدق به؛ فلو باعه يجوزُ بيعه لقيام الملك، لكن لا يطيب
للمشتري بخلاف بيع المشتري شراء فاسداً، والفرق بينهما يذكر في كتاب البيوع إن شاء الله
تعالی .

٥٢٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وإن كان دخل بغير أمان - حل له، ولا خمس فيه. أما الحل؛ فلأن له أن يأخذ ما ظفر
به من أموالهم من غير رضاهم، وأما عدم وجوب الخمس؛ فلأنه غير مأخوذ على سبيل القهر
والغلبة، فلم يكن غنيمة؛ فلا يجب فيه الخمس؛ حتى لو دخل جماعة ممتنعون في دار
الحرب، فظفروا بشيء من كنوزهم - يجب فيه الخمس، ولكونه غنيمة؛ لحصول الأخذ على
طريق القهر والغلبة .
وإن وجده في أرض مملوكة لأحد، أو في دار نفسه - ففيه الخمس بلا خلاف، بخلاف
المعدن عند أبي حنيفة؛ لأن الكنز ليس من أجزاء الأرض؛ ولهذا لم تكن أربعة أخماسه لمالك
الرقبة بالإجماع، فلو وجد فيه المؤنة وهو الخمس - لم يصر الجزء مخالفاً للكل؛ بخلاف
المعدن على ما نذكر.
وأما أربعة أخماسه؛ فقد اختلف أصحابنا في ذلك.
عند أبي حنيفة ومحمد: هي للمختط له.
وعند أبي يوسف: للواجد؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، ولهما: أن هذا مال مباح سبقت
إليه يد الخصوص، وهي يد المختط، يصير ملكاً له كالمعدن، إلا أن المعدن انتقل بالمبيع إلى
المشتري؛ لأنه من أجزاء الأرض(١) والكنز، لم ينتقل إليه، لأنه (٢) ليس من أجزاء المبيع
والتمليك(٣)، فإن استولى عليه بالاستيلاء؛ [على الأرض والدار، لكن لم يصر مستولياً على
الكنز ذلك ملك المسلم فلا يملكه بالاستيلاء](٤)، فيبقى على ملكه؛ كمن اصطاد سمكة في
بطنها درة - ملك السمكة والدرة؛ لثبوت اليد عليهما، فلو باع السمكة بعد ذلك - لم تدخل
الدرة في البيع، كذا ههنا، والمختط له من خصه الإمام بتمليك البقعة منه، فإن لم يكن
فلورثته، فإن لم [يكن فلورثته فإن لم](٥) يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك له يعرف
في الإسلام [فإن لم يكن فلورثته](٦)؛ كذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله.
هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام، وأما المعدن: فالخارج منه في الأصل نوعان:
مستجسد، ومائع، والمستجسد منه نوعان أيضاً: نوع يذوب بالإذابة، وينطبع بالحلية؛
(١) في أ: المبيع.
(٢) في أ: لكنه.
(٣) في أ: والمتملك.
(٤) سقط في ط .
(٥) سقط في ط.
(٦) سقط في ط.

٥٢٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كالذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، والنحاس، ونحو ذلك، ونوع لا يذوب بالإذابة؛
كالياقوت، والبللور، والعقيق، والزمرد، والفيروزج، والكحل، والمغرة، والزرنيخ، والجص،
والنورة، ونحوها، والمائع نوع آخر، كالنفط، والقار، ونحو ذلك. وكل ذلك لا يخلو؛ إما إن
وجده في دار الإسلام، أو في دار الحرب، في أرض مملوكة أو غير مملوكة.
فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة - فالموجود مما يذوب بالإذابة [وينطبع
بالحلية - يجب فيه الخمس، سواء كان ذلك من الذهب والفضة، أو غيرهما مما يذوب
بالإذابة](١) وسواء كان قليلاً أو كثيراً، فأربعة أخماسه للواجد كائناً من كان، إلا الحربي
المستأمن؛ فإنه يسترد منه الكل، إلا إذا قاطعه الإمام، فإن له أن يفي بشرطه. وهذا قول
أصحابنا - رحمهم الله.
وقال الشافعي: في معادن الذهب والفضة ربع العشر؛ كما في الزكاة، حتى شرط فيه
النصاب، فلم يوجب فيما دون المائتين، وشرط بعض أصحابه الحولَ أيضاً.
وأما غير الذهب والفضة: فلا خمس فيه، وأما عندنا: فالواجب خمس الغنيمة في الكل،
لا يشترط في شيء منه شرائط الزكاة، ويجوز دفعه إلى الوالدين والمولودين الفقراء كما في
الغنائم، ويجوز للواجد أن يصرف(٢) إلى نفسه، إذا كان محتاجاً ولا تغنيه الأربعة الأخماس.
احتجَّ الشافعيُّ بما رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ - وََّ - أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الحَارِثِ(٣) المَعَادِنَ
القَلِيلَة، وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهَا رُبُعَ العُشْرِ)) (٤)؛ ولأنها من نماء الأرض وريعها، فكان ينبغي أن يجب
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: يصرفه.
(٣) بلال بن الحارث بن عصم بن سعيد بن قرة بن خلاوة بن ثعلبة بن ثور بن هرمة أبو عبد الرحمن.
المزني قال ابن الأثير في الأسد. مدني قدم على النبي ◌َّ في وفد مزينة في رجب، سنة خمس، وكان
ينزل الأشعر والأجرد وراء المدينة، فكان يأتي المدينة وأقطعه النبي ◌َّرِ العقيق، وكان يحمل لواء مزينة
يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة. توفي سنة (٦٠) وله ثمانون سنة. ينظر ترجمته في: أسد الغابة (١/
٢٤٢)، الإصابة (١/ ١٧٠)، الثقات (٢٨/٣)، الجرح والتعديل (٣٩٥/٢)، تقريب التهذيب (١٠٩/١)،
تهذيب التهذيب (٥٠١/١)، تجريد أسماء الصحابة (٥٦/١)، الاستيعاب (١٨٣/١)، الوافي بالوفيات
(٢٧٧/١٠)، التحفة اللطيفة (٣٨١/١).
(٤) أخرجه مالك (٢٤٨/١-٢٤٩) كتاب الزكاة: باب الزكاة في المعادن (٨) عن ربيعة أبي عبد الرحمن
مرسلاً.
وعنه الشافعي في الأم (٤٣/٢) وأبو داود (٣٠٦١) وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٥٥/٩): هذا
الخبر منقطع في الموطأ وقد روي متصلاً مسنداً ... ا.هـ.
أما الموصول:
فأخرجه أبو داود (٢/ ١٩٠) كتاب الخراج والفيء والإمارة باب في إقطاع الأرضين حديث (٣٠٦٢).

٥٢٩
كِتَابُ الرَّكَاةِ
فيها العشر، إلا أنه اكتفى بربع العشر؛ لكثرة المؤنة في استخراجها، ولنا: ما روي عَنْ رَسُولٍ
الله - وَلَ - أنه قال: ((وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ))(١)، وهو اسم للمعدن حقيقة، وإنما يطلق على الكنز
مجازاً(٢)، لدلائل:
أحدها: أنه مأخوذ من الركز، وهو الإثبات، وما في المعدن هو المثبت في الأرض لا
الكنز؛ لأنه وضع مجاوراً للأرض.
والثاني: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَرَ سُئِلَ عَمَّ يُوجَدُ مِنَ الكَثْزِ العَادِي؟ فَقَالَ: ((فِيهِ وَفِي الرِّكَازِ
الخُمُسُ))(٣) عطف الركاز على الكنز والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل أن المراد منه
المعدن .
والثالث: ما روي أن النَّبِيَّ نََّ لَمَّا قال: ((المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالقَلِيبُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ
الخُمُسُ)) (٤) قيل: وَمَا الرِّكَازُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((هُوَ المَالُ الَّذِي خَلَقَهُ الله تَعَالَى فِي الْأَرْضِ
يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ))(٥)، فدل على أنه اسم للمعدن حقيقة/ فقد أوجب النبي ◌َّر ١٩٦ب
الخمس في المعدن، من غير فصل بين الذهب والفضة وغيرهما، فدل أن الواجب هو الخمس
في الكل؛ ولأن المعادن كانت في أيدي الكفرة، وقد زالت أيديهم، ولم تثبت يد المسلمين
على هذه المواضع؛ لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال والمفاوز - فبقي ما تحتها على
حكم ملك الكفرة، وقد استولى عليه على طريق القهر بقوة نفسه؛ فيجب فيه الخمس، ويكون
أربعة أخماسه له؛ كما في الكنز.
ولا حجة له في حديث بلال بن الحارث؛ لأنه يحتملُ أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على
ربع العشر؛ لما علم من حاجته، وذلك جائز عندنا على ما نذكره، فيحمل عليه عملاً
بالدليلين. وأما ما لا يذوب بالإذابة - فلا خمس فيه، ويكون كله للواجد؛ لأن الزرنيخ
والجص والنورة ونحوها من أجزاء الأرض؛ فكان كالتراب. والياقوت والفصوص من جنس
الأحجار، إلا أنها أحجار مضيئة، ولا خمس في الحجر.
وأما المائع كالقير والنفط - فلا شيء فيه، ويكون للواجد؛ لأنه ماء، وإنه مما لا يقصد
بالاستيلاء، فلم یکن في يد الكفار حتی یکون من الغنائم، فلا یجب فیه الخمس.
(١) تقدم.
(٢) في أ: بطريق المجاز.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
بدائع الصنائع ج٢ - م٣٤

٥٣٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما الزئبق ففيه الخمس في قول أبي حنيفة الآخر، وكان يقول أولاً: لا خمس فيه،
وهو قولُ أبي يوسف إلا أنه رجع(١)، وقال: فيه الخمس، فإن أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة
عن الزئبق، فقال: لا خمس فيه، فلم أزل به حتى قال: فيه الخمس، وكنت أظن أنه مثل
الرصاص والحديد، ثم بلغني بعد ذلك أنه ليس كذلك، وهو بمنزلة القير والنفط .
وجه قول أبي حنيفة الأول: أنه شيء لا ينطبع بنفسه فأشبه الماء. وجه قوله الآخر، وهو
قول محمد أنه يطبع مع غيره، وإن كان لا ينطبع بنفسه فأشبه الفضة؛ لأنها لا تنطبع بنفسها؛
لكن لما كانت تنطبع مع شيء آخر يخالطها من نحاس أو آنك - وجب فيها الخمس، كذا هذا.
هذا إذا وجد المعدن في دار الإسلام، في أرض غير مملوكة، فأما إذا وجده في أرض
مملوكة، أو دار، أو منزل، أو حانوت - فلا خلاف في أن الأربعة الأخماس لصاحب الملك،
وجده هو أو غيره؛ لأن المعدن من توابع الأرض؛ لأنه من أجزائها خلق فيها ومنها .
ألا ترى أنه يدخل في البيع من غير تسمية، فإذا ملكها المختط له بتمليك الإمام - ملكها
بجميع أجزائها، فتنتقل عنه إلى غيره بالبيع بتوابعها أيضاً، بخلاف الكنز على ما مر.
واختلف في وجوب الخمس، قال أبو حنيفة: لا خمس فيه في الدار. وفي الأرض عنه
روايتان: ذكر في كتاب ((الزكاة)): أنه لا خمس فيه، وذكر في [كتاب](٢) ((الصرف)): أنه يجب
فيه الخمس، وكذا ذكر في ((الجامع الصغير)).
وقال أبو يوسف ومحمد: يجب فيه الخمس في الأرض والدار جميعاً، إذا كان الموجود
مما يذوب بالإذابة؛ واحتجًا بقول النبيِّ وَّرَ: ((وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ))(٣)، من غير فصل
[بينهما](٤)، والركاز اسم للمعدن حقيقة لما ذكرنا؛ ولأن الإمام ملك الأرض من ملكه متعلقاً
بهذا(٥) الخمس؛ لأنه حق الفقراء؛ فلا يملك إبطال حقهم.
وجه قول أبي حنيفة أن المعدن جزء من أجزاء الأرض، فيملك بملك الأرض، والإمام
ملكه مطلقاً عن الحق، فيملكه المختط له كذلك، وللإمام هذه الولاية؛ ألا ترى أنه لو جعل
الكل للغانمين الأربعة الأخماس مع الخمس، إذا علم أن حاجتهم لا تندفع بالأربعة
الأخماس - جاز؛ وإذا ملكه المختط له مطلقاً عن حق متعلق به، فينتقل إلى غيره كذلك.
(١) في ط: هو قول أبي يوسف الأول ثم رجع.
(٢) سقط في ط.
(٣) تقدم.
(٤) سقط في ط .
(٥) في أ: بها.

٥٣١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه الفرق بين الدار والأرض على الرواية الأخرى؛ أن تمليك الإمام الدار جعل(١)
مطلقاً عن الحقوق؛ ألا ترى أنه لا يجب فيها العشر ولا الخراج، بخلاف الأرض؛ فإن
تمليكها وجد متعلقاً بها العشر أو الخراج؛ فجاز أن يجب الخمس، والحديثُ محمولٌ على ما
إذا وجده في أرض غير مملوكة؛ توفيقاً بين الدليلين.
هذا إذا وجده في دار الإسلام، فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض غير
مملوكة - فهو له، ولا خمس فيه لما مر، وإن وجده في ملك بعضهم؛ فإن دخل بأمان: رد
على صاحب الملك لما بينا، وإن دخل بغير أمان: فهو له ولا خمس فيه؛ كما في الكنز على
ما بينا.
هذا الذي ذكرنا في حكم المستخرج من الأرض، فأما المستخرج من البحر؛ كاللؤلؤ
والمرجان، والعنبر، وكل حلية، تستخرج من البحر - فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة
ومحمد، وهو للواجد.
وعند أبي يوسف: فيه الخمس.
واحتج بما روي أن عامل عمر - رضي الله عنه - كتب إليه في لؤلؤة وجدت، ما فيها؟
قال: فيها الخمس(٢) .
وروي عنه أيضاً؛ أنه أخذ الخمس من العنبر(٣)؛ ولأن العشر يجب في المستخرج من
المعدن، فكذا في المستخرج من البحر؛ لأن المعنى يجمعهما، وهو كون ذلك مالاً منتزعاً من
أيدي الكفار(٤) بالقهر؛ إذ/ الدنيا كلها برها وبحرها كانت تحت أيديهم، انتزعناها من بين ١٩٧أ
أيديهم، فكان ذلك غنيمة، فيجب فيه الخمس كسائر الغنائم.
ولهما: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه؛ أنه سئل عن العنبر، فقال: هو شيء
دسره البحر لا خمس فيه (٥)، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها
اللؤلؤ والعنبر، فلم يكن المستخرج منها مأخوذاً من أيدي الكفرة على سبيل القهر، فلا يكون
غنيمة؛ فلا یکون فيه الخمس.
(١) في أ: حصل.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٤/٢).
(٣) ينظر المصدر السابق.
(٤) في أ: الكفرة.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٤/٢) كتاب الزكاة: باب من قال ليس في الغبر زكاة.

٥٣٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وعلى هذا قال أصحابنا: إنه إن استخرج من البحر ذهباً أو فضة - فلا شيء فيه لما قلنا.
وقيل في العنبر: إنه مائع نَّبَعَ فأشبهِ القِيرَ. وقيل: إنه روث دابة فأشبه سائر الأرواث، وما روي
عن عمر في اللؤلؤ والعنبر محمول على لؤلؤ وعنبر وجد في خزائن ملوك الكفرة، فكان مالاً
مغنوماً؛ فأوجب فيه الخمس.
وأما الثاني، وهو بيان من يجوز صرف الخمس إليه، ومن له ولاية الأخذ، وبيان
مصارف الخمس - موضعه كتاب السير، ويجوز صرفه إلى الوالدين والمولودين إذا كانوا فقراء،
بخلاف الزكاة والعشر، ويجوز أن يصرفه إلى نفسه إذا كان محتاجاً لا تغنيه الأربعة الأخماس؛
بأن كان دون المائتين، فأما إذا بلغ مائتين لا يجوز له تناول الخمس، وما روي عن علي
- رضي الله عنه؛ أنه ترك الخمس للواجد - محمول على ما إذا كان محتاجاً، ولو تصدق
بالخمس بنفسه على الفقراء، ولم يدفعها إلى السلطان - جاز، ولا يؤخذ منه ثانياً بخلاف زكاة
السوائم والعشر، والله أعلم.
فضل
وأما بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال، وبيان مصارفها، فأما ما يوضع في بيت
المال من الأموال فأربعة أنواع:
أحدها: زكاة السوائم والعشور، وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم.
والثاني: خمس الغنائم، والمعادن، والركاز.
والثالث: خراج الأراضي وجزية الرؤوس، وما صولح عليه بنو نجران من الحلل، وبنو
تغلب من الصدقة المضاعفة، وما أخذه العشار من تجار أهل الذمة، والمستأمنين من أهل
الحرب.
والرابع: ما أخذ من تركة الميت الذي مات، ولم يترك وارثاً أصلاً، أو ترك زوجاً أو
زوجة.
وأما مصارف هذه الأنواع: فأما مصرف النوع الأول فقد ذكرناه، وأما النوع الثاني، وهو
خمس الغنائم والمعادن والركاز، فنذكر مصرفه في كتاب ((السير))، وأما مصرف النوع الثالث
من الخراج وأخواته - فعمارة الدين، وإصلاح مصالح المسلمين، وهو رزق الولاة والقضاة،
وأهل الفتوى من العلماء، والمُقَاتِلَةِ، ورصد(١) الطرق، وعمارة المساجد، والرباطات،
والقناطر والجسور وسد الثغور، وإصلاح الأنهار التي لا ملك لأحد فيها.
(١) في أ: ورض.

٥٣٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما النوع الرابع: فيصرف إلى دواء الفقراء، والمرضى وعلاجهم، وإلى أكفان الموتى الذين
لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته، وإلى نفقة مَنْ هو عاجز عن الکسب، ولیس له من
تجب عليه نفقته، ونحو ذلك، وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها، والله أعلم.
فصل
في زكاة الفطر
وأما الزكاة الواجبة، وهي زكاة الرأس - فهي صدقة الفطر، والكلام فيها يقع في
مواضع: في بيان وجوبها، وفي بيان كيفية الوجوب، وفي بيان مَنْ تجب عليه، وفي بيان مَنْ
تجب عنه، وفي بيان جنس الواجب وقدره وصفته، وفي بيان وقت الوجوب، وفي بيان وقت
الأداء، وفي بيان ركنها، وفي بيان شرائط الركن، وهي شرائط جواز الأداء، وفي بيان مكان
الأداء، وفي بيان ما يسقطها بعد الوجوب.
أما الأول: فالدليل على وجوبها ما روي عن ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرِ العُذْرِيِّ (١)؛ أنه قَالَ:
((خَطَبَنَا رَسُولُ الله ◌ِ- وََّ - وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ((أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ: نِصْفَ ضَاعٍ
مِنْ بُرِّ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ))(٢)، أمر بالأداء ومطلق الأمر للوجوب، وإنما سمينا هذا النوع
واجباً لا فرضاً؛ لأن الفرض اسم لما ثبت لزومه بدليل مقطوع به، ولزوم هذا النوع من الزكاة
لم يثبت بدليل مقطوع به، بل بدليل فيه شبهة العدم وهو خبر الواحد، وما روي عن البَابِ،
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ((فَرَضَ رَسُولُ الله - وَّ - صَدَقَّةَ الْفِطْرِ عَلَّى
الذَّكَرِ وَالْأُنثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ: صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ))(٣)، فالمراد من قوله:
(١) ثعلبة بن صُعَيْر بمهملات أو ابن أبي صُعَيْر مصغراً العُذْرِي بذال معجمة. عن النبي ◌َّر. وعنه ابنه.
مختلف في صحبته. وقال عباس بن محمد عن ابن معين: له رواية والحديث مضطرب.
(٢) أخرجه أحمد (٤٣٢/٥)، وأبو داود (١٦١٩-١٦٢١)، وابن خزيمة (٢٤١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٩/٣): كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، حديث
(١٥٠٤)، ومسلم (٢/ ٦٧٧): كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (٤)
حديث (٩٨٤/١٢)، وأبو داود (٢٦٣/٢، ٢٦٤، ٢٦٥): كتاب الزكاة: باب كم يؤدي في صدقة الفطر،
حديث (١٦١١)، والنسائي (٤٨/٥): كتاب الزكاة: باب فرض زكاة رمضان على المسلمين دون
المعاهدين، وابن ماجه (٥٨٤/١): كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر، حديث (١٨٢٦)، والترمذي: (٣/
٦١): كتاب الزكاة: باب ما جاء في صدقة الفطر، حديث (٦٧٦)، ومالك (٢٨٤/١): كتاب الزكاة:
باب زكاة الفطر، حديث (٥٢)، والشافعي (١/ ٢٥٠): كتاب الزكاة: باب الخامس في صدقة الفطر،
وأحمد (١٣٧/٢)، والدارمي (٣٩٢/١): كتاب الزكاة: باب في زكاة الفطر، والبيهقي (١٥٩/٤): كتاب
الزكاة: باب من قال بزكاة الفطر فريضة، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٣٢٠)، من طريق مالك
عن نافع، عن ابن عمر، وقال الترمذي حسن صحيح.

٥٣٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
((فرض))، أي: قدر أداء الفطر، إذ الفرض في اللغة: التقدير، قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: قدرتم، ويقال: فرض القاضي النفقة بمعنى: قدرها، فكان في
الحديث تقدير الواجب بالمذكور، لا الإيجاب قطعاً. والله تعالى أعلم.
فضل
في كيفية وجوبها
وأما كيفية وجوبها: فقد اختلف أصحابنا فيه، قال بعضهم: إنما يجب وجوباً مضيقاً في
يوم الفطر عيناً، وقال بعضهم: يجب وجوباً موسعاً في العمر؛ كالزكاة، والنذور، والكفارات،
١٩٧ ب ونحوها، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأمر بأدائها/ مطلق عن الوقت، فلا يتضيق الوجوب إلا في
آخر العمر؛ کالأمر بالزكاة، وسائر الأوامر المطلقة عن الوقت.
فصل
فیمن تجب عليه
وأما بيان مَنْ تجب عليه، فيتضمن بيان شرائط الوجوب؛ وأنها أنواع منها الإسلام، فلا
تجب على الكافر؛ لأنه لا سبيل إلى الإيجاب في حالة الكفر؛ لأن فيها معنى العبادة حتى لا
تتأدى بدون النية، والكافر ليس من أهل العبادة، ولا تجب بدون الإسلام بالإجماع، وإيجاب
فعل لا يقدر المكلف على أدائه في الحال، ولا في الثاني(١): تكليف ما ليس في الوسع؛ لهذا
قلنا: إن الكفار ليسوا مخاطبين بشرائع هي عبادات، ومنها: الحرية عندنا، فلا تجب على
العبد.
وقال الشافعي: الحرية ليست من شرائط الوجوب، وتجب الفطرة على العبد، ويتحملها
المولى عنه، واحتجٍ بما روي(٢) عن النبي ◌ََّ، أنه قال: ((أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ))، والأداء عنه
ينبىء عن التحمل(٣) عنه، وأنه يقتضي الوجوب عليه.
ولنا: أن الوجوب هو وجوب الأداء، ولا سبيل إلى إيجاب الأداء على العبد؛ لأن العبد
لا يكلف بأدائها في الحال، ولا بعد العتق، وإيجاب فعل لا سبيل إلى أدائه رأساً - ممتنع،
بخلاف الصبي الغني، إذا لم يخرج وليه عنه، على أصل أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ أنه يلزمه
الأداء؛ لأنه يقدر على أدائه بعد البلوغ، وأما الحديث فلم قلتم: إن الأداء عنه يقتضي الوجوب
علیه، وسنذكر معناه.
(١) في ط: وفي الثاني.
(٢) في أ: روینا.
(٣) في أ: التمليك.

٥٣٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومنها الْغِنَى: فلا يجب الأداء إلا على الغنيِّ، وهذا عندنا، وقال الشافعي: لا يشترط
لوجوبها الْغِنَى، وتجب على الفقير الذي له زيادة على قوت يومه وقوت عياله. وجه قوله: إن
وجوبها ثبت مطهرة للصائم، ومعنى المطهرة (١) لا يختلف بِالْغِنَى والفقر.
ولنا: قولُ النبيِّ - وََّ ـ: ((لاَ صَدَقَةَ إِلَّ عَنْ ظَهْرِ غِنَى))(٢)، وقد بينا حد الغنى الذي يجب
به صدقة الفطر في زكاة المال، ثم الغنى شرط الوجوب، لا شرط بقاء الواجب، حتى لو افتقر
بعد يوم الفطر لا يسقط الواجب؛ لأن هذا الحق يجب في الذمة لا في المال، فلا يشترط(٣)
لبقائه بقاء المال بخلاف الزكاة .
وأما العقل والبلوغ: فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حتى
تجب صدقة الفطر على الصبي والمجنون، إذا كان لهما مال، ويخرجها الولي من مالهما.
وقال محمد وزفر: لا فطرة عليهما؛ حتى لو أدى الأب أو الوصي من مالهما - لا
يضمنان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر: يضمنان.
وجه قولهما: إنها عبادة، والعبادات لا تجب على الصبيان والمجانين؛ كالصوم،
والصلاة، والزكاة، ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أنها ليست بعبادةٍ محضة، بل فيها معنى المؤنة،
فأشبهت العشر، وكذلك وجود الصوم في شهر رمضان - ليس بشرط لوجوب الفطرة، حتى أن
من أفطر؛ لكبر أو مرض أو سفر - يلزمه صدقة الفطر؛ لأن الأمر بأدائها مطلق عن هذا
الشرط؛ ولأنها تجب على مَنْ لا يوجد منه الصوم، وهو الصغير.
فضل
في بیان من تجب عليه
وأما بيان مَنْ تجب عليه (٤) فيشتمل على بيان سبب وجوب الفطرة على الإنسان عن
غيره، وبيان شرط الوجوب، أما شرطه: فهو أن يكون مَنْ عليه الواجب عن غيره من أهل
الوجوب على نفسه، وأما السبب: فرأس يلزمه مؤنته، ويلي عليه ولاية كاملة؛ لأن الرأس
الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة - تكون في معنى رأسه في الذب والنصرة، فكما يجب عليه
(١) في أ: الطهرة.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٥/٣)، كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٤٢٦)، وأطرافه
(١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦)، ومسلم (٧١٧/٢)، كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد
السفلى وأن اليد العليا هي المنفقة (٩٤-١٠٣٣-١٠٣٤).
(٣) في أ: لا يجب.
(٤) في أ: عنه.

٥٣٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
زكاة رأسه، يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه، فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن
مماليكه الذين هم لغير التجارة لوجود السبب، وهو لزومُ المؤنةِ، وكمال الولاية مع وجود
شرطه، وهو ما ذكرنا، وقال - وَلَلـ: ((أَدُوا عَنْ كُلُ حُرِّ وَعَبْدٍ))، وسواء كانوا مسلمين أو كفاراً
عندنا .
وقال الشافعي: لا تؤدى إلا عن مسلم.
وجه قوله: إن الوجوب على العبد، وإنما المولى يتحمل عنه؛ لأن النبي وَ﴿ أَمَرَنَا
بالأداءِ عن العبد، والأداء عنه ينبىءُ عن التحمل(١)، فثبت أن الوجوب على العبد، فلا بدّ من
أهلية الوجوب في حقه، والكافر ليس من أهل الوجوب - فلم يجب عليه، ولا يتحمل عنه
المولى؛ لأن التحمل بعد الوجوب، فأما المسلم فمن أهل الوجوب فتجب عليه الزكاة، إلا أنه
ليس من أهل الأداء لعدم الملك، فيتحمل عنه المولى.
ولنا: أنه وجد سبب وجوب الأداء عنه وشرطه، وهو ما ذكرنا، فيجب الأداء عنه،
وقوله: الوجوب على العبد، وإنما المولى يتحمل عنه أداء الواجب - فاسد؛ لأن الوجوب على
العبد يستدعي أهلية الوجوب في حَقِّهِ، وهو ليس من أهل الوجوب؛ لأن الوجوبَ هو وجوبُ
الأداء، والأداء بالملك ولا ملك له؛ فلا وجوب عليه؛ فلا يتصور التحمل، وقوله: المأمور به
هو الأداء عنه بالنصّ - مسلم، لكن لم قلتم: إن الأداء عنه يقتضي أن يكون بطريق التحمل،
١٩٨أ بل هو أمر بالأداء بسببه/، وهو رأسُه الذي يمونه، ويلي عليه ولاية كاملة؛ فكان في الحديث
بيان سببية وجوب الأداء عمن يؤدي عنه، لا الأداء بطريق التحمل؛ فتعتبر أهلية وجوب الأداء
في حق المولى، وقد وجدت.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه، عنِ النَّبِيِّ وَّرَ؛ أنه قَالَ: ((أَدُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ
حُرِّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيَّ أَوْ مَجُوسِيٍّ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ أَوْ صَاعًاً مِنْ تَمْرٍ
أَوْ شَعِيرٍ))(٢)، وهذا نص في الباب ويخرج عن مدبريه وأمهات أولاده؛ لعموم قوله - وَالثّر -:
((أُدُّوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ))(٣)، وهؤلاء عبيد لقيام الرق والملك فيهم.
ألا ترى أن له أن يستخدمهم، ويستمتع بالمدبرة وأم الولد، ولا يجوز ذلك في غير
الملك، ولا يجب عليه أن يخرج عن مكاتبه، ولا عن رقيق مكاتبه؛ لأنه لا يلزمه نفقتهم، وفي
ولايته قُصُورٌ، ولا يجب على المكاتب أن يخرج فطرته عن نفسه، ولا عن رقيقه عند عامة
العلماء .
(١) في أ: التمليك.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٥٠/٢) وفي سنده سلام الطويل قال الدارقطني: سلام الطويل متروك الحديث.
(٣) تقدم.

٥٣٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال مالك: يجب عليه؛ لأن المكاتب مالك؛ لأنه يملك اكتسابه، فكان في اكتسابه
كالحر؛ فتجب عليه كما تجب على الحر.
ولنا: أنه لا ملك له حقيقة؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - وَ له -
والعبد مملوك؛ فلا يكون مالكاً ضرورة، وأما معتق البعض فهو بمنزلة المكاتب عند أبي
حنيفة، وعندهما: هو حُرِّ علیه دَیْنٌ.
وإن كان غنياً؛ بأن كان له مال فضلاً عن دينه مائتي درهم فصاعداً؛ فإنه يخرج صدقة
الفطر عن نفسه وعن رقيقه، وإلا فلا، ويخرج عن عبده المُؤَاجَرِ والوديعة والعارية، وعبده
المديون المستغرق بالدين، وعبده الذي في رقبته جناية؛ لعموم النص؛ ولوجود سبب الوجوب
وشرطه وهو ما ذكرنا، ويخرج عن عبد الرهن لما ذكرنا، وهذا إذا كان للراهن وفاء؛ فإن لم
يكن له وفاء فلا صدقة عليه عنه؛ لأنه فقير؛ بخلاف عبده المديون ديناً مستغرقاً؛ لأن الصدقة
تجب على المولى، ولا دين على المولى.
وأما عبد عبده المأذون، فإن كان على المولى دَيْنٌ، فلا يخرج في قول أبي حنيفة؛ لأن
المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون، وعندهما: يخرج؛ لأنه يملكه، وإن لم يكن
عليه دين، فلا يخرج بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنه عبد التجارة، ولا فطرة في عبد التجارة
عندنا، ولا يخرج عن عبده الآبق، ولا عن المغصوب المجحود، ولا عن عبده المأمور؛ لأنه
خارج عن يده وتصرفه؛ فأشبه المكاتب. قال أبو يوسف: ليس في رقيق الأخماس، ورقيق
القوام الذين يقومون على مرافق العوام؛ مثل زمزم، وما أشبهها، ورقيق الفيء - صدقة الفطر؛
لعدم الولاية لأحد عليهم؛ إذ هم ليس لهم مالك معين، وكذلك السبي، ورقيق الغنيمة،
والأسرى، قبل القسمة على أصله لما قلنا.
وأما العبد الموصي برقبته الإنسان، وبخدمته لآخر، فصدقة فطره على صاحب(١) الرقبة؛
لقوله وَله: ((أَدُوا عَنْ كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ))، وَالعبدُ اسم للذات المملوكة(٢)، وأنه لصاحب الرقبة،
وحق صاحب الخدمة متعلّق بالمنافع، فكان كالمستعير والمستأجر، ولا يخرج عن عبيد(٣)
التجارة عندنا، وعند الشافعي: يخرج. وجه قوله: إن وجوب الزكاة لا ينافي وجوب صدقة
الفطر؛ لأن سبب وجوب كل واحد منهما مختلف.
ولنا: أن الجمع بين زكاة المال وبين زكاة الرأس يكون ثني في الصَّدَقَةِ، وقال
(١) في أ: مالك.
(٢) في أ: المملوك.
(٣) في أ: عبد.

٥٣٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
النبي ◌َّه: ((لاَ ثَنْيَ فِي الصَّدَقَةِ»(١)، والعبد المشترك بينه وبين غيره، ليس على أحدهما صدقة
فطره عندنا .
وقال الشافعي: تجب الفطرة عليهما؛ بناء على أصله الذي ذكرنا أن الوجوب على
العبد، وإنما المولى يتحمل عنه بالملك، فيتقدر بقدر الملك، وأما عندنا: فالوجوب على
المولى بسبب الوجوب، وهو رأس يلزمه مؤنته، ويلي عليه ولاية كاملة، وليس لكل واحد
منهما ولاية كاملة؛ ألا ترى أنه لا يملك كل واحد منهما تزويجه؛ فلم يوجد السبب.
فإن كان عدد من العبيد بين رجلين - فلا فطرة عليهما في قَوْلِ أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: إن كان بحال لو قسموا أصاب كل واحد منهما عبداً كاملاً - تجب على واحد
منهما صدقة فطرة؛ بناء على أن الرقيق لا يقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة(٢)؛ فلا يملك كل
واحد منهما عبداً كاملاً، وعند محمد: يقسم الرقيق قسمة جمع، فيملك كل واحد منهما عبداً
تاماً من حيث المعنى؛ كأنه انفرد به، فيجب على كل واحد منهما؛ كالزكاة في السوائم
المشتركة، وأبو يوسف وافق أبا حنيفة في هذا، وإن كان يرى قسمة الرقيق لنقصان الولاية؛ إذ
ليس لكل واحد منهما ولاية كاملة، وكمال الولاية بعض أوصاف السبب.
ولو كان بين رجلين جارية، فجاءت بولد، فادعياه/ معاً، حتى ثبت نسب الولد منهما،
وصارت الجارية أم ولد لهما - فلا فطرة على واحد منهما عن الجارية، بلا خلاف بين
أصحابنا؛ لأنها جارية مشتركة بينهما، وأما الولد: فقال أبو يوسف: يجب على كل واحد
منهما صدقة فطره تامة، وقال محمد: تجب عليهما صدقة واحدة.
١٩٨ ب
وجه قول [محمد] (٣): إن الذي وجب عليه واحد، والشخص الواحد لا تجب عنه إلا
فطرة واحدة كسائر الأشخاص، ولأبي يوسف: إن الولد ابن تام في حق كل واحد منهما؛
بدليل أنه يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل؛ فيجب على كل واحد منهما عنه صدقة
تامة .
ولو اشترى عبداً بشرط الخيار للبائع أو للمشتري، أو لهما جميعاً، أو شرط أحدهما
الخيار لغيره، فمر يوم الفطر في مدة الخيار - فصدقة الفطر موقوفة، إن تم البيع بمضي مدة
الخيار، أو بالإجارة - فعلى المشتري؛ لأنه ملكه من وقت البيع، وإن فسخ فعلى البائع؛ لأنه
تبين أن المبيع لم يزل عن ملكه، وعند زفر: إن كان الخيار للبائع، أو لهما جميعاً، أو شرط
(١) تقدم.
(٢) في أ: وأبي حنيفة.
(٣) سقط في ط.

٥٣٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
البائع الخيار لغيره - فصدقة الفطر على البائع، تم البيع أو انفسخ، وإن كان الخيار للمشتري
فعلى المشتري؛ تم البيع أو انفسخ، ولو اشتراه بعقد ثان، فمر يوم الفطر قبل القبض - فصدقة
فطره على المشتري إن قبضه؛ لأن الملك ثبت للمشتري بنفس الشراء، وقد تقرر بالقبض، وإن
مات قبل القبض فلا يجب على واحد منهما(١)، عبداً كاملاً أما جانب البائع فظاهر؛ لأن العبد
قد خرج عن ملكه بالبيع، ووقت الوجوب هو وقت طلوع الفجر من يوم الفطر كان الملك
للمشتري، وأما جانب المشتري؛ فلأن ملكه قد انفسخ قبل تمامه، وجعل كأنه لم يكن من
الأصل، ولو رده المشتري على البائع بخيار رؤية أو عيب؛ إن رده قبل القبض فعلى البائع؛
لأن الرد قبل القبض فسخ من الأصل، وإن رده بعد القبض فعلى المشتري؛ لأنه بمنزلة بيع
جدید .
وإن اشتراه شراء فاسداً، فمر يوم الفطر؛ فإن كان مر وهو عند البائع - فعلى البائع؛ لأن
البيع الفاسد لا يفيد الملك للمشتري قبل القبض، فمر عليه يوم الفطر، وهو على ملك البائع -
فكان صدقة فطره عليه، وإن كان في يد المشتري وقت طلوع الفجر - فصدقة فطره موقوفة
لاحتمال الرد، فإن رده فعلى البائع؛ لأن الرد في العقد الفاسد فسخ من الأصل.
وإن تصرف فيه المشتري حتى وجبت عليه قيمته - فعلى المشتري؛ لأنه تقرر ملکه علیه،
ويخرج عن أولاده الصغار إذا كانوا فقراء؛ لقوله - رَّم -: ((أَدُوا عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ))؛ ولأن
نفقتهم واجبة على الأب، وولاية الأب عليهم تامة، وهل يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير
الصغير حال عدم الأب، أو حال كونه فقيراً، ذكر محمد في الأصل؛ أنه لا يخرج.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يخرج، وجه رواية الحسن: أن الجد عند(٢) عدم
الأب قائم مقام الأب؛ فكانت ولايته حال عدم الأب كولاية الأب.
وجه رواية الأصل: أن ولاية الجد ليست بولاية تامة مطلقة، بل هي قاصرة؛ ألا ترى
أنها لا تثبت إلا بشرط عدم الأب؛ فأشبهت ولاية الوصي، والوصي لا يجب عليه الإخراج
فكذا الجد، وأما الكبار العقلاء، فلا يخرج عنهم عندنا، وإن كانوا في عياله بأن كانوا فقراء
زمنَى، وقال الشافعيُّ: عليه فطرتهم، واحتجَّ بِمَا رُوي عَنْ رَسُولِ الله - نَّهِ - أنه قَالَ: ((أَدُوا عَنْ
كُلِّ حُرِّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مِمَّنْ تَمُونُونَ))(٣)، فإذا كانوا في عياله يمونهم، فعليه فطرتهم.
ولنا: أن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم، والحديثُ محمولٌ على جواز الأداء
(١) في أ: فلا يجب على واحد منهما بأن أسقط خيار الرؤية والعيب.
(٢) في أ: حال.
(٣) تقدم.

٥٤٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
عنهم لا على الوجوب، ولا يلزمه أن يخرج عن أبويه، وإن كانا في عياله؛ لعدم الولاية
عليهما، ولا يخرج عن الحمل؛ لانعدام كمال الولاية، ولأنه لا يعلم حياته، ولا يلزم الزوج
صدقة فطر زوجته عندنا، وقال الشافعي: يلزمه؛ لأنها تجب مؤنة الزوج وولايته، فوجد سبب
الوجوب .
ولنا: إن شرط تمام السبب كمال الولاية، وولاية الزوج عليها ليست بكاملة؛ فلم يتم
السبب، وليس في شيء من الحيوان سوى الرقيق - صدقة الفطر؛ إما لأن وجوبها عرف
بالتوقيف، وإنه لم يرد فيما سوى الرقيق من الحيوانات؛ أو لأنها وجبت طهرة للصائم عن
الرفث، ومعنى الطهرة لا يتقرر في سائر الحيوانات؛ فلا تجب عنها، والله أعلم.
فصل
في بیان جنس الواجب
وأما بيان جنس الواجب وقدره وصفته، أما جنسه وقدره فهو نصف صاع من حنطة، أو
صاع من شعير، أو صاع من تمر، وهذا عندنا. وقال الشافعي: من الحنطة صاع، واحتج بما
روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه؛ أنه قال: ((كُنْتُ أَؤَدِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهُ
صَاعاً مِنْ بُرِّ)).
ولنا: ما روينا من حديث ثعلبة بن صُعَيْرِ العُذْرِيِّ أنه قال: خَطَبَنَا رَسُولُ الله ◌َِ -
١٩٩أ فَقَالَ: ((أَدُّوا عَنْ كُلِّ / حُرِّ وَعَبْدِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بَّرَّ أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ))(١)،
وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي - رحمه الله؛ أن عشرة من الصحابة - رضي الله
عنهم، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم أجمعين - رووا عن رسولِ
اللّهِ - رَ -: ((فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرُ))، واحتج بروايتهم.
وأما حديث أبي سعيد: فليس فيه دليل الوجوب، بل هو حكاية عن فعله؛ فيدل على
الجواز؛ وبه نقول فيكون الواجب نصف صاع، وما زاد يكون تطوعاً، على أن المروي من لفظ
أبي سعيد - رضي الله عنه؛ أنه قال: ((كنت أخرج على عهد رسول الله - وَل ـ صاعاً مِن طعام،
صاعاً من تمر، صاعاً من شعير، وليس فيه ذكر البر؛ فيجعل قوله صاعاً من تمر، صاعاً من
شعير، تفسيراً لقوله: صاعاً من طعام، ودقيق الحنطة وسويقها؛ كالحنطة ودقيق الشعير
وسویقه؛ كالشعير عندنا .
وعند الشافعي: لا يجزىء بناء على أصله من اعتبار المنصوص عليه، [وعندنا:
(١) تقدم.