Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
واستدل الحنفية: أولاً:
=
بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُو الصَّدَقَاتِ فنعماً هِيَ وإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوها الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ وجه الدلالة أن
الآية أفادت إباحة دفع الصدقات ومنها صدقة الفطر - إلى جنس الفقراء من غير تخصيص بمسلم أو
بكافر. ومقتضى ذلك أن يجوز صرف الزكاة وصدقة الفطر إلى الفقير الكافر إلا أن الزكاة قد خصت
بحديث معاذ السابق فبقي ما عداها على أصل الجواز.
واستدلوا ثانياً:
بقوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمْ الله عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّيْنِ﴾ دلت الآية على جواز البر بمن لم يقاتلنا
في الدين والمراد بهم أهل الذمّة. ودفع الصدقات ومنها صدقة الفطر بربهم. فلم تكن محظورة.
واستدلوا ثالثاً :
بما روى ابن أبي شيبة مرسلاً عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله وَّر: ((لاَ تصَدَّقُوا إِلاَّ عَلَى أَهلِ دینكُمْ.
فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ فَلأَنْفُسَكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ
ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ فقال وَِّ: (تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الأَذْيَانِ كُلّهَا)).
وجه الدلالة. أن قوله تصدقوا على أهل الأديان مطلق فيفيد بمقتضى إطلاقه جواز صرف الزكاة إلى جميع
الكفار لأنهم ضمن أهل الأديان الذي ورد جواز التصدّق عليهم - وكان مقتضى ذلك أن يجوز صرف
الزكاة إليهم إلا أن حديث معاذ السابق اقتضى عدم جوازه. فتوفيقاً بين الدليلين حمل حديث معاذ على
الزكاة. والحديث الذي معنا على ما سواها من الصدقات الواجبة كصدقة الفطر والصدقات المنذورة
والكفارات. فإن قيل:
إن حديث معاذ خير آحاد لا تجوز الزيادة به الكتاب لأنها نسخ أجيب: بأن النص مخصوص بنص مثله
هو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾. وبالإجماع على أن فقراء أهل الحرب مخرجون
من عموم الفقراء فلم يكن التخصيص بالحديث.
وإن قيل :
لم لا يكون حديث معاذ شاملاً لصدقة الفطر وغيرها من الكفارات أجيب: بأن الصدقات الأخرى فارقت
الزكاة من جهة أنه ليس للساعي الذي يوليه الإمام من قبله ولاية أخذها من المتصدّق بخلاف الزكاة.
وإن قيل :
إن زكاة المال ليس للإمام أخذها الأمر الذي حرّم أهل الذمة من أخذها:
أجيب: بأن الأصل فيها هو أخذ الإمام لها. فلما كان زمن عثمان قال للناس: ((إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ
كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدّهُ ثُمَّ يَتَرُكَ بَقِيَّةِ مَالَهُ)) فجعل أصحاب الأموال وكلاء عنه في الأداء. وهذا لم يسقط حق
الإمام في الأخذ.
واستدلوا رابعاً:
بما روى الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية قال: ((كره الناس أن يتصدقوا على المشركين فأنزل الله
ليس عليك هداهم فتصدّق الناس عليهم من غير الفريضة .
وبما روى هشام بن عروة عن أسماء قالت أتتني أمي في عهد قُرَيْش رَاغيةٌ وهي مشركة فسألت النبي وَّ أصلها
قال نعم)) دلت الروايتان على جواز التصدّق على الكفار وصدقة الفطر منها فكانت جائزة عليهم.
ينظر المغني لابن قدامة (٧٠٩/٢)، والمجموع (٢٢٨/٦)، وابن عابدين (٦٩/٢).
بدائع الصنائع ج٢ - م٣١

٤٨٢
كِتَابُ الزَّكَاء
معاذٍ - رضي الله عنه -: ((خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ))(١)، أمر بوضع الزكاة في
فقراء(٢) من يُؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون، فلا يجوز وضعها في غيرهم، وأما ما سوى
الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور - فلا شك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين
أفضل؛ لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطّاعة، وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة.
قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز.
وقال أبو يوسف: لا يجوز، وهو قول زفر والشافعي.
وجه قولهم: الاعتبار بالزكاة وبالصرف إلى الحربي.
ولهما: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] من غير فصل بين فقير وفقير، وعموم هذا النص
يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم، إلا أنه خص منه الزكاة؛ لحديث معاذ - رضي الله عنه،
وقوله تعالى في الكفارات: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيْكُمْ﴾،
من غير فصل بين مسكين ومسكين، إلا أنه خص منه الحربي بدليل؛ ولأن صرف الصدقة إلى
أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم، وما نهينا عن ذلك، قال الله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمْ الله عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِ جُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وظاهر هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم؛ لأن أداء الزكاة بر
بهم، إلا أن البر بطريق الزكاة غير مراد، عرفنا ذلك بحديث معاذ - رضي الله عنه، وإنما لا
يجوز صرفها إلى الحربي؛ لأن في ذلك إعانة لهم على قتالنا، وهذا لا يجوز، وهذا المعنى لم
يوجد في الذُميِّ.
ومنها: أَلَّ يكون من بني هاشم؛ لما رُوِيَ عن رسول الله - وَرَ - أنه قال: ((يَا مَعْشَرَ بَنِي
هَاشِمٍ، إِنَّ الله ◌َرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ، وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الخُمُسِ مِنَ الغَنِيمَةِ»(٣) .
وروي عنه - رََّ - أنه قال: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَىْ بَنِي هَاشِم)»(٤).
وروي أنه رَأَىْ في الطريق تَمْرَةً، فَقَالَ: ((لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لَأَكَلْتُهَا))،
(١) تقدم.
(٢) في أ: فقرائهم.
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٧٥٤) كتاب: الزكاة، باب: ترك استعمال آل النبي وَلقر على الصدقة. حديث (١٦٨/
١٠٧٢).
(٤) تقدم.

٤٨٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يَا بَنِي هَاشِم غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ))(١)، والمعنى: ما أشار إليه أنها
من غسالة الناس، فيتمكن فيها الخبث،َ فصان الله تعالى بني هاشم عن ذلك؛ تشريفاً لهم،
وإكراماً وتعظيماً لرسول الله وَالتر .
ومنها: أَلاَّ يكون من مواليهم؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال:
اسْتَعْمَلَ رَسُولُ الله - نَّهِ - أَرْقَمَ بْنَ أَبِي أَرْقَمَ الزُّهْرِي(٢) عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَأُسْتَتْبَعَ أَبَا رَافِعٍ، فَأَتَى
النَّبِيَّ - وََّ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا رَافِعٍ، إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مَوَالِي
القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))(٣)، أي: في حرمة الصدقة؛ لإجماعنا على أن مولى القوم ليس منهم في
جميع الأحكام؛ ألا ترى أنه ليس بكفء لهم؛ وكذا مولى/ المسلم إذا كان كافراً تؤخذ منه ١١٨٧
الجزية، ومولى التغلبي تؤخذ منه الجزية، ولا تؤخذ منه الصدقة المضاعفة، فدل أن المراد منه
في حرمة الصدقة خاصة، وبنو هاشم الذين تَخْرُمُ عليهم الصدقات: آل العباس، وآل علي،
وآل جعفر، وآل عقيل، وولد الحارث بن عبد المطلب؛ كذا ذكره الكرخي.
ومنها: ألا تكون منافع الأملاك متصلة بين المؤدي وبين المؤدى إليه؛ لأن ذلك يمنع
وقوع الأداء تمليكاً من الفقير من كل وجه، بل يكون صرفاً إلى نفسه من وجه، وعلى هذا
يخرج الدفعُ إلى الوالدين وإن علوا، وإلى المولودين وإن سفلوا؛ لأن أحدهما ينتفع بمال
الآخر، ولا يجوز أن يدفع الرجل الزكاة إلى زوجته بالإجماع، وفي دفع المرأة إلى زوجها
اختلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه، ذكرناه فيما تقدم.
(١) أخرجه البخاري (٨٦/٥) كتاب اللقطة: باب إذا وجد تمرة في الطريق حديث (٢٤٣١) ومسلم (٧٥٢/٢)
كتاب الزكاة: باب تحريم الزكاة على رسول الله ◌َر حديث (١٠٧١/١٦٥) أحمد (٢٥٨،١٩٣،١٨٤/٣)
وأبو داود (٥١٩/١) كتاب الزكاة: باب الصدقة على بني هاشم حديث (١٦٥١) وأبو داود الطيالسي (١/
١٧٧ - منحة) رقم (٨٣٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩/٢) كتاب الزكاة: باب الصدقة على بني
هاشم وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٢/٦) والبيهقي (١٩٥/٦) وأبو يعلى (٢٤٥/٥-٢٤٦) رقم (٢٨٦٢)
وابن حبان (٣٦٩٣ - الإحسان) من حديث أنس بن مالك.
(٢) الأرقم بن عبد مناف بن أسد المخزومي، أبو عبد الله: صحابي، رفيع الشأن، ولد سنة ٣٠ ق هـ، لم
يسبقه إلى الإسلام غير ستة من الصحابة. كانت داره بمكة، عند الصفا، تسمى ((دار الإسلام)) وفيها كان
رسول الله ◌َّلو يدعو الناس إلى الإسلام، وممن أسلم فيها عمر بن الخطاب. وشهد الأرقم المشاهد كلها
مع رسول الله. ونقله النبي ◌ّ﴿ يوم بدر سيفاً، واستعمله على الصدقات. توفي بالمدينة سنة ٥٥هـ.
(٣) أخرجه أحمد (١٢٨/٦) وأبو داود (٢٩٨/٢-٢٩٩) كتاب الزكاة: باب الصدقة على بني هاشم حديث
(١٦٥٠) والترمذي (٤٦/٣) كتاب الزكاة: باب من تحل له الصدقة حديث (٦٥٧) والنسائي (١٠٧/٥)
كتاب الزكاة: باب مولى القوم منهم والحاكم (٤٠٤/١) كتاب الزكاة: باب تحريم الصدقة وصححه
الترمذي والحاكم.

٤٨٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما صدقة التطوُّع: فيجوز دفعها إلى هؤلاء، والدفع إليهم أولى؛ لأنَّ فيه أجرين: أجر
الصدقة، وأجر الصلة، وكونه دفعاً إلى نفسه من وجه لا يمنع صدقة التطوع؛ قال النبيُّ - ◌َالم
-: (نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ، وَعَلَىْ عِيَالِهِ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ(١)، ويجوز دفع
الزكاة إلى من سوى الوالدين والمولودين من الأقارب، ومن الإخوة والأخوات، وغيرهم؛
لانقطاع منافع الأملاك بينهم؛ ولهذا تقبل شهادة البعض على البعض، والله أعلم.
هذا الذي ذكرنا إذا دفع الصدقة إلى إنسان على علم منه بحاله؛ أنه محل الصدقة، فأما
إذا لم يعلم بحاله ودفع إليه؛ فهذا على ثلاثة أوجه: في وجه: هو على الجواز حتى يظهر
خطأه، وفي وجه: على الفساد حتى يظهر صوابه، وفي وجه: فيه تفصيل على الوفاق
والخلاف.
أما الذي هو على الجواز حتى يظهر خطأه، فهو: أن يدفع زكاة ماله إلى رجل، ولم
يخطر بباله وقت الدفع، ولم يشك في أمره؛ فدفع إليه، فهذا على الجواز، إلا إذا ظهر بعد
الدفع أنه ليس محل الصدقة، فحينئذ لا يجوز؛ لأن الظاهر أنه صرف الصدقة إلى محلها؛
حيث نوى الزكاة عند الدفع، والظاهر لا يبطل إلا باليقين، فإذا ظهر بيقين أنه ليس بمحل
الصدقة، ظهر أنه لم يجز، وتجب عليه الإعادة، وليس له أن يسترد ما دفع إليه، ويقع تطوعاً
حتى إنه لو خطر بباله بعد ذلك وشك فيه، ولم يظهر له شيء - لا تلزمه الإعادة؛ لأن الظاهر
لا يبطل بالشَّكُ.
وأما الذي هو على الفساد حتى يظهر جوازه، فهو: أنه خطر بباله وشك فى أمره، لكنه
لم يتحر، ولا طلب الدليل، أو تحرى بقلبه لكنه لم يطلب الدليل - فهو على الفساد، إلا إذا
ظهر أنه محل بيقين، أو بغالب الرأي، فحينئذ يجوز؛ لأنه لما شك وجب عليه التحري
والصرف إلى مَنْ وقع عليه تحريه، فإذا ترك لم يوجد الصرف إلى مَنْ أمر بالصرف إليه؛
فيكون فاسداً، إلا إذا ظهر أنه محل فيجوز.
وأما الوجه الذي فيه تفصيل على الوفاق والخلاف: فهو أن خطر بباله، وشك في أمره
وتحرى، ووقع تحريه على أنه محلّ الصدقة؛ فدفع إليه ــ جاز بالإجماع، وكذا إن لم يتحر،
ولكن سأل عن حاله فدفع، أو رآه في صف الفقراء أو على زي الفقراء فدفع، فإن ظهر أنه كان
محلًّ جاز بالإجماع، وكذا إذا (٢) لم يظهر حاله عنده.
وأما إذا ظهر أنه لم يكن محلّاً؛ بأن ظهر أنه غني، أو هاشمي، أو مولى لهاشمي، أو
(١) تقدم.
(٢) في أ: إن.

٤٨٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كافر، أو والد، أو مولود، أو زوجة - يجوز؛ وتسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد،
ولا تلزمه الإعادة، وعند أبي يوسف: لا يجوز، وتلزمه الإعادة؛ وبه أخذ الشافعي.
وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة في الوالد والولد والزوجة؛ أنه لا يجوزُ؛ كما قال
أبو يوسف، ولو ظهر أنه عبده، أو مدبره، أو أم ولده، أو مكاتبه - لم يجز وعليه الإعادة في
قولهم جميعاً، ولو ظهر أنه مستسعاة - لم يجز عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة المكاتب عنده،
وعندهما: يجوز؛ لأنه حر علیه دین.
وجه قول أبي يوسف: إن هذا مجتهد ظهر خطأه بيقين، فبطل اجتهاده، وكما لو تحرى
في ثياب أو أواني، وظهر خطأه فيها، وكما لو صرف، ثم ظهر أنه عبده، أو مدبره، أو أم
ولده، أو مكاتبه.
ولهما: أنه صرف الصدقة إلى من أمر بالصرف إليه، فيخرج عن العهدة؛ كما إذا صرف
ولم يظهر حاله بخلافه، ودلالة ذلك أنه مأمور بالصرف إلى مَنْ هو محل عنده، وفي ظنه
واجتهاده لا على الحقيقة؛ إذ لا علم له بحقيقة الغنى والفقر؛ لعدم إمكان الوقوف على
حقيقتهما، وقد صرف إلى من أدى اجتهاده أنه محل، فقد أتي بالمأمور به، فيخرج عن
العهدة، بخلاف الثياب والأواني؛ لأن العلم بالثوب الطاهر والماء الطاهر ممكن، فلم يأتٍ
بالمأمور به؛ فلم يجز، وبخلاف ما إذا ظهر أنه عبده؛ لأن الوقوف على ذلك بأمارات تدلُّ
عليه - ممكن.
على أن معنى صرف الصدقة، وهو التمليك هناك لا يتصور؛ لاستحالة/ تمليك الشيء ١٨٧ ب
من نفسه، وقوله: ظهر خطأه بيقين ممنوع، وإنما يكون كذلك أن لو قلنا: إنه صار محل
الصدقة باجتهاده، فلا نقول كذلك، بل المحل المأمور بالصرف إليه شرعاً حالة الاشتباه، وهو
من وقع عليه التحرِّي، وعلى هذا لا يظهر خطأهُ، ولهما في الصرف إلى ابنه، وهو لا يعلم
به - الحديث المشهور وهو ما روي؛ أن يَزِيدَ بْنَ مَعْنِ دَفَعَ صَدَقَّتَهُ إِلَى رَجُلِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ
الْمَسْجِدَ لَيْلاً، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا، فَدَفَعَهَا إِلَى أَبْنِهِ مَعْنٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَآهَا فِي يَدِهِ، فَقَّالَ لَهُ: لَّمْ أُرِدٌ
بِهَا، فَأَخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - وَ - فَقَالَ: ((يَا مَعْنُ، لَكَ مَا أَخَذْتَ، وَيَا يَزِيدُ، لَّكَ مَا
نَوَيْتَ))(١). والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه أحمد (٤٧٠/٣) والبيهقي (٣٤/٧)، والبخاري (١٤٢٢).

٤٨٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فضل
في حولان الحول
وأما حولان الحول: فليس من شرائط جواز أداء الزكاة عند عامة العلماء.
وعند مالك: من شرائط الجواز؛ فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافاً لمالك،
والكلام في التعجيل في مواضع، في بيان أصل الجواز، وفي بيان شرائطه، وفي بيان حكم
المعجل(١) إذا لم يقع زكاة.
أما الأول: فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وجه قول مالك: إن أداء الزكاة أداء
الواجب، وأداء الواجب - ولا وجوبَ ـ لا يتحقَّق، ولا وجوبَ قبل الحول؛ لقول النبيِّ وَّه:
(لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ))(٢) .
ولنا ما رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ الله - ◌َ ◌َّ ـ أَسْتَسْلَفَ مِنَ العَبَّاسِ زَكَاةَ سَنَّتَيْنِ))(٣)، وأدنى
درجات فعل النبي ◌َّر الجواز.
(١) في أ: التعجيل.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٦،٢٧٥/٢): كتاب الزكاة: باب في تعجيل الزكاة، حديث (١٦٢٤)، والترمذي
(٩٣/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في تعجيل الزكاة، حديث (٦٧٣)، وابن ماجه (٥٧٢/١): كتاب
الزكاة: باب تعجيل الزكاة قبل محلها، حديث (١٧٩٥)، وأبو عبيد في ((الأموال)) (ص ٧٠٣) كتاب
الصدقة وأحكامها وسننها: باب تعجيل الصدقة، وإخراجها قبل أوانها، وابن سعد في الطبقات (٢٦/٤)،
وأحمد (١٠٤/١)، والدارمي (٣٨٥/١): كتاب الزكاة: باب في تعجيل الزكاة، والدارقطني (١٢٣/٢):
كتاب الزكاة: باب تعجيل الصدقة قبل الحول، حديث (٣)، والبيهقي (١١١/٤): كتاب الزكاة: باب
تعجيل الصدقة، والحاكم (٣٣٢/٣)، كلهم من طريق إسماعيل بن زكريا، عن الحجاج بن دينار، عن
الحكم بن عتيبة، عن حجية بن عدي عن علي ((أن العباس سأل رسول الله وَّ﴿ في تعجيل الصدقة قبل أن
تحل فرخص له في ذلك)).
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
وقال البيهقي: هذا حديث مختلف فيه، عن الحكم، عن عتيبة، فرواه إسماعيل بن زکریا، عن حجاج،
عن الحكم هذا، وخالفه إسرائيل، عن حجاج، فقال: عن الحكم، عن حجر العدوي، عن علي وخالفه
في لفظه، فقال: قال رسول الله وَل﴿ لعمر: ((إنا قد أخذنا من العباس زكاة عام الأول))، ورواه محمد بن
عبيد الله العرزمي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قصة عمر والعباس، ورواه الحسن بن
عمارة عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن طلحة. ورواه هشيم عن منصور بن زادان، عن الحكم،
عن الحسين بن مسلم، عن النبي ◌َّ مرسلاً أنه قال لعمر رضي الله عنه في هذه القصة: ((إنا كنا قد
تعجلنا صدقة مال العباس لعامنا هذا عام أول)). وهذا هو الأصح من هذه الروايات.
أما رواية إسرائيل :
=

٤٨٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما قوله: إن أداء الزكاة أداء الواجب، ولا وجوب قبل حولان الحول، فالجواب عنه
من وجهين :
أحدهما: ممنوع؛ أنه لا وجوب قبل حولان الحول، بل الوجوب ثابت قبله؛ لوجود
سبب الوجوب، وهو ملك نصاب كامل تام، أو فاضل عن الحاجة الأصلية؛ لحصول الغنى
به، ولوجوب شكر نعمة المال على ما بينا فيما تقدم، ثم من المشايخ من قال بالوجوب
أخرجها الترمذي (٩٤/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في تعجيل الزكاة، حديث (٦٧٤)، والدارقطني
(١٢٤/٢): كتاب الزكاة: باب تعجيل الصدقة قبل الحول، حديث (٥)، من طريق إسحاق بن منصور،
ثنا إسرائيل عن الحجاج بن دينار، عن الحكم بن جحل، عن حجر العدوي، عن علي، عن النبي ◌َّر
أنه قال لعمر: ((إنا قد أخذنا من العباس زكاة العام، عام الأول)». وقال الترمذي: حديث إسماعيل بن
زكريا، عن الحجاج عندي أصح من حديث إسرائيل عن الحجاج.
أما رواية محمد بن عبيد الله:
أخرجها الدار قطني (١٢٤/٢): كتاب الزكاة: باب تعجيل الصدقة قبل الحول، حديث (٧)، من رواية
النعمان بن عبد السلام عنه، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله وَل عمر
ساعياً فأتى العباس يطلب صدقة ماله، فأغلظ له العباس فخرج إلى النبي ◌ّر فأخبره، فقال رسول
الله ◌َلثر: ((إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل))، ومحمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف.
أما رواية الحسن بن عمارة فأخرجها البزار ((كشف الأستار عن زوائد البزار)» (٤٢٤/١): كتاب الزكاة:
باب تعجيل الزكاة، حديث (٨٩٥)، وأبو يعلى كما في ((المجمع)) (٨٢/٣)، والدار قطني (١٢٤/٢):
كتاب الزكاة: باب تعجيل الصدقة قبل الحلول، حديث (٦)، من طريقه، عن الحكم، عن موسى بن
طلحة أن النبي وَ ل# قال: ((يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟ إنا كنا احتجنا إلى مال فتعجلنا من
العباس صدقة ماله لسنتين)).
وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار، وفيه الحسن بن عمارة، وفيه كلام.
أما رواية هشيم:
قال أبو داود (٢٧٦/٢): كتاب الزكاة: باب في تعجيل الزكاة، حديث (١٦٢٤): روى هذا الحديث
هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم عن الحسن بن مسلم، عن النبي ◌َّر، وحديث هشيم أصح.
أما رواية الحكم المرسلة:
فأخرجها ابن أبي شيبة (١٤٨/٣): كتاب الزكاة: باب ما قالوا في تعجيل الزكاة، حدثنا حفص بن
غياث، عن حجاج، عن الحكم ((أن رسول الله وَليل بعث ساعياً على الصدقة فأتى العباس يستسلفه فقال له
العباس: إني أسلفت صدقة مالي سنتين فأتى النبي وقّ فقال: صدق عمي)).
وفي الباب عن أبي رافع.
حديث أبي رافع:
أخرجه الدارقطني (١٢٥/٢): كتاب الزكاة: باب تعجيل الصدقة قبل الحول، حديث (٩)، والطبراني في
(الأوسط)) كما في المجمع (٨٢/٣)، من رواية إسماعيل المكي، عن سليمان الأحول، عن أبي رافع
بالقصة، وفيه: ((إن العباس أسلفنا صدقة العام عام الأول)).

٤٨٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
توسعاً، وتأخير الأداء إلى مدة الحول؛ ترفيهاً وتيسيراً على أرباب الأموال كالدين المؤجّل، فإذا
عجل فلم يترفه، فيسقط الواجب كما في الدين المؤجل.
فمنهم من قال بالوجوب، لكن لا على سبيل التأكيد؛ وإنما يتأكد الوجوب بآخر الحول.
ومنهم من قال بالوجوب في أول الحول، لكن بطريق الاستناد وهو أن يجب أولاً في
آخر الحول، ثم يستند الوجوب إلى أوله، لاستناد سببه، وهو كون النصاب حولياً، فيكون
التعجيل أداء بعد الوجوب، لكن بالطريق الذي قلنا؛ فيقع زكاة.
والثاني: إن سلمنا أنه لا وجوب قبل الحول، لكن سبب الوجوب موجود وهو ملك
النصاب، ويجوز أداء العبادة قبل الوجوب(١) بعد [وجود] (٢) سبب الوجوب؛ كأداء الكفارة بعد
الجرح قبل الموت، وسواء عجل عن نصاب واحد أو اثنين، أو أكثر من ذلك، مما يستفيده
في السنة عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: لا يجوز إلا عن النصاب الموجود، حتى لو كان له مائتا درهم، فعجل زكاة
الألف، وذلك خمسة وعشرون، ثم استفاد مالاً، أو ربح في ذلك المال، حتى صار ألف
درهم، فتم الحول وعنده ألفا درهم - جاز عن الكلِّ عندنا.
وعند زفر: لا يجوز إلا عن المائتين، وجه قوله: إن التعجيل عما سوى المائتين تعجيل
قبل وجود السبب، فلا يجوزُ كما لو عجل قبل ملك المائتين.
ولنا: أن ملك النصاب موجود في أول الحول، والمستفاد على ملك النصاب في
الحول؛ كالموجود من ابتداء الحول؛ بدليل وجوب الزكاة فيه عند حَوَلاَنِ الحول، فلو لم
يجعل كالموجود في أول الحول - لما وجبت الزكاة فيه؛ لقوله وَّ: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى
يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ))، وإذا كان كذلك جعلت الألف كأنها كانت موجودة في ابتداء الحول؛
ليصير مؤدياً بعد وجود الألف تقديراً؛ فجاز، والله تعالى أعلم.
فضل
في بيان شرائط الجواز
وأما شرائط الجواز فثلاثة :
أحدها: كمال النصاب في أول الحول.
والثاني: كماله في آخر الحول.
(١) في أ: الموجود.
(٢) سقط في أ.

٤٨٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
والثالث: ألا ينقطع النصابُ فيما بين ذلك، حتى لو عجل وله في أول الحول أقل من
النصاب، ثم كمل في آخره، فتم الحول - والنصاب كامل - لم يكن المعجل زكاة؛ بل كان
تطوعاً.
وكذا لو عجل - والنصاب كامل - ثم هلك نصفه مثلاً، فتم الحول والنصاب غير كامل -
لم يجز التعجيل، وإنما كان كذلك؛ لأن المعتبر كمال النصاب في طرفي الحول؛ ولأن سبب
الوجوب هو النصاب، فأحد الطرفين حال انعقاد السبب، والطرف الآخر حال الوجوب، أو
حال تأكد الوجوب بالسبب، وما بين ذلك ليس بحال الانعقاد، ولا حال الوجوب؛ إذ تأكد(١)
الوجوب بالسبب، فلا معنى لاشتراط النصاب عنده.
ولأن في اعتبار كمال النصاب فيما بين ذلك حرجاً؛ [لأن التجار يحتاجون إلى النظر في
ذلك كل يوم وكل ساعة، وفيه من الحرج ما](٢) لا يخفى، ولا حرج في مراعاة الكمال في
أول الحول وآخره، وكذلك جرت عادة التجار بتعرف رؤوس أموالهم في أول الحول وآخره،
ولا يلتفتون إلى ذلك في أثناء الحول، إلا أنه لا بدّ من بقاء شيء من النصاب، وإن قل في
أثناء الحول؛ ليضم المستفاد إليه؛ ولأنه إذا هلك النصاب/ الأول كله - فقد انقطع حكم ١١٨٨
الحول؛ فلا يمكن إبقاء المعجل زكاة، فيقع تطوعاً.
ولو كان له نصاب في أول الحول، فعجل زكاته، وانتقص النصاب، ولم يستفد شيئاً
حتى حال الحول، والنصاب ناقص - لم يجز التعجيل، ويقع المؤدي تطوعاً، ولا يعتبر
المعجل في تمام النصاب عندنا، وعند الشافعيِّ يكمل النصاب بما عجل، ويقع زكاة.
وصورته إذا عجل خمسة عن مائتين، ولم يستفد شيئاً حتى حال الحولُ، وعنده مائة
وخمسة وتسعون، أو عجل شاة من أربعين، فحال عليها الحول وعنده تسعة وثلاثون - لم يجز
التعجيل عندنا، وعنده: جائز.
وجه قوله: إن المعجل وقع زكاة عن كل النصاب، فيعتبر في إتمام النصاب.
ولنا: أن المؤدي مال أزال ملكه عنه بنية الزكاة، فلا يكمل به النصاب؛ كما لو هلك في
يد الإمام، ولو استفاد خمسة في آخر الحول - جاز التعجيل؛ لوجود كمال النصاب في طرفي
الحول، ولو كان له مائتا درهم، فعجل زكاتها خمسة، فانتقص النصاب، ثم استفاد ما يكمل به
النصاب بعد الحول في أول الحول الثاني، وتم الحول الثاني - والنصاب كامل - فعليه الزكاة
(١) في أ: أو حال تأكد.
(٢) سقط في أ.

٤٩٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
للحول الثاني، وما عجل يكون تطوعاً؛ لأنه عجل للحول الأول، ولم تجب عليه الزكاة للحول
الأول؛ لنقصان النصاب في آخر الحول.
ولو كان له مائتا درهم، فعجل خمسة منها، ثم تم الحول - والنصاب ناقص - ودخل
الحول الثاني وهو ناقص؛ ثم تم الحول الثاني وهو كامل - لا تجزي الخمسة عن السنة
الأولى، ولا عن السنة الثانية؛ لأن في السنة الأولى كان النصاب ناقصاً في آخرها، وفي السنة
الثانية كان ناقصاً في أولها، فلم تجب الزكاة في السنتين، فلا يقع المؤدي زكاة عنهما.
ولو كان له مائتا درهم فحال الحول، وأدى خمسة منها حتى انتقص منها خمسة، ثم إنه
عجل عن السنة الثانية خمسة، حتى انتقص منها خمسة أخرى، فصار المال مائة وتسعين، فتم
الحول الثاني، وقد استفاد عشرة حتى حال الحول على المائتين.
ذكر في ((الجامع)): أن الخمسة التي عجل للحول الثاني جائزة، طعن عيسى بن أبان،
وقال: ينبغي ألا تجزئه هذه الخمسة عن السنة الثانية؛ لأن الحول الأول لما تم وجبت الزكاة،
وصارت خمسة من المائتين واجبة، ووجوب الزكاة يمنع وجوب الزكاة، فانعقد الحول الثاني
والنصاب ناقص، فكان تعجيل الخمسة عن السنة الثانية تعجيلاً حال نقصان النصاب؛ فلم
يجز.
والجواب: أن الزكاة تجب بعد تمام السنة الأولى، وتمام السنة الأولى يتعقبه الجزء
الأول من السنة الثانية، والوجوب ثبت مقارناً لذلك الجزء، والنصاب كان كاملاً في ذلك
الوقت، ثم انتقص بعد ذلك، وهو حال وجود الجزء الثاني من السنة الثانية؛ فكان ذلك نقصان
النصاب في أثناء الحول، ولا عبرة به عند وجود الكمال في طرفيه، وقد وجد ههنا؛ فجاز
التعجيل لوجود حال كمال النصاب. والله أعلم.
فضل
في حكم المعجل
وأما حكم المعجل إذا لم يقع زكاة؛ أنه إن وصل إلى يد الفقير يكون تطوعاً، سواء
وصل إلى يده من يد رب المال، أو من يد الإمام أو نائبه، وهو الساعي؛ لأنه حصل أصل
القربة، وإنما التوقف في صفة الفرضية، وصدقة التطوع - لا يحتمل الرجوع فيها بعد وصولها
إلى يد الفقير، وإن كان المعجل في يد الإمام قائماً - له أن يسترده؛ لأنه لما لم يصل إلى يد
الفقير لم يتم الصرف؛ لأن يد المصدق في الصدقة المعجلة يد المالك من وجه؛ لأنه مخير في
دفع المعجل إليه، وإن كان يد الفقير من وجه من حيث إنه يقبض له، فلم يتم الصرف؛ فلم
تقع صدقة أصلاً، وإن هلك في يده لا يضمن عندنا.

٤٩١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال الشافعي: إن استسلف الإمام بغير مسألة رب المال، ولا أهل السهمان - يضمن،
وهذا فاسد؛ لأن الضمان إنما يجب على الإنسان بفعله، وفعله الأخذ، وأنه مأذون فيه، فلا
يصلح سبباً لوجوب الضمان، والهلاك ليس من صنعه، بل هو محض صنع الله تعالى، أعني:
مصنوعه، ولو دفع الإمام المعجل إلى فقير، فأيسر الفقير قبل تمام(١) الحول، أو مات أو
ارتد ـ جاز عن الزكاة عندنا .
وقال الشافعي: يسترده الإمام، إلا أن يكون يساره من ذلك المال.
وجه قوله: إن كون المعجل زكاة إنما يثبت عند تمام الحول، وهو ليس محل الصرف
في ذلك الوقت؛ فلا يقع زكاة، إلا إذا كان يساره من ذلك المال؛ لأنه حينئذ يكون أصلاً، فلا
يقطع التبع عن أصله.
ولنا: أن الصدقة لاقت كف الفقير، فوقعت موقعها؛ فلا تتغير بالغنى الحادث بعد ذلك،
كما إذا دفعها إلى الفقير بعد حولان الحول ثم أيسر؛ ولو عجل زكاة ماله، ثم هلك المال - لم
يرجع على الفقير عندنا.
وقال الشافعي: يرجع عليه إذا كان قال له: إنها معجلة، وهذا غير سديد؛ لأن الصدقة/ ١٨٨ب
وقعت في محل الصدقة وهو الفقير بنية الزكاة، فلا يحتمل الرجوع كما إذا لم يقل: إنها
معجلة، ولو كان له دراهم أو دنانير، أو عروض للتجارة، فعجل زكاة جنس منها، ثم هلك
بعض المال - جاز المعجل عن الباقي؛ لأن الكل في حكم مال واحد؛ بدليل أنه يضم البعض
إلى البعض في تكميل النصاب، فكانت نية التعيين في التعجيل لغواً، كما لو كان له ألف
درهم، فعجل زكاة المائتين، ثم هلك بعض المال، وهذا بخلاف السوائم المختلفة بأن كان له
خمس من الإبل، وأربعون من الغنم، فعجل شاة عن خمس من الإبل، ثم هلكت الإبل - أن
المعجل لا يجوز عن زكاة الغنم؛ لأنهما مالان مختلفان صورة ومعنى، فكان نية التعيين
صحيحة، فالتعجيل عن أحدهما لا يقع عن الآخر، والله أعلم.
فضل
في بيان ما يسقط الزكاة بعد الوجوب
وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها: فالمسقط لها بعد الوجوب أحدُ الأشياء الثلاثة؛ منها
هلاك النصاب بعد الحول، قبل التمكن من الأداء، وبعده عندنا، وعند الشافعي: لا يسقط
بالهلاك بعد التمكن، والمسألة قد مضت.
(١) في أ: حولان.

٤٩٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومنها: الردة عندنا، وقال الشافعي: الردة لا تسقط الزكاة الواجبة، حتى لو أسلم لا
يجب عليه الأداء عندنا، وعنده: يجب.
وجه قوله: إن المرتد قادر على أداء ما وجب عليه، لكن بتقديم شرطه وهو الإسلام،
فإذا أسلم وجب عليه الأداء، كالمحدث والجنب؛ أنهما قادران على أداء الصلاة، لكن بواسطة
الطهارة، فإذا وجدت الطهارة يجب عليهما الأداء، كذا هذا.
ولنا: قولُ النّبِيِّ - تَ -: ((الْإِسْلاَمُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ)) (١)؛ ولأن المرتد ليس من أهل أداء
العبادة، فلا يكون من أهل وجوبها؛ فتسقط عنه بالردة، وما ذكر أنه قادر على الأداء بتقديم
شرطه وهو الإسلام - كلام فاسد؛ لما فيه من جعل الأصل تبعاً لتبعه، وجعل التبع أصلاً
لمتبوعه، على ما بينا فيما تقدم.
ومنها: موت مَنْ عليه الزكاة من غير وصية عندنا، وعند الشافعي: لا تسقط.
وجملة الكلام فيه: أن مَنْ عليه الزكاة إذا مات قبل أدائها، فلا يخلو إما إن كان أوصى
بالأداء، وإما إن كان لم يوصٍ، فإن كان لم يوص تسقط عنه في حق أحكام الدنيا، حتى لا
تؤخذ من تركته، ولا يؤمر الوصي أو الوارث بالأداء من تركته عندنا، وعنده: تؤخذ من تركته،
وعلى هذا الخلاف، إذا مات مَنْ عليه صدقة الفطر، أو النذر، أو الكفارات، أو الصوم، أو
الصلاة، أو النفقات، أو الخراج، أو الجزية؛ لأنه لا يستوفي من تركته عندنا، وعنده: يستوفي
من تركته، وإن مات مَنْ عليه العشر، فإن كان الخارج قائماً - فلا يسقط بالموت في ظاهر
الرواية .
وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة؛ أنه يسقط، ولو كان استهلك الخارج، حتى
صار ديناً في ذمته - فهو على هذا الاختلاف، وإن كان أوصى بالأداء لا يسقط، ويؤدي من
ثلث ماله عندنا، وعند الشافعي: من جميع ماله.
والكلام فيه بناء على أصلين :
أحدهما: ما ذكرناه فيما تقدم، وهو أن الزكاة عبادة عندنا، والعبادة لا تتأدى إلا باختيار
من عليه؛ إما بمباشرته بنفسه، أو بأمره أو إنابته غيره، فيقوم النائب مقامه، فيصير مؤدياً بيد
النائب، وإذا أوصى فقد أناب، وإذا لم يوص فلم ينب، فلو جعل الوارث نائباً عنه شَرْعاً من
غير إنابته - لكان ذلك إنابة جبرية، والجبر ينافي العبادة؛ إذ العبادة فعل يأتيه العبد باختياره؛
ولهذا قلنا: إنه ليس للإمام أن يأخذ الزكاة من صاحب المال من غير إذنه جبراً، ولو أخذ لا
تسقط عنه الزكاة .
(١) تقدم تخريجه.

٤٩٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
والثاني: أن الزكاة وجبت بطريق الصلة.
ألا ترى أنه لا يقابلها عوض مالي، والصلات تسقط بالموت قبل التسليم، والعشر مؤنة
الأرض، وكما ثبت ثبت مشتركاً، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أضاف المخرج إلى الكل: الأغنياء والفقراء
جميعاً، فإذا ثبت مشتركاً فلا يسقط بموته، وعنده الزكاة حق العبد وهو الفقير، فأشبه سائر
الديون، وأنها لا تسقط بموت مَنْ عليه، كذا هذا.
ولو مات مَنْ عليه الزكاة في خلال الحول ينقطع حكم الحول عندنا، وعند الشافعي: لا
ينقطع، بل يبني الوارث عليه، فإذا تم الحول أدى الزكاة؛ والكلام فيه أيضاً مبنيٍّ على ما
ذكرنا، وهو أن الزكاة عبادة عندنا، فيعتبر فيه جانب المؤدي وهو المالك، وقد زال ملكهُ
بموته، فينقطع حوله، وعنده: ليست بعبادة، بل هي مؤنة الملك، فيعتبر قيام نفس الملك،
وأنه قائم؛ إذ الوارث يخلف المورث في عين ما كان للمورث، والله تعالى أعلم.
فضل
في زكاة الزروع
وأما زكاة الزروع والثمار، وهو العشر، فالكلام في هذا النوع أيضاً يقع في مواضع: في
بيان فرضيته، وفي بيان كيفية الفرضية، وفي بيان سبب الفرضية، وفي بيان شرائط الفرضية،
وفي بيان القدر المفروض، وفي بيان صفته، وفي بيان/ مَنْ له ولاية الأخذ، وفي بيان وقت ١٨٩أ
الفرض، وفي بيان ركنه، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يسقطه، وفي بيان ما يوضع في
بيت المال من الأموال، وفي بيان مصارفها.
أما الأول: فالدليل على فرضيته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال عامة أهل التأويل:
إن الحق المذكور هو العشر، أو نصف العشر.
فإن قيل: إن الله تعالى أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد، ومعلومٌ أن زكاة الحبوب لا تخرج
يوم الحصاد، بل بعد التنقية والكيل؛ ليظهر مقدارها، فيخرج عشرها، فدل أن المراد به غير
العشر، فالجوابُ أن المراد منه - والله أعلم - وآتوا حَقَّهُ الذي وجب فيه يوم حصاده بعد
التنقية؛ فكان اليوم ظرفاً للحق لا للإيتاء؛ على أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجب العشر في
الخضروات، وإنما يخرج الحق منها يوم الحصاد، وهو القطع، ولا ينتظر شيء آخر، فثبت أن
الآية في العشر، إلا أن مقدار هذا الحق غير مبين في الآية، فكانت الآية مجملة في حق
المقدار، ثم صارت مفسرة ببيان النبيِّ - وَلَ - بقوله: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العَشْرُ، وَمَا سُقِيَ

٤٩٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))(١)؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتُّوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ أنها مجملة في
حق المقدار، فبيَّنه النبيُّ - وَّهِ - بقوله: ((فِي مَاتَتَيْ دِرْهَمِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ))(٢)، فصار مفسراً؛ كذا
(١) أخرجه بهذا اللفظ: البيهقي (١٣٠/٤) كتاب الزكاة: باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض.
من حديث أبي هريرة:
وأخرجه الترمذي (٧٥/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار، وغيرها، وابن
ماجه (١/ ٥٨٠): كتاب الزكاة: باب الصدقة الزروع والثمار، حديث (١٨١٦)، من حديث أبي هريرة
بلفظ: ((فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر)).
وله شاهد من حديث ابن عمر:
أخرجه البخاري (٣٤٧/٣): كتاب الزكاة: باب العشر فيما يسقى من ماء السماء، وبالماء الجاري،
الحديث (١٤٨٣)، وأبو داود (٢/ ٢٥٢): كتاب الزكاة: باب صدقة الزرع، حديث (١٥٩٦)، والترمذي
(٧٥/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيرها، حديث (٦٣٥): والنسائي
(٤١/٥): كتاب الزكاة باب ما يوجب العشر، وما يوجب نصف العشر، وابن ماجه (٥٨١/١): كتاب
الزكاة: باب صدقة الزروع والثمار، حديث (١٨١٧)، وابن الجارود (ص ١٢٨): كتاب الزكاة، حديث
(٣٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار)) (٣٦/٢): كتاب الزكاة: باب زكاة ما يخرج من الأرض،
والبيهقي (١٣٠/٤): كتاب الزكاة: باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض، وابن خزيمة (٣٧/٤) رقم
(٢٣٠٧)، (٢٣٠٨)، والطبراني في ((الصغير» (١١٤/٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٥/٣ -
بتحقيقنا)، كلهم من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً بلفظ: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان
عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر)).
وفي الباب عن جابر، وعلي، ومعاذ:
حديث جابر:
أخرجه مسلم (٦٧٥/٢): كتاب الزكاة: باب ما فيه العشر أو نصف العشر، حديث (٩٨١)، وأبو داود
(٥٠٢/١): كتابة الزكاة: باب صدقة الزرع، حديث (١٥٩٧)، والنسائي (٤١/٥، ٤٢): كتاب الزكاة:
باب ما يوجب العشر، وما يوجب نصف العشر، وابن الجارود في المنتقى (٣٤٧)، وابن خزيمة (٤/
٣٨)، رقم (٢٣٠٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٧/٢)، والدارقطني (١٣٠/٢)، والبيهقي
(١٣٠/٤)، من طريق عمار بن الحارث، عن أبي الزبير أنه سمع جابر يذكر أن رسول الله وَ لفر قال: ((فيما
سقت الأنهار والعيون العشور، وفيما سقى بالنسائية نصف العشر)).
حديث علي:
أخرجه أحمد (١٤٥/١) بلفظ فيما سقت السماء ففيه العشر وما سقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر.
حديث معاذ:
أخرجه النسائي (٤٢/٥) كتاب الزكاة: باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر وابن ماجه (١/
٥٨١) كتاب الزكاة: باب صدقة الزروع والثمار حديث (١٨١٨) والبيهقي (١٣١/٤) كتاب الزكاة: باب
قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض.
عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله وَّه إلى اليمن، وأمرني أن آخذ
مما سقت السماء، وما سقي بَعْلاً العشر، وما يسقى بالدوالي، نصف العشر.
(٢) تقدم.

٤٩٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
هذا(١)، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ
الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وفي الآية دلالة على أن للفقراء حقاً في المخرج من الأرض؛ حيث
أضاف المخرج إلى الكل، فدل على أن للفقراء في ذلك حقاً كما أن للأغنياء؛ فيدل على كون
العشر حَقَّ الفقراء، ثم عرف مقدار الحق بالسنة.
وأما السنة: فما روينا، وهو قوله ـ وَِّلـ: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَزْبٍ
أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ)).
وأما الإجماع؛ فلأن الأمة أجمعت على فرضية العشر.
وأما المعقول: فعلى نحو ما ذكرنا في النوع الأول؛ لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب
شكر النعمة، وإقدار العاجز وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس عن الذنوب،
وتزكيتها، وكلُّ ذلك لازم عقلاً وشرعاً، والله أعلم.
وأما الكلام في كيفية فرضية هذا النوع، فعلى نحو الكلام في كيفية فرضية النوع الأول،
وقد مضی الكلام فيه.
فصل
في بيان سبب الفرضية
وأما سبب فرضيته(٢)؛ فالأرض النامية بالخارج حقيقة، وسبب وجوب الخراج الأرض
النامية بالخارج حقيقة أو تقديراً، حتى لو أصاب الخارج آفة، فهلك - لا يجب فيه العشر في
الأرض العشرية، ولا الخراج في الأرض الخراجية؛ لفوات النماء حقيقة وتقديراً، ولو كانت
الأرض عشرية فتمكن من زراعتها، فلم تزرع - لا يجب العشر؛ لعدم الخارج حقيقة، ولو
كانت أرض خراجية - يجب الخراج؛ لوجود الخارج تقديراً، ولو كانت أرض الخراج نَزَّةً، أو
غلب عليها الماء، بحيث لا يستطاع فيها الزراعة، أو سبخة، أو لا يصل إليها الماء(٣) - فلا
خراج فيه؛ لانعدام الخارج فيه حقيقة وتقديراً.
وعلى هذا يخرجُ تعجيل العشر، وأنه على ثلاثة أوجه: في وجه: يجوز بلا خلاف،
وفي وجه: لا يجوز بلا خلاف، وفي وجه: فيه خلاف، أما الذي يجوز بلا خلاف: فهو أن
يعجل بعد الزراعة وبعد النبات؛ لأنه تعجيل بعد وجود سبب الوجوب؛ وهو الأرض النامية
بالخارج حقيقة .
(١) في أ: هاهنا.
(٢) في أ: وجوبه.
(٣) في أ: لا ينقل الماء إليها.

٤٩٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ألا ترى أنه لو قَصَلَهُ هكذا يجب العُشْرُ، وأما الذي لا يجوز بلا خلاف فهو: أن يعجل
قبل الزراعة؛ لأنه عجل قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب، لانعدام الأرض النامية
بالخارج حقيقة؛ لانعدام الخارج حقيقة، وأما الذي فيه خلاف فهو: أن يعجل بعد الزراعة قبل
النبات، قال أبو يوسف: يجوز، وقال محمد: لا يجوز.
وجه قول محمد: إن سبب الوجوب لم يوجد؛ لانعدام الأرض النامية بالخارج، لا
الخارج، فكان تعجيلاً قبل وجوب السبب، فلم يجز؛ كما لو عجل قبل الزراعة.
وجه قول أبي يوسف: إن سبب الخروج موجود وهو الزراعة، فكان تعجيلاً بعد وجود
السبب؛ فيجوز، وأما تعجيلُ عشر الثمار: فإن عجل بعد طلوعها - جاز بالإجماع، وإن عجل
قبل الطلوع.
ذكر الكرخي؛ أنه على الاختلاف الذي ذكرنا في الزرع.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه لا يجوز في ظاهر الرواية، وروي عن
أبي يوسف؛ أنه يجوز وجعل الأشجار للثمار بمنزلة السَّاق للحبوب، وهناك يجوز التعجيل؛
کذا ههنا.
ووجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد: أن الشجر ليس بمحلٌّ لوجوب العشر؛ لأنه حطب؛
ألا ترى أنه لو قطعه لا يجب العشر، فأما ساق الزرع فمحل؛ بدليل أنه لو قطع الساق قبل أن
ينعقد الحب - يجب العشر، ويجوز تعجيل الخراج والجزية؛ لأن سبب وجوب الخراج
١٨٩ ب الأرض النامية/ بالخارج، تقديراً بالتمكن من الزراعة لا تحقيقاً، وقد وجد التمكن، وسبب
وجوب الجزية كونه ذميّاً وقد وجد، والله أعلم.
فضل
في شرائط الفرضية
وأما شرائط الفرضية: فبعضها شرط الأهلية، وبعضها شرط المحلية.
أما شرط الأهلية فنوعان :
أحدهما: الإسلام، وأنه شرط ابتداء هذا الحق، فلا يبتدأ بهذا الحق إلا على مسلم بلا
خلاف؛ لأن فيه معنى العبادة، والكافر ليس من أهل وجوبها ابتداء، فلا يبتدأ به عليه، وكذا لا
یجوزُ أن يتحول إليه في قول أبي حنيفة .
وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز، حتى إن الذمي لو اشترى أرض عشر من مسلم -
فعليه الخراج عنده، وعند أبي يوسف: عليه عشران، وعند محمد: عليه عشر واحد.

٤٩٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه قول محمد: إن الأصل أن كُلَّ أرض ابتدئت بضرب حق عليها؛ ألا يتبدل الحق
بتبدل المالك كالخراج، والجامع بينهما: أن كل واحد منهما مؤنة الأرض، لا تعلق له
بالمالك، حتى يجب في أرض غير مملوكة، فلا يختلف باختلاف المالك، وأبو يوسف يقول:
لما وجب العشر على الكافر - كما قاله محمد - رحمه الله - فالواجب على الكافر باسم العشر
يكون مضاعفاً؛ كالواجب على التغلبي، ويوضع موضع الخراج، ولأبي حنيفة: أن العشر فيه
معنى العبادة، والكافر ليس من أهل وجوب العبادة، فلا يجب عليه العشر؛ كما لا تجب عليه
الزكاةُ المعهودةُ؛ ولهذا لا تجب عليه ابتداء؛ كذا في حالة البقاء.
وإذا تعذّر إيجاب العشر عليه - فلا سبيل إلى أن ينتفع الذمي بأرضه في دار الإسلام، من
غير حق يضرب عليها، فضربنا عليها الخراج الذي فيه معنى الصغار؛ كما لو جعل داره بستاناً .
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في وقت صيرورتها خراجية، ذكر في ((السير الكبير))؛ أنه
كما اشترى صارت خراجية، وفي رواية أخرى: لا تصير خراجية ما لم يوضع عليها الخراج،
وإنما يؤخذ الخراج إذا مضت من وقت الشراء مدة يمكنه أن يزرع فيها، سواء زرع أو لم
يزرع، كذا ذكر في ((العيون)) في رجل باع أرض الخراج من رجل، وقد بقي من السنة مقدار ما
يقدر المشتري على زرعها - فخراجها على المشتري، وإن لم يكن بقي ذلك القدر فخراجها
على البائع.
واختلفت الرواية عن محمد في موضع هذا العشر، ذكر في ((السير الكبير)): أنه يوضع
موضع الصدقة؛ لأن قدر الواجب لما لم يتغير عنده لا تتغير صفتُه أيضاً. وروي عنه أنه يوضع
موضع الخراج؛ لأن مال(١) الصدقة لا يؤخذ فيه؛ لكونه مالاً مأخوذاً من الكافر، فيوضع
موضع الخراج.
ولو اشترى مسلم من ذمي أرضاً خراجية - فعليه الخراج، ولا تنقلب عشرية؛ لأن
الأصل أن مؤنة الأرض لا تتغير بتبدل المالك إلا لضرورة، وفي حق الذمي إذا اشترى من
مسلم أرض عشر ضرورة؛ لأن الكافر ليس من أهل وجوب العشر، فأما المسلم فمن أهل
وجوب الخراج في الجملة؛ فلا ضرورة إلى التغيير بتبدل المالك.
ولو باع المسلم من ذمي أرضاً عشرية، فأخذها مسلم بالشفعة - ففيها العشر؛ لأن
الصفقة تحولت إلى الشفيع كأنه باعها منه، فكان انتقالاً من مسلم إلى مسلم، وكذلك لو كان
البيع فاسداً، فاستردها البائع منه لفساد البيع - عادت إلى العشر؛ لأن البيع الفاسد إذا فسخ
پرتفع من الأصل، ویسیر کأن لم یکن، فیرتفع بأحكامه .
(١) في أ: معنى.
بدائع الصنائع ج٢ - ٣٢٣

٤٩٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ولو وجد المشتري بها عيباً، فعلى رواية ((السير الكبير)): ليس له أن يردها بالعيب؛ لأنها
صارت خراجية بنفس الشراء، فحدث فيها عيب زائد في يده؛ وهو وضع الخراج عليها؛ فمنع
الرد بالعيب، لكنه يرجع بحصة العيب، وعلى الرواية الأخرى: له أن يردها ما لم يوضع عليها
الخراج؛ لعدم حدوث العيب.
فإن ردها برضا البائع لا تعود عشرية، بل هي خراجية على حالها عند أبي حنيفة؛ لأن
الرد برضا البائع بمنزلة بيع جديد، والأرض إذا صارت خراجية لا تنقلب عشرية بتبدل المالك،
ولو اشترى التغلبي أرضاً عشرية - فعليه عشران في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد:
عليه عُشْرٌ واحدٌ.
أما محمد: فقد مر على أصله؛ أن كل مؤنة ضربت على أرض أنها لا تتغير بتغير حال
المالك، وفقهه ما ذكرنا، وهما يقولان: الأصل ما ذكره محمد، لكن يجوز أن تتغير إذا وجد
المغير وقد وجد ههنا، وهو قضية عمر - رضي الله عنه - فإنه صالح بني تغلب على أن يُؤخذ
منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فإن أسلم
التغلبي، أو باعها من مسلم - لم يتغير العشران عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: يتغير إلى
عشر واحد.
وجه قوله: إن العشرين كانا، لكونه نصرانياً تغلبياً؛ إذ التضعيف يختص بهم، وقد بطل
بالإسلام؛ فيبطل التضعيف.
ولأبي حنيفة: إن العشرين كانا خراجاً على التغلبي، والخراج لا يتغير بإسلام المالك؛
لما ذكرنا أن المسلم من أهل وجوب الخراج في الجملة، ولا يتفرع التغير على أصل محمد؛
١١٩٠ لأنه كان عليه عشر واحد قبل الإسلام/، والبيع من المسلم، فيجب عشر واحد كما كان،
وهكذا ذكر الكرخي في ((مختصره): أن عند محمد: يجب عشر واحد، وذكر الطحاوي في
التغلبي يشتري أرض العشر من مسلم: أنه يؤخذ منه عُشران في قولهم، والصحيح ما ذكره
الكرخي؛ لما ذكرنا من أصل محمد - رحمه الله.
ولو اشترى التغلبي أرض عشر، فباعها من ذمي - فعليه عشران؛ لما ذكرنا أن التضعيف
على التغلبي بطريق الخراج، والخراج لا يتغير بتبدل المالك.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه الخراج؛ لأن التضعيف يختص بالتغلبي، والله
تعالى أعلم.
والثاني: العلم بكونه مفروضاً، ونعني به سبب العلم في قول أصحابنا الثلاثة خلافاً
لزفر، والمسألة ذكرت في كتاب الصلاة.

٤٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما العقلُ والبلوغ: فليسا من شرائط أهليَّة وجوب العشر، حتى يجب العشر في أرض
الصبي والمجنون؛ لعموم قول النبيِّ وَّ: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَزْبِ أَوْ
دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))(١)، ولأن العشر مؤنة الأرض كالخراج؛ ولهذا لا يجتمعان عندنا؛
ولهذا يجوز للإمام أن يمد يده إليه، فيأخذه جبراً، ويسقط عن صاحب الأرض؛ كما لو أدى
بنفسه، إلا أنه إذا أدى بنفسه يقع عبادة؛ فينال ثواب العبادة.
وإذا أخذه الإمام كرهاً - لا يكون له ثواب فعل العبادة، وإنما يكون ثواب ذهاب ماله في
وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب كرهاً، بخلاف الزكاة؛ فإن الإمام لا يملك الأخذ جبراً،
وإن أخذ لا تسقط الزكاة عن صاحب المال؛ ولهذا لو مات مَنْ عليه العشر - والطعام قائم -
يؤخذ منه بخلاف الزكاة؛ فإنها تسقط بموت من هي عليه، وكذا ملك الأرض ليس بشرط
لوجوب العشر، وإنما الشرط ملك الخارج، فيجب في الأراضي التي لا مالك لها وهي
الأراضي الموقوفة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله - عز وجل -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾
[الأنعام: ١٤١].
وقول النبي - نََّ -: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبِ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ
الْعُشْرِ))؛ ولأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض؛ فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة
واحدة، ويجب في أرض المأذون والمكاتب لما قلنا.
ولو آجر أرضه العشرية فعشر الخارج على المؤاجر عنده، وعندهما: على المستأجر.
وجه قولهما ظاهر لما ذكرنا أن العشر يجب في الخارج، والخارج ملك المستأجر؛ فكان
العشر عليه كالمستعير، ولأبي حنيفة أن الخارج للمؤاجر معنى؛ لأن بدله وهو الأجرة له،
فصار كأنه زرع بنفسه، وفيه إشكال؛ وهو أن الأجر مقابل للمنفعة لا الخارج، والعشر يجبُ
في الخارج عندهما، والخارج يسلم للمستأجر من غير عوض؛ فيجب فيه العشر.
والجواب: أن الخارج في إجارة الأرض، وإن كان عيناً حقيقة، فله حكم المنفعة فيقابله
الأجر، فكان الخارج للآجر معنى، فكان العشر عليه، فإن هلك الخارج فإن كان قبل
الحصاد - فلا عشر على المؤاجر، ويجب الأجر على المستأجر؛ لأن الأجر يجب بالتمكن من
الانتفاع وقد تمكَّن منه، وإن هلك بعد الحصاد لا يسقط عن المؤاجر عشرُ الخارج؛ لأن العشر
كان يجب عليه ديناً في ذمته، ولا يجب في الخارج عنده حتى يسقط بهلاكه، فلا يسقط عنه
العشر بهلاكه، ولا يسقط الأجر عن المستأجر أيضاً، وعند أبي يوسف ومحمد: العشر في
(١) تقدم.

٥٠٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الخارج، فيكون على مَنْ حصل له الخارج، ولو هلك بعد الحصاد أو قبله - هلك بما فيه من
العشر.
ولو أعارها من مسلم فزرعها - فالعشر على المستعير عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر:
على المعير، وهكذا روى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة، ولا خلاف في أن الخراجَ على
المعير .
وجه قول زفر: إن الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض، فكان هبة المنفعة؛ فأشبه هبة
الزرع.
ولنا: أن المنفعة حصلت للمستعير صورة ومعنى؛ إذ لم يحصل للمعير في مقابلتها
عوض، فكان العشر على المستعير، ولو أعارها من كافر فكذلك الجواب عندهما؛ لأن العشر
عندهما في الخارج على كُلِّ حالٍ.
وعن أبي حنيفة: فيه روايتان؛ في رواية: العشر في الخارج، وفي رواية: على رَبِّ
المال، ولو دفعها مزارعة، فأما على مذهبهما: فالمزارعة جائز، والعشر يجب في الخارج.
والخارج بينهما، فيجب العشر عليهما، وأما على مذهب أبي حنيفة: فالمزارعة فاسدة، ولو
كان يجيزها، كان يجب على مذهبه جميع العشر على رَبِّ الأرض، إلا أن في حصته جميع
العشر يجب في عينه، وفي حصة المزارع یکون دیناً في ذمته.
ولو غصب غاصب أرضاً عشرية، فزرعها؛ فإن لم تنقصها الزراعة - فالعشر على
الغاصب في الخارج لا على رب الأرض؛ لأنه لم تسلم له منفعة كما في العارية، وإن نقصتها
الزراعة - فعلى الغاصب نقصان الأرض؛ كأنه آجرها منه، وعشر الخارج على رَبِّ الأرض عند
١٩٠ ب أبي حنيفة/، وعندهما: في الخارج.
ولو كانت الأرضُ خراجية في الوجوه كلها، فخراجها على رب الأرض بالإجماع إلا في
الغصب؛ إذا لم تنقصها الزراعة فخراجها على الغاصب، وإن نقصتها فعلى رب الأرض، كأنه
آجرها منه، وقال محمد: انظر إلى نقصان الأرض، وإلى الخراج، فإن كان ضمان النقصان
أكثر من الخراج - فالخراج على رب الأرض، يأخذ من الغاصب النقصان، فيؤدي الخراج منه،
وإن كان ضمان النقصان أقل من الخراج - فالخراج على الغاصب، وسقط عنه ضمان النقصان.
ولو باع الأرض العُشْرِيَّةَ، وفيها زرع قد أدرك مع زرعها، أو باع الزرع خاصة - فعشره
على البائع دون المشتري؛ لأنه باعه بعد وجوب العشر، وتقرره بالإدراك، ولو باعها - والزرع
يقل - فإن قصله المشتري للحال - فعشره على البائع أيضاً؛ لتقرر الوجوب في البقل بالقصل،
وإن تركه حتى أدرك - فعشره على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لتحول الوجوب من
السَّاق إلى الحبّ.