Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
يضم إليه في حق الحول الذي استفيد فيه؛ لأن النصاب بعد مضي الحول عليه يجعل متجدداً
حكماً كأنه انعدم الأول وحدث آخر؛ لأن شرط الوجوب وهو النماء يتجدد بتجدد الحول؛
فيصير النصاب كالمتجدد، والموجود في الحول الأول يصير كالعدم، والمستفاد إنما يجعل تبعاً
للأصل الموجود لا للمعدوم.
هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن المستفاد ثمن الإبل المزكاة، فأما إذا كان فإنه لا يضم إلى ما
عنده من النصاب من جنسه ولا يزكي بحول الأصل، بل يشترط له حول على حدة في قول أبي
حنيفة، وعندهما: يضم، وصورة المسألة إذا كان لرجل خمس من الإبل السائمة ومائتا درهم،
فتم حول السائمة فَزَكَّاهَا ثم باعها بدراهم، ولم يتم حول الدراهم، فإنه يستأنف للثمن حولاً
عنده، ولا يضم إلى الدراهم، وعندهما: يضم، ولو زكًّاها ثم جعلها علوفة ثم باعها، ثم تم
الحول على الدراهم - فإن ثمنها يضم إلى الدراهم؛ فيزكي الكل بحول الدراهم.
ولو كان له عبد للخدمة فأدى صدقة فطره، أو كان له طعام فأدى عُشره، أو كان له
أرض فأدى خراجها، ثم باعها - يضم ثمنها إلى أصل النصاب.
وجه قولهما ما ذكرنا في المسألة الأولى، وهو ظاهر (١) نصوص الزكاة مطلقة عن شرط
الحول، واعتبار معنى التبعية، والدليل عليه ثمن الإبل المعلوفة، وعبد الخدمة، والطعام
المعشور، والأرض التي أدى خراجها، ولأبي حنيفة عموم قوله - وَ لَّه -: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّی
يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْل))(٢) - من غير فصل بين مال ومال، إلا أن المستفاد الذي ليس بثمن الإبل
السائمة - صار مخصوصاً بدليل، فبقي الثمن على أصل العموم، وصار مخصوصاً عن عمومات
الزكاة بالحديث المشهور، وهو قَوْلُهُ - وَلـ: ((لاَ ثَنْي فِي الصَّدَقَةِ))(٣) أي: لا تُؤخذ الصدقةُ
مرتين، إلا أن الأخذ حال اختلاف المالك والحول والمال صورة ومعنى - صار مخصوصاً،
وههنا لم يوجد اختلاف المالك والحول ولا شك فيه. وكذا المال لم يختلف من حيث
المعنى؛ لأن الثمن بدل الإبل السائمة، وبدل الشيء يقوم مقامه كأنه هو؛ فكانت السائمة قائمة
معنى .
وما ذكرا من معنى التبعية قياس في مقابلة النص فيكون باطلاً، على أن اعتبار التبعية إن
كان يوجب الضَّم، فاعتبار البناء يحرم الضم، والقول بالحرمة أولى احتياطاً. وأما إذا زكاها،
ثم جعلها علوفة، ثم باعها بدراهم - فقد قال بعض مشايخنا: أن على قول أبي حنيفة لا يضم،
والصحيح: أنه يضم بالإجماع.
(١) في أ: ظواهر.
(٢) ينظر الحديث السابق.
(٣) أخرجه الديلمي عن أنس كما في ((كنز العمال)) (١٥٩٠٢).
بدائع الصنائع ج٢ - ٢٦٣

٤٠٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ووجه التحريم أنه لما جعلها علوفة، فقد خرجت من أن تكون مال الزكاة؛ لفوات
وصف النماء فصار كأنها هلكت وحدث عين أخرى، فلم يكن الثمن بدل الإبل السائمة، فلا
يؤدي إلى البناء، وكذا في المسائل الأخر الثمن ليس بدل مال الزكاة، وهو المال النامي
الفاضل عن الحاجة الأصلية؛ فلا يكون الضم بناء.
ولو كان عنده نصاً بأن أحدهما ثمن الإبل المزكاة، والآخر غير ثمن الإبل من الدراهم
والدنانير، وأحدهما أقرب حولاً من الآخر، فاستفاد دراهم بالإرث، أو الهبة أو الوصية؛ فإن
المستفاد يضم إلى أقربهما حولاً أيهما كان، ولو لم يوهب له، ولا ورِث(١) شيئاً، ولا أوصى
له بشيء، ولكنه تصرف في النصاب الأول بعد ما أدى زكاته وربح فيه ربحاً، ولم يحل حول
ثمن الإبل المزكاة؛ فإن الربح يضم إلى النصاب الذي ربح فيه؛ لا إلى ثمن الإبل، وإن كان
ذلك أبعد حولاً .
وإنما كان كذلك؛ لأن في الفصل الأول استويا في جهة التبعية؛ فيرجح أقرب النصابين
حولاً، يضم المستفاد إليه نظراً للفقراء، وفي الفصل الثاني ما استويا في جهة التبعية، بل
أحدهما أقوى في الاستتباع؛ لأن المستفاد تبع لأحدهما حقيقة لكونه متفرعاً منه، فيعتبر حقيقة
التبعية فلا يقطع حكم التبع عن الأصل.
وأما الثاني: وهو بيان ما يقطع حكم الحول وما لا يقطع، فهلاك النصاب في خلال
الحول يقطع حكم الحول، حتى لو استفاد في ذلك الحول نصاباً يستأنف له الحول؛ لقول
النبيِّ - نََّ -: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَّيْهِ الحَوْلُ))(٢). والهالك ما حال عليه الحول،
وكذا المستفاد، بخلاف ما إذا هلك بعض النصاب، ثم استفاد ما يكمل به؛ لأن ما بقي من
النصاب ما حال عليه الحول، فلم ينقطع حكم الحول.
ولو استبدل مال التجارة بمال التجارة وهي العروض قبل تمام الحول - لا يبطل حكم
الحول، سواء استبدل بجنسها أو بخلاف جنسها بلا خلاف؛ لأن وجوب الزكاة في أموال
١٦٩ ب التجارة يتعلق (٣)/ بمعنى المال، وهو المالية والقيمة، فكان الحول منعقداً على المعنى، وإنه
قائم لم يفت بالاستبدال، وكذلك الدراهم والدنانير، إذا باعها بجنسها أو بخلاف جنسها؛ بأن
باع الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير، أو الدنانير بالدراهم أو الدراهم بالدنانير.
(١) في أ: يورث.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في أ: تتعلق.

٤٠٣
كِتَابُ الرَّكَاةِ
وقال الشافعي: ينقطع حكم الحول، فعلى قياس قوله: لا تجب الزكاة في مال
الصيارفة؛ لوجود الاستبدال منهم ساعة فساعة.
وجه قوله: إنهما عينان مختلفان حقيقة، فلا تقوم إحداهما مقام الأخرى، فينقطع الحول
المنعقد على إحداهما، كما إذا باع السائمة بالسائمة، بجنسها أو بخلاف جنسها.
ولنا: أن الوجوب في الدراهم أو الدنانير متعلّقٌ بالمعنى أيضاً لا بالعين، والمعنى قائم
بعد الاستبدال، فلا يبطل حكم الحول كما في العروض، بخلاف ما إذا استبدل السائمة
بالسائمة؛ لأن الحكم هناك متعلق بالعين، وقد تبدلت العين فبطل الحول المنعقد على الأول،
فيستأنف للثاني خَوْلاً .
ولو استبدل السائمة بالسائمة؛ فإن استبدلها بخلاف جنسها، بأن باع الإبل بالبقر، أو
البقر بالغنم - ينقطع حكم الحول بالإجماع، وإن استبدلها بجنسها بأن باع الإبل بالإبل، أو
البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم ـ فكذلك في قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: لا ينقطع.
وجه قوله: إن الجنس واحد، فكان المعنى متحداً، فلا ينقطع الحول؛ كما إذا باع
الدراهم بالدراهم.
ولنا: أن الوجوب في السوائم يتعلق بالعین لا بالمعنی؛ ألا تری أن من کان له خمس
من الإبل عجاف هزال، لا تساوي مائتي درهم - تجب فيها الزكاة، فدل أن الوجوب فيها تعلق
بالعين، والعين قد اختلفت، فيختلف له الحول، وكذا (١) لو باع السائمة بالدراهم أو بالدنانیر،
أو بعروض ينوي بها التجارة؛ أنه يبطل حكم الحول الأول بالاتفاق؛ لأن متعلق الوجوب في
المالين قد اختلف؛ إذ المتعلق في أحدهما العين، وفي الآخر المعنى.
ولو احتال بشيء من ذلك، فِرَاراً من وجوب الزكاة عليه - هل يكره له ذلك؟ قال
محمد: يكره. وقال أبو يوسف: لا يكره، وهو على الاختلاف في الحيلة لمنع وجوب
الشفعة، ولا خلاف في [أَنَّ] الحيلة لإسقاط الزكاة بعد وجوبها مكروهة؛ كالحيلة لإسقاط
الشفعة بعد وجوبها.
ومنها: النصاب، وجملة الكلام في النصاب في مواضع: في بيان أنه شرط وجوب
الزكاة، وفي بيان كيفية اعتبار هذا الشرط، وفي بيان مقدار النصاب، وفي بيان صفته، وفي
بيان مقدار الواجب في النصاب، وفي بيان صفته.
(١) في أ: وكذلك.

٤٠٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
أما الأول: فكمال النصاب شرط وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب؛
لأنها لا تجب إلا على الغني، والغنى لا يحصل إلا بالمال الفاضل عن الحاجة الأصلية، وما
دون النصاب لا يفضل عن الحاجة الأصلية، فلا يصير الشخص غنياً به؛ ولأنها وجبت شكراً
لنعمة المال، وما دون النصاب لا يكون نعمة موجبة للشكر للمال، بل يكون شكره [شكراً
لنعمة] البدن؛ لكونه من توابع نعمة البدن، على ما ذكرنا، ولكن هذا الشرط يعتبر في أول
الحول وفي آخره، لا في خلاله، حتى لو انتقص النصاب في أثناء الحول، ثم كمل في آخره -
تجب الزكاة، سواء كان من السوائم، أو من الذهب والفضة، أو مال التجارة، وهذا قول
أصحابنا الثلاثة .
وقال زفر: كمال النصاب من أول الحول إلى آخره ـ شرط وجوب الزكاة، وهو قول
الشافعي، إلا في مال التجارة، فإنه يعتبر كمال النصاب في آخر الحول، ولا يعتبر في أول
الحول ووسطه، حتى إنه إذا كان قيمة مال التجارة في أول الحول مائة درهم، فصارت قيمته
في آخر الحول مائتين - تجب الزكاة عنده.
وجه قول زفر: إن حولان الحول على النصاب شرط وجوب الزكاة فيه، ولا نصاب في
وسط الحول، فلا يتصور حولان الحول عليه؛ ولهذا لو هلك النصاب في خلال الحول -
ينقطع حكم الحول، وكذا لو كان النصاب سائمة فجعلها علوفة في وسط الحول - بطل
الحول .
وبهذا يحتج الشافعي أيضاً، إلا أنه يقول: تركت هذا القياس في مال التجاوه للضرورة،
وهي أن نصاب التجارة يكمل بالقيمة، والقيمة تزداد وتنتقص في كُلّ ساعة لتغير السعر؛ لكثرة
رغبة الناس وقلتها، وعزة السلعة وكثرتها، فيشق عليه تقويم ماله في كل يوم، فاعتبر الكمال
عند وجوب الزكاة، وهو آخر الحول لهذه الضرورة، وهذه الضرورة لا توجد في السائمة؛ لأن
نصابها لا يكمل باعتبار القيمة، بل باعتبار العين.
ولنا: أن كمال النصاب شرط وجوب الزكاة، فيعتبر وجوده في أول الحول وآخره لا
غير؛ لأن أول الحول وقت انعقاد السبب، وآخره وقت ثبوت الحكم، فأما وسط الحول،
١٧٠أ فليس بوقت انعقاد السبب، ولا وقت ثبوت الحكم؛ فلا معنى لاعتبار كمال النصاب/ فيه، إلا
أنه لا بدّ من بقاء شيء من النصاب الذي انعقد عليه الحول؛ ليضم المستفاد إليه، فإذا هلك
كله لم يتصور الضم؛ فيستأنف له الحول، بخلاف ما إذا جعل السائمة علوفة في خلال
الحول؛ لأنه لما جعلها علوفة فقد أخرجها من أن تكون مال الزكاة، فصار كما لو هلكت.
وما ذكر الشافعي من اعتبار المشقة يصلح لإسقاط اعتبار كمال النصاب في خلال الحول
لا في أوله؛ لأنه لا يشق عليه تقويم ماله عند ابتداء الحول؛ ليعرف به انعقاد الحول؛ كما لا
يشق عليه ذلك في آخر الحول؛ ليعرف به وجوب الزكاة في ماله، والله أعلم.

٤٠٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما مقدار النصاب وصفته، ومقدار الواجب في النصاب وصفته - فلا سبيل إلى معرفتها
إلا بعد معرفة أموال الزكاة؛ لأن هذه الجملة تختلف باختلاف أموال الزكاة؛ فنقول وبالله
التوفيق.
أموال الزكاة أنواع ثلاثة:
أحدها: الأثمان المطلقة، وهي الذهب والفضة.
والثاني: أموال التجارة [وهي العروض المعدة للتجارة](١).
والثالث: السوائم. فنبين مقدار النصاب من كل واحد وصفته، ومقدار الواجب في كُلِّ
واحد وصفته، وَمَنْ له المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة.
فضل
في بيان مقدار النصاب في الذهب والفضة
أما الأثمان المطلقة: وهي الذهب والفضة، أما قدر النصاب فيهما فالأمر لا يخلو؛ إما
أن يكون له فضة مفردة أو ذهب مفرد، أو اجتمع له الصنفان جميعاً. فإن كان له فضة مفردة
فلا زكاة فيها، حتى تبلغ مائتي درهم وزنا وزن سبعة، فإذا بلغت ففيها خمسة دراهم؛ لما رُوِيّ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ - وََّ ـ لَمَّا كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَّاتِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمُ (٢) ذَكَرَ فيهِ: ((الفِضَّةُ لَيْسَ فِيهَا
صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ مَاتَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَتِ مائَتَيْنِ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِم)(٣).
وروي عنه - رََّ - أنه قال لِمُعَاذٍ: لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ مائَتَيْنِ مِنَ الوَرِقِ
شَيْءٌ، وَفِي مائَتَيْنِ خَمْسَة))(٤).
(١) سقط في أ.
(٢) هو: عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار. أبو
الضحاك. الأنصاري. الخزرجي ثم النجاري.
قال ابن هجر في الإصابة: شهد الخندق وما بعدها واستعمله النبي على نجران، روى عنه كتاباً كتبه له فيه
الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان. روى عنه ابنه محمد وجماعة،
توفي بالمدينة سنة (٥١)، وقيل (٥٤) أنه توفي بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب.
ينظر ترجمته في أسد الغابة (٢١٤/٤)، الإصابة (٢٩٣/٤)، الثقات (٢٦٧/٣)، الاستيعاب (١١٧٢/٣)،
تجريد أسماء الصحابة (٤٠٤/١)، الجرح والتعديل (٢٢٤/٦)، التاريخ الكبير (٣٠٥/٦)، تقريب
التهذيب (٦٨/٢)، تهذيب التهذيب (٦٨/٢).
(٣) أخرجه الحاكم (٣٩٥/١-٣٩٧) والبيهقي (٨٩/٤-٩٠).
(٤) تقدم.

٤٠٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وإنما اعتبرنا الوزن في الدراهم دون العدد؛ لأن الدراهم اسم للموزون؛ لأنه عبارة عن
قدرٍ من [الموزون](١) مشتمل على جملة موزونة من الدوانيق(٢) والحبات، حتى لو كان وزنها
دون المائتين وعددها مائتان، أو قيمتها لجودتها وصياغتها تساوي مائتين - فلا زكاة فيها.
وإنما اعتبرنا وزن سبعة، وهو أن يكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، والمائتان منها
يوزن مائة وأربعين مثقالاً؛ لأنه الوزن المجمع عليه للدراهم المضروبة في الإسلام؛ وذلك أن
الدراهم في الجاهلية كان بعضها ثقيلاً مثقالاً وبعضها خفيفاً طيرياً، فلما عزموا على ضرب
الدراهم في الإسلام جمعوا الدرهم الثقيل، والدرهم الخفيف؛ فجعلوهما درهمين، فكانا
درهمين بوزن سبعة، فاجتمعت الأمة على العمل على ذلك.
ولو نقص النصاب عن المائتين نقصاناً يسيراً يدخل بين الوزنين - قال أصحابنا: لا
تجب الزكاة فيه؛ لأنه وقع الشَّك في كمال النصاب، فلا نحكم بكماله مع الشك، والله
تعالى أعلم.
ولو كانت الفضةُ مشتركة بين اثنين، فإن كان يبلغ نصيب كل واحد منهما مقدار
النصاب - تجب الزكاة، وإلا فلا، ويعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حال الانفراد وهذا
عندنا، وعند الشافعي: تجب ونذكر المسألة في السَّوائم إن شاء الله تعالى.
فضل
في بيان صفة النصاب
وأما صفة هذا النصاب فنقول: لا يعتبر في هذا النصاب صفة زائدة على كونه فضة؛
فتجب الزكاة فيها، سواء كانت دراهم مضروبة أو نقرة (٣) أو تِبْراً أو حُلِيّاً مَصُوغاً، أو حلية
سيف، أو منطقة أو لجام أو سرج، أو الكواكب في المصاحف والأواني وغيرها، إذا كانت
تخلص عند الإذابة إذا بلغت مائتي درهم، وسواء كان يمسكها للتجارة، أو للنفقة، أو
للتجمل، أو لم ينوِ شيئاً، وهذا عندنا؛ وهو قول الشافعي أيضاً، إلا في حلي النساء إذا كان
معدّاً للبس مباح أو للعارية للثواب - فله فيه قولان، في قول: لا شيء فيه، وهو مرويٍّ عن
(١) سقط في أ.
(٢) الدانق: سدس الدرهم، وهي بالجرام: ٤٩٥و٠ تقريباً.
ينظر المعجم الوسيط ٢٩٨/١.
(٣) النُّقْرَة: القطعة المذابة من الذهب أو الفضة.
ينظر: المعجم الوسيط ٢ / ٩٥٤.

٤٠٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهما - واحتجَّ بما روي في الحديث: ((لاَ زَكَاةَ فِي الحُلي))(١).
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: زكاة الحلي إعارته؛ ولأنه مال مبتذل في وجه
مباح، فلا يكون نصاب الزكاة كثياب البذلة والمهنة، بخلاف حلي الرجال؛ فإنه مبتذل في وجه
محظور؛ وهذا لأن الابتذال إذا كان مباحاً كان معتبراً شرعاً، وإذا كان محظوراً كان ساقط
الاعتبار شرعاً؛ فكان ملحقاً بالعدم.
نظيره: ذهاب العقل بشرب الدواء مع ذَهَابِهِ بسبب السكر؛ أنه اعتبر الأول وسقط اعتبار
الثاني - كذا هذا.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ألحق الوعيد الشديد بكنز الذهب والفضة، وترك انفاقها في سبيل الله،
من غير فصّل بين الحلي وغيره، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز بالحديث/ الذي روينا، فكان ١٧٠ب
تارك أداء الزكاة منه كانزاً، فيدخل تحت الوعيد، ولا يلحق الوعيد إلا بترك الواجب، وقول
النبي - وَرَ -: ((وَأَدُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طيّبَةَ بِهَا أَنْفُسُكُمْ))، من غير فصل بين مال ومال؛ ولأن
الحلي مال فاضل عن الحاجة الأصلية؛ إذ الإعداد للتجمل والتزين دليل الفضل عن الحاجة
الأصلية، فكان نعمة لحصول التنعم به، فيلزمه شكرها بإخراج جزء منها للفقراء.
وأما الحديث: فقد قال بعض صيارفة الحديث: إنه لم يصح لأحد شيء في باب الحلي عن
رسول الله - ◌َّ﴾ - والمروي عن ابن عمر معارض بالمروي عنه أيضاً أنه زَكَّى حلي بناته ونسائه، على
إن المسألة مختلفة بين الصحابة، فلا يكون قول البعض حجة على البعض، مع ما أن تسمية إعارة
الحلي زكاة - لا تنفي وجوب الزكاة المعهودة؛ إذا قام دليل الوجوب، وقد بينا ذلك.
(١) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق، كما في نصب الراية (٣٧٤/٢)، من حديث عافية بن أيوب، عن
ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر به، ثم قال: قالوا: عافية ضعيف، ما عرفنا أحداً طعن فيه، وقال
في المعرفة (٢٩٨/٣)، وما يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث فذكره فباطل لا أصل له إنما يروى عن
جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان مغرّراً بدينه، داخلاً فيما نعيب به
المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين، وقد صح موقوفاً.
أما الموقوف عن جابر:
فأخرجه ابن أبي شيبة (١٥٥/٣): كتاب الزكاة: باب من قال ليس في الحلي زكاة، عن عبدة بن
سليمان، عن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ((لا زكاة في الحليّ))، قلت: إنه يكذب فيه
ألف دينار، قال: يعار، ويلبس، ورواه الشافعي (٢٢٨/١): كتاب الزكاة: الباب الأول في الأمر بها
والتهديد على تركها، وعلى من تجب، وفيم تجب. حديث (٦٢٩)، عن سفيان، عن عمرو بن دينار،
قال: سمعت رجلاً يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي، أفيه الزكاة؟ فقال جابر: لا. فقال: وإن كان يبلغ
ألف دينار؟ فقال جابر: كثير.

٤٠٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
هذا إذا كانت الدراهم فضة خالصة؛ فأما إذا كانت مغشوشة، فإن كان الغالب هو الفضة
فكذلك؛ لأن الغش فيها مغمورٌ مستهلك، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الزكاة تجب
في الدراهم الجِيَادِ والزّيُوفِ والنَّبَهْرَجَةِ والمكحلة والمُزَيَّفَةِ. قال: لأن الغالب فيها كلها الفضة،
وما تغلب فضته على غشه يتناوله اسم الدراهم مطلقاً، والشرع أوجب باسم الدراهم، وإن كان
الغالب هو الغش، والفضة فيها مغلوبة، فإن كانت أثماناً رائجة أو كان يمسكها للتجارة - يعتبر
قيمتها، فإن بلغت قيمتها مائتي درهم من أدنى الدراهم التي تجب فيها الزكاة، وهي التي
الغالب عليها الفضة - تجب فيها الزكاة، وإلا فلا. وإن لم تكن أثماناً رائجة؛ ولا معدة
للتجارة - فلا زكاة فيها، إلا أن يكون ما فيها من الفضة يبلغ مائتي درهم؛ بأن كانت كبيرة؛
لأن الصُّفْرَ لا تجب فيه الزكاة، إلا بنية التجارة، والفضة لا يشترط فيها نية التجارة، فإذا أعدها
للتجارة اعتبرنا القيمة كعروض التجارة، وإذا لم تكن للتجارة، ولا ثمناً رائجة - اعتبرنا ما فيها
من الفضة .
وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن كانت عنده فلوس أو دراهم؛ رصاص أو نحاس
أو مموهة؛ بحيث لا يخلص فيها الفضة؛ أنها إن كانت للتجارة يعتبر قيمتها، فإن بلغت مائتي
درهم من الدراهم التي تغلب فيها الفضة - ففيها الزكاة، وإن لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها؛ لما
ذكرنا أن الصفر ونحوه لا تجب فيه الزكاة ما لم تكن للتجارة.
وعلى هذا كان جواب المتقدمين من مشايخنا بما وراء النهر في الدراهم المسماة
بالغطارفة، التي كانت في الزمن المتقدم في ديارنا: إنها إن كانت أثماناً رائجة، يعتبر قيمتها
بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم، وهي التي تغلب عليها الفضة، وإن لم تكن أثماناً رائجة،
فإن كانت سلعاً للتجارة تعتبر قيمتها أيضاً، وإن لم تكن للتجارة - ففيها الزكاة بقدر ما فيها من
الفضة إن بلغت نصاباً، أو بالضم إلى ما عنده من مال التجارة.
وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يفتي بوجوب الزكاة في كُلِّ مائتين
فيها ربع عشرها وهو خمسة منها عَدًّا، وكان يقول: هو من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم
- ونحن أعرف بنقودنا - وهو اختيار الإمام الحلواني والسرخسي، وقول السلف أصح لما ذكرنا
من الفقه .
ولو زاد على نصاب الفضة شيء - فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين، فيجب فيها
درهم في قول أبي حنيفة، وعلى هذا أبداً في كل أربعين: درهم.
وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي: تجب الزكاة في الزيادة بحساب ذلك، قلّت أو
كثرت، حتى لو كانت الزيادة درهماً يجب فيه جزء من الأربعين جزءاً من درهم. والمسألة
مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم.
سـ

٤٠٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
روي عن عمر - رضي الله عنه - مثل قول أبي حنيفة، وروي عن علي، وابن عمر
- رضي الله عنهما - مثل قولهم.
ولا خلاف في السوائم أنه لا شيء في الزوائد(١) منها على النصاب حتى تبلغ نصاباً؛
احتجوا بما رُوِيَ عن علي - رضي الله عنه - عن النبيِّ - بَّرَ - أنه قال: ((وَمَا زَادَ عَلَى المائَتَيْنِ
فَبِحِسَابٍ ذُلِكَ))(٢)، وهذا نص في الباب؛ ولأن شرط النصاب ثبت معدولاً به عن القياس؛ لأنَ
الزكاة عرف وجوبها شُكراً لنعمة المال، ومعنى النعمة يوجد في القليل والكثير، وإنما عرفنا
اشتراطه بالنص، وأنه ورد في أصل النصاب، فبقي الأمر في الزيادة على أصل القياس، إلا أن
الزيادة في السوائم لا تعتبر، ما لم تبلغ نصاباً دفعاً لضرر الشّركة؛ إذ الشركة في الأعيان عيب،
وهذا المعنى لم يوجد ههنا.
ولأبي حنيفة ما روي عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ نَّهِ - أنه قال في كتاب عَمْروِ بنِ حَزْم: ((فَإِذَا بَلَغَتْ
مائَتَيْنِ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِم، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمْ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الأَرْبَعِيَنَ صَدُقَة))(٣).
وروي عن النبي - وَلَّل ـ/ أنه قال لمعاذ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الَمَنِ: ((لاَ تَأْخُذْ مِنَ الكُسُورِ ١٧١]
شَيْئاً، فَإِذَا كَانَ الوَرِقُ مائَتَيْ دِرْهَم؛ فَخُذْ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلاَ تَأْخُذُّ مِمَّا زَادَ شَيْئاً حَتَّى يَبْلُغَ
أَزْبَعِينَ دِرْهَماً، فَتَأْخَذ مِنْهَا دِرْهَماً)) (٤) ولأن الأصل أن يكون بعد كل نصاب عفو نظراً لأرباب
الأموال كما في السوائم، ولأن في اعتبار الكسور حرجاً؛ وإنه مدفوع.
وحديث علي - رضي الله عنه - لم يرفعه أحد من الثقات، بل شكوا في قوله: ((وَمَا(٥)
زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ))، أن ذلك قول النبي - بََّ - أو قول علي، فإن كان قول النبي
- وَلَّ - يكون حجة، وإن كان قول علي - رضي الله عنه - لا يكون حجة؛ لأن المسألة مختلفة
بين الصحابة - رضي الله عنهم - فلا يحتج بقول البعض على البعض، وبه تبين أنه لا يصلح
معارضاً لما روينا، وما ذكروا من شكر النعمة؛ فالجواب عنه ما ذكرنا فيما تقدم؛ لأن معنى
النعمة هو التنعم، وأنه لا يحصل بما دون النصاب، ثم يبطل بالسَّوائم مع أنه قياس في مقابلة
النص، وأنه باطل. والله أعلم.
(١) في أ: الزيادة.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) في أ، فيما.

٤١٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فضل
وأما مقدار الواجب فيها فربع العشر، وهو خمسة من مائتين؛ للأحاديث التي روينا؛ إذ
المقادير لا تعرف إلا توقيفاً.
وقوله وَر: ((هَاتُوا رُبُعَ عُشُورِ (١) أَمْوَالِكُمْ))(٢)، وخمسة من مائتين ربع عشرها؛ وأما
صدقة الواجب فنذكرها إن شاء الله تعالى.
فصل
فيما إذا كان ذهباً مفرداً
هذا إذا كان له فضة مفردة، فأما إذا كان له ذهب مفرد فلا شيء فيه، حتى يبلغ عشرين
مثقالاً. فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال؛ ولما روي في حديث عمرو بن حزم:
(وَالذَّهَبُ مَا لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهُ ماثَتَيْ دِرْهَمْ فَلاَ صَدَقَة فِيهِ، فَإِذَا بَلَغَ قِيمَتُهُ مائَنَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهِ رُبُعُ
الْعُشْرِ))، وكان الدينار على عهد رسول الله - بَطَرَ - مقوماً بعشرة دراهم.
وروي عن النبي - وَّ ـ أنه قال لعليّ: ((لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الذَّهَبِ زَكَاةٌ مَا لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ
مِثْقَالاً))(٣). فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال، وسواء كان الذهب لواحد، أو كان
مشتركاً بين اثنين؛ أنه لا شيء على أحدهما ما لم يبلغ نصيب كل واحد منهما نصاباً عندنا،
خلافاً للشافعي، والمسألة تأتي في ((نصاب السَّوائم)) إن شاء الله تعالى.
فضل
في صفة نصاب الذهب
وأما صفة نصاب الذهب فنقول: لا يعتبر في نصاب الذهب أيضاً صفة زائدة على كونه
(١) في أ: عشر.
(٢) تقدم من حديث علي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٣/٤، ٣٤) مختصراً: كتاب الزكاة: باب الخيل، الحديث (٦٨٧٩)، عن
الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعاً.
وأخرجه أبو داود (٢/ ٢٣٠): كتاب الزكاة: باب في الزكاة السائمة، حديث (١٥٧٣)، عن سليمان بن
داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمي آخر، عن أبي إسحاق عن عاصم بن
ضمرة، والحارث الأعور، عن علي، عن النبي ◌َّر بالحديث، وفيه ((ليس عليك شيء في الذهب حتى
تكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد
فبحساب ذلك))، قال: فلا أدري أعليٍّ يقول: ((فبحساب ذلك)) أو رفعه إلى النبي ◌َّلـ

٫٠٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ذهباً؛ فتجب الزكاة في المضروب والتبر والمصوغ والحلي، إلا على أحد قولي الشافعي في
الحلي الذي يحل استعماله، والصحيح قولنا؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقول النبي - نَّ ه ـ في كتاب عمرو بن حزم، وحديث علي يقتضي
الوجوب في مطلق الذهب. وكذا حكم الدنانير التي الغالب عليها الذهب؛ كالمحمودية،
والصورية، ونحوهما، وحكم الذهب الخالص، سواء لما ذكرنا.
وأما الهَرَوِيَّةُ وَالمَرْوِيَّة، وما لم يكن الغالب عليها الذهب - فتعتبر قيمتها إن كانت
أثماناً(١) رائجة أو للتجارة، وإلا فيعتبر قدر ما فيها من الذهب والفضة وزناً؛ لأن كل واحد
يخلص بالإذابة، ولو زاد على نصاب الذهب شيء - فلا شيء في الزيادة في قول أبي حنيفة
حتى تبلغ أربعة مثاقيل، فيجب فيها قيراطان.
وعند أبي يوسف، ومحمد، والشافعي: يجب في الزيادة، وإن قلت بحساب ذلك،
والمسألة قد مرت، والله تعالى أعلم.
فصل
في مقدار الواجب
وأما مقدار الواجب فيه فربع العشر؛ بحديث عمرو بن حزم، وحديث علي - رضي الله
عنهما؛ لأن نصف مثقال من عشرين مثقالاً ربع عشره. وأما صفة الواجب فنذكرها إن شاء الله
تعالى.
هذا إذا كان له فضة مفردة، أو ذهب مفرد، فأما إذا كان له الصنفان جميعاً: فإن لم يكن
كل واحد منهما نصاباً؛ بأن كان له عشرة مثاقيل ومائة درهم؛ فإنه يضم أحدهما إلى الآخر في
حق تكميل النصاب عندنا، وعند الشافعي: لا يضم أحدهما إلى الآخر، بل يعتبر كمال
النصاب من كُلٌ واحد منهما على حدة.
وجه قوله: إنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما للآخر في تكميل النصاب؛ كالسوائم
عند اختلاف الجنس، وإنما قلنا: إنهما عينان مختلفان؛ لاختلافهما صورة ومعنى، أما الصورة
فظاهر، وأما المعنى؛ فلأنه يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، وصار كالإبل مع الغنم بخلاف
مال التجارة؛ لأن هناك يكمل النصاب من قيمتها، والقيمة واحدة وهي دراهم أو دنانير، فكان
مال الزكاة جنساً واحداً، وهو الذهب أو الفضة.
(١) في أ: ثمناً.

٤١٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فأما الزكاة في الذهب والفضة؛ فإنما تجب لعينها(١) دون القيمة؛ ولهذا لا يكمل به
القيمة حالة الانفراد، وإنما يكمل بالوزن - كثرت القيمة أو قلَّت؛ بأن كانت رديئة.
ولنا ما روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج؛ أنه قال: مضت السنةُ من أصحاب رسول
الله - ◌َّه - بضم الذهب إلى الفضة، والفضة إلى الذهب في إخراج الزكاة؛ ولأنهما مالان
١٧١ب متحدان في المعنى الذي تعلق به وجوب الزكاة/ فيهما؛ وهو الإعداد للتجارة بأصل الخلقة
والثمنية؛ فكانا في حكم الزكاة كجنس واحد؛ ولهذا اتفق الواجب فيهما وهو ربع العشر على
كُلِّ حال، وإنما يتفق الواجب عند اتّحاد المال. وأما عند الاختلاف فيختلف الواجب، وإذا
اتحد المالان معنى فلا يعتبر اختلاف الصورة كعروض التجارة؛ ولهذا يكمل نصاب كل واحد
منهما بعروض التجارة، ولا يعتبر اختلاف الصورة؛ كما إذا كان له أقل من عشرين مثقالاً،
وأقل من مائتي درهم، وله عروض (٢) للتجارة، ونقد البلد في الدراهم والدنانير سواء، فإن شاء
كمل به نصاب الذهب، وإن شاء كمل به نصاب الفضة، وصار كالسود مع البيض، بخلاف
السوائم؛ لأن الحكم هناك متعلق بالصورة والمعنى - وهما مختلفان صورة ومعنى؛ فتعذر
تكميل نصاب أحدهما بالآخر.
ثم إذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما بالآخر - اختلفت الرواية فيما يؤدي. روى أبو
يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه يؤدي من مائة درهم درهمان ونصف، ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع
مثقال، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ لأن هذا أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين.
وروي عن أبي يوسف رواية أخرى؛ أنه يقوّم أحدهما بالآخر، ثم يؤدي الزكاة من نوع
واحد، وهو أقرب إلى موافقة نصوص الزكاة.
ثم اختلف أصحابنا في كيفية الضم، فقال أبو حنيفة: يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار
القيمة .
وقال أبو يوسف، ومحمد: يضم باعتبار الأجزاء: وهو رواية عن أبى حنيفة أيضاً. ذكره
في ((نوادر أبي هشام))(٣).
وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا كانت قيمة أحدهما لجودته وصياغته أكثر من وزنه؛
بأن كان له مائة درهم، وخمسة مثاقيل قيمتها مائة درهم - فعند أبي حنيفة: يقوم الدنانير
(١) في أ: تعيينها.
(٢) في أ: عرض.
(٣) في ط: نوادر هشام.

٤١٣
كتاب الصلاة
بخلاف جنسها دراهم، وتضم إلى الدراهم فيكمل نصاب الدراهم من حيث القيمة؛ فتجب
الزكاة، وعندهما تضم باعتبار الأجزاء، فلا يكمل النصاب؛ لأن له نصف نصاب الفضة وربع
نصاب الذهب، فيكون ثلاثة أرباع النصاب؛ فلا يحب شيء.
وعلى هذا لو كان له مائة درهم، وعشرة مثاقيل ذهب قيمتها مائة وأربعون درهماً - تضم
باعتبار القيمة عند أبي حنيفة، فتبلغ مائتين وأربعين درهماً، فتجب فيها ستة دراهم. وعندهما
تضم باعتبار الأجزاء، فيكون نصف نصاب الذهب ونصف نصاب الفضة، فيكون نصاباً تاماً؛
فيجب في نصف كل واحد منهما - ربع عشره ..
فأما إذا كان وزنهما وقيمتهما سواء؛ بأن كان له مائة درهم، وعشرة مثاقيل ذهب تساوي
مائة، أو مائة وخمسون درهماً وخمسة مثاقيل ذهب، أو خمسة عشر مثقالاً وخمسون درهماً.
فههنا لا تظهر ثمرة الاختلاف: بل يضم أحدهما إلى الآخر بالإجماع، على اختلاف الأصلين
عنده باعتبار التقويم، وعندهما باعتبار الأجزاء.
وأجمعوا على أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب، قيمتها خمسون درهماً - لا
تجب الزكاة فيهما؛ لأن النصاب لم يكمل بالضم لا باعتبار القيمة ولا باعتبار الأجزاء.
وأجمعوا على أنه لا تعتبر القيمة في الذهب والفضة عند الانفراد في حق تكميل
النصاب، حتى إنه إذا كان له إبريق فضة وزنه مائة درهم، وقيمته لصناعتها مائتان - لا تجب فيه
الزكاة باعتبار القيمة .
وكذلك إذا كان له آنية ذهب وزنها عشرة، وقيمتها لصناعتها مائتا درهم - لا تجب فيها
الزكاة باعتبار القيمة .
وجه قولهما: إن القيمة في الذهب والفضة ساقطة الاعتبار شرعاً، لأن سائر الأشياء تقوم
بهما، وإنما المعتبر فيهما الوزن؛ ألا ترى أن من ملك إبريق فضة وزنه مائة وخمسون درهماً،
وقيمته مائتا درهم - لا تجب الزكاة، وكذلك إذا ملك آنية ذهب وزنها عشرة مثاقيل، وقيمتها
مائتا درهم - لا تجب الزكاة، ولو كانت القيمة فيها معتبرة لوجبت.
ولأبي حنيفة أنهما عينان وجب ضم أحدهما إلى الآخر؛ الإيجاب الزكاة، فكان الضم
باعتبار القيمة كعروض التجارة؛ وهذا لأن كمال النصاب لا يتحقق إلا عند اتحاد الجنس، ولا
اتحاد إلا باعتبار صفة المالية دون العين، فإن الأموال أجناس بأعيانها، جنس واحد باعتبار
صفة المالية فيها، وهذا بخلاف الإبريق والآنية؛ لأن هناك ما وجب ضمه إلى شيء آخر حتى
تعتبر فيه القيمة؛ وهذا لأن القيمة في الذهب والفضة إنما تظهر شَرْعاً عند مقابلة أحدهما

٤١٤
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بالآخر، فإن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت بجنسها، قال النبي - وَل * -: ((جَيِّدُهَا
وَرَدِيْتُهَا سَوَاءٌ))(١).
فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر: فتظهر للجودة قيمة.
ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم الذهب والفضة في حقوق العباد - نقوم بخلاف
جنسها، فإن اغتصب قَلْباً فَهَشَّمَهُ، واختار المالك تضمینه ـ ضمنه قیمته من خلاف جنسه،
١٧٢أ فكذلك في حقوق الله تعالى/، ولأن في التكميل باعتبار التقويم ضرب احتياط في باب
العبادة، ونظراً للفقراء؛ فكان أولى.
ثم عند أبي حنيفة: يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله، حتى روي عنه؛ أنه
قال: إذا كان لرجل مائة وخمسة وتسعون درهماً، ودينار يساوي خمسة دراهم: إنه تجب
الزكاة؛ وذلك بأن يقوم الفضة بالذهب كل خمسة منها بدينار.
وهذا الذي ذكرنا كله من وجوب الضم، إذا لم يكن كل واحد منهما نصاباً؛ بأن كان أقل
من النصاب؛ فأما إذا كان كل واحد منهما نصاباً تاماً، ولم يكن زائداً عليه - لا يجب الضم،
بل ينبغي أن يؤدي من كل واحد [منهما](٢) زكاته، ولو ضم أحدهما إلى الآخر، حتى يؤدي
كله من الفضة أو من الذهب - فلا بأس به عندنا، ولكن يجب أن يكون التقويم بما هو أنفع
للفقراء رواجاً، وإلا فيؤدي من كل واحد منهما ربع عشره، وإن كان على كل واحد من
النصابين زيادة: فعند أبي يوسف ومحمد: لا يجب ضم إحدى الزيادتين إلى الأخرى؛ لأنهما
يوجبان الزكاة في الکسور بحساب ذلك.
وأما عند أبي حنيفة: فينظر إن بلغت الزيادة أربع مثاقيل وأربعين(٣) درهماً - فكذلك؛
وإن كان أقل من أربعة مثاقيل، وأقل من أربعين درهماً - يجب ضم إحدى الزيادتين إلى
الأخرى؛ ليتم أربعين درهماً وأربعة (٤) مثاقيل؛ لأن الزكاة لا تجب في الكسور عنده. والله
أعلم.
(١) تقدم.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: أو أربعين.
(٤) في أ: أو أربعة.

٤١٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فضل
في نصاب أموال التجارة
وأما أموال التجارة، فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها ما
لم تبلغ قيمتها مائتي درهم، أو عشرين مثقالاً من ذهب، فتجب فيها الزكاة، وهذا قول عامة
العلماء .
وقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها أصلاً، وقال مالك: إذا نَضَّتْ(١) زَكَّاهَا لِحَوْلٍ
واحد.
وجه قول أصحاب الظواهر: إن وجوب الزكاة إنما عرف بالنص، والنص ورد بوجوبها
في الدراهم والدنانير والسوائم، فلو وجبت في غيرها لوجبت بالقياس عليها، والقياس ليس
بحجة خصوصاً في باب المقادير.
ولنا: ما رُوِيَ عَنْ سَمُرَةً بْنِ جُنْدَبٍ، أنه قال: ((كَانَ رَسُولَ الله - وَ - يَأْمُرُنَا بِإِخْرَاجِ
الزَّكَاةِ مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي كُنَّا نَعُدُّهُ لِلْبَيَع))(٢) وَروي عن أبي ذَرِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ◌ََِّ -
أَنَّهُ قال: ((فِي البَرْ صَدَقَةٌ))، وقال - ◌َِ -: ((هَاتُوا رُبُعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ).
[فإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم؛ لأنه قال في آخره: ((مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً
دِرْهَمٌ))، فالجواب أن أول الحديث عامٌّ، وخصوص آخره يوجب سلب عموم أوله، أو نحمل
قوله: ((مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمْ))، على القيمة، أي: من كُلِّ أربعين درهماً من قيمتها درهم، وقال
- ◌َ -: ((وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ))(٣) من غير فصل بين مال ومال، إلا ما خص بدليلٍ، ولأن مال
التجارة مال نام، فاضل عن الحاجة الأصلية؛ فيكون مال الزكاة كالسوائم.
وقد خرج الجواب عن قولهم: إن وُجُوبَ الزكاة عرف بالنص؛ لأنا قد روينا النص في
(١) في أ: بقيت.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٢،٢١٨/٢): كتاب الزكاة: باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها من زكاة؟
حديث (١٥٦٢)، والدارقطني (١٢٨،١٢٧/٢)، كتاب الزكاة: باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن
الخيل، والرقيق، حديث (٩)، والبيهقي (١٤٦/٤، ١٤٧): كتاب الزكاة: باب زكاة التجارة، من حديث
جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب به، ولفظ الدارقطني: عن
سمرة بن جندب قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم. من سمرة بن جندب إلى نبيه سلام عليكم. أما بعد فإن
رسول الله و # كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة الذين هم تلاد له وهم عمله لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا
أن لا تخرج عنهم من الصدقة شيئاً، وكان يأمرنا أن نخرج من الرقيق الذي يعد للبيع)).
وذكره ابن حجر في ((التلخيص)) (١٧٩/١)، وقال: وفي إسناده جهالة.
(٣) تقدم.

٤١٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الباب على أن أصل الوجوب عرف بالعقل، وهو شكر النعمة (١) المال، وشكر نعمة القدرة
بإعانة العاجز؛ إلا أن مقدار الواجب عرف بالسمع، وما ذكره مالك غير سديد؛ لأنه وجد
سبب وجوب الزكاة، وشرطه في كل حول، فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه،
كالسوائم، والدراهم، والدنانير، وسواء كان مال التجارة عروضاً أو عقاراً أو شيئاً مما يكال أو
يوزن؛ لأن الوجوب في أموال التجارة تعلَّق بالمعنى وهو الماليةُ والقيمة، وهذه الأموال كلها
في هذا المعنى جنس واحد، وكذا يضم بعض أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب لما
قلنا .
وإذا كان تقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة، وهو أن تبلغ
قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة - فلا بدّ من التقويم حتى يعرف مقدار النصاب، ثم
بماذا تقوم، ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) أنه يقوم بأوفى القيمتين من الدراهم
والدنانير، حتى إنها إذا بلغت بالتقويم بالدراهم نصاباً، ولم تبلغ بالدنانير - قومت بما تبلغ به
النصاب، وكذا روي عن أبي حنيفة في ((الأمالي)) أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء.
وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشتراها به، فإن اشتراها بالدراهم قومها بالدراهم، وإن
اشتراها بالدنانير قومها بالدنانير، وإن اشتراها بغيرهما من العروض، أو لم يكن اشتراها، بأن
كان وهب له فقبله، ينوي به التجارة - قومها بالنقد الغالب في ذلك الموضع، وعند محمد :
يقومها بالنقد الغالب على كُلِّ حال.
وذكر في ((كتاب الزكاة))؛ أنه يقومها يوم حال الحول، إن شاء بالدراهم وإن شاء
بالدنانير، وجه قول محمد: إن التقويم في حق الله تعالى يعتبر بالتقويم في حق العباد، ثم إذا
١٧٢ ب وقعت الحاجة إلى تقويم شيء من حقوق العباد كالمغصوب والمستهلك - يقوم بالنقد الغالب/
في البلدة كذا هذا.
وجه قول أبي يوسف: إن المشتري بدل، وحكم البدل يعتبر بأصله، فإذا كان مشتري
بأحد النقدين، فتقويمه بما هو أصله أولى.
وجه رواية كتاب ((الزكاة)): أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون
أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك - سيان، فكان الخيار إلى صاحب
المال يقومه بأيهما شاء؛ ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة، وهي ما إذا بلغت مائتين - الخيار
إلى صاحب المال، إن شاء أدى أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون، فكذا هذا.
(١) في أ: نعمة.

٤١٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وجه قول أبي حنيفة: إن الدراهم والدنانير، وإن كانا في الثمينة والتقويم بهما سواء،
لكنا رجحنا أحدهما بمرجح، وهو النظر للفقراء(١)، والأخذ بالاحتياط أولى؛ ألا ترى أنه لو
كان بالتقويم بأحدهما - يتم النصاب، وبالآخر لا، فإنه يقوم بما يتم به النصاب؛ نظراً للفقراء
واحتياطاً، كذا هذا، ومشايخنا حملوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع في
حق الفقراء بالتقويم بأيهما كان؛ جمعاً بين الروايتين.
وكيفما كان ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم أو الدنانير، وهي التي يكون
الغالب فيها الذهب والفضة، وعلى هذا إذا كان مع عروض التجارة ذهب وفضة؛ فإنه يضمها
إلى العروض، ويقومه جملة؛ لأن معنى التجارة يشمل الكل، لكن عند أبي حنيفة: يضم
باعتبار القيمة إن شاء قوم العروض وضمها إلى الذهب والفضة، وإن شاء قوم الذهب والفضة
وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة، وعندهما: يضم باعتبار الأجزاء، فتقوم العروض، فيضم
قيمتها إلى ما عنده من الذهب والفضة؛ فإن بلغت الجملة نصاباً تجب الزكاة، وإلا فلا، ولا
يقوم الذهب والفضة عندهما أصلاً في باب الزكاة على ما مر.
فضل
في صفة نصاب التجارة
وأما صفةُ هذا النصاب فهي أن يكون معدّاً للتجارة، وهو أن يمسكها للتجارة؛ وذلك بنية
التجارة مقارنة لعمل التجارة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، بخلاف الذهب والفضة؛ فإنه لا يحتاج
فيهما إلى نية التجارة؛ لأنها معدة للتجارة بأصل الخِلْقَةِ؛ فلا حاجة إلى إعداد العبد، ويوجد
الإعداد منه دلالة على مَا مَرَّ .
فضل
في مقدار الواجب في النصاب
وأما مقدار الواجب من هذا النصاب، فما هو مقدار الواجب من نصاب الذهب والفضة،
وهو ربع العشر؛ لأن نصاب مال التجارة مقدر بقيمته من الذهب والفضة، فكان الواجب فيه ما
هو الواجب في الذهب والفضة وهو ربع العشر؛ ولقول النبيِّ - صَّةَ -: ((هاتُوا رُبُعَ عُشُور(٢)
أَمْوَالِكُمْ))(٣)، من غير فصل.
(١) في أ. نظر الفقراء.
(٢) في أ: عشر.
(٣) تقدم.
بدائع الصنائع ج٢ - م٢٧

٤١٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فضل
في صفة الواجب في مال التجارة
وأما صفة الواجب في أموال التجارة فالواجب فيها ربع عشر العين وهو النصاب في قول
أصحابنا .
وقال بعض مشايخنا: هذا قولُ أبي يوسف ومحمد، وأما على قول أبي حنيفة: فالواجب
فيها أحد شيئين؛ إما العين، أو القيمة، فالمالك بالخيار عند حولان الحول: إن شاء أخرج ربع
عشر العين، ٠_ن شاء أخرج ربع عشر القيمة، وبنوا على هذا بعض مسائل ((الجامع)) فيمن
كانت له مائتا قفيز حنطة للتجارة، قيمتها مائتا درهم، فحال عليها الحول، فلم يؤد زكاتها حتى
تغير سعرها إلى النقصان، حتى صارت قيمتها مائة درهم؛ أو إلى الزيادة حتى صارت قيمتها
أربعمائة درهم: أن على قول أبي حنيفة: إن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة في الزيادة
والنقصان جميعاً؛ لأنه تبين أنه الواجب من الأصل، فإن أدى القيمة يؤدي خمسة دراهم في
الزيادة والنقصان جميعاً؛ لأنه تبين أنها هي الواجبة يوم الحول.
وعند أبي يوسف ومحمد: إن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة(١) في الزيادة والنقصان
جميعاً؛ كما قال أبو حنيفة، وإن أدى من القيمة يؤدي في النقصان درهمين ونصفاً، وفي الزيادة
عشرة دراهم؛ لأن الواجب الأصلي عندهما هو ربع عشر العين، وإنما له ولاية النقل إلى
القيمة يوم الأداء، فيعتبر قيمتها يوم الأداء، والصحيح أن هذا مذهب جميع أصحابنا؛ لأن
المذهب عندهم أنه إذا هلك النصاب بعد الحول تسقط الزكاة، سواء كان من السَّوائم أو من
أموال التجارة، ولو كان الواجب أحدهما غير عين عند أبي حنيفة - لتعينت القيمة عند هلاك
العين، على ما هو الأصل في التخيير بين شيئين، إذا هلك أحدهما أنه يتعين الآخر.
وكذا لو وهب النصاب من الفقير، ولم تحضره النية أصلاً - سقطت عنه الزكاة، ولو لم
يكن الواجب في النصاب عيناً لما سقطت؛ كما إذا وهب منه غير النصاب، وكذا إذا باع نصاب
الزكاة من السوائم، والساعي حاضر؛ إن شاء أخذ من [عين](٢) المشتري، وإن شاء أخذ من
البائع، ولولا أن الواجب ربع/ عشر العين - لما ملك الأخذ من غير المشتري، فدل أن مذهب
جميع أصحابنا هذا، وهو أن الواجب ربع عشر العين، إلا عند أبي حنيفة الواجب عند الحول
ربع عشر العين، من حيث إنه مال، لا من حيث إنه عين، وعندهما الواجب ربع عشر العين
من حيث الصورة والمعنى جميعاً، لكن لمن عليه حق النقل من العين إلى القيمة وقت الأداء.
١١٧٣
(١) القفيز: مكيال كان يكال به قديماً، ويختلف مقداره في البلاد ويساوى بالليتر (٣٣) ليتر. ينظر: المعجم
الوسيط. (قفز).
(٢) سقط في ط.

٤١٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومسائل ((الجامع)) مبنية على هذا الأصل على ما نذكر، وقال الشافعي: الواجب من قدر
الزكاة بعد الحول في الذمة لا في النصاب، وعلى هذا ينبني ما إذا هلك مال الزكاة بعد
الحول، وبعد التمكن من الأداء؛ أنه تسقط عنه الزكاة عندنا، وعنده لا تسقط، وإذا هلك قبل
التمكن من الأداء - لا تجب عندنا؛ وللشافعي قولان، في قول: لا تجب أصلاً، وفي قول:
تجب ثم تسقط لا إلى ضمان، ولا خلاف في أن صدقة الفطر لا تسقط بهلاك النصاب، وعلى
هذا الخلاف العشر والخراج.
وجه قول الشافعي: أن هذا حق وجب في ذمته، وتقرر بالتمكن من الأداء، فلا يسقط
بهلاك النصاب(١) كما في ديون العباد، وصدقة الفطر، وكما في الحج فإنه إذا كان موسراً وقت
خروج القافلة من بلده، ثم هلك ماله - لا يسقط الحج عنه، وإنما قلنا: إنه وجب في ذمته؛
لأن الشرع أضاف الإيجاب إلى مال لا بعينه، قال النبيُّ - ◌َّهِ -: ((فِي مائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةُ
دَرَاهِم، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاءٌ))(٢)، أوجب خمسة وشاة لا بعينها، والواجب إذا لم يكن عيناً كان
(١) في أ: المال.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٤/٢): كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة، حديث (١٥٦٨)، والترمذي (٢/
٦٧،٦٦): كتاب الزكاة: باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، حديث (٦١٧)، وابن ماجه (١/
٥٧٣-٥٧٤): كتاب الزكاة: باب صدقة الإبل، حديث (١٧٩٨)، وابن أبي شيبة (١٢٢،١٢١/٣): كتاب
الزكاة: باب في زكاة الإبل مما فيها، وأحمد (١٥/٢)، والحاكم: (٣٩٣،٣٩٢/١): كتاب الزكاة،
والبيهقي (٨٨/٤): كتاب الزكاة: باب كيف فرض الصدقة، من حديث ابن عمر: ((أن رسول الله وَله
كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى
قبض، وعمر حتى قبض. وكان فيه: ((في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة
ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت
ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حقّة إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس
وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت
على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وفي الشاة في كل أربعين شاة شاة
إلى عشرين ومائة، فإذا زادت فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت فثلاث شياة إلى ثلاثمائة شاة، فإذا زادت
على ثلاثمائة شاة ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى يبلغ مائة، ولا يجمع بين مفترق ولا
يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة
هرمة، ولا ذات عيب)).
وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن ... وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري عن
سالم هذا الحديث ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين.
قال المباركفوري في ((التحفة)) (٢٠٥/٣) قال الحافظ في الفتح: وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري
وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري فأرسله وقال المنذري: وسفيان بن حسين أخرج له مسلم
واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن =

٤٢٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
في الذمة؛ كما في صدقة الفطر ونحوها؛ ولأن غاية الأمر أن قدر الزكاة أمانة في يده، لكنه
مطالب شرعاً بالأداء بعد التمكن منه، ومن منع الحق عن المستحق بعد طلبه يضمن كما في
سائر الأمانات.
والخلاف ثابت فيما إذا طلبه (١) الفقير أو طالبه الساعي بالأداء، فلم يؤد حتى هلك
النصاب.
ولنا: أن المالك إما أن يؤاخذ بأصل الواجب، أو بضمانه. لا وجه للأول؛ لأن محله
النصاب، والحق(٢) لا يبقى بعد فوات محله؛ كالعبد الجاني، أو المديون إذا هلك، والشقص
الذي فيه الشفعة إذا صار بحراً، والدليل على أن محل أصل الواجب هو النصاب - قولُه تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقول النبيِّ - نََّ -: ((خُذْ مِنَ الذَّهَبِ الذَّهَبَ، وَمِنَ
الفِضَّةِ الفِضَّةَ، وَمِنَ الإِبِلِ الإِبِلَ ... ))(٣) الحديث، وكلمة ((من)) تبعيض، فيقتضي أن يكون
الواجب بعض النصاب، وقوله - رََّ -: ((فِي مائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ))،
جعل الواجب مظروفاً في النصاب؛ لأن ((في)) للظرف؛ ولأن الزكاة عرف وجوبها على طريق
اليسر، وطيبة النفس بأدائها؛ ولهذا اختص وجوبها بالمال النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية.
وشرط لها الحول وكمال النصاب، ومعنى اليسر في كون الواجب في النصاب، يبقى ببقائه
ويهلك بهلاكه، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن وجوب الضمان يستدعي تفويت ملك أو يد؛ كما
في سائر الضمانات، وهو بالتأخير عن أول أوقات الإمكان - لم يفوت على الفقير ملكاً ولا
يداً - فلا يضمن، بخلاف صدقة الفطر والحج؛ لأن محل الواجب هناك ذمته لا ماله، وذمته
باقية بعد هلاك المال.
كثير وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به. وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن
=
إسماعيل عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق قال ابن عدي في
((الكامل)) (٤١٤/٣): سمعت أبا يعلى يقول: خيل ليحيى بن معين - يعني وهو حاضر - فحديث
سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه في الصدقات؟ فقال: وهذا لم يتابع سفيان عليه أحد ليس
يصح رواه عن سفيان عباد بن العوام وغيره وقد وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم عن أبيه
حديث الصدقات سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير. ا. هـ.
وللحديث شاهد قوي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
أخرجه أبو داود (١/ ٤٩٤) كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة (١٥٧٥) والنسائي (٤١/٥) والدارمي (١/
٣٩٦) وابن الجارود (٣٤١) والحاكم (٣٩٨/١) والبيهقي (١٠٥/٤) وأحمد (٤،٢/٤) بلفظ: في كل إبل
سائمة في كل أربعين ابنة لبون .
(١) في أ: طالبة .
(٢) في أ: والشيء.
(٣) تقدم.