Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب الصلاة عَلَيْكِ))(١) وما جاز لرسول الله وَلهل يجوز لأمته هو الأصل إلا ما قام عليه الدليل، وروي: أن عَلِيّاً غسل فاطمة بعد موتها؛ لأن النكاح جعل قائماً حكماً لحاجة الميت إلى الغسل كما إذا مات الزوج. ولنا: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - وَ ل و - سئل عن امرأة تموت بين رجال، فقال: ((تيمم بالصعيد)»(٢)؛ ولم يفصل بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون، ولأن النكاح ارتفع بموتها؛ فلا يبقى حل المس والنظر؛ كما لو طلقها قبل الدخول، ودلالة الوصف أنها صارت محرمة على التأبيد، والحرمة على التأبيد تنافي النكاح ابتداء وبقاء، ولهذا جاز للزوج أن يتزوج بأختها وأربع سواها، وإذا زال النكاح صارت أجنبية - فبطل حل المس والنظر؛ بخلاف ما إذا مات الزوج؛ لأن هناك ملك النكاح قائم؛ لأن الزوج مالك، والمرأة مملوكة، والملك لا يزول عن المحل بموت المالك ويزول بموت المحل، كما في ملك اليمين فهو الفرق. وحديث عائشة - رضي الله عنه - محمولٌ على الغسل تسبباً، فمعنى قوله: «غَسَّلْتُكِ)): قمتُ بأسباب غسلك؛ كما يقال: بنى الأمير داراً؛ حملناه على هذا؛ صيانةً لمنصب النبوة عما يورث شبهة نفرة الطباع عنه وتوفيقاً بين الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصاً بأنه لا ينقطع نكاحُهُ بعد الموت؛ لقوله بَّرَ: ((كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبِ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ إِلَّ سَبِي وَنَسَبِيَ))(٣)/. ١٥٣ب وأما حديث علي - رضي الله عنه -: فقد روي أن فاطمة - رضي الله عنها - غسلتها أم أيمن(٤)، ولو ثبت أن عَلِيّاً غسلها فقد أنكر عليه ابن مسعود؛ حتى قال علي: أما علمت أن رسول الله - وَ﴿ - قال: ((إِنَّ فَاطِمَةَ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))(٥). فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفاً بينهم، أن الرجل لا يغسل زوجته، وإن لم يكن هناك نساء مسلمات، (١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٠) كتاب الجنائز باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها حديث (١٤٦٥) وأحمد (٢٢٨/٦) والدارمي (٣٨٣٧/١) باب في وفاة النبي ◌َّهر والبيهقي (٣٩٦/٣) كتاب الجنائز: باب الرجل يغسل امرأته إذا ماتت، كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة به. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند ابن هشام في السيرة (٢٩٢/٤) فزالت شبهة الضعف. (٢) أخرجه البيهقي (٣٩٨/٣). (٣) أخرجه الحاكم (١٤٢/٣)، والبزار (٣٩٧/١ - كشف) رقم: (٢٧٤)، والطبراني (٤٤/٣-٤٥). (٤) أخرجه البيهقي (٣٩٦/٣)، قال الحافظ في التلخيص (١٤٣/٢): رواه الدارقطني عن طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن قوس عن عون بن محمد عن أسماء، وإن شئت مزيد تفصيل فارجع على التلخيص. (٥) ينظر: المصدر السابق. بدائع الصنائع ج٢ - ٢١٣ ٣٢٢ كتاب الصلاة ومعهم امرأة كافرة - علموها الغسل، ويخلون بينهما حتى تغسلها وتكفنها، ثم يصلي عليها الرجال ويدفنوها؛ لما ذكرنا. وإن لم يكن معهم نساء لا مسلمة ولا كافرة، فإن كان معهم صبي لم يبلغ حد الشهوة وأطاق الغسل علموه الغسل، فيغسلها ويكفنها؛ لما بينا. وإن لم يكن معهم ذلك فإنها لا غسل، ولكنها تيمم لما ذكرنا؛ غير أن الميمم لها إن كان محرماً لها بيممها بغير خرقة، وإن لم يكن محرماً لها فمع الخرقة يلفها على كفه لما مر، ويعرض بوجهه عن ذراعيها؛ لأن في حالة الحياة ما كان للأجنبي أن ينظر إلى ذراعيها؛ فكذا بعد الموت، ولا بأس أن ينظر إلى وجهها كما في حالة الحياة. ولو مات الصبي الذي لا يشتهى؛ لا بأس أن تغسله النساء، وكذلك الصبية التي لا تشتهى إذا ماتت؛ لا بأس أن يغسلها الرجال؛ لأن حكم العورة غير ثابت في حق الصغير والصغيرة، ثم إذا غسل الميت يكفن. فضل في التكفين والكلام في تكفينه في مواضع : في بيان وجوب التكفين. وفي بيان كيفية وجوبه. وفي بيان كمية الكفن. وفي بیان صفته. وفي بيان كيفية التکفین. وفي بيان من يجب عليه الكفن. أما الأول: فالدليل على وجه النص والإجماع والمعقول. أما النص: فما روي عن النبي - وَلير - أنه قال: ((البسوا هذه الثياب البيض؛ فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم))(١)، وظاهر الأمر لوجوب العمل. وروي أن الملائكة لما غسلت آدم - صلوات الله عليه - كفنوه ودفنوه، ثم قالت لولده: هذه سنة موتاكم، والسنة المطلقة في معنى الواجب، والإجماع منعقد على وجوبه؛ ولهذا توارثه الناس من لدن وفاة آدم - صلوات الله وسلامه عليه - إلى يومنا هذا؛ وذا دليل الوجوب. (١) تقدم. ٣٢٣ كتاب الصلاة وأما المعقول: فهو أن غسل الميت إنما وجب كرامة له وتعظيماً؛ ومعنى التعظيم والكرامة إنما يتم بالتكفين؛ فكان واجباً. فضل في كيفية وجوبه وأما كيفية وجوبه: فوجوبه على سبيل الكفاية؛ قضاء لحق الميت، حتى إذا قام به البعض يسقط عن الباقين؛ لأن حقه صار مقضياً، كما في الغسل. فصل في كمية الكفن(١) وأما الكلام في كمية الكفن فنقول: أكثر ما يكفن [فيه](٢) الرجل ثلاثة أثواب: إزار، ورداء، وقمیص، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا يسن القميص في الكفن، وإنما الكفن ثلاث لفائف. واحتج بما روي عن عائشة: أن النبي - وَلَ ـ كُفْنَ فِي ثَلاثةِ أَثْوَاب بيض سَحوليّة(٣)، ليس فيها قَميص وَلاَ عِمَامة (٤). ولنا: ما روي عن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - أنه قال: كفنوني في قميصي؛ فإن رسول الله - * - كفن في قميصه الذي توفي فيه، وهكذا روي عن ابن عباس أن النبي - وَلر - كفن في ثلاثة أثواب(٥) : أحدها: القميص الذي توفي فيه؛ والأخذ برواية ابن عباس أولى من الأخذ بحديث عائشة؛ لأن ابن عباس حضر تكفين رسول الله - ر98َّ - ودفنه، وعائشة ما حضرت ذلك، على أن معنى قولها: ليس فيها قميصٌ، أي: لم يتخذ قميصاً جديداً. (١) سقط في أ. (٢) سقط في أ. (٣) يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصّار؛ لأنه يسحلها: أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن: وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذٌ لأنه نسب إلى الجمع، وقيل إن اسم القرية بالضم أيضاً. أفاده في النهاية ٢/ ٣٤٧. (٤) أخرجه البخاري (١٣٥/٣)، كتاب الجنائز: باب الثياب البيض للكفن (١٢٦٤)، ومسلم (٦٤٩/٢، ٦٥)، في الجنائز: باب في كفن الميت (٤٥-٩٤١). (٥) تقدم. ٣٢٤ كتاب الصلاة وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: كفن المرأة خمسة أثواب، وكفن الرجل ثلاثة، ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾. ولأن حال ما بعد الموت يعتبر بحال حياته، والرجل في حال حياته يخرج في ثلاثة أثواب عادة: قميص، وسراويل، وعمامة. فالإزار بعد الموت قائم مقام السراويل في حال الحياة؛ لأنه في حال حياته إنما كان يلبس السراويل؛ لئلا تنكشف عورته عند المشي؛ وذلك غير محتاج إليه بعد موته؛ فأقيم الإزار مقامه؛ ولذا لم يذكر العمامة في الكفن، وقد كرهه بعض مشايخنا؛ لأنه لو فعل ذلك لصار الكفن شفعاً، والسنة فيه أن يكون وتراً، واستحسنه بعض مشايخنا؛ لحديث ابن عمر: أنه كان يعمم الميت، ويجعل ذنب العمامة على وجهه؛ بخلاف حال الحياة؛ فإنه يرسل ذنب العمامة من قبل القفا؛ لأن ذلك لمعنى الزينة، وقد انقطع ذلك بالموت، والدليل على أن السنة في حق الرجل ثلاثة أثواب: ما روي عن النبي - وَّ - أنه كفن في برد وحلة. والحلة: اسم للزوج من الثياب، والبرد: اسم للفرد منها، وأدنى ما يكفن فيه في حالة الاختيار ثوبان، إزار ورداء؛ لقول الصديق: كفنوني في ثوبي هذين(١)، ولأن أدنى ما يلبسه الرجل في حال حياته ثوبان. ألا ترى أنه يجوز له أن يخرج فيهما ويصلي فيهما من غير كراهة؛ / فكذا يجوز أن يكفن ١١٥٤ فيهما أيضاً، ويكره أن يكفن في ثوب واحد؛ لأن في [حالة الحياة](٢) تجوز صلاته في ثوب واحد مع الكراهة؛ فكذا بعد الموت يكره أن يكفن فيه إلا عند الضرورة؛ بأن كان لا يوجد غيره؛ لما رُوِيَ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ لَمَّا أَسْتُشْهِدَ كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ؛ فَكَانَ إِذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسَّهُ؛ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُغَطَّى بِهَا رَأْسُهُ، وَيُجْعَل عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الإذْخِرِ(٣)، وكذا روي أن حمزة - رضي الله عنه - لما استشهد كفن في ثوب واحد لم (١) أخرجه البخاري (٢٩٧/٣)، في الجنائز: باب موت الاثنين (١٣٨٧)، عن عائشة رضي الله تعالى عنها. (٢) في أ: حال حياته. (٣) أخرجه البخاري (١٤٢/٣): كتاب الجنائز: باب إذا لم يجد كفناً، الحديث (١٢٧٦)، ومسلم (٢/ ٦٤٩): كتاب الجنائز: باب في كفن الميت، الحديث (٩٤٠/٤٤)، وأبو داود (٥٠٨/٣): كتاب الجنائز: باب كراهية المغالاة في الكفن بالحديث (٣١٥٥). والترمذي (٣٥٤/٥_٣٥٥): كتاب المناقب: باب مناقب مصعب بن عمير، الحديث (٣٩٤٣)، والنسائي (٣٨/٤): كتاب الجنائز: باب القميص في الكفن، والبيهقي (٤٠١/٣): كتاب الجنائز: باب التكفين في ثوب واحد، من حديث خباب بن الأرت، قال: هاجرنا مع رسول الله ◌َّ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنّا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفّن فيه إلا غرة، فكنّا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإن وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله وَلير وذكر الحديث. ٣٢٥ كتاب الصلاة يوجد له غيره(١)، فدل على الجواز عند الضرورة. والغلام المراهق كالرجل، يكفن فيما يكفن فيه الرجل؛ لأن المراهق في حال حياته يخرج فيما يخرج فيه البالغ عادة؛ فكذا يكفن فيما يكفن فيه، وإن كان صبياً لم يراهق، فإن كفن في خرقتين إزار ورداء فحسن، وإن كفن في إزار واحد جاز؛ لأن في حال حياته كان يجوز الاقتصار على ثوب واحد في حقه فكذا بعد الموت . وأما المرأة فأكثر ما تكفن فيه خمسة أثواب: درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة، هو السنة في كفن المرأة؛ لما رُوِيَ عِن أم عطية (٢): ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ نَاوَلَ اللَّوَاتِي غَسَّلْنَ أَبْنَتَهُ فِي كَفَنِهَا ثَوْباً ثَوْباً، حَتَّى نَاوَلَهُنَّ خَمْسَةً أَثْوَابِ آخِرُهُنَّ خِرْقَةٌ تَرْبِطُ بِهَا ثَدْيَيْهَا)(٣) ولما روينا عن علي - رضي الله عنه - ولأن المرأة في حال حياتها تخرج في خمسة أثواب عادة: درع وخمار وإزار وملاءة ونقاب؛ فكذلك بعد الموت تكفن في خمسة أثواب. ثم الخرقة تربط فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن؛ كيلا ينتشر عليها الكفن إذا حملت على السرير. والصحيح قولنا؛ لما روينا في حديث أم عطية - رضي الله عنها - أنها قالت: آخرهن خرقة تربط بها ثدييها، وأدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب: إزار ورداء وخمار؛ لأن معنى الستر في حالة الحياة يحصل بثلاثة أثواب، حتى يجوز لها أن تصلي فيها وتخرج؛ فكذلك بعد الموت. ويكره أن تكفن المرأة في ثوبین. وأما الصغيرة فلا بأس بأن تكفن في ثوبين، والجارية المراهقة بمنزلة البالغة في الكفن؛ لما ذكرنا، والسقط يلف في خرقة؛ لأنه ليس له حرمة كاملة، ولأن الشرع إنما ورد بتكفين الميت؛ واسم الميت لا ينطلق عليه، كما لا ينطلق على بعض الميت؛ وكذا من ولد ميتاً، أو وجد طرف من أطراف الإنسان، أو نصفه مشقوقاً طولاً، أو نصفه مقطوعاً عرضاً، لكن ليس معه الرأس لما قلنا، فإن كان معه الرأس: ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أنه يكفن، وعلى قياس ما ذكره القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) في الغسل: يلف في (١) أخرجه البيهقي (٤٠١/٣-٤٠٢). (٢) نسيبة بنت الحارث، وقيل: نسيبة بنت كعب. أم عطية الأنصارية، قال ابن حجر في الإصابة: بنت كعب، وأنكره عمر، لأن نسيبة بنت كعب أم عمارة ... روت أم عطية عن النبي وَّل وعن عمر وروى عنها، أنس ومحمد وحفصة ولدا سيرين وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعبد الملك بن عمير وآخرون. ينظر ترجمتها في أسد الغابة (٣٦٧/٧)، الإصابة (٢٥٩/٨)، بقي بن مخلد (٨١)، تجريد أسماء الصحابة (٣٢٩/٢)، تقريب التهذيب (٦٢٢/٢)، التاريخ لابن معين (١٤٦/٢)، الجرح والتعديل (٩/ ٤٦٥). (٣) تقدم تخريج الحديث في الطهارة . ٣٢٦ كتاب الصلاة خرقة؛ لما ذكرنا في فصل الغسل. وإن وجد أكثره يكفن؛ لأن للأكثر حكم الكل؛ وكذا الكافر إذا مات وله ذو رحم محرم مسلم يغسله ويكفنه، لكن في خرقة؛ لأن التكفين على وجه السنة من باب الكرامة للميِّت، ولا يكفن الشهيد كفناً جديداً غير ثيابه؛ لقول النبيِّ وَّ: ((زَمُّلُوهُمْ ◌ِيَابِهِمْ وَكُلُومِهِمْ))(١) . فضل في صفة الكفن وأما صفة الكفن: فالأفضل أن يكون التكفين بالثياب البيض؛ لما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاريِّ، عن رسُولِ الله - وَ لَ - أنه قال: ((أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى الله تَعَالَى البِيضُ، فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفْنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ))(٢)، وفي رواية: قالَ: ((الْبَسُوَاَ هَذِهِ الثّيَابَ البِيضَ، فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّئُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ))(٢)، وقال النبيَّ - وَ -: ((حَسِّنُوا أَكْفَانَ المَوْتَى؛ فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيمَا بَيْتَهُمْ وَيَتَفَاخَرُونَ بِحُسْنٍ أَكْفَاتِهِمْ)) (٤). (١) أخرجه البخاري (٢١٢/٣): كتاب الجنائز: باب من يقدم في اللحد، الحديث (١٣٤٧)، والترمذي (٢/ ٢٥٠): كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على الشهيد، الحديث (١٠٤١)، والنسائي (٦٢/٤): كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على الشهداء، وابن ماجه (٤٨٥/١): كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهداء ودفنهم، الحديث (١٥١٤)، وأحمد (٤٣١/٥)، والبيهقي (١٤/٤)، من حديث جابر قال: كان رسول الله وَّل يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يُصلِّ عليهم. وأخرجه أحمد (١٢٨/٣)، وأبو داود (٤٩٨/٣): كتاب الجنائز: باب في الشهيد يغسل، الحديث (٣١١٥)، والترمذي (٢٥٠/٢): كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على الشهيد، الحديث (١٠٤١)، والحاكم (٣٦٥/١-٣٦٦): كتاب الجنائز: باب الصلاة على شهداء أحد، من حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، أن النبي و لر لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم. وقال الترمذي: (حديث حسن). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي في ((العلل المفرد)» (ص ١٤٥-١٤٦): سألت محمداً عن هذا الحديث؛ فقال: حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد هو حديث حسن. وحديث أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أنس غير محفوظ غلط فيه أسامة بن زيد. (٢) أخرجه الترمذي (١٠٩/٥) كتاب الأدب باب ما جاء في لبس البياض حديث (٢٨١٠) والنسائي (٤/ ٣٤) كتاب الجنائز: باب أي الكفن خير والحاكم (١٨٥/٤) من حديث سمرة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً الحاكم ووافقه الذهبي. (٣) ينظر تخريج الحديث السابق. (٤) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢٤٠/٣). ٣٢٧ كتاب الصلاة وقال - وََّ -: ((إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مَيْتاً، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ))(١)، والبرود والكتان والقصب كل ذلك حسن، والخلق إذا غسل والجديد سواء؛ لما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: اغسلوا ثوبيّ هذين وكفنوني فيهما؛ فإنهما للمهل والصديد، وإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت. والحاصل: أن ما يجوز لكل جنس أن يلبسه في حياته، يجوز أن يكفن فيه بعد موته، حتى يكره أن يكفن الرجل في الحرير والمعصفر والمزعفر؛ ولا يكره للنساء ذلك اعتباراً باللباس في حال الحياة. فضل في كيفية التكفين وأما كيفية التكفين: فينبغي أن تجمر الأكفان أولاً وتراً، أي: مرة أو ثلاثاً أو خمساً، ولا يزيد عليه؛ لما روي عن رسول الله - وَّو - أنه قال: ((إذا أجمرتم الميت فأجمروه وترا))(٢)، ولأن الثوب الجديد أو الغسيل مما يطيب ويجمر في حالة الحياة؛ فكذا بعد الممات، والوتر مندوب إليه في ذلك؛ لقوله وقبلير: ((إن الله تعالى وتر يحب الوتر))(٣)، ثم تبسط اللفافة وهي الرداء طولاً، ثم يبسط الإزار عليها طولاً، ثم يلبسه القميص إن كان له قميص، وإن لم يكن له [لم يضره](٤)؛ لأن اللبس بعد الوفاة معتبر بحال الحياة/، إِلاَّ أن في حياته كان يلبس السراويل حتى لا تنكشف ١٥٤ب عورته عند المشي؛ ولا حاجة إلى ذلك بعد موته؛ فأقيم الإزار مقام السَّرَاوِيْل، إِلاَّ أَن الإزار في حال حياته تحت القميص، وبعد الموت فوق القميص من المنكب إلى القدم؛ لأن الإزار تحت القميص حالة الحياة؛ ليتيسر عليه المشي، وبعد الموت لا يحتاج إلى المشي. ثم يوضع الحنوط في رأسه ولحيته؛ لما روي أن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لما توفي (١) أخرجه مسلم (٢/ ٦٥١) كتاب الجنائز: باب في تحسين كفن الميت حديث (٩٤٣/٤٩) وأبو داود (٢/ ٢١٥) كتاب الجنائز: باب في الكفن حديث (٣١٤٨) والنسائي (٣٣/٤) كتاب الجنائز: باب الأمر بتحسين الكفن حديث (١٨٩٥) وأحمد (٢٩٥/٣) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٥٤٦) والحاكم (١/ ٣٦٨_٣٦٩) والبيهقي (٤٠٣/٣) كتاب الجنائز: باب ما يستحب من تحسين الكفن، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٢٧/٣ - بتحقيقنا) كلهم من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً ... فذكره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقد وهم في ذلك فقد أخرجه مسلم كما تقدم. (٢) أخرجه الحاكم (٣٥٥/١)، والبيهقي (٤٠٥/٣). (٣) تقدم. (٤) في ط: سرولي. ٣٢٨ كتاب الصلاة غسلته الملائكة وحنطوه، ويوضع(١) الكافور على مساجده؛ يعني: جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: وتتبع مساجده بالطيب، يعني: بالكافور، ولأن تعظيم الميت واجب؛ ومن تعظيمه أن يطيب؛ لئلا تجيء منه رائحة منتنه، وليصان عن سرعة الفساد؛ وأولى المواضع بالتعظيم مواضع السجود، وكذا الرأس واللحية هما من أشرف الأعضاء؛ لأن الرأس موضع الدماغ؛ ومجمع الحواس، واللحية من الوجه والوجه من أشرف الأعضاء. وعن زفر أنه قال: يذر الكافور على عينيه وأنفه وفمه؛ لأن المقصود أن يتباعد الدود من الموضع الذي يذر عليه الكافور؛ فخص هذه المحال من بدنه لهذا، وإن لم يجد ذلك لم يضره. ولا بأس بسائر الطيب غير الزعفران والورس في حق الرجل؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ ◌َّ : (أَنَّهُ نَهَىْ الرِّجَالَ عَنِ المُزَعْفَرِ))(٢) ولم يذكر في الأصل أنه هل تحتشي محارقة، وقالوا: إن خشي خروج شيء يلوث الأكفان فلا بأس بذلك في أنفه وفمه، وقد جوز الشافعي في دبره أيضاً، واستقبح ذلك مشايخنا، وإن لم يخش جاز الترك؛ لانعدام الحاجة إليه، ثم يعطف الإزار عليه من قبل شقه الأيسر، وإن كان الإزار طويلاً حتى يعطف على رأسه وسائر جسده - فهو أولى، ثم يعطف من قبل شقه الأيمن كذلك؛ فيكون الأيمن فوق الأيسر، ثم تعطف اللفافة وهي الرداء كذلك؛ لأن المنتقب في حالة الحياة هكذا يفعل إذا تحزم بدأ بعطف شقه الأيسر على الأيمن، ثم يعطف الأيمن على الأيسر؛ فكذا يفعل به بعد الممات. فإن خيف أن تنتشر (٣) أكفانه تعقد، ولكن إذا وضع في قبره تحل العقد؛ لزوال ما لأجله عقد. والله أعلم. (١) في أ: ووضع. (٢) أخرجه مسلم (٣٤٩/١) كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع، الحديث (٢١٢)، والطيالسي (١٧/١)، (١٠٣)، وأحمد (٨١/١)، وأبو داود (٣٢٢/٤): كتاب اللباس باب من كره لبس الحرير، الحديث (٤٠٤٤)، والترمذي (٤٩/٢-٥٠) والنسائي (١٨٨/٢-١٨٩): كتاب الافتتاح: باب النهي عن القراءة في الركوع، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٣/١-٢٣٤) كتاب الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود، والبيهقي (٨٧/٢): كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. وأخرجه أيضاً مالك في ((الموطأ)) (٨٠/١) كتاب الصلاة: باب العمل في القراءة حديث (٢٨) كلهم من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله وَّ نهى عن لبس القسي وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع. لفظ الإمام مالك : وقد أخرجه من هذا الوجه أيضاً أبو يعلى (٢٣٨/١) رقم (٢٧٦). وأخرجه (١/ ٣٣٠) رقم (٤١٣) من طريق أيوب عن نافع عن إبراهيم بن حنين عن علي وسنده ضعيف لانقطاعه بين إبراهيم وعلي. (٣) في أ: ينتشر. كتاب الصلاة ٣٢٩ وأما المرأة: فيبسط لها اللفافة والإزار واللفافة فوق الخمار، والخرقة يربط فوق الأكفان، عند الصدر فوق الثديين والبطن؛ كي لا ينتشر الكفن باضطراب ثدييها عند الحمل على السرير، وعرض الخرقة ما بين الثدي والسرة، هكذا ذكر محمد في غير رواية الأصول، ويسدل شعرها ما بين ثدييها من الجانبين جميعاً تحت الخمار، ولا يسدل شعرها خلف ظهرها. وعند الشافعي: يسدل خلف ظهرها، واحتج بحديث أم عطية أنها قالت: لما توفيت رقية بنت رسول الله - ◌َّلو - ضفرنا شعرها ثلاثة فروق في ناصيتها وقرنيها، وألقيناها خلفها؛ فدل أن السنة هكذا. ولنا: أن إلقاءها إلى ظهرها من باب الزينة؛ وهذه ليست بحال زينة، ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعل أم عطية، وليس في الحديث أن النبي بَّر علم ذلك. ثم المحرم يكفن كما يكفن الحلال عندنا، أي: تغطي رأسه ووجهه ويطيب. وقال الشافعي: لا يخمر رأسه، ولا يقرب منه طيب، واحتج بما روى ابن عباس أن النبي - وَلّ ـ سئل عن محرم وقصت به ناقته واندق عنقه فقال: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً))، وفي رواية قال: ((ولا تقربوا منه طيباً))(١). ولنا: ما روي عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبيِّ - وَّر - أنه قال: ((فِي المُخْرِمِ يَمُوتُ خَمِّرُوهُمْ، وَلاَ تُشَبُّهُوهُمْ بِاليَهُودِ»(٢) . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال في المحرِمِ إِذَا مَاتَ: ((أَنْقَطَعَ إِخْرَامُهُ))، ولأن النبي ◌َّ قال: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ أَنَّقَطَعَ عَمَلَهُ إِلَّ مِنْ ثَلاثَةٍ: وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ عَلَّمَهُ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِهِ»(٣)، وَالْإِحْرام ليس من هذه الثلاثةً، وما روي معارض (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) تقدم. (٣) أخرجه مسلم (١٢٥٥/٣) كتاب الوصية: باب ما يلحق الانسان من الثواب حديث (١٤ / ١٦٣١) والبخاري في ((الأدب المفرد)) رقم (٣٨) وأبو داود (٢/ ١٣١) كتاب الوصايا: باب ما جاء في فضل الصدقة عن الميت حديث (٢٨٨) والترمذي (٦٦٠/٣) كتاب الأحكام: باب في الوقف حديث (١٣٧٦) والنسائي (٢٥١/٦) كتاب الوصايا: باب فضل الصدقة على الميت، وأحمد (٣٧٢/٢) وابن خزيمة (١٢٢/٤) رقم (٢٤٩٤) وأبو يعلى (٣٤٣/١١) رقم (٦٤٥٧) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٣٧٠) والدولابي في («الكنى والأسماء)) (١/ ١٩٠) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١/ ١٩٠) والبيهقي (٢٧٨/٦) كتاب الوصايا: باب الدعاء للميت وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١/ ١٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (١ /٢٣٧ - بتحقيقنا) كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)). وقال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح. سے ٣٣٠ كتاب الصلاة بما روينا في المحرم؛ فبقي لنا الحديث المطلق الذي روينا؛ أن هذا العمل منقطع على أن ذلك الحديث محمول على محرم خاص، جعله النبي - وَلّ ـ مخصوصاً به؛ بدليل ما روينا. والله أعلم. فضل في بیان من يجب عليه الكفن وأما بيانُ مَنْ يجب عليه الكفن، فنقول: كفن الميت في ماله إن كان له مال، ويكفن من جميع ماله قبل الدين والوصية والميراث؛ لأن هذا من أصول حوائج الميت؛ فصار كنفقته في حال حياته، وإن لم يكن له مال فكفنه على من تجب عليه نفقته، كما تلزمه(١) كسوته في حال حياته، إلا المرأة فإنه لا يجب كفنها على زوجها عند محمد؛ لأن الزوجية انقطعت بالموت ١١٥٥ فصار كالأجنبي؛ وعند أبي يوسف: يجب عليه كفنها، كما تجب (٢) عليه كسوتها/ في حال حياتها(٣). ولا يجب على المرأة كفن زوجها بالإجماع، كما لا يجب عليها كسوته في حال الحياة، وإن لم يكن له مال، ولا من ينفق عليه - فكفنه في بيت المال، كنفقته في حال حياته؛ لأنه أعد لحوائج المسلمين، وعلى هذا إذا نبش الميت وهو طري لم يتفسخ بعد كفن ثانياً من جميع المال؛ لأن حاجته إلى الكفن في المرة الثانية كحاجته إليه في المرة الأولى؛ فإن قسم المال فهو على الوارث دون الغرماء، وأصحاب الوصايا؛ لأن بالقسم انقطع حق الميت عنه؛ فصار كأنه مات ولا مال له؛ فيكفنه وارثه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال، ولا من تفترض عليه نفقته - فكفن في بيت المال بمنزلة نفقته في حال حياته، وإن نبش بعد ما تفسخ، وأخذ كفنه - كفن في ثوب واحد، لأنه إذا تفسخ خرج عن حكم الآدميين؛ ألا ترى أنه لا يصلى عليه فصار كالسقط. والله أعلم. ثم إذا كفن الميت يحمل على الجنازة. فضل في حمل الجنازة والكلام في حمله على الجنازة في مواضع: في بيان كمية من يحمل الجنازة، وكيفية حملها وتشييعها ووضعها، وما يتصل بذلك مما يسن وما يكره. (١) في أ: يلزمه. (٢) في أ: يجب. (٣) في أ: الحياة. ٣٣١ كتاب الصلاة أما بيان كمية من يحمل الجنازة، و[كيفية حملها] (١)، فالسنة في حمل الجنازة أن يحملها أربعة نفر، من جوانبها الأربع عندنا. وقال الشافعي: السنة حملها بين العمودين، وهو أن يحملها رجلان يتقدم أحدهما فيضع جانبي الجنازة على كتفيه، ويتأخر الآخر فيفعل مثل ذلك، وهذا النوع من الحمل مكروه؛ كذا ذكره الحسن بن زياد في ((المجرد)). واحتج الشافعي بما رُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ - وَ - حَمَّلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ العَمُودَيْنِ))(٢). ولنا: ما روي عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: «السُّنَّةُ أن تحمل الجنازَةُ من جوانبها الأربَع))، وروي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يدور على الجنازة من جوانبها الأربع، ولأن عمل الناس اشتهر بهذه الصفة، وهو آمن من سقوط الجنازة، وأيسر على الحاملين المتداولين منهم، وأبعد من تشبيه حمل الجنازة بحمل الأثقال، وقد أمرنا بذلك؛ ولهذا يكره حملها على الظهر أو على الدابة. وأما الحديث: فتأويله أنه كان لضيق المكان، أو لعوز الحاملين، ومن أراد إكمال السنة في حمل الجنازة؛ ينبغي له أن يحملها من الجوانب الأربع؛ لما روينا عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يدور على الجنازة على جوانبها الأربع، فيضع مقدم الجنازة على يمينه، ثم مؤخرها على يمينه، ثم مقدمها على يساره، ثم مؤخرها على يساره، كما بين في ((الجامع الصغير))، وهذا لأن النبي - مَّ - كان يحب التيامن في كل شيء. وإذا حمل هكذا حصلت البداية بيمين الحامل، ويمين الميت، وإنما بدأنا بالأيمن المقدم دون المؤخر، لأن المقدم أول الجنازة؛ والبداية بالشيء إنما تكون من أوله، ثم يضع مؤخرها الأيمن على يمينه؛ لأنه لو وضع مقدمها الأيسر على يساره لاحتاج إلى المشي أمامها؛ والمشي خلفها أفضل؛ ولأنه لو فعل ذلك، أو وضع مؤخرها الأيسر على يساره - لقدم الأيسر على الأيمن، ثم يضع مقدمها الأيسر على يساره؛ لأنه لو فعل كذلك يقع الفراغ خلف الجنازة فيمشي خلفها، وهو أفضل؛ كذلك كان الحمل، ولكمال السنة كما وصفنا من الترتيب. وينبغي أن يحمل من كل جانب عَشْر خُطُوَاتٍ؛ لما رُوِيَ في الحديث: ((مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً»(٣). (١) في أ: كيفية. (٢) قال النووي في ((المجموع)) (٢٣٢/٥): ذكره الشافعي في المختصر والبيهقي في المعرفة وأشار إلى تضعيفه . (٣) أخرجه ابن الجوزي في ((العلل)) (٨٩٨/٢) رقم (١٤٩٩). ٣٣٢ كتاب الصلاة وأما جنازة الصبي: فالأفضل أن يحملها الرجال، ويكره أن توضع جنازته على دابة؛ لأن الصبي مكرم محترم كالبالغ، ولهذا يصلى عليه كما يصلى على البالغ؛ ومعنى الكرامة والاحترام في الحمل على الأيدي؛ فأما الحمل على الدابة فإهانة له؛ لأنه يشبه حمل الأمتعة، وإهانة المحترم مكروه. ولا بأس بأن يحمله راكب على دابته؛ وهو أن يكون الحامل له راكباً؛ لأن معنى الكرامة حاصل. وعن أبي حنيفة - رحمه الله - في الرضيع والفطيم: لا بأس بأن يحمل في طبق يتداولونه. والله أعلم. والإسراع بالجنازة أفْضَلُ من الإبطاءِ؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - بَّهِ - أنه قال: ((عَجْلُوا بِمَوْتَاكُمْ، فَإِنْ يَكُ خَيْراً قَدَّمْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ شَرّاً أَلْقَيْتُمُوهُ عَنْ رِقَابِكُمْ»(١). وفي رواية: ((فبعداً لأهل النار))، لكن ينبغي أن يكون الإسراع دون الخبب؛ لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: سألنا رسول الله - وَلو - عن المشي بالجنازة، فقال: ((ما دون الخبب))(٢)، ولأن الخبب يؤدي إلى الإضرار(٣) بمشيعي الجنازة، ويقدم الرأس في حال حمل الجنازة؛ لأنه من أشرف الأعضاء؛ فكان تقديمه أولى؛ ولأن معنى الكرامة في التقديم. والله أعلم. وأما كيفية التشييع: فالمشي خلف الجنازة أفضل عندنا. وقال الشافعي: المشي أمامها أفضل. واحتج بما روى الزهري عن سالم، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن/ النبي وَّر وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة(٤)، وهذا حكاية عادة؛ وكانت عادتهم ١٥٥ ب (١) أخرجه البخاري (٢١٨/٣) كتاب الجنائز: باب السرعة بالجنازة حديث (١٣١٥) ومسلم (٦٥١/٢-٦٥٢) كتاب الجنائز: باب الإسراع بالجنازة حديث (٩٤٤/٥٠) وأبو داود (٢٢٣/٢) كتاب الجنائز: باب الإسراع بالجنازة حديث (٣١٨١) والترمذي (٣٣٥/٣) كتاب الجنائز باب ما جاء في الإسراع بالجنازة حديث (١٠١٥) والنسائي (٤٢/٤) كتاب الجنائز، وابن ماجه (٤٧٤/١) كتاب الجنائز: باب ما جاء في شهود الجنائز حديث (٥١٤٧٧) وأحمد (٢/ ٤٨٨،٢٨٠٢٢٤٠) والحميدي (١٠٢٢) وابن أبي شيبة (٣/ ٢٨١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٧٨/١) والبيهقي (٢١/٤) كتاب الجنائز باب الإسراع في المشي بالجنازة، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣١/٣ - بتحقيقنا) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. (٢) تقدم تخريج الحديث. (٣) في أ: إضرار. (٤) أخرجه أبو داود في الجنائز (٢٠٥/٣)، باب المشي أمام الجنازة (٣١٧٩)، والترمذي في الجنائز (٣/ ٣٢٩)، باب ما جاء في المشي أمام الجنازة (١٠٠٧)، والنسائي في الجنائز (٥٦/٤)، باب مكان الماشي من الجنازة (١٩٤٤)، وابن ماجه في الجنائز (١ /٤٧٥). ٣٣٣ كتاب الصلاة اختيار الأفضل، ولأنهم شفعاء الميت، والشفيع أبداً يتقدم؛ لأنه أحوط للصلاة؛ لما فيه من التحرز عن احتمال الفوت. ولنا: ما روي عن ابن مسعود موقوفاً عليه ومرفوعاً إِلَى رَسُولِ الله - وَظله - أنه قال: ((الجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا))(١) . وروي عنه أنه - عليه السلام -: ((كَانَ يَمْشِي خَلْفَ جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ))، وروى معمر عن طاوس، عن أبيه، أنه قال: ((مَا مَشَىْ رَسُولُ الله - وََّـ ــ حَتَّى مَاتَ، إِلَّ خَلْفَ الجَنَازَةِ». وعن ابن مسعود: فضل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها، كفضل المكتوبة على النافلة؛ ولأن المشي خلفها أقرب إلى الاتعاظ؛ لأنه يعاين الجنازة فيتعظ؛ فكان أفضل، والمروي عن النبي - وَّلـ ـ لبيان الجواز، وتسهيل الأمر على الناس عند الازدحام، وهو تأويل فعل أبي بكر، وعمر. والدليل عليه: ما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أنه قال: بينما أنا أمشي مع علي خلف الجنازة، وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقلت لعلي: ما بال أبي بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة؟ فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها [إلا أنهما يسهلان على الناس. ومعناه: أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها](٢) تعظيماً لها، فلو اختار المشي خلف الجنازة لضاق الطريق على مشيعيها . وأما قوله: إن الناس شفعاء الميت؛ فينبغي أن يتقدموا - فيشكل هذا بحالة الصلاة؛ فإن حالة الصلاة حالة الشفاعة، ومع ذلك لا يتقدمون الميت؛ بل الميت قدامهم. وقوله: هذا أحوط للصلاة، قلنا: عندنا إنما يكون المشي خلفها أفضل؛ إذا كان بقرب منها بحيث (١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٥/٣: كتاب الجنائز: باب الإسراع بالجنازة، الحديث (٣٨١٤)، والترمذي (٢/ ٢٣٩): كتاب الجنائز: باب المشي خلف الجنازة، الحديث (١٠١٦)، وابن ماجه (٤٧٦/١): كتاب الجنائز: باب المشي أمام الجنازة، الحديث (١٤٨٤)، والبيهقي (٢٢/٤): كتاب الجنائز: باب المشي بالجنازة والإسراع بها، وأحمد (٤٣٢/١)، كلهم من رواية يحيى الجابر، عن أبي ماجد عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله وَّلقول عن المشي خلف الجنازة، فقال: ما دون الخبب إن كان خيراً تعجل إليه وإن كان غير ذلك فبعداً لأهل النار، والجنازة متبوعة، ولا تتبع، ليس معها من يقدمها، وهو عند ابن ماجة بلفظ : الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من يقدمها. قال أبو داود: (هو حديث ضعيف، وأبو ماجد هذا لا يعرف)، وقال الترمذي: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يضعف حديث أبي ماجد هذا)، قال الترمذي: (وأبو ماجد هذا رجل مجهول، وله حديثان عن ابن مسعود، ويحيى إمام بني تيم الله ثقة يكنّى أبا الحارث يقال له یحیی الجابر، ويقال له يحيى المجبر). ا.هـ. وخالفه البيهقي في يحيى، فقال: (أبو ماجد مجهول، ويحيى الجابر ضعفه جماعة من أهل النقل). (٢) سقط في أ. ٣٣٤ كتاب الصلاة يشاهدها، وفي مثل هذا لا تفوت الصلاة، ولو مشى قدامها كان واسعاً؛ لأن النبي - ◌َچور - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - فعلوا ذلك في الجملة على ما ذكرنا، غير أنه يكره أن يتقدم الكل عليها؛ لأن فيه إبطال متبوعية الجنازة من كل وجه، ولا بأس بالركوب إلى صلاة الجنازة، والمشي أفضل؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، وأليق بالشفاعة. ويكره للراكب أن يتقدم الجنازة؛ لأن ذلك لا يخلو عن الضرر بالناس. ولا تتبع الجنازة بنار إلى قبره، يعني: الإجمار في قبره؛ لما روي أن النبي - مَلّر - خرج في جنازة، فرأى امرأة في يدها مجمر، فصاح عليها وطردها حتى توارت بالآكام. وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: لا تحملوا معي مجمراً(١)، ولأنها آلة العذاب، فلا تتبع معه تفاؤلاً . قال إبراهيم النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا ناراً، ولأن هذا فعل أهل الكتاب؛ فيكره التشبه بهم، ولا ينبغي أن يرجع من يتبع الجنازة(٢) حتى يصلي؛ لأن الاتباع كان للصلاة عليها، فلا يرجع قبل حصول المقصود؛ ولا ينبغي للنساء أن يخرجن في الجنازة؛ لأنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَّهَاهُنَّ عَنْ ذُلِكَ، وقال: ((آنْصَرِفْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ))(٣). (١) أخرجه مالك (٢٢٦/١)، باب النهي أن تتبع الجنازة بنار حديث (١٣). (٢) في أ: جنازة. (٣) أخرجه ابن ماجه (٥٠٣/١) كتاب الجنائز: باب ما جاء في اتباع النساء للجنائز حديث (١٥٧٨) وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٩٢/٢) رقم (١٥٠٧) والبيهقي (٧٧/٤) من طريق إسماعيل بن سليمان عن دينار أبي عمر عن ابن الحنفية عن علي قال خرج رسول الله وَّر فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن قلن ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن لا قال: هل تحملن؟ قلن لا قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن لا قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات. قال البوصيري في ((الزوائد)) (٥١٧/١): هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار وإسماعيل بن سليمان. ا.هـ. وللحدیث شاهد من حديث أنس: أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٠١/٦) ومن طريقه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٩٠٢/٢) رقم (١٥٠٦) من طريق أبي هدية عن أنس أن النبي ◌ّله تبع جنازة فإذا هو بنسوة خلف الجنازة فنظر إليهم وهو يقول ارجعن مأزورات غير مأجورات مفتنات الأحياء مؤذيات الأموات. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح وفيه أبو هدبة وقد أجمعوا على أنه كذاب. وللحديث طريق آخر عن أنس : أخرجه أبو يعلى (٢٦٨،١٠٩/٧) رقم (٤٠٥٦، ٤٢٨٤) من طريق الحارث بن زياد عن أنس به. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨/٣) وقال: رواه أبو يعلى وفيه الحارث بن زياد قال الذهبي ضعيف. وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٢٠٣/١) رقم (٧٢٧) وعزاه لأبي يعلى. ٣٣٥ كتاب الصلاة ولا ينبغي لأحد أن يقوم للجنازة إذا أتي بها بين يديه، إلا أن يريد اتباعها، ويكره النواح والصياح في الجنازة ومنزل الميت؛ لما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - وَّرَ -: ((أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّوْتَيْنِ الأَحْمَقَيْنِ: صَوْتِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِيَة)»(١). فأما البكاء فلا بأس به، [لما رُوِيَ عن النبيِّ - وَ -: ((أَنَّهُ](٢) بَكَى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ: ((العَيْنُ تَذْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَخْشَعُ، وَلاَ تَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَإِنَّا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))(٣). وإذا كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت، فإن لم تنزجر، فلا بأس بأن يتبع الجنازة معها، ولا يمتنع لأجلها؛ لأن اتباع الجنازة سنة؛ فلا يترك ببدعة من غيره. ويطيل الصمت إذا اتبع الجنازة، ويكره رفع الصوت بالذكر؛ لما روي عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله - وليه - يكرهون رفع الصوت عند ثلاثة: عند القتال، وعند الجنازة، والذكر، ولأنه تشبه بأهل الكتاب؛ فكان مكروهاً، ويكره لمتبعي الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة؛ لأنهم أتباع الجنازة؛ والتبع لا يقعد قبل قعود الأصل؛ ولأنهم إنما حضروا تعظيماً للميت، وليس من التعظيم الجلوس قبل الوضع، فأما بعد الوضع فلا بأس بذلك؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ الله عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ - نَ - كَانَ لاَ يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ المَيْتُ فِي اللَّخدِ، وَكَانَ قَائِماً مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسٍ قَبْرٍ))، فَقَالَ يَهُودِيُّ: هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَوْتَانًا؛ فَجَلَسَ - وَّه ◌ِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((خَالِفُوهُمْ)) (٤). (١) أخرجه الطحاوي (٢٩٣/٤). (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: لأن النبي ◌َّر. (٣) أخرجه البخاري (٢٠٦/٣) كتاب الجنائز، باب: قول النبي وَلير: أنا بك محزونون حديث (١٣٠٣)، ومسلم کتاب الفضائل حديث (٢٣١٥). (٤) أخرجه مسلم (٦٦١/٢): كتاب الجنائز: باب فسخ القيام للجنازة، الحديث (٩٦٢/٨٢)، وأبو داود (٣/ ٥١٩) كتاب الجنائز: باب القيام للجنازة، الحديث (٣١٧٥)، والترمذي (٢٥٤/٢): كتاب الجنائز: باب ترك القيام للجنازة، الحديث (١٠٤٩)، والنسائي (٤٦/٤): كتاب الجنائز: باب الرخصة في ترك القيام للجنازة، وابن ماجه (٤٩٣/١): كتاب الجنائز: باب القيام للجنازة، الحديث (١٥٤٤)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) (٤٨٨/١): كتاب الجنائز: باب الجنازة تمر بالقوم أيقومون لها؟ والبيهقي (٢٧/٤): كتاب الجنائز: باب من زعم أن القيام للجنازة منسوخ، ومالك (٢٣٢/١): كتاب الجنائز: باب الوقوف للجنائز ... الحديث (٣٣)، والشافعي (٢١٥/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الجنائز، الحديث (٥٩٥)، وابن أبي شيبة (٣٠٩/٣): كتاب الجنائز: باب لا يجلس حتى توضع، وأحمد (٨٢/١)، من حديث مسعود بن الحكم، عن علي. ٣٣٦ كتاب الصلاة وأما كيفية الوضع فنقول: إنها توضع عرضاً للقبلة؛ هكذا توارثه الناس. والله أعلم. ثم إذا وضعت الجنازة يصلى عليها . فضل في بيان صلاة الجنازة والكلام في صلاة الجنازة في مواضع: في بيان أنها فريضة. وفي بيان كيفية فرضيتها . وفي بيان من يصلى عليه. وفي بيان كيفية الصلاة. وفي بيان ما تصح به الصلاة وما يفسدها/ وما يكره. ١١٥٦ وفي بيان من له ولاية الصلاة. أما الأول: فالدليل على فرضيتها ما رُوِيَ عن النبيِّ - وََّ - أنه قال: ((صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ))(١) . وروي عنه بَّرَ أنه قال: ((للْمُسْلِم عَلَى المُسْلِمِ سِتُ حُقُوقٍ؛ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنَازَتِهِ))، وكلمة (على)؛ للإِيجَاب، وكذا مَواظبة النبي - ◌َّهِ - وأصحابه - رضي الله عنهم - والأمة من لدن رسول الله - ◌َلو - إلى يومنا هذا عليها - دليل الفرضية، والإجماع منعقد على فرضيتها - أيضاً - إلا أنها فرض كفاية، إذا قام به البعض يسقط عن الباقين؛ لأن ما هو الفرض - وهو قضاء حق الميت - يحصل بالبعض، ولا يمكن إيجابها على كل واحد من آحاد الناس؛ فصار بمنزلة الجهاد، لكن لا يسع الاجتماع على تركها كالجهاد. والله أعلم. فضل في بيان من يصلى عليه وأما بيان من يصلى عليه: فكل مسلم مات بعد الولادة يصلى عليه، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، حرّاً كان أو عبداً، إلا البغاة وقُطَّاع الطريق، ومَنْ بمثل حالهم، لقول النبيِّ - وَ -: ((صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ)(٢). وقوله: (لِلْمُسْلِمِ سِتُ حُقُوقٍ))(٣) . (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) تقدم تخريج الحديث. (٣) تقدم تخريج الحديث. ٣٣٧ كتاب الصلاة وذكر من جملتها: أن يصلى على جنازته من غير فصل، إلا ما خص بدليل، والبغاة ومن بمثل حالهم مخصوصون؛ لما ذكرنا، ولا يصلى على من [ولد] (١) ميتاً، وقد ذكرناه في باب الغسل. وإن مات في حال ولادته؛ فإن كان خرج أكثره صلى عليه، وإن كان أقله لم يصل عليه اعتباراً للأغلب، وإن كان خرج نصفه لم يذكر في الكتاب. ويجب أن يكون هذا على قياس ما ذكرنا من الصلاة على نصف الميت، ولا يصلى على بعض الإنسان حتى يوجد الأكثر منه عندنا؛ لأنا لو صلينا على هذا البعض يلزمنا الصلاة على الباقي إذا وجدناه؛ فيؤدي إلى التكرار؛ وأنه ليس بمشروع عندنا [على ما نذكر] (٢) بخلاف الأكثر؛ لأنه إذا صلّى عليه لم يصل على الباقي إذا وجد، وقد ذكرناه في باب الغسل، وذكرنا(٣) اختلاف رواية الكرخي، والطحاوي في النصف المقطوع. ولا يصلى على ميت إلا مرة واحدة، لا جماعة ولا وحداناً عندنا، إلا أن يكون الذين صلوا عليها أجانب بغير أمر الأولياء، ثم حضر الولي؛ فحينئذ له أن يعيدها. وقال الشافعي: يجوز لمن لم يصل أن يصلي. واحتج بما روي أن النبي - صل و - صلى على النجاشي(٤)، ولا شك أنه كان صلّى عليه، وروي أنه وَل# مر بقبر جديد، فسأل عنه فقيل: قبر فلانة. فقال: ((هلا آذنتموني بالصلاة عليها؟)) فقيل: إنها دفنت ليلاً؛ فخشينا عليك هوام الأرض. فقال ◌َّ: ((إذا مات إنسان فآذنوني؛ فإن صلاتي عليه رحمة))(٥)، وقام وجعل القبر بينه وبين القبلة وصلى عليه، وكذا الصحابة - رضي الله عنهم - صلوا على النبي - وَل ــ وجماعة بعد جماعة، ولأنها دعاء؛ ولا بأس بتكرار الدعاء، ولأن حق الميت وإن قضى، فلكل مسلم في الصلاة حق ولأنه يثاب بذلك، وعسى أن يغفر له ببركة هذا الميت كرامة له، ولم يقض هذا الحق في حق كل شخص؛ فکان له أن يقضي حقه . ولنا: ما روي أن النَّبِيَّ - نَّهِ - صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ - جَاءَ عُمَرُ، وَمَعَهُ قَوْمٌ، فَأَرَادَ (١) في ط: وجد (٢) سقط في ط. (٣) في أ: وذكر. (٤) تقدم تخريج الحديث. (٥) أخرجه البخاري ١١٧/٣، كتاب الجنائز: باب الأذن بالجنازة (١٢٤٧)، ومسلم ٦٥٨/٢، كتاب الجنائز: باب الصلاة على القبر (٦٩-٩٥٤). بدائع الصنائع ج٢ - م٢٢ ٣٣٨ كتاب الصلاة أَنْ يُصَلِي ثَانِياً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - نََّ -: ((الصَّلاَةُ عَلَى الجَنَازَةِ لاَ تُعَادُ)) وَلَكِنِ ادْعُ لِلْمَيْتِ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُ. وهذا نص في الباب، وروي: أن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - فاتتهما صلاة على جنازة، فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له. وروي عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه -: أنه فاتته الصلاة على جنازة عمر - رضي الله عنه - فلما حضر قال: إن سبقتموني بالصلاة عليه فلا تسبقوني بالدعاء له. والدليل عليه: أن الأمة توارثت ترك الصلاة على رسول الله - وَلّ - وعلى الخلفاء الراشدين والصحابة - رضي الله عنهم - ولو جاز لما ترك مسلم الصلاة عليهم، خصوصاً على رسول الله - ر9َّور - لأنه في قبره كما وضع، فإن لحوم الأنبياء حرام على الأرض؛ به ورد الأثر؛ وتركهم ذلك إجماعاً منهم دليل على عدم جواز التكرار، ولأن الفرض قد سقط بالفعل مرةً واحدةً؛ لكونها فرض كفاية، ولهذا: إن من لم يصل لو ترك الصلاة ثانياً - لا يأثم، وإذا سقط الفرض فلو صلى ثانياً - كان نفلاً، والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع. بدليل: أن من صلّى مرة لا يصلي ثانياً؛ وهذا بخلاف ما إذا تقدم غير الولي فصلى، أن للولي أن يصلي عليه؛ لأنه إذا لم يجز الأول تبين أن الأول لم يقع فرضاً؛ لأن حق التقدم كان له، فإذا تقدم غيره بغير إذنه كان له أن يستوفي حقه في التقدم، فيقع الأول فرضاً؛ فهو الفرق. والنبي - وَلّ - إنما أعاد؛ لأن ولاية الصلاة كانت له؛ فإنه كان أولى الأولياء. قال الله - تعالى -: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦]. وروي عنه وَ ﴿ أنه قَالَ: ((لاَ يُصَلِّي عَلَى مَوْتَاكُمْ غَيْرِي، مَا دُمْتُ/ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ)) فلم يسقط الفرض بأداء غيره، وهذا هو تأويل فعل الصحابة - رضي الله عنهم - فإن الولاية كانت لأبي بكر - رضي الله عنه - لأنه هو الخليفة؛ إِلاَّ أنه كان مشغولاً بتسوية الأمور، وتسكين الفتنة؛ فكانوا يصلون عليه قبل حضوره، فلما فرغ صلى عليه، ثم لم يصلّ بعده عليه. والله أعلم. ١٥٦ ب وأما حديث النجاشي فيحتمل أنه دعاء؛ لأن الصلاة تذكر ويراد بها الدعاء، ويحتمل أنه خصه بذلك. وأما قوله: إن لكل واحد من الناس حقاً في الصلاة عليه. قلنا: نعم لكن لا وجه لاستدراك ذلك؛ لسقوط الفرض، وعدم جواز التنفل بها؛ وهو الجواب عن قوله: إنها دعاء واستغفار؛ لأن التنفل بالدعاء والاستغفار مشروع، وبالصلاة على الجنازة غير مشروع. وعلى هذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا يصلى على ميت غائب. وقال الشافعي: يصلى عليه؛ استدلالاً بصلاة النبي - وَالرـــ على النجاشي وهو غائب، ولا حجة له فيه؛ لما بينا على أنه روي أن الأرض طويت له، ولا يوجد مثل ذلك في حق غيره، ثم ما ذكره غير سديد؛ لأن الميت إن كان في جانب المشرق؛ فإن استقبل القبلة في الصلاة عليه كان الميت خلفه، ٣٣٩ كتاب الصلاة وإن استقبل الميت كان مصليّاً لغير القبلة؛ وكل ذلك لا يجوز. ولا يصلى على صبي وهو على الدابة، وعلى أيدي الرجال حتى يوضع؛ لأن الميت بمنزلة الإمام لهم، فلا يجوز أن يكون محمولاً وهم على الأرض، ولا يصلى على البغاة وقطاع الطريق عندنا. وقال الشافعي: يصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون؛ قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ﴾ [الحجرات: ٩] الآية، فدخلوا تحت قَوْلِ النبيِّ - وَه -: ((صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ))(١). ولنا: ما روي عن علي - رضي الله عنه : - أنه لم يغسل أهل نهروان، ولم يصل عليهم، فقيل له: أكفار هم؟ فقال: لا، ولكن هم إخواننا بغوا علينا. أشار إلى ترك الغسل والصلاة عليهم؛ إهانة لهم ليكون زجراً لغيرهم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحد؛ فيكون إجماعاً، وهو نظير المصلوب؛ ترك على خشبته إهانة له وزجراً لغيره؛ كذا هذا. وإذا ثبت الحكم في البغاة ثبت في قطاع الطريق؛ لأنهم في معناهم؛ إذ هم يسعون في الأرض بالفساد، كالبغاة؛ فكانوا في استحقاق الإهانة مثلهم؛ وبه تبين أن البغاة ومن بمثلهم مخصوصون عن الحديث بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وكذلك الذي يقتل بالخنق؛ كذا روي عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: وكذلك من يقتل على متاع يأخذه، والمكاثرون في المصر بالسلاح؛ لأنهم يسعون في الأرض بالفساد فيلحقون بالبغاة. والله أعلم. فضل في كيفية الصلاة على الجنازة وأما بيان كيفية الصلاة على الجنازة: فينبغي أن يقوم الإمام عند الصلاة بحذاء الصدر من الرجل والمرأة، وروى الحسن في كتاب صلاته عن أبي حنيفة أنه قال: في الرجل يقوم بحذاء وسطه، ومن المرأة بحذاء صدرها، وهو قول ابن أبي ليلى. وجه رواية الحسن: أن في القيام بحذاء الوسط تسوية بين الجانبين في الحظ من الصلاة، إلا أن في المرأة يقوم بحذاء صدرها؛ ليكون أبعد عن عورتها الغليظة. وجه ظاهر الرواية: أن الصدر هو وسط البدن؛ لأن الرجلين والرأس من جملة الأطراف؛ فيبقى البدن من العجيزة إلى (١) تقدم تخريج الحديث. ٣٤٠ كتاب الصلاة الرقبة؛ فكان وسط البدن هو الصدر، والقيام بحذاء الوسط أولى؛ ليستوي الجانبان في الحظ من الصلاة ولأن القلب معدن العلم والحكمة؛ فالوقوف بحياله أولى. ولا نص عن الشافعي في كيفية القيام، وأصحابه يقولون: يقوم بحذاء رأس الرجل، وبحذاء عجز المرأة، ويكون هذا مذهب الشافعي؛ لما روي عن أنس - رضي الله عنه -: أنه صلى على امرأة فوقف عند عجيزتها (١)، وصلى على رجل فقام عند رأسه، فقيل له: أكان رسول الله - وَليو - يصلي كذلك؟ قال: نعم. قالوا: ومذهب الشافعي لا يخالف السنة؛ فيكون هذا مذهبه، وإن لم يرو عنه. ولكنا نقول: هذا معارض بما روى سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: أن رسول الله - رَالله - صلى على أم [قلابة](٢) - ماتت في نفاسها - فقام وسطها (٣)، وهذا موافق لمذهبنا؛ لما ذكرنا أنه يقوم بحذاء صدر كل واحد منهما؛ لأن الصدر وسط البدن، أو نؤول فنقول: يحتمل أنه وقف بحذاء الوسط، إلا أنه مال في أحد الموضعين إلى الرأس، وفي الآخر إلى العجز؛ فظن الراوي أنه فرق بين الأمرين، ثم يكبر أربع تكبيرات، وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات؛ وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات؛ وهو رواية عن أبي يوسف. وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله ـ ر18ّ - فروي عنه: الخمس، والسبع، والتسع، وأكثر من ذلك، إلا أن آخر فعله كان أربع تكبيرات؛ لما روي عن عمر: أنه جمع ١١٥٧ الصحابة - رضي الله عنهم - حين اختلفوا في عدد التكبيرات/، وقال لهم: إنكم اختلفتم؛ فمن يأتي بعدكم يكون أشد اختلافاً، فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله - بَّر - على جنازة، فخذوا بذلك، فوجدوه صلى على امرأة [جنازة](٤) كبر عليها أربعاً، فاتفقوا على ذلك؛ فكان هذا دليلاً على كون التكبيرات في صلاة الجنازة أربعاً؛ لأنهم أجمعوا عليها؛ حتى قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حين سئل عن تكبيرات الجنازة -: كل ذلك قد كان، ولكني رأيت الناس أجمعوا على أربع تكبيرات؛ والإجماع حجة؛ وكذا رووا عنه أنه وَلّل كذا كان يفعل. (١) أخرجه أبو داود ٢٠٨/٣، في الجنائز: باب أين يقوم الإمام من الميت (٣١٩٤)، من حديث طويل، وأخرجه الترمذي ٣٥٢/٣، في الجنائز: باب ما جاء في أين يقوم الإمام إذا صلّى على الجنازة (١٠٣٤)، وأخرجه ابن ماجه ٤٧٩/١، في الجنائز: باب ما جاء في أين يقوم الإمام إذا صلّى على الجنازة (١٤٩٤). (٢) سقط في أ. (٣) أخرجه البخاري ٢٠١/٣، في الجنائز: باب أين يقوم من المرأة والرجل (١٣٣٢)، ومسلم ٢/ ٦٦٤، في الجنائز: باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه (٨٧/ ٩٦٤). (٤) سقط في ط.