Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
كتاب الصلاة
الاشتباه على الداخل عند معاينة فراغ مكان الإمام عنه. وروي عن محمد أنه قال: يستحب
للقوم أيضاً أن ينقضوا الصفوف ويتفرّقوا؛ ليزول الاشتباه عن (١) الداخل المعاين الكل في
الصلاة البعيد عن الإمام، ولما روينا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وأما الذي هو في الصلاة فنوعان: نوع هو أصلي، ونوع هو عارض ثبت وجوبه بسبب
عارض.
فصل في بيان الواجبات الأصلية في الصلاة
أما الواجبات(٢) الأصلية في الصلاة - فستّة: منها قراءة الفاتحة والسورة في صلاة ذات
ركعتين، وفي الأوليين من ذوات الأربع والثلاث، حتى لو تركهما أو أحدهما، فإن كان عامداً
كان مسيئاً، وإن كان ساهياً يلزمه سجود السهو، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: قراءة الفاتحة على التعيين فرض، حتى لو تركها أو حرفا منها في ركعة -
لا تجوز صلاته(٣).
وقال مالك: قراءتهما (٤) على التعيين فرض؛ احتجًّا بما رُوِيّ عن النبيِّ نَ أنه قَالَ: ((لاَ
صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ))(٥). وروي: ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا)) أو
(١) في أ، ط: على.
(٢) في هامش ب: بيان الواجبات الأصلية في الصلاة وهي ستة.
(٣) في ب: فيلزمه.
(٤) في ب: قراءتها.
(٥) أخرجه الشافعي في ((الأم)) (١٢٩/١) كتاب الصلاة: باب القراءة بعد التعوذ، وأحمد (٣١٤/٥)،
والدارمي (٢٨٣/١): كتاب الصلاة: باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والبخاري (٢٣٦/٢ - ٢٣٧):
كتاب الأذان: باب وجوب القراءة للإمام (٩٥)، ومسلم (٢٩٥/١): كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة
الفاتحة، الحديث (٣٩٤/٣٤)، وأبو داود (٥١٤/١): كتاب الصلاة: باب من ترك قراءة الفاتحة،
الحديث (٨٢٢)، والترمذي (٢٥/٢) كتاب الصلاة: باب لا صلاة إلا بالفاتحة، الحديث (٢٤٧)،
والنسائي (١٧٣/٢): كتاب الافتتاح: باب وجوب قراءة فاتحة الكتاب، وابن ماجة (١/ ٢٧٣) كتاب إقامة
الصلاة: باب القراءة خلف الإمام الحديث (٨٣٧)، والدارقطني (٣٢١/١): كتاب الصلاة: باب وجوب
قراءة أم الكتاب، الحديث (١٧)، والبيهقي (٣٨/٢) كتاب الصلاة: باب تعيين القراءة بفاتحة الكتاب،
وأبو عوانة (١٢٤/٢)، وابن أي شيبة (٣٦٠/١)، وعبد الرزاق (٢٦٢٣)، وابن خزيمة (٢٤٦/١) رقم
(٤٨٨)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٠١/٢ - بتحقيقنا) والحميدي (٣٨٦) والطبراني في ((الصغير)) (١/
٧٨) كلهم من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن النبي وَّ قال: لا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه ابن حبان (٨٧/٥) رقم (١٧٨٦)، (٩٥/٥ - ٩٦) رقم (١٧٩٣).

٦٨٢
كتاب الصلاة
قال: ((وَشَيْءٍ مَعَهَا))(١) ولأن النبي(٢) وَيُّ واظب على قراءتهما في كل صلاة؛ فيدل على
الفرضية .
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. أمر بمطلق القراءة من غير
تعيين، فتعيين الفاتحة فرضا، أو تعيينهما نسخ الإطلاق، ونسخ الكتاب بالخبر المتواتر - لا
يجوز عند الشافعي، فكيف يجوزُ بخبر الواحد، فقبلنا الحديث في حق الوجوب عملاً، حتى
تكره ترك قراءتهما دون الفرضية عملاً بهما بالقدر الممكن؛ كيلا يضطر إلى رده لوجوب رده
عند معارضة الكتاب، ومواظبة النبي وَ لّ على فعل لا يدلُّ على فرضيته، فإنه كان يواظب على
الواجبات. والله أعلم.
ومنها الجهر (٣) بالقراءة فيما يجهر، وهو الفجر والمغرب والعشاء في الأوليين،
والمخافتة فيما يخافت وهو الظهر والعصر، إذا كان إماماً.
والجملة فيه أنه لا يخلو إما أن يكون إماماً أو منفرداً، فإن كان إماماً يجب عليه مراعاةٌ
الجهر فيما يجهر، وكذا في كل صلاة من شرطها الجماعة؛ كالجمعة، والعيدين،
والترويحات، ويجب عليه المخافتةُ فيما يخافت، وإنما كان كذلك؛ لأن القراءة ركن يتحمله
٧٩ب الإمام عن القوم فعلاً، فيجهر؛ ليتأمل القوم، ويتفكّروا في ذلك؛ فتحصل ثمرة القراءة
وفائدتها للقوم، فتصير قراءة الإمام قراءة لهم تقديراً، كأنهم قرءوا، وثمرة الجهر تفوت في
(١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٣٦٣/١ وقال: أخرجه الترمذي. وابن ماجة بمعناه عن أبي سفيان طريف
السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَلقول: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها
التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد، وسورة، في فريضة، أو غيرها))، انتهى.
بلفظ الترمذي، واقتصر ابن ماجة منه على قوله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد)» إلى آخره ذكره الترمذي
في ((باب تحريم الصلاة وتحليلها)). وابن ماجة في ((باب القراءة خلف الإمام)) وسكت عنه الترمذي، وهو
معلول بأبي سفيان، قال عبد الحق في ((أحكامه)): لا يصح هذا الحديث من أجله، ورواه ابن عدي في
((الكامل)» ١٤٣٦/٤ وضعف أبا سفيان عن ابن معين، وقال عن النسائي: إنه متروك الحديث، ولفظه: لا
صلاة إلا بفاتحة الكتاب والسورة، وفي لفظ: أمرنا رسول الله وَل# أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر.
وفي لفظ: لا تجزي صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ومعها غيرها، وفي لفظ: وسورة في فريضة، أو غيرها،
وليّن هو أبا سفيان، وقال: وقد روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه أنه يأتي في المتون بأشياء لا يأتي بها
غيره، وأسانيده مستقيمة، انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في ((مسنديهما))، ورواه الطبراني في «مسند الشاميين)) عن
اسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن أبي نضرة به: لا صلاة إلا بأم القرآن، ومعها غيرها.
(٢) في ب: ولأنه.
(٣) في هامش ب: الجهر بالقراءة فيما يجهر.

٦٨٣
كتاب الصلاة
صلاة النهار؛ لأن الناس في الأغلب يحضرون الجماعات في خلال الكسب والتصرّف،
والانتشار في الأرض، فكانت قلوبهم متعلّقة بذلك، فيشغلهم ذلك عن حقيقة التأمّل؛ فلا
يكون الجهر مفيداً، بل يقع تسبيباً إلى الإثم بترك التأمّل، وهذا لا يجوز بخلاف صلاة الليل؛
لأن الحضور إليها لا يكون في(١) خلال الشغل.
وبخلاف الجمعة والعيدين؛ لأنه يؤدي في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع
العظيم، وحضور السلطان، وغير ذلك، فيكون ذلك مبعثة على إحضار القلب والتأمّل، ولأن
القراءة من أركان الصلاة، والأركان في الفرائض تؤدي على سبيل الشهرة دون الإخفاء؛ ولهذا
كان النبي ◌ّيه يجهر في الصلوات كلها في (ابتداء الأمر)(٢) إلى أن قصد الكفار ألا يسمعوا
القرآن، وكادوا يلغون فيه، فخافت النبي ◌َّر بالقراءة في الظهر والعصر؛ لأنهم كانوا مستعدين
للأذى في هذين الوقتين؛ ولهذا كان يجهر في الجمعة، والعيدين؛ لأنه أقامهما بالمدينة، وما
كان للكفار بالمدينة قوّة الأذى.
ثم وإن زال هذا العذر بقيت هذه السنة؛ كالرمل في الطواف، ونحوه؛ ولأنه واظب على
المخافتة فيهما في عمره فكانت واجبة؛ ولأنه وصف صلاة النهار بالعجماء؛ وهي التي لا
تبيّن، ولا يتحقق هذا الوصف لها إلا بترك الجهر فيها، وكذا واظب على الجهر فيما يجهر،
والمخافتة فيما يخافت، وذلك دليل الوجوب، وعلى هذا عمل الأمة.
ويخفي القراءة فيما سوى الأوليين؛ لأن الجهر صفة القراءة المفروضة، والقراءة ليست
بفرض في الأخريين؛ لما بينًا فيما تقدّم.
وإذا ثبّت هذا فنقول: إذا جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر، فإن كان عامداً
يكون مسيئاً، وإن كان ساهياً فعليه سجودُ السهو؛ لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر،
وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت، وترك الواجب عمداً - يوجب الإساءة، وسهواً يوجب سجود
السهو .
وإن كان منفرداً، فإن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة - خافت لا محالة، وهو رواية
الأصل.
وذكر أبو يوسف في ((الإملاء)) إن زاد على ما يسمع أذنيه فقد أساء. وذكر عصام بن أبي
يوسف في ((مختصره))، وأثبت له خيار الجهر والمخافتة؛ استدلالاً بعدم وجوب السهو عليه إذا
(١) في ب: عن.
(٢) في أ، ط: الابتداء.

٦٨٤
كتاب الصلاة
جهر، والصحيحُ رواية الأصل؛ لقوله وَلّه: ((صَلاَةُ النَّهَارِ عَجْمَاء))(١)، من غير فصل، ولأن
الإمام مع حاجته إلى إسماع غيره يخافت؛ فالمنفرد أولى، ولو جهر فيها بالقراءة، فإن كان
عامداً يكون مسيئاً كذا ذكر الكرخي في صلاته، وإن كان ساهياً لا سهو عليه، نص عليه في
باب السهو بخلاف الإمام.
والفرق أن سجود السهو يجب لجبر النقصان، والنقصان فى صلاة الإمام أكثر؛ لأن
إساءته أبلغ، لأنه فعل شيئين نهى عنهما:
أحدهما: أنه رفع صوته في غير موضع الرفع.
والثاني: أنه أسمع من أمر بالأخفاء عنه، والمنفرد رفع صوته فقط، فكان النقصان في
صلاته أقل، وما وجب لجبر الأعلى لا يجب لجبر الأدنى.
وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة؛ فهو بالخيار: إن شاء جهر، وإن شاء خافت. وذكر
الكرخي إن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه، ولا يزيد على ذلك.
وذكر في عامة الروايات مفسراً أنه بين خيارات ثلاث: إن شاء جهر وأسمع غيره، وإن
شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء أسر القراءة.
أما كون(٢) له أن يجهر؛ فلأن المنفرد إمامٌ في نفسه، وللإمام أن يجهر، وله أن يخافت
بخلاف الإمام؛ لأن الإمام يحتاج إلى الجهر لإسماع غيره، والمنفرد يحتاج إلى إسماع نفسه لا
غير، وذلك يحصل بالمخافتة، وذكر في رواية أبي حفص الكبير أن الجهر أفضل؛ لأن فيه
تشبيهاً (٣) بالجماعة، والمنفرد إن عجز عن تحقيق الصلاة بجماعة ــ لم يعجز عن التشبّه؛ ولهذا
إذا أذن وأقام - كان أفضل، هذا في الفرائض.
وأما في التطوعات: (٤) فإن كان في النهار يخافت، وإن كان في الليل فهو بالخيار: إن
شاء خافت، وإن شاء جهر، والجهر أفضل؛ لأن النوافل أتباع الفرائض، والحكم في الفرائض
كذلك، حتى لو كان بجماعة كما في التراويح - يجب الجهر، ولا يتخيّر في الفرائض، وقد
رُوِيَ عن النبيِّ نَّهَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى بِاللَّيْلِ، سُمِعَتْ قِرَاءَتُهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ)).
(١) تقدم.
(٢) في ب: إذا كان.
(٣) في ب: تشبهاً.
(٤) في هامش ب: الجهر أو المخافتة في التطوعات

٦٨٥
كتاب الصلاة
١٨٠
وروي أن النبيَّ وَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - وَهُوَ يَتَهَجَّدُ [بِاللَّيْلِ)](١) وَيَخْفِي
القِرَاءَةَ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَتَهَجَّدُ وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَمَرَّ بِلاَلٍ/ وَهُوَ يَتَهَجَّدُ وَيَنْتَقِلُ مِنْ سُورَةٍ إِلَى
سُورَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرَ فَسَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُنْ حَالِهِ، فَقَالَ أَبُوٍ بَكْرٍ -
رضي الله عنه -: ((كُنْتُ أَسْمَعُ مَنْ أَنَاجِي))، وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: ((كُنْتُ أُو قَظُ
الوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ))، وَقَّالَ بِلَاَلْ - رضي الله عنه -: ((كُنْتُ أَنْتَقِلُ مِنْ بُسْتَانِ إِلَى بُسْتَانِ))،
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يا أَبَا بَكْرٍ أَزْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ قَلِيلاً، وَيَا عُمَرُ، أَخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ قَلِيلاً، وَيَا
بِلاَلْ، إِذَا افْتَتَحْتَ سُورَةً فَأَتَمَّهَا))(٢) .
ثم المنفرد(٣) إذا خافت وأسمع أذنيه يجوز بلا خلاف؛ لوجود القراءة بيقين؛ إذ السماع
بدون القراءة لا يتصور، وأما إذا صحّح الحروف بلسانه، وأدّاها على وجهها ولم يسمع أذنيه،
ولكن وقع له العلم بتحريك اللسان، وخروج الحروف من مخارجها - فهل تجوز صلاته
اختلف فيه .
ذكر الكرخي أنه يجوز، وهو قولُ أبي بكر البلخي المعروف بالأعمش.
وعن الشيخ أبي القاسم الصفار، والفقيه أبي جعفر الهندواني، والشيخ الإمام أبي بكر
محمد بن الفضل البخاري، أنه لا يجوز ما لم يسمع نفسه، وعن بشر بن غياث المريسي؛ أنه
قال: إن كان بحال لو أدنى رجل صماخ أذنيه إلى - فيه - سمع - كفى، وإلا فلا، ومنهم من
ذكر في المسألة خلافاً بين أبي يوسف ومحمد، فقال: على قول أبي يوسف يجوز، وعلى قول
محمد لا يجوز.
وجه قول الكرخي: أن القراءة فعل اللسان، وذلك بتحصيل الحروف ونظمها على وجه
مخصوص وقد وجد، فأما إسماعه نفسه فلا عبرة به؛ لأن السماع فعل الأذنين دون اللسان،
ألا ترى أن القراءة نجدها تتحقق من الأصم وإن كان لا يُسمع نفسه.
وجه قول الفريق الثاني: أن مطلق الأمر بالقراءة ينصرف إلى المتعارف، وقدر ما لا
يسمع هو لو كان سميعاً لم يعرف قراءة.
وجه قول بشر: أن الكلام في العرف اسم لحروف منظومة دالة على ما في ضمير
المتكلّم، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع، وما قاله الكرخي أقيس وأصح، وذكر في كتاب
(١) سقط في ب.
(٢) ذكر هذا الحديث دون ذكر بلال رضي الله عنه.
(٣) في هامش ب: المنفرد إذا خافت وأسمع أذنيه.

٦٨٦
كتاب الصلاة
الصلاة إشارة إليه، فإنه قال: إن شاء قرأ [في نفسه](١)، وإن شاء جهر وأسمع نفسه، ولو لم
يحمل قوله: ((قرأ فى نفسه)) على إقامة الحروف - لأدّى إلى التكرار، والإعادة الخالية عن
الإفادة، ولا عبرة بالعرف في الباب؛ لأن هذا أمر بينه وبين ربه، فلا يعتبر فيه عرفُ الناس،
وعلى هذا الخلاف كل حكم تعلّق بالنطق؛ من البيع، والنكاح والطلاق، والعتاق، والإيلاء
واليمين، والاستثناء وغيرها. والله أعلم.
ومنها الطمأنينة (٢) والقرار في الركوع والسجود، وهذا قولُ أبي حنيفة، ومحمد.
وقال أبو يوسف: الطمأنينة مقدار تسبيحة واحدة فرض، وبه أخذ الشافعي، حتى لو ترك
الطمأنينة جازت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي لا تجوز ولم يذكر
هذا الخلاف في ظاهر الرواية، وإنما ذكره المعلى في «نوادره)).
وعلى هذا الخلاف إذا ترك القومة التي بعد الركوع، والقعدة التي بين السجدتين وروى
الحسن عن أبي حنيفة، فيمن لم يقم صلبه في الركوع، إن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام
الركوع - لم يجزه، وإن كان إلى تمام(٣) الركوع أقرب منه إلى القيام - أجزأه؛ إقامة للأكثر مقام
الكل، ولقّب المسألة أن تعديل الأركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف
والشافعي: فرض.
احتجًا بحديث الأعرابي الذي دخل المسجد، وأخف الصلاة فقال له النبيُّ وَلاتر: ((قُمْ
فَصَلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلُ)) [فقام وصلّى وفعل في المرة الثانية مثلما فعله في المرة الأولى، فقال
له: ((قُمْ فَصَلُ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))](٤)، هَكَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَسْتَطِعْ غَيْرَ
ذَلِكَ، فَعَلِّمْنِي(٥)، فَقَالَ لَهُ [النَّبِيُّ ◌ِه](٦) إِذَا أَرَذْتَ الصَّلاَةَ، فَتَطَهَّرْ كَمَا أَمَرَكُ الله تَعَالَى،
وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَقُلْ: الله أَكْبَرُ وَأَقْرَأْ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ازكَعْ حَتَّى يَطْمَيْنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ
ثُمَّ ارْفَعَ رَأْسَكَ حَتَّى تَسْتَقِيمَ قَائِماً».
فالاستدلال بالحديث من ثلاثة أوجه :
أحدها: أنه أمره بالإعادة، والإعادة لا تجب إلا عند فساد الصلاة، وفسادها بفوات
الركن .
(١) سقط في أ، ط.
(٢) في هامش ب: الطمأنينة والقرار في ركوعه وسجوده.
(٣). في ب: إتمام.
(٤) سقط في أ، ط.
(٥) في ب: فعلمه.
(٦) سقط في ب.

٦٨٧
كتاب الصلاة
والثاني: أنه نفى كون المؤدي صلاة بقوله: ((فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلّ)).
والثالث: أنه أمره بالطمأنينة، ومطلق الأمر للفرضية؛ وأبو حنيفة ومحمد احتجًّا لنفي
الفرضية بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أمر بمطلق الركوع والسجود،
والركوع في اللغة هو الانحناء والميل، يقال: ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض، والسجود
هو التطأطؤ والخفض، يقال: سجدت النخلة إذا تطأطأت، وسجدت الناقة إذا وضعت جرانها
على الأرض، وخفضت رأسها للرعي، فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع - فقد امتثل؛ لإتيانه
بما / ينطلق عليه الاسم، فأما الطمأنينة فدوام على أصل الفعل، والأمر بالفعل لا يقتضي ٨ب
الدوام.
وأما حديث الأعرابي فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخاً للكتاب، ولكن يصلح مكملاً،
فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب، ونفيه الصلاة على نفي الكمال، وتمكن النقصان الفاحش
الذي يوجب عدمها من وجه، وأمره بالإعادة على الوجوب؛ جبراً للنقصان، أو على الزجر عن
المعاودة إلى مثله؛ كالأمر بكسر دنان الخمر عند نزول تحريمها تكميلاً للفرض.
على أن الحديث حجة عليهما؛ فإن النبي والر مكّن الأعرابي من المضي في الصلاة في
جميع المرات، ولم يأمره بالقطع، فلم لم تكن تلك الصلاة جائزة - لكان الاشتغالُ بها عبثاً؛ إذ
الصلاة لا يمضي في فاسدها، فينبغي ألاّ يمكنه منه.
ثم الطمأنينة(١) في الركوع واجبة عند أبي حنيفة ومحمد، كذا ذكره الكرخي حتى لو
ترکها ساهياً يلزمه سجودُ السهو.
وذكر أبو عبد الله الجرجاني. أنها سنة، حتى لا يجب سجود السهو بتركها ساهياً،
وكذا(٢) القومة التي بين الركوع والسجود، والقعدة التي بين السجدتين (٣) والصحيح ما ذكره
الكرخي؛ لأن الطمأنينة من باب إكمال الركن، وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة.
ألا ترى أن النبي وَلّر ألحق صلاة الأعرابي بالعدم، والصلاة إنما يقضي عليها بالعدم؛
إما لانعدامها أصلاً بترك الركن، أو بانتقاصها بترك الواجب، فتصير عدماً من وجه، فأما ترك
السنة فلا يلتحق بالعدم؛ لأنه لا يوجب نقصاناً فاحشاً؛ ولهذا يكره تركها أشدّ الكراهة حتى
روي عن أبي حنيفة؛ أنه قال: أخشى ألا تجوز صلاته.
(١) في هامش ب: الطمأنينة في الركوع واجبة عندنا.
(٢) في ب: واجمعوا على أن.
(٣) زاد في ب: سنة على قولهما.

٦٨٨
كتاب الصلاة
ومنها القعدة(١) الأولى للفصل بين الشّفعين حتى لو تركها عامداً كان مسيئاً، ولو تركها
ساهياً يلزمه سجود السهو؛ لأن النبيَّ وَّ وَاظَبَ عليها في جميع عمره، وذا يدلُّ على
الوجوب، إذا قام دليلُ عدم الفرضية، وقد قام هاهنا؛ لأنه رُوِيَ عَنِ (٢) النبيِّ وَّهِ: ((أَنَّهُ قَامَ إِلَى
الثَّالِثَةِ فَسَبَّحَ بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ))(٣) ولو كانت فرضاً لرجع، وأكثر مشايخنا يطلقون اسم السنّة
[عليها](٤) إما لأن وجوبها عرف بالسنّة فعلاً، أو لأن السنة المؤكدة في معنى الواجب، ولأن
الركعتين أدنى ما يجوز من الصلاة، فوجبت القعدة فاصلة بينهما، وبين ما يليهما. والله أعلم.
ومنها: التشهد(٥) في القعدة الأخيرة.
وعند الشافعي فرض.
وجه قوله: أن النبي ◌ّر واظب عليه في جميع عمره، وهذا دليل الفرضية، وروي عن
عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نقول [علينا] قبل أن يفرض التشهّد السَّلامُ
عَلَى الله، السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَالْتَفَتَّ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِوَ فَقَالَ: ((قُولُوا النَّحِيَّاتُ
الله))(٦)، أمرنا بالتشهد بقوله: (قولوا)، ونصَّ على فرضيته بقوله: قبل أن يُفرض التشهّدُ.
(١) في هامش ب: القعدة الأولى للفصل بين الشفعين.
(٢) في ب: أن.
(٣) سيأتي في كتاب السهو.
(٤) سقط في ب.
(٥) في هامش ب: التشهد في القعدة الأخيرة.
(٦) حديث ابن مسعود: ((في التشهد)).
أخرجه الطيالسي (٣٣/١)، الحديث (٢٤٩)، وأحمد (٣٨٢/١)، الدارمي (٣٠٨/١) كتاب الصلاة: باب
في التشهد، والبخاري (٣١١/٢): كتاب الأذان: باب التشهد في الآخرة، الحديث (٨٣١)، ومسلم (١/
٣٠١): كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة، الحديث (٤٠٢/٥٥)، وأبو داود (٥٩١/١): كتاب
الصلاة: باب التشهد، الحديث (٩٦٨)، والترمذي (٨١/٢): كتاب الصلاة: باب ما جاء في التشهد،
الحديث (٢٨٩)، والنسائي (٢٣٩/٢ - ٢٤٠): كتاب التطبيق: باب كيف التشهد الأول، وابن ماجة (١/
٢٩٠) كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في التشهد، الحديث (٨٩٩)، وابن الجارود (٨٠/١): كتاب
الصلاة: باب صفة صلاة رسول الله، الحديث (٢٠٥)، وأبو عوانة (٢٢٩/٢ - ٢٣٠) وابن خزيمة (١/
٣٤٨ - ٣٤٩) وابن حبان (٣١٠/٣ - ٣١١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٢/١) والدارقطني
(٣٥٠/١) كتاب الصلاة، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٢٠٥) والبيهقي (١٣٨/٢).
كتاب الصلاة: باب التشهد، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٧٥/٢ - بتحقيقنا) كلهم من طريق شقيق بن
سلمة أبي وائل عن ابن مسعود، عدا الترمذي فمن طريق الأسود بن يزيد عنه قال: كنا نقول في الصلاة
خلف رسول الله وَلقر: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله وَلّر ذات يوم: ((إن الله هو
السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: ((التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، =

٦٨٩
كتاب الصلاة
ولنا قول النبي وَلَّ للأعرابي: ((إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ آخِرِ سَجْدَةٍ وَقَعَدتَّ قَدْرَ التَّشَهُّدِ -
فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ»(١)، أثبَتَ تمام الصلاةِ عِنْدَ مجرَّد القعدة، ولو كان التشهُّد فرضاً - لما ثبَتَ
التمامُ بدونه، دَلَّ أنه ليس بفَرْضٍ، لكنه واجبٌ بمواظبة (٢) النبيِّ ◌َێر ومواظمته دليلُ الوجوبِ
فيما قام دليلٌ على عدم فرضيَّته، وقد قام هاهنا، وهو ما ذكرنا - فكان واجباً لا فرضاً، والله
أعلم. والأمر في الحديث يدلُّ على الوجوب دون الفرضية؛ لأنه خبر واحد، وأنه يصلح
للوجوب لا(٣) للفرضية.
وقوله: (قبل أن يفرض))، أي: قبل أن يقدر على هذا التقدير المعروف؛ إذ الفرضُ في
اللغة التقديرُ.
ومنها: مراعاة(٤) الترتيب فيما شرع مكرراً [من الأفعال](6) في الصلاة، وهو السجدة؛
المواظبة النبي ود لل على مراعاة الترتيب فيه، وقيام الدليل على عدم فرضيته على ما ذكرنا، حتى
لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ ثم تذكرها في آخر صلاته ــ سجد المتروكة، وسجد
للسهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهياً؛ فوجب (٦) سجود السهو. والله
الموفق .
وأما الذي ثبّت وجوبهُ في الصلاة بعارض: فنوعان [أيضاً](٧): أحدهما سجود السهو،
والآخر سجود التلاوة.
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء
=
والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء)).
وقال الترمذي: هو أصح حديث روى في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
ثم روى بسنده عن خصيف أنه رأى النبي ◌ّله فقال: يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد فقال:
عليك بتشهد ابن مسعود.
قال الحافظ في ((التلخيص)» (٢٦٤/١): وقال البزار: أصح حديث في التشهد عندي، حديث ابن
مسعود، روى عنه من نيف وعشرين طريقاً، ولا نعلم روى عن النبي وَطّر في التشهد أثبت منه، ولا أصح
أسانيد، ولا أشهر رجالاً، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق، وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على
تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روى في التشهد.
(١) تقدم.
(٢) في ب: المواظبة.
(٣) في ب: دون.
(٤) في هامش ب: مراعاة الترتيب. فيما شرع مكرراً.
(٥) سقط في ب.
(٦) في ب: يوجب.
(٧) سقط في ب.
بدائع الصنائع ج١ - ٤٤٢

٦٩٠
كتاب الصلاة
أما سجودُ(١) السهو (٢) فالكلام فيه في مَوَاضِعَ، في بيان وجوبه، وفي بيان سبب
الوجوب، وفي بيان أن المتروك من الأفعال والأذكار ساهياً، هل يقضي(٣) أم لا، وفي بيان
محلِ السجود، وفي بيان قدر سلام السهو وصفته، وفي بيان عمله أنه يبطل التحريمة أم لا؛
وفي بيان من يجب عليه سجود السهو، ومن لا يجب عليه.
أما الأول: فقد ذكر الكرخي، أن سجود السهو واجب، وكذا نصَّ محمد - رحمه الله -
١٨١ في الأصل [على الوجوب](٤) فقال: إذا سها الإمام وجب/ على المؤتم أن يَسْجُدَ، وقال بعضُ
أصحابنا: إنه سنة .
وجه قولهم: إن العود إلى سجدتي السهو لا يرفع التشهّد، حتى لو تكلم بعدما سجد
للسهو قبل أن يقعد - لا تفسد صلاته، ولو كان واجباً لرفع كسجدة التلاوة؛ ولأنه مشروع في
صلاة التطوع؛ كما هو مشروع في صلاة الفرض، والفائت [من](٥) التطوّع كيف يجبر
بالواجب، والصحيح أنه واجب؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن
النبيِ بَّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ شَكَّ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمْ يَذْرِ أَثْلاَاً صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً - فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبُهُ إِلَى
الصَّوَابِ، وَلْيَيْنِ عَلَيْهِ، وَلْيَسْجُدْ لِلسَّهُو بَعْدَ السَّلام)»(٦). ومطلق الأمر لوجوب العمل.
وعن ثويان - رضي الله عنه - عن رسول الله وَ رَ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ
السَّلام)» (٧)، فيجب تحصيلهما تصديقاً للنبي وَّر في خبره، وكذا النبي ◌َّ والصحابة - رضي
(١) في هامش ب: الكلام في سجود السهو.
(٢) زاد في ب: فصل.
(٣) في ب: يمضي.
(٤) سقط في أ، ط.
(٥) سقط في ب.
(٦) أخرجه أبو داود (٦٢٥/١): كتاب الصلاة: باب يسجد للسهو بعد التسليم، الحديث (١٠٣٣) والنسائي
(٣٠/٣): كتاب السهو: باب التحري، وأحمد (٢٠٥/١)، والبيهقي (٣٣٦/٢): كتاب الصلاة: باب
يسجد للسهو بعد التسليم، وأبو يعلى (١٦٥/١٢) رقم (٦٧٧/٢)، وعلقه ابن خزيمة (١٠٩/٢)،
والخطيب في «تاريخ بغداد، (٥٣/٣)، من طريق عبد الله بن مسافع، عن مصعب بن شيبة، عن عتبة بن
محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر به.
وقال البيهقي: (هذا الإسناد لا بأس به إلا أن حديث أبي سعيد الخدري أصح إسناداً منه، ومعه حديث
عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، يعني في السجود قبل السلام)، وتعقبه ابن التركماني كما في الجوهر
النقي)) بأن إسناده مضطرب، فرواه النسائي، من طريقين، عن ابن مسافع عن عتبة، وليس فيهما مصعب.
(٧) أخرجه أبو داود ٣٣٩/١ كتاب الصلاة باب من نسي أن يتشهد (١٠٣٨) وابن ماجة كتاب إقامة الصلاة
باب ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام (١٢١٩) والبيهقي في السنن ٣٣٧/٢ وأحمد في المسند ٢٨٠/٥
وعبد الرزاق في المصنف (٢٥٣٣).

٦٩١
كتاب الصلاة
الله عنهم - واظبوا عليه، والمواظبة دليل الوجوب، ولأن شُرِعَ جبراً لنقصان العبادة؛ فكان
واجباً كدماء الجبر في ((باب الحج)).
وهذا لأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب، ولا تحصل صفة الكمال إلا بجبر
النقصان، فكان واجباً ضرورة؛ إذ لا حصول الواجب إلا به، إلا أن العود إلى سجود السهو
لا يرفع التشهّد، لا لأن السجود ليس بواجب؛ بل لمعنى آخر، وهو أن السجود وقع في
محله؛ لأن محله بعد القعدة، فالعود إليه لا يكون رافعاً للقعدة الواقعة في محلّها، فأما
سجدةُ التلاوة فمحلها قبل القعدة، فالعود إليها يرفع القعدة كالعود إلى السجدة الصلبية، فهو
الفرقُ.
أما قولهم: إن له مدخلاً في صلاة التطوّع، فنقول: أصل الصلاة وإن كانت تطوعاً، لكن
لها أركان لا تقوم بدونها، وواجبات تنتقص بفواتها، وتغييرها عن محلها فيحتاج(١) إلى
الجابر، مع ما أن النفل يصير واجباً عندنا بالشُّروع، ويلتحق بالواجبات الأصلية في حق
الأحكام، على ما يبيّن في مواضعه، إن شاء الله تعالى.
فصل في بیان سبب الوجوب
وأما بيان(٢) سبب الوجوب فسببُ وجوبه ترك الواجب الأصلي [في الصلاة](٣) أو
تغييره، أو تغيير فرض منها(٤) عن محلِه الأصلي ساهياً؛ لأن كُلَّ ذلك يوجب نقصاناً في
الصلاة، فيجب جبره بِالسُّجُودِ، ويخرج على هذا الأصل مسائل.
وجملة الكلام فيه أن الذي وقع السهو عنه لا يخلو؛ أما إن كان من الأفعال، وأما إن
كان من الأذكار، إذ الصلاة أفعالٌ وأذكار، فإن كان من الأفعال بأن قعد في موضع القيام، أو
قام في موضع القعود - سجد للسهو؛ لوجود تغيير الفرض، وهو تأخيرُ القيام عن وقته، أو
تقديمه على وقته مع ترك الواجب، وهو القعدة الأولى، وقد روي عن المغيرة بن شعبة، أن
النبي ◌َِّ قَامَ مِنَ الثَّانِيَةِ إِلَى الثَّالِثَةِ سَاهِياً(٥) - فَسَبَّحُوا بِهِ (٦)، فَلَمْ يَقْعُدْ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَلَمْ يَعُدْ،
(١) في ب: محتاج.
(٢) في هامش ب: بيان سبب وجوب سجود السهو.
(٣) سقط في ب.
(٤) في ب فرضها.
(٥) زاد في ب: ساهياً ولم يقعد.
(٦) في ب: فيه.

٦٩٢
كتاب الصلاة
وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ))(١) وكذا إذا ركع في موضع السجود، أو سجد في موضع الركوع، أو ركع
ركوعين، أو سجد ثلاث سجدات، لوجود تغيير الفرض عن محله، أو تأخير الواجب، وكذا
إذا ترك سجدة من ركعة فتذكرها في آخر الصلاة سجدها، وسجد للسهو؛ ولأنه أخرها عن
محلها الأصلي، وكذا إذا قام إلى الخامسة قبل أن يقعد قدر التشهّد، أو بعدما قعد وعاد -
سجد للسهو، لوجود تأخير الفرض عن وقته الأصلي، وهو القعدة الأخيرة، أو تأخير الواجب
وهو السلامُ، ولو زاد(٢) على قراءة التشهّد في القعدة الأولى، وصلّى على النبي ◌َّ.
ذكر في ((أمالي)) الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن عليه سجود السهو، وعندهما لا يجب.
لهما أنه لو وجب عليه سجودُ السهو - لوجب جبراً لنقصان، لأنه شرع له، ولا يعقل
تمكن النقصان في الصلاة بالصلاة على النبي وَالر. [وأبو حنيفة يقول: لا يجبُ عليه بالصلاة
على النبي (وَ ل#](٣) بل بتأخير الفرض وهو القيام، إلا أن التأخير حَصَلَ بالصلاة، فيجب عليه
من حيث أنه تأخير، لا من حيث أنه صلاة على النبي وَّ، ولو تلا سجدة فنسي أن يسجد،
ثم تذكرها في آخر الصلاة - فعليه أن يسجدها، ويسجد للسهو؛ لأنه أخّر الواجب عن وقته،
ولو سلّم(٤) مصلي الظهر على رأس الركعتين، على ظن أنه قد أتمّها، ثم علم أنه صلّى ركعتين
وهو على مكانه - يتمّها ويسجد للسهو.
(١) أخرجه أبو داود (٦٢٩/١): كتاب الصلاة: باب من نسي أن يتشهد، الحديث (١٠٣٧)، والترمذي (١/
٢٢٧): كتاب الصلاة: باب الإمام ينهض في الركعتين ناسياً، الحديث (٣٦٢)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٤٣٩/١): كتاب الصلاة: باب سجود السهو في الصلاة، والبيهقي (٣٤٤/٢): كتاب
الصلاة: باب من سها فلم يذكر حتى استتم، وأحمد (٢٥٣/٤)، من طريق المسعودي عن زياد بن
علاقة؛ قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فقلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله ومضى،
فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتي السهو فلما انصرف؛ قال: رأيت رسول اللّه ◌َله يصنع كما صنعت.
قال الترمذي: (حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن المغيرة، عن النبي ◌َّر.
وقال أبو داود: (وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة ورفعه، وقال أبو داود:
وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي عن المغيرة رفعه).
ورواه أبو عميس عن ثابت بن عبيد قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة مثل حديث زياد بن علاقة، وأبو
عميس هو أخو المسعودي، قال: وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة، وعمران بن حصين،
والضخّاك بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس أفتى بذلك، وعمر بن عبد العزيز، وهذا فيمن
قام من ثنتين، ثم سجدوا بعدما سلموا)
وقال البيهقي: (وحديث ابن بجينة أصح من هذا ومعه رواية معاوية، وفي حديثهما أن النبي وَّهه
يسجدهما قبل السلام).
(٢) في هامش ب: ولو زاد على قراءة التشهد في القعدة الأولى وصلى على النبي.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: سلّم مصلي الظهر على رأس الركعتين.

٦٩٣
"صلاة
الإتمام؛ فلأنه سلام سهو، فلا يخرجه عن الصلاة.
وجوب السجدة(١)؛ فلتأخير الفرض وهو القيامُ إلى الشفع الثاني، بخلاف ما إذا
أس الركعتين؛ على ظن أنه مسافر، أو مصلي الجمعة، ثم علم أنه تفسد صلاته؛
من نادر؛ فكان سلامه سلام عمد، وأنه قاطع للصلاة.
ـرك تعديل الأركان، أو القومة التي بين الركوع والسجود، أو القعدة التي بين
"ساهياً - اختلف المشايخ فيه، على قول أبي حنيفة ومحمد؛ بناء على أن تعديل
الاركان عندهما واجب أو سنة، وقد بينا ذلك فيما تقدّم، وعلى هذا إذا شك(٢) في شيء من
صلاته، فتفكّر/ في ذلك حتى استيقن، وهو على وجهين: أما إن شك في شيء من هذه ٨١ ب
الصلاة [التي هو فيها](٣)، فتفكّر في ذلك(٤)، وأما إن شك في صلاة قبل هذه الصلاة، فتفكّر
في ذلك، وهو في هذه، وكل وجه على وجهين. أما إن طال تفكّره بأن كان مقدار ما يمكنه أن
يؤدي فيه ركناً من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو لم يطل، فإن لم يطل تفكّره - فلا(٥)
سهو عليه، سواء كان تفكّره في غير هذه الصلاة، أو في هذه الصلاة؛ لأنه إذا لم يطل لم
يوجد سبب الوجوب الأصلي، وهو ترك الواجب، أو تغيير فرض أو واجب عن وقته الأصلي؛
ولأن الفكر القليل مما لا يمكن الاحتراز عنه، فكان عفواً؛ دفعاً للحرج. وإن طال تفكّره فإن
كان تفكّره في غير هذه الصلاة - فلا سهو عليه، وإن كان في هذه الصلاة، فكذلك في
القياس، وفي الاستحسان عليه السهو.
وجه القياس أن الموجب للسهو تمكّن النقصان في الصلاة، ولم يوجد؛ لأن الكلام فيما
إذا تذكر أنه أداها، فبقي مجرد الفكر، وأنه لا يوجب السهو كالفكر القليل، وكما لو شك في
صلاة أخرى وهو في هذه الصلاة، ثم تذكّر أنه أداها - لا سهو عليه، وإن طال فكره؛ كذا هذا.
وجه الاستحسان أن الفكر الطويل [في هذه الصلاة](٦)، مما يؤخر الأركان عن أوقاتها،
فيوجب تمكن النقصان في الصلاة، فلا بد من جبره بسجدتي السهو، بخلاف الفكر القصير،
وبخلاف ما إذا شك في صلاة أخرى وهو في هذه الصلاة؛ لأن الموجب للسجود(٧) في هذه
(١) في ب: السهو.
(٢) في هامش ب: شك في شيء من صلاته فتفكر.
(٣) سقط في ب.
(٤) في ب: تلك.
(٥) في ب: لا.
(٦) سقط في ب.
(٧) في أ، ط: للسهو.

٦٩٤
كتاب الصلاة
الصلاة - سهو هذه الصلاة لا سهو صلاة أخرى، ولو شك(١) في سجود السهو يتحرّى، ولا
يسجد لهذا السهو؛ لأن تكرار سجود السهو في صلاة واحدة - غير مشروع على ما تذكر،
ولأنه لو سجد لا يسلم عن السهو فيه ثانياً وثالثاً، فيؤدي إلى ما لا يتناهى.
وحكي أن محمد بن الحسين قال للكسائي (٢)، وكان الكسائي ابن خالته (لم لا)(٣)
تشتغل بالفقه مع هذا الخاطر؟ فقال: من أحكم علماً فذاك يهديه إلى سائر العلوم، فقال
محمد: أنا ألقي عليك شيئاً من مسائل الفقه، فخرج جوابه من النحو، فقال: هات، قال: فما
تقول: فيمن سها في سجود السهو؟ فتفكّر ساعة، ثم قال: لا سهو عليه، فقال: من أي باب
من النحو خرجت هذا الجواب؟ فقال: من باب أنه لا يصغر المصغر، فتحيّر من فطنته .
ولو (٤) شرع في الظهر، ثم توهّم أنه في العصر، فصلّى على ذلك الوهم ركعة أو
ركعتين، ثم تذكّر أنه في الظهر - فلا سهو عليه؛ لأن تعيين النية شرط افتتاح الصلاة، لا شرط
بقائها كأصل النيّة، فلم يوجد تغيير فرض ولا ترك واجب، فإن تفكّر في ذلك تفكّراً شغله عن
ركن - فعليه سجود السهو استحساناً على ما مر، ولو افتتح(٥) الصلاة فقرأ، ثم شك في تكبيرة
الافتتاح، فأعاد التكبير والقراءة، ثم علم أنه كان كبر - فعليه سجود السهو؛ لأنه بزيادة التكبير
والقراءة - أخّر ركناً وهو الركوع.
ثم لا فرق بين ما إذا شك في خلال صلاته، فتفكّر حتى استيقن، وبين ما إذا شك [في
آخر صلاته](٦) بعدما قعد قدر التشهد الأخير، ثم استيقن - في حق وجوب السجدة، لأنه أخر
الواجبَ وهو السلام، ولو شكّ بعدما سلّم تسليمة واحدة، ثم استيقن - لا سهو عليه؛ لأنه
بالتسليمة الأولى خرج عن الصلاة، وانعدمت الصلاة؛ فلا يتصوّر تنقيصها بتمويت واجب
منها، فاستحال إيجاب الجابر.
(١) في هامش ب: لو شك في سجود السهو.
(٢) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي: إمام في اللغة والنحو
والقراءة. من تصانيفه ((معاني القرآن)) و((المصادر)) و((الحروف)) و((القرآآت)) و((النوادر)) و((المتشابه في
القرآن)) و((ما يلحن فيه العوام)). توفي بالري ـ في العراق سنة ١٨٩.
انظر ابن خلكان ٣٣٠/١، تاريخ بغداد ٤٠٣/١١، الأعلام ٢٨٣/٤.
(٣) في ب: ألا.
(٤) في هامش ب: شرع من الظهر ثم توهم أنه في العصر.
(٥) في هامش ب: افتتح الصلاة فقرأ ثم شك في تكبيرة الافتتاح.
(٦) سقط في ب.

٦٩٥
كتاب الصلاة
وكذا لا فرق بينه وبين ما إذا سبقه الحدثُ في الصلاة، فعاد إلى الوضوء، ثم شك قبل
أن يعود إلى الصلاة، فتفكّر ثم استيقن حيث يجب عليه سجود السهو في الحالين جميعاً إذا
طال تفكّره؛ لأنه في حرمة الصلاة، وإن كان غير مؤد لها. والله تعالى أعلم.
هذا الذي ذكرنا حكم الشك في الصلاة فيما يرجع إلى سجود السهو. وأما حكم
الشك(١) في الصلاة فيما يرجع إلى البناء والاستقبال فنقول:
إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً، فإن كان ذلك أول ما سها استقبل
الصلاة. ومعنى قوله: أول ما سها؛ أن السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط.
وعند الشافعي: يبني على الأقل.
احتج بما روي أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ وَّرَ أنه قال: ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ
فِي صَلاَتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أَثْلاَثَا صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً - فَلْيَلْغِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الأَقَلْ))(٢). أَمر بالبناء على
الأقل من غير فَضْلٍ؛ ولأن فيما قلنا أخذاً باليقين من غير إبطال العمل؛ فكان أولى.
ولنا: ما رُوِيَ عبد الله بن مسعود عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ أَنَّهُ
كَمْ صَلَّى - فَلْيَسْتَقْبِلِ الصَّلاةَ»(٣) أمر بالاستقبال وكذا روي عن عبد الله بن عباس،
(١) في هامش ب: شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٠): كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة الحديث (٨٨/ ٥٧١)، وأبو داود (١/
٦٢١): كتاب الصلاة: باب إذا شك في اثنتين (١٩٧)، الحديث (١٠٢٤)، والنسائي (٢٧/٣): كتاب
السهو: باب إثمام المصلي على ما ذكر إذا شك، وابن ماجة (١/ ٣٨٢): كتاب إقامة الصلاة: باب من
شك في صلاته، الحديث (١٢١٠)، وأحمد (٨٣/٣)، وابن الجارود (٩٢): كتاب الصلاة: باب السهو،
الحديث (٢٤١)، والدارقطني (٣٧١/١): كتاب الصلاة: باب صفة السهو في الصلاة، الحديث (٢٠)،
والبيهقي (٣٣١/٢): كتاب الصلاة: باب من شك في صلاته، وابن أبي شيبة (١٧٥/١)، والدارمي (١/
٣٥١) كتاب الصلاة: باب الرجل لا يدري أثلاثاً صلى أم أربعاً، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولفظ مسلم: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟
فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له
صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)).
قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)): واختلف فيه على عطاء بن يسار فروى مرسلاً وروى بذكر أبي
سعيد فيه وروى عنه عن ابن عباس وهو وهم وقال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب.
أ. هـ.
أما المرسل :
فأخرجه مالك في ((الموطأ)) (٩٥/١) كتاب الصلاة: باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته (٦٢)
وأبو داود (٣٣٥/١) كتاب الصلاة: باب إذا شك في الاثنتين والثلاث ... (١٠٢٧)
(٣) تقدم.

٦٩٦
كتاب الصلاة
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - أنهم قالوا هكذا. وروي
عنهم بألفاظ مختلفة؛ ولأنه لو استقبل أدى الفرض [بيقين](١) كاملاً، ولو بنى على الأقل ما
أدّاه كاملاً؛ لأنه ربما يؤدي زيادة على المفروض، وإدخال الزيادة في الصَّلاَةِ نقصانٌ فيها،
١٨٢ وربما يؤدي إلى/ إفساد(٢) الصلاة؛ بأن كان أدى أربعاً، وظن أنه أدى ثلاثاً، فبنى على الأقل،
وأضاف إليها أخرى قبل أن يقعد؛ وبه تبيّن أن الاستقبال ليس إبطالاً(٣) للصلاة؛ لأن الإفساد
ليؤدي أكمل لا يعد إفساداً، والإكمال لا يحصل إلا بالاستقبال على ما مرّ. والحديثُ محمولٌ
على ما إذا وقع ذلك له مراراً، ولم يقع تحريه على شيء؛ بدليل ما روينا هذا إذا كان ذلك أول
ما سها، فإن كان يعرض له ذلك كثيراً - تحرّى، وبنى على ما وقع عليه التحري في ظاهر
الروايات .
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يبني على الأقل، وهو قول الشافعي؛ لما روينا في
المسألة الأولى من غير فصل؛ ولأن المصير إلى التحرِّي للضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ لأنه
يمكنه إدراك اليقين بدونه؛ بأن يبني على الأقل؛ فلا حاجة إلى التحري.
ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّر؛ أنه قَالَ: ((إِذَا شَكَّ
أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمْ يَذْرِ أَثْلاَاً صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً - فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَهُ إِلَى الصَّوَابِ، وَلْيَبْنِ عَلَيْهِ)(٤).
ولأنه تعذّر عليه الوصول إلى ما اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحرّي عند انعدام الأدلّة
مشروع؛ كما في أمر القبلة، ولا وجه للاستقبال؛ لأنه عسى أن يقع ثانياً، وكذا الثالث والرابع
إلى ما لا يتناهى، ولا وجه للبناء على الأقل؛ لأن ذلك لا يوصله إلى ما عليه؛ لما مر في
المسألة المتقدمة وما رواه الشافعي محمول على ما إذا تحرّى، ولم يقع تحرّيه على شيء،
وعندنا إذا تحرّى، ولم يقع تحرّيه على شيء - يبني على الأقل، وكيفية(٥) البناء على الأقل أنه
إذا وقع الشك في الركعة والركعتين - يجعلها ركعة واحدة، وإن وقع الشك في الركعتين أو
الثلاث - جعلها ركعتين، وإن وقع في الثلاث والأربع - جعلها ثلاثاً، وأتم صلاته على ذلك،
وعليه أن يتشهّد لا محالة في كُلِّ موضع يتوهم أنه آخر الصلاة؛ لأن القعدة الأخيرة فرض،
والاشتغال بالنفل قبل إكمال الفرض مُفْسِدٌ له؛ فلذلك يقعد وأما الشكُّ في أركان الحج.
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: فساد.
(٣) في ب: بطالاً.
(٤) تقدم.
(٥) في هامش ب: بيان كيفية البناء على الأقل.

٦٩٧
كتاب الصلاة
ذكر الجصاص: أن ذلك إن(١) كان يكثر يتحرى أيضاً؛ كما في باب الصلاة، (وفي
(ظاهر الرواية)) يؤخذ باليقين](٢).
والفرق(٣) أن الزيادة في باب الحج، وتكرار الركن لا يفسد الحج، فأمكن الأخذ
باليقين، فأما الزيادة في باب الصلاة إذا كانت ركعة؛ فإنها تفسد الصلاة إذا وجدت قبل القعدة
الأخيرة؛ فكان العملُ بالتحري أحوطَ من البناء على الأقل.
وأما الأذكار(٤) فالأذكار التي يتعلّق سجود السهو بها(٥) أربعةٌ: القراءة، والقنوت،
والتشهّد، وتكبيرات العيدين. أما القراءة: فإذا ترك القراءة في الأوليين قرأ في الأخريين،
وسجد للسهو؛ لأن القراءة في الأوليين على التعيين [غيرُ واجبة] (٦) عند بعض مشايخنا، وإنما
الفرض في ركعتين منها غير عين، وترك الواجب ساهياً يوجب السَّهو، وعند بعضهم هي فرض
في الأوليين عيناً، وتكون القراءة في الأخر بين عند تركها في الأوليين - قضاءً عن الأوليين،
فإذا تركها في الأوليين، [أو في إحداهما](٧) فقد غير الفرض عن محل أدائه سهواً؛ فيلزمه
سجود السهو.
ولو سها(٨) عن الفاتحة فيهما، أو في إحداهما، أو عن السورة فيهما، أو في إحداهما -
فعليه السهو؛ لأن قراءة الفاتحة على التعيين في الأوليين - واجبةٌ عندنا، وعند الشافعي - رحمه
الله تعالى - فرض، على ما بينا فيما تقدّم، وكذا قراءة السورة على التعيين، أو قراءة مقدار
سورة قصيرة، وهي ثلاث آيات - واجبة، فيتعلق السجود بالسهو عنهما، ولو غير صفة القراءة
سهواً بأن جهر(٩) فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر. فهذا على وجهين، إما أن كان إماماً أو
منفرداً، فإن كان إماماً سجد للسهو عندنا، وعند الشافعي لا سهو عليه.
وجه قوله: إن الجهر والمخافتة من هيئة الركن وهو القراءة، فيكون سنة كهيئة كُلِّ ركن؛
نحو الأخذ بالركب، وهيئة القعدة.
(١) في ب: إذا.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: ثم الفرق.
(٤) في هامش ب: بيان الأذكار التي يتعلق السجود بالسهو منها.
(٥) في ب: عنها.
(٦) سقط في ب.
(٧) سقط في ب.
(٨) في هامش ب: سها عن الفاتحة في الأوليين أو في إحداهما.
(٩) في هامش ب: جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر.

٦٩٨
كتاب الصلاة
ولنا: أن الجهر فيما يجهر، والمخافتة فيما يخافت - واجبة على الإمام؛ لما بينًا فيما
تقدّم، ثم اختلفت الرواياتُ عن أصحابنا في مقدار(١) ما يتعلق به سجود السهو من الجهر
والمخافتة.
ذكر في ((نوادر أبي سليمان)): وفصل بين الجهر والمخافتة في المقدار، فقال: إن جهر
فيما يخافت - فعليه السهو، قَلْ ذلك أو كثر.
وإن خافت فيما يجهر؛ فإن كان في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة
فعليه السهو، وإلا فلا.
وروى ابن سماعة عن محمد التسوية بين الفصلين أنه إن تمكّن التغيير في ثلاث آيات أو
أكثر - فعليه سجودُ السهو، وإلا فلا.
وروي الحسنُ عن أبي حنيفة إن تمكن التغيير في آية واحدة - فعليه السجود.
وروي عن أبي يوسف؛ أنه جهر بحرف يسجد.
وجه رواية أبي سليمان: أن المخافتة فيما يخافت - ألزم من الجهر فيما يَجْهَرُ.
أَلاَ ترى أن المنفرد يتخيّر بين الجهر والمخافتة، وَلاَ خِيَارَ لَهُ فيما يخافت، فإذا جهر فيما
٨٢ ب يخافت - فقد تمكّن/ النقصان في الصلاة بنفس الجهر؛ فيجب جبره بالسجود، فأما بنفس
المخافتة فيما يَجْهَرُ - فَلاَ يتمكن النقصان؛ ما لم يكن مقدار ثلاث آيات أو أكثر.
وجه رواية ابن سماعة: ما روي عن أبي قتادة: أن النبي ◌ََّ كَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَالآيَتَيْنِ
[أَخْيَاناً](٢) في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وهذا جهر فيما يخافت، فإذا ثبت فيه - ثبت في المخافتة فيما
يجهر؛ لأنهما يستويان، ثم لما ورد الحديث مقدراً بآية أو آيتين، ولم يرد بأزيد من ذلك -
كانت الزيادة تركاً للواجب، فيوجب السهو.
وجه رواية الحسن: بناء على أن فرض القراءة - عند أبى حنيفة - يتأدّى بآية واحدة، وإن
كانت قصيرة، فإذا غيّر صفة القراءة [في هذا القدر - تعلّق به السهو، وعندهما: لا يتأدى فرض
القراءة](٣) إلا بآية طويلة، أو ثلاث آيات قصار، فما لم يتمكّن التغيير في هذا المقدار لا يجب
السهو.
(١) في هامش ب: مقدار ما يتعلق به سجود السهو من الجهر والمخافتة.
(٢) سقط في ب.
(٣) سقط في ب.

٦٩٩
كتاب الصلاة
هذا إذا كان إماماً، فأما إذا كان منفرداً (١) - فلا سهو عليه، أما إذا خافت فيما يجهر - فلا
شك فيه؛ لأنه مخيّر بين الجهر والمخافتة؛ لما ذكرنا فيما تقدّم: أن الجهر على الإمام - إنما
وجب؛ تحصيلاً لثمرة (٢) القراءة في حق المقتدي، وهذا المعنى لا يوجد في حق المنفرد؛ فلم
يجب الجهر، فلا يتمكّن النقص في الصلاة بتركه. وكذا إذا جهر فيما يخافت؛ لأن المخافتة
في الأصل إنما وجبت، صيانة للقراءة عن المغالبة واللغو فيها؛ لأن صيانة القراءة عن ذلك
واجبة؛ وذلك في الصلاة المؤداة على طريق الاشتهار، وهي الصلاة بجماعة.
فأما صلاة المنفرد: فما كان يوجد فيها المغالبة، فلم تكن الصيانة - بالمخافتة واجبة،
فلم يترك الواجب فلا يلزمه سجود السهو.
ولو أراد أن يقرأ سورة فأخطأ وقرأ غيرها - لا سهو عليه؛ لانعدام سبب الوجوب، وهو
تغيير فرض أو واجب أو تركه؛ إذ لا توقيت في القراءة، وروي عن محمد أنه قال: فيمن قرأ
الحمد مرّتين في الأوليين فعليه السهو؛ لأنه أخر السورة بتكرار الفاتحة، ولو قرأ الحمد، ثم
السورة، ثم الحمد - لا سهو عليه؛ [وصار كأنه قرأ سورة طويلة] (٣)، ولو تشهد مرتين - لا
سهو عليه، ولو قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده أو في قيامه - لا سهو عليه؛ لأنَّهُ ثَنَّاءٌ وهذه
الأركان مواضع الثناء.
وأما القنوت(٤): فتركه سهواً يوجب سجود السهو؛ لأنه واجب؛ لما نذكر في موضعه إن
شاء الله - تعالى - وكذلك تكبيرات العيدين: إذا تركها أو نقص منها؛ لأنها واجبة، وكذا إذا زاد
عليها، أو أتى بها في غير موضعها؛ لأنه يحصل تغيير فرض أو واجب. وكذلك قراءة التشهّد
إذا سهى عنها في القعدة الأخيرة، ثم تذكّرها قبل السلام، أو بعدما سلّم ساهياً - قرأها وسلّم
وسجد للسهو؛ لأنَّهَا واجبة، وأما في القعدة الأولى: فكذلك؛ استحساناً، والقياس في هذا،
وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين - سواء، ولا سهو عليه؛ لأن هذه الاذكار سنة، ولا(٥) يتمكن
بتركها كبير نقصان في الصلاة، فلا يوجب السهو، كما إذا ترك الثناء والتعوّذ.
وجه الاستحسان: أن هذه الأذكار واجبة، أما وجوب القنوت وتكبيرات العيدين فلما
يذكر في موضعه، وأما وجوب التشهد في القعدة الأولى: فلمواظبة - النبي - والصحابة - رضي
(١) في هامش ب: بيان المنفرد في حق المخافتة والجهر.
(٢) في ب: لثمرات.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: ترك القنوت أو تكبيرات العيد أو سها عن قراءة التشهد.
(٥) في ب: فلا.

٧٠٠
كتاب الصلاة
الله عنهم - على قراءته، وأما (١) سائر الأذكار، من الثناء، والتعوّذ، وتكبيرات الركوع والسجود
وتسبيحاتهما: فلا سهو فيها عند عامة العلماء.
وقال مالك: إِذَا سَهَا عن ثلاث تكبيرات - فعليه السهو؛ قياساً على تكبيرات العيدين،
وهذا القياس - عندنا - غير سديد؛ لأن تكبيرات العيد واجبة؛ لما يذكر؛ فجاز أن يتعلّق بها
السهو، بخلاف تكبيرات الركوع والسجود؛ فإنها من السنن، ونقصان السنّة لا يجبر بسجود
السهو، لأن سجود السهو وَاجِبٌ، ولا يجب جبر الشيء بما هو فوق الفائت؛ بخلاف
الواجب؛ لأن الشيء ينجبر بمثله، ولهذا: لاَ يَتَعَلَّقُ السهو بترك الواجب عمداً؛ لأن النقص
المتمكن بترك الواجب [عمداً](٢) - فوق النقص المتمكن بتركه سهواً، والشرع لَمَّا جعل
السُّجُودَ جابراً لِمَا فات سهواً - كان مثلاً للفائت سهواً، وإذا كان مثلاً للفائت سهواً - كان دون
ما فات عمداً؛ والشيء لا ينجبر بما هو دونه؛ ولهذا [لا] (٣) ينجبر به النقص المتمكّن بفوات
الفرض .
ولو سلّم عن يساره قبل سلامه عن يمينه - فلا سهو عليه؛ لأن الترتيب في السلام من
باب السنن، فلا يتعلّق به سُجُودُ السَّهْوِ (٤)، ولو نسي التكبير في أيام التشريق - لا سهو عليه؛
لأنه لم يترك واجباً من واجبات الصلاة، ولو (٥) سَهَا فِي صَلاَتِهِ مِرَاراً - لا يجب عليه إِلاَّ
سجدتان، وعند بعضهم: يلزمه لكلِّ سهو سجدتان؛ لقوله وَّ: ((لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانٍ بَعْدَ
السَّلاَمِ»(٦) ولأن كل سهو أوجب نقصاناً فيستدعي جابراً.
ولنا: ما روي عَنِ النّبِيِّ نَّ أنه قَالَ: ((سَجْدَتَانِ تُجْزِيَانِ لِكُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ))(٧) وروي:
(أَنَّ النبيَّ وَّهِ تَرَكَ القَعْدَّةَ الأُولَى وَسَجَدَ لَهَا سَجْدَتَيْنٍ))(٨) وكان سها عن القعدة وعن التشهّد؛
١٨٣ حيث تركهما، وعن القيام؛ حيث أتى به في غير محله، ثم لم يزد على / سجدتين؛ فعلم أن
السجدتين كافيتان؛ ولأن سجود السهو: إنما أخّر عن محل النقصان إلى آخر الصلاة؛ لئلا
(١) في هامش ب: الثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها لا توجب السجود.
(٢) سقط في ب.
(٣) سقط في ب.
(٤) في ب: وجوب سجود السهو.
(٥) في هامش ب: لو سها في صلاته مراراً.
(٦) تقدم.
(٧) أخرجه البيهقي في السنن ٣٤٦/٢ وقال: وهذا الحديث يعد من أفراد حكيم بن نافع الرقي وكان
يحيى بن معين يوثقه والخطيب في التاريخ ٢٦٢/٨ وذكره الهيثمي في المجمع ١٥٤/٢ وقال: رواه أبو
يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وفيه حكم بن نافع ضعفه أبو زرعة ووثقه ابن معين.
(٨) تقدم.