Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كتاب الصلاة للإفساد حتى لو صلّى على سطح الكعبة، وليس بين يديه سترة - لا تجوز صلاته عنده؛ وسنذكر الكلام فيما بعد. ولو صلّى في بيت فيه تماثيل: فهذا على وجهين: إما إن كانت التماثيل مقطوعة الرؤوس أو لم تكن مقطوعة الرؤوس، فإن كانت مقطوعة الرؤوس بالصلاة فيه؛ لأنها بالقطع خرجت من أن تكون تماثيل، والتحقت بالنقوش، والدليل عليه ما روي أن رسول الله وَلقوله - أهدى إليه ترسّ فیه تمثال طیر، فأصبحوا وقد محی وجهه. وروي أن جبريل - عليه السلام - اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ وَِّ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: ((كَيْفَ أَدْخُلُ، وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ خُيُولٍ وَرِجَالٍ))(١) فإما أن تقطع رؤوسها، أو تتخذ وسائد فتوطأ، وإن لم تكن مقطوعة الرؤوس فتكره الصلاة فيه، سواء كانت في جهة القبلة، أو في السقف، أو عن يمين القبلة أو عن يسارها، فأشد ذلك كراهة أن تكون في جهة القبلة؛ لأنه تشبّه بعبدة الأوثان، ولو كانت في مؤخر القبلة أو تحت القدم لا يكره؛ لعدم التشبّه في الصلاة بعبدة الأوثان . وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه، أو على الستور والأزر والوسائد العظام؛ لأن جِبْرِيلَ - عليه السلام - قَالَ: ((إِنَّا لاَ نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةً))(٢)، (١) روى هذا الحديث من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: قال رسول الله وَلجر: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ عَنَيْكَ الْبَيْتَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَيِ بَابِ الْبَيْتِ تِمْثَالُ الرُّجَالِ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تمَاثِلُ، وَكَانَ في الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِيَ بِالْبَابِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُصَيَّرْ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ وَيُجْعَلُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مُنْتَذَتَيْنِ يُوَطِآنٍ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَيُخْرَجُ، فَفَعَلَّ رَسُولُ اللهِوَّهِ، وَكَانَ ذُلِكَ الْكَلْبُ جَزْواً لِلحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضَدَّ لَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأَخْرِجَ)). أخرجه أبو داود (٤٧٢/٢)، كتاب: اللباس، باب: الصور، حديث (٤١٥٨)، والترمذي (١١٥/٥) كتاب: الأدب باب: ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (٢٨٠٦)، والنسائي (٢١٦/٨)، كتاب: الزينة، باب: ذكر أشد الناس عذاباً، حديث (٥٣٦٥)، وأحمد (٣٠٥/٢، ٣٠٨، ٤٧٨، ٣٩٠). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٩/٦)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم ((آمين)) ... حديث (٣٢٢٥)، (٤١٤/٦)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. حديث (٣٣٢٢)، (٣٦٧/٧)، كتاب: المغازي: باب: (١٢) حديث (٤٠٠٢)، (٣٩٤/١٠)، كتاب اللباس، باب: التصاوير حديث (٥٩٤٩)، ومسلم (١٦٦٥/٣)، كتاب اللباس والزينة باب: تحريم تصوير الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة ... حديث (٢١٠٦/٨٤/٨٣)، الترمذي (١١٤/٥)، كتاب: الأدب باب: ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (٢٨٠٤)، والنسائي (٢١٢/٨)، كتاب: الزينة، باب: التصاوير، حديث (٥٣٤٧)، (٥٣٤٨)، وابن ماجة (١٢٠٣/٢)، كتاب: اللباس: باب الصورة في البيت، حديث (٣٦٤٩)، والحميدي (٢٠٦/١) حديث (٤٣١). ٥٤٢ كتاب الصلاة ولا خير في بيت لا تدخله الملائكة، وكذا نفس التعليق لتلك الستور، والأزر على الجدار، ووضع الوسائد العظام عليه مكروه؛ لما في هذا الصنيع من التشبّه بعباد الصور؛ لما فيه من تعظيمها . وروي عن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: ((دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَيُّهَ فِي بَيْتِيٍ وَأَنَا مُسْتَتِرَةٌ بِسِتْرِ فِيهِ تَمَاثِلُ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ وَ، حَتَّى عَرَفْتُ الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ، فَأَخَذَهُ مِنِّي وَهَتَكَهُ بِيَدِهِ، فَجَعَلْنَاهُ نُمْرُقَةً أَوْ نُمْرُقَتَيْنٍ))(١) وإن كانت الصور على البسط والوسائد الصغار، وهي تداس بالأرجل - لا تكره؛ لما فيه من إهانتها، والدليل عليها حديث جبريل وَل وعائشة - رضي الله عنها -. ولو صلّى على هذا البساط: فإن كانت الصورة في موضع سجوده - يكره؛ لما فيه من التشبّه بعبادة الصور والأصنام، وكذا إذا كانت أمامه في موضع؛ لأن معنى التعظيم يحصل بتقريب الوجه من الصورة، فأما إذا كانت في موضع قدميه - فلا بأس به؛ لما فيه من الإهانة دون التعظيم، هذا إذا كانت الصورة كبيرة، فأما إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد - فلا بأس به؛ لأن من يعبد الصنم لا يعبد الصغير منها جدًّا، وقد روي أنه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان. وروي أنه لما وجد خاتم دانيال على عهد عمر - رضي الله عنه - كان على فصه أسدان بينهما رجل يلحسانه، ويحتمل أن يكون ذلك في ابتداء حاله؛ أو لأن التمثال في شريعة من قبلنا كان حلالاً، قال الله تعالى في قصة سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِلَ﴾، ثم ما ذكرنا من الكراهة في صورة الحيوان. فأما صورة ما لا حياة له؛ كالشجر ونحو ذلك - فلا يوجب الكراهة؛ لأن عبدة الصورة لا يعبدون تمثال ما ليس بذي روح؛ فلا يحصل التشبه بهم، وكذا النهي إنما جاء عن تصوير ذي الروح؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((من صَوَّر تمثال ذي الروح كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ))؛ فأما لا نهي عن تصوير ما لا روح له؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه نهى مصوراً عن التصوير، فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى حمام، أو قبر، أو مخرج، لأن جهة القبلة يجب (١) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٠٠) كتاب: اللباس، باب: ما وطىء من التصاوير، حديث (٥٩٥٤)، ومسلم (١٦٦٨/٣)، كتاب: اللباس، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان (٢١٠٧/٩٢). والنسائي (٢١٤/٨) كتاب: الزينة، باب: ذكر أشد الناس عذاباً. حديث (٥٣٥٦) وفي الكبرى (٥٠٢/٥)، كتاب: الزينة، باب: التصاوير، حديث (٩٧٨٠ /٢٠). ٥٤٣ كتاب الصلاة تعظيمها والمساجد كذلك؛ قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦]، ومعنى التعظيم لا يحصل إذا كانت قبلة المسجد إلى هذه المواضع؛ لأنها لا تخلو عن الأقذار، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه قال: هذا في مساجد الجماعات، فأما مسجد الرجل في بيته، فلا بأس بأن يكون قبلته إلى هذه المواضع؛ لأنه ليس له حرمة المساجد حتى يجوز بيعه، وكذا للناس فيه بلوى بخلاف مسجد الجماعة . ولو صلّى في مثل هذا المسجد جازت صلاته عند عامة العلماء، وعلى قول بشر بن غياث المريسي: لا تجوز، وعلى هذا، المصلي في أرض مغصوبة، أو صلّى وعليه ثوب مغصوب ـ لا تجوز عنده. وجه قوله: إن العبادة لا تتأدى بما هو منھيٌّ عنه. ولنا: أن النهي ليس لمعنى في الصلاة، فلا يمنع جواز الصلاة، وهذا إذا لم يكن بين المسجد وبين هذه المواضع حائل؛ من بيت، أو جدار، أو نحو ذلك، فإن كان بينهما حائل لا يكره؛ لأن معنى التعظيم حاصل، فالتحرّز عنه غير ممكن. ومنها(١) ستر العورة لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قيل في التأويل: الزينة ما يواري العورة، والمسجد الصلاة فقد أمر بمواراة العورة في الصلاة، وقال النبيُّ بَّهَ: ((لاَ صَلاَةَ لِلْخَائِضِ إِلاَّ بِخِمَارٍ))(٢) كنى بالحائض عن البالغة؛ لأن الحيض دليل (١) في هامش ب: من شروط الصلاة ستر العورة. (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٩٦/١)، وأحمد (٦/ ١٥٠)، وأبو داود (٤٢١/١): كتاب الصلاة: باب المرأة تصلي بغير خمار، الحديث (٦٤١)، والترمذي (٢١٥/٢): كتاب الصلاة: باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، الحديث (٣٧٧)، وابن ماجة (٢١٥/١): كتاب الطهارة: باب إذا حَاضت الجارية لم تصل إلا بخمار (١٣٢)، الحديث (٦٥٥)، وابن الجارود ص (٦٨) باب ما جاء في الثياب للصلاة، الحديث (١٧٣)، والحاكم (٢٥١/١): كتاب الصلاة، والبيهقي (٢٣٣/٢): كتاب الصلاة: باب ما تصلي فيه المرأة من الثياب، كلهم من حديث حماد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي وَالقر أنه قال: ((لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار)). وقال الترمذي: (حسن)؛ وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة) ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة (١/ ٣٨٠)، رقم (٧٧٥)، وابن حبان كما في ((نصب الراية)) (٢٩٥/١). وللحديث شاهد، من حديث أبي قتادة: أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٥٤/٢) من طريق إسحاق بن اسماعيل بن عبد الأعلى الإبلي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَلتر ((لا يقبل الله من امرأة صلت حتى توارى زينتها، ولا من جارية بلغت الحيض حتى تختمر)). ٥٤٤ كتاب الصلاة البلوغ، فذكر الحيض وأراد به البلوغ الملازمة بينهما، وعليه إجماع الأمة، ولأن ستر العورة حال القيام بين يدي الله تعالى من باب التعظيم، [وأنه فرض عقلاً وشرعاً](١) وإذا كان الستر فرضاً كان الانكشاف مانعاً جواز الصلاة ضرورة، والكلام(٢) في بيان ما يكون عورة وما لا يكون - موضعه كتابٌ الاستحسان، وإنما الحاجة ههنا إلى بيان المقدار الذي يمنع جواز الصلاة فنقول : قليل الانكشاف لا يمنع الجواز؛ لما فيه من الضرورة؛ لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة، والكثير يمنع لعدم الضرورة، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير: فقدّر أبو حنيفة ومحمد الكثير بالربع، وقالا: الربع وما فوقه من العضو كثير، وما دون الربع قليل، وأبو يوسف جعل الأكثر من النصف كثيراً وما دون النصف قليلاً، واختلفت الرواية عنه في النصف، فجعله في حكم القليل في ((الجامع الصغير))، وفي حكم الكثير في الأصل. وجه قول أبي يوسف: إن القليل والكثير من المتقابلات، فإنما تظهر بالمقابلة فما كان مقابلة أقل منه فهو كثير، وما كان مقابلة أكثر منه فهو قليل. ولهما: أن الشرع أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع؛ كما في حلق الرأس في حق المحرم، ومسح ربع الرأس كذا ههنا؛ إذ الموضع موضع الاحتياط، وأما قوله: إن القليل والكثير من أسماء المقابلة فإنما يعرف ذلك بمقابلة، فنقول: الشرع قد جعل الربع كثيراً في نفسه، من غير مقابلة في بعض المواضع على ما بينّا، فلزم الأخذ به في موضع الاحتياط، ثم كثير الانكشاف يستوي فيه العضو الواحد والأعضاء المتفرّقة، حتى لو انكشف من أعضاء متفرّقة ما لو جمع لكان كثيراً - يمنع جواز الصلاة، ويستوي فيه العورة الغليظة، [وهي: القبل، والدبر]، والخفيفة(٣) [كالفخذ ونحوه]. وقال الطبراني: لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم، تفرد به اسماعيل بن إسحاق. = وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٥٥/٢)، وقال: (إسحاق بن إسماعيل لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله مو ثقون). وكلام الهيثمي فيه نظر. فإسحاق بن اسماعيل من رجال التهذيب روى له النسائي وابن ماجة. وقال في ((التقريب)» (٥٥/١): صدوق. (١) سقط في ب. (٢) في هامش ب: الكلام في انكشاف العورة في الصلاة. (٣) في أ: والحقيقة . ٥٤٥ كتاب الصلاة ومن الناس من قدر العورة الغليظة بالدرهم تغليظاً لأمرها، وهذا غير سديد؛ لأن العورة الغليظة كلها لا تزيد على الدرهم، فتقديرها بالدرهم يكون تخفيفاً لأمرها لا تغليظاً له، فتنعكس القضية . وذكر محمد في ((الزيادات)) ما يدل على أن حكم الغليظة والخفيفة واحد، فإنه قال في امرأة صلّت، فانكشف شيء من شعرها وشيء من ظهرها/ وشيء من فرجها، وشيء من ٥٧ب فخذها: إنه إن كان بحال لو جمع بلغ الربع منع أداء الصلاة، وإن لم يبلغ لا يمنع، فقد جمع بين العورة الغليظة والخفيفة، واعتبر فيها الربع، فثبت أن حكمها لا يختلف، وأن الخلاف فيهما واحد، وهذا في حالة القدرة. فأما في حالة العجز: فالانكشاف(١) لا يمنع جواز الصلاة؛ بأن حضرته الصلاة وهو عريان، لا يجد ثوبان للضرورة، ولو كان معه ثوب(٢) نجس فلا يخلو؛ إما إن كان الربع منه طاهراً، وإما إن كان كله نجساً، فإن كان ربعه طاهراً لم يجزه(٣) أن يصلي عرياناً، بل يجب عليه أن يصلي في ذلك الثوب؛ لأن الربع فما فوقه في حكم الكمال؛ كما في مسح الرأس، وحلق المحرّم ربع الرأس، وكما يقال: رأيت فلاناً، وإن عاينه من إحدى جهاته الأربع، فجعل كأن الثوب كله طاهراً، وإن كان كله نجساً، أو الطاهر منه أقل من الربع - فهو بالخيار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف إن شاء صلّى عرياناً، وإن شاء مع الثوب، لكن الصلاة في الثوب أفضل. وقال محمد: لا تجزئه إلا مع الثوب. وجه قوله: إن ترك استعمال النجاسة فرض، وستر العورة فرض، إلا أن ستر العورة أهمهما وآكدهما؛ لأنه فرض في الأحوال أجمع، وفرضية ترك استعمال النجاسة مقصورة على حالة الصلاة، فيصار إلى الأهم، فتستّر العورة، ولا تجوز الصلاة بدونه، ويتحمل استعمال النجاسة؛ ولأنه لو صلّى عرياناً كان تاركاً فرائض؛ منها ستر العورة، والقيام، والركوع، والسجود. ولو صلّى في الثوب النجس كان تاركاً فرضاً واحداً، وهو ترك استعمال النجاسة فقط، فكان هذا الجانب أهون، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: ((مَا خُيِّرَ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ بَيْنَ (١) في هامش ب: الانكشاف لا يمنع جواز الصلاة حاله العزم. (٢) في هامش ب: الصلاة في الثوب النجس. (٣) في ب: يجز. بدائع الصنائع ج١ - م٣٥ ٥٤٦ كتاب الصلاة شَيْئَيْنِ إِلاَّ أَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا))(١)، فمن ابتلى ببليتين فعليه أن يختار أهونهما. ولهما: أن الجانبين في الفرضية في حق الصلاة على السواء. ألا ترى أنه كما لا تجوز الصلاة حالة الاختيار عرياناً - لا تجوز مع الثوب المملوء نجاسة، ولا يمكن إقامة أحد الفرضين في هذه الحالة إلاّ بترك الآخر، فسقطت فرضيتهما في حق الصلاة، فيخيّر، فيجزئه(٢) كيف ما فعل، إلا أن الصلاة في الثوب أفضل لما ذكر محمد (رحمه الله) ومنها استقبال(٣) القبلة(٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلٌ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (١) أخرجه البخاري (٦٥٤/٦) كتاب ((المناقب)) باب ((صفة النبي مطلق، حديث (٣٥٦٠) و(٥٤١/١٠) كتاب (الأدب)) باب ((قول النبي ◌َُّ﴾ يسروا ولا تعسروا)) حديث (٦١٢٦)، ومسلم (١٨١٣/٤) كتاب الفضائل باب مباعدته وَّ للآثام (٧٧ - ٢٣٢٧)، وأبو داود (٤/ ٢٥٠) كتاب ((الأدب)) باب ((في التجاوز في الأمر» حدیث (٤٧٨٥). (٢) في ب: فيجزئه بتحريه. (٣) في هامش ب: من شروط الصلاة استقبال القبلة. (٤) هي جهة مخصوصة، يوقع مريد الصلاة صلابة إليها، مع الأمن والاختيار، فدخل في الجهة المخصوصة صوب السفر لراكب الدابة . في صلاة النفل، وبقولنا: مع الأمن، خرجت صلاة الاستحام، وقولنا: والاختيار، خرجت صلاة الحاجز عن الاستقبال . وسميت القبلة قبلة؛ لأن المصلي يقابلها، وتقابله . لمَّا كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّةٌ عن المادة والجهة، فاستقباله بهذا المعنى مستحيل عليه تعالى - شرع الله للناس مكاناً مخصوصاً يتوجهون إليه في صلاتهم؛ ليذكرهم بالإعراض عما سواه تعالى والإقبال على مناجاته؛ وليكون أجمع للخواطر؛ وأحث على صفة الخضوع والخشوع؛ وأقرب لحضور القلب؛ ولأن استقبالهم إلى جهة واحدة مع اختلاف أجناسهم، وتباين لغاتهم، وتباعد أقطارهم، مما يحملهم على الألفة، والاتحاد، والتعاون على أنواع البر، وأعمال الخير، وفي ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة؛ إذ لو توجه كل واحد إلى جهة؛ لَكَان ذلكَ يُوهم اختلافاً ظاهراً؛ فلجميع ما ذكر اقتضت الحكمة الإلهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطاً في صحة الصلاة. فكان إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - ومن تدين بدينهما يستقبلون الكعبة، وكان إسرائيل - عليه السلام - وبنوه يستقبلون بيت المقدس. وقد اختلف العلماء في الجهة التي كان النبي ◌َ ﴿ يتوجه إليها للصلاة وهو بـ ((مكة)). فقال ابن عباس، وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه كان لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون، كان يصلي إلى الكعبة، فلما هاجر إلى ((المدينة)) استقبل بيت المقدس؛ وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم منه دعوى النسخ مرتين. والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم، وغيره من طريق ابن عباس. = ٥٤٧ كتاب الصلاة وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقول النبيِّ وََّ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهِ صَلاَةَ أَمْرِىءٍ حَتَّى يَضَعَ الظُّهُورَ مَوَاضِعَهُ، وَيَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ وَيَقُولَ: الله أَكْبَرُ)(١)، وعليه إجماع الأمة، والأضْلُ: أن استقبال(٢) القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه؛ بدليل أنه لا يجب الاستقبال فيما هو رأس العبادات وهو الإيمان، وكذا في عامة العبادات من الزكاة والصوم والحج، وإنما عرف شرطاً في باب الصلاة شرعاً، فيجب اعتباره بقدر ما ورد الشرع به، وفيما وراءه يرد إلى أصل القياس. فلما قدم النبي ◌ّ ((المدينة))، استمر على استقباله بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً؛ = تأليفاً ((الأوس والخزرج)) وحلفائهم من اليهود؛ إذ الأصل في أوضاع القربات أن يراعي حال الأمة التي بعث فيها الرسول، وقامت بنصرته، وهم الأوس والخزرج يومئذ، وكانوا أخضع شيءٍ لعلوم اليهود، بينه ابن عباس (رضي الله عنهما) حيث قال: (إِنَّمَا كَانَ هَذَا الحِيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُمْ أَهْلُ وَثَنِ مَعَ هَذَا الْحَيّ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَّيْهِمْ في الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَّدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فعلهم ... )، الحديث فلمّا أحكم الله آياته، وآمَن الكثير من الأوس والخزرج، وشِرْدِمَةٌ قليلة من اليهود، كره النبي ◌َّلّ التوجُّه إلى بيت المقدس؛ لما أن اليهود كانوا يقولون يخالفنا، ويتبع قبلتنا، ولولانا لم يدر أين يستقبل؟، وكانوا يقولون مثل هذا القول للمسلمين، مما سبب تشويش خواطرهم، وأفكارهم. فكان ◌َ# يقع في قلبه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لما أنه كان يكره موافقة اليهود، ويحب مخالفتهم؛ ولمصالح دينية كان يرجوها من استحالة العرب إلى الإسلام؛ إذ هي قبلة أبيهم ابراهيم واسماعيل، وهي السبب في ظهورهم، وعزهم، ومجدهم، وفخارهم، فكانت لها المنزلة العظيمة عندهم، أذعن لها القاصِي منهم والداني. وكان وَّلِّ يُقَلْبُ وجهه جهة السماء؛ طمعاً أن يكون جبرائيل نزل بذلك، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبّ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ﴾ الآيات. ومن ذلك الحين حولت القبلة إلى الكعبة، وكان ذلك في منتصف رجب من السنة الثانية من الهجرة على الصحیح، وبه جزم الجمهور. (١) ينظر حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته. (٢) الشرط في اصطلاح الفقهاء، ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فخرج بالقيد الأول المانع. فإنه لا يلزم من عدمه شيء. وبالثاني السبب. فإنه يلزم من وجوده الوجود، وبالثالث مقارنة. الشرط للسبب، فيلزم الوجود عند وجوده لكن لا لذاته. بل لوجود السبب وذلك كما إذا كان الإنسان متوضئاً ودخل وقت الظهر .. فقد لزم من وجود الوضوء الصلاة وهو شرط لها لكن لا لذاته، بل لوجود السبب الذي هو الوقت، وخرج أيضاً بالثالث مقارنة المانع كحيض مثلاً فيلزم العدم لكن لا لذات الشرط، بل لوجود المانع. ينظر: البحر المحيط للزركشي (٣٠٩/١)، الأحكام للآمدي (١٢١/١)، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري (١٣)، التحصيل من المحصول للأرموي (١٧٧/١)، حاشية البناني (٩٧/١)، والآيات البينات لابن قاسم العبادي (١٣٨/١)، حاشية العطار (١١٧/١)، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١٤٥/٢)، شرح مختصر المنار (٧٤)، الموافقات للشاطبي (١٨٧/١)، الكوكب المنير للفتوحي (١٤١). ٥٤٨ كتاب الصلاة ثم جملة الكلام في هذا الشرط أن المصلي لا يخلو؛ أما إن كان قادراً على الاستقبال أو كان عاجزاً عنه، فإن كان قادراً يجب عليه التوجّه إلى القبلة، إن كان في حال مشاهدة الكعبة فإلى عينها، أي: أيّ جهة كانت من جهات الكعبة، حتى لو كان منحرفاً عنها غير متوجّه إلى شيء منها - لم يجز؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وِجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وفي وسعه تولية الوجه إلى عينها، فيجب ذلك. وإن كان نائياً عن الكعبة غائباً عنها - يجب عليه التوجّه إلى جهتها، وهي المحاريب المنصوبة بالأمارات الدالة عليها لا إلى عينها، وتعتبر الجهة دون العين؛ كذا ذكر الكرخي، والرازي، وهو قول عامة مشايخنا(١) بما وراء النهر. وقال بعضهم: المفروض إصابة عين الكعبة بالاجتهاد والتحرّي، وهو قول أبي عبد الله البصري، [حتى قالوا: إن نيّة الكعبة شرط](٢). وجه قول هؤلاء قولهُ تعالى: ﴿فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة؛ ولأن لزوم الاستقبال لحرمة البقعة، وهذا المعنى في العين لا في الجهة، ولأن قبلته لو كانت الجهة(٣) لكان ينبغي له(٤) إذا اجتهد فأخطأ [الجهة](6) يلزمه الإعادة؛ لظهور خطئه في اجتهاده بيقين، ومع ذلك لا تلزمه الإعادة بلا خلاف بين أصحابنا، فدل أن قبلته في هذه الحالة عينُ الكعبة بالاجتهاد والتحرّي . وجه قول الأولين: إن المفروض هو المقدور عليه، وإصابة العين غير مقدور عليها، فلا تكون مفروضة؛ ولأن قبلته لو كانت عين الكعبة في هذه الحالة بالتحري والاجتهاد - [لترددت صلاته بين الجواز والفساد؛ لأنه إن أصاب عين الكعبة بتحريه - جازت صلاته](٦)، وإن(٧) لم يصب عين الكعبة [ينبغي ألا](٨) تجوز صلاته؛ لأنه ظهر خطأه بيقين، إلاَّ أن يجعل كل مجتهد مصيباً، وأنه خلاف المذهب الحق، وقد عرف بطلانه في أصول الفقه. (١) في هامش ب: أبو عبد الله الجرجاني. (٢) سقط في ب. (٣) في أ: كان الجهة. (٤) في أ: أنه . (٥) سقط في ب. (٦) سقط في ب. (٧) في أ: فإذا. (٨) سقط في ط . ٥٤٩ كتاب الصلاة أما إذا جعلت قبلته الجهة، وهي المحاريب المنصوبة - لا يتصور/ ظهور الخطأ، فنزلت ١٥٨ الجهة في هذه الحالة منزلة عين الكعبة في حال المشاهدة، ولله تعالى أن يجعل أيَّ جهة شاء قبلة لعباده على اختلاف الأحوال، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلأَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ ولأنهم جعلوا عين الكعبة قبلة في هذه الحالة بالتحرّي، وأنه مبني على مجرد(١) شهادة القلب من غير أمارة، والجهة صارت قبلة باجتهادهم المبنى على الأمارات الدالة عليها من النجوم والشمس والقمر وغير ذلك، فكان فوق الاجتهاد بالتحري؛ ولهذا إنَّ من دخل بلدة وعاين المحاريب المنصوبة فيها يجب عليه التوجه إليها، ولا يجوز له التحري، وكذا إذا [دخل مسجداً لا محراب له، وبحضرته أهل المسجد - لا يجوز له التحري، بل يجب عليه السؤال من أهل المسجد؛ لأن لهم علماً بالجهة المبنية على الأمارات؛ فكان فوق الثابت بالتحري. وكذا لو (٢) كان في المفازة والسماء مصحية ولا علم بالاستدلال بالنجوم على القبلة - لا يجوز له التحري؛ لأن ذلك فوق التحري، وبه تبيّن أن نيّة الكعبة ليست بشرط، بل الأفضل أَلاَّ ينوي الكعبة؛ لاحتمال أَلاَّ تحاذى هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته(٣). ولا حجة لهم في الآية؛ لأنها تناولت حالة القدرة؛ والقدرة حال مشاهدة الكعبة لا حال البعد عنها، وهو الجواب عن قولهم: إن الاستقبال لحرمة البقعة أن ذلك حال القدرة على الاستقبال إليها دون حال العجز عنه. وأما إذا كان (٤) عاجزاً: فلا يخلو إما أن كان عاجزاً بسبب عذر من الأعذار مع العلم بالقبلة، وإما أن كان عجزه بسبب الاشتباه، فإن كان عاجزاً لعذر مع العلم بالقبلة. فله أن يصلي إلى أي جهة كانت، ويسقط عنه الاستقبال؛ نحو أن يخاف على نفسه من العدو في صلاة الخوف، أو كان بحال لو استقبل القبلة يثب(٥) عليه العدو أو قطاع الطريق أو السبع، أو كان على لوح من السفينة [في البحر](٦) لو وجهه إلى القبلة يغرق غالباً، أو كان مريضاً لا يمكنه أن يتحوّل بنفسه إلى القبلة، وليس بحضرته من يحوّله إليها ونحو ذلك؛ لأن هذا شرط زائد فيسقط عند العجز. وإن كان عاجزاً بسبب الاشتباه؛ وهو أن يكون في المفازة في ليلة (١) في ط: تجرد. (٢) سقط في ب. (٣) سقط في ب . في هامش ب: العجز عن الاستقبال. (٤) (٥) في أ: يقف. (٦) سقط في ب. ٥٥٠ كتاب الصلاة مظلمة أو لا علم له بالإمارات الدالة على القبلة، فإن كان بحضرته من يسأله عنها لا يجوز له التحري؛ لما قلنا بل يجب عليه السؤال، فإن لم يسأل وتحرّى وصلّى [فإن أصاب](١) جاز وإلا فلا، فإن لم يكن بحضرته أحد جاز له التحري؛ لأن التكليف [مبني على](٢) الوسع والإمكان، وليس في وسعه إلا التحري - فتجوز له الصلاة بالتحري؛ لقوله تعالى: ﴿فأينما تولُّوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]. وروي: أن أصحاب رسول الله وَل﴿ تحرُّوا عند الاشتباه وصلُّوا، ولم ينكر عليهم النبي ◌َ ◌ّ فدلّ على الجواز. فإذا صلّى (٣) إلى جهة من الجهات فلا يخلو إما أن صلّى إلى جهة بالتحري أو بدون التحري، فإن صلّى بدون التحرّي فلا يخلو من أوجه: إما أن كان لم يخطر بباله شيء ولم يشك في جهة القبلة، أو خطر بباله وشك في جهة القبلة وصلّى من غير تحر، أو تحرّى ووقع تحرّيه على جهة فصلّى إلى جهة أخرى لم يقع عليها التحرّي. أما إذا لم يخطر بباله شيء، ولم يشكّ وصلّى إلى جهة من الجهات - فالأصل هو الجواز؛ لأن مطلق الجهة قبلة، بشرط عدم دليل يوصله إلى جهة الكعبة من السؤال أو التحرّي ولم يوجد؛ لأن التحرّي لا يجب عليه إذا لم يكن شاكاً، فإذا مضى على هذه الحالة، ولم يخطر بباله شيء - صارت الجهة التي صلّى إليها قبلة له ظاهراً [فإن ظهر أنها جهة الكعبة تقرر الجواز] (٤). فأما إذا ظهر خطأه بيقين؛ بأن انجلى الظلام(٥) وتبين أنه صلّى إلى غير جهة الكعبة، أو تحرّى ووقع تحرّيه على غير الجهة التي صلّى إليها - إن كان بعد الفراغ من الصلاة يعيد، وإن كان في الصلاة يستقبل؛ لأن ما جعل حجة بشرط عدم الأقوى يبطل عند وجوده، كالاجتهاد إذا ظهر نص بخلافه. وأما إذا شك ولم يتحرّ وصلّى إلى جهة من الجهات ـ فالأصل هو الفساد، فإذا ظهر أن الصواب في غير الجهة التي صلّى إليها - إما بيقين أو بالتحري - تقرّر الفساد. وإن ظهر أن الجهة التي صلّى إليها قبلة: إن كان بعد الفراغ من الصلاة أجزأه ولا يعيد؛ لأنه إذا شك في جهة الكعبة، وبنى صلاته على الشك - احتمل أن تكون الجهة التي صلّى إليها قبلة، واحتمل (١) سقط في ب. (٢) في ط : بحسب. (٣) في هامش ب: إذا صلى إلى جهة من الجهات. (٤) سقط في أ، ب. (٥) في ب: وقد تبین. ٥٥١ كتاب الصلاة أَلاَّ تكون، فإن ظهر أنها لم تكن قبلةٌ يظهر أنّه وَّه إلى غير القبلة. وإن ظهر أنها كانت قبلة يظهر أنه صلّى إلى القبلة، فلا يحكم بالجواز في الابتداء بالشك والاحتمال، بل يحكم بالفساد بناء على الأصل، وهو العدم بحكم استصحاب الحال، فإذا تبيّن أنه صلّى إلى القبلة بطل الحكم باستصحاب الحال، وثبّت الجواز من الأصل. وأما إذا ظهر(١) في وسط الصلاة روي عن أبي يوسف: أنه يبني على صلاته؛ لما قلنا. وفي ظاهر الرواية يستقبل؛ لأن شروعه في الصلاة بناء على الشك، ومتى ظهرت القبلة - إما بالتحري أو / بالسؤال من غيره - صارت حالته هذه أقوى من الحالة الأولى، ولو ظهرت في ٥٨ب الابتداء لا تجوز صلاته إلا إلى هذه الجهة؛ فكذا إذا ظهرت في وسط الصلاة، وصار كالمومىء إذا قدر على القيام في وسط الصلاة؛ أنه يستقبل لما ذكرنا، كذا هذا. وأما إذا تحرّى(٢)، ووقع تحرّيه إلى جهة فصلّى إلى جهة أخرى من غير تحر: فإن أخطأ لا تجزيه بالإجماع، وإن أصاب فكذلك في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف: أنه يجوز. ووجهه: أن المقصود من التحري هو الإصابة، وقد حصل هذا المقصود فيحكم بالجواز، كما إذا تحرّى في الأواني فتوضّأ بغير ما وقع عليه التحرّي، ثم تبيّن أنه أصاب - یجزیه؛ كذا هذا. وجه ((ظاهر الرواية)): أن القبلة حالة الاشتباه: هي الجهة التي مال إليها المتحري، فإذا ترك الإقبال إليها فقد أعرض عما هو قبلته مع القدرة عليه - فلا يجوز، كمن ترك التوجه إلى المحاريب المنصوبة مع القدرة عليه، بخلاف الأواني؛ لأن الشرط هو التوضؤ بالماء الطاهر حقيقة وقد وجد. فأما إذا صلّى(٣) إلى جهة من الجهات بالتحرِّي ثم ظهر خطؤه: فإن كان قبل الفراغ من الصلاة استدار إلى القبلة (وأتم الصلاة)(٤)؛ ((لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمّا بَلَغَهُمْ فَسْخُ القِبْلَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ، وَأَتَمُوا صَلاَتَهُمْ، وَلَّمْ يَأْمُرُهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بالإعادة)»(٥) ولأن (١) في هامش ب: ظهر الخطأ في وسط الصلاة. (٢) في هامش ب: وقع تحريه في جهة فصلى إلى غيرها. (٣) في هامش ب: صلى إلى جهة بالتحري ثم ظهر خطؤة (٤) في ب: وأتم جاز. (٥) أخرجه البخاري (٥٩٨/١) كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان حديث (٣٩٩)، و(٢٠/٨ - ٢١) كتاب التفسير: باب (سيقول السفهاء من الناس حديث (٤٤٨٦) والترمذي (١٩١/٥) كتاب التفسير: باب ومن سورة البقرة حديث (٢٩١٢). ٥٥٢ كتاب الصلاة الصلاة المؤداة إلى جهة التحري مؤداة إلى القبلة؛ لأنها [هي] (١) القبلة حال الاشتباه؛ فلا معنى لوجوب الاستقبال، ولأن تبدل الرأي في معنى انتساخ النص، وذلك(٢) لا يوجب بطلان العمل بالمنسوخ في زمان ما قبل النسخ؛ كذا هذا. وإن كان بعد الفراغ من الصلاة [فإن ظهر أنه صلّى يمنة أو يسرة يجزيه، ولا يلزمه الإعادة بلا خلاف](٣) وإن ظهر أنه صلّى مستدبر الكعبة يجزيه عندنا. وعند الشافعي: لا يجزيه، وعلى هذا إذا اشتبهت القبلة على قوم، فتحرُّوا وصلُوا بجماعة - جازت صلاة الكل عندنا، إِلاَّ صلاة من تقدّم [على](٤) إمامه، أو علم بمخالفته إياه . وجه قول الشافعي: أنه صلّى إلى القبلة بالاجتهاد، وقد ظهر خطؤه بيقين - فيبطل، كما إذا تحرّى وصلّى في ثوب(٥) - على ظن أنه طاهر - ثم تبيّن أنه نجس؛ أنه لا يجزيه وتلزمه الإعادة؛ كذا ههنا. ولنا: أن قبلته حال (٦) الاشتباه: هي الجهة التي تحرّی إلیھا، وقد صلّی إلیھا - فتجزيه، كما إذا صلّى إلى المحاريب المنصوبة. والدليل على أن قبلته هي جهة التحرّي: النص، والمعقول. أما النص فقوله تعالى: ﴿فأينما تولُّوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] قيل في بعض وجوه التأويل: ثمة قبلة الله. وقيل: ثمة رضاء الله. وقيل: ثمة وجه الله الذي وجهكم إليه؛ إذ لم يجىء (٧) منكم التقصير في طلب القبلة(٨). وأضاف التوجه (٩) إلى نفسه؛ لأنهم وقعوا في ذلك بفعل الله تعالى [من غير](١٠) تقصير كان منهم في الطلب، ونظيره قول النبيِّ وَّ لِمَنْ أَكَلَ نَاسِياً لِصَوْمِهِ (تِمَّ عَلَى صَوْمِكَ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَكَ الله وَسَقَاكَ))(١١) وإن وجد الأكل من الصائم (١) سقط في ب. (٢) في ط : وذا. (٣) سقط في ب. (٤) سقط في ب. (٥) في ب: ثوب واحد (٦) في أ: حاله . (٧) في ب: يج. (٨) في أ: الكعبة. (٩) في ب: التوجيه . (١٠) في ط: بغير. (١١) أخرجه البخاري (١٥٥/٤) كتاب الصوم: باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً حديث (١٩٣٣) ومسلم (٢/ ٨٠٩) كتاب الصيام: باب أكل الناس وشربه وجماعة لا يفطر حديث (١١٥٥/١٧١) وأبو داود (٢/ ٧٩٠٧٨٩) كتاب الصوم: باب من أكل ناسياً حديث (٢٣٩٨) والترمذي (١١٢/٢) كتاب الصيام: باب ما = ٥٥٣ كتاب الصلاة حقيقة، لكن لما لم يكن قاصداً فيه - أضاف فعله إلى الله - تعالى - وَصَيّرَهُ معذوراً كأنه لم يأكل، كذلك ههنا إذا كان توجّهه إلى هذه الجهة من غير قصد منه؛ حيث أتى بجميع ما في وسعه وإمكانه أضاف الرب - سبحانه وتعالى - وذلك إلى ذاته، وجعله معذوراً كأنه توجّه إلى [القبلة](١) . وأما المعقول: فما ذكرنا: أنه لا سبيل [له] (٢) إلى إصابة عين الكعبة، ولا إلى إصابة جهتها في هذه الحالة؛ لعدم الدلائل الموصلة إليها، والكلام فيه والتكليف بالصلاة متوجه (٣) وتكليف ما لا يحتمله الوسع ممتنع، وليس في وسعه إلا الصلاة إلى جهة التحري - فتعيّنت هذه قبلة له شرعاً في هذه الحالة، فنزلت هذه الجهة حالة العجز منزلة عين الكعبة، والمحراب حالة القدرة، وإنما عرف التحري شرطاً نصاً؛ بخلاف القياس لا لإصابة القبلة(٤)، وبه تبيّن أنه ما أخطأ قبلته؛ لأن قبلته جهة التحري، وقد صلّى إليها بخلاف مسألة الثوب؛ لأن الشرط هناك هو الصلاة بالثوب الطاهر حقيقة؛ لكنه أمر بإصابته بالتحري، فإذا لم يصب انعدم الشرط فلم يجز. أما ههنا: فالشرط استقبال القبلة، وقبلته هذه في هذه الحالة وقد استقبلها، فهو الفرق. والله أعلم. جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسياً حديث (٧١٧) والدارمي (٣٤٦/١) وأحمد (٣٩٥/٢) والدارقطني = (١٧٨/٢) كتاب الصيام: باب الشهادة على رؤية الهلال (٢٧) وابن خزيمة (٢٣٨/٣) والبيهقي (٢٢٩/٤) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة به . وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الدارقطني: إسناد صحيح وكلهم ثقات. وأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٣٨٩) من طريق خلاس بن عمرو عن أبي هريرة به. وأخرجه البخاري (٥٥٨/١١) كتاب الإيمان والنذور: باب إذا حنث ناسياً في الإيمان حديث (٦٦٦٩) والترمذي (١١٢/٢) كتاب الصيام: باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسياً حديث (٧١٨) وابن ماجة (٥٣٥/١) كتاب الصيام: باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً حديث (١٦٧٣) وأحمد (٣٩٥/٢) والدارقطني (٢/ ١٨٠) والبيهقي (٣٢٩/٤) من طريق محمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبي هريرة. وقال الترمذي : حسن صحيح. وقال الدارقطني : هذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن الجارود (٣٩٠) وأحمد (٤٨٩/٢) والدارقطني (١٧٩/٢) من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة. (١) في ب: الكعبة. (٢) سقط في أ، ب. (٣) في ب: مفتوحة. (٤) في أ: الكعبة. ٥٥٤ كتاب الصلاة ويخرج على ما ذكرنا: الصلاة(١) بمكة خارج الكعبة، [أنه](٢) إن كان في حال مشاهدة الكعبة لا تجوز صلاته إلا إلى عين الكعبة؛ لأن قبلته حالة المشاهدة عين الكعبة بالنص، ويجوز إلى أي الجهات من الكعبة شاء، بعد أن كان مستقبلاً لجزء منها؛ لوجود تولية الوجه شطر الكعبة فإن صلّى منحرفاً عن الكعبة غير مواجة لشيء منها - لم يجز؛ لأنه ترك التوجه إلى ٥٩أ قبلته مع القدرة عليه، وشرائط الصلاة/ لا تسقط من غير عذر. ثم إن صلُّوا(٣) بجماعة: لا يخلو إما أن صلُّوا متحلّقين حول الكعبة صفاً بعد صف، وإما أن صلُّوا إلى جهة واحدة منها مصطفين، فإن صلُّوا إلى جهة واحدة [مصطفين](٤) جازت صلاتهم، إذا كان كل واحدٍ منهم مستقبلاً جزءاً من الكعبة، ولا يجوز لهم أن يصطفُّوا زيادة على حائط الكعبة، ولو فعلوا ذلك لا تجوز صلاة من جاور(٥) الحائط؛ لأن الواجب حالة المشاهدة استقبال عينها، وإن صلوا حول الكعبة متحلقين جاز؛ لأن الصلاة بمكة تؤدي هكذا من لدن رسول الله وَلولي إلى يومنا هذا، والأفضل للإمام: أن يقف في مقام إبراهيم - صلوات الله عليه - ثم صلاة الكل جائزة، سواء كانوا أقرب إلى الكعبة من الإمام، أو أبعد، إلا صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من الإمام في الجهة التي يصلي الإمام إليها: بأن كان متقدماً على الإمام بحذائه - فيكون ظهره إلى وجه الإمام، أو كان على يمين الإمام أو يساره متقدماً عليه من تلك الجهة، ويكون ظهره إلى الصف الذي مع الإمام، ووجهه إلى الكعبة؛ لأنه إذا كان متقدماً على إمامه لا يكون تابعاً له؛ فلا يصح اقتداؤه به؛ بخلاف ما إذا كان أقرب إلى الكعبة من الإمام، من غير الجهة التي يصلي إليها الإمام؛ لأنه في حكم المقابل للإمام، والمقابل لغيره يصلح أن يكون تابعاً له؛ بخلاف المتقدّم عليه. وعلى هذا إذا قامت (٦) امرأة بجنب الإمام، في الجهة التي يصلي إليها الإمام، ونوى الإمام إمامتها (٧) - فسدت صلاة الإمام؛ لوجود المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة، وفسدت صلاة القوم بفساد صلاة الإمام، ولو قامت في الصف في غير جهة الإمام لا تفسد صلاة الإمام؛ لأنها في الحكم كأنها خلف الإمام، وفسدت صلاة من على يمينها ويسارها ومن كان (١) في هامش ب: بيان الصلاة في مكة. (٢) سقط في ب. (٣) في هامش ب: الصلاة بجماعة حول الكعبة. (٤) سقط في ط. (٥) في ب: تجاوز. (٦) في هامش ب: قامت امرأة بجنب الإمام (٧) في أ: إقامتها. ٥٥٥ كتاب الصلاة خلفها على ما يذكر في موضعه. ولو كانت الكعبة منهدمة، فتحلق الناس حول أرض الكعبة وصلوا هكذا، أو صلّى منفرداً متوجهاً إلى جزء منها - جاز. وقال الشافعي: لا يجوز إلا إذا كان بين يديه سترة. وجه قوله: أن الواجب استقبال البيت، والبيت اسم للبقعة والبناء جميعاً، إلا إذا كان بين يديه سترة؛ لأنها من توابع البيت، فيكون مستقبلاً لجزء من البيت معنى. ولنا: إجماع الأمة، فإن الناس كانوا يصلُّون إلى البقعة، حين رفع البناء في عهد ابن الزبير [حتى](١) بنى البيت على قواعد الخليل - صلوات الله عليه - وفي عهد الحجاج حين أعاده إلى ما كان عليه في الجاهلية، وكانت صلاتهم مقضية بالجواز، وبه تبيّن أن الكعبة اسم للبقعة، سواءً كان ثمة بناء أو لم يكن، وقد وجد التوجّه إليها، إلا أنه يكره ترك اتخاذ السترة، لما فيه من استقبال الصورة وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهِ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ (٢). وروي: أنه لما رفع البناء في عهد ابن الزبير، أمر ابن عباس بتعليق الأنطاع(٣) في تلك البقعة، ليكون ذلك بمنزلة السترة لهم، وعلى هذا إذا صلّى (٤) على سطح(٥) الكعبة جازت صلاته عندنا، وإن لم یکن بین یدیه سترة. وعند الشافعي: لا تجزيه(٦) بدون السترة، والصحيح قولنا؛ لما ذكرنا أن الكعبة اسم للعرصة، ولأن البناء لا حرمة له لنفسه؛ بدليل أنه لو نقل إلى عرصة أخرى وصلّى إليها - لا يجوز، بل كانت حرمته لاتصاله بالعرصة المحترمة. والدليل عليه: أن من صلّى على جبل أبي قبيس (٧) جازت صلاته بالإجماع، ومعلوم أنه لا يصلي إلى البناء، بل إلى الهواء؛ دلّ أن العبرة للعرصة والهواء دون البناء. هذا إذا صلوا (١) في ط: حين. (٢) تقدم. (٣) بساط: من الجلد كثيراً ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل؛ يقال: عليَّ بالسيف والنِّطْع، وكسا بَيْتَ الله بالأنطاع. ينظر: المعجم الوسيط (٩٣٠/٢). (٤) في هامش ب: صلى على سطح الكعبة. (٥) في ط: ظهر. (٦) في أ: لا تجوز. (٧) جبل أبو قبيس جبل مشرف على مكة. ينظر مراصد الاطلاع (١٠٦٦/٣). ٥٥٦ کتاب الصلاة خارج الكعبة، فأما إذا صلُّوا (١) في جوف الكعبة: فالصلاة في جوف الكعبة جائزة عند عامة العلماء، نافلة كانت أو مكتوبة. وقال مالك: لا يجوز أداء المكتوبة في جوف الكعبة. وجه قوله: أن المصلي في (جوف) الكعبة؛ إن كان مستقبلاً جهة كان مستدبراً جهة أخرى، والصلاة مع استدبار القبلة لا تجوز؛ فأخذنا بالاحتياط في المكتوبات، فأما في التطوعات فالأمر فيها أوسع، وصار كالطواف في جوف الكعبة. ولنا: أن الواجب استقبال جزء من الكعبة(٢) غير عين، وإنما يتعيّن الجزء قبلة له بالشروع في الصلاة والتوجّه إليه. ومتى صارت قبلة فاستدبارها في الصلاة من غير ضرورة - يكون مفسداً، فأما الأجزاء التي لم يتوجّه إليها لم تصر قبلة في حقه - فاستدبارها لا يكون مفسداً. وعلى هذا: ينبغي أن من(٣) من صلى في جوف الكعبة ركعة إلى جهة، وركعة إلى جهة أخرى - لا تجوز صلاته؛ لأنه صار مستدبراً عن الجهة التي صارت قبلة في حقه بيقين من غير ضرورة، [والانحراف من غير ضرورة] (٤) مفسد للصلاة؛ بخلاف النائي عن الكعبة، إذا ٥٩ب صلّى بالتحري إلى الجهات الأربع؛ بأن صلّى ركعة/ [إلى جهة](6) ثم تحوّل رأيه إلى جهة أخرى فصلّى ركعة إليها هكذا أجاز؛ لأن هناك لم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين؛ لأن الجهة التي تحرّى إليها ما صارت قبلة له بقين؛ بل بطريق الاجتهاد. فحين تحوّل رأيه إلى جهة أخرى صارت قبلته هذه الجهة في المستقبل، ولم يبطل ما أدى بالاجتهاد الأول؛ لأن ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله؛ فصار مصلياً في الأحوال كلها إلى القبلة، فلم يوجد الانحراف عن(٦) القبلة بيقين، فهو الفرق. ثم لا يخلو إما أن صلوا (٧) في جوف الكعبة متحلقين، أو مصطفين خلف الإمام، فإن صلُّوا بجماعة متحلّقين جازت صلاة الإمام، وصلاة من وجهه إلى ظهر - الإمام، أو إلى يمين الإمام، أو إلى يساره، أو ظهره إلى ظهر الإمام، وكذا صلاة من وجهه إلى وجه الإمام (١) في هامش ب: الصلاة في جوف الكعبة. (٢) في ب: جهة من القبلة . (٣) في هامش ب: صلى في جوف الكعبة ركعة لجهة وركعة لجهة أُخرى لا يجوز. (٤) سقط في ب. (٥) سقط في ب. (٦) في ب: إلى. (٧) في هامش ب: صلوا متحلقين في جوف الكعبة خلف الإمام. ٥٥٧ كتاب الصلاة [أيضاً](١) إلا أنه يكره؛ لما فيه من استقبال الصورة؛ فينبغي [له](٢) أن يجعل بينه وبين الإمام سترة . وأما صلاة من كان متقدماً على الإمام، وظهره إلى وجه الإمام، وصلاة من كان مستقبلاً جهة الإمام، وهو أقرب إلى الحائط من الإمام - فلا تجوز لما بينا. وهذا بخلاف جماعة تحرُّوا في ليلة مظلمة واقتدوا بالإمام؛ حيث لا تجوز صلاة من علم أنه مخالف للإمام في جهته؛ لأن هناك اعتقد الخطأ في صلاة إمامه؛ لأن عنده: أن إمامه غير مستقبل للقبلة فلم يصح اقتداؤه به. أما ههنا: فما أعتقد الخطأ في صلاة إمامه؛ لأن كل جانب من جوانب الكعبة قبلة بيقين، فصح اقتداؤه به، فهو الفرق. وإن صلُّوا(٣) مصطفين خلف الإمام إلى جهة الإمام: فلا شك أن صلاتهم جائزة، وكذا إذا كان وجه بعضهم إلى ظهر الإمام وظهر بعضهم(٤) إلى ظهره؛ لوجود استقبال القبلة والمتابعة؛ لأنهم خلف الإمام لا أمامه(٥)، ولهذا قلنا: إن الإمام إذا نوى إمامة النساء، فقامت امرأة بحذائه مقابلة [له] (٦) لا تفسد صلاة الإمام؛ لأنها في الحكم كأنها خلف الإمام، وتفسد صلاة من كان (عن)(٧) يمينها ويسارها وخلفها في الجهة التي هي فيها. واختلفت الرواية في أن النبيَّ ◌َ ◌ِّ هل صَلَّ فِي الكَعْبَةُ حِينَ دَخَلَهَا؟ رَوَى أسامةُ بْنُ زَيْدٍ (٨): (١) سقط في ط . (٢) سقط في ط. (٣) في هامش ب: صلوا مصطفين خلف الإمام في جوف الكعبة. (٤) في أ، ب: البعض. (٥) في ب: قبله. (٦) سقط في ب. (٧) في ب: علي. (٨) أسامة بن زيد بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر أبو يزيد، أبو خارجة، أبو محمد، أبو زيد، الحسب بن الحسب الكلبي. أمه: أم أيمن حاضته النبي وَ ل9. ولد في الاسلام ومناقبه كثيرة وأحاديثه شهيرة وكان سكن المزة من عمل دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف. روى ابن عمر أن النبي وَلير قال: ((إن أسامة بن زيد لأحب إليّ أو من أحب الناس إليّ وأنا أرجو أن یکون من صالحیکم فاستوصوا به خیراً». توفي: قيل توفي في آخر خلافة معاوية وقيل مات سنة (٥٤). ٥٥٨ كتاب الصلاة (أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهَا))(١) وروى ابْنُ عُمَرَ: (أَنَّهُ صَلَّى فِيهَا رِكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ المُتَقَدْمَتَيْنِ)). ومنها: (٢) الوقت؛ لأن الوقت كما هو سبب لوجوب الصلاة فهو شرط لأدائها، قال الله - تعالى -: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضاً مؤقتاً؛ حتى لا يجوز أداء الفرض قبل وقته، إلا صلاة العصر (٣) يوم عرفة على ما يذكر. والكلام فيه يقع في ثلاث مواضع: في بيان أصل أوقات الصلوات المفروضة، وفي بيان حدودها بأوائلها وأواخرها، وفي بيان الأوقات المستحبة منها، وفي بيان الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة . أما الأول: فأصل أوقاتها عرف بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسُّون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧ و ١٨] وقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾ [هود: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله تعالى: ﴿فسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار﴾ [طه: ١٣٠] فهذه الآيات [كلها](٤) تشتمل على بيان فرضية هذه الصلوات؛ وبيان أصل أوقاتها لما بينًا فيما تقدّم. والله أعلم. وأما بيان حدودها بأوائلها وأواخرها: فإنما عرف بالأخبار، أما الفجر: (٥) فأول وقت صلاة الفجر: حين يطلع الفجر الثاني وآخره: حين تطلع الشمس؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاَ وآخِراً؛ وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٧٩/١)، الإصابة (٢٩/١)، الاستيعاب (٧٥/١)، الاستبصار (٣٤)، = الكاشف (١٠٤/١)، صفة الصفوة (٥٢١/١)، بقي بن مخلد (٣٣)، تجريد أسماء الصحابة (١٣/١)، التاريخ الكبير (٢٠/٢)، التاريخ لابن معين (٢٢/٣)، العقد الثمين (٢٨٥/١)، الوافي بالوفيات (٨) ٣٧٣)، التحفة اللطيفة (٢٨٠/١)، شذرات الذهب (٤٥/١)، سير أعلام النبلاء (٤٩٦/٢)، الجرح والتعديل (١٠٢٠/٢)، البداية والنهاية (٦٧/٨)، معجم الثقات (٢٣٨)، تهذيب الكمال (٧٦/١)، تقريب التهذيب (٥٣/١)، تهذيب التهذيب (٢٠٨/١)، المعرفة والتاريخ (٢٢١/١، ٣٠٠). (١) أخرجه البخاري (٥٥٩/١): كتاب الصلاة: باب الأبواب، والغلق للكعبة، والمساجد، الحديث (٤٦٨)، وأخرجه مسلم (٢/ ٩٦٧): كتاب الحج: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، الحديث (٣٩١/ ١٣٢٩). (٢) في هامش ب: من شروط الصلاة الوقت. (٣) سقط في ب. (٤) سقط في ط. (٥) في هامش ب: بيان أول وقت الفجر. ٥٥٩ كتاب الصلاة يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْس))(١) والتقييد (بالفجر الثاني)(٢) لأن [الفجر فجران](٣) الفجر الأول هو البياض(٤) المستطيل يبدو في ناحية من السماء، وهو المسمى بـ(ذنب السرحان)»(٥) عند العرب ثم ينكتم؛ ولهذا يسمى فجراً كاذباً؛ لأنه يبدو نوره ثم يخلف ويعقبه الظلام، وهذا الفجر لا يحرم به الطعام والشراب على الصائمين، ولا يخرج به وقت العشاء، ولا يدخل به وقت صلاة الفجر. والفجر الثاني: وهو المستطير المعترض في الأفق، لا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس، يسمى هذا: فجراً صادقاً؛ لأنه إذا بدا نوره وينتشر في الأفق ولا يخلف (٦)، وهذا الفجر يحرم به الطعام والشراب على الصائم، ويخرج به وقت العشاء، ويدخل [به](٧) وقت صلاة الفجر، وهكذا روي عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ أَنَّهُ قَالَ: ((الفَجْرُ فَجْرَانٌ مُسْتَطِيلٌ يَحِلُّ بِهِ الطَّعَامُ وَتُحْرُمُ فِيهِ الصَّلاَةُ، وَفَجْرٌ مُسْتَطِيرٌ: يَخْرُمُ بِهِ الطَّعَامُ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلاةُ)) (٨) وبه تبيّن: أن المراد من الفجر المذكور في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: (١) أخرجه الترمذي (٢٨٣/١) أبواب الصلاة (١٥١) وأحمد في المسند (٢٣٢/٢) والبيهقي في السنن (١/ ٣٧١) والطحاوي في معاني الآثار (١٤٩/١) وابن عبد البر في التمهيد (٨٧/٨) وابن أبي شيبة في المصنف (٣١٧/١) وذكره الزيلعي في نصب الراية (٢٣١/١) وقال: رواه الدارقطني، وقال: إنه لا يصح مسنداً، وهم فيه ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلاً، وهو أصح، انتهى. قال ابن الجوزي: في ((التحقيق)) وابن فضيل ثقة يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلاً، وسمعه من أبي صالح مسنداً، انتهى. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)): سألت أبي عن حديث محمد بن فضيل هذا، فقال: وَهم فيه ابن فضيل، إنما يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد قوله، وقال ابن القطان في ((كتاب)): ولا يبعد أن يكون عند الأعمش في هذا طريقان: إحداهما: مرسلة، والأخرى: مرفوعة، والذي رفعه صدوق من أهل العلم، وثقه ابن معين، وهو محمد بن فضيل، انتهى. (٢) في أ: بالثاني. (٣) سقط في ط. (٤) في أ: الفجر. (٥) الفجر الكاذب. ينظر المعجم الوسيط (٤٢٥/١). (٦) في أ: يختلف. (٧) سقط في ب. (٨) أخرجه ابن خزيمة (١٨٤/١) كتاب الصلاة باب ذكر بيان الفجر (٣٥٦) والحاكم في المستدرك (١١/ ١٩١) كتاب الصلاة وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين في عدالة الرواة ولم يخرجاه وأقره الذهب والبيهقي في السنن (١ /٤٥٧) كتاب الصلاة من حديث ابن عباس مرفوعاً وأخرجه الدارقطني من طريق آخر (٢٦٨/١) كتاب الصلاة باب ما روي في صفة الصبح والشفق (١) وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٧/٣) والخطيب في التاريخ (٥٨/٣). ٥٦٠ كتاب الصلاة ((هو الفجر الثاني لا الأول. وروي عن النبي ◌َّل﴿ أنه قَالَ: ((لاَ يُغْرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ(١) وَلاَ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ))، [لْكِنَّ الفَجْرَ المُسْتَطِيرُ فِي الأَفْقِ](٢)، وروي: ((لاَ يُغُرَّنْكُمُ الْفَجْرُ المُسْتَطِيلُ))(٣) وَلْكِنْ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَطْلَعُ الفَجْرُ المَسْتَطِيرِ(٤) أي: المنتشر في الأفق، وقال: ((الفَجْرُ هُكَذَا)) وَمَذَّ يَدَهُ عَرَضاً ((لاَ هُكَذَ)) وَمَّدَّ يَدُهُ طُولاً ولأنَ المستطيل ليلٌ في الحقيقة؛ لتعقُّب الظلام إياه. وروي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((وَقْتُ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ))(٥) وروي عنه وََّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةٌ مِنَ الفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)»(٦) فدلّ الحديثان - أيضاً - على أن آخر وقت الفجر حين تطلع الشمس. (١) بلال بن رياح، هو بلال بن حمامة، أبو عبد الرحمن، الحبشي، مؤذن النبي. قال ابن حجر، اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه فلزم النبي وأذن له وشهد معه جميع المشاهد وآخى النبي بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح ثم خرج بلال بعد النبي مجاهداً توفي بالشام. ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٢٤٣/١)، الإصابة (١٧٠/١)، الاستيعاب (١٧٨/١)، تجريد أسماء الصحابة (٥٦/١)، التاريخ الكبير (١٠٦/٢)، الجرح والتعديل (٣٩٥/٢)، الثقات (٢٨/٣)، تهذيب الكمال (١٤٠/١)، تهذيب التهذيب (٥٠٢/١)، العبر (٢٤/١)، تقريب التهذيب (١١٠/١)، التحفة اللطيفة (٣٨٢/١)، الحلية (١٤٧/١). (٢) أخرجه مسلم (٢/ ٧٧٠): كتاب الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر الخ ... ، حديث (١٠٩٤/٤٣)، وأبو داود (٧٥٩/٢): كتاب الصوم: باب وقت السحور، حديث (٢٣٤٦)، والترمذي (١٠٥/٢): كتاب الصوم: باب ما جاء ففي بيان الفجر الحديث (٧٠١)، والنسائي (١٤٨/٤): كتاب الصيام: باب كيف الفجر، وأحمد (١٨/٥)، والدارقطني (١٦٧/٢): كتاب الصيام: باب في قوت السحر، حديث (٩)، والبيهقي (٢١٥/٤): كتاب الصيام: باب الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم، هن حديث سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله مَ لقر: ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى تستطير هكذا)). (٣) سقط في ب. (٤) تقدم. (٥) أخرجه مسلم (١ /٤٢٧): كتاب المساجد: باب أوقات الصلوات الخمس، الحديث (١٧٢)، والطيالسي ص (٢٩٧)، الحديث (٢٢٤٩)، وأحمد (٢١٠/٢)، وأبو داود (١٦٣/١): كتاب الصلاة: باب في المواقيت (٣٩٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٥٠): كتاب الصلاة: باب مواقيت الصلاة، والبيهقي (٣٦٦/١): كتاب الصلاة: باب آخر وقت الظهر، وأبو عوانة (٣٧١/١)، وابن عبد البر في التمهيد (٧٤/٨)، من رواية قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َّو قال: ((وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس)). (٦) أخرجه مالك (١٠/١): كتاب وقوت الصلاة: باب من أدرك ركعة من الصلاة، الحديث (١٥)، وأحمد =