Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب الطهارة بالمسح؛ دفعاً للحرج؛ بخلاف الثوب، والحرج في الأرواث لا غير. وإنما سوى في رواية عن أبي يوسف بين الكل؛ لإطلاق ما روينا من الحديث، وكذا معنى الحرج لا يفصل بين الرطب واليابس. ولو أصابه (١) الماء بعد الحت والمسح - يعود نجساً، هو الصحيح من الرواية؛ لأن شيئاً من النجاسة قائم، لأن المحل إذا تشرّب فيه النجس، وأنه لا يحتمل العصر - لا يطهر عند محمد أبداً. وعند أبي يوسف: ينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفّف في كل مرة، إلاَّ أن معظم النجاسة قد زال، فجعل القليل عفواً في حق جواز الصلاة؛ للضرورة، لا أن يطهّر المحل حقيقة، فإذا وصل إليه الماء - فهذا ماء قليل جاوره قليل نجاسة فينجسه. وأطلق الكرخي: أنه إذا حت طهّر، وتأويله في حق جواز الصلاة والله أعلم. ولو أصابت(٢) النجاسة شيئاً صُلْباً صقيلاً، كالسيف والمرآة ونحوهما - يطهّر بالحت؛ رطبةً كانت أو يابسة؛ لأنه لا يتخلّل في أجزائه شيء من النجاسة؛ وظاهره يطهر بالمسح والحت . وقيل: إن كانت رطبة لاَ تَزُولُ إِلاَّ بالغسل، ولو أصابت(٣) النجاسة الأرض فجفّت وذهب أثرها - تجوز الصلاة عليها عندنا. وعند زفر: لا تجوز؛ وبه أخذ الشافعي. ولو تيمم بهذا التراب - لا يجوز في ظاهر الرواية، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم. ولنا طريقان: أحدهما: أن الأرض لم تطهّر حقيقة، لكن زال معظم النجاسة عنها، وبقي شيء قليل، فيجعل عفواً؛ للضرورة، فعلى هذا: إذا أصابها الماء - تعود نجسة؛ لما بينا. والثاني: أن الأرض طهّرت حقيقة؛ لأن من طبع الأرض: أنها تحيل الأشياء وتغيّرها إلى طبعها؛ فصارت تراباً بمرور الزمان، ولم يبق نجس أصلاً، فعلى هذا: إن أصابها لا تعود نجسة . وقيل: إن الطريق الأول: يوسف، والثاني: لمحمد، بناء على أن النجاسة إذا تغيّرت بمضي الزمان وتبدّلت أوصافها - تصير شيئاً آخر. عند محمد؛ فيكون طاهراً. وعند أبي يوسف: لا يصير شيئاً آخر؛ فيكون نجساً، وعلى هذا الأصل مسائل بينهما. (١) في هامش ب: أصابه الماء بعد الحث والمسح. (٢) في هامش ب: أصابت النجاسة السيف والمرآة. (٣) في هامش ب: أصابت النجاسة الأرض فجفّت وذهب أثرها. ٤٤٢ كتاب الطهارة منها الكلب: إذا وقع في الملاحة والجمد، والعذرة: إذا أحرقت(١) بالنار وصارت رماداً، وطين البالوعة: إذا جفّ وذهب أثره، والنجاسة: إذا دفنت في الأرض وذهب أثرها بمرور الزمان . وجه(٢) قول أبي يوسف: أن أجزاء النجاسة قائمة؛ فلا تثبت الطهارة مع بقاء العين النجسة، والقياس في الخمر إذا [تخللت](٣) أَلاَّ يطاهر، لكن عرفناه نصاً بخلاف القياس؛ بخلاف جلد الميتة، فإن عيّن الجلد طاهرة، وإنما النجس: ما عليه من الرطوبات، وأنها تزول بالدباغ . وجه قول محمَّد: أن النجاسة لَمَّا استحالَتْ وتبدَّلَتْ أوصافها ومعانيها - خرجت عن كونها نجاسة؛ لأنها اسم لذات موصوفة؛ فتنعدم بانعدام الوصف، وصارت كالخمر إذا تخللت . ومنها: الدباغ للجلود النجسة فالدباغ (٤) تطهير(٥) للجلود كلها إِلاَّ جلد الانسان والخنزير؛ كذا ذكر الكرخي. وقال مالك: إن جلد الميتة لا يطهّر بالدباغ، لكن يجوز استعماله في الجامد لا في المائع؛ بأن يجعل جراباً للحبوب دون الزق للماء والسمن والدبس. وقال عامة أصحاب الحديث: لا يطهّر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه. وقال الشافعي كما قلنا إلاَّ في جلد الكلب؛ لأنه نجس العين - عنده - كالخنزير. وكذا روي عن الحسن بن زياد. واحتجُوا بما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ أنه قال: ((لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ))(٦) (١) في ب: احترقت. (٢) في ب: وجه القياس. (٣) في ط : تخلل. في هامش ب: الدباغ يطهر الجلد إلا جلد الآدمي والخنزير. (٤) (٥) في ب: مطهّر. (٦) أخرجه الشافعي في ((سنن حرملة)) كما في ((تلخيص الحبير)) (٤٦/١)، وأحمد (٣١٠/٤-٣١١)، والبخاري في ((التاريخ الكبير» (١٦٧/٧)، وأبو داود (٣٧٠/٤-٣٧١): كتاب اللباس: باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، الحديث (٤١٢٧) و(٤١٢٨)، والترمذي (٢٢٢/٤): كتاب اللباس: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، الحديث (١٧٢٩)، والنسائي (١٧٥/٧): كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يدبغ به جلود الميتة، وابن ماجه (١١٩٤/٢): كتاب اللباس: باب من قال لا ينتفع من الميتة لا بإهاب ولا عصب، الحديث (٣٦١٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٨/١): كتاب الصلاة: باب دباغ الميتة، والبيهقي (١٤/١): كتاب الطهارة: باب في حبل الميتة. = ٤٤٣ كتاب الطهارة واسم الإهاب(١) يعمّ الكل إلا فيما قام الدليل على تخصصه ولنا ما روي عن النبي وَلَّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبْغَ، فَقَدْ طَهُرَ))(٢) كالخمر تخلل فتحل. وعزاه الحافظ في ((التلخيص)) (٤٧/١) أيضاً للدارقطني، وابن حبان، ورواه ابن شاهين في الناسخ = والمنسوخ (ص - ١١٣ بتحقيقنا) من حديث عبد الله بن عكيم قال: ((قرىء علينا كتاب رسول الله وَالقر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). وعند بعضهم: ((قبل موته بشهر)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ويروي عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم أنه قال: أتانا كتاب النبي ◌َّ قبل وفاته بشهرين قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي وَلقر ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث يروي بعضهم فقال عند عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم من جهينة. قال ابن حجر في («التلخيص)» (٤٧/١): وقال الخلال: لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف فيه. وقال: ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال: وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي ◌َلّر والإنقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم والإضطراب في سنده فإنه تارة عن كتاب النبي ◌ّله وتارة عن مشيخة من جهينة وتارة عن من قرأ الكتاب والإضطراب في المتن فرواه الأكثر من غير تقييد ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدالة على الدباغ أصح. أ.هـ. وفي الباب عن ابن عمر وجابر: قال ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (ص - ١١٥ - بتحقيقنا): وقد روى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، عن رسول الله وَّل بمثل ما كتب به النبي ◌َّه إلى أرض جهينة أ. هـ. - حديث ابن عمر فأخرجه ابن شاهين (رقم ١٥٢) بلفظ: نهى رسول الله ◌ّ ر أن ينتفع من الميتة بعصب أو إهاب. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٨/١): وفيه عدي بن الفضل وهو ضعيف. حديث جابر: أخرجه ابن شاهين (١٥٣) من طريق زمغة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله وَلير: ((لا ينتفع من الميتة بشيء)». وذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٤٨/١) وعزاه إلى ابن وهب في ((مسنده))، وقال: وزمعة ضعيف ورواه أبو بكر الشافعي من طريق أخرى قال الشيخ الموفق إسناده حسن. (١) الإهاب: الجلد المغلف لجسم الحيوان قبل أن يدبغ، ينظر المعجم الوسيط (٣١/١). (٢) أخرجه مالك (٤٩٨/٢): كتاب الصيد: باب ما جاء في جلود الميتة، الحديث (١٧)، والشافعي في ((المسند)) (١/ ٢٦): كتاب الطهارة الباب الثالث في الآية والدباغ، الحديث (٥٨). وأحمد (٢١٩/١)، والدارمي (٨٦/٢): كتاب الأضاحي: باب الاستمتاع بجلود الميتة، ومسلم (١/ ٢٧٧): كتاب الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، الحديث (٣٦٦/١٠٥)، وأبو داود (٤/ ٣٦٧): كتاب اللباس: باب في أهب الميتة، الحديث (٤١٢٣)، والترمذي (٢٢١/٤): كتاب اللباس: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت الحديث (١٧٢٨) والنسائي (٧) ١٧٣): كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة، وابن ماجه (١١٩٣/٢): كتاب اللباس: باب لبس جلود الميتة، إذا دبغت، الحديث (٣٦٠٩)، وابن الجارود (ص: ٢٩٥): باب ما جاء في الأطعمة، الحديث (٨٧٤)، = ٤٤٤ كتاب الطهارة وروي أن النبي ◌ََّ مَرَّ بِفَنَاءِ قَوْم فَأَسْتَسْقَاهُمْ، فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ مَاءٌ؟)) فَقَالَتْ أَمْرَأَةٌ: لاَ يَا رَسُولَ الله، إِلَّ فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ، فَقَّلَ وَلَ: ((أَسْتِ دَبْغْتِيَها؟!)) فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: دِبَاغُهَا ◌ُهُورُهَا(١)، ولأن نجاسة الميتات؛ لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة، وأنها تزول بالدباغ فتطهّر، كالثوب النجس إذا غسل؛ ولأن العادة جارية فيما بين المسلمين بلبس جلد الثعلب والفَنَكِ(٢) والسَّمُورِ (٣). ونحوها في الصلاة وغيرها من غير نكير؛ فدلّ على الطهارة، ولا حجة لهم في الحديث، لأن الإهاب في اللغة اسم لجلد لم يدبغ؛ كذا قاله الأصمعي. والله أعلم. ثم قول الكرخي: إلا جلد الإنسان والخنزير: جواب ظاهر قول أصحابنا. وروي عن أبي يوسف: أن الجلود كُلَّهَا تطهر بالدباغ؛ لعموم الحديث، والصحيح: أن جلد الخنزير لا يطهّر بالدباغ؛ لأن نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة؛ بل هو نجس ٤٢ ب العين؛ فكان وجود الدباغ في حقه، والعدم بمنزلة واحدة/ . وقيل: إن جلده لا يحتمل الدباغ؛ لأن له جلوداً مترادفة بعضها فوق بعض، كما للآدمي. وأما جلد الإنسان: فإن كان يحتمل الدباغ، وتندفع رطوبته بالدبغ - ينبغي أن يطهّر؛ لأنه ليس بنجس العين، لكن لا يجوز الانتفاع به؛ احتراماً له. والطحاوي (٤٦٩/١): كتاب الصلاة: باب دباغ الميتة وعنده لفظان: ((أيما إهاب دبغ فقط طهر))، = والطبراني في ((الصغير)) (٢٣٩/١)، والدارقطني (٤٦/١): كتاب الطهارة: باب الدباغ، الحديث (١٧)، والبيهقي (١/ ٢٠): كتاب الطهارة: باب اشتراط الدباغ في طهارة جلد ما لا يؤكل لحمه وإن ذكّى؛ وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (ص - ١١٧) والبغوي في شرح السنة (١/ ٣٩٢) من طرق عن ابن وعلة عن ابن عباس به، وله ألفاظ مختلفة. وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. (١) أخرجه أبو داود ٦٦/٤ كتاب اللباس باب في أهب الميتة (٤١٢٥) والنسائي ٧/ ١٧٤ كتاب الفرع (٤٢٥٤) وأحمد في المسند ٧/٥ والحاكم في المستدرك ١٤١/٤ وذكره الزيلعي في نصب الراية ١/ ١١٧ : وعزاه لابن حبان في صحيحه وأحمد وقال: قال: في ((الإمام)): وأعله الأثرم بجون، وحكى عن أحمد أنه قال: لا أدري من هو الجون بن قتادة، انتهى. ورواه الترمذي في ((علله الكبرى)) وقال: لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو، انتهى. (٢) الفنك: ضرب من الثعالب فزوتُه أجود أنواع الفراء وتسمى فراؤُه فنكاً أيضاً. ينظر المعجم الوسيط: (٧٠٣/٢). (٣) السمُّور: حيوان ثدييٍّ ليليٍّ من الفصيلة السمُورية من آكلات اللحوم، يتخذ من جلده فرو ثمين، ويقطن شمالي آسيا. ينظر المعجم الوسيط: (٤٤٨/١). ٤٤٥ إن)) عن محمد: أنه لا يطهّر بالدباغ. : أنه يطهّر: لأنه ليس بنجس العين. حكمي، فالحقيقي: هو أن يدبغ بشيء له قيمة، لحكمي: أن يدبغ بالتشميس(٢) والتتريب، والإلقاء كام، إلا في حكم واحد، وهو: أنه لو أصابه الماء اغ الحکمي - فیه روايتان: كالقرظ. في الريح. و بعد الدباغ الحقيقي وقال الشافعي : . ر الجلد إِلا بالدباغ الحقيقي، وأنه (٣) غير سديد؛ لأَنَّ الحكمي في إزالة الرطوبات، والعصمة عن النتن، والفساد بمضي الزمان - مثل الحقيقي، فلا معنى للفصل بينهما اش أعلم. فذبح طهير الذبيح، وجملة الكلام فيها: أن الحيوان إن كان مأكول اللحم إلا الدم المسفوح، وإن لم يكن مأكول اللَّخم: فما هو طاهر من فيها - كالشعر وأمثاله ـ يطهّر منه بالذكاة عندنا، وأما الأجزاء التي ـم، والجلد: فهل تطهّر بالذكاة؟ اتفق أصحابنا على أن جلده يطهّر هر. الميتـ فيها بالذى بم تفد حلاً؛ فلا تفيد طهراً، وهذا؛ لأن أثر الذكاة يظهر فيما وضع نحم، وفي غيره تبعاً، فإذا لم يظهر أثرها في الأصل - كيف يظهر مجوسي . له أ في يِّ وََّ أنه قال: ((دِبَاغُ الأَدِيمَ ذَكَاتُهُ)) (٦) ألحق الذكاة بالدباغ، ثم الجلد ذكاة؛ لأن الذكاة تشارك الدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات طهارة. وما ذكر من معنى التبعية فغير(٧) سديد. لأن طهارة الجلد النجسـ ما أن تناول اللحم حكم مقصود في اللحم(٨). وفعل المجوسي حكم / ر- في (١) في ب: ذكر. (٢) في ب: بالشمس. (٣) في ب: وهذا. (٤) في هامش ب: الذكاة في الحيوان. (٥) في أ، ب: من اللحم. (٦) أخرجه البيهقي في السنن ٢١/١ والدارقطني في السنن ٤٥/١ والطبراني في الكبير ٥٣/٧ وابن عبد البر في التمهيد ١٦٨/٤_١٦٩. (٧) في ب: فهو غير سديد. (٨) في ب: الجلد. ٤٤٦ كتاب الطهارة ليس بذكاة؛ لعدم أهلية الذكاة، فلا يفيد الطهارة؛ فتعيّن تطهيره بالدباغ(١). واختلفوا في طهارة اللحم والشحم: ذكر الكرخي فقال: كل حيوان يطهر بالدباغ - يطهر جلده بالذكاة. فهذا يدل على: أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه؛ لأن الحيوان اسم لجملة الأجزاء. وقال بعض مشايخنا و[بعض] (٢) مشايخ بلخ: إن كل حيوان يطهر جلده بالدباغ - يطهر جلده بالذكاة، فأما اللحم والشحم ونحوهما: فلا يطهر، والأول: أقرب إلى الصواب؛ لما مر أن النجاسة لمكان الدم المسفوح، وقد زال بالذكاة. ومنها: نزح(٣) ما وجب من الدلاء، أو نزح جميع الماء، بعد استخراج الواقع في البئر من الآدمي، أو غيره من الحيوان في تطهير البئر، عرفنا ذلك بالخبر وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا فيما تقدم. ثم إذا وجب نزح جميع الماء من البئر - فينبغي أن تسد [جميع] (٤) منابع الماء إن أمكن، ثم ينزح ما فيها من الماء النجس، وإن لم يمكن سد منابعه؛ لغلبة الماء : روي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه ينزح مائة دلو. وروي: مائتا دلو . وعن محمد: إنه ينزح مائتا دلو، أو ثلثمائة دلو. وعن أبي يوسف روايتان: في رواية: يحفر بجنبها حفيرة، مقدار عرض الماء وطوله وعمقه، ثم ينزح ماؤها، ويصب في الحفيرة حتى تمتلىء، فإذا امتلأت - حكم بِطَهَارَةِ البئر. وفي رواية: يرسل فيها قصبة، ويجعل لمبلغ الماء علامة، ثم ينزح منها عشر دلاء [مثلاً](٥)، ثم ينظر كم انتقص؟ فينزح بقدر ذلك، وإلا وفق في الباب ما روي عن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام: أنه يؤتى برجلين لهما بصارة في أمر الماء، فينزح بقولهما؛ لأن ما يعرف بالاجتهاد - يرجع فيه إلى أهلّ الاجتهاد في ذلك الباب. ثم اختلف في الدلو الذي ينزح به الماء النجس، قال بعضهم: المعتبر في كل بئر دلوها صغيراً كان أو كبيراً. (١) في هامش ب: الزكاة فيما لا يؤكل لا تطهّر لحمه وجلده. (٢) سقط في: ط . في هامش ب: نزح ما فيها. (٣) (٤) سقط في: أ، ب. (٥) سقط في أ، ب. ٤٤٧ كتاب الطهارة وروي عن أبي حنيفة: أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع. وقيل: المعتبر هو المتوسط بين الصغير والكبير. وأما حكم(١) طهارة الدلو والرشاة (٢). فقد روي عن أبي يوسف: أنه سئل عن الدلو الذي ينزح به الماء النجس من البئر؛ أيغسل أم لا؟ قال: لا، بل يطهره ما طهّر البئر. وكذا روي عن الحسن بن زياد أنه قال: إذا طهّرت البئر - يطهّر الدلو والرشاء كما يطهّر طين البئر وحماته؛ لأن نجاستهما بنجاسة البئر، وطهارتهما يكون بطهارة البئر - أيضاً - كالخمر إذا تخلّل في دن أنه يحكم بطهارة الدن. ومنها: تطهير الحوض الصغير إذا تنجّس، واختلف المشايخ فيه: فقال أبو بكر الأعمش: لا يطهّر حتى يدخل الماء فيه ويخرج منه؛ مثل ما كان فيه ثلاث مرات، فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثاً . وقال الفقيه أبو جعفر/ الهندواني: إذا دخل فيه الماء الطاهر، وخرج بعضه - يحكم ١٤٣ بطهارته، بعد ألاَّ تستبين فيه النجاسة؛ لأنه صار ماءً جارياً ولم يستيقن ببقاء النجس (٣) فيه؛ وبه أخذ الفقيه أبو الليث. وقيل: إذا خرج منه مقدار الماء النجس - يطهّر، كالبئر إذا تنجّست أنه يحكم(٤) بطهارتها بنزح ما فيها من الماء، وعلى هذا حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس. فصل في طريق التطهير بالغسل وأما طريق(٥) التطهير بالغسل: فلا خلاف في أن النجس يطهّر بالغسل في الماء الجاري، وكذا يطهّر بالغسل؛ بصب الماء عليه. واختلف في أنه: هل يطهّر بالغسل في الأواني، بأن غسل الثوب النجس أو البدن النجس في ثلاث إجانات؟ قال أبو حنيفة، ومحمد: يطهّر حتى يخرج من الإجانة الثالثة طاهراً. وقال أبو يوسف: لا يطهّر البدن، وإن غسل في إجانات كثيرة ما لم يصب عليه الماء، وفي الثوب عنه روايتان. (١) في هامش ب: حكم طهارة الدلو والرشاء. (٢) الرِّشاء: الحبل، أو حبل الدَّلو ونحوها. ينظر المعجم الوسيط: (٣٤٨/١). (٣) في ب: النجاسة . (٤) في هامش ب: يحكم بطهارتها إذا نزح ما فيها من الماء. (٥) في هامش ب: بيان التطهير بالغسل. ٤٤٨ كتاب الطهارة وجه قول أبي يوسف: أن القياس يأبى حصول الطهارة بالغسل بالماء أصلاً؛ لأن الماء متى لاقى النجاسة - تنجّس، سواء ورد الماء على النجاسة أو وردت النجاسة على (١) الماء، والتطهير بالنجس لا يتحقق، إِلاَّ أنا حكمنا بالطهارة؛ لحاجة الناس إلى تطهير الثياب، والأعضاء النجسة، والحاجة تندفع بالحكم بالطهارة عند ورود الماء على النجاسة، فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس، فعلى هذا لا يفرق بين البدن والثوب. ووجه الفرق له على الرواية الأخرى: أَنَّ في الثوب ضرورة؛ إذ كل من تنجّس ثوبه لا يجد من يصب الماء عليه، ولا يمكنه الصب عليه بنفسه وغسله، فترك القياس فيه لهذه الضرورة؛ دفعاً للحرج؛ ولهذا جرى العرف بغسل الثياب في الأواني ولا ضرورة في العضو؛ لأنه يمكنه غسله بصب الماء عليه فبقي على ما يقتضيه القياس. وجه قولهما: أن القياس متروك في الفصلين؛ لتحقق الضرورة في المحلين؛ إذ ليس كل من أصابت النجاسة بعض بدنه - يجد ماء جارياً، أو من يصب عليه الماء، وقد لا يتمكن من الصب بنفسه، وقد تصيب النجاسة موضعاً يتعذّر الصب عليه؛ فإن من دمى فمه أو أنفه لو صب عليه الماء - لوصل الماء النجس إلى جوفه أو يَعْلُوْ إلى دماغه، وفيه حرج بين، فتركنا القياس؛ لعموم الضرورة، مع أن ما ذكره(٢) من القياس غير صحيح؛ لما ذكرنا فيما تقدم: أن الماء لا ينجّس أصلاً: ما دام المحل النجس على ما مر بيانه. وعلى هذا: الخلاف إذا(٣) كان على يده نجاسة، فادخلها في جب من الماء، ثم في الثاني والثالث هكذا، ولو كان في الخوابي خل نجس، والمسألة بحالها عند أبي حنيفة: يخرج من الثالثة طاهراً؛ خلافاً لهما؛ بناء على أصل آخر، وهو: أن المائعات الطاهرة تزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن عند أبي حنيفة، والصب ليس بشرط، وعند محمد: لا تزيل أصلاً، وعند أبي يوسف: تزيل لكن بشرط الصب، ولم يوجد، فاتفق جوابهما؛ بناء على أصلين مختلفين . فصل شرائط التطهير بالماء وأما شرائط التطهير بالماء فمنها: العدد (٤) في نجاسة غير مرئية عندنا. والجملة في ذلك أن النجاسة نوعان: حقيقية، وحكمية. (١) في ب: وغيره. (٢) في ب: ذكر. (٣) في هامش ب: إذ كان على يده نجاسة إذا أدخلها في جب من الماء. (٤) في هامش ب: شرط العدد في النجاسة غير مرئية. ٤٤٩ كتاب الطهارة ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي: الحدث والجنابة - تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد. وأما النجاسة الحقيقية: فإن كانت غير مرئية، كالبول ونحوه(١) - ذكر في ((ظاهر الرواية)): أنه لا تطهّر (٢) إِلاَّ بالغسل ثلاثاً. وعند الشافعي: تطهّر (٣) بالغسل مرة واحدة؛ اعتباراً بالحدث، إِلاَّ في ولوغ الكلب في الإناء؛ فإنه لا يطهّر إِلاَّ بالغسل سبعاً إحداهن بالتراب بالحديث؛ وهو قول النبي ◌َّر: ((إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً إِحْدَاهُنَّ بِالتّرَابِ». ولنا: ما روي عن النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ قَالَ: ((يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغ الْكَلْبِ ثَلاَثًا)(٤) فقد أمر بالغسل ثلاثاً، وإن كان ذلك غير مرئي، وما رواه الشافعي، فذلك عندما كان في ابتداء الإسلام؛ لقلع عادة الناس في الألف بالكلاب، كما أمر بكسر الدنان(٥)، ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر، فلما تركوا العادة - أزال ذلك كما في الخمر، دل عليه ما روي في بعض الروايات: فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب أو أخراهن بالتراب. وفي بعضها: ((وعفروا الثامنة بالتراب))، وذلك غير واجب بالإجماع. وروي عنه وَ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلاَ يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَاً، فَإِنَّهُ لاَ يَذْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) (٦) أمر بالغسل ثلاثاً؛ عند توهّم النجاسة، فعند تحقّقها أولى؛ ولأن الظاهر: أن النجاسة لا تزول بالمرة الواحدة. ألا ترى أَنَّ النجاسة المرئية قط لا تزول بالمرة الواحدة، فكذا غير المرئية، ولا فرق، سوى أن ذلك يرى بالحس وهذا يعلم بالعقل/، والاعتبار بالحدث غير سديد؛ لأن ثمة لا ٤٣ ب نجاسة رأساً، وإنما عرفنا وجوب الغسل - نصاً غير معقول المعنى، والنص ورد بالاكتفاء بمرة واحدة، فإن النبي وَلجر: توضأ مرة مرة وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلاَّ به))(٧)، ثم التقدير (٨) بالثلاث - عندنا - ليس بلازم، بل هو مفوّض إلى غالب رأيه، وأكبر ظنه، وإنما ورد (١) في ب: وغيره. (٢) في ب: يطهّر. (٣) في هامش ب: غسل الإناء من ولوغ الكلب. (٤) تقدم. (٥) الدِّنَانُ: جمع مفردها: دَنَّ، والدنُّ هو: وعاء ضخم للخمر ونحوها. ينظر المعجم الوسيط (٢٩٩/١). (٦) تقدم. (٧) تقدم. (٨) في هامش ب: لتقدير في الغسل بالثلاث غير لازم. بدائع الصنائع ج١ - م٢٩ ٤٥٠ كتاب الطهارة النص بالتقدير بالثلاث - بناء على غالب العادات؛ فإن الغالب: أنها تزول بالثلاث؛ ولأن الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر، كما في قصة العبد الصالح مع موسى؛ حيث قال له موسى في المرة الثالثة: ﴿قد بلغت من لدني عذراً﴾ [الكهف: ٧٦]. وإن كانت النجاسة(١) مرئية، كالدم ونحوه: فطهارتها زوال عينها، ولا عبرة فيه بالعدد؛ لأن النجاسة في العين، فإن زالت العين - زالت النجاسة، وإن بقيت - بقيت. ولو زالت العين وبقي الأثر؛ فإن كان مما يزول أثره - لا يحكم بطهارته؛ ما لم يزل الأثر؛ لأن الآثر لون عينه لا لون الثوب، فبقاؤه يدل على بقاء عينه، وإن كانت النجاسة مما لا يزول أثره - لا يضر بقاء أثره عندنا. وعند الشافعي: لا يحكم بطهارته ما دام الأثر باقياً. وينبغي أن يقطع بالمقراض؛ لأن بقاء الأثر دليلُ بقاء العين، ولنا ما روي عن النبي ◌َّ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: ((حُتِيْهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثَرُهُ))(٢) هذا نص، ولأن الله (١) في هامش ب: غسل النجاسة المرئية. (٢) ورد هذا عن أسماء، وأبي هريرة، وأم قيس بنت محصن، أما حديث أسماء أخرجه مالك (١/ ٦٠-٦١): كتاب الطهارة: باب جامع الحيضة، الحديث (١٠٣، والشافعي في ((الأم)) (٨٤/١-٨٥) كتاب الطهارة: باب دم الحيض، وابن أبي شيبة (٩٥/١): كتاب الطهارات: باب في المرأة يصيب ثيابها من دم حيضها، وأحمد (٣٤٥/٦)، والبخاري (٤١٠/١): كتاب الحيض: باب غسل دم المحيض، الحديث (٣٠٧)، ومسلم (٢٤٠/١): كتاب الطهارة باب نجاسة الدم وكيفية غسله، الحديث (٢٩١/١١٠)، وأبو داود(١/ ٢٥٥): كتاب الطهارة: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، الحديث (٣٦٠) و(٣٦١) و(٣٦٢)، والترمذي (٢٥٤/١-٢٥٥): كتاب الطهارة: باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب، الحديث (١٣٨)، والنسائي (١٥٥/١: كتاب الطهارة: باب دم الحيض يصيب الثوب (١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٦/١) كتاب الطهارة: باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب، الحديث (٦٢٩)، والحميدي (١/ ١٥٣) رقم (٣٢٠) والدارمي (٢٣٩/١) كتاب الطهارة: باب المرأة الحائض تصلي في ثوبها إذا طهّرت، وابن خزيمة (١٣٩/١-١٤٠) رقم (٢٧٥) والبيهقي (١٣/١) وابن حبان (١٣٨٣ - الإحسان) وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٢٠) وأبو عوانة (٢٠٦/١) من طريق هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء به . وقال الترمذي: حديث أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح. حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٠)، وأبي داود (٢٥٦/١-٢٥٧): كتاب الطهارة باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، الحديث (٣٦٥)، والبيهقي (٤٠٨/٢)، من حديث أبي هريرة أن خولة بنت يسار قالت يا رسول الله: ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: ((فإذا طهّرت فاغسلي موضع الدم ثم صلّى فيه، قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ قال: ((يكفيك الماء ولا يضرّك أثره)). = ٤٥١ كتاب الطهارة تعالى لما لم يكلفنا غسل النجاسة إلا بالماء، مع علمه أنه ليس في طبع الماء قلع الأثار - دل على أن بقاء الأثر فيما لا يزول أثره ليس بمانع زوال النجاسة. وقوله: بقاء الأثر دليل بقاء العين - مسلم، لكن الشرع أسقط اعتبار ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لاَ يَضُرُّكَ بَقَاءُ أَثَرِهِ». ولما ذكرنا: أنه لم يأمرنا إلا بالغسل بالماء، ولم يكلفنا تعلم الحيل في قلع الأثار، ولأن ذلك في حد القلة. والقليل من النجاسة عفو عندنا؛ ولأن إصابة النجاسة التي لها أثر باق، كالدم الأسود العبيط(١) - مما يكثر في الثياب؛ خصوصاً في حق النسوان. فلو أمرنا بقطع الثياب - لوقع الناس في الحرج؛ وإنه مدفوع. وكذا يؤدي إلى إتلاف الأموال، والشرع نهانا عن ذلك، فکیف یأمرنا به؟! ومنها: العصر(٢) فيما يحتمل العصر، وما يقوم مقامه فيما لا يحتمله. والجملة فيه: أن المحل الذي تنجس أما إن كان شيئاً لا يتشرب فيه أجزاء النجس أصلاً، أو كان شيئاً يتشرب فيه شيء يسير، أو كان شيئاً يتشرب فيه شيء كثير. فإن كان مما لا يتشرب فيه شيء أصلاً: كالأواني المتخذة من الحجر والصفر والنحاس والخزف العتيق ونحو ذلك - فطهارته بزوال عين النجاسة، أو العدد على ما مر. وإن كان مما يتشرب فيه شيء قليل: كالبدن والخف والنَّعْلِ - فكذلك؛ لأن الماء يستخرج ذلك القليل فيحكم بطهارته. وإن كان مما يتشرب فيه كثير: فإن كان مما يمكن عصره، كالثياب - فإن كانت النجاسة مرئية - فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول العين. وإن كانت غير مرئية - فطهارته بالغسل ثلاثاً، والعصر في كل مرة؛ لأن الماء لا يستخرج الكثير إلا بواسطة العصر، ولا يتم الغسل بدونه. وروي عن محمد: أنه يكتفي بالعصر في المرة الأخيرة. ويستوي الجواب عندنا بين حدیث أم قيس بنت محصن : = أخرجه أحمد (٣٥٥/٦)، وأبو داود (٢٥٦/١): كتاب الطهارة: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، الحديث (٣٦٣)، والنسائي (١٥٤/١_١٥٥): كتاب الطهارة: باب دم الحيض يصيب الثوب، وابن ماجه (٢٠٦/١) كتاب الطهارة: باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب، الحديث (٦٢٨)، وابن خزيمة (١٤١/١): كتاب الطهارة: في جماع أبواب الخير تطهير الثياب بالغسل من الأنجاس، باب استحباب غسل دم الحيض من الثوب، الحديث (٢٧٧)، وابن حبان في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ٨٢) كتاب الطهارة: باب ما جاء في دم الحيض، الحديث (٢٣٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٥)، وعبد الرازق (٣٢٠/١): برقم (١٢٢٦) والبيهقي (٢٠٧/٢)، والدولابي في ((الكنى)) (١٢٨/٢)، من حديث أم قيس بنت محصن، ((أنها سألت رسول الله وَّلقول عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: حكّيه بضلع واغسليه بماء وسدر)). (١) يقال دم عبيط أي: طَرِيّ ينظر المعجم الوسيط ٥٨٧/٢. (٢) في هامش ب: العصر فيما لا يحتمل العصر. ٤٥٢ كتاب الطهارة بول(١) الصبي والصبية. وقال الشافعي: بول الصبي يطهّر بالنضح من غير عصر، واحتج بما روي عن النبي وََّ أنه قال: ((يُتْضَحُ بَوْلُ الصَّبِيِّ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ)) ولنا: ما روينا من حديث عمار من غير فصل بين بول وبول. وما رواه غريب؛ فلا يقبل؛ خصوصاً إذا خالف المشهور. وإن(٢) كان مما لا يمكن عصره، كالحصير المتخذ من البردى(٣) ونحوه، [أي: ما لا ينعصر بالعصر] (٤) - إن علم أنه لم يتشرب فيه، بل أصاب ظاهره - يطهّر بإزالة العين، أو بالغسل ثلاث مرات من غير عصر. فأما إذا علم أنه تشرّب فيه - فقد قال أبو يوسف: ينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفّف في كل مرة؛ فيحكم بطهارته. وقال محمد: لا يطهّر أبداً. وعلى هذا الخلاف: الخزف الجديد إذا تشرّب فيه النجس، والجلد إذا دُبِغَ بالدهن النجس، والحنطة إذا تشرّب فيها النجس وانتفخت؛ أنها لا تطهّر أبداً عند محمد، وعند أبي يوسف: تنقع في الماء ثلاث مرات، وتجفف في كل مرة. وكذا السكين إذا موه بماء نجس، واللحم إذا طبخ بماء نجس، فعند أبي يوسف: يموه السكين، ويطبخ اللحم [بالماء](٥) الطاهر ثلاث مرات، ويجفّف في كل مرة. وعند محمد: لا يطهّر أبداً. وجه قول محمد: أن النجاسة إذا دخلت في الباطن - يتعذّر استخراجها إلا بالعصر؛ والعصر متعذّر. وأبو يوسف يقول: إن تعذّر العصر - فالتجفيف ممكن، فيقام التجفيف مقام ١٤٤ العصر، دفعا للحرج. وما قاله. محمد أقيس، وما قاله: أبو يوسف أوسع، ولو / (٦) أن الأرض أصابتها نجاسة رطبة: فإن كانت الأرض رخوة - يصبّ عليها الماء حتى يتسفّل فيها، فإذا لم يبقَ على وجهها شيء من النجاسة وتسفّلت المياه - يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيها(٧) العدد، وإنما هو على اجتهاده، وما في غالب ظنه أنها طهّرت. ويقوم التسفّل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ((ظاهر الرواية)): يصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفّل في كل مرة، وإن كانت الأرض صُلْبَةً: فإن كانت(٨) (١) في هامش ب: بول الصبي والصبية نجس عندنا. (٢) في هامش ب: بيان غسل النجاسة مما لا يمكن عصره. (٣) في ط: البوري، والصواب المثبّت. (٤) سقط في ب. (٥) سقط في ط . (٦) في هامش ب: نجاسة أصابت الأرض وهي رخوة. (٧) في ب: فيه. (٨) في ب: كان. ٤٥٣ كتاب الطهارة صعوداً - يحفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويزال عنها إلى الحفيرة، ثم تكبر الحفيرة، وإن كانت مستوية؛ بحيث لا يزول الماء عنها - لا تغسل؛ لعدم الفائدة في الغسل. وقال الشافعي: إذا كوثرت بالماء طهرت. وهذا فاسد؛ لأن الماء النجس باق حقيقة، ولكن ينبغي أن تقلب، فيجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها؛ ليصير التراب الطاهر وجه الأرض؛ هكذا رُوِيَ: ((أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ أَنْ يَخْفَرَ مَوْضِعُ يَوْلِهِ)) (١)؛ فَدَلْ أن الطريق ما قلنا، والله أعلم. (١) أخرجه الدارقطني كما في ((نصب الراية)) (٢١٢٨) عن أنس مرفوعاً وله شواهد مرسلة عند عبد الرزاق (١٦٥٩) عن طاوس وعند أبي داود (٣٨١). كتاب الصلاة (١) يحتاج لمعرفة مسائل كتاب الصلاة: إلى معرفة أنواع الصلاة، وما يشتمل عليه كل نوع من الكيفيات والأركان، والشرائط والواجبات والسنن، وما يستحب فعله فيه، وما يكره، وما يفسده، ومعرفة حکمه إذا فسد أو فَات عن وقته. فنقول ـ وبالله التوفيق -: الصلاة. في الأصل -: أربعة أنواع: فرض، وواجب، وسنة، ونافلة، والفرض نوعان: فرض عين(٢)، (١) الصلاة في اللغة: الدُّعَاءُ. قال الله تعالى ﴿وَصَلٌ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم. وقال الأعشى [المتقارب] وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا وَصَلْي عَلَى دَنْهِيَا وَارْتَسَمْ أي: دعا وَكَبَّرَ، وهي مشتقة من الصَّلَوَيْنِ، قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المُصْحَفِ. وقيل: هي من الرحمة. وَالصَّلَوَاتُ، واحدها: صَلاَكَعَصًا، وهي عِرْفَانٍ من جانبي الذَّنَبِ، وقيل: عظمان يَنْحَنِيَانِ في الركوع والسجود. وقال ابن سيده: الصَّلا، وَسَط الظَّهْرِ مِن الإنسان، ومن كل ذي أربع، وقيل: هو ما انحدر من الوَرِكَيْنِ. وقيل: الفُرْجَةُ التي بين الجاعرة والذّنَبِ، وقيل: هو ما عن يمين الذْنَبِ وشماله. وقيل في اشتقاق الصلاة غير ذلك. ينظر: لسان العرب: ٢٤٩٠/٤، ٢٤٩١، تهذيب اللغة ٢٣٦/٢، ٢٣٧، ترتيب القاموس: ٨٤٧/٢. واصطلاحاً : عرفها الحنفية بأنها: أركان مَخْصُوصَةٌ، وأذكار مَعْلُومَةٌ بشرائط محصورة في أوقات مقدرة. وعند الشَّافعية: أقوال وأَفْعَال مُفْتَتَحةٌ بالتكبير، مُخْتَتَمَةٌ بالتسليم. وعند الحَنَابِلَة: أقوال وأفعال مَخْصُوصَةٌ، مُفْتَتَحَةٌ بالتكبير، مختتمة بالتسليم. ينظر: الاختيار: ٣٧/١، فتح الوهاب: ٢٩/١، قليوبي على المنهاج ١١٠/١٠، المبدع ٢٩٨/١. (٢) فرض العين: هو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين، أو من واحد بذاته كالنبي ◌ٍَّ فيما فرض عليه دون أمته. وعلى هذا ففرض العين قد يتناول كل واحد من المكلفين كالصلاة والصوم. وقد يتناول واحداً معيناً، كالضحى، والأضحى، والمشاورة وغيرها من خصائص النبي ◌َّر. ينظر العضد ٢٣٤/١، المستصفى ١٤/٢، حاشية ١١ ٠اني ١٨٢/١، شرح الكوكب المنير ٣٧٦/١، تيسير التحرير ٢١٤/٢، فواتح الرحموت ٦٦/١، الإبهاج ١٠٠/١، الإحكام للآمدي ٩٤/١، التمهيد للأسنوي ص (٧٤)، نهاية السول ٧٦/١، البحر المحيط ٢٤٢/١. ٤٥٤ ٤٥٥ كتاب الصلاة وفرض كفاية(١). وفرض العين نوعان: أحدهما: الصلوات المعهودة في كل يوم وليلة. والثاني: صلاة الجمعة. أما الصلوات المعهودة في كل يوم وليلة: فالكلام فيها يقع في مواضع؛ في بيان أصل فرضيتها، [وفي بيان عددها] (٢). وفي بيان عدد ركعاتها، وفي بيان أركانها، وفي بيان شرائط الأركان، وفي بيان واجباتها، وفي بيان سننها، وفي بيان ما يستحب فعله وما يكره فيها، وفي بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها إذا فسدت أو فاتت عن أوقاتها(٣) [أو فات شيء من صلاة من هذه الصلوات عن الجماعة، أو عن محله الأصلي، ونذكره في آخر الصلاة](٤). أما فرضيتها(٥): فثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى في غير موضع من القرآن: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضاً مؤقتاً، وقوله تعالى: ﴿وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ومطلق اسم الصلاة: ينصرف إلى الصلوات المعهودة، وهي التي تؤدي في كل يوم وليلة، وقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾ [هود: ١١٤]، الآية يجمع الصلوات الخمس، لأن صلاة الفجر تؤدي في أحد طرفي النهار، وصلاة الظهر والعصر يؤديان في الطرف الآخر؛ إذ النهار قسمان: غداة وعشى، والغداء: اسم لأول النهار إلى وقت الزوال، وما بعده العشى، حتى إن حلف لا يأكل العشى فأكل بعد الزوال - يحنث، فدخل في طرفي النهار ثلاث صلوات؛ ودخل في قوله: وزلفا من الليل والمغرب والعشاء؛ لأنها يؤديان(٦) في زلف من الليل، وهي: ساعاته. (١) فرض الكفاية: هو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله ومعناه أن فرض الكفاية هو الفعل المطلوب حصوله في الجملة أي من غير نظر بالأصالة إلى الفاعل وإنما المنظور إليه أولاً وبالذات إنما هو الفعل. أما الفاعل فلا ينظر إليه إلا تبعاً للفعل ضرورة توقّف حصوله على فاعل ولذا كان فعل البعض كافياً في تحصيل المقصود منه والخروج عن عهدته، ومن هنا سمي فرض كفاية. (٢) سقط في أ. (٣) في ب: وقتها. (٤) سقط في أ، ب. (٥) في هامش ب: بيان فرضية الصلاة. (٦) في أ: مؤديان. ٤٥٦ كتاب الصلاة وقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] قيل: دلوك الشمس. زوالها، وغسق الليل: أول ظلمته؛ فيدخل (١) فيه صلاة الظهر والعصر. وقوله: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: وأقم قرآن الفجر، وهو صلاة الفجر؛ فثبتت فرضية ثلاث صلوات بهذه الآية، وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر، وقيل: دلوك الشمس: غروبها؛ فيدخل فيه صلاة المغرب والعشاء، وتدخل صلاة الفجر في قوله: ﴿وقرآن الفجر﴾ وفرضية صلاة الظهر والعصر ثبتت بدليل آخر. و[هو](٢) قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧ و ١٨] روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الفجر، وعشيا: العصر، وحين تظهرون: الظهر(٣)، ذكر التسبيح وأراد به الصلاة أي: صلوا لله؛ إما لأن التسبيح من لوازم الصلاة، أو لأنه تنزيه؛ والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الرب - عز وجل - لما فيها (٤) من إظهار الحاجات إليه، وإظهار العجز والضعف، وفيه [وصف له](٥) بالجلال والعظمة والرفعة والتعالي عن الحاجة. قال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي - رحمه الله -: أنهم فهموا من هذه الآية . فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا، لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور. وقوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن أناء الليل فسبحه وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ [طه: ١٣٠] قيل في تأويل قوله: فسبح: أي فصلّ. قبل طلوع ٤٤ ب الشمس: هو صلاة الصبح. وقبل غروبها: / هو صلاة الظهر والعصر(٦) ومن أناء الليل: صلاة المغرب والعشاء . وقوله: وأطراف النهار على التكرار والإعادة؛ تأكيداً كما في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] إن ذكر الصلاة الوسطى على التأكيد لدخولها تحت اسم الصلوات. كذا ههنا. (١) في أ: فدخل. (٢) سقط في ط . (٣) أخرجه الحاكم (٤١٠/٢-٤١١) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (٤) في ب: فيه. (٥) في أ، ب: وصفه. (٦) في أ: العصر والظهر. ٤٥٧ كتاب الصلاة وقوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦] قيل: الذكر والتسبيح - ههنا - هما الصلاة. وقيل: الذكر: سائر الأذكار، والتسبيح: الصلاة، وقوله: بالغدو، صلاة الغداة، و[قوله]: (١) الآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقيل: الآصال(٢): هو صلاة العصر، ويحتمل العصر والظهر؛ لأنهما يؤديان في الأصيل وهو العشي، وفرضية المغرب والعشاء عرفت بدليل آخر والله أعلم. وأما السنة: فما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ أَنَّهُ قَالَ: عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحَجُوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، وَأَذُوا زَكَاةَ أَمَّوَالِكُمْ، طَيِّبَةَ بِهَا أَنْفُسُكُمْ، تَدْخُلُوا جَنََّ رَبَّكُمْ))(٣) . وروي عن عبادة(٤) بن الصامت - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ)»(٥) . وعن عبادة - أيضاً - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((خَمْسُ (١) سقط في ط . (٢) في أ: الأصيل. (٣) أخرجه الترمذي ٥١٦/٢ كتاب الصلاة باب فضل الصلاة (٦١٦) وأحمد في المسند ٢٥١/٥ والحاكم في المستدرك ٩/١ كتاب الإيمان وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا نعرف له علة ولم يخرجاه وأقره، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٨١/٨ حديث (٧٦٦٤) والخطيب في التاريخ ١٩١/٦ والبخاري في التاريخ ٣٢٦/٤ بنحوه في بعضها. (٤) هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أبو الوليد الأنصاري الخزرجي. أمه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن العجلان. من مناقبه: نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] لما تبرأ من حلفه مع بنو فينقاع لما خانوا المسلمين في غزوة الخندق. توفي سنة: ٣٤ بالرملة. وقيل: ببيت المقدس. وقيل: عاش إلى سنة ((٤٥)) ينظر ترجمته في الثقات ٣٠٢/٣، أسد الغابة ١٦٠/٣، تجريد أسماء الصحابة ج٢٩٤/١ أصحاب بدر ١٨٤، الإصابة (٢٧/٤)، الطبقات ٩٩، ٣٠٢، المصباح المضيء ج٨٥/١)، الجرح والتعديل ج٩٥/٦، تقريب التهذيب ج٣٩٥/١، الاستيعاب ج٨٠٧/٢، تهذيب التهذيب ج١١١/٥، التاريخ الصغير ج٤٢،٤١/١، ٦٦،٦٥، التاريخ الكبير ج ٩٢/٦ الوافي بالوفيات ج ٦١٨/١٦، الطبقات الكبرى ج١٠٧/٩، تهذيب الكمال ج٦٥٥/٢، طبقات الحفاظ ٤٥، الأعلام ج٢٥٨/٣، الرياض المستطاب ٢٠٧. (٥) ينظر التخريج الآتي. ٤٥٨ كتاب الصلاة صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله تَعَالَى [عَلَى الْعِبادِ](١)، فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ [وَ](٢) لَمْ يِضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئاً. اسْتِخْفاقاً بِحَقِّهِنَّ - فَإنَّ لَهُ عِنْدَ الله عَهْداً أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّة، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْد؛ إِنَّ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّة))(٣) وعليه إجماع الأمة فإن الأمة أجمعت على فرضية هذه الصلوات. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن هذه الصلوات إنما وجبت شكراً للنعم، منها: نعمة الخلقة؛ حيث فضل الجوهر الإنسي بالتصوير على أحسن صورة، وأحسن تقويم، كما قال الله تعالى: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ [غافر: ٦٤] وقال: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] حتى لا ترى أحداً يتمنى أن يكون على غير هذا التقويم والصورة التي أنشىء عليها. ومنها: نعمة سلامة الجوارح عن الآفات؛ إذ بها يقدر على إقامة مصالحه؛ أعطاه الله ذلك كله إنعاماً محضاً، من غير أن يسبق منه ما يوجب استحقاق شيء من ذلك، فأمر باستعمال هذه النعمة في خدمة المنعم؛ شكراً لما أنعم؛ إذ شكر النعمة استعمالها في خدمة المنعم. ثم الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح الظاهرة، من القيام والركوع والسجود والقعود، ووضع اليد مواضعها وحفظ العين، وكذا الجوارح الباطنة من شغل القلب بالنية، وإشعاره بالخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ ليكون عمل كل عضو شكراً لما أنعم عليه في ذلك. ومنها: نعمة المفاصل الليّنة، والجوارح المنقادة التي بها يقدر على استعمالها في الأحوال المختلفة، من القيام والقعود والركوع والسجود، والصلاة تشتمل على هذه الأحوال؛ فأمرنا(٤) باستعمال هذه النعم الخاصة في هذه الأحوال في خدمة (٥) المنعم؛ شكراً لهذه النعمة، وشكر النعمة فرض عقلاً وشرعاً . ومنها: أن الصلاة وكل عبادة خدمة الرب ــ جل جلاله - وخدمة المولى على العبد لا ٠ (١) سقط في أ، ب. (٢) سقط في ب. (٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٢٣/١)، في كتاب: صلاة الليل، باب: الأمر بالوتر (١٤)، وأخرجه أبو داود (٦٢/٢)، في الصلاة، باب: فيمن لم يوتر (١٤٢٠)، والنسائي (٢٣٠/١)، في الصلاة، باب: المحافظة على الصلوات الخمس وأخرجه ابن ماجه (٤٤٨/٢)، في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة (١٤٠١)، وأحمد في المسند (٣١٥/٥)، (٣١٩)، والدارمي في السنن (٣٧٠/١). (٤) في ب: فأمر. (٥) في أ: وخدمة. ٤٥٩ كتاب الصلاة تكون إلاَّ فرضا؛ إذ التبرع من العبد على مولاه محال. والعزيمة هي(١) شغل جميع الأوقات بالعبادات بقدر الأمكان وانتفاء الحرج، إلا أن الله - تعالى - بفضله وكرمه - جعل لعبده أن يترك الخدمة في بعض الأوقات رخصة؛ حتى لو شرع لم يكن له الترك؛ لأنه إذا شرع فقد اختار العزيمة(٢) وترك الرخصة(٣)، فيعود حكم العزيمة. يحقق ما ذكرنا: أن العبد لا بد له من إظهار (١) في أ: في. (٢) العزيمة في اللغة القصد المؤكد. ومنه قولهم عزمت على فعل كذا أي قصدت إليه قصداً مؤكداً. واصطلاحاً: هي الحكم الثابت على وفق الدليل. أو على خلاف الدليل لغير عذر. والعزيمة كما يؤخذ من التعريف نوعان: الأول: ما ثبت على وفق الدليل كإباحة الأكل والشرب. الثاني: ما ثبت على خلاف الدليل لغير عذر كسائر التكاليف الشرعية. والعزيمة تتناول الأحكام الخمسة على ما اختاره البيضاوي. الأول: الإيجاب، كإيجاب الصلاة والصيام والزكاة. الثاني: الندب، كندب ركعتين قبل الظهر وبعده. الثالث: التحريم، كتحريم الزنا وأكل أموال الناس بالباطل. الرابع: الكراهة، كالصلاة في مرابض الإبل. الخامس: الإباحة، كإباحة الأكل أو الشرب وغيرهما من كل ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣٢٥/١-٣٢٦، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١٢٢/١، التمهيد للأسنوي ٧٠، نهاية السول له ١/ ١٢٠، منهاج العقول للبدخشي ٩٣/١، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٩، لتحصيل من المحصول للأرموي ١٧٩/١، المستصفى للغزالي ٩٨/١، حاشية البناني ١١٩/١-١٢٣، الإبهاج لابن السبكي ١/ ٨١، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٨٥، حاشية العطار على جمع الجوامع ١٦٢/١-١٦٥، التحرير لابن الهام ٢٥٨، تيسير التحرير ٢٢٩/٢، كشف الأسرار للنسفي ١/ ٤٤٧ - ٤٦٠، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١٢٨/٢، شرح المنار لابن ملك ٧٠، الوجيز للكراماستي ٣٠، ميزان الأصول للسمرقندي ١٥٨/١-١٥٩ الكوكب المنير للفتوحي ١٤٩-١٥٠، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ١٤٦/٢. (٣) الرخصة لغة: السهولة وشرعاً الحكم المتغير من صعوبة على المكلف إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي واجباً كأكل الميتة ومندوباً كالقصر إذا بلغ السفر ثلاثة أيام، ومباحاً كالسلم وخلافاً الأولى كفطر المسافر الذي لا يجهده الصوم. والحكم الأصلي في المذكورات الحرمة، والسبب الخبث في الميتة ودخول وقتي الصلاة والصوم في القصر والفطر، والفرز في السلم وهو قائم حال الحل. والعذر الإضرار ومشقّة السفر والحاجة إلى ثمن الفلات قبل إدراكها وسهولة الوجوب في أكل الميتة لموافقته لفرض النفس في بقائها. فإن لم يتغير الحكم كما ذكر فهو العزيمة بأن لم يتغير أصلاً كوجوب الصلوات الخمس أو تغير إلى صعوبة كحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله أو إلى سهولة لا لعذر، كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلاً لمن لم. يحدث بعد حرمته، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات الواحد مثلاً من = ٤٦٠ كتاب الصلاة سمة العبودية؛ ليخالف به من استعصى مولاه، وأظهر الترفّع عن العبادة، وفي الصلاة إظهار سمّة العبودية؛ لما فيها من القيام بين يدي المولى - جل جلاله - وتحنية الظهر له، وتعفير الوجه بالأرض، والجثو على الركبتين، والثناء عليه والمدح له. ومنها: أنها مانعة للمصلي عن ارتكاب المعاصي؛ لأنه إذا قام بين يدي ربه خاشعاً متذلّلاً مستشعراً [هيئة](١) الرب - جل جلاله - خائفاً تقصيره في عبادته كل يوم خمس مرات - عصمه ذلك عن اقتحام(٢) المعاصي، والامتناع عن المعصية فرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾(٣) [هود: ١١٤] وقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ومنها: أنها جعلت مكفرة للذنوب [والخطايا والزلات](٤) والتقصير؛ إذ العبد في أوقات ليلة ونهار، لا يخلو عن ذنب، أو خطإٍ أو زلة أو تقصير في العبادة؛ والقيام بشكر النعمة - وإن جل قدره وخطره - عند الله تعالى، إذ [قد](٥) سبق إليه من الله - تعالى - من النعم والإحسان، ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها، فضلاً عن(٦) أن يؤدي شكر ١٤٥ الكل (٧)، فيحتاج إلى تكفير ذلك؛ إذ هو فرض، ففرضت الصلوات الخمس/ تكفيراً. لذلك [وذلك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، والله الموفّق](٨) . فصل في بيان عدد الصلوات وأما عددها: فالخمس. ثبت ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب: فما تلونا المسلمين للعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسبب الحرمة، قلّة المسلمين، ولم تبقّ حال الإباحة؛ = لكثرتهم حينئذٍ، والعذر في الإباحة مشقّة الثبات المذكور لما كثروا. واختلف الأئمة في القصر هل هو رخصة أو عزيمة فقال: ((أبو حنيفة)): هو عزيمة، فهو عنده من النوع الأول من أنواع العزيمة، وقال ((مالك)) ((والشافعي)) وأحمد: هو رخصة ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١١٧، المستصفى ٧٣/١، حاشية البناني على جمع الجوامع ١٧٢/١، شرح العضد ٦/٢، شرح الكوكب المنير ٤٢٣/١، تيسير التحرير ٢٢٨/٢، فواتح الرحموت ١١٣/١. (١) في ط: هبة. (٢) في ب: إرتكاب. (٣) سقط في أ، ب. (٤) سقط في أ. (٥) سقط في ب. (٦) في ب: من. (٧) في أ، ب: العمل. (٨) سقط في ط.