Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الطهارة
وأما الاجماع: فقال النووي في المجموع: نقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها: وقال الخطيب
في ((مغني المحتاج)) استدلّ على نجاسة الخمر الشيخ أبو حامد بالاجماع وحمل على إجماع الصحابة.
وقال الشيخ عميرة: قد استدل على نجاستها بالإجماع حكاه أبو حامد، وابن عبد البر.
قال الأسنوي: وكأنهما أراد إجماع الطبقة المتأخرة من المجتهدين، وإلا فقد خالف في ذلك ربيعة شيخ
مالك، والمزني.
واستدلَّ القائلون بالطهارة بالسُّنَّةِ، والمعقول: أما السُّنَّة: فما سبق سبق للجمهور، وقالوا في توجيهها:
وللاخرين قال القرطبي: واستدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق ((المدينة))، قال:
ولو كانت نجسة، لما فعل ذلك الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ولما أقرهم الرسول عليه السلام على
ذلك، بل ولما أمرهم بذلك، ولنهاهم عن الإراقة، كما نهى عن التخلي في الطرق)).
وأما المعقول: فقالوا: لا تلازم بين حرفة التعاطي والنجاسة، فمن المحرّم ما هو طاهر إجماعاً؛ كسمّ
النبات، وكالأفيون والحشيش، فتكون الخمر مثلها في التحريم، والطهارة.
المناقشة
ورد على الجمهور في الأثر أنه الرجس لا يَدُلُّ على النجاسة؛ لأنه عند أهل اللغة اسم لكل مستقذر، ولو
كان طاهراً كالبصاق، والأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة، قال النووي: ((ولا يظهر من الآية دلالة
ظاهرة على النجاسة؛ لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم منه النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا
يلزم منه النجاسة)) .
وأورد ابن قاسم على قول ابن حجر: إن الرجس في الآية إن كان من قبيل عموم المجاز، فهو مستعمل
في القدر المشترك بين النجس وغيره مجازاً، فلا يدل على المطلوب إلا بقرينة تفهم أن المراد به بالنسبة
للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟)).
وأجيب عن ذلك: ((بأن القرينة عدم المانع من إرادة المعنى الحقيقي بالنسبة للخمر، ووجوده بالنسبة لما
عداها، وهو الاجماع)).
وأورد عليه أيضاً أنه إن كان من قبيل استعمال المشترك في معنييه، فلا بد من قرينة تدلُّ على أحد المعنيين
الراجع للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟.
وأجيب عن ذلك: بأن القرينة بالنسبة للخمر اشتهار الرجس في النجس، وبالنسبة لما عداها الإجماع.
وورد عليهم في السُّنة أن الإراقة لا تدل على النجاسة؛ لأنهم إنما أراقوها؛ لتحريمها لا لنجاستها، وقد
كان العهد قريباً بتحريم الخمر، فلم ينكر عليهم النبي ◌َّ أمر الإراقة، بل أمرهم بها؛ ليشتهر بها أمر
التحريم، كما اشتهر بنداء المنادي الذي أمره الرسول عليه السلام بالطواف في أرجاء المدينة؛ ليبلغ أهلها
أمر التحريم؛ ولذلك لم يأمرهم النبي بإراقتها مطلقاً في أي مكان بل أمرهم بإراقتها في الأماكن البارزة
التي يكثر فيها المرور؛ ليعلم أمر التحريم كل من مَرَّ بها، ويبلغه غيره.
وورد عليهم في الأثر أنه ليس نصًّا في إفادة الطهارة التي هي ضد النجاسة حتى يَدُلَّ على نجاستها قبل إفساد الله
لها بالتخلل، لأن الطهر في اللغة: النقاء من الدنس والنجس، يقال: فلان طاهر الذيل أي بريء من العيب،
والخمر إذا تخللت بنفسها فقد بعدت عن الذم والعيب من جهة أنها لا تفسد العقل والبدن، ومن جهة أنه لم
يرتكب ذنب في طريق حلّها، قال في المصباح: ((طهر الشيء من بابي قتل. وقرب طهارة والاسم الطهر. وهو
النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهر العرض أي: بريء من العيب، وقد قيل للحالة المناقضة للحيض طهر)) . =

٣٨٢
كتاب الطهارة
ولو سلمنا أن الظاهر من الطهارة التي هي ضد النجاسة فيدل على نجاستها قبل التخلل، لقلنا: إنه رأى له
=
مما للاجتهاد فيه مجال.
وورد عليهم في المعقول ما يأتي :
أما قياسها على الخنزير: فإنا لا نسلم أن الحكم بالتحريم يستدعي الحكم بالنجاسة؛ لأن الخنزير إن كان
حيًّا، فنجاسة غير متّفق عليها؛ لأن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - يقول بطهارة كل حي، وإن كان كلباً أو
خنزيراً، وأن كان ميتاً فهو نجس بأدلة نجاسة الميتة من السنة، فلم يتم القياس حتى ينتج الحكم
بالنجاسة؛ ومثل ذلك يرد على قياسها على الكلب، وما ولغ فيه.
وأما قياسها على البول: فلا يتم أيضاً؛ لأن نجس العين ما كان شديد القذارة؛ كالبول، والغائط مما تعافه
النفس، ويقشعر منه الجلد، والخمر ليست قذرة العين، وإنما قذارتها من جهة أنها سبب للغضب
والعذاب، فلم يكن الجامع بينهما القذارة الحسية.
وأما قياسها على الدم: فقد قال الإمام النووي: لا دلالة فيه على النجاسة لوجهين:
الأول: أن منتقض بالمخاط والبصاق وغيهرما، مما حرّم تناوله مع طهارته.
الثاني: أن الصلة في منع تناولهما مختلفة، فلا يصح القياس، لأن المنع من الدم؛ لكونه مستخبثاً، والمنع
من الخمر؛ لكونها سبباً للعداوة، والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ كما صرحت الآية
الكريمة».
وورد عليهم في الإجماع أنه لم يصحّ لأن ممن نقله الإمام الغزالي، وقد نقل عنه الإمام النووي في
المجموع أنه قال بطهارة الخمر المحرّمة، والتي استحالت خمراً في باطن حبات العنب، وقال النووي:
((إن أقرب ما يقال في نجاستها ما ذكره الغزالي: أنه حكم بنجاستها؛ تغليظاً وزجراً عنها؛ قياساً على
الكلب وما ولغ فيها، فلو كان الإمام الغزالي ممن نقل الإجماع على نجاستها؛ لما كان له أن يخالفه،
ويقول بطهارة بعض أنواعها؛ ولما كان له أن يستدل على نجاستها بقياس لم يسلم له الاتفاق على حكم
أصله، وقد اضطرب نقل الإجماع: فبعضهم ينقل أنه إجماع الصحابة، وبعضهم ينقل أنه إجماع الطبقة
المتأخرة من المجتهدين؛ لأن ربيعة شيخ مالك، والمزني، وغيرهما خالفوا في نجاستها، وما كان هذا
شأنه من الإجماع، فلا ينهض على إثبات الحكم بالنجاسة مع الاختلاف فيه قديماً وحديثاً.
وزرد على القائلين بالطهارة في السنة: أن الإراقة، والأمر بها لا يدل على الطهارة، فقد تراق القاذورات
النجسة في الطرقات، وإن لم يكن سبيل إلى الخلاص منها إلا بذلك، وهكذا كان شأن أهل ((المدينة)) لا
مرافق في بيوتهم؛ لأنهم كانوا يتقذرون من اتخاذها، وتكليفهم إخراجها إلى خارج ((المدينة)) فيه كلفة،
ومشقّة، مع ما فيه من تأخير ما وجب على الفور، وإنما نهى النبي وَّر عن التخلي في الطرق، لأن
المتخلي يعرض نفسه للعن الناس له؛ بسبب إيذائه لهم، وهكذا الأمر من بدء الخلق إلى اليوم يمر
الشخص بطريق، فيرى فيه عذرة آدمي، فتنقبض نفسه، ويقشعر جلده، وإذا مر بقذر آخر لا يجد من نفسه
هذا التأثّر والانقباض؛ فالأمر بالإراقة كان للمبالغة في التحريم حتى يقلع الناس عنها بعد أن تمكّن حبّها
من نفوسهم، ولذا أمرهم النبي عليه السلام بإراقتها في الأماكن المطروقة؛ ليشيّع أمر تحريمها، فيعمل
الناس بذلك.
هذه أدلّة الطرفين ومناقشتها - وأراها غير منتجة لمطلوب كل منهما إلا معقول القائلين بالطهارة، أما
استدلال الجمهور بقول الله تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ فهو غير ناهض على إثبات =

٣٨٣
كتاب الطهارة
النجاسة؛ لأن الرجس في اللغة: القذر والغضب والنتن والمأتم، وكل مستقذر من العمل، والعمل
المؤدي إلى العذاب والشك، قال في لسان العرب: قال الفراء في قول الله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على
الذين لا يعقلون﴾ إنه العقاب والغضب. وقال ابْنُ الكَلْبِيِّ في قول الله: ((فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله
به)): الرجس: المأثم.
وقال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿كذلك يجعل الله الرجس﴾ قال: الرجس بالأخير فيه.
قال أبو جعفر في قول الله: ﴿إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ الرجس: الشك، وفي
التنزيل: ﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ قال
الزجاج: الرجس في اللغة: اسم لكل مستقذر من عمل، فبالغ الله في ذم هذه الأشياء المذكورة، وسماها
رجساً، ويقال: رَجُسَ الرجل بالضم رَجساً بالفتح، ورَجِسَ بالكسر يَرْجَسُ بالفتح، إذا عمل عملاً قبيحاً،
والرَّجُسُ بالفتح: شدة الصوت، فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع بالقبح.
وقال ابن الكلبي: ((رجس من عمل الشيطان)). أي: ((مأثم من عمل الشيطان)).
وقال الراغب في ((المفردات)): ((الرجس)) الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أرجاس. قال تعالى:
﴿رجس من عمل الشيطان﴾، والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وأما من جهة
العقل، وأما من جهة الشرع، وأما من كل ذلك كالميتة، فأنها تعاف طبعاً وعقلاً وشرعاً، والرجس من
جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل: ذلك رجس من جهة العقل وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿وأثمهما أكبر من
نفعهما﴾ لأن كل ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي اجتنابه، وجعل الكافرين رجساً من حيث إن
الشرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾
وقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ قيل: النتن وقيل: العذاب؛ وذلك كقوله: ﴿إنما
المشركون نجس﴾ وقال: ((أو لحم خنزير فإنه رجس)) وذلك من حيث الشرع.
وعن ابن عباس: ((الرجس في الآية: السخط))، وعن جابر بن زيد: ((الرجس: الشر))، وعن غيرهما:
((الرجس: المأتم)).
وإذا كان الأمر كما سبق، وهو أن الرجس يطلق في اللغة على جميع ما تقدم، ولا قرينة في الآية تدلُ
على حَمْلِهِ على الرجس الحسي، بل قرن الخمر بما بعدها، والحكم على الجميع بأنه رجس من عمل
الشيطان يرجح أن المراد به إنما هو الرجس المعنوي، وهو ما ينفر منه العقل؛ لسوء عاقبته، والمذكورات
في الآية تشترك جميعها في هذا المعنى، فهي سبب للغضب، والعقاب، والإثم، والعذاب، وجعل
الرجس في جانب الخمر بمعنى النجاسة، وفي جانب غيرها لا على هذا المعنى نحكم، وتفريق بين
المجتمعات في الحكم بدون دليل، بل دَلْ الدليل على خلافه، فإن قول الله تعالى: ﴿رجس من عمل
الشيطان﴾ كالصريح في كون الرجس معنوياً، وهو محمول على الجميع من الخمر، وما عطف عليها؛
لأنه الأصل في الأخبار عن المبتدأ، وما عطف عليه، ولا قرينة في الآية تدلّ على خلافة إما بتقدير
مضاف، كالشأن أو التعاطي، وأما لأنه على صورة المصوّر فيستوي فيه القليل والكثير. وأما جعله خبراً
من الخمر فقط، وخبر ما عطف عليها محذوف. فخلاف الظاهر المتبادر من السياق. ولا قرينة في الآية
تدل عليه. فإن قيل: إن القرينة الإجماع على طهارة ما عطف على الخمر قلنا: فما هي القرينة قبل
الإجماع؟ وهل كان الجميع طاهراً أم نجساً قبله؟
وحسبي في هذا المقام قَوْلُ الإمام النووي: ((واحتج أصحابنا بالآية الكريمة. قالوا: ولا يضر قرن الميسر =

٣٨٤
كتاب الطهارة
والأنصاب، والأزلام بها، لأن هذه الأشياء طاهرة لأن هذه الثلاثة فرجت بالإجماع فبقيت الخمر على
=
مقتضى الكلام، ولا يظهر عن الآية دلالة ظاهرة؛ لأن الرجس في اللغة: القذر، ولا يلزم منه النجاسة،
وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة.
وأما استدلال الطرفين بالسُّنة: فلا يشم منه رائحة الدلالة على الطهارة، أو النجاسة؛ لأن الإراقة، والأمر
بها كان بقصد شهرة التحريم، وإبلاغه إلى الجميع، وما كان كذلك لا يستلزم الحكم بالنجاسة، ولا
بالطهارة؛ لأن القاذورات قد تراق في الطرقات، إن لم يكن بُدُّ من إراقتها، وقد كان أهل ((المدينة)) لا
يتخذون المرافق في بيوتهم؛ لأنهم يتقذرون منها، قالت عائشة - رضي الله عنها -: ((إنهم كانوا يتقذرون
من اتخاذ الكُتُفِ في البيوت))، ونقلها إلى خارج ((المدينة)) فيه كُلْفَةُ، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب
على الفور، على أنه كان يمكن التحرّز منها على فرض نجاستها، فإن طرق ((المدينة)) واسعة، ولم تكن
الخمر من الكثرة؛ بحيث تصير نهراً يعم الطريق، وإنما جَرَتْ في مواضع يسيرة يمكن التحفّظ منها.
وأما معقول الجمهور: فلم يسلم واحد من وجوهه الأربعة كما سبق.
وأما الاجماع فلم يصح.
قال الشيخ السمسطاوي: هذا ما استدل به الطرفان وما ورد عليه، ومع احترامي لمذهب الجمهور فإنه لم
يظهر في دليل ناهض ينتج مذهبهم إلا ما يحتمله أثر الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقد قدمنا أنه
محتمل ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، ولو سلم ظهوره في الطهارة التي هي ضد النجاسة لكان رأياً له مما
للاجتهاد فيه مجال، ولذا قال الإمام النووي: ((وأقرب ما يقال في نجاستها ما ذكره الغزالي أنه حكم
بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه وقد أسلفنا أن هذا لم يتم لعدم الاتفاق على حكم
أصله لذلك فأني أختار القول بالطهارة مستنداً في ذلك إلى أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يثبت ما
يخرجها عن هذا الأصل من الدليل الناهض، وما رأيته بعد. والحكم بحرمة التناول لا يستلزم الحكم بنجاسة
العين لا بمطابقة ولا بتضمن ولا بالتزام وإذا كانت الخمر نجسة في شريعة الإسلام فما الذي دعا رسول
الله ؤلّ إلى ترك النصوص الدالة على ذلك إلى وفاته وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو ممتنع
اتفاقاً مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يترك أمراً من الأمور إلا مبيناً، وها هي ذي النصوص العديدة في
أبواب الخمر الكثيرة من التحريم إلى حرمة التداوي إلى حرمة البيع والإهداء ونحوها ولم نجد نصاً واحداً
منه ◌َّ نستند إليه في مبحث النجاسة، ولذا صرح العلماء بأنهم حكموا بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها.
هذا - وقد رأيت في مجموع الإمام النووي أن أمام الحرمين والغزالي قالا بطهارة الخمر المحرّمة والتي
استحالت خمراً في باطن حبات العنب، قال الإمام النووي فرع الخمر نوعان محرّمة وغيرها فالمحرّمة هي
التي اتخذ عصيرها ليصير خلاًّ، وغيرها ما اتخذ عصيرها للخميرية.
هذا - وأما النبيذ المسكّر فحكمه في النجاسة حكم الخمر المتفق عليها عند المالكية والشافعية والحنابلة
وغيرهم من الفقهاء حملا على الخمر وهو رأي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.
وأما الحنفية فإنهم قائلون بنجاسة الأنبذة الثلاثة المحرّمة عندهم فحسب قياساً على الخمر.
وحكى النووي في المجموع عن صاحب البيان من الشافعية وجهاً: أن النبيذ المسكّر طاهر لاختلاف
العلماء في أباحة قلیله .
هذا - وإذا لم ينهض الدليل على نجاسة الخمر التي من نيء عصير العنب المشتد فالنبيذ مع الاختلاف فيه
على ما سبق أولى.
=

٣٨٥
كتاب الطهارة
قال صديق حسن خان في كتاب الروضة البهية ((والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه
=
ما يساويه أو يقدم عليه، لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهّرة وجزئياتها ولا ريب
أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم شرعي والأصل البراءة من ذلك لا سيما إذا كان ذلك
من الأمور التي تعمّ بها البلوى، وقد أرشدنا الرسول ولو إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله عنها
وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من العباد أن يحكم بنجاسته
بمجرد رأيه كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرّم الله تناوله زاعماً أن النجاسة والتحريم
متلازمان، وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقته ولا تضمن ولا
التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاستها إلا أن ورد عن الشارع ما يدل على النجاسة، وقد
ورد ما أفاد نجاسة الدم والميتة من السنة، روى الشيخان وأحمد عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله
عنهما - قالت جاءت امرأة إلى النبي 18ّ فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال
((تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه)). وروى الدارقطني والإمام أحمد عن ابن عباس - رضي
الله عنهما - قال تصدّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمريها رسول الله وَلقر (فقال هلا أخذتم أهابها
فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا إنها ميتة، قال يطهّرها الماء والقرظ)). فهذان النصان عن رسول الله وَل و دلاً
على نجاسة بعض ما حرّم الله تناوله، ولولا ورودهما ما كان لأحد أن يحكم بالنجاسة بمجرد التحريم أمّا
الخمر فإنه لم يرد في نجاستها سنة من السنن ولا أثر لم يخل عن احتمال ولذا قال صاحب سبل السلام:
((والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة وأن التحريم لا يلازم النجاسة فإن الحشيشة محرّمة طاهرة وكذا
المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأما النجاسة فيلازمها التحريم فكل نجس محرّم وليس
كل محرّم نجساً وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع من ملابستها على كل حال، فالحكم بالنجاسة
للعين حكم بتحريمها بخلاف الحكم بالتحريم فإنه لا يستلزم النجاسة الشرعية كالمخاط والبصاق فإنه
يحرّم تعاطيهما مع طهارتهما شرعاً فإذا عرفت هذا فتحريم الخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه
نجاستها، بل لا بد من دليل آخر عليها وإلا بقيت على الأصل المتفّق عليه من الطهارة فمن ادعى خلافه
فالدلیل علیه». بتصرف وكذا.
هذا - وقد ندب الشرع الحكيم إلى استعمال الطيب ورغب فيه قولاً وعملاً، روى مسلم وأحمد والنسائي
وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لقر قال: ((من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه
خفيف المحمل طيّب الرائحة)) المحمل بفتح الميمين.
وأخرج الترمذي عن ثمامة بن عبد الله قال كان أنس لا يرد الطيب وقال أنس إن النبي وَلو كان لا يرد
الطيب، قال: وهذا سند صحيح - وها نحن اليوم نجد أكثر أنواع الطيب شيوعاً في العالم وهي الكلونيا
الجزء الأعظم منها يتكوّن من: ((الغَوْل) الكحول وهو المادة الفعالة في إفساد العقول فإذا كانت الخمر
نجسة لما فيها من العنصر الفعال وهو الكحول الذي يلعب بعقول الشاربين - وجب على المسلمين أن
يتركوا استعمال هذه المادة التي هي من مشمولات السنة الكريمة التي دعا إليها الرسول عليه الصلاة
والسلام قولاً وعملاً، لأن في الأخذ بها تلبساً وتضمخاً بالنجاسة. وقد قال الفقهاء: إن التضمخ بالنجاسة
حرام.
هذا - وأما المخدرات فذهب الجمهور إلى طهارتها مائعة كانت أو جامدة وذهب الحنابلة في أصح
مذهبهم إلى نجاستها .
بدائع الصنائع ج١ - ٢٤٣
=

٣٨٦
كتاب الطهارة
ومنها (١) غسالة النجاسة الحقيقية، وجملة الكلام أن غسالة النجاسة نوعان: غسالة النجاسة
الحقيقية، وغسالة النجاسة الحكمية وهي الحدثُ، أما [الأول]: (٢) غسالة النجاسة الحقيقية وهي
ما إذا غسلت النجاسة الحقيقية ثلاث مرات فالمياه الثلاث نجسة؛ لأن النجاسة انتقلت إليها؛ إذ
لا يخلو كل ماء عن نجاسة؛ فأوجب تنجيسها، وحكم المياه الثلاث في حق المنع من جواز
التوضؤ بها، والمنع من جواز الصلاة بالثوب الذي أصابته [نجاسة](٣) - سواء لا يختلف، وأما في
حق تطهير المحل الذي أصابته - فيختلف حكمها، حتى قال مشايخنا: إن الماء الأول إذا أصاب
ثوباً - لا يطهر إلا بالعصر، والغسل مرتين بعد العصر، والماء الثاني يطهر بالغسل مرة بعد
العصر، والماء الثالث يطهر بالعصر لا غير؛ لأن حكم كل ماء حين كان في الثوب الأول - كان
هكذا، فكذا في الثوب الذي أصابه، واعتبروا [الذي أصابه] (٤) ذلك بالدلو المنزوح من البئر
النجسة، إذا صب في بئر طاهرة، أن الثانية تطهر بما تطهر به الأولى؛ كذا هذا.
وهل(٥) يجوز الانتفاع بالغسالة فيما سوى الشرب والتطهير؛ من بل الطين وسقي الدواب
ونحو ذلك، فإن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها - لا يجوز الانتفاع؛ لأنه لما تغير دل أن
النجس غالب؛ فالتحق بالبول، وإن لم يتغير شيء من ذلك يجوز؛ لأنه لما لم يتغير - دل
[على](٦) أن النجس لم يغلب على الطاهر؛ والانتفاع بما ليس بنجس العين - مباح في الجملة.
على هذا إذا(٧) وقعت الفأرة في السمن، فماتت فيه - أنه إن كان جامداً - تلقى الفأرة وما
حولها، ويؤكل الباقي، وإن كان ذائباً لا يؤكل، ولكن يستصبح به ويدبغ به الجلد، ويجوز
٣٢ب بيعه/ وينبغي للبائع أن يبين عيبه، فإن لم يبين وباعه، ثم علم به المشتري - فهو بالخيار؛ إن
شاء رده، وإن شاء رضي به.
وفصل بعض الشافعية فقال بطهارة الجامدة ونجاسة المائعة.
=
قال ابن تيمية. ((وسبب اختلاف العلماء في نجاستها كونها جامدة مطعومة وليست شراباً فقيل هي نجسة
وهو أصح مذهب الحنابلة وبعض الشافعية وقيل هي طاهرة لجمودها وهو الصحيح عند الشافعية، وقيل
المائعة نجسة والجامدة طاهرة)). ينظر حاشية عميرة على المنهاج ٦٩/١، والمجموع ٢/ ٥٦٣، سبل
السلام ٤٩/١، والمجموع ٥٦٣/٢، والمصباح ص ٥١٨، ولسان العرب ٣٩٨/٧، والمفردات صر.
١٨٧.
(١) في هامش ب: غسالة النجاسة الحقيقية والحكمية.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ط .
(٥) في هامش ب: جواز الانتفاع بالغسالة.
(٦) سقط في ط .
(٧) في هامش ب: الفأرة إذا وقعت في السمن.

٣٨٧
كتاب الطهارة
وقال الشافعي - رحمه الله: لا يجوز بيعه، ولا الانتفاع به، واحتج بما رُوِيَ عَنْ أبي
مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ
جَامِداً، فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ ذائِباً فَأَرِيقُوهُ))(١) ولو جاز الانتفاع به لما أمر
بإراقته؛ ولأنه نجس فلا يجوز الانتفاع به، ولا بيعه كالخمر.
(١) حديث ميمونة :
أخرجه البخاري (٩/ ٦٦٧) كتاب الذبائح والصيد - باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب
حديث (٥٥٣٨) ومالك (٩٧١/٢-٩٧٢) كتاب الاستئذان - باب ما جاء في الفأرة تقع في السمن - حديث
(٢٠) والطيالسي (٤٣/١-٤٤) كتاب الطهارة - باب تطهير إهاب الميتة وآنية الكفار وما يؤكل إذا وقعت فيه
نجاسة - حديث (١٢٦) وأحمد (٣٢٩/٦) - وأبو داود (١٨٠/٤) كتاب الأطعمة باب في الفأرة تقع في
السمن - حديث (٣٨٤١) والترمذي (٢٥٦/٤) كتاب الأطعمة باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن
حديث (١٧٩٨). النسائي (١٧٨/٧) كتاب الفرع والعتيرة - باب الفأرة تقع في السمن.
وابن الجارود (٨٧٢) وابن طهمان في ((مشيخته)) (ص - ١٢٩) رقم (٧١) والحميدي (١٤٩/١) رقم
(٣١٢) والدارمي (١٨٨/١) كتاب الوضوء باب الفأرة تقع في السمن وعبد الرزاق (٨٤/١) رقم (٢٨٩)
وأبو يعلى (٥٠٦/١٢) رقم (٧٠٧٨) وابن حبان (١٣٨٩) - الإحسان والطبراني (١٥/٢٤) رقم (٢٥)
والبيهقي (٩/ ٣٥٣) كتاب الضحايا باب السمن أو الزيت تموت فيه الفأرة.
من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن ميمونة.
أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسأل النبي ◌َّر عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله ابن عباس أن
النبي ◌َّليل سئل ولم يذكروا فيه عن ميمونة وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح وروى معمر عن الزهري
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي وَّ نحوه وهو حديث غير محفوظ وسمعت محمد بن
إسماعيل يقول: وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي وَ لير وذكر فيه
أنه سئل عنه فقال: إذا كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه هذا خطأ أخطأ فيه معمر
والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة أ - هـ.
وإليك شرح وتفسير كلام الترمذي.
أما حديث ابن عباس بدون ذكر ميمونة.
أخرجه أبو داود الطيالسي (٤٣/١-٤٤ - منحة) كتاب الطهارة: باب تطهير اهاب الميتة وأنيسة الكفار وما
يؤكل إذا وقعت فيه النجاسة حديث (١٢٦) ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن
ابن عباس به .
أما طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر أنه سئل عن الفأرة تموت
في السمن قال: إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه.
أخرجه أبو داود (١٨١/٤-١٨٢) كتاب الأطعمة: باب الفأرة تقع في السمن حديث (٣٨٤٢) وأحمد (٢/
٢٦٥،٢٣٣،٢٣٢) وأبو يعلى (٢١٦/١٠) رقم (٥٨٤١) وابن حبان (١٣٩٠ - الإحسان): والبيهقي (٩/
٣٥٣) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٩/٦ - بتحقيقنا) من طريق عبد الرزاق وهو في ((مصنفه)) (٢٧٨) عن
معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس به.
=

٣٨٨
كتاب الطهارة
ولنا ما روى ابنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنِ؟ فَقَالَ:
(ُلْقَى الفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَيُؤُكَلُ الْبَاقِي))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله؛ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ السَّمْنُ ذَائِباً، فَقَالَ:
(لاَ تَأْكُلُوا؛ لَكِنِ أَنْتَفِعُوا بِهِ) (١). وهذا نص في الباب؛ ولأنها في الجامد لا تجاور إلا ما حولها،
وفي الذائب تجاور الكل، فصار الكل نجساً، وأكل النجس لا يجوز، فأما الانتفاع بما ليس
بنجس العين - فمباح كالثوب النجس، وأمر النبي وََّ بِإِلْقَاءِ مَا حَوْلَهَا فِي الْجَامِدِ، وَإِرَاقَةِ الذَّائِبِ
في حَدِيثِ أبي موسى؛ لِبَيَانِ حُرْمَةِ الأَكْلٍ؛ لأن معظم الانتفاع بالسمن هو الأكْلُ.
والحد الفاصل بين الجامد والذائب، أنه إن كان بحال لو قور ذلك الموضع، لا يستوي
من ساعته؛ فهو جامد، وإن كان يستوي من ساعته فهو ذائب، وإذا دبغ(٢) به الجلد يؤمر
بالغسل، ثم إن كان ينعصر بالعصر - يغسل ويعصر ثلاث مرات، وإن كان لا ينعصر لا يطهر
عند محمد أبداً.
وقد تقدّم عن الترمذي والبخاري أن هذا غير محفوظ.
=
وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر (١٥٣/١): هذا حديث غريب تفرّد به معمر عن
الزهري وخالفه أصحاب الزهري في إسناده ... أ. هـ.
وهو الحديث السابق فقد خالفه سفيان ومالك والأوزاعي ويونس وقال أيضاً في تخريج المختصر (١/
١٥٤) عن حديث ميمونة.
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري عن الحميدي وأبو داود عن مسدّد والترمذي عن أبي عمار والنسائي
عن قتيبة كلهم عن سفيان بن عيينة. فوقع لنا بدلاً عالياً ولا سيما من الطريق الثاني، زاد الحميدي في
روايته، قيل لسفيان: أن معمراً حدث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، فقال: لم أسمعه من الزهري
إلا عن عبيد الله، ولقد سمعته منه مراراً، وهكذا حكم بخطأ معمر فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان
والدارقطني وغير واحد، ومال الذهلي إلى تصحيح الطريقين وأيّد ذلك بأن معمراً كان يحدث به على
الوجهين .
(١) أخرجه الدارقطني (٢٩٢/٤) من طريق يحيى بن أيوب بن جريج عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:
سئل رسول الله وَل# عن الفأرة تقع في السمن والودك قال ((اطرحوا ما حولها إن كان جامداً وإن كان مائعاً
فانتفعوا به ولا تأكلوا)).
وقد وهم. أبو حاتم هذا الطريق في ((العلل)) (١٢/٢).
وقال الحافظ في الفتح: (٥٨٦/٩): لكن السند إلى ابن جريج ضعيف والمحفوظ من قول ابن عمر.
وقال في: تخريج المختصر (١٥٥/١) هذا حديث غريب ويحيى بن أيوب صدوق له أو هام. أ. هـ.
وللحديث طريق آخر عن ابن عمر.
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٩٢/١) عنه قال: سئل رسول الله وَلّر عن فأرة وقعت في سمن
فقال: ((اطرحوها وما حولها وكلوه إن كان جامداً قالوا: يا رسول الله فإن كان مائعاً قال انتفعوا به)).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الجبار بن عمر قال محمد بن سعد كان بإفريقية وكان
ثقة وضعفه جماعة .
(٢) في هامش ب: دبغ الجلد بالزيت النجس.

٣٨٩
كتاب الطهارة
وعند أبي يوسف: يغسل ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة؛ وعلى هذا مسائل نذكرها
في موضعها إن شاء الله.
وأما غسالة(١) النجاسة الحكمية، وهي الماء المستعمل - فالكلام في الماء المستعمل
[يقع](٢) في ثلاثة مواضع:
أحدها: في صفته؛ أنه طاهر أم نجس.
والثاني: في أنه في أي حال يصير مستعملاً.
والثالث: في أنه بأيّ سبب يصير مستعملاً.
أما الأول: فقد ذكر في ((ظاهر الرواية)» أنه لا يجوزُ التوضؤ به، ولم يذكر أنه طاهر أم
نجس، وروى محمد عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور؛ وبه أخذ الشافعي، وهو أظهر أقوال
الشافعي .
وروى أبو يوسف، والحسن بن زياد عنه أنه نجس، غير أن الحسن روى عنه؛ أنه نجس
نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم، وبه أخذ، وأبو يوسف روى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر
فيه بالكثير الفاحش؛ وبه أخذ.
وقال زفر: إن كان المستعمل متوضأ - فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثاً
فهو طاهر غير طهور، وهو أحد أقاويل الشافعي، [وقال الشافعي](٣) في قول له: أنه طاهر
وطهور بكل حال؛ وهو قول مالك.
ثم مشايخ بلخ(٤) حققوا الخلاف، فقالوا: الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي
يوسف، وعند محمد: طاهر غير طهور، ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف، فقالوا: إنه طاهر
غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي؛ أنه كان يقول: إنا نرجو
ألاّ تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما
وراء النهر.
(١) في هامش ب: غسالة النجاسة الحكمية.
(٢) سقط في أ. ب.
(٣) سقط في ط.
(٤) (بَلْخ) مدينةٌ مشهورة بخراسان من أجلّها وأشهرها ذكراً وأكثرها [خيراً]، وبينها وبين تِرْمِذ اثنا عشر
فرسخاً. ويقال لجیحون نهر بلخ.
ينظر فرض الاطلاع (١/ ٢١٧).

٣٩٠
كتاب الطهارة
وجه قول من قال: إنه طهور ما روي عن النبي ◌َّر؛ أنه قال: ((الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ
شَيْءٌ إِلَّ مَا غَيِّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ))، ولم يوجد التغير بعد الاستعمال؛ ولأن هذا ماء طاهر
لاقى عضواً طاهراً، فلا يصير نجساً، كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر، والدليل على أنه
لاقى محلاً طاهراً أن أعضاء المحدث طاهرة حقيقة وحكماً. أما الحقيقة؛ فلانعدام النجاسة
الحقيقية حسًّا ومشاهدة وأما الحكم، فلما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّلِ كَانَ يَمُرُّ فِي بَعْضِ سِكَكِ
المَدِينَةِ، فَأَسْتَقْبَلَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ بَّهِ أَنْ يُصَافِحَهُ فَأَمْتَنَعَ، وَقَالَ: إِنِّي جُنُبٌ يَا
رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَرِ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ))(١)، وروي أنه وَرَّ قَالَ لِعَائِشَةَ - رضي الله
عنها -: (نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ))(٢) فَقَالَتْ: ((إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: لَيْسَتْ حَيْضَتُكَ فِي يَدِكِ))؛ ولهذا
(١) أخرجه أحمد (٢٣٥/٢)، والبخاري (٣٩٠/١) كتاب الغسل: باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجّس،
الحديث (٢٨٣)، ومسلم (٢٨٢/١) كتاب الحيض: باب الدليل على أن المسلم لا ينجّس، الحديث
(٣٧١): وأبو داود (١٥٦/١-١٥٧): كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، الحديث (٢٣١)،
والترمذي (٢٠٧/١-٢٠٨): كتاب الطهارة: باب ما جاء في مصافحة الجنب، الحديث (١٢١)، والنسائي
(١٤٥/١ - ١٤٦): كتاب الطهارة: باب مماسة الجنب ومجالسته (١٧١)، وابن ماجه (١٧٨/١): كتاب
الطهارة: باب مصافحة الجنب، الحديث (٥٣٤)، وأبو عوانة (٢٧٥/١) والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) (٧/١) من حديث أبي هريرة، ((أن النبي ◌َّ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب فانخنس منه
فذهب فاغتسل ثم جاء فقال له: أين كنت يا أبا هريرة، قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على
غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد (٣٨٤/٥)، ومسلم (٢٨٢/١) كتاب الحيض: باب الدليل على أن المسلم لا ينجس،
الحديث (٣٧٢/١١٦)، وأبو داود (١٥٦/١): كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، الحديث
(٢٣٠)، والنسائي (١٤٥/١): كتاب الطهارة: باب مماسة الجنب ومجالسته (١٧١)، وابن ماجه (١/
١٧٨): كتاب الطهارة: باب مصافحته الجنب، الحديث (٥٣٥) من حديث حذيفة بنحو القصة وفيه: ((أن
المسلم لا ينجس)).
وقد روى أبو موسى قصة حذيفة.
أخرجه الطبراني عن أبي موسى قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا خرج فرأى أحداً من أصحابه مسح وجهه
ودعا له قال: فخرج يوماً فلقي حذيفة فخنس عنه حذيفة فلما أتاه قال له رسول الله وسل *: يا حذيفة رأيتك
ثم انصرفت قال: لأني كنت جنباً قال: إن المسلم ليس بنجس. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٢٨٠)
وقال: ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني.
(٢) أخرجه أحمد (٤٥/٦)، ومسلم (٢٤٥/١): كتاب الحيض: باب جواز غسل الحائض برأس
زوجها ... ، الحديث (٢٩٨/١١)، وأبو داود (١٧٩/١): كتاب الطهارة: باب في الحائض تناول من
المسجد، الحديث (٢٦١)، والترمذي (٢٤١/١): كتاب الطهارة باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء
من المسجد، الحديث (١٣٤) والنسائي (١٩٢/١): كتاب الحيض: باب استخدام الحائض، وابن ماجه
(٢٠٧/١): كتاب الطهارة باب الحائض تتناول الشيء من المسجد، الحديث (٦٣٢)، والدارمي (١/
١٩٧): كتاب الطهارة: باب الحائض تبسط الخمرة، والطيالسي (١٤٣٠)، والبيهقي (١٨٦/١)، وأبو =

٣٩١
..
كتاب الطهارة
جاز صلاة حامل المحدث والجنب، وحامل النجاسة (١) لا تجوز صلاته.
وكذلك عرقه طاهر، وسؤره طاهر، وإذا كانت أعضاء المحدث طاهرة - كان الماء الذي
لاقاها طاهراً ضرورة؛ لأن الطاهر لا يتغير عما كان عليه إلا بانتقال شيء من النجاسة إليه، ولا
نجاسة في المحل على ما مر، فلا يتصور الانتقال فبقي طاهراً، وبهذا يحتج محمد لإثبات
الطهارة، إلا أنه لا يجوز التوضؤ به؛ لأنا تعبدنا باستعمال الماء عند القيام إلى الصلاة شرعاً -
عوانة (٣١٤/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧١/٣)، وابن أبي شيبة (٣٦٥/٢)، وعبد الرزاق
=
(١٢٥٨) من طرق، عن القاسم، عن عائشة به.
وقال الترمذي: حديث عائشة حسن صحيح.
وفي الباب عن أبي هريرة، وأم أيمن، وابن عمر، وأنس، وأبي بكرة أما:
[حديث أبي هريرة:
أخرجه مسلم (٢٤٥/١): كتاب الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... رقم (٢٩٩/١٣)،
وأبو عوانة (٣١٤/١)، والنسائي (١٤٦/١)، والبيهقي (١٨٦/١)، وأحمد (٤٢٨/٢) عنه قال بينما
رسول الله وَّر في ((المسجد)) فقال: يا عائشة ناوليني الثوب فقالت إني حائض فقال: إن حيضتك ليست
في يدك.
حديث ابن عمر:
أخرجه أحمد (٨٦/٢) من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَ ل قال لعائشة:
ناوليني الخمرة من المسجد قالت: إنها حائض قال: إنها ليست في كفك.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨٧/١ وقال: ورجاله رجال الصحيح].
حديث أم أيمن:
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣١/٢) بلفظ: ناوليني الخمرة من المسجد قالت ــ أم أيمن - إني
حائض فقال: إن حيضتك ليست في يدك. وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو نعيم، عن صالح بن
رستم فإن كان هو أبو نعيم الفضل بن دكين، فرجاله ثقات كلهم، وإن كان ضرار بن صرد، فهو
ضعيف .
والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (٥٩/١) كتاب الحيض: باب طهارة بدن الحائض
رقم (٢١١).
وعزاه إلى إسحاق بن راهويه في مسنده.
حديث أنس :
أخرجه البزار (١٦٣/١ - كشف) رقم (٣٢٣) من طريق أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس أن
رسول الله وَلقر قال لعائشة: ناوليني الخمرة قالت: إني حائض قال: إن حيضتك ليست في يدك، قال
البزار: لا نعلمه يروي عن أنس إلا بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٨٨/١) وقال: رواه البزار ورجاله موثقون.
حديث أبي بكرة:
أخرجه الطبراني في «الكبير» كما في ((المجمع)) (٢٨٨/١) وقال الهيثمي: ورجاله موثقون.
(١) في ب: النجس.

٣٩٢
كتاب الطهارة
غير معقول التطهير؛ لأن تطهير الطاهر محال، والشرع ورد باستعمال الماء المطلق، وهو الذي
لا يقوم به خبث، ولا معنى يمنع جواز الصلاة، وقد قام بالماء المستعمل أحد هذين المعنيين،
أما على قول محمد؛ فلأنه أقيم به قربة إذا توضأ [به](١) لأداء الصلاة؛ لأن الماء إنما يصير
مستعملاً بقصد التقرب عنده، وقد ثبت بالأحاديث أن الوضوء سبب لإزالة الآثام عن
١٣٣ المتوضى للصلاة، فينتقل ذلك إلى الماء، فيتمكن/ فيه نوع خبث كالمال الذي تصدق به؛
ولهذا سميت الصدقة غسالة الناس.
وأما على قول زفر؛ فلأنه قام به معنى مانع من جواز الصلاة وهو الحدث؛ لأن الماء
عنده إنما يصير مستعملاً بإزالة الحدث؛ وقد انتقل الحدث من البدن إلى الماء. ثم الخبث
والحدث وإن كانت من صفات المحل، والصفات لا تحتملُ الانتقال، لكن ألحق ذلك بالعين
النجسة القائمة بالمحل حكماً، والأعيان الحقيقية قابلة للانتقال، فكذا ما هو ملحقٌّ بها شرعاً،
وإذا قام بهذا الماء أحد هذين المعنيين لا يكون في معنى الماء المطلق، فيقتصر الحكم عليه
على الأصل المعهود؛ أن ما لا يعقل من الأحكام يقتصر على المنصوص عليه، ولا يتعدى إلى
غيره، إلا إذا كان(٢) في معناه من كل وجه، ولم يوجد.
وجه رواية النجاسة ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يُبَولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ
الذَّائِم، وَلاَ يَغْسِلَنَّ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ))(٣). حرم الاغتسال في الماء القليل؛ لإجماعنا على أن
الاغتسال في الماء الكثير - ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة
(١) سقط في أ، ب.
(٢) في ب: ما كان.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٦/١): كتاب الطهارة: باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، الحديث (٩٧/
٢٨٣)، وابن ماجه (١٩٨/١): كتاب الطهارة: باب الجنب ينغمس في الماء الدئم أيجزئه، الحديث
(٦٠٥)، والنسائي (١٢٤/١-١٢٥) كتاب الطهارة: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم حديث
(٢٢٠).
والدارقطني (٥٢/١): كتاب الطهارة: باب الاغتسال في الماء الدائم (١)، وابن خزيمة (١ / ٥٠) رقم
(٩٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) [١٤/١] والبيهقي (٢٣٧/١) من حديث أبي هريرة، قال: قال
رسول الله لو: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) فقال رجل كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال
يتناوله تناولاً .
وعند أحمد (٣١٦/٢)، وأبي داود (٥٦/١): كتاب الطهارة: باب البول في الماء الراكد، الحديث
(٧٠)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٧٥/١) من وجه آخر عنه: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا
يغتسل فيه من جنابة)) .
وينظر طرق الحديث في الحديث السابق.

٣٩٣
كتاب الطهارة
الغسالة - [لم يكن](١) للنهي معنى؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر - ليس بحرام، أما تنجيس
الطاهر فحرام، فكان هذا نهياً عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، وذا يقتضي التنجيس به،
ولا يقال: إنه يحتمل أنه نهي؛ لما فيه من إخراج الماء عن أن يكون مطهراً من غير ضرورة،
وذلك حرام؛ لأنا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهراً باختلاط غير المطهر به، إذا
كان الغير غالياً عليه، كماء الورد واللبن ونحو ذلك، فأما إذا كان مغلوباً فلا. وههنا الماء
المستعمل ما يلاقي البدن، ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن
يكون مطهراً، فأما ملاقاة النجس الطاهر - فتوجب تنجيس الطاهر، وإن لم يغلب [النجس](٢
على الطاهر؛ لاختلاطه بالطاهر، على وجه لا يمكن التمييز بينهما، فيحكم بنجاسة الكل؛
فثبت أن النهي لما قلنا.
ولا يقال [إنه](٣) يحتمل أنه نهي؛ لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية، وذا
يوجب تنجيس الماء القليل؛ لأنا نقول: الحديث مطلق، فيجب العمل [بإطلاقه](٤) ولأن
[النهي عن الاغتسال](6) ينصرف إلى الاغتسال المسنون؛ لأنه هو المتعارف فيما بين
المسلمين، والمسنون، منه هو إزالةُ النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال، على أن النهي
عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن - استفيد بالنهي عن البول فيه، فوجب حمل النهي
عن الاغتسال فيه على ما ذكرنا، صيانة لكلام [صاحب الشرع] (٦) عن الإعادة الخالية عن
الإفادة؛ ولأن هذا مما تستخبثه الطباع السليمة فكان محرماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة؛ ولأن الأمة أجمعت على أن من
کان في السفر، ومعه ماء یکفیه لوضوئه، وهو بحال یخاف على نفسه العطش ۔ یباح له التيمم،
ولو بقي الماء طاهراً بعد الاستعمال لما أبيح؛ لأنه يمكنه أن يتوضأ، ويأخذ الغسالة في إناء
نظيف، ويمسكها للشرب.
والمعنى في المسألة من وجهين:
أحدهما: في المحدث خاصة.
والثاني: يعم الفصلين.
(١) في ب: لما كان.
(٢) سقط في ط .
(٣) سقط في أ، ب.
(٤) سقط في أ، ب.
(٥) في ب: الأمر بالاغتسال.
(٦) في أ، ب: الشارع.

٠ ٣٩٤
كتاب الطهارة
أما الأول: فلأن الحدث هو خروج شيء نجس من البدن، وبه يتنجس بعض البدن
حقيقة، فيتنجس الباقي تقديراً؛ ولهذا أمرنا بالغسل والوضوء، وسمي تطهيراً، وتطهير الطاهر
لا يعقل، فدلَّ تسميتها تطهيراً على النجاسة تقديراً؛ ولهذا لا يجوز له أداء الصلاة التي هي من
باب التعظيم، ولولا النجاسة المانعة من التعظيم - لجازت، فثبت أن على أعضاء المحدث
نجاسة تقديرية، فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء، فيصير الماء نجساً تقديراً وحكماً،
والنجس قد یکون حقيقياً، وقد يكون حكمیاً کالخمر.
والثاني: ما ذكرنا أنه يزيل نجاسة الآثام وخبثها، فنزل ذلك منزلة خبث الخمر، إذا
أصاب الماء ينجسه(١) كذا هذا.
ثم أن أبا يوسف جعل نجاسته خفيفة؛ لعموم البلوى فيه؛ لتعذر صيانة الثياب عنه؛
ولكونه محل الاجتهاد؛ فأوجب ذلك خفة في حكمه، والحسن جعل نجاسته غليظة؛ لأنها
نجاسة حكمية، وأنها أغلظ من الحقيقية.
ألا ترى أنه عفى عن القليل من الحقيقة دون الحكمية؛ بأن بقي على جسده لمعة يسيرة
وعلى هذا الأصل ينبني أن التوضؤ(٢) في المسجد مكروه عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا بأس به، إذا لم يكن عليه قذر، فمحمد مر على أصله أنه طاهر، وأبو
يوسف مر على أصله أنه نجس، وأما عند أبي حنيفة فعلى رواية النجاسة لا يشكل، وأما على
رواية الطهارة؛ فلأنه مستقذر طبعاً، فيجب تنزيه المسجد عنه؛ كما يجب تنزيهه عن المخاط
والبلغم.
٣٣ ب
ولو اختلط(٣) الماء المستعمل بالماء القليل - قال بعضهم: لا يجوز/ التوضؤ به، وإن
قل؛ وهذا فاسد.
أما عند محمد؛ فلأنه طاهر لم يغلب على الماء المطلق/ فلا يغيره عن صفة الطهورية
كاللبن، وأما عندهما؛ فلأن القليل مما لا يمكن التحرز عنه يجعل (٤) عفواً؛ ولهذا قال ابن
عباس - رضي الله عنه - حين سئل عن القليل منه: لا بأس به، وسئل الحسن البصري عن
القليل فقال: ومن يملك نشر الماء، وهو ما تطاير منه عند الوضوء وانتشر، أشار إلى تعذر
التحرز عن القليل؛ فكان القليل عفواً، ولا تعذر في الكثير فلا يكون عفواً.
(١) في ب: نجسه.
(٢) في هامش ب: الوضوء في المسجد مكروه.
(٣) في هامش ب: اختلاط الماء المستعمل بالماء القليل.
(٤) في ب: فجعل.

٣٩٥
كتاب الطهارة
ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق، وعندهما أن يتبين مواقع القطرة في
الإناء .
وأما بيان حال الاستعمال، وتفسير(١) الماء المستعمل - فقال(٢) بعض مشايخنا: الماء
المستعمل ما زايل البدن واستقر في مكان. وذكر في ((الفتاوى)): أن الماء إذا زال عن البدن لا
ينجس ما لم يستقر على الأرض أو في الإناء؛ وهذا مذهب سفيان الثوري، فأما عندنا فما دام
على العضو الذي استعمله فيه - لا يكون مستعملاً، وإذا زايله صار مستعملاً، وإن لم يستقر
على الأرض أو في الإناء، فإنه ذكر في الأصل إذا مسح رأسه بماء - أخذه من لحيته لم يجزه،
وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء.
وذكر في ((باب المسح على الخفين)) أن مَنْ مسح على خفيه، وبقي في كفه بلل، فمسح
به رأسه - لا يجزيه، وعلل بأن هذا [ماء](٣) قد مسح به مرة أشار إلى صيرورته مستعملاً، وإن
لم يستقر على الأرض أو في الإناء، وقالوا فيمن توضأ وبقي على رجله لمعة فغسلها ببلل -
أخذه من عضو آخر: لا يجوز، وإن لم يوجد الاستقرار على المكان (٤)؛ فدل على أن المذهب
ما قلنا .
أما سفيان فقد استدل بمسائل زعم أنها تدل على صحة ما ذهب إليه.
ومنها إذا توضأ أو اغتسل، وبقي على يده لمعة، فأخذ البلل منها في الوضوء أو من أي
عضو(٥) كان في الغسل، وغسل اللمعة يجوز.
ومنها إذا توضأ وبقي في كفه بلل، فمسح به رأسه؛ يجوز، وإن زايل العضو الذي
استعمله فيه؛ لعدم الاستقرار في مكان، ومنها إذا مسح (٦) أعضاءه بالمنديل، وابتل حتى صار
كثيراً فاحشاً، أو تقاطر الماء على ثوب مقدار الكثير الفاحش - جازت الصلاة معه، ولو أعطى
له حكم الاستعمال عند المزايلة - لما جازت.
ولنا: أن القياس أن يصير الماء مستعملاً بنفس الملاقاة؛ لما ذكرنا فيما تقدم أنه وجد
سبب صيرورته مستعملاً، وهو إزالة الحدث، أو استعماله على وجه القربة، وقد حصل ذلك
(١) في هامش ب: تفسير الماء المستعمل.
(٢) في ب: فقالت.
(٣) سقط في أ، ب.
(٤) في ب: الأرض.
(٥) في أ، ب: موضع.
(٦) في هامش ب: مسح أعضائه بالمنديل وابتلّ.

٣٩٦
كتاب الطهارة
بمجرد الملاقاة، فكان ينبغي أن يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من الماء، إلا أن في ذلك
حرجاً، فالشرع أسقط اعتبار حالة الاستعمال في عضو واحد حقيقة، أو في عضو واحد
حكماً؛ كما في الجنابة ضرورة دفع الحرج، فإذا زايل العضو زالت الضرورة، فيظهر حكم
الاستعمال بقضية القياس، وقد خرج الجواب عن المسألة الأولى.
وأما المسألة الثانية: فقد ذكر الحاكم الجليل؛ أنها على التفصيل، إن لم يكن استعمله
في شيء من أعضائه - يجوز - أما إذا كان استعمله - لا يجوز، والصحيح أنه يجوز وإن استعمله
في المغسولات؛ لأن فرض الغسل إنما تأدى بماء جرى على عضوه، لا بالبلة الباقية [في
كفه](١)، فلم تكن هذه البلة مستعملة، بخلاف ما إذا استعمله في المسح على الخف، ثم مسح
به رأسه؛ حيث لا يجوز؛ لأن فرض المسح يتأدى بالبلة. وتفصيل الحاكم محمول على هذا.
وما مسح بالمنديل، أو تقاطر على الثوب فهو مستعمل، إلا أنه لا يمنع جواز الصلاة؛
لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد، وهو المختار، وعندهما وإن كان نجساً؛ لكن سقوط (٢)
اعتبار نجاسته ههنا لمكان الضرورة.
وأما بيان(٣) سبب صيرورة الماء مستعملاً - فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: الماء إنما يصير
مستعملاً بأحد أمرين: إما بإزالة الحدث، أو بإقامة القربة.
وعند محمد: لا يصير مستعملاً إلا بإقامة القربة.
وعند زفر، والشافعي: لا يصير مستعملاً إلا بإزالة الحدث، وهذا الاختلاف لم ينقل
عنهم نصاً، لكن مسائلهم تدل عليه، والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لما ذكرنا من
زوال المانع من الصلاة إلى الماء، واستخباث الطبيعة إياه في الفصلين جميعاً.
إذا عرفنا هذا فنقول: إذا (٤) توضأ بنية إقامة القربة؛ نحو الصلاة المعهودة، وصلاة
الجنازة، ودخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن، ونحوها - فإن كان محدثاً صار
الماء مستعملاً بلا خلاف؛ لوجود السببين، وهو إزالة الحدث وإقامة القربة جميعاً، وإن لم
يكن محدثاً يصير مستعملاً عند أصحابنا الثلاثة؛ لوجود إقامة القربة؛ لكون الوضوء على
الوضوء نوراً على نور (٥).
(١) سقط في ط .
(٢) في أ، ب: سقط.
(٣) في هامش ب: سبب صيرورة الماء مستعملاً.
(٤) في هامش ب: توضّأ بنية إقامة القربة.
(٥) قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١٣٥/١) لم أجد له أصلاً.
بدائع الصنائع ج١ - ٢٥٣

٣٩٧
كتاب الطهارة
وعند زفر، والشافعي: لا يصير مستعملاً؛ لانعدام(١) إزالة الحدث.
ولو توضأ أو اغتسل للتبرد فإن كان محدثاً صار الماء مستعملاً عند أبي حنيفة وأبي
يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود/ إزالة الحدث.
١٣٤
وعن محمد: لا يصير مستعملاً؛ لعدم إقامة القربة، وإن لم يكن محدثاً لا يصير
مستعملاً بالاتفاق على اختلاف الأصول.
ولو توضأ بالماء المقيد(٢) كماء الورد ونحوه - لا يصير مستعملاً بالإجماع؛ لأن
التوضؤ(٣) به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث، ولا إقامة القربة، وكذا إذا غسل الأشياء
الطاهرة من الثبات والثمار والأوانى والأحجار ونحوها، أو غسل يده من الطين والوسخ،
وغسلت المرأةُ يدها من العجين أو الحناء ونحو ذلك؛ لا يصير مستعملاً لما قلنا؛ ولو غسل
يده للطعام أو من الطعام؛ لقصد إقامة السنة - صار الماءُ مستعملاً، لأَنَّ إِقامة السنة قُرْبَةٌ؛ لِقَوْلِ
النَّبِيِّ ◌ََّ: ((الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ بَرَكَةٌ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ)) (٤).
ولو (٥) توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم زاد على ذلك - فإن أراد بالزيادة ابتداء الوضوء - صار الماء
مستعملاً لما قلنا، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول اختلف المشايخ فيه، فقال بعضهم: لا
يصير مستعملاً؛ لأن الزيادة على الثلاث من باب التعدي بالنص.
وقال بعضهم: يصير مستعملاً؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء؛ فكانت
قربة .
ولو أدخل (٦) جنب أو حائض أو محدث يده في الإناء - قبل أن يغسلها، وليس عليها
(١) في أ، ب: لعدم.
(٢) في ب: توضأ لا بالماء المطلق.
(٣) في هامش ب: توضّأ لا بالماء المطلق.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٠٦/٤ كتاب الأطعمة من حديث قيس بن الربيع ثنا أبو هاشم الرماني عن
زاذان عن سلمان مرفوعاً بلفظ ((الوضوء قبل الطعام وبعد الطعام بركة الطعام)) وقال: تفرّد به قيس بن
الربيع عن أبي هاشم وانفراده على علو محله أكثر من أن يمكن تركها في هذا الكتاب وتعقبه الذهبي
فقال: تفرد به قیس قلت: مع ضعف قیس فيه إرسال.
وذكره الهيثمي في المجمع ٢٦/٥ عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((الوضوء قبل الطعام وبعده مما يتقي الفقر
وهو من سنن المرسلين)) وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: فيه نهشل بن سعيد وهو متروك وينظر كنز
العمال (٢٤٢/١٥) (٤٠٧٦١).
(٥) في هامش ب: توضّأ ثلاثاً ثلاثاً ثم زاد على ذلك.
(٦) في هامش ب: أدخل جنب يده في الإناء.

٣٩٨
كتاب الطهارة
قذر، أو شرب الماء منه - فقياس أصل أبي حنيفة وأبي يوسف؛ أن يفسد، وفي الاستحسان لا
یفسد .
وجه القياس أن الحدث زال عن يده بإدخالها في الماء، وكذا عن شفته؛ فصار
مستعملاً، وجه الاستحسان ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: ((كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ
اللهِ وَلَهُ ـ نَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا كَانَتْ تَتَنَازَعُ فِيهِ الأَيْدِي))(١) وروينا أيضاً عَنْ عَائِشَةَ -
رضي الله عنها - أنَّها كانَتْ تَشْربُ مِنْ إناءٍ وَهيَ حائِضٌ وكان رسُولُ اللهِ وَّهِ يَشْرَبُ مِنْ ذلكَ
الإِنَاءِ وكان يَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ فمها (٢)؛ حُبًّا لَهَا؛ ولأن التحرز عن إصابة الحدث والجنابة والحيض -
(١) وقد ورد هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة وميمونة، أما حديث عائشة قالت: ((كنت أغتسل أنا
والنبي ◌َّ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة)).
أخرجه البخاري (١/ ٣٧٣): كتاب الغسل: باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها. الحديث
(٢٦١) وليس عنده: من الجنابة، وإنما هي عند مسلم، ومسلم (٢٥٦/١): كتاب الحيض: باب القدير
المستحب من الماء في غسل الجنابة، الحديث (٣٢١/٤٥)، وأبو داود (٦٨٦٧/١): كتاب الطهارة: باب
الوضوء بفضل وضوء المرأة رقم: (٧٧)، والنسائي (١٢٨/١-١٢٩) كتاب الطهارة: باب ذكر اغتسال الرجل
والمرأة من إناء واحد رقم (٢٣٢، ٢٣٣، ٢٣٥،٢٣٤)، والترمذي (٢٠٥/٤) كتاب اللباس: باب ما جاء في
الجُمَّة واتخاذ الشعر رقم (١٧٥٥)، وابن ماجه (١٣٣/١): كتاب الطهارة: باب الرجل والمرأة يغتسلان من
إناء واحد، حديث (٣٧٦)، وأحمد (١٩٢/٦)، والطيالسي (٤٢/١) رقم (١١٦)، والحميدي (١٥٩)،
وأبو عوانة (٢٣٣/١-٢٣٤)، وابن خزيمة (٢٥٠)، وابن حبان (١٠٩٧) من طرق كثيرة عن عائشة.
حديث أم سلمة أخرجه البخاري (١/ ٤٢٢): كتاب الحيض: باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها،
الحديث (٣٢٢)، ومسلم (١ / ٥٧): كتاب الحيض: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة،
الحديث (٣٢٤/٤٩)، والنسائي (١/ ١٥٠): كتاب الطهارة: باب مضاجعة الحائض رقم (٢٨٤)، وأحمد
(٦/ ٣١٠،٢٩١) والدارمي (٢٤٣/١)، والبيهقي (٣١١/١)، وابن حبان (١٣٥٣) عن أم سلمة.
حديث ميمونة :
أخرجه البخاري (٣٦٦/١): كتاب الغسل: باب الغسل بالصاع ونحوه، الحديث (٢٥٣)، ومسلم (١/
٢٥٧): كتاب الحيض: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، الحديث (٣٢٢/٤٧)،
والترمذي (١/ ٩١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من واحد رقم (٦٢)، والنسائي
(١٢٩/١): كتاب الطهارة: باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد رقم (٢٣٦)،
والحميدي (١٤٨/١) رقم (٣٠٩) والشافعي في («المسند» (ص٩)، وأحمد (٣٢٩/٦)، والبيهقي (١/
١٨٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٦/٢ الأبي) في الحيض، باب: جواز غسل الحائض (٣٠٠/١٤)، وأخرجه أبو داود
(٦٨/١) كتاب ((الطهارة)) باب: ((مؤاكلة الحائض ومجامعتها)) حديث (٢٥٩)، والنسائي (١٩١/١) كتاب:
الحيض، باب: ((الانتفاع بفضل الحائض)) حديث (٣٧٩) وفي الكبرى (٣٥٠/٥) كتاب: عشرة النساء،
باب: مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها والانتفاع بفضلها، حديث (١/٩١٢٠)، وابن ماجه (١/
٢١١)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها حديث (٦٤٣).

٣٩٩
كتاب الطهارة
غير ممكن، وبالناس حاجة إلى الوضوء والاغتسال والشرب، وكل واحد (١) لا يملك الإناء؛
ليغترف الماء من الإناء العظيم، ولا كل أحد يملك أن يتخذ آنية على حدة للشرب، فيحتاج
إلى الاغتراف باليد، والشرب من كل آنية، فلو لم يسقط اعتبار نجاسة اليد والشفة - لوقع
الناس في الحرج، حتى لو أدخل رجله فيه يفسد الماء؛ لانعدام(٢) الحاجة إليه في الإناء، ولو
أدخلها في البئر لم يفسده، كذا ذكر أبو يوسف في ((الأمالي))؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في البئر
لطلب الدلو فجعل عفواً، ولو أدخل في الإناء أو البئر بعض جسده سوى اليد والرجل -
أفسده؛ لأنه لا حاجة إليه .
وعلى هذا الأصل تخرج مسألة البئر إذا انغمس(٣) الجنب فيها؛ الدلو، لا بنية الاغتسال،
وليس على بدنه نجاسة حقيقية، والجملة فيه أن الرجل المنغمس لا يخلو، إما أن يكون
طاهراً، أو لم يكن؛ بأن كان على بدنه نجاسة حقيقية، أو حكمية؛ كالجنابة والحدث، وكل
وجه على وجهين؛ إما أن ينغمس؛ لطلب الدلو أو للتبرد أو للاغتسال، وفي المسألة حكمان:
حكم الماء الذي في البئر، وحكم الداخل فيها: فإن كان طاهراً وانغمس لطلب الدلو أن للتبردٍ
- لا يصير مستعملاً بالإجماع لعدم إزالة الحدث، وإقامة القربة، وإن انغمس فيها للاغتسال
صار الماء مستعملاً عند أصحابنا الثلاثة؛ لوجود إقامة القربة.
وعند زفر والشافعي: لا يصير مستعملاً؛ لانعدام(٤) إزالة الحدث، والرجل طاهر في
الوجهين جميعاً، وإن لم يكن طاهراً، فإن كان على بدنه نجاسة حقيقية وهو جنب أولاً،
فانغمس في ثلاثة آبار أو أكثر من ذلك - لا يخرج من الأولى والثانية طاهراً بالإجماع، ويخرج
من الثالثة طاهراً عند أبي حنيفة ومحمد، والمياه الثلاثة نجسة، لكن نجاستها على التفاوت على
ما ذکرنا.
وعند أبي يوسف: المياه كلها نجسة، والرجل نجس؛ سواء انغمس لطلب الدلو، أو
التبرد أو الاغتسال.
وعندهما إن انغمس لطلب الدلو أو للتبرد - فالمياه باقية على حالها، وإن كان(٥)
الانغماس للاغتسال ـ فالماء الرابع فصاعداً مستعمل؛ لوجود إقامة القربة، وإن كان على يده
(١) في ب: أحد.
(٢) في ب: لعدم.
(٣) في هامش ب: الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو.
(٤) في أ، ب: لعدم.
(٥) في هامش ب: إذا كان الانغماس للاغتسال.

٤٠٠
كتاب الطهارة
نجاسة حكمية فقط، فإن أدخلها لطلب الدلو أو التبرّد - يخرج من الأولى طاهراً عند أبي حنيفة
ومحمد وهو الصحيح؛ لزوال الجنابة بالانغماس مرة واحدة.
وعند أبي يوسف: هو جنب ولا يخرج طاهراً أبداً.
وأما حكم المياه: فالماء الأول مستعمل عند أبي حنيفة؛ لوجود إزالة الحدث، والبواقي
على حالها؛ لانعدام ما يوجب الاستعمال أصلاً، وعند أبي يوسف ومحمد: المياه كلها على
حالها .
أما عند محمد: فظاهر؛ لأنه لم يوجد إقامة القربة بشيء منها، وأما أبو يوسف: فقد
ترك أصله عند الضرورة على ما يذكر، وروى بشر عنه: أن المياه كلها نجسة، وهو قياس
مذهبه .
والحاصل أن عند أبي حنيفة ومحمد: يطهر النجس بوروده على الماء القليل، كما يطهّر
٣٤ب بورود الماء عليه بالصب، سواء كان حقيقياً/ أو حكمياً على البدن(١) أو على غيره، غير أن
النجاسة الحقيقية لا تزول إلا بالملاقاة ثلاث مرات، والحكمية تزول بالمرة الواحدة.
وعند أبي يوسف: لا يطهر النجس عن البدن بوروده على الماء القليل الراكد قولاً
واحداً، وله في الثوب قولان.
أما الكلام(٢) في النجاسة الحقيقية في الطرفين - فسيأتي في بيان ما يقع به التطهير - وأما
النجاسة الحكمية: فالكلام فيها على نحو الكلام في الحقيقية - فأبو يوسف يقول: الأصل أن
ملاقاة أول عضو المحدث الماء - يوجب صيرورته مستعملاً، فكذا ملاقاة أول عضو الطاهر
الماء على قصد إقامة القربة، وإذا صار الماء مستعملاً بأول الملاقاة - لا تتحقق طهارته بقية
الأعضاء بالماء المستعمل، فيجب العمل بهذا الأصل إلا عند الضرورة كالجنب والمحدث إذا
أدخل يده في الإناء، لاغتراف الماء - لا يصير مستعملاً، ولا يزول الحدث إلى الماء لمكان
الضرورة .
وههنا ضرورة لحاجة الناس إلى إخراج الدلاء من الآبار؛ فترك أصله لهذه الضرورة؛
ولأن هذا الماء لو صار مستعملاً إنما يصير مستعملاً بإزالة الحدث، ولو أزال الحدث لتنجس،
ولو تنجس لا يزيل الحدث، وإذا لم يزل الحدث بقي طاهراً، وإذا بقي طاهراً يزيل الحدث؛
فيقع الدور، فقطعنا الدور من الابتداء، فقلنا: إنه لا يزيل الحدث عنه [من الابتداء](٣)، فبقي
(١) في ب: بدن.
(٢) في هامش ب: الكلام في النجاسة الحكمية.
(٣) سقط في ط.