Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الطهارة
وأجزأ مهموزاً بمعنى الكفاية](١)، وهذا ينفى وجوب الإعادة، وما ذكر من اعتبار الوجود بعد
الفراغ من الصلاة بالوجود في الصلاة - غير سديد؛ لأنه مخالف للحقيقة من غير ضرورة.
ألا ترى أن الحدث الحقيقي بعد الفراغ من الصلاة - لا يجعل كالموجود في خلال(٢)
الصلاة؛ كذا هذا.
وأما قوله: إنه أقيم مقام (٣) الأصل فنعم، لكن بعد حصول المقصود بالبدل، والقدرة
على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل - لا تبطل حكم البدل؛ كالمعتدة بالأشهر إذا حاضت
بعد انقضاء العدة بالأشهر بخلاف الشيخ الفاني، إذا أحج رجلاً بماله، وفدى عن صومه، ثم
قدر بنفسه؛ لأن جواز الاحجاج والفدية معلق باليأس عن الحج بنفسه، والصوم بنفسه، فإذا
قدر بنفسه ظهر أنه لا يأس، فأما جواز التيمم فمعلق بالعجز عن استعمال الماء، والعجز كان
متحققاً عند الصلاة، وبوجود الماء بعد ذلك لا يظهر أنه لا عجز فهو الفرق.
فصل في بيان الطهارة الحقيقية
وأما الطهارة(٤) الحقيقية، وهي الطهارة عن النجس: فالكلام فيها في الأصل في ثلاثة
مواضع :
أحدها: في بيان أنواع الأنجاس.
والثاني: في بيان المقدار الذي يصير المحل به نجساً شرعاً.
والثالث: في بيان ما يقع به تطهير النجس.
أما أنواع الأنجاس فمنها ما ذكره الكرخي في ((مختصره)) أن كل ما يخرج من بدن
الإنسان مما يجب بخروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس؛ من البول والغائط، والودي والمذي
والمني، ودم الحيض والنفاس والاستحاضة، والدم السائل من الجرح والصديد، والقيء ملء
ناجية، وقد وثقه النسائي، ويحيى بن بكير، وابن حبان، وأثنى عليه أحمد بن صالح، وابن يونس،
=
وأحمد، وابن سعد، وابن أبي مريم، وله شاهد من حديث ابن عباس، قال إسحاق بن راهويه في
مسنده: أنا زيد بن أبي الزرقاء، ثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة. عن حنش، عن ابن عباس: أن النبي وَيهر
بال ثم تيمّم. فقيل له: إن الماء قريب منك، فقال: ((فلعلي لا أبلغه)).
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: حال.
(٣) في ط: وأما قوله أنه قدر على الأصل.
(٤) في هامش ب: بيان الطهارة عن الأنجاس.

٣٦٢
كتاب الطهارة
الفم؛ لأن الواجب بخروج ذلك مسمى بالتطهير، قال الله تعالى في آخر آية الوضوء: ﴿وَلْكِنْ
يُرِيدُ لِيُطَهْرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقال في الغسل من الجنابة. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال في
الغسل من الحيض: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُزْنَ﴾. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة، وقال
تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والطباع السليمة تستخبث هذه الأشياء،
والتحريم لا للاحترام دليل النجاسة؛ ولأن معنى النجاسة موجود في ذلك كله؛ إذ النجس اسم
للمستقذر، وكل ذلك مما تستقذره الطباع السليمة؛ لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة، ولا
خلاف في هذه الجملة إلا في المني، فإن الشافعي: زعم أنه طاهر؛ واحتج بما رُوِيّ عَنْ
عَائِشَةِ - رَضِيَ الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: ((كُنْتُ أَفْرِكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِوََّ فَرْكاً وَهُوَ يُصَلّي
فِيهِ»(١)، والواو واو الحال، أي: في حال صلاته، ولو كان نجساً لما صحَّ شروعه في الصلاة
معه، فينبغي أن يعِيد، ولم ينقل إلينا الإعادة، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ:
((المنيُّ كَالمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنك ولو بالإِذخر))(٢). شبهه بالمخاط، والمخاط ليس بنجس كذا
المني، وبه تبين أن الأمر بإماطته لا لنجاسته بل لقذارته؛ ولأنه أصل الآدمي المكرم، فيستحيل
أن يكون نجساً.
ولنا: ما روي أن عَمَّار بن ياسر - رضي الله عنه - كَانَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنَ النُّخَامَةِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ
رَسُولُ اللهِوَّهِ فَقَالَ لَهُ مَا تَصْنَعُ يَا عَمَّارُ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ وَرَ: ((مَا نُخَامَتُكَ وَدُمُوعُ عَيْنَيْكَ
وَالمَاءُ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ إِلَّ سَوَاءٌ؛ إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: بَوْلٍ، وَغَائِطٍ، وَقَيْءٍ، وَمَنِيٍّ،
وَدَم))(٣) أخبر أَن الثوبَ يُغْسَلُ مِنْ هُذِهِ الجملة لا محالة، وما يغسل الثوب منه لا محالة يكون
(١) أخرجه مسلم (٢٣٨/١): كتاب الطهارة: باب حكم المني، الحديث (٢٨٨/١٠٥)، وأحمد (١٣٢/٦).
وأبو داود (٢٥٩/١): كتاب الطهارة: باب المني يصيب الثوب، الحديث (٣٧١)، والنسائي (١٥٦/١):
كتاب الطهارة: باب فرك المني من الثوب، والترمذي (٢٠٠/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في المني
يصيب الثوب. حديث: (١١٦) وابن ماجه (١٧٩/١) كتاب الطهارة: باب في فرك المني من الثوب
(٥٣٧) والطحاوي (٢٩/١)، وابن الجارود رقم (١٣٧)، وأبو عوانة (٢٠٤/١-٢٠٥) كلهم من رواية
الأسود عنها.
وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه (١٤٦/١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٨٧/١ - بتحقيقنا).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور كما في ((كنز العمال)) (٥٣٢/٩-٥٣٣) رقم (٢٧٢٩٧، ٠٢٧٢٩٨ ٢٧٢٢٩٩).
(٣) أخرجه الدارقطني (١٢٧/١) في الطهارة، باب: نجاسة البول والأمر بالتنزه منه ... حديث (١) وقال:
لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جداً، وإبراهيم وثابت ضعيفان، وإبراهيم هذا هو ابن زكريا،
وثابت هو ثابت بن حماد، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٩٨/٢) ضمن ترجمة ثابت هذا.
والبيهقي في السنن الكبرى (١٤/١)، والعقيلي في الضعفاء (١٧٦/١) ضمن ترجمة ثابت بن حماد وأبو
نعيم في المعرفة كما في التلخيص. وقال الحافظ في التلخيص (٤٩/١): وفيه ثابت بن حماد، عن
علي بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورين كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد واتهمه بعضهم =

٣٦٣
كتاب الطهارة
نجساً، فدلَّ أن المنيَّ نجسٌ، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ لَهَا:
(إِذَا رَأَيْتِ المَنِيَّ فِي ثَوْيِكَ: فَإِنْ كَانَ رَطْباً فَأَغْسِلِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَابِساً فَحُثِّيهِ» (١). ومطلق الأمر
محمول على الوجوب، ولا يجب إلا إذا كان نجساً؛ ولأن الواجب بخروجه أغلظ الطهارتين
وهي الاغتسال، والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة، وغلظ الطهارة يدل على غلظ النجاسة كدم
الحيض والنفاس، ولأنه يمر بميزاب النجس، فينجس بمجاورته، وإن لم يكن نجساً بنفسه،
وكونه أصل الآدمي لا ينفي أن يكون نجساً كالعلقة والمضغة، وما روي من الحديث يحتمل أنه
كان قليلاً، ولا عموم له؛ لأنه حكاية حال، أو نحمله على ما قلنا توفيقاً بين الدلائل، وتشبيه
ابن عباس - رضي الله عنهما - إياه بالمخاط - يحتمل أنه كان في الصورة لا في الحكم؛ لتصوره
بصورة المخاط والأمر بالإماطة بالإذخر لا ينفي الأمر بالإزالة بالماء، فيحتمل أنه أمر بتقديم
الإماطة؛ كيلا تنتشر النجاسة في الثوب؛ فيتعسر غسله.
وأما الدم(٢) الذي يكون على رأس الجرح والقيء، وإذا كان أقل من ملء الفم - فقد
روي عن أبي يوسف أنه ليس بنجس، وهو قياس ما ذكره الكرخي؛ لأنه لا يجب بخروجه
الوضوء.
وعند محمد: نجس، هو يقول: إنه جزء من الدم المسفوح، والدم المسفوح/ نجس ١٣٠
بجميع أجزائه، وأبو يوسف يقول: إنه ليس بمسفوح بنفسه، والنجس هو الدم المسفوح؛ لقوله
تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرجس هو النجس، فظاهر الآية يقتضي أن لا محرم
سواها، فيقتضي أن لا نجس سواها؛ إذ لو كان لكان محرماً، إذ النجس محرم؛ وهذا خلاف
ظاهر الآية.
ووجه آخر من الاستدلال بظاهر الآية؛ أنه نفي حرمة غير المذكور، وأثبت حرمة
المذكور، وعلل لتحريمه بأنه رجس أي نجس، ولو كان غير المذكور نجساً - لكان محرماً؛
لوجود علة التحريم، وهذا خلاف النص؛ لأنه يقتضي أن لا محرم سوى المذكور فيه، ودم
بالوضع، وقال اللالكائي: اجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث، وقال
=
الطبراني: تفرّد به ثابت بن حماد، ولا يروي عن عمار إلا بهذا الإسناد، وقال البيهقي: هذا حديث
باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متّهم بالوضع، قلت: رواه البزار، والطبراني من طريق إبراهيم بن
زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، ولكن إبراهيم ضعيف وقد غلط فيه، إنما يرويه
ثابت بن حماد. وينظر العلل المتناهية لابن الجوزي (٣٣٢/١).
(١) تقدم تخريج الحديث.
(٢) في هامش ب: وأما الدم الذي يكون على رأس الجرح إذا كان أقل من ملء الفم.

٣٦٤
كتاب الطهارة
البق(١) والبراغيث ليس بنجس عندنا، حتى لو وقع في الماء القليل لا ينجسه، ولو أصاب
الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة، وقال الشافعي: هو نجس، لكنه معفو عنه
في الثوب للضرورة، واحتج بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، من غير
فصل بين السائل وغيره، والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة.
ولنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والاستدلال بها من
الوجهين اللذين ذكرناهما؛ ولأن صيانة الثياب والأواني عنها - متعذرة، فلو أعطى لها حكم
النجاسة - لوقع الناس في الحرج، وأنه منفي شرعاً بالنجس، وبهذين الدليلين تبين أن المراد من
المطلق المقيد، وهو الدمُ المسفوح، ودم(٢) الأوزاغ نجس؛ لأنه سائل، وكذا الدماء السائلة من
سائر الحيوانات لما قلنا بل أولى؛ لأنه لما كان نجساً من الآدمي المكرم - فمن غيره أولى.
وأما دم السمك: فقد روي عن أبي يوسف؛ أنه نجس، وبه أخذ الشافعي اعتباراً بسائر
الدماء .
وعند أبي حنيفة ومحمد: طاهر؛ لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجساً
لما أبيح؛ ولأنه ليس بدم حقيقة، بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء،
والدم(٣) الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح - طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح؛ ولهذا حل
تناوله مع اللحم.
وروي عن أبي يوسف: أنه معفو في الأكل، غير معفو في الثياب؛ لتعذر الاحتراز عنه
في الأكل، وإمكانه في الثوب.
ومنها: ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث، على
الاتفاق والاختلاف. أما الأبوال: فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه (٤) نجس،
واختلف في بول ما يؤكل لحمه.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: نجس.
وقال محمد: طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسدِه، ويتوضَّأُ منه ما لم يَغْلِبُ
عليه، واحتجَّ بما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَِّ: (أَنَّهُ أَبَاحَ لِلْعُرَنِينَ شُرْبَ أَبْوَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا))(٥)
(١) في هامش ب: دم البق والبراغيث ليس بنجس.
(٢) في هامش ب: دم الأوزاغ نجس ودم السمك طاهر.
(٣) في هامش ب: الدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح طاهر.
(٤) في هامش ب: بول ما يؤكل لحمه.
(٥) تقدم تخريج الحديث.

٣٦٥
كتاب الطهارة
مع قوله وَّرَ: ((إِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ))(١) وقوله: ((لَيْسَ فِي الرُّجْسِ
شِفَاء))، فثبت أنه طاهرٌ.
ولهما: حديثُ عَمَّار: ((إِنَّمَا يُغْسَلَ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ))، وذكر من جملتها البَوْلَ مطلقاً من
غير فَضْلٍ، وما روي عَنِ النبيِّ نَّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ))(٢)
من غير فصل، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، ومعلوم أن الطباع
السليمة تستخبئه، وتحريم الشيء لا لاحترامه وكرامته - تنجيس له شرعاً، ولأن معنى النجاسة
فيه موجود، وهو الاستقذار الطبيعي؛ لاستحالته إلى فساد، وهي الرائحة المنتنة - فصار كروثة
وكبول ما لا يؤكل لحمه.
وأما الحديث: فقد ذكر قتادة أن النبيَّ وَّوَ أَمَرَ بِشُرْبٍ أَلْبَانِهَا دُونَ أَبْوَالِهَا؛ فلا يصح
التعلق به على أنه يحتمل أن النبي وَّ عرف بطريق الوحي شفاءهم فيه والاستشفاء بالحرام
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٠٢/١٢) رقم (٦٩٦٦) والبزار كما في المجمع (٨٩/٥) وابن حبان (١٣٩٧ - موارد)
والبيهقي (٥/١٠) باب النهي عن التداوي بالمسكر. من حديث أم سلمة، قالت: ((اشتكت ابنة لي فنبذت
لها في كوز، فدخل النبي ◌َّ وهو يغلي، فقال ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذت لها هذا. فقال:
إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)). لفظ البيهقي وقال الباقون: ((لم يجعل شفاءكم في حرام))
وذكره الهيثمي في المجمع (٨٩/٥) وقال: رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبو يعلى رجال الصحيح خلا
حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان وقال النووي في ((المجموع)) (٤٣/٩): وأما حديث أم سلمة فرواه
أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلاً واحداً فإنه مستور والأصح جواز الاحتجاج برواية
المستور. ورواه البيهقي أيضاً.
(٢) أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ص -٢١٥) رقم (٦٤٢) من طريق أبي يحيى القتات عن
مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَيقول: ((إن عامة عذاب القبر في البول فتنزّهوا من البول)).
قال النووي في ((المجموع)» (٥٦٧/٢): هذا الحديث رواه عبد بن حميد شيخ البخاري ومسلم - في
مسنده من رواية ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد كلهم عدول ضابطون بشرط الصحيحين إلا رجلاً واحداً
وهو أبو يحيى القتات فاختلفوا فيه فجرحه الأكثرون ووثقه يحيى بن معين في رواية عنه وقد روى له
مسلم في صحيحه وله متابع على حديثه وشواهد يقتضي مجموعها حسنه وجواز الاحتجاج به. أ. هـ.
وللحديث شاهد قوي من حديث أبي هريرة بلفظ: أكثر عذاب القبر من البول.
أخرجه ابن ماجه (١٢٥/١) كتاب الطهارة: باب التشديد في البول حديث (٣٤٨) وأحمد (٢/
٣٨٩،٣٨٨،٣٢٦).
وابن أبي شيبة (١٢١/١) والحاكم (١٨٣/١) والآجري في ((الشريعة)) رقم (٣٦٢، ٣٦٣) والدار قطني (١/
١٢٨) والبيهقي (٤١٢/٢) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال الدارقطني: صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة. ووافقه الذهبي.
قال البوصيري في ((الزوائد» (١٤٦/١): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين.

٣٦٦
كتاب الطهارة
جائز، عند التيقن لحصول الشفاء فيه؛ كتناول الميتة عند المخمصة، والخمر عند العطش،
وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح بما لا يستيقن حصول الشفاء به، ثم عند أبي يوسف: يباح شربه
للتداوي؛ لحديث العرنيين، وعند أبي حنيفة: لا يباح؛ لأن الاستشفاء بالحرام الذي لا يتيقن
حصول الشفاء به - حرام، وكذا بما لا يعقل فيه الشفاء، ولا شفاء فيه عند الأطباء، والحديث
محمول على أنه بَلي عرف شفاء أولئك فيه على الخصوص، والله تعالى أعلم.
وأما الأرواث(١) فكلها نجسة عند عامة العلماء.
وقال زفر: روث ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قولُ مالك. واحتج بما روي أن الشبان(٢)
من الصحابة في منازلهم، وفي السفر كانوا يترامون بالجلة وهي البعرة اليابسة، ولو كانت نجسة
لما مسوها، وعلل مالك بأنه وقود أهل المدينة، يستعملونه استعمال الحطب.
ولنا: ما روينا عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ طلب منه أحجار
الاستنجاء، فأتى بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة، وقال: ((إِنَّهَا رِكْسٌ))، أي:
نجس؛ ولأن معنى النجاسة موجود فيها، وهو الاستقذار في الطباع السليمة؛ لاستحالتها إلى
٣٠ب نتن وخبث رائحة، مع إمكان التحرز عنه؛ فكانت/ نجسة.
ومنها: خرء(٣) بعض الطيور من الدجاج والبط، وجملة الكلام فيه أن الطيور نوعان:
نوع لا يذرق في الهواء، ونوع يذرق في الهواء: أما ما لا يذرق في الهواء؛ كالدجاج والبط -
فخرؤهما نجس؛ لوجود معنى النجاسة فيه، وهو كونه مستقذراً لتغيره إلى نتن، وفساد رائحة،
فأشبه العذرة. وفي الأوز عن أبي حنيفة روايتان:
روى أبو يوسف عنه: أنه ليس بنجس.
وروی الحسن عنه: أنه نجس.
وما(٤) يذرق في الهواء نوعان أيضاً: ما يؤكل لحمه؛ كالحمام، والعصفور،
والعقعق(٥)، ونحوها، وخرؤها طاهر عندنا، وعند الشافعي: نجس، وجه قوله: إن الطبع قد
(١) في هامش ب: الأرواث كلها نجسة.
(٢) في ب: الشباب.
(٣) في هامش ب: خرء بعض الطيور كالدجاج والبط.
(٤) في هامش ب: خرء ما يذرق في الهواء.
(٥) في أ، ب: القعقع.
والعقعق وهو طائر من الفصيلة الغرابية ورتبة الجواثم وهو صخاب، له ذنب طويل ومنقار طويل - والعرب
تتشاءم به .
ينظر المعجم الوسيط ٦١٦/٢.

٣٦٧
كتاب الطهارة
أحاله إلى فساد، فوجد (١) معنى النجاسة، فأشبه الروث والعذرة.
ولنا: إجماع الأمة فإنهم اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام، والمساجد الجامعة
مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجساً - لما فعلوا ذلك مع الأمر بتطهير المسجد، وهو
قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهْرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن حمامة ذرقت عليه، فمسحه وصلى. وعن
ابن مسعود - رضي الله عنه - مثل ذلك في العصفور، وبه تبين أن مجرد إحالة الطبع لا يكفي
للنجاسة، ما لم يكن للمستحيل نتن وخبث رائحة تستخبئه الطباع السليمة، وذلك منعدم ههنا،
على أنا إن سلمنا ذلك - لكان التحرز عنه غير ممكن؛ لأنها تذرق في (٢) الهواء، فلا يمكن
صيانةُ الثياب والأواني عنه، فسقط اعتباره للضرورة؛ كدم البق والبراغيث.
وحكى مالك في هذه المسألة الإجماع على الطهارة، ومثله لا يكذب، فلئن لم يثبت
الإجماع من حيث القول - يثبت من حيث الفعل، وهو ما بينا، وما (٣) لا يؤكل لحمه كالصقر
والبازي والحدأة وأشباه ذلك - خرؤها طاهر عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وعند محمد:
نجس نجاسة غليظة .
وجه قوله: أنه وجد معنى النجاسة فيه؛ لإحالة الطبع إياه إلى خبث ونتن رائحة؛ فأشبه
غير المأكول من البهائم، ولا ضرورة إلى إساقط اعتبار نجاسته لعدم المخالطة؛ لأنها تسكن
المروج والمفاوز، بخلاف الحمام ونحوه.
ولهما: أن الضرورة متحققة؛ لأنها تذوق في الهواء، فيتعذر صيانة الثياب والأواني
عنها، وكذا المخالطة ثابتة، بخلاف الدجاج والبط؛ لأنهما لا يذرقان في الهواء؛ فكانت
الصيانة ممكنة.
وخرء الفأرة نجس؛ لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة، واختلفوا في الثوب الذي أصابه
بولها، حكى عن بعض مشايخ بلخ؛ أنه قال: لو ابتليت به لغسلته، فقيل له: من لم يغسله
وصلى فيه؟، فقال: لا آمره بالإعادة، وبول الخفافيش(٤) وخرؤها - ليس بنجس؛ لتعذر صيانة
الثياب والأواني عنه؛ لأنها تبولُ في الهواء؛ وهي فأرة طيارة؛ فلهذا تبول.
(١) في ب: يوجد.
(٢) في أ، ب: من.
(٣) في هامش ب: خرء ما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة.
(٤). هو حيوان ثديي من رتبة الخفاشيات قادر على الطيران، ولا يطير إلا في الليل. ينظر المعجم: وسقط ١/
٢٤٦.

٣٦٨
كتاب الطهارة
ومنها: الميتة التي لها دم سائل، وجملة الكلام في الميتات؛ أنها نوعان: أحدهما: ما
ليس له دم سائل، والثاني: ما له دم سائل: أما الذي ليس له دم سائل - فالذباب والعقرب
والزنبور والسرطان ونحوها، وأنه ليس بنجس عندنا، وعند الشافعي نجس، إلا الذباب
والزنبور، فله فيهما قولان، واحتج بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾. والحرمة لا
للاحترام دليل النجاسة .
ولنا ما روي عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ(١) - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَوتُ
كُلِّ حَيَوَانٍ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي المَاءِ، لاَ يُفْسِدُ))(٢)، وهذا نص في الباب.
وروى أبو سعيد الخدري عن رَسُولِ اللهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحدُكُمْ
فَامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوه: فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءَ وَفِي الآخَرِ دَوَاءٌ، وَهُوَ يُقَدِّمُ الدَّاءَ عَلَى الذَّوَاءِ»(٣)،
(١) هو: سلمان بن الإسلام. وسلمان الخير وسلمان الفارسي. أبو عبد الله. مولى رسول الله وَله .
قال ابن الأثير في الأسد:
كان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب
الملك. ثم ذكر قصة إسلامه.
ثم قال: قيل إنه لقي بعض الحواريين. وقيل أنه أسلم بمكة. وليس بشيء. وأول مشاهدة مع رسول
الله ◌َليّ الخندق ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق وآخى رسول الله وَل بينه وبين أبي الدرداء ومما ذكر
قول النبي وَ ل: ((إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمار وسلمان)) ثم قال: كان سلمان من خيار الصحابة
وزهادهم وفضلائهم وذي القرب من رسول الله والله.
روى عنه ابن عباس. وأنس. وعقبة بن عامر. وأبو سعيد. وكعب بن عجرة. وأبو عثمان النهدي.
وغيرهم.
توفي سنة (٣٥) آخر خلافة عثمان وقيل أول سنة (٣٦) وقيل توفي في خلافة عمر والأول أرجح.
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٤١٧/٢)، الإصابة (١١٣/٣)، الاستيعاب (٦٣٤/٢)، الاستبصار
(١٢٥)، الرياض المستطابة (١٠٢)، حلية الأولياء (٣٦٧/٦)، الطبقات الكبرى (٨٤/٩)، صفة الصفوة
(٥٢٣/١)، التاريخ الكبير (١٣٤/٤)، التاريخ الصغير (٧١/١)، تاريخ بغداد (١٦٣/١)، الكاشف (١/
٣٨٢)، تاريخ جرجان (١٣٨،٦٤)، التحفة اللطيفة (١٦٧).
(٢) أخرجه الدارقطني (٣٧/١)، في الطهارة، باب: كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم (١)، وأخرجه
البيهقي (٢٥٣/١) وضعفه. وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٢٤٢/٣)، وقال الدارقطني: لم يروه غير
بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، وهو ضعيف، قال الذهبي: سعيد لا يعرف وأحاديثه ساقطة، وقال
ابن عدي: أحاديثه ليست بمحفوظة .
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٩/٢-٢٣٠)، والدارمي (٩٨/٢-٩٩): كتاب الأطعمة: باب الذباب يقع في الطعام،
والبخاري (٢٥٠/١٠)، كتاب الطب: باب إذا وقع الذباب في الإناء، الحديث (٥٧٨٢)، وأبو داود (٤/
١٨٢-١٨٣): كتاب الأطعمة: باب في الذباب يقع في الطعام، الحديث (٣٨٤٤)، وابن ماجه (٢/
١١٥٩): كتاب الطب: باب يقع الذباب في الإناء، الحديث (٢٥٠٤)، وابن خزيمة (٥٦/١): كتاب =

٣٦٩
كتاب الطهارة
ولا شك أن الذباب مع ضعف بنيته إذا مقل في الطعام الحار - يموت، فلو أوجب التنجيس
لكان الأمر بالمقل أمراً بإفساد المال، وإضاعته مع نهي النبي وَلّ عن إضاعة المال(١)، وأنه
متناقض، وحاشا أن يتناقض كلامه(٢)؛ ولأنا لو حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج؛ لأنه يتعذر
صون الأواني عنها - فأشبه موت الدودة المتولدة عن الخل فيه، وبه تبين أن النص لم يتناول(٣) محل
الضرورة والحرج، مع ما أن السمك والجَرَاد مخصُوصَانٍ عن النص؛ إذ هما مَيْتَتَانِ(٤) بنصّ
جماع أبواب: باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب، الحديث (١٠٥)، والطحاوي في مشكل الآثار
=
(٢٨٣/٤): باب مشكل ما روي عن رسول الله -8﴿ من قوله: إذا سقط الذباب، من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامْقُلُوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاءً، وإنه يَتَّقي
بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كلَّهُ».
وأخرجه ابن ماجه، الحديث (٣٥٠٤)، والنسائي (١٧٨/٧-١٧٩)، وأحمد (٢٤/٣)، وابن حبان في
(موارد الظمآن إلى صحيح ابن حبان: كتاب الأطعمة: باب في الذباب يقع في الطعام، الحديث
(١٣٥٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٨٢/٤)، من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((في أحد
جناحي الذباب سم، وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فأمقلوه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء)).
(١) في ب: الإضاعة.
(٢) في أ: وحاشا كلامه من التناقض.
(٣) في ب: موضع.
(٤) أخرجه الشافعي في مسند (١٧٣/٢): كتاب الصيد، والذبائح، الحديث (٦٠٧)، وأحمد (٩٧/٢)، وابن
ماجه (١١٠٢/٢) كتاب الأطعمة: باب الكبد والطحال، الحديث (٣٣١٤)، والدار قطني (٢٧٢/٤): باب
الصيد والذبائح والأطعمة. الحديث (٢٥) والبيهقي (٢٥٤/١): كتاب الطهارة: باب الحوت يموت في
الماء والجراد، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (ص - ٢٦٠) برقم (٨٢٠) والبغوي في ((شرح السنة)) (٦/
٣٩ - بتحقيقنا)، كلهم من حديث عبد الرحمن بن نريد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَالقر: ((أحلت لنا ميتتان ودمان فاما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال.
قال البوصيري في ((الزوائد)»: هذا إسناد فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف أ. هـ.
وأخرجه ابن حبان في المجروحين في «المجروحين (٥٨/٢) وأعله بعبد الرحمن، وقال كان ممن يقلب
الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك.
وقال: حدثنا أحمد بن المثنى - أبو يعلى: قال سمعت يحيى بن معين يقول عبد الرحمن، وأسامة.
وعبد الله، بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء.
وهذا فيه نظر فإن عبد الله وثقه أحمد بن حنبل.
وقد أسند ابن حبان في المجروحين (٥٨/٢)، عن أحمد بن حنبل قال: عبد الله لا بأس به.
وأسند ابن عدي في ((الكامل)) (١٨٥/٤) عن أحمد أنه قال: ثقة وقد أخرجه الدارقطني (٢٧٢/٤) من
طريق مطرف عن عبد الله بن زيد به، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٤) من طريق ابن أبي أويس قال: ثنا عبد
الرحمن، وأسامة، وعبد الله بنو زيد بن أسلم، عن أبيهم به.
وقال: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعفاء جرحهم يحيى بن معين وكان أحمد بن حنبل وعلي بن المديني
يوثقان عبد الله بن زيد إلا أن الصحيح من هذا الحديث الأول - يعني الموقوف - الذي خرجه من طريق =

٣٧٠
كتاب الطهارة
النبيِّ وَّهِ والمخصِّصُ انعدامُ الدمِ المسفوح، والدمُ المسفوحُ ههنا منعدم(١).
٤
وأما(٢) الذي له دم سائل - فلا خلاف فيه في الأجزاء التي فيها دم من اللحم والشحم
والجلد ونحوها؛ أنها نجسة؛ لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم المسفوح. وأما الأجزاء
التي لا دم فيها فإن كانت صلبة كالقرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والشعر
والصوف والعصب والأنفحة الصلبة - فليست بنجسة عند أصحابنا. وقال الشافعي: الميتات
كلها نجسة، لظاهر قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةِ﴾ [المائدة: ٣]. والحرمة لا للاحترام دليل
النجاسة، ولأصحابنا طريقان:
١٣١
أحدهما: أن هذه الأشياء ليست بميتة؛ لأن الميتة من / الحيوان في عرف الشرع - اسم
لما زالت حياته، لا بصنع أحدٍ من العباد، أو بصنع غير مشروع، ولا حياة في هذه الأشياء؛
فلا تكون ميتة .
والثاني: أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها؛ بل لما فيها من الدماء السائلة، والرطوبات
ابن وهب عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفاً. وقال هو في معنى المسند.
=
قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (٢٥٤/١): بل رواه يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال مرفوعاً
كذا قال ابن عدي في الكامل أ. هـ. قلت: وهو ثقة.
وثقه أحمد، والنسائي، والعجلي، وابن حبان، والبزار، وابن يونس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث
ينظر التهذيب (١١/ ١٩٧).
إلا أن أبا زرعة رجح الموقوف فقال إن أبي حاتم في ((العلل)) (١٧/٢) رقم (١٥٢٤): سئل أبو زرعة عن
حديث رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلفيه: ((أحلت لنا
ميتتان ودمان)). ورواه عبد الله بن نافع، عن أسامة بن زيد عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي وَلُّ ورواه
القعبني، عن أسامة وعبد الله بن زيد، عن أبيها، عن ابن عمر موقوف. قال أبو زرعة الموقوف أصح.
وكذا صحح الموقوف أبو حاتم كما في ((تلخيص الحبير)) (٢٦/١) وقد توبع بنو زيد بن أسلم على رفع
الحدیث.
تابعهم أبو هشام الآيلي عند ابن مردويه في ((تفسيره))، كما في ((نصب الراية)) (٢٠٢/٤) فقالت: وله طريق
آخر قال ابن مردويه في: ((تفسيره))، ثنا عبد الباقي بن قانع، ثنا محمد بن بشر بن مطر، ثنا داود بن
راشد، ثنا سويد بن عبد العزيز، ثنا أبو هشام الآيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال قال: قال
رسول الله صل9: ((يحل من الميتة اثنان، ومن الدم اثنان)): فأما الميتة فالسمك والجراد، وأما الدم فالكبد
والطحال.
وسكت عنه الزيلعي فلم یبین علته.
قال الحافظ في: ((التلخيص)) (٢٦/١)، تابعهم شخص أضعف منهم، وهو أبو هشام كثير بن عبد الله
الآيلي. أخرجه ابن مردويه في:
(١) في ب: معدوم.
(٢) في هامش ب: الميتة التي لها دم سائل.

٣٧١
كتاب الطهارة
النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء، وعلى هذا ما أبين من الحي من هذه الأجزاء، وإن كان
المبان جزءاً فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها ـ فهو نجس بالإجماع، وإن لم یکن فيه دم؛
كالشعر والصوف والظفر ونحوها ـ فهو على الاختلاف. وأما الأنفحة المائعة واللبن فظاهران
عند أبي حنيفة .
وعند أبي يوسف ومحمد: نَجِسَانِ.
لهما: أن اللبن وإن كان طاهراً في نفسه، لكنه صار نجساً؛ المجاورة النجس، ولأبي
حنيفة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لِعَبْرَةٌ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم لَبَناً
خَالِصاً سَائِغاً لَلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. وصَف اللبن مطلقاً والسيوغ مع خروجه من بين فَرث
ودم، وذا آية الطهارة، وكذا الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة في موضع النعمة - تدل على
الطهارة، وبه تبين أنه لم يخالطه النجس، إذ لا خلوص مع النجاسة.
ثم ما ذكرنا من الحكم في أجزاء الميتة التي لا بدم فيها من غير الآدمي والخنزير، فأما
حكمها فيهما: فأما الآدمي فعن أصحابنا فيه روايتان، في رواية: نجسة، لا يجوز بيعها
والصلاة معها، إذا كان أكثر من قدر الدرهم وزناً أو عرضاً، على حسب ما يليقُ به، ولو وقع
في الماء القليل - يفسده.
وفي رواية: طاهر وهي الصحيحة، لأنه لا دم فيها، والنجس هو الدم؛ ولأنه يستحيل أن
تكون طاهرة من الكلب، نجسة من الآدمي المكرم، إِلاَّ أنه لا يجوز بيعها، ويحرم الانتفاع بها
احتراماً للآدمي، كما إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة أو عظمة - لا يباح تناول الخبز المتخذ
من دقيقها، لا لكونه نجساً؛ بل تعظيماً له؛ كيلا يصير متناولاً من أجزاء الآدمي. كذا هذا.
وأما الخنزير فقد روي عن أبي حنيفة: أنه نجس العين؛ لأن الله تعالى وصفه بكونه
رجساً، فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه، إلا أنه رخص في شعره للخرازين للضرورة.
وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول؛ أنه كره ذلك أيضاً نصًّا، ولا يجوز بيعها
في الروايات كلها. ولو وقع شعره في الماء القليل: روي عن أبي يوسف: أنه ينجس الماء.
وعن محمد: أنه لا ينجس، ما لم يغلب على الماء كشعر غيره. وروي عن أصحابنا في غير
رواية الأصول: أن هذه الأجزاء منه طاهرة؛ لانعدام الدم فيها، والصحيح أنها نجسة؛ لأن
نجاسة الخنزير، ليست لما فيه من الدم والرطوبة، بل لعينه.
وأما الكلب: فالكلام فيه بناء(١) على أنه نجس العين أم لا، وقد اختلف مشايخنا فيه:
(١) في ب: فيبني.

٣٧٢
كتاب الطهارة
فمن قال: إنه نجس العين - فقد ألحقه بالخنازير؛ فكان حكمه حكم الخنزير، ومن قال: إنه
ليس بنجس العين - فقد جعله مثل سائر الحيوانات سوى الخنزير، وهذا هو الصحيح لما
نذكر .
ومنها: سؤر الكلب والخنزير عند عامة العلماء.
وجملة الكلام في الأسار أنها أربعة أنواع: نوع طاهر متفق على طهارته من غير كراهة،
ونوع مختلف في طهارته ونجاسته، ونوع مكروه، ونوع مشكوك فيه.
أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته: فسؤر الآدمي (١) بكل حال، مسلماً كان أو
مشركاً، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، طاهراً أو نجساً، حائضاً أو جنباً إلا في حال شرب
الخمر؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ((أَنَّهُ أَتِيَ بِعُسَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ، وَنَاوَلَ البَاقِي
أَعْرَابِيًّا كَانَ عَلَى يَمِينِهِ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بَكْرٍ (٢) فَشَرِبَ))؛ وروي أن عائِشَةَ - رضي الله عنها
- شَرِبَتْ مِنْ إِنَاءٍ فِي حَالِ حَيْضِهَا فوضَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَمَهُ عَلَى موضِع فَمِها حُبًّا لها فَشَرِبَ(٣)
ولأن سؤرة متحلّب من لحمه، ولحمه طاهر، فكان سؤره طاهراً، إلاّ في حال شرب الخمر؛
لنجاسة فمه .
وقيل: هذا إذا شرب الماء من ساعته، فأما إذا شرب الماء بعد ساعة معتبرة ابتلع بزاقه
فيها ثلاث مرات - يكون طاهراً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما؛ بناءاً على مسألتين:
(١) في هامش ب: سؤر الآدمي طاهر.
(٢) هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي.
التيمي أبو بكر الصديق بن أبي قحافة خليفة رسول الله وَالقر أمه: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر ابنة
عم أبيه. ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. وهو صحابي شهير غني عن التعريف وقد جاءت ترجمته في
مصادر يصعب حصرها في مثل هذا الوضع. توفي يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (١٣) وله (٦٣
سنة).
ينظر ترجمته في: الاستيعاب (٢٩٣)، أسد الغابة (٣٧/٦)، الإصابة (١٠١/٤)، المغني (٢٨٦)، تجريد
أسماء الصحابة (١٥٢/٢)، الكني والأسماء (٦/١)، بقي بن مخلد (٣٠)، الزهد لوكيع (٩٩)، تاريخ
الثقات (١٩٠٦)، معرفة الثقات (٢٠٩٢)، الأعلام (١٠٢/٤)، تهذيب الكمال (١٥٨٩/٣)، تهذيب
التهذيب (٤٣/١٢)، تقريب التهذيب (٤٠١/٢)، تذكرة الحفاظ (٢/١)، شرف أصحاب الحديث
(٣٥، ٩٠)، أصحاب بدر (٤١)، التحفة اللطيفة (٣٥٨/٢)، تاريخ الإسلام (٩٧/٢). الرياض المستطابة
(١٤٠)، صفة الصفوة (٢٣٥/١).
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٥/١-٢٤٦)، كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (١٤/
٣٠٠)، وأبو داود (٦٨/١)، كتاب: الطهارة، باب: مؤاكلة الحائض ومجامعتها (٢٥٩).
-

٣٧٣
كتاب الطهارة
إحداهما: إزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن بما سوى الماء من المائعات
الطاهرة .
والثانية: إزالة النجاسة الحقيقية بالغسل في الأواني ثلاث مرات. وأبو يوسف مع أبي
حنيفة في المسألة الأولى، ومع محمد في المسألة الثانية لكن اتفق جوابهما في هذه المسألة
لأصلين مختلفين :
أحدهما: أن الصب شرط عند أبي يوسف ولم يوجد.
والثاني: أن ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمد، وبعض أصحاب
الظواهر كرهوا سؤر المشرك، لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وعندنا: هو محمول على نجاسة خبث الاعتقاد، بدليل ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَرِ: (أَنَّهُ أَنْزَلَ
وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي المَسْجِدِ وَكَانُوا مُشْرِكِينَ))(١)، ولو كانَ عينهم نجساً لما فعل مع أمره بتطهير
المسجد/، وإخباره عن انزواء المسجد من النخامة مع طهارتها، وكذا سؤر (٢) ما يؤكل لحمه ٣١ب
من الأنعام والطيور إلا الإبل الجَلاَّلة والبقرة الجلالة والدجاجة المخلاة؛ لأن سؤره متولد من
لحمه، ولحمه طاهر، وروي: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلَّهِ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ بَعِيرٍ أَوْ شَاة)»، إلا أنه يكره سؤر الإبل
الجلالة، والبقرة الجلالة، والدجاجة المخلاة؛ لاحتمال نجاسة فمها ومنقارها؛ لأنها تأكل
النجاسة، حتى لو كانت محبوسة لا يكره.
وصفة الدجاجة المحبوسة ألا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها، فإن كان يصل فهي
مخلاة؛ لأن احتمال بحث النجاسة قائم وأما سؤر (٣) الفرس: فعلى قول أبي يوسف ومحمد:
طاهر؛ لطهارة لحمه .
وعن أبي حنيفة روايتان؛ كما في لحمه: في رواية الحسن: نجس كلحمه. وفي ظاهر
الرواية: طاهر كلحمه، وهي رواية أبي يوسف عنه، وهو الصحيح؛ لأن كراهة لحمه لا
لنجاسته؛ بل لتقليل إرهاب العدو، وآلة الكر والفر؛ وذلك منعدم في السؤر. والله أعلم.
وأما السؤر المختلف في طهارته ونجاسته فهو سؤر الخنزير والكلب وسائر سباع
الوحش؛ فإنه نجس عند عامة العلماء.
وقال مالك: طاهر.
(١) تقدم تخريج الحديث.
(٢) في هامش ب: سؤر ما يؤكل لحمه من الأنعام.
(٣) في هامش ب: سؤر الفرس.

٣٧٤
كتاب الطهارة
وقال الشافعي: سؤر السباع كلها طاهر سوى الكلب والخنزير.
أما الكلام مع مالك فهو يحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ
جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]. أباح الانتفاع بالأشياء كلها؛ ولا يباح الانتفاع إلا بالطاهر، إلا أنه حرم
أكل بعض الحيوانات، وحرمة الأكل لا تدل على النجاسة كالآدمي، وكذا الذباب والعقرب
والزنبور ونحوها - طاهرة، ولا يباح - أكلها، إلا أنه يجب غسل الإناء من ولوغ. الكلب مع
طهارته تعبداً .
ولنا ما روي عن النبيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدُكُمْ، فَاغْسِلُوهُ ثَلاَئًا))،
وفي رواية: ((خَمْساً)) وفي رواية: ((سَبْع))(١). والأمر بالغسل لم يكن تعبداً؛ إذ لا قربة تحصل
بغسل الأواني، ألا ترى أنه لو لم يقصد صب الماء فيه في المستقبل - لا يلزمه الغسل، فعلم
أنه لنجاسته؛ ولأن سؤر هذه الحيوانات متحلب من لحومها؛ ولحومها نجسة، ويمكن التحرز
عن سؤرها، وصيانة(٢) الأواني عنها؛ فيكون نجساً ضرورة.
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٤): كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، الحديث (٢٧٩/٨٩)، والنسائي (١/
١٧٦-١٧٧): كتاب المياه: باب سؤر الكلب، وابن الجارود ص (٢٨): باب في طهارة الماء، الحديث
(٥١)، والدارقطني (٦٤/١): كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء، الحديث (٢)، واللفظ عنده
((فليهرقه)). والبيهقي (١٨/١): كتاب الطهارة: باب المنع من الإنتفاع بجلد الكلب، وأحمد (٢٥٣/٢)
وابن خزيمة (٩٨/١) وابن حبان (١٢٩٦)، والطبراني في ((الأوسط)) (٩٣/١)، كلهم من رواية علي بن
مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر به، وقال النسائي: لا
أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله: ((فليرقه))، وقال الحافظ في التلخيص (٢٣/١)، وقال ابن
منده: (لا تعرف عن النبي ◌َّ بوجه من الوجوه، إلا عن علي بن مسهر).
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢٧٥/١). وقد ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً.
أخرجه ابن عديّ لكن في رفعه نظر. والصحيح أنه موقوف، وأخرجه الدارقطني (٦٤/١)، من رواية
حماد بن زيد، عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، في الكلب يلغ في الإناء قال: ((يهراق ويغسل
سبع مرات)). ثم قال صحيح موقوف.
والحديث بدون ذكر الإراقة من طريق مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً، ((إذا شرب
الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)).
أخرجه مالك (٣٤/١): كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء (٣٥).
ومن طريق مالك رواه الشافعي في المسند بترتيب السندي (٢٣/١): كتاب الطهارة: الباب الثاني في
الأنجاس وتطهيرها، الحديث (٤٣)، وفي الأم (٦/١). وأحمد (٢/ ٤٦٠)، والبخاري (٢٧٤/١): كتاب
الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، الحديث (١٧٢)، ومسلم (٢٣٤/١): كتاب الطهارة:
باب حكم ولوغ الكلب، الحديث (٢٧٩/٩٠)، والنسائي (٦٣)، وأبو عوانة (٢٠٧/١)، وابن الجارود
(٥٠)، والبغوي في ((شرح السنّة)) (٣٧٨/١).
(٢) في ب: صون.

٣٧٥
كتاب الطهارة
وأما الكلام مع الشافعي: فهو يحتجُّ بِما رُوِيّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا - أَنَّ
النَّبِيَّ وَ ﴿ سُئِلَ، فَقِيلَ: ((أَنَتَوَضَّأْ بِمَا أَفْضَلَتِ الحُمُرُ؟)) فَقَالَ: ((نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ
کُلْهَا))(١) .
وعن جابر بن عَبْدِ الله؛ أن النبيَّ وَّرَ سُئِلَ عَنِ المِيَاءِ الَّتِي بَيْنَ مَكّةَ وَالمَدِينَةِ وَمَا
يَردُهَا مِنَ السِّبَاعِ؟ فَقَالَ وَجَ لَهَا: ((مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ
وَطَهُورٌ))(٢) وهذا نَصِّ.
ولنا: ما روي عن عمر، وعمرو بن العاص؛ أنهما وردا حوضاً، فقال عمرو بن العاص
لصاحب الحوض: ((أترد السباع حوضكم؟ فقال عمر - رضي الله عنه - ((يا صاحب الحوض،
لا تخيرنا)»(٣)، ولو لم يتنجس الماء القليل بشربها منه - لم يكن للسؤال ولا للنهي معنى؛ ولأن
هذا حيوان غير مأكول اللحم، ويمكن صون الأواني عنها، ويختلط بشربها لعابها بالماء،
ولعابها نجس؛ لتحلبه من لحمها وهو نجس، فكان سؤرها نجساً كسؤر الكلب والخنزير،
بخلاف الهرة؛ لأن صيانة الأواني عنها غير ممكن، وتأويل الحديثين أنه كان قبل تحريم لحم
السباع، أو (٤) السؤال وقع عن المياه الكثيرة؛ وبه نقول: إن مثلها لا ينجس.
(١) أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر كما في التلخيص (٤٢/١)، ومن حديث جابر بن عبد الله أخرجه
الشافعي في الأم (٦/١) كتاب الطهارة، باب: الماء الراكد وفي المسند (٢٢/١) (٤٠)، والدارقطني (١/
٦٢) (٢، ٣)، والبيهقي (٢٤٩/١-٢٥٠)، وفي سنده الحصين والد داود، وهو ضعيف كما في الميزان
(٥٥٥/١)، وفيه علة أخرى وهي ابن أبي حبيبة أو أبو حبيبة. قال الدارقطني فيه: ضعيف.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٧٣/١): كتاب الطهارة: باب الحياض، الحديث (٥١٩)، ثنا أبو مصعب المدني،
ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ◌َّر،
سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب، والحُمُرِ، وعن الطهارة منها؟ فقال: ((لها
ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور)).
وأخرجه البيهقي (٢٥٨/١): كتاب الطهارة: باب الماء الكثير لا ينجّس بنجاسة تحدث فيه ما لم يتغير،
من طريق ابن أبي أويس عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به، ثم قال: (هكذا رواه إسماعيل بن أبي
أويس، عن عبد الرحمن. ورواه ابن وهب، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي هريرة،
وعبد الرحمن بن زيد ضعيف لا يحتج بأمثاله).
قال البوصيري في ((الزوائد» (٢٠٧/١): هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن زيد قال فيه الحاكم: روى
عن أبيه أحاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه.
رواه أبو بكر بن أبي شيبة من قول الحصين. أ. هـ.
(٣) أخرجه مالك (٢٣/١-٢٤) كتاب الطهارة باب الطهور للوضوء حديث (١٤).
(٤) في ب: إذا.

٣٧٦
كتاب الطهارة
وأما السؤر (١) المكروه فهو سؤر سباع الطير؛ كالبازي(٢) والصقر (٣) والحدأة (٤) ونحوها
استحساناً، والقياس أن يكون نجساً؛ اعتباراً بلحمها كسؤر سباع الوحش.
وجه الاستحسان: أنها تشرب بمنقارها(٥)، وهو عظم جاف، فلم يختلط لعابها بسؤرها،
بخلاف سؤر سباع الوحش؛ ولأن صيانة الأواني عنها متعذرة؛ لأنها تنقض من الهواء فتشرب
بخلاف سباع الوحش إلا أنه يكره لأن الغالب أنها تتناول الجيف والميتات، فكان منقارها في
معنى منقار الدجاجة المخلاة، وكذا سؤر(٦) سواكن البيوت؛ كالفأرة، والحية، والوزغة،
والعقرب، ونحوها، وكذا سؤر الهرة(٧) في رواية ((الجامع الصغير))، وذكر في ((كتاب الصلاة)):
أحب إليَّ أن يتوضأ بغيره، ولم يذكر الكراهة.
(١) في هامش ب: السؤر المكروه.
(٢) و(البازي) أفصح لغاته بازي مخففة الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاهما ابن سيده وهو مذكر
لا اختلاف فيه ويقال في التثنية بازيان وفي الجمع بزاة كقاضيان وقضاة ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما
مما يصيد صقور أو لفظه مشتق من البزوان وهو الوثب وكنيته أبو الأشعث وأبو البهلول وأبو لاحق وهو
من أشد الحيوانات تكبراً وأضيقها خلقاً قال القزويني في عجائب المخلوقات قالوا أنه لا يكون إلا أنثى
وذكرها من نوع آخر كالحدء والشواهين ولهذا اختلفت أشكالها .
ينظر حياة الحيوان (١) (٩٩).
(٣) الطائر الذي يضاديه قاله الجوهري وقال ابن سيده الصقر كل شيء يصيد من البزاة والشواهين والجمع
أصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارة. قال سيبويه إنما جاؤوا بالهاء في مثل هذا الجمع تأكيداً نحو
بعولة والأنثى صقرة والصقر هو الأجدل ويقال له القطاميّ وكنيته أبو شجاع وأبو الأصبع وأبو الحمراء
وأبو عمرو وأبو عمران وأبو عوان قال النووي في شرح المهذب قال أبو زيد الأنصاريّ المروزيّ يقال
للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور وأحدها صقر والأنثى صقرة وزفر بإبدال الصاد زايا أيا وسقر
بإبدالها سينا وقال الصيدلاني في شرح المختصر كل كلمة فيها صاد وقاف ففيها اللغات الثلاث كالبصاق
والبزاق والبساق وأنكر ابن السكيت بسق وقال إنما معناه طال قال الله تعالى والنخل باسقات أي
مرتفعات.
ينظر حياة الحيوان (٧٨/٢).
(٤) (الحدأة) بكسر الحاء المهملة أخس الطير وكنيته أبو الخطاف وأبو الصلت ولا تغل حدأة بفتح الحاء لأنها
الفاس التي لها رأسان وقد جاء في الحديث الحديا على وزن الثريا كذا قيده الأصيلي وقد جاء الحدياة
بغير همز وفي بعض الروايات الحديثة بالهمزة كأنه تصغير ذكره الصاغاني، قال وصواب تصغيره الحديثة
بالهمز وإن ألقيت حركة الهمزة على الياء شدتها وقلت الحدية على مثال علية.
ينظر حياة الحيوان (٢٠٨/١).
(٥) في ب: بمنقاره.
(٦) في هامش ب: سؤر سكن البيوت.
(٧) في هامش ب: سؤر الهرة.

٣٧٧
كتاب الطهارة
وعن أبي يوسف والشافعي: لا يكره، واحتجًّا بما روي؛ ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يُصْغِي لَهَا
الإِنَاءَ، فَتَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ))(١) ولأبي حنيفة ما روى أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -
مَوْقُوفاً عَلَيْهِ وَمَرْفُوعاً إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِِّّ أَنَّهُ قَالَ: ((الْهِرَّةُ سَبُعْ)) (٢) وهذا بيان حكمها.
وقال النبي ◌ََّ: ((يُغُسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوعِ الكَلْبِ ثَلاَثَاً، وَمِنْ وُلُوعِ الْهِرَّةِ مرة))(٣) والمعنى
في كراهته من وجهين:
أحدهما: ما ذكره الطحاوي، وهو أن الهرة نجسة، لنجاسة لحمها، لكن سقطت نجاسة
سؤرها لضرورة الطواف، فبقيت الكراهة؛ لإمكان التحرز في الجملة.
والثاني: ما ذكره الكرخي، وهو أنها ليست بنجسة؛ لأنَّ النَّبِيِّ بَّ نَفَى عَنْهَا النجاسة
بقوله: ((الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ))(٤) ولكن الكراهة؛ لتوهم أخذها الفأرة فصار فمها كيد المستيقظ
(١) أخرجه مالك (٢٣/١): كتاب الطهارة: باب الطهور للوضوء، الحديث (١٣)، والشافعي في المسند (١/
٢٢): كتاب الطهارة: الباب الأول في المياه، الحديث (٣٩) وفي ((الأم)) (٨/١)، وأحمد (٣٠٣/٥)،
وأبو داود (٦٠/١): كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، الحديث (٧٥)، والترمذي (١٥٣/١-١٥٤): كتاب
الطهارة: باب ما جاء في سؤر الهرة، الحديث (٩٢). والنسائي (٥٥/١): كتاب الطهارة: باب سؤر
الهرة، وابن ماجه (١٣١/١) كتاب الطهارة: باب الوضوء بسؤر الهرة، الحديث (٣٦٧)، وابن خزيمة
(٥٥/١): كتاب الطهارة: باب الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة، الحديث (١٠٤)، وابن حبان في موارد
الظمآن إلى زوائد بن حبان: كتاب الطهارة: باب في سؤر الهرة، الحديث (١٢١)، والدارقطني (١/
٧٠): كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، الحديث (٢٢)، والحاكم (١٦٠/١): كتاب الطهارة، والبيهقي
(٢٤٥/١): كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، وأخرجه أيضاً عبد الرازق (٣٥٣)، وابن أبي شيبة (١/
٣١)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٤٧٨/٤)، وابن عبد البر (٣١٩/١)، وابن حزم في ((المحلى)) (١/
١١٧)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٧٦/١)، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٦٠) والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) (١٨/١-١٩) وفي ((المشكل)) (٢٧٠/٣) كلهم.
من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد، عن كبشة بنت كعب بن مالك عن
أبي قتادة به .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال العقيلي (١٤٢/٢): هذا إسناد ثابت صحيح وقال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وللحديث طريق آخر عن أبي قتادة:
أخرجه أحمد (٣٠٩/٥)، والبيهقي (٢٤٦/١) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن قتادة بن عبد الله بن أبي
قتادة عن أبيه قال: كان أبو قتادة يصغي الإناء للهر فيشرب ثم يتوضّأ به فقيل له في:
(٢) أخرجه أحمد (٤٤٢/٢)، والدارقطني (٦٣/١) وابن أبي شيبة (٣٢/١)، وأخرجه الحاكم (١٨٣)
والبيهقي (٢٤٩/١) بلفظ ((السنور سبع)).
(٣) تقدم تخريج الحديث .
(٤) تقدم تخريج الحديث.

٣٧٨
كتاب الطهارة
من نومه، وما روي من الحديث يحتملُ أنه كان قبل تحريم السباع، ثم نسخ على مذهب
الطحاوي .
ويحتمل أن النبي وَلهو علم من طريق الوحي أن تلك الهرة لم يكن على فمها نجاسة على
مذهب الكرخي، أو يحمل فعله وَّر على بيان الجواز، وعلى هذا تناول بقية طعام أكلته،
وتركها لتلحس القدر - أن ذلك محمول على تعليم الجواز.
ولو أكلت الفأرة، ثم شربت الماء/ قال أبو حنيفة: إن شربته(١) على الفور - تنجس
الماء، وإن مکثت ثم شربت - لا يتنجس.
١٣٢
وقال أبو يوسف ومحمد: يتنجس؛ بناء على ما ذكرنا من الأصلين في سؤر شارب
الخمر. والله أعلم.
وأما (٢) السؤر المشكوك فيه فهو سؤر الحمار والبغل، في جواب ((ظاهر الرواية))، وروى
الكرخي عن أصحابنا أن سؤرهما نجس.
وقال الشافعي: طاهر.
وجه قوله: إن عرقه طاهر؛ لما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ: («كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مَعْرَوْرِياً والحر
حر الحجاز فقلما يسلم الثوب من عرقه، وكان يصلي فيه، فإذا كان العرق طاهراً - فالسؤر -
أولی .
وجه رواية الكرخي: أن الأصل في سؤره النجاسة، لأن سؤره لا يخلو عن لعابه، ولعابه
متحلب من لحمه، ولحمه نجس، فلو سقط اعتبار نجاسته، إنما يسقط لضرورة المخالطة،
والضرورة متعارضة؛ لأنه ليس في المخالطة كالهرة، ولا في المجانبة كالكلب، فوقع الشك في
سقوط حكم الأصل، فلا يسقط بالشك.
وجه ظاهر الرواية: أن الآثار تعارضت في طهارة سؤره ونجاسته، عن ابن عباس - رضي
الله عنه - أنه كان يقول: الحمار يعتلف القت والتبن؛ فسؤره طاهر، وعن ابن عمر - رضي الله
عنهما - أنه كان يقول: إنه رجس(٣)، وكذا تعارضت الأخبار في أكل لحمه ولبنه .
روي في بعضها النهي، وفي بعضها الإطلاق، وكذا اعتبار عرقه يوجب طهارة سؤره،
واعتبار لحمه ولبنه يوجب نجاسته، وكذا تحقق أصل الضرورة لدورانه في صحن الدار، وشربه
(١) في ب: شربت.
(٢) في هامش ب: أما السؤر المشكوك فيها سؤر البغل والحمار.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥/١).

٣٧٩
كتاب الطهارة
في الإناء يوجب طهارته، وتقاعدها عن ضرورة الهرة؛ باعتبار أنه لا يعلو الغرف، ولا يدخل
المضايق - يوجب نجاسته، والتوقف في الحكم عند تعارض الأدلة - واجب؛ فلذلك كان
مشكوكاً فيه، فأوجبنا الجمع بين التيمم وبين التوضؤ به احتياطاً؛ لأن التوضؤ به لو جاز - لا
يضره التيمم، ولو لم يجز التوضؤ به - جازت صلاتُهُ بالتيمم، فلا يحصل الجواز بيقين إلا
بالجمع بينهما، وأيهما قدم جاز عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: لا يجوز حتى يقدم الوضوء على التيمم؛ ليصير عادماً للماء؛ والصحيح قولُ
أصحابنا الثلاثة؛ لما ذكرنا أنه إن كان طاهراً فقد توضأ به قدم أو أخر، وإن كان نجساً - ففرضه
التیمم، وقد أتی به.
فإن قيل في هذا ترك الاحتياط من وجه آخر؛ لأن على تقدير كونه نجساً - تتنجس به
أعضاؤه وثيابه .
فالجواب أن الحدث كان ثابتاً بيقين، فلا تحصل الطهارة بالشك، والعضو والثوب كل
واحد منهما كان طاهراً بيقين، فلا يتنجس بالشك.
وقال بعضهم: الشك في طهوريته، ثم من مشايخنا من جعل هذا الجواب في سؤر (١)
الاتان، وقال في سؤر الفحل: إنه نجس؛ لأنه يشم البول فتتنجس شفتاه؛ وهذا غير سديد؛
لأنه أمر موهوم لا يغلب وجوده، فلا يؤثر في إزالة الثابت، ومن مشايخنا من جعل الأسار
خمسة أقسام، أربعة منها ما ذكرنا، وجعل الخامس منها السؤر النجس المتفق على نجاسته،
وهو سؤر الخنزير، وليس كذلك؛ لأن في الخنزير خلاف مالك كما في الكلب، فانحصرت
القسمة على أربعة .
ومنها: الخمر والسكر، أما الخمر؛ فلأن الله تعالى سماه رجساً في آية تحريم الخمر،
فقال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، والرجس هو النجس؛ ولأن كل واحد منهما
حرام، والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة(٢).
(١) الأتان: الحمارة جمعها أُتُنّ، وأُتْنٌ .
ينظر المعجم الوسيط (٤/١).
(٢) اختلف فقهاء الإسلام في حكم نجاسة الخمر أو طهارتها: فذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر المتخذة من
نيء عصير العنب المسكر.
وذهب آخرون إلى طهارتها: ذكر منهم النووي في ((المجمع)) و(شرح)) ((مسلم)) ربيعة شيخ مالك،
والليث بن سعد، وداود، ونسبه الأسنوي في ((حاشية عميرة))، والقرطبي إلى المزني صاحب الشافعي
وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين.
=

٣٨٠
كتاب الطهارة
استدلَّ الجمهور بالكتاب، والسُّنة، والأثر، والمعقول، والإجماع:
=
أمَّا الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصار والأزلام رِجْسٌ من عَمَلِ الشيطان
فاجتنبوه﴾ .
وجه الدلالة: أن الله تعالى - سمى الخمر، وما عطف عليها رجساً - والرجس: النجس - وأمر باجتنابها
مطلقاً، والقول بطهارتها ينافي الأمر المطلق باجتنابها .
قال القرطبي: ((فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر
باجتنابھا ۔ الحکم بنجاستها)).
وقال ابن حجر الهيثمي: الخمر المتخذة من عصير العنب نجسة، لأن الله - تعالى - سمّاها رجساً،
والرجس شرعاً: النجس، ولا يلزم منه نجاسة ما بعدها في الآية؛ لأن الرجس إما حجاز فيه، والجمع
بين الحقيقة والمجاز جائز، وعلى امتناعه؛ وهو ما عليه الأكثرون هو من عموم المجاز، أو حقيقة في غير
الخمر؛ لأنه يطلق أيضاً على مطلق المستقذر، واستعمال المشترك في معانيه جائزة؛ استغناء بالقرينة؛ كما
في الآية.
وأمّا السُّنَّةُ: فمنها ما يأتي:
الأول: ما رواه مسلم، وأحمد، والنسائي عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهما - قال: كان لرسول اللهِ وَال
صديق من ثقيف، أو دوس لقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه، فقال: يا فلان، ((أما
علمت أن الله حرمها)»؟ فأقبل الرجل على غلامه، فقال: إذهب، فبعها، فقال الرسول وَطّور: ((إن الذي
حَرَّمَ شربها حرم بيعها، فأمر بها، فأفرغت في البطحاء)).
الثاني: ما رواه الشيخان، وأحمد، عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أسقي أبا عبيدة، وأبيّ بن كعب
من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: ثم يا أنس، فأهرقها،
فأهر قتها)) .
وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة أراقوا ما كان عندهم من الفضيح حين علموا بتحريم الخمر، وعلم بذلك
الرسول عليه الصلاة والسلام - وأقرهم على الإراقة، بل أمرهم بها، فدل ذلك على نجاسة الخمر، إذ لو
كانت طاهرة، لنهاهم عن الإراقة؛ لما فيها من تضييع المال المحرم إضاعته.
وأما الأثر: فما رواه البيهقي عن عمر بن الخَطَّاب - رضي الله عنه - أنه خطب الناس، فقال: ((لا يحل
خل من خمر قد أفسدت، حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك تطهّر، ويطيب خلّها)).
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب خطب النَّاسَ، وبيّن لهم أن خل الخمر لا يحل حتى يبدأ الله بإفسادها
بدون تدخّل الآدمي في الإفساد، وعند ذلك تحلّ وتطهّر. وهذا شعر بأن الخمر قبل إفساد الله لها بالتخلّل
كانت بخسة .
وأما المعقول: فمن وجوه:
الأول: قالوا إنها محرقة العين فتكون نجسة، كالخنزير.
الثاني: قالوا: إنها محرقة العين، فكانت نجسة؛ كالبول.
الثالث: قالوا: إنها محرقة، فكانت نجسة؛ كالدم.
الرابع: قالوا: أنها نجسة تغليظاً وزجراً عنها، قياساً على الكلب وما ولغ فيه.
=