Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الطهارة
وعند أبي يوسف: لا يجزيه، وبعض المشايخ قالوا: إذا لم يقدر على الصعيد يجوز
عنده، والصحيح أنه لا يجوز في الحالين، وروي عنه أنه قال: وليس عندي من الصعيد، وهذا
وجه قوله: إن المأمور به التيمم بالصعيد، وهو اسم للتراب الخالص، والغبار ليس بتراب
خالص، بل هو تراب من وجه دون وجه؛ فلا يجوز به التيمم ولهما أنه جزء من أجزاء الأرض
إلا أنه لطيف فيجوز التيمم به كما يجوز؛ بل أولى، وقد روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله
عنه - كان بالجابية فمطروا، فلم يجدوا ماء يتوضؤون به، ولا صعيداً (١) يتيممون به، فقال ابن
عمر: لينفض كل واحد منكم ثوبه أو صفة سرجه، وليتيمم وليصل، ولم ينكر عليه أُحد؛
فيكون إجماعاً.
ولو (٢) كان المسافر في طين وَرَدْغَةٍ(٣) لا يجد ماء ولا صعيداً، وليس في ثوبه وسرجه
غبار - لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين، فإذا جف - تيمم به، ولا ينبغي أن يتيمم بالطين ما لم
يخف ذهاب(٤) الوقت؛ لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة، فيصير بمعنى المثلة، وإن كان
لو تيمم به - أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الطين من أجزاء الأرض، وما فيه من الماء
مستهلك وهو يلتزق باليد، فإن خاف ذهاب الوقت - تيمم وصلى عندهما، وعلى قياس قول
أبي يوسف: يصلي بغير تيمم بالإيماء، ثم يعيد إذا قدر على الماء أو التراب، كالمحبوس في
المخرج إذا لم يجد ماء ولا تراباً نظيفاً، على ما ذكرنا.
فصل فيما يتيمم منه
وأما بيان ما يتيمم منه فهو الحدث والجنابة، والحيض والنفاس، وقد ذكرنا دلائل جواز
التيمم من الحدث في صدر فصل التيمم، وذكرنا اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في جواز
التيمم من الجنابة، وترجيح قول المجوزين؛ لمعاضدة الأحاديث إياه، والحيض والنفاس
ملحقان بالجنابة؛ لأنهما في معناها، مع ما أنه ثبت جواز التيمم منهما؛ لعموم بعض الأحاديث
التي رويناها. والله تعالى أعلم.
فصل في بيان وقت التيمم
وأما بيان(٥) وقت التيمم: فالكلام فيه في موضعين.
(١) في ب: مراب.
(٢) في هامش ب: إذا كان المسافر في طين وردغة.
(٣) الرَّذْغَةُ: الوحل الكثير. ينظر: المعجم (٣٣٩/١).
(٤) في أ، ب: وإن خاف ذهاب.
(٥) في هامش ب: يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة وبعد دخولها.

٣٤٢
كتاب الطهارة
أحدهما: في بيان أصل الوقت.
والثاني: في بيان الوقت المستحبُ.
أما الأول: فالأوقات كلها وقت للتيمم، حتى يجوز التيمم بعد دخول وقت الصلاة وقبل
دخوله، وهذا عند أصحابنا .
وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول وقت الصلاة، والكلام فيه راجع إلى أصل، وهو
أن التيمم بدل مطلق، أم بدل ضروري؟ فعندنا: بدل مطلق، وعنده: بدل ضروري، وسنذكر
تفسير البدل المطلق والضروري، ودليله في ((بيان صفة التيمم)) - إن شاء الله تعالى.
وأما الثاني: وهو بيان الوقت المستحب للتيمم: فقد قال أصحابنا: أن المسافر إن كان
على طمع من وجود الماء في آخر الوقت - يؤخر التيمم إلى آخر الوقت، وإن لم يكن على
طمع من وجود الماء في آخر الوقت - لا يؤخر، وهكذا روي المعلى عن أبي حنيفة وأبي
يوسف؛ أنه إن كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت، أخر إلى آخر الوقت مقدار ما
لو لم يجد الماء، يمكنه أن يتيمم ويصلي في الوقت، وإن لم يكن على طمع لا يؤخر، ويتيمم
ويصلي في الوقت المستحب.
وذكر في الأصل: أحب إليَّ أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت، ولم يفصل بين ما إذا كان
٢٧أ يرجو وجود الماء في آخره، أو لا يرجو. وهذا لا/ يوجب اختلاف الرواية، بل يجعل رواية
المعلى تفسيراً لما أطلقه في الأصل، وهو قول جماعة من التابعين؛ مثل الزهري، والحسن،
وابن سيرين - رضي الله عنهم - فإنهم قالوا: يؤخر التيمم إلى آخر الوقت، إذا كان يرجو وجود
الماء .
وقال جماعة: لا يؤخر ما لم يستيقن بوجود الماء في آخر الوقت، وبه أخذ الشافعي.
وقال مالك: المستحب له أن يتيمم في وسط الوقت والصحيح قولنا؛ لما روي عن علي -
رضي الله عنه - أنه قال في مسافر أجنب يَتَلَوَّم إلى آخر الوقت، ولم يرو عن غيره من الصحابة
خلافه، فيكون إجماعاً، والمعنى فيه: أن أداء الصلاة بطهارة الماء أفضل؛ لأنها أصل، والتيمم
بدل؛ ولأنها طهارة حقيقة وحكماً، والتيمم طهارة حكماً لا حقيقة، فإذا كان يرجو وجود الماء
في آخر الوقت - كان في التأخير أداء الصلاة بأكمل الطهارتين، فكان التأخير مستحباً، فأما إذا
لم يرج لا يستحب؛ إذ لا فائدة في التأخير.
ولو تيمم (١) في أول الوقت وصلى: فإن كان عالماً أن الماء قريب بأن كان بينه وبين
(١) في هامش ب: تيمم أول الوقت وصلّى.

٣٤٣
كتاب الطهارة
الماء أقل من ميل - لم تجز صلاته بلا خلاف؛ لأنه واجد للماء، وإن كان ميلاً فصاعداً -
جازت صلاته، وإن كان يمكنه أن يذهب ويتوضأ، ويصلي في الوقت، وعند زفر: لا يجوز
لما يذكر.
وإن لم يكن عالماً بقرب الماء أو بعده - تجوز(١) صلاته، سواء كان يرجو وجود الماء
في آخر الوقت، أو لا، سواء كان بعد الطلب أو قبله، عندنا خلافاً للشافعي؛ لما مر أن العدم
ثابت(٢) ظاهراً، واحتمال الوجود احتمال(٣) لا دليل عليه، فلا يعارض الظاهر ولو (٤) أخبر في
آخر الوقت أن الماء بقرب منه، بأن كان بينه وبين الماء أقل من ميل، لكنه يخاف لو ذهب إليه
وتوضأ - تفوته(٥) الصلاة عن وقتها - لا يجوز له التيمم، بل يجب عليه أن يذهب ويتوضأ،
ويصلي خارج(٦) الوقت عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: يجزئه التيمم؛ والأصل أن المعتبر عند أصحابنا الثلاثة القرب والبعد(٧) لا
الوقت، وعند زفر المعتبر هو الوقت، لا قرب الماء وبعده.
وجه قوله: إن التيمم شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فكان المنظور إليه هو
الوقت فيتيمم؛ كيلا تفوته الصلاة عن الوقت؛ كما في صلاة الجنازة والعيدين.
ولنا: أن هذه الصلاة لا تفوته أصلاً، بل إلى خلف وهو القضاء. والفائت إلى خلف -
قائم معنى، بخلاف صلاة الجنازة والعيدين؛ لأنها تفوت أصلاً، لما يذكر في موضعه، فجاز
التيمم فيها لخوف الفوات(٨). والله أعلم.
فصل في صفة التيمم
وأما صفة(٩) التيمم فهى إنه بدل بلا شك؛ لأن جوازه معلق بحال عدم الماء لكنهم
اختلفوا في كيفية البدلية من وجهين :
(١) في ب: جازت.
(٢) في ب: أصل.
(٣) في ب: موهوم.
(٤) في ب: وإن.
(٥) في ب: تفوت.
(٦) في ب: بعد.
(٧) في أ، ب: في.
(٨) في ب: الفوت.
(٩) في هامش ب: صفة التيمم أنه بدل مطلق.

٣٤٤
كتاب الطهارة
أحدهما: الخلاف فيه مع غير أصحابنا.
والثاني: مع أصحابنا.
أما الأول: فقد قال أصحابنا: إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، وعنوا به أن
الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، إلا أنه يباح له الصلاة مع
قيام الحدث.
وقال الشافعي. التيمم بدل ضروري، وعني به أنه يباح له الصلاة، مع قيام الحدث
حقيقة للضرورة؛ كطهارة المستحاضة.
وجه قوله: لتصحيح هذا الأصل؛ أن التيمم لا يزيل هذا الحدث؛ بدليل أنه لو رأى الماء
تعود الجنابة والحدث، مع أن رؤية الماء ليست بحدث. فعلم أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح
له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة؛ كما في المستحاضة.
ولنا: ما روي عن النبي ◌ٍَّ؛ أنه قال: ((التَّيَّهُمُ وُضُوءُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ، مَا
لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ أَوْ يُحدِثْ)). فقد سمي التيمم وضوءاً، والوضوء مزيل لَلحدث.
وقالِ رَّه: ((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً)، والطهور اسم للمطهر، فدل على أن
الحدث يزول بالتيمم، إلا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء يعود الحدث
السابق، لكن في المستقبل لا في الماضي، فلم يظهر في حق الصلاة المؤداة. وعلى هذا
الأصل يبني التيمم قبل دخول الوقت؛ أنه جائز عندنا.
وعند الشافعي: لا يجوز؛ لأنه بدل مطلق عند عدم الماء، فيجوز قبل دخول الوقت
وبعده، وعنده بدل ضروري، فتتقدر بدليته بقدر الضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت.
وعلى هذا يبني أيضاً أنه إذا (١) تيمم في الوقت يجوز له أن يؤدي ما شاء من الفرائض
والنوافل، ما لم يجد الماء، أو يحدث عندنا.
وعنده: لا يجوز له أن يؤدي به فرضاً آخر غير ما تيمم لأجله، وله أن يصلي به النوافل؛
لكونها تابعة للفرائض، وثبوت الحكم في التبع لا يقف على وجود علة على حدة، أو شرط
على حدة فيه، بل وجود ذلك في الأصل يكفي لثبوت الحكم(٢) في التبع؛ كما هو مذهبه في
طهارة المستحاضة. وعلى هذا يبني أنه إذا تيمم للنفل يجوز له أن يؤدي به النفل والفرض
(١) في هامش ب: إذا تيمم في الوقت يصلي به الفرائض والنوافل.
(٢) في ط: لثبوته في التبع.

٣٤٥
كتاب الطهارة
عندنا، وعنده لا يجوز له أداء الفرض [به](١) لأن التبع لا يستتبع الأصل، وعلى هذا قال
الزهري: أنه لا يجوز التيمم لصلاة النافلة رأساً (٢) لأنه طهارة ضرورية، والضرورة في الفرائض
لا في النوافل، وعندنا يجوز/ لأنه طهارة مطلقة حال عدم الماء، ولأنه إن كان لا يحتاج إلى ٢٧ب
إسقاط الفرض عن نفسه به - يحتاج إلى إحراز الثواب لنفسه، والحاجة إلى إحراز الثواب حاجة
معتبرة، فيجوز أن يعتبر الطهارة لأجله؛ ولهذا اعتبرت طهارة المستحاضة في حق النوافل بلا
خلاف؛ كذا ههنا .
وأما الخلاف(٣) الذي مع أصحابنا في كيفية البدلية فهو أنهم اختلفوا في أن التراب بدل
عن الماء عند عدمه، والبدلية بين التراب وبين الماء، أو التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه،
والبدلية بين التيمم وبين الوضوء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن التراب بدل عن الماء عند
عدمه، والبدلية بين التراب والماء، وقال محمد: التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه، والبدلية
بين التيمم وبين الوضوء، واحتج محمد لتصحيح أصله بالحديث، وهو قوله وٍَّ: ((التَّيَمُمُ
وُضُوءُ المُسْلِم)) الحديث - سمي التيمم وضوءاً دون التراب، وهما احتجا بالكتاب والسنة، أما
الكتاب: فقولَه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣]. أقام الصعيد مقام
الماء عند عدمه .
وأما السنة: فما روي عن النبي وَِّ أنه قال: ((التُّرَابُ طَهُورُ المُسْلِم))، وقال: ((جُعِلَتْ لِيَ
الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً» .
ويتفرع عن هذا الاختلاف أن المتيمم (٤) إذا أم المتوضئين - جازت إمامته إياهم،
وصلاتهم جائزة إذا لم يكن مع المتوضئين ماء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان معهم
ماء، لا تجوز صلاتهم.
وعند محمد: لا يجوز اقتداؤهم به، سواء كان معهم ماء أو لم يكن، وعند زفر: يجوز،
کان معهم ماء أو لم یکن -.
وجه البناء على هذا الأصل أن عند محمد: لما كانت البدلية بين التيمم وبين الوضوء -
فالمقتدي إذا كان على وضوء - لم يكن تيمم الإمام طهارة في حقه، لوجود الأصل في حقه،
فكان مقتدياً بمن لا طهارة له في حقه، فلا يجوز اقتداؤه به؛ كالصحيح إذا اقتدى بصاحب
(١) سقط في ط.
(٢) في ب: أصلاً.
(٣) في هامش ب: الخلاف هل التراب بدل عن الماء أم بدلاً عن الوضوء.
(٤) في هامش ب: المتيمم إذا أمَّ المتوضئين.

٣٤٦
كتاب الطهارة
الجرح السائل؛ أنه لا يجوز له؛ لأن طهارة الإمام ليست بطهارة (١) في حق المقتدي، فلم تعتبر
طهارته في حقه، فكان مقتدياً بمن لا طهارة له في حقه، فلم يجز اقتداؤه به، كذا هذا، ولما
كانت البدلية بين التراب وبين الماء عندهما، فإذا لم يكن مع المقتدين ماء - كان الترابُ طهارة
مطلقة في حال عدم الماء، فيجوز اقتداؤهم، فصار كاقتداء الغاسل بالماسح، بخلاف صاحب
الجرح السائل؛ لأن طهارته ضرورية؛ لأن الحدث يقارنها أو يطرأ عليها، فلا تعتبر في حق
الصحيح. وإذا كان معهم ماء فقد فات الشرط في حق المقتدين، فلا يبقى التراب طهوراً في
حقهم، فلم تبق طهارة الإمام طهارة في حقهم؛ فلا يصح اقتداؤهم به.
وعلى هذا الأصل، المتيمم(٢) إذا أم المتوضئين ولم يكن معهم ماء، ثم رأى واحد منهم
الماء، ولم يعلم به الإمام والآخرون، حتى فرغوا - فصلاته فاسدة.
وقال زفر: لا تفسد، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأنه متوضى في نفسه، فرؤية الماء لا
تكون مفسدة في حقه، وإنما تفسد صلاته بفساد صلاة الإمام وهي صحيحة.
ولنا: أن طهارة الإمام جعلت عدماً في حقه؛ لقدرته على الماء الذي هو أصل؛ إذ لا
يبقى الخلف مع وجود الأصل، فصار معتقداً فساد صلاة الإمام، والمقتدي إذا اعتقد فساد
صلاة الإمام - تفسد صلاته؛ كما لو اشتبهت عليهم القبلة؛ فتحرى الإمام إلى جهة، والمقتدي
إلى جهة أخرى، وهو يعلم أن إمامه يصلي إلى جهة أخرى - لا يصح اقتداؤه به؛ كذا هذا.
ثم نتكلم في المسألة ابتداء، فحجة محمد ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا
يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين. وهذا نص الباب، وحجتهما ما روينا(٣) مِنْ
حديثٍ عَمْرو بن العاص(٤) - رضي الله عنه - حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ عَلَى سَرِيَّةٍ، وما روي
(١) في أ، ب: بشرط.
(٢) في هامش ب: المتيمم إذا أم المتوضئين ولم يكن معهم ماء ورأى واحد منهم الماء.
(٣) في ب: روى.
(٤) هو: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن
غالب .. أبو عبد الله. وقيل أبو محمد القرشي. السهمي.
أمه: النابغة بنت حرملة سبية من بني حلان وقيل. أسمها سلمى تلقّب النابغة من بني عنزة. هو صحابي
مشهور من الصحابة أصحاب الفتوح وقادة الجيوش. توفي سنة ٤٣.
ينظر ترجمته في :
(الثقات ٢٦٥/٣)، الاستيعاب (١١٨٤/٣)، أسد الغابة (٢٤٤/٤)، التحفة اللطيفة (٣٠٢/٣)، تقريب
التهذيب (٧٢/٢٠) تاريخ ابن معين (٤٥/٢)، تهذيب التهذيب (٥٦/٨)، التاريخ الصغير (٤٣٧/١)،
الإصابة (٢/٥)، تذهيب تهذيب الكمال (٢٨٨/١).

٣٤٧
كتاب الطهارة
عَنْ عَلِيٍّ، فَهُوَ مذهبه، وقد خالفه ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - والمسألة إذا كانت مختلفة بين
الصحابة - رضي الله عنهم - لا يكون قولُ البعضِ حجةٌ على البعض على أن فيه أنه لا يَؤُمُّ،
وليس فيه [أنه](١) لو أَمَّ لا يجوز، وهذا كما رُوِّيَ عن النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَؤُمُّ الرَّجُلَ فِي
سُلْطَانِهِ))، (٢) ثم لو أم جاز؛ كذا هذا.
فصل في نواقض التيمم
وأما بيان(٣) ما ينقض التيمم، فالذي ينقضه نوعان: عام وخاص.
أما العام: فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي - ينقض التيمم. وقد مرّ
بیان ذلك کله في موضعه.
وأما الخاص وهو ما ينقض التيمم على الخصوص - فوجود الماء، وجملة الكلام فيه أن
المتيمم إذا وجد الماء لا يخلو؛ أما إن وجده قبل الشروع في الصلاة، وأما إن وجده في
الصلاة، وأما إن وجده بعد الفراغ منها، فإن وجده قبل الشروع في الصلاة - انتقض تيممه عند
عامة العلماء. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن(٤)،
(١) سقط في أ، ب.
(٢) أخرجه مسلم (٤٦٥/١): كتاب المساجد. باب من أحق بالإمامة (٦٧٣/٢٩٠)، وأحمد (١١٨/٤)،
وأبو داود (٣٩٠/١): كتاب الصلاة: باب من أحق بالإمامة، الحديث (٥٨٢)، والترمذي (١٤٩/١):
كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، الحديث (٢٣٥)، والنسائي (٧٦/٢). كتاب الإمامة: باب من
أحق بالإمامة، وابن ماجه (٣١٣/١): كتاب إقامة الصلاة: باب من أحق بالإمام بالإمامة، الحديث
(٩٨٠)، وأبو عوانة (٣٦/٣٥/٢)، وابن الجارود (٣٠٨)، والدارقطني (٢٠٨/١)، والطيالسي (٦١٨)،
والبيهقي (١٢٥،١١٩/٣)، وابن خزيمة (٤/٣) رقم (١٠٥٧) والحميدي رقم (٤٥٧) وعبد الرزاق
(٣٨٠٩،٣٨٠٨) وابن حبان (٤٤٦/٣ - الإحسان) والدارقطني (٢٠٨/١) والطيالسي (٦١٨) وأبو نعيم في
((الحلية)) (١١٣/٧-١١٤) والحاكم (٢٤٣/١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٩٧/٢ - بتحقيقنا) كلهم من
طريق اسماعيل بن رجاء الزبيدي قال: سمعت أوس بن ضمعج يحدث عن أبي مسعود فذكره وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه الحاكم بزيادة فقال: قد أخرج مسلم حديث إسماعيل بن رجاء هذا ولم يذكر فيه أفقههم فقهاً
وهذه لفظة غريبة عزيزة بهذا الإسناد الصحيح.
(٣) في هامش ب: بيان ما ينتقض به التيمم.
(٤) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الأعلام. قال عمرو بن علي: ليس له اسم. عن
أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وخلق. وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبي والزهري وخلق. قال ابن
سعد: كان ثقة فقيهاً كثير الحديث، ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل
الأخبار. مات سنة أربع وتسعين وقال الفلاس: سنة أربع ومائة.
ينظر ترجمته في: الخلاصة ٢٢١/٣ (٢٤٠).

٣٤٨
كتاب الطهارة
أنه لا ينتقض التيمم(١) بوجود الماء أصلاً.
وجه قوله: أن الطهارة بعد صحتها لا تنقض إلا بالحدث، ووجود الماء ليس بحدث.
ولنا: ما روي عن النبي ◌َّ/ أنه قال: ((التَّيَمُمُ وُضُوءُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ، مَا
لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ يُحدِثْ)). جعل التيمم وضوء المسلم إلى غاية وجود الماء، والممدوّد إلى
غاية ينتهي عند وجود الغاية؛ ولأن التيمم خلف عن الوضوء، ولا يجوز المصير إلى الخلف
مع وجود الأصل؛ كما في سائر الأخلاف مع أصولها.
وقوله: وجود الماء ليس بحدث - مسلم، وعندنا: أن المتيمم لا يصير محدثاً بوجود
الماء، بل الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء، إلا أنه لم يظهر (٢) حكم ذلك الحدث
في حق الصلاة المؤداة .
ثم وجود(٣) الماء نوعان: وجوده من حيث الصورة والمعنى؛ وهو أن يكون مقدور
الاستعمال له، وأنه ينقض التيمم، ووجوده من حيث الصورة دون المعنى، وهو ألا يقدر على
استعماله، وهذا لا ينقض التيمم حتى لو مر بالمتيمم على الماء الكثير وهو لا يعلم به، أو كان
غافلاً أو نائماً - لا يبطل تيممه؛ كذا روي عن أبي يوسف، وكذا لو مَرَّ على ماءٍ في موضع لا
يستطيع النزول إليه؛ لخوف عدو، أو سبع - لا ينتقض تيممه؛ كذا ذكر محمد بن مقاتل
الرازي، وقال: هذا قياس قول أصحابنا، لأنه غير واجد للماء [معنى](٤) فكان ملحقاً بالعدم،
وكذا إذا أتى بئراً وليس معه دلو أو رشا، أو وجد ماء وهو يخاف على نفسه العطش - لا
ينتقض تيممه لما قلنا، وكذا لو وجد ماء موضوعاً في الفلاة في جب أو نحوه، على قياس ما
حكي عن أبي نصر محمد بن سلام(٥)؛ لأنه معد للسقيا دون الوضوء، إلا أن يكون كثيراً،
فيستدل بالكثرة على أنه معد للشرب والوضوء جميعاً - فينتقض تیممه.
والأصل فيه أن كل ما منع وجوده التيمم - نقض وجوده التيمم، وما لا فلا، ثم وجود
الماء إنما ينقض التيمم، إذا كان القدر الموجود يكفي للوضوء أو الاغتسال؛ فإن كان لا يكفي
لا ینقض عندنا.
(١) في ب: تيمّمه.
(٢) في ب: لا يظهر.
(٣) في هامش ب: وجود الماء نوعان: صورة ومعنى، وصورة لا معنى.
(٤) سقط في ط .
(٥) محمد بن سلام الإمام من أهل بلخ.
قال في: ((القُنْيَة)): في ((الجامع الأصْغَر)) له: امرأتان طلبتْ إحداهما دَاراً عَلَى حِدَةٍ. قال محمد بن
سَلاَّم: إن شاء جَمع بينهما، وإن شاء فَرَّق بَعْدَ أن لا يَجُورَ عليهما. ينظر الجواهر المضية (٣/
١٧٢،١٧١)، والطبقات السنية (٢٠١٤)، والفوائد البهية (١٦٨).
١٢٨

٣٤٩
كتاب الطهارة
وعند الشافعي: قليلة وكثيرة ينقض، والخلاف في البقاء كالخلاف في الابتداء، وقد مر
ذكره في بيان الشرائط، وعلى هذا يخرج ما ذكره محمد في ((الزيادات))، لو أن خمسة من
المتيممين وجدوا من الماء مقدار ما [يتوضأ به](١) أحدهم - انتقض تيممهم جميعاً؛ لأن كل
واحد منهم قدر على استعماله على سبيل البدل، فكان كل واحد منهم واجداً للماء صورة،
ومعنى فينتقض تيممهم جميعاً؛ ولأن كل واحد منهم قدر على استعماله بيقين، وليس البعض
أولى من البعض، فينتقض تيممهم احتياطاً .
ولو كان لرجل ماء فقال: أبحت لكم هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء، وهو قدر ما يكفي
الوضوء أحدهم - انتقض تيممهم جميعاً لما قلنا، ولو قال: هذا الماء لكم - لا ينتقض تيممهم
بإجماع بين أصحابنا، أما على أصل أبي حنيفة؛ فلأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح
فلم يثبت الملك رأساً وأما على أصلهما، فالهبة إن صحت، وأفادت الملك، لكن لا يصيب
كل واحد منهم ما يكفي لوضوئه - فكان ملحقاً بالعدم، حتى أنهم لو أذنوا لواحد منهم بالوضوء
- انتقض تيممه عندهما؛ لأنه قدر على ما يكفي للوضوء، وعنده الهبة فاسدة، فلا يصح الإذن.
وعلى هذا الأصل مسائل في ((الزيادات)): مسافر(٢) محدث على ثوبه نجاسة أكثر من قدر
الدرهم، ومعه ما يكفي لأحدهما - غسل به الثوب، وتيمم للحدث، عند عامة العلماء.
وروى الحسن عن أبي يوسف: أنه يتوضأ به، وهو قول حماد(٣) .
ووجهه: أن الحدث أغلظ النجاستين: بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة في
الجملة للضرورة، ولا جواز لها مع الحدث بحال.
ولنا: أن الصرف إلى النجاسة - يجعله مصلياً بطهارتين حقيقية وحكمية، فكان أولى من
الصلاة بطهارة واحدة، ويجب أن يغسل ثوبه من النجاسة ثم يتيمم، ولو بدأ بالتيمم لا يجزيه،
وتلزمه الإعادة؛ لأنه قدر على ماء، ولو توضأ به تجوز به صلاته، وإن وجد(٤) الماء في
(١) في ب: يكفي.
(٢) في هامش ب: مسافر محدث على ثوبه نجاسة من قدر الدرهم.
(٣) حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه - عن أنس وأبي وائل والنخعي وخلق.
وعنه ابنه إسماعيل ومغيرة وأبو حنيفة ومسعر وشعبة وتفقّهوا به. قال داود الطائي: كان حماد يُفَطّر في
رمضان كل ليلة خمسين إنساناً. قال أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو بن علي: مات سنة عشرين ومائة. ينظر
الخلاصة ١/ ٢٥٢، الكاشف ٢٥٢/١، الجرح والتعديل ٦٤٤/٣ وتاريخ البخاري الكبير ١٨١/٣، تاريخ
البخاري الصغير ٢٠٣/١، ميزان الاعتدال ٥٩٥/١، لسان الميزان ٢٠٤/٧.
(٤) في هامش ب: وجد الماء قبل أن يقصد قدر التشهد الأخير.

٣٥٠
كتاب الطهارة
الصلاة، فإن وجده قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير - انتقض تيممه وتوضأ به، واستقبل الصلاة
عندنا، وللشافعي ثلاثة أقوال، في قول مثل قولنا.
وفي قول: يقرب الماء منه حتى يتوضأ ويبني.
وفي قول: يمضي على صلاته، وهو أظهر أقواله(١).
(١) وَمَذْهَبُ الشافعية أنه لا تبطل صلاة المتيمم بعد الشروع فيها؛ بتوهم الماء، ولا ظنه؛ لعدم القطع به؛
وللشروع في المقصود، وأما إذا دخل في الصلاة بانتهاء تكبيرة الإحرام، ثم وجد الماء قبل خروجه منها،
ففيه تفصيل: هو أن الصلاة إما أن يسقط فرضها بالتيمم، أم لا فإن لم يسقط قضاؤها بالتيمم؛ بأن كانت
بمكان يندر فيه فقد الماء - بطل تيممه، وصلاته على المشهور؛ لعدم الفائدة في الاستمرار مع لزوم
الإعادة .
والثاني: لا تبطل؛ محافظة على حرمتها، ويعيدها.
فإن أسقط التيمم قضاءها؛ لكونها بمحل الغالب فيه فقد الماء، أو يستوي فيه الفقد والوجود - فلا تبطل
صلاته؛ لتلبسه بالمقصود من غير أن يمنع مانع من استمراره؛ كوجود المكفر الرقبة في الصوم؛ ولأن
إحباط الصلاة أشد من يسير غبن شرائه وهو يتيمم له؛ فالاستمرار في الصلاة بالتيمم - أولى.
ولأن وجود الماء ليس بحدث، غير أنه يمنع من ابتداء التيمم، وليس كالمصلي بالخف، فيتخرق فيها؛
لأنه لا يجوز بحال افتتاحها مع تخرقه، لا سيما مع نسبته إلى تقصير بعدم تعهده، ولا كالمعتدة بالأشهر
لو حاضت فيها؛ لقدرتها على الأصل قبل الفراغ من البدل، ولا كأعمى قلّد في القبلة، فأبصر في
الصلاة؛ لبناء أمر القبلة على ضعيف هو التقليد.
على أن البذل هنا لم ينقض، بخلاف التيمم؛ أو لأنه هنا قد فرغ من البدل، وهو التيمم بخلافه ثم؛ فإنه
ما دام في الصلاة، فهو مقلّد، وبالإبصار زال ما يجوز معه التقليد، أو لأن صلاة الأعمى مستندة إلى
غيره، فإذا أبصر، وجب عليه الاجتهاد، ولا يمكن بناء اجتهاد على اجتهاد؛ ولذا بطلت صلاته.
ويستثني من عدم بطلان الصلاة المغنية عن القضاء - ما لو رأى الماء في الصلاة، وكان مسافراً قاصراً،
فنوى الإقامة، أو كان متلبساً بصلاة مقصورة، فنوى إتمامها؛ فإن صلاته تبطل في الصورتين؛ تغليباً
لحكم الإقامة في الأولى، ولحدوث ما لم يستحبه فيها في الثانية؛ لأن الإتمام كافتتاح صلاة أخرى فلو
تأخرت الرؤية للماء عن نية الإقامة، أو الإتمام، لم تبطل صلاته، ولو قارنت الرؤية الإقامة، أو الإتمام
كانت كتقدمها، فتضر على المعتمد، وشفاء المريض في صلاة التيمم كوجدان الماء.
ولا فرق في عدم بطلان الصلاة التي يسقط التيمم قضاءها برؤية الماء بين الفرض والنفل.
وقيل: يبطل النفل الذي يسقط بالتيمم؛ لأن حرمته قاصرة عن حرمة الفرض؛ إذ الفرض يلزم بالشروع
فيه، بخلاف النفل.
٥
وهذا مذهب الشافعي قال الزنجاني: إن هذه المسألة الخلافية تفرعت على أن استصحاب الحال في
الإجماع المتقدم بعد وقوع الخلاف - حجة عند الشافعي - وبه قال مالك:
وقال ((أبو حنيفة)): تبطل برؤيته؛ وبه قال المزني، وأبو العباس بن سريج، والمزني سوّى بين صلاة
الفرض، والعيدين في بطلانهما برؤية الماء، وأبو حنيفة فرق بينهما، فأبطل برؤية الماء صلاة الفرض،
دون صلاة النفل والعيدين.
=

٣٥١
كتاب الطهارة
وفرق أبو حنيفة أيضاً بين رؤية الماء المطلق، وسؤر الحمار. واستدلوا على بطلان الصلاة برؤية الماء،
وأنه كالحدث فيها بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾، فلم يجعل الله للتيمم حكماً مع
وجود الماء. وبقوله ◌َ﴿ لأبي ذر: ((فإذا وَجَدْتَ المَاءَ، فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ))، ولم يفرّق بين حال وحال،
أي: حال الصلاة وغيرها.
قالوا: ولأن كل ما أبطل التيمم قبل الصلاة، أبطله في الصلاة، كالحدث، ولأنها طهارة ضرورة، فلزم أن
يرتفع حكمها بزوال الضرورة؛ كالمستحاضة إذا ارتفعت استحاضتها؛ ولأنه مسح قام مقام غيره، فوجب
أن يبطل بظهور أصله؛ كالمسح على الخفين يبطل بظهور القدمين.
ولأن الصلاة إذا جاز أداؤها بالعذر على صفة، كان زوال ذلك العذر مانعاً من إجزائها على تلك الصفة؛
كالمريض إذا صح، والأمّي إذا تعلّم الفاتحة، والعريان إذا وجد ثوباً.
واستدل المزني بدلیلین :
أحدهما: أن التيمم في الطهارة بدل من الماء عند فقده؛ كما أن الشهور عن العدة بدل عن الإقراء عند
فقد الحيض، فلما كانت المعتدة بالأشهر إذا رأت الحيض، لزمها الانتقال إلى الأقراء، وجب إذا رأى
المتيمم الماء في الصلاة أن ينتقل إلى استعمال الماء.
ثانيهما: أن رؤية الماء حدث؛ استشهاداً بأن رجلين لو تيمم أحدهما، وتوضأ الآخر، ثم أحدث
المتوضىء، ووجد المتيمم الماء، كان طهرهما منتقضاً، واستعمال الماء لازماً لهما، وإذا كان ما ذكر
الشاهد عليه حدثاً، كان حكمه في الصلاة وقبلها سواء، هذه أدلتهم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَمَّمُوا﴾،
وموضع الدليل منه: هو أنه أمره باستعمال الماء في الحال التي لو لم يجد فيها الماء لتيمم، فلما كان
وقت الأمر بالتيمم قبل الصلاة - وجب أن يكون وقت الأمر باستعمال الماء قبل الصلاة لا فيها.
ولأن كل صلاة لو رؤي فيها سؤر الحمار لم تبطل، فوجب إذا رأى فيها المطلق ألاَّ تبطل، كصلاة
العیدین عندهم.
ولأنه افتتح الصلاة بطهور، فوجب أن لا تبطل برؤية الطهور؛ كالمتوضى إذا رأى الماء، أو التراب،
والمتيمم إذا رأى التراب.
ولأنه افتتح الصلاة بالتيمم؛ لعجزه عن الماء، فوجب ألا يبطل تيممه بالقدرة على الماء؛ كالمريض إذا
صح في تضاعيف الصلاة؛ ولأن الوضوء شرط لو اتصل عدمه إلى الفراغ من الصلاة - لخلت الذُمَّة عن
وجوبها بأدائها، فوجب ألا تبطل الصلاة بالقدرة عليه فيها كالعريان إذا وجد ثوباً.
ولأن كل بدل ومبدل وضعا في الشرع لاستباحة غيرهما، فإنه متى قدّر على المبدل بعد استباحة المقصود
بالبدل - سقط حكمه؛ كالمعتدة بالشهور إذا رأت الدم، وقد تزوجت بعد انقضاء العدة، فكذا المتيمم إذا
رأى الماء في الصلاة؛ ولأنه قد يتوصل إلى الوضوء بثمن الماء كما يتوصل إليه بالماء، فلما لم تبطل
صلاته بوجود الثمن بعد عدمه، لم تبطل بوجود الماء بعد عدمه.
وتحريره قياساً أن ما يتوصل به إلى الوضوء إذا قدّر عليه بعد افتتاح الصلاة، لم يؤثر وجوده في الصلاة؛
كالثمن؛ ولأن كل حالة لا يلزمه فيها التوصل إلى الأصل بوجود ثمنه لا يلزمه فيها الرجوع إلى الأصل
بوجود عينه، كالمكفر إذا أيسر بعد صومه.
=

٣٥٢
كتاب الطهارة
ولأن كل حالة لا يلزمه فيها طَلَبُ الماء، لا يلزمه فيها استعمال الماء؛ قياساً على ما بعد الصلاة؛ ولأن
=
التيمم يصح بشرطين: السفر، وعدم الماء.
ولو انقضى السفر بالإقامة في تضاعيف الصلاة، لم يبطل بها التيمم، وإن كان يبطل قبل الصلاة، وتحريره
قياساً أن عدم الماء أحد شرطي التيمم، فوجب ألاَّ يؤثر وجوده بعد افتتاح الصلاة، كما لا تؤثر الإقامة
وأما الجواب عن أدلّة أبي حنيفة:
فهو أن الآية لا تصلح حجة لما ذكرنا من وجه الاستدلال بها، وهو أنه إنما أمرنا باستعمال الماء في
الحال التي لو لم يوجد فيها الماء؛ لتيمّم، ووقت الأمر بالتيمم قبل الصلاة، فوجب أن يكون وقت الأمر
باستعمال الماء قبل الصلاة، فلا تبطل برؤيته .
وهذا الوجه إنما يقتضي صحة التيمم عند عدم الماء، وقد تيمم تيمماً صحيحاً يدل على صحته ظاهر
الآية، وهم يمنعون من استصحاب هذا الحكم بعد تقدّم صحته، فكان ظاهر الآية دالاً عليه لا له.
وأما الجواب عن الخبر فمن وجهين :
أحدهما: أن قوله: فَإِذَا وَجَدْتَ آلْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ)) - محمول على وجوب استعمال الماء لما يستقبل
من الصلوات.
والثاني: أن الأمر باستعمال متوجه إلى حالة الطلب للماء؛ وذلك قبل الصلاة، وكذا وجوب الاستعمال
قبل الصلاة .
وأما الجواب عن قياسهم على الحدث: فمنتقض بما ذكرنا من الإقامة في دلائلنا؛ فإنه يبطل بها التيمم
قبل الصلاة، ولا يبطل بها في الصلاة، ومنتقض بوجود الثمن أيضاً، وقد جعلناه دليلاً، ثم المعنى في
الحدث أنه يبطل التيمم في صلاة العيدين، فأبطله في صلاة الفرض، ورؤية الماء لا تبطل التيمم في صلاة
العيدين، فلم تبطله في صلاة الفرض.
وأما الجواب عن قياسهم على المستحاضة: فهو أن للأصحاب في بطلان صلاتها بارتفاع الاستحاضة
وجھین:
أحدهما: وهو قول أبي العباس - أن صلاتها لا تبطل؛ كالمتيمم، فسقط الاستدلال.
والثاني: أنها باطلة، فعلى هذا يكون الجواب عن القياس من وجهين:
أحدهما: أن المستحاضة حاملة للنجاسة، فلزمها استعمال الماء لإزالتها، وليس كذلك المتيمم.
والثاني: أن المستحاضة ليست في طهارة من وضوء، ولا بدل من تيمم، وهذا وإن لم يكن في وضوءه،
فهو في تیمم، فكان قياساً مع الفارق لهذين.
وأما الجواب عن قياسهم على المسح على الخفين: فهو أنه لو صح للزم ما ينافي مذهبكم من بطلان
صلاة العيدين برؤية الماء، كما تبطلان بظهور القدمين؛ لأنهما لو كانا سببين بمقتضى القياس، لاستوى
حکمهما عندكم.
وأما الجواب عن قياسهم على العريان إذا وجد ثوباً، والمريض إذا صحّ فهو أننا قد جعلنا العريان أصلاً،
واستخرجنا منه دليلاً، ثم هذه أحوال لا تبطل الصلاة؛ وإنما تغيّر صفة إتمامها ...
ثم تنقض عليه بسؤر الحمار، ووجد الثمن، وحدوث الإقامة، ثم تقلب عليهم، فنقول: فوجب أَلاَّ تبطل
الصلاة، كالصحة. ووجود الثمن.
وأما الجواب عن أدلة المزني :
=

٣٥٣
كتاب الطهارة
فعن ما استدل به من أبعده، فهو أن الانتقال من الشهور بالأقراء، وإن كان لازماً لها - فقد اختلف
=
أصحاب الشافعي في الماضي من شهورها قبل رؤية الدم هل يكون قرءاً يعتد به، أم لا؟ على وجهين:
أحدهما : أنه قرء معتد به .
والثاني: ليس بقرء، ولا يقع الاعتداد به .
فإن جعلنا ما مضى قرءاً، لم تبطل الشهور برؤية الدم، فيلزم على هذا ألا تبطل الصلاة والتيمم برؤية
الماء، فيكون الاستدلال به منعكساً عليه بأن يقال: إذا لم يلزم المعتدة بالأشهر إذا رأت الدم الانتقال إلى
الإقراء، فلا يلزم المتيمم إذا وجد الماء في صلاته الانتقال إلى الوضوء.
وإن لم يحصل الماضي قرءاً وأبطلنا الشهور برؤية الدم، كان الفرق بين المتيمم والمعتدة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ المعتدة لما جاز أن تعتدّ بزمن لا يحتسب وهو الحيض، جاز أن يكون الماضي قبل دمها
عفواً. والثاني: أن المعتدة بالشهور دخلت فيها بالشك، وغلبة الظن في تأخّر الحيض، فإذا رأت الدم
انتقلت إليه، كالحاكم إذا اجتهد، ثم علم مخالفة النص، والمتيمم فينتقض لعدم الماء، فصار كالحاكم إذا
حدث بعد حكمه بالاجتهاد نص، فإنه لا ينسخ حكم الاجتهاد.
الثالث: أن الاعتبار في العدة بانتهائها، ولذلك جاز أن تنتقل من الحيض إلى غيره، وهو الحمل؛ اعتباراً
بالانتهاء.
والصلاة معتبرة بابتدائها؛ ولذلك لم ينتقل الماء إلى التراب، على أننا قد جعلنا العدد دليلاً لنا، فوجه
الاستدلال بها كافٍ في جواب الخصم عن الاستدلال بها .
وأما الجواب عن قوله: إن رؤية الماء حدث فهو أنه قول فاسد؛ لأن المتيمم محدث، والحدث لا يكون
له حكم، إذا طرأ على الحدث.
ويمنع من كونه، رؤية الماء حدثاً أنه لو تيمّم اثنان: أحدهما: عن حدث، والآخر عن جنابة، تم وجدا
الماء - لزم الجنب أن يغتسل، والمحدث أن يتوضأ، ولو كان رؤية الماء حدثاً، لاستوى حكمهما فيما
يلزمهما من وضوء، أو غسل؛ لأن الحدث الواحد لا يجوز أن يوجب حكمين مختلفين.
فإن قيل فلم لزمه استعمال الماء برؤيته قبل الصلاة، ولم يلزمه استعماله برؤيته في الصلاة؟
قيل: لأنه بعد الإحرام بالصلاة في عبادة منعت حرمتها من الانتقال عنها، وهو قبل الصلاة بخلافها .
«فصل))
إذا ثبت بما ذكر أن رؤية الماء في صلاة المتيمم لا تبطلها، فما مضى منها مجزىء، ولا إعادة عليه بقي
الوقت، أم خرج.
وحكي عن طاووس، والحسن، وابن سيرين، ومالك، أن عليه الإعادة فيما كان وقته باقياً، استدلالاً بأن
وجود الماء كالنص الذي تَبطل حكم الاجتهاد معه.
ودليلنا رواية عطاء، عن يسار، عن أبي سعيد الخدري - قال: خرج رجلان في سفر، وحضرتهما
الصلاة، وليس معهما ماء، ﴿فتيمّما صعيداً طيباً﴾، ثم وجدا الماء بعد في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة
بوضوء، ولم يعد الآخر، فأتيا رسول الله ﴿ فذكر ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت، وأجزأتك،
وقال للذي أعاد لك الأجر مرتين. وهذا نص في الموضوع.
ولأن عدم الماء في السفر عذر معتاد للتيمم، فإذا صلّى مع وجوده، لم يلزمه الإعادة بعد زواله كالمرض.
وأما الجواب عن ما ذكره من وجود النص بعد الاجتهاد، فهو أننا نلتزم القول بموجبه، وذلك لأنه متى =
بدائع الصنائع ج١ - م٢٣

٣٥٤
كتاب الطهارة
كان النص المخالف موجوداً قبل الاجتهاد - كان الاجتهاد باطلاً، والحكم فيه منقوضاً، ومثاله من التيمم
=
أن يكون الماء في رحله موجوداً وقت التيمّم، ففي هذا تلزمه الإعادة.
وإن كان النص حادثاً بعد الاجتهاد، فهذا يتصور في عصر النبي ◌َّ فالحكم بالاجتهاد المتقدم عليه نافذ،
لا يعترض فيه الفسخ وهو مثال مسألتنا من وجود الماء بعد التيمّم والصلاة، فاقتضى أن تكون صلاته
الماضية قبل رؤية الماء نافذة.
((فصل)
إذا ثبت أن صلاته لا تبطل برؤية الماء فيها، وأنها مغنية عن الإعادة فهو مخيّر بين أمرين:
الأمر الأول: أن يقطع صلاته، ويستعمل الماء، ويستأنف الصلاة، وهو على قول طائفة من الأصحاب
أفضل، وأصحّ من إتمامها؛ كوجود المكفر الرقبة في أثناء الصوم، فإن إعتاقها وقطع الصوم أفضل، ومثل
الصوم فيما ذكر الإطعام.
فإذا قدر على غيره بعد الشروع فيه، لا يجب العود، وينبغي أنه أفضل، كما لو قدر على الإعتاق بعد
الشروع في الصوم، وهل يقع ما مضى من الصوم فرضاً، أو نفلاً الأقرب الثاني، وإن كان نوى به الفرض
لئلا يلزم الجمع بين البدل والمبدل، وهو لا يجوز .. وأيضاً كان القطع أفضل، ليكون المصلّي خارجاً
من خلاف من حرّم إتمامها .
قال في ((التنقيح))، وقد يقال: الأفضل قلبها نفلاً فإن لم يفعل، فالأفضل الخروج منها قال الأزرعي:
وكأنه أراد أن أصح الأوجه إما إتمامها، وأما قلبها نفلاً لا أن هذا مقالة واحدة، ولم أرَ من رجح قلبها
نفلاً .
وما ذكره الأزرعي قد يخالفه ما في الدميري فإنه بعد أن ذكر الأصح، ومقابله. قال: والثالث الأفضل أن
يقلب فرضها نفلاً، ويسلم من ركعتين، وهو صريح في أن الأفضل قطعها، لا قلبها نفلاً مطلقاً .
وقد يجاب عن الأزرعي؛ بأن كون الثالث يقول: الأفضل قلبها نفلاً لا ينافي ما ذكره؛ لأنه لم يرَ من
رجح قلبها نفلاً، بل قوله: لم أرَ من رجح مشعر بأنه رأى من قال به بدون ترجيح.
وقول الأزرعي، وكأنه أراد أن أصبح الأوجه إما هذا، وإما هذا؛ لا أن هذا مقالة واحدة صريح في أن ما
ذكره في ((التنقيح)) ليس مقالة واحدة، وفيه تأمّل، فإن مقاده التخيير بين هذين الأمرين، والتخيير بينهما
مقالة واحدة، وإنما ينتفي كونه مقالة واحدة، إذا كان بعضهم يقول: إن فعلها نفلاً أفضل، وبعضهم
يقول: إن قطعها أفضل، وهو لم ينقله.
ويمكن أن يقال أنه في المسألة أوجهاً منها: أن قطعها أفضل، ومنها: أن قلبها نفلاً أفضل، ومنها: غير
ذلك، وهو ضعيف، ويبقى الأولان، وأحدهما لا بعينه هو الأصح.
ثم إن القائل بأفضلية قطع الصلاة، إذا وجد الماء فيها - لا يفرق بين أن يكون في جماعة أو منفرداً.
والظاهر أن يقال: إن ابتدأها في جماعة، ولو قطعها وتوضّأ لانفرد، فالمضي فيها مع الجماعة أفضل.
وإن ابتدأها منفرداً، ولو قطعها وتوضّأ لصلاها في جماعة، أو ابتدأها في جماعة، ولو قطعها وتوضّأ
لصلاّها في جماعة، أو ابتدأها منفرداً، ولو قطعها وتوضأ لصلاها منفرداً - فقطعها أفضل.
ومحل جواز قطع الفريضة ما لم يضق الوقت، فإن ضاق حزم؛ لئلا يخرجها عن وقتها مع قدرته على
أدائها فيه .
=

٣٥٥
كتاب الطهارة
الأمر الثاني: وهو مقابل الأصح أن يمضي في صلاته حتى يكملها، لئلا تبطل عبادة هو فيها، فإذا أتمّها
=
لم يكن له أن ينتقل بعدها، لأن تيمّمه بطل برؤية الماء لغير تلك الصلاة التي هو فيها.
فعلى هذا، لو سلّم من تلك الصلاة التي رأى الماء فيها، فعدم الماء، ولم يقدر عليه بعد الخروج منها -
لزمه استئناف التيمّم، لما ينتفل بعد إحداث الطلب - وقيل يحرّم القطع، وهذا لا يتأتّى في النفل.
هذا، والأصح أن المتنفل إذا وجد الماء في صلاته، ولم ينوٍ قدراً لا يجاوز ركعتين؛ لأنه الأحب، ولأن
الشارع قدّر النوافل مثنى مثنى، فالزيادة عليهما كافتتاح صلاة بعد وجود الماء، لافتقارها إلى قصد جديد،
نعم لو وجده في ثالثة؛ بأن وصل إلى حد تجزيه فيه القراءة؛ وذلك بأن كان للقيام أقرب إن كان يصلي
من قيام.
وبأن يستوي جالساً، وإن لم يشرع في القراءة إن كان يصلي من جلوس - أتمّها؛ لأنها لا تتبعض كما قاله
أبو الطيب، والروياني - والثالثة: مثال فما فوقها له حكمها.
ولو نوى قدراً أتمه، سواء كان ركعتين، أو أكثر؛ لانعقاد نيته على ما نواه، ولا يزيد عليه؛ إذ الزيادة
کافتتاح صلاة أخرى بعد وجود الماء؛ لافتقارها إلى قصد جدید.
هذا، والأفضل قطع ما نوى ليصليه بالوضوء، ومقابل الأصح في الأولى، وهو ما إذا لم ينوِ عدداً؛ أنه
يجاوز ركعتين، ولو أن متيمماً دخل في الصلاة ينوي القصر ثم رأى الماء، ثم نوى بعد رؤية الماء إتمام
الصلاة، أو المقام بمكانه أربعاً - قال ابن القاص: قد بطلت صلاته؛ لأن تيمّمه صحّ لركعتين من غير
زيادة، وقد لزمه بالإتمام أربع، فكانت رؤية الماء مبطلة لصلاته.
وقال سائر الأصحاب: يتم صلاته، ولا تبطل؛ لأن تيمّمه صحّ لأدائها تامة ومقصورة ولو رأى الماء في
أثناء طوافه توضّأ؛ بناء على جواز تفريق الطواف.
ثم أعلم أن حكم تيمّم الميت مثل حكم تيمّم الحي فيما ذكر، وحكم الصلاة عليه حكم غيرها من
الصلوات، فلو يمّم الميّت، وصلّى عليه، ثم وجد الماء - فلا يخلو إما أن يكون بمحمل يغلب فيه وجود
الماء؛ فيجب غسله، والصلاة عليه، ولو أدرج في كفنه ما لم يدفن، وإلا صلى على قبره.
ولا ينبسن الميت لكي يغسل، وإن قال به بعضهم؛ لأنه ينافي حرمته.
وإن كان المحل يغلب فيه الفقد، أو يستوي الأمران - لم يجب غسله، ولا الصلاة عليه. ولو رؤي الماء
قبل الصلاة عليه بطل تيمّمه قولاً واحداً والحكم هو الحكم فيما لو وجد الماء في أثناء الصلاة عليه.
هذا في الحاضر، أما في السفر فلا يلزم شيء من ذلك، كالحي سواء وجد فيها أو بعدها. هذا هو الحق
في المسألة.
وأما قول ابن خيران: ليس لحاضر أن يتيمّم، ويصلّي على الميت - فمردود حيث لم يكن هناك ثم غيره.
ويمكن توجيهه بأن صلاة الحاضر لا تفنى عن الإعادة، وليس هنا وقت مضيق يكون أبعده قضاء حتى
يفعلها لحرمته؛ وترد بأن وقتها الواجب فعلها فيه أصالة قبل الدفن، فتعيّن فعلها قبله لحرمته، ثم بعده إذا
رأى الماء لإسقاط الفرض، على أن عبارته أولت بأنها في حاضر أو مسافر واجد للماء، خاف لو توضّأ
فاتته صلاة الجنان، فهذا لا يتيمّم عندنا، خلافاً لأبي حنيفة. أما إذا كان تَمَّ من يحصل به الفرض، فليس
له التيمّم لفعلها؛ لأنه لا ضرورة به إليه وخالف في ذلك الرملي؛ حيث قال: والأوجه جواز صلاته عليه
مطلقاً، وإن كان ثم من يحصل به الفرض.

٣٥٦
كتاب الطهارة
ووجهه: أن الشروع في الصلاة قد صح، فلا يبطل برؤية الماء؛ كما إذا رأى بعد الفراغ
من الصلاة؛ وهذا لأن رؤية الماء ليس بحدث، والموجود ليس إلا الرؤية، فلا تبطل الصلاة؛
وإذا لم تبطل الصلاة - فحرمة الصلاة تعجزه عن استعمال الماء، فلا يكون واجداً للماء معنى،
كما إذا كان على رأس البئر، ولم يجد آلة الاستقاء.
ولنا: أن طهارة التيمم انعقدت ممدودة إلى غاية وجود الماء؛ بالحديث الذي روينا،
فتنتهي عند وجود الماء، فلو أتمها لأتم بغير طهارة، وهذا لا يجوز، وبه تبين أنه لم تبق حرمة
الصلاة .
وقوله: أن رؤية الماء ليست بحدث، فلا تبطل الطهارة؛ قلنا: بلى، وعندنا لا تبطل بل
تنتهي؛ لكونها مؤقتة إلى غاية الرؤية، ولأن المتيمم لا يصير محدثاً برؤية الماء عندنا، بل
بالحدث السابق على الشروع في الصلاة، إلا أنه لم يظهر (١) أثره في حق الصلاة المؤداة
" للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة التي لم تؤد، فظهر أثر الحدث السابق، وصار كخروج
٢٨ ب الوقت في حق المستحاضة؛ ولأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل/، وذلك
يبطل حكم البدل كالمعتدة بالأشهر إذا حاضت.
وإن وجده بعدما قعد قدر التشهد الأخير، أو بعدما سلم، وعليه سجدتا السهو، وعاد
إلى السجود - فسدت صلاته عند أبي حنيفة، ويلزمه الاستقبال، وعند أبي يوسف ومحمد:
يبطل تيممه، وصلاته تامة، وهذه من المسائل المعروفة بالأثني عشرية، والأصل فيها أن ما
كان من أفعال المصلي ما يفسد الصلاة لو وُجد في أثنائها - لا يفسدها إن وجد في هذه الحالة
بإجماع بين أصحابنا، مثل الكلام، والحدث العمد، والقهقهة، ونحو ذلك، وعند الشافعي
تفسد بناء على أن الخروج من الصلاة بالسلام - ليس بفرض عندنا، وعنده فرض على ما
یذکر .
ولو رأت حائض - متيمّمة لفقد الماء - ماءاً وهو يجامعها، نزع وجوباً لبطلان طهرها؛ حيث علم بأنها
=
رأت الماء، وإما إذا رآه هو فلا يجب عليه النزع لبقاء طهرها، خلافاً لصاحب ((الأنوار))؛ إذ لا تبطل إلا
برؤيتها دون رؤيته، ولا يلزمه أعلامها بوجود الماء، وقياس هذا أنه لو اقتدى شخص يتيمّم تسقط صلاته
بالتيمّم وقد رأى المأموم قبل إحرامه الماء دون الإمام أن يصح اقتداؤه، ولا يلزمه إعلامه لوجوده.
وفيه أنه قد يقال إن الظاهر من هذا أنه رأى بعد إحرام الإمام، وقبل إحرامه هو؛ فإن كان كذلك، فلا
وجه للتردد؛ لأن الإمام لو رأى الماء لم تبطل صلاته، ويصح الاقتداء به مع العلم بأنه رأى الماء، فأي
فائدة في إخبار المأموم له بأنه رأى الماء؟! نعم إن كان المراد منها أن المأموم رأى الماء قبل إحرام الإمام
- صح، وکان سؤالاً.
ينظر نص كلام شيخنا جاد الرب في التيمّم (ص ٣٠١-٣١٩).
(١) في أ، ب: لا يظهر.

٣٥٧
كتاب الطهارة
وأما ما ليس من فعل المصلي، بل هو معنى سماوي، لكنه لو اعترض في أثناء الصلاة
يفسد الصلاة - فإذا وجد في هذه الحالة، هل يفسدها؟ قال أبو حنيفة: يفسدها.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يفسدها؛ وذلك كالمتيمم يجد ماء، والماسح على الخفين
إذا انقضى وقت مسحه، والعاري يجد ثوباً، والأمي يتعلم القرآن، وصاحب الجرح السائل
ينقطع عنه السيلان، وصاحب الترتيب إذا تذكر فائتة، ودخول وقت العصر يوم الجمعة وهو في
صلاة الجمعة، وسقوط الخف عن الماسح عليه إذا كان واسعاً بدون فعله، وطلوع الشمس في
هذه الحالة لمصلي الفجر والمومى إذا قدر على القيام، والقارىء إذا استخلف أميًّا، والمصلي
بثوب فيه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولم يجد ماء ليغسله فوجد في هذه الحالة، وقاضي
الفجر إذا زالت الشمس. والمصلى إذا سقط الجبائر عنه عن برء؛ وقضية الترتيب ذكر كل
واحدة من هذه المسائل في موضعها، وإنما جمعناها اتباعاً للسلف، وتيسيراً للحفظ على
المتعلمين. ومن مشايخنا من قال: إن حاصل الاختلاف يرجع إلى أن خروج المصلي من
الصلاة بفعله - فرض عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بفرض، ومنهم من تكلم في المسألة من
وجه آخر .
وجه قولهما: إن الصلاة قد انتهَتْ بالقُعُودِ قَدْرَ التشهد لانتهاء أركانها، قال النبي وَل
لِعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: ((إِذَا قُلْتَ هُذَا أَوْ فَعَلْتَ هُذَا، فَقَدْ تَمَّتْ
صَلاَّتُكَ))(١) والصلاة بعد تمامها لا تحتمل الفساد؛ ولهذا لا تفسد بالسلام والكلام، والحدث
العمد والقهقهة، ودل الحديث على أن الخروج بفعله ليس بفرض؛ لأنه وصف الصلاة بالتمام،
ولا تمام يتحقق مع بقاء ركن من أركانها، ولهذا قلنا: إن الصلاة على النبي ◌َّ في الصلاة
ليست بفرض، وكذا إصابة لفظ السلام؛ لأن تمام الشيء، وانتهاءه مع بقاء شيء منه - محال،
إلا أنه لو قهقه في هذه الحالة تنتقض طهارته، لأن انتقاضها يعتمد قيام التحريمة، وأنها قائمة.
فأما فساد الصلاة فيستدعي بقاء التحريمة مع بقاء الركن، ولم يبق عليه ركن من أركان الصلاة
لما بينا؛ ولأن الخروج من الصلاة ضد الصلاة؛ لأنه تركها، وضد الشيء كيف يكون ركناً له؛
ولأن عند أبي حنيفة يحصل الخروج بالحدث العمد، والقهقهة والكلام، وهذه الأشياء حرام
ومعصية، فكيف تكون فرضاً، والوجه لتصحيح مذهب أبي حنيفة في عدة من هذه المسائل،
من غير البناء على الأصل الذي ذكرنا: أن فساد الصلاة ليس لوجود هذه العوارض؛ بل
بوجودها يظهر(٢) أنها كانت فاسدة.
وبيان ذلك أن المتيمم إذا وجد الماء - صار محدثاً بالحدث السابق في حق الصلاة التي
(١) سيأتي تخريج الحديث.
(٢) في ب: ظهر.

٣٥٨
كتاب الطهارة
لم تؤد؛ لأنه وجد منه الحدث، ولم يوجد منه ما يزيله حقيقة؛ لأن التراب ليس بطهور حقيقة،
إلا أنه لم يظهر حكم الحدث في حق الصلاة المؤداة للحرج؛ كيلا تجتمع عليه الصلوات،
فيحرج في قضائها، فسقط اعتبار الحدث السابق دفعاً للحرج، ولا حرج في الصلاة التي لم
تؤد، وهذه الصلاةُ غير مؤادة، فإن تحريمة الصلاة باقية بلا خلاف، وكذا الركن الأخير باق؛
لأنه وإن طال فهو في حكم الركن كالقراءة إذا طالت، فظهر فيها حكم الحدث السابق، فتبين
أن الشروع فيها لم يصح، كما لو اعترض هذا المعنى في وسط الصلاة، وعلى هذا يخرجُ
انقضاء مدة المسح؛ لأنه إذا انقضى وقت المسح صار محدثاً بالحدث السابق؛ لأن الحدث قد
وجد ولم يوجد ما يزيله عن القدم حقيقة، لكن الشرع أسقط اعتبار الحدث فيما أدى من
الصلاة دفعاً للحرج، فالتحق المانع بالعدم في حق الصلاة المؤداة، ولا حرج فيما لم يؤد،
فظهر حكمُ الحدث السابق فيه .
وعلى هذا إذا سقط خفه من غير صنعه، وكذا صاحب الجرح السائل، ومن هو بمثل
حاله، وكذا المصلي إذا كان على ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولم يجد الماء ليغسله،
٢٩أ فوجد في هذه الحالة؛ لأن/ هذه النجاسة إنما سقط اعتبارها؛ لما قلنا من الحرج، ولا حرج في
هذه الصلاة، وكذا العاري إذا وجد ثوباً، والمومىء(١) إذا قدر على القيام، والأمي إذا تعلم
القراءة لأن الستر والقيام والقراءة - فرض على القادر عليها، والسقوط عن هؤلاء للعجز وقد زال،
فكان ينبغي أن يجب قضاء الكل؛ كالمريض العاجز عن الصوم، والمغمى عليه يجب عليهما
القضاءُ عند حدوث القدرة - لكن سقط لأجل الحرج، ولا حرج في حقِّ هذه الصلاة، وكذا هي
ليست نظير تلك الصلوات، لأنه لا قدرة ثمة أصلاً، وههنا حصلت(٢) القدرة في جزء منها.
وعلى هذا صاحب(٣) الترتيب إذا تذكر فائتة؛ لأنه ظهر أنه أدى الوقتية قبل وقتها، فكان
ينبغي أن يجب قضاء الكل، إلا أنه سقط للحرج؛ لأن النسيان مما يكثر وجوده، ولا حرج في
حق هذه الصلاة، وعلى هذا المصلي(٤) إذا سقطت الجبائر عن يده عن برء؛ لأن الغسل واجب
على القادر، وإن سقط عنه للعجز، فإذا زال العجز كان ينبغي أن يقضي ما مضى بعد البرء، إلا
أنه سقط للحرج، وفي هذه الصلاة لا حرج.
وأما قاضي(٥) الفجر إذا زالت الشمس، فهو في هذه الحالة يخرج على وجه آخر، وهو
(١) في هامش ب: القارىء والمومىء والأمي.
(٢) في ب: جعلت.
(٣) في هامش ب: صاحب الترتيب إذا تذكّر فائتة.
(٤) في هامش ب: المصلي إذا سقطت الجبائر عن يديه .
(٥) في هامش ب: قاضي الفجر إذا زالت الشمس.

٣٥٩
كتاب الطهارة
أن الواجب في ذمته كامل، والمؤدي في هذا الوقت ناقض؛ لورود النهي عن الصلاة في هذه
الأوقات، والكامل لا يتأدى بالناقص، فلا يقع قضاء، ولكنه يقع تطوعاً؛ لأن التطوع فيه جائز
فينقلب تطوعاً .
وعلى هذا مصلي الفجر إذا طلعت الشمس؛ لأنه وجب عليه الأداء كاملاً؛ لأن الوقت
الناقص قليل لا يتسع للأداء، فلا يجب ناقصاً، بل كاملاً في غير الوقت الناقص، فإذا أتى به
فيه صار ناقصاً، فلا يتأدى به الكامل، بخلاف صلاة العصر؛ لأن ثمة الوقت الناقص مما يتسع
لأداء الصلاة فيه فيجب ناقصاً، وقد أداه ناقصاً فهو الفرق.
وأما دخول(١) وقت العصر في صلاة الجمعة: في هذه الحالة فيخرج على وجه آخر،
وهو أن الظهر هو الواجب الأصلي في كل يوم، عرف وجوبه بالدلائل المطلقة، وإنما تغير إلى
الركعتين في يوم الجمعة بشرائط مخصوصة عرفناها بالنصوص الخاصة غير معقولة المعنى،
والوقت من شرائطه، فمتى لم يوجد في جميع الصلاة - لم يكن هذا نظير المخصوص عن
الأصل، فلم يجز، فظهر أن الواجب هو الظهر - فعليه أداء الظهر بخلاف الكلام والقهقهة
والحدث العمد؛ لأن ثمة الفساد لوجود هذه العوارض؛ لأنها نواقض الصلاة، وقد صادفت
جزءاً من أجزاء الصلاة، فأوجب فساد ذلك الجزء، غير أن ذلك زيادة تستغني الصلاة عنها،
فكان وجودها والعدم بمنزلة، فاقتصر الفساد عليها، بخلاف ما إذا اعترضت في أثناء الصلاة؛
لأنها أوجبت فساد ذلك الجزء الأصلي، ولا وجود للصلاة بدونه، فلا يمكنه البناء بعد ذلك.
وأما الحديث: فنقول: النبي وَالله - حكم بتمام الصلاة - وبوجود هذه العوارض تبين أنها
ما كانت صلاة؛ إذ لا وجود للصلاة مع الحدث، ومع فقد شرط من شرائطها، وقد مَرَّ بيان
ذلك، وكذا الصلاة في الأوقات المكروهة مخصوصة عن هذا النص بالنهي عن الصلاة؛ فإنها
لا تخلو عن النقصان، وكذلك صلاة الجمعة مخصوصة عن هذا النص بالدلائل المطلقة
المقتضية لوجوب الظهر في كل يوم على ما مر والله أعلم، هذا إذا وجد في الصلاة ماء مطلقاً،
فإن وجد(٢) سؤر حمار - مضى على صلاته؛ لأنه مشكوك فيه، وشروعه في الصلاة قد صح،
فلا يقطع بالشك، بل يمضي على صلاته، فإذا فرغ منها توضأ به وأعاد؛ لأنه إن كان مطهراً في
نفسه - [ما جازت صلاته](٣)، وإن كان غير مطهر في نفسه جازت به صلاته، فوقع الشك في
الجواز، فيؤمر بالإعادة احتياطاً .
(١) في هامش ب: دخول وقت العصر في يوم الجمعة.
(٢) في هامش ب: المتيمّم إذا وجد في الصلاة سؤر حمار.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في أ. ب: فصلاته لم تجز.

٣٦٠
كتاب الطهارة
وإن وجد(١) نبيذ التمر انتقض تيممه عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة الماء المطلق عند عدمه
عنده، وعند أبي يوسف: لا ينتقض؛ لأنه لا يراه طهوراً أصلاً.
وعند محمد: يمضي على صلاته، ثم يعيدها كما في سؤر الحمار، هذا كله إذا وجد
الماء في الصلاة فأما إذا وجده بعد الفراغ من الصلاة: فإن كان(٢) بعد خروج الوقت - فليس
عليه إعادة ما صلى بالتيمم بلا خلاف، وإن كان في الوقت فكذلك عند عامة العلماء، وقال
مالك: يعيد .
وجه قوله: إن الوقت أقيم مقام الأداء شرعاً كما في المستحاضة، فكان الوجود في
الوقت كالوجود في أثناء الأداء حقيقة، ولأن التيمم بدل، فإذا قدر على الأصل بطل البدل؛
كالشيخ الفاني إذا فدى أو أحج، ثم قدر على الصوم والحج بنفسه .
ولنا: أن الله تعالى علق جواز التيمم بعدم الماء، فإذا صلى حالة العدم - فقد أدى الصلاة
بطهارة معتبرة شرعاً فيحكم وَلّر بصحتها؛ فلا معنى لوجوب الإعادة.
٢٩ب
وَرُوِيَ أنِ رَجَلَيْنِ أتيا رَسُولَ اللهِ وَه وقد / تيمَّمَا مِنْ جَنَابَةٍ وَصَلَّيَا وَأَدْرَكَا المَاءَ فِي
الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، فَقَالَ لَيهِ لِلَّذِي أَعَادَ: ((أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أُوتِيتْ
أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ))، وَقَالَ لِلْآخَرِ: ((أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَجْزَأَتْكَ صَلاَئُكَ عَنْكَ))(٣) أي: كفتك، [جزي
(١) في هامش ب: المتيمّم إذا وجد في الصلاة نبيذ التمر.
(٢) في هامش ب: وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة وهو في الوقت.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٣/١) في الطهارة، باب: في المتيمّم يجد الماء بعدها يصلي في الوقت (٣٣٨)،
والدارمي (٢٠٧/١) حديث (٧٤٤) والحاكم (١٧٨/١-١٧٩) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه
النسائي مسنداً ومرسلاً، المسند (٢١٣/١) في كتاب: الغسل والتيمّم، باب: التيمّم لمن لم يجد الماء
بعد الصلاة حديث (٤٣٣) والمرسل حديث (٤٣٤)، وأخرجه الدارقطني (١٨٨/١-١٨٩) موصولاً -
ومرسلاً (١٨٩/١). وقال: تفرّد به عبد الله بن نافع، عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء عنه
موصولاً، وخالفه ابن المبارك فأرسله، وكذا قال الطبراني في الأوسط: لم يروه متصلاً إلا عبد الله بن
نافع، تفرد به المسيبي عنه، وقال موسى بن هارون فيما حكاه محمد بن عبد الملك بن أيمن عنه: رفعه
وهم من ابن نافع. وقال أبو داود: رواه غيره عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر، عن عطاء
مرسلاً، قال: وذكر أبي سعيد فيه ليس بمحفوظ.
قال الحافظ في التلخيص (٢٧٣/١): لكن هذه الرواية رواها ابن السكن في صحيحه من طريق أبي الوليد
الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية جميعاً، عن بكر موصولاً، قال أبو
داود: ورواه ابن لهيعة، عن بكر، فزاد بين عطاء وأبي سعيد: أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله،
انتھی.
وابن لهيعة ضعيف، فلا يلتفت لزيادته، ولا يعل بها رواية الثقة عمرو بن الحارث، ومعه عميرة بن أبي =