Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الطهارة
الآخر، فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، ويستوي(١) في الكراهة الآية التامة، وما دون
الآية(٢)، عند عامة المشايخ.
وقال الطحاوي: لا بأس بقراءة ما دون الآية، والصحيح قول العامة؛ لما روينا من
الحديثين، من غير فصل بين القليل والكثير؛ ولأن المنع من القراءة؛ لتعظيم القرآن، ومحافظة
حرمته، وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير، فيكره ذلك كله، لكن إذا قصد التلاوة،
فأما إذا لم يقصد بأن قال: باسم الله؛ لافتتاح الأعمال تبركاً، أو قال الحمد لله للشكر - لا
بأس به؛ لأنه من باب ذكر اسم الله تعالى، والجنب غير ممنوع عن ذلك.
وتكره قراءة القرآن في المغتسل والمخرج؛ لأن ذلك موضع الأنجاس، فيجب، تنزيه
القرآن عن ذلك. وأما في الحمام: فتكره عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا تكره،
بناء على أن الماء المستعمل نجس عندهما فأشبه المخرج؛ وعند محمد طاهر فلا تكره.
ولا يباح(٣) للجنب دخول المسجد، وإن احتاج إلى ذلك - يتيمم ويدخل، سواء كان
الدخول لقصد المكث، أو للاجتياز عندنا .
وقال(٤) الشافعي: يباح له الدخول بدون التيمم إذا كان مجتازاً، واحتج بقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سِكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي
سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. قيل: المراد من الصلاة مكانها وهو المسجد؛ كذا رُوِيَ عَنِ
آبْنِ مَسْعُودٍ(٥) وعابر سبيل هو المار، يقال: عبر، أي: مر، نهي الجنب عن دخول المسجد
بدون الاغتسال، واستثني عابري السبيل، وحكم المستثني يخالف حكم المستثنى منه، فيباح له
الدخول بدون الاغتسال.
ولنا: ما روي عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ أنه قال: ((سُدُّوا الأَبْوَابَ؛ فَإِنّي لاَ أُحِلُهَا لِجُنُبٍ وَلاَ
قال الترمذي: وسمعت محمد بن اسماعيل يقول: إن اسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل
=
العراق مناكير كأنه ضعف روايته عنهم.
قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: هذا باطل أنكره على اسماعيل بن عياش يعني أنه
وهم من اسماعيل بن عياش.
(١) في هامش ب: يستوي في الكراهة الآية التامة وما دونها.
(٢) في أ، ب: دونها.
(٣) في هامش ب: لا يباح للجنب دخول المسجد.
(٤) في أ، ب: عند.
(٥) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) وعزاه لـ((ابن جرير الطبري)).

٢٨٢
كتاب الطهارة
لِخَائِضٍ))(١). والهاء كناية عن المساجد، نفي الحل من غير فصل بين المجتاز وغيره.
وأما الآية: فقد روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - أن المُرَادَ هُوَ حقيقةُ الصَّلاة،
وأنَّ عابر السبيلِ هو المُسَافِرُ الجُنُبُ، الَّذِي لاَ يَجِدُ المَاءَ فَيَتَيَمَّم (٢). فكان هذا إباحة الصلاة
بالتيمم للجنب المسافر، إذا لم يجد الماء؛ وبه نقول، وهذا التأويلُ أولى؛ لأن فيه بقاء(٣) اسم
الصلاة على حالها، فكان أولى، أو يقع التعارض بين التأويلين، فلا تبقى الآية حجة له.
ولا يطوف بالبيت وإن طاف جاز مع النقصان؛ لما ذكرنا في المحدث، إلا أن
النقصان مع الجنابة أفحش؛ لأنها أغلظ، ويصح من الجنب أداء الصوم دون الصلاة؛
لأن الطهارة شرط جواز الصَّلاةِ دون الصوم، ويجب عليه كلاهما حتى يجب عليه
(١) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٦٧/١ - ٦٨)، وأبو داود (١/ ١٥٧) كتاب الطهارة: باب في الجنب
يدخل المسجد، الحديث (٢٣٢)، عن عبد الواحد بن زياد، ثنا أفلت بن خليفة، حدثتني جسرة بنت
دجاجة قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول جاء رسول الله وَالقر ووجوه بيوت أصحابه شارعة في
المسجد فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد)) ثم دخل النبي ◌َّه ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل
لهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا
لجنب)). وزاد البخاري: ((إلا لمحمد وآل محمد)). ثم قال البخاري: وجسرة عندها عجائب قال: وقال
عروة، وعباد بن عبد الله، عن عائشة عن النبي ◌َّلير: سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر وهذا أصح.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١/ ١٤٠) وضعف بعضهم هذا الحديث بأن راوية أفلت بن خليفة مجهول
الحال وأما قول ابن الرفعة في أواخر شروط الصلاة بأنه متروك فمردود لأنه لم يقله أحد من أئمة الحديث
بل قال أحمد: ما أرى به بأس وقد صححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان وابن سيد الناس.
تنبيه : - صحح هذا الحديث ابن خزيمة، وأخرجه في صحيحه (٢٨٤/٢) كتاب فضائل المساجد: باب
الزجر عن جلوس الجنب والحائض في المسجد، الحديث (١٣٢٧)، ومما سبق تعلم ما في تصحيح ابن
خزيمة للحديث من التساهل.
وأخرجه ابن ماجة (٢١٢/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد، الحديث (٦٤٥) من
حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي عن جسرة فقالت: أخبرتني أم سلمة قالت: دخل رسول
الله ◌َ ل صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته ((أن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)).
قال البوصيري في ((الزوائد)) (٢٣٠/١): هذا إسناد ضعيف محدوج لم يوثق وأبو الخطاب مجهول. أ.
هـ.
ومحدوج وأبو الخطاب ترجم لهما الحافظ في ((التهذيب)) وقال في ((التقريب)) (٢٣١/٢): محدوج
مجهول أخطأ من زعم أن له صحبة.
وقال أيضاً (٤١٧/٢): أبو الخطاب الهجري مجهول.
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢/ ٢٩٤) عن علي وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن
حميد، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره أيضاً عن ابن عباس. وعزاه لـ ((عبد بن
حمیدا، وابن جرير من طرق عنه.
(٣) في ب: إبقاء.

٢٨٣
كتاب الطهارة
(قضاؤهما)(١) بالترك، لأن الجنابة لا تمنع من وجوب الصوم بلا شك، ويصحُّ أداؤه مع الجنابة،
ولا يمنع من وجوب الصلاة، وإن كان لا يصح أداؤها مع قيام الجنابة؛ لأن في وسعه رفعها
بالغسل / قبل أن يتوضأ.
١١٩
ولا بأس للجنب(٢) أن ينام ويعاود أهله [قبل أن يتوضأ](٣) لما رُوِيَ عَنْ عُمِّرَ - رضي الله
عنه - أَنَّهُ قَالَ: ((يَا رَسُولَ الله، أَيَنَامُ أَحَدُنَا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ [وُضُوءَهُ] (٤)
لِلصَّلاَةِ))(٥). وله أن ينام قبل أن يتوضأ [وضوءه](٦) للصلاة؛ لِمَا رُوِيّ عن عائشة - رضي الله
عنها - أنَّها. قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً؛(٧) ولأن الوُضُوءَ لَيْسَ
(١) في ب: القضاء.
(٢) في هامش ب: يباح للجنب أن ينام ويعاود أهله قبل أن يتوضأ.
(٣) سقط في ط .
(٤) سقط في أ، ب.
(٥) [أخرجه مالك (١/ ٤٧): كتاب الطهارة: باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام، الحديث (٧٦)، والبخاري
(٣٩٣/١) كتاب الغسل باب الجنب يتوضأ ثم ينام، الحديث (٢٩٠)، ومسلم (٢٤٩/١): كتاب
الحيض: باب جواز نوم الجنب، الحديث (٣٠٦/٢٥)، وأبو داود (١٥٠/١): كتاب الطهارة: باب في
الجنب ينام، الحديث (٢٢١)، والنسائي (١/ ١٤٠): كتاب الطهارة: باب وضوء الجنب وغسْل ذكره إذا
أراد أن ينام، وابن ماجة (١٩٣/١): كتاب الطهارة: باب من قال: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه
للصلاة، الحدیث (٥٨٥).
والترمذي (٢٠٦/١) كتاب الطهارة: باب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام (١٢٠)، وأحمد (١/ ١٧،
٣٥)، وأبو عوانة (٢٧٧/١)، والبيهقي (٢٠٠/١)، وقال الترمذي: حديث عمر أحسن شيء في هذا
الباب وأصح، من حديث ابن عمر قال: ذكر عمر لرسول الله وَطير، الحديث.
(٦) سقط في أ، ب.
(٧) أخرجه أبو داود الطيالسي ص (١٩٩)، الحديث (١٣٩٧)، وأحمد (١٤٦/٦)، وأبو داود (١ / ١٥٤):
كتاب الطهارة: باب في الجنب يؤخر الغسل، الحديث (٢٢٨)، والترمذي (١ /٢٠٢) كتاب الطهارة: باب
في الجنب ينام قبل أن يغتسل، الحديث (١١٨)، وابن ماجة (٩٢/١): كتاب الطهارة: في الجنب ينام
كهيئته لا يمس ماء، الحديث (٥٨١) و(٥٨٢) و(٥٨٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٢٤):
كتاب الطهارة: باب الجنب يريد النوم أو الأكل، والبيهقي (٢٠١/١ - ٢٠٢): كتاب الطهارة: باب ذكر
الخبر الذي ورد في الجنب ينام ولا يمس ماء، كلهم من رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة.
وقال أبو داود: (ثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول هذا الحديث يعني
حديث أبي إسحاق حطاً.
وقال الترمذي: وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ◌َ ر ((أنه كان يتوضأ قبل أن ينام))
وهذا أصح من حديث أبي إسحاق، وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري، وغير واحد
ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.
وقال البيهقي: أخرجه مسلم في ((الصحيح)) دون قوله قبل أن يمس ماء، وذلك لأن الحفاظ طعنوا في هذه=

٢٨٤
كتاب الطهارة
بِقُرْبَةٍ في نفسه(١)؛ وإنما هو لأداء الصلاة، وليس في النوم ذلك، وإن أراد أن يأكل أو يشرب -
فينبغي أن يتمضمض ويغسل يديه، ثم يأكل ويشرب؛ لأن الجنابة حلت الفم، فلو شرب قبل
أن يتمضمض - صار الماء مستعملاً، فيصير (٢) شارباً بالماء المستعمل، ويده لا تخلو عن
نجاسة، فينبغي أن يغسلها ثم يأكل.
وهل(٣) يجب على الزوج ثمن ماء الاغتسال، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا
يجب، سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة، غير أنها إن كانت فقيرة يقال(٤) للزوج: إما أن
تدعها حتى تنتقل إلى الماء، أو تنقل الماء إليها، وقال بعضهم: يجب، وهو قول الفقيه أبي
الليث رحمه الله: لأنه لا بد لها منه، فنزل منزلة الماء الذي للشرب وذلك [يجب](6) عليه؛
کذا هذا ...
وأما الحيض، فلقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: يغتسلن، ولقول
النبيِ نَّ﴾ [للمستحاضة](٦) دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ [أقْرائِكِ - أي: أَيَّامَ](٧) حَيْضِكِ - ثُمَّ اغْتَسِلِي
وَصَلِّي (٨)، ولا نص في وجوب الغسل من النفاس، وإنما عرف بإجماع الأمة، ثم إجماع
الأمة (٩) يجوز أن يكون بناء على خبر في الباب، لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالإجماع عن نقله،
لكون الإجماع أقوى، ويجوز أنهم قاسوا على دم الحيض، لكون كل واحد منهما دماً خارجاً
اللفظة، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس، فرأوها من تدليساته، واحتجوا
=
على ذلك برواية ابراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق.
(١) في ط: بنفسه.
(٢) في أ، ب: فصار.
(٣) في هامش ب: هل يجب على الزوج ثمن ماء الاغتسال.
(٤) في ب: فقال.
(٥) سقط في ط .
(٦) سقط في ب.
(٧) سقط في ب.
(٨) أخرجه البخاري (٤٠٩/١) كتاب الحيض: باب الاستحاضة رقم (٣٠٦)، ومسلم (٢٦٢/١) كتاب
الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها (٣٣٣/٦٢)، وأبو داود (١٢٨/١): كتاب الطهارة: باب من
روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، حديث (٢٨٢).
والنسائي (١٢٤/١) كتاب الطهارة: باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، والترمذي (٢١٧/١) أبواب
الطهارة: باب ما جاء في ((المستحاضة)) (١٢٥)، وابن ماجة (٢٠٣/١) كتاب الطهارة: باب ما جاء في
المستحاضة ... (٦٢١)، وابن أبي شيبة (١٢٥/١ - ١٢٦) وعبد الرزاق (١١٦٥) وأبو عوانة (٣١٩/١).
(٩) في ب: إجماعهم.

٢٨٥
كتاب الطهارة
من الرحم، فبنوا الإجماع على القياس؛ إذ الإجماع ينعقد عن الخبر، و[عن] (١) القياس؛ على
ما عرف في أصول الفقه .
فصل في أحكام الحيض والنفاس
ثم الكلام يقع في تفسير الحيض(٢) والنفاس، والاستحاضة وأحكامها.
أما الحيض(٣) فهو في عرف الشرع: اسم لدم خارج من الرحم لا يعقب الولادة، مقدر
بقدر معلوم في وقت معلوم، فلا بد من معرفة لون الدم وحاله، ومعرفة خروجه ومقداره ووقته.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: بيان الحيض وأحكامه.
(٣) وأصله: السَّيَلاَنُ، قال الجوهري: حَاضَتِ المرأة تحيض حَيْضاً ومَحِيضاً، فهي حائض وحَائِضَةٌ أيضاً،
ذكره ابن الأثير وغيره. واسْتُحِيضَتِ المرأة: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مُسْتَحَاضَةٌ. وتحيَّضت، أي:
قعدت أيام حَيْضِهَا عن الصلاة.
وقال أبو القاسم الزمخشري في كتابه ((أساس البَلاَغَةِ)): ومن المَجَازِ: حاضت السَّمْرَةُ: إذا خرج منها شبه
الدم.
ينظر لسان العرب (٢/ ١٠٧٠)، ترتيب القاموس (٧٥٠/١).
واصطلاحاً :
عرفه الشّافِعِيَّةُ بأنه: الدَّمُ الخارج من سِنِّ الحَيْضِ، وهو تسع سنين فَمَرِيَّة فأكثر من فَرْجِ المرأة، على سبيل
الصحة .
عرفه المالكية بأنه: دَمٌّ كَصُفْرَةٍ أو كُذْرَةٍ خرج بنفسه من قبل من تحمل عادة.
وعرفه الحنفية بأنه: دَمّ ينفضه رَحِمُ امرأة سالمةٍ عن دَاءٍ .
وعرفه الحنابلة بأنه: دم جِلَّةٍ يخرج من المرأة البالغة من أوقات مَعْلُومَةٍ.
ينظر حاشية البيجوري (١١٢/١)، الاختيار (٢٦/١)، المبدع (٢٥٨/١)، أنيس الفقهاء ص (٦٣)،
حاشية الدسوقي (١/ ١٦٧).
والأصل في الحيض آية: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ - [البقرة ٢٢٢] أي: الحيض، وخبر.
الصحيحين. ((هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمُ)) .
قال الجاحظ في كتاب ((الحيوان)): والذي يحيض من الحَيَوَانِ أربعة: الآدميَّات، والأرنب، والضَّبع،
والخُفَّاش. وجمعها بعضهم في قوله:
[الرجز].
أَرَانِبٌ يَحِضْنَ وَالنِّسَاءُ ضَبْعٌ وَخُفَّاشٌ لَهَا دَوَاءٌ
وزاد غيره أربعة أخر، وهي النَّاقة، والكلبة والوَزغة، والحجر: أي الأنثى من الخيل، وله عشرة أسماء:
حَيْضٌ، وطَمْتْ - بالمثلثة، وضحك، وإكبار، وإِعْصَار، ودرَاس، وعِرَاك - بالعين المهملة - وفِرَاك بالفاء
وطمس بالسين المهملة - ونفاس.

٢٨٦
كتاب الطهارة
أما لونه: فالسواد حيض بلا خلاف، وكذلك الحمرة عندنا، وقال الشافعي: ((دم الحيض
هو الأسود فقط؛ واحتجَّ بما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ أنه قَالَ لفاطمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ حِينَ كَانَتْ
مُسْتَحَاضَةً إِذَا كَانَ الحَيْضُ؛ فَإِنَّهُ دَمْ أَسَّوَدْ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاَةِ، وَإِذَا كَانَ الآخْرُ، فَتَوَضَّئِي
وَصَلِّي))(١) .
ولنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الحَيْضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، جعل الحيض
أذى، واسم الأذى لا يقتصر(٢) على الأَسود، وَروي: ((أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ بِالكُرْسُفِ إِلَى
عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - فَكَانَتْ تَقُولُ: لاَ، حَتَّى تَرَيْنَ القُصَّةِ البَيْضَاءَ(٣)، أي: البياض الخالص
كالجصّ، فقد أخبرت أن ما سوى البياض حيض، والظاهر أنها إنما قالت ذلك؛ سماعاً من
رسول الله و18َ لأنه حكم لا يدرك بالاجتهاد؛ ولأن لون الدم يختلف باختلاف الأغذية، فلا
معنى للقصر على لون واحد، وما رواه غريب فلا يصلُح معارضاً للمشهور، مع ما أنه مخالف
للكتاب، على أنه يحتمل أن النبي وَّر علم من طريق الوحي أيام حيضها بلون الدم، [فبنى
(١) حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت استحيضت فقال لها رسول الله وَ لجر: ((إن دم الحيضة أسود
يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عِرْق)).
أخرجه أبو داود (٢١٣/١): كتاب الطهارة: باب من قال تغتسل بين الأيام الحديث (٣٠٤)، والنسائي
(١٢٣/١): كتاب الحيض: باب الفرق بين دم الحيض والإستحاضة، والدارقطني (٣٠٦/١): كتاب
الحيض، الحديث (٣)، والحاكم (١٧٤/١): كتاب الطهارة والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣٠٦/٣)،
والبيهقي (٣٢٥/١)، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) في أ، ب: يختص.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣١٧): كتاب الحيض: باب الحامل ترى الدم، الحديث (١٢١٦)، والدارمي
(٢١٥/١): كتاب الطهارة: باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض، والبخاري (٤٢٦/١): كتاب الحيض:
باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، الحديث (٣٢٦)، وأبو داود (٢١٥/١): كتاب الطهارة: باب
في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر، الحديث (٣٠٧)، والنسائي (١٨٦/١ - ١٨٧): كتاب
الحيض: باب الصفرة والكدرة (٢٢٥)، وابن ماجة (٢١٢/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في الحائض
ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة، الحديث (٦٤٧)، والبيهقي (٣٣٧/١): كتاب الحيض: باب الصفرة
والكدرة تراهما بعد الطهر، والحاكم (١٧٤/١): كتاب الطهارة:
قال البيهقي (٣٣٧/١): (وروي عن عائشة بإسناد ضعيف)، ثم أخرجه من طريق بحر بن كثير السقا،
وهو ضعيف، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ((ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئاً ونحن مع
رسول الله وَّ)). قال البيهقي: (وروي معناه عن عائشة بإسناد أمثل من ذلك) ثم أخرجه من طريق
محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن عائشة قالت ((إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عن
الصلاة حتى تراه أبيض كالقصة، فإذا رأت ذلك فلتغتسل ولِتصلّ فإذا رأت بعد ذلك صفرة أو كدرة
فلتتوضأ ولتصلّ فإذا رأت دماً أحمر فلتغتسل ولتصل.

٢٨٧
كتاب الطهارة
الحكم في حقها على اللون، لا في حق غيرها، وغير النبي ◌َّ لا يعلم أيام الحيض بلون
الدم](١).
وأما الكدرة (٢) ففي آخر أيام الحيض - حيض، بلا خلاف بين أصحابنا، وكذا في أول
الأيام عند أبي حنيفة ومحمد؛ وقال أبو يوسف: لا يكون حيضاً.
وجه قوله: إن الحيض هو الدم الخارج من الرحم لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه
في زمان الطهر ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولاً، ثم
الصافي، فينظر إن خرج الصافي أولاً - علم أنه من الرحم؛ فيكون حيضاً، وإن خرج الكدر
أولاً - علم أنه من العرق؛ فلا يكون حيضاً.
ولنا ما ذكرنا من الكتاب والسنة من غير فصل، وقوله: إن كدرة دم الرحم تتبع صافية -
ممنوع، وهذا أمر غير معلوم.
[بل] (٣) قد يتبع الصافي الكدر، خصوصاً فيما كان الثقب من الأسفل، وأما التربة فهي
كالكدرة(٤)، وأما الصفرة: فقد اختلف المشايخ [فيها](٥) فقد كان الشيخ أبو منصور يقول: إذا
رأت في [أول](٦) أيام الحيض ابتداء - كان حيضاً. أما إذا رأت(٧) في آخر أيام الطهر، واتصل
به أيام الحيض - لا يكون حيضاً. والعامة على أنها حيض كيفما كانت.
وأما الخضرة: فقد قال بعضهم: هي مثل الكدرة، فكانت على الخلاف؛ وقال بعضهم:
الكدرة والتربة والصفرة والخضرة، وإنما تكون حيضاً على الإطلاق من غير العجائز، فأما في
العجائز: [فينظر] (٨) إن وجدتها على الكرسف، ومدة الوضع قريبة ــ فهي حيض، وإن كانت
مدة الوضع طويلة لم يكن حيضاً؛ لأن رحم العجوز يكون منتناً، فيتغير الماء الطول المكث،
وما عرفت من الجواب في هذه الأبواب في الحيض - فهو الجواب فيها في النفاس، لأنها
أخت الحيض.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: الكدرة: حيض في أول الحيض وآخره.
والكدرة: لون ليس بصاف، بل يضرب إلى السواد، وليس بالأسود الحالك.
ينظر النظم (٤٦/١).
(٣) سقط في ب.
في ب: الكدرة.
(٤)
(٥) سقط في ب.
(٦) سقط في أ.
(٧) في أ: زادت.
(٨) سقط في أ.

٢٨٨
كتاب الطهارة
وأما خروجه(١) فهو أن ينتقل من باطن الفرج إلى ظاهره، إذ لا يثبت الحيض والنفاس
والاستحاضة إلا به، في ظاهر الرواية، وروي عن محمد في غير رواية الأصول: أن في
١٩ ب الاستحاضة كذلك، فأما الحيض والنفاس/؛ فإنهما يثبتان إذا أحست ببروز الدم، وإن لم يبرز،
وجه الفرق بين الحيض والنفاس والاستحاضة على هذه الرواية - أن لهما، أعني: الحيض
والنفاس وقتاً معلوماً، فتحصل بهما المعرفة بالاحساس(٢)، ولا كذلك الاستحاضة؛ لأنه لا
وقت لها تعلم به، فلا بد من الخروج والبروز ليعلم.
وجه ظاهر الرواية ما روي أن امرأة قالت لعائشة - رضي الله عنها -: ((إنَّ فُلاَنَةَ تَدْعُو
بِالْمِصْبَاحِ لَيْلاَ فَتَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - كُنّا فِي(٣) عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَ لاَ
نَتَكَلَّفُ لِذَلِكَ إلاَّ بِالمَسِّ؛ والمس لا يكون إلا بعد الخروج والبروز.
وأما مقداره(٤): فالكلام فيه في موضعين :
أحدهما: في أصل التقدير أنه مقدر أم لا .
والثاني: في بيان ما هو مقدر به: أما الأول: فقد قال عامة العلماء: إنه مقدر، وقال
مالك: إنه غير مقدر، وليس لأقله حد، ولا لأكثره غاية، واحتج بظاهر قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. جعل الحيض أذى من غير تقدير؛ ولأن
الحيض اسم الدم(٥) الخارج من الرحم، والقليل خارج من الرحم كالكثير؛ ولهذا لم يقدر دم
النفاس.
ولنا ما روي أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - عن النبيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَقَلُّ مَا يَكُونُ
الحَيْضُ لِلْجَارِيَةِ الثَّيْبِ وَالْبِكْرِ جَمِيعاً ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُوا مَا يَكُونُ مِنَ الحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامِ، وَمَا
زَادَ عَلَى العَشَرَةِ فَهُوَ أَسْتِحَاضَةٌ)) وَهَذَا حَدِيثٌ مشهور(٦). وروي عن جماعة من الصحابة -
رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن
(١) في هامش ب: بيان خروج دم الحيض.
(٢) في ب: بالاحتباس.
(٣) في أ، ب: على.
(٤) في هامش ب: بيان أن دم الحيض مقدر.
(٥) في ب: للدم.
(٦) أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة عن أنس به وأعله بالحسن بن
دينار وقال: إن جميع من تكلم في الرجال أجمع على ضعفه قال: ولم أر له حديثاً جاوز الحد في النكارة
وهو إلى الضعف أقرب.

٢٨٩
كتاب الطهارة
أبي العاص(١) الثقفي - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الحيض ثلاث أربع، خمس ست، سبع
ثمان، تسع عشر، ولم يرو عن غيرهم خلافه، فيكون إجماعاً، والتقدير الشرعي يمنع أن يكون
لغير المقدر حكم المقدر؛ وبه تبين أن الخبر المشهور والإجماع خرجا بياناً للمذكور في
الكتاب، والاعتبار بالنفاس غير سديد؛ لأن القليل هناك عرف خارجاً من الرحم بقرينة الولد،
ولم يوجد ههنا.
وأما الثاني: فذكر في ظاهر الرواية أن أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وحكي عن أبي
يوسف في ((النوادر)): يومان وأكثر اليوم الثالث. وروى الحسن عن أبي حنيفة: ثلاثة أيام
بليلتيهما المتخللتين.
وقال الشافعي: يوم وليلة في قول، وفي قول: يوم بلا ليلة، واحتج بنحو (٢) احتج به
مالك، إلا أنه قال: لا يمكن اعتبار القليل(٣) حيضاً؛ لأن إقبال النساء لا تخلو عن قليل لوث عادة،
فيقدر باليوم أو باليوم والليلة، لأنه أقل مقدار يمكن اعتباره، وحجتنا ما ذكرنا مع مالك، وحجة ما
روي عن أبي يوسف؛ أن أكثر الشيء يقام مقام كله، وهذا على الإطلاق غير سديد، فإنه لو جاز
إقامة يومين وأكثر اليوم الثالث مقام الثلاثة - لجاز إقامة يومين مقام الثلاثة؛ لوجود الأكثر.
وجه رواية الحسن أن دخول الليالي ضرورة دخول الأيام المذكورة في الحديث لا
مقصوداً، والضرورة ترتفع بالليلتين المتخللتين، والجواب. أن دخول الليالي تحت اسم الأيام -
ليس من طريق الضرورة، بل يدخل مقصوداً؛ لأن الأيام إذا ذكرت بلفظ (٤) الجمع تتناول ما
بإزائها من الليالي لغة؛ فكان دخولاً مقصوداً لا ضرورة.
(١) هو: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان (عبد دهمان) بن عبد الله بن همام بن أبان بن
سيار بن مالك بن حطيط .. أبو عبد الله. الثقفي.
قال ابن الأثير وفد على النبي ◌َ ◌ّ في وفد ثقيف فأسلم واستعمله رسول الله وَطير على الطائف ... ولم
يزل على الطائف حياة رسول الله ﴿ وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر. واستعمله عمر سنة (١٥)
على البحرين وعمان فسار إلى عمان ووجه أخاه الحكم إلى البحرين وسار هو إلى توج فافتتحها ومصرها
وقتل ملكها ((شهرك)) سنة (٢١).
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٥٨٩/٣)، الإصابة (٢٢١/٤)، الاستيعاب (١٠٣٥)، الثقات (٢٦١/٣)،
تجريد أسماء الصحابة (٣٧٣/١)، الرياض المستطابة (٢٣٨)، التاريخ الكبير (٢١٢/٦)، التاريخ الصغير
(١٠١/١، ١٢٢)، الجرح والتعديل (١٦٣/٦)، بقي بن مخلد (٩٧)، الكاشف (٢٥١/٢)، الأعلام
(٢٠٧/٤)، العقد الثمين (٥٠)، العبر (٢٨/١)، شذرات الذهب (٣٦/١)، تهذيب التهذيب (١٢٨/٧)،
تقريب التهذيب (١٠/٢).
(٢) في ط: بما احتج.
(٣) في هامش ب: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة.
(٤) في أ، ب: بلفظه .
بدائع الصنائع ج١ - م١٩

٢٩٠
كتاب الطهارة
وأما أكثر الحيض - فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا، وقال الشافعي: خمسة عشر؛
واحتجَّ بما رُوِيَ عَنِ النبيِّ وَّرَ أنه قال: ((تَقْعُدُ إِخْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لاَ تَصُومُ وَلاَ تُصَلّي))(١).
ثم أحد الشطرين الذي تصلي فيه وهو الطهر - خمسة عشر؛ كذا الشطر الآخر؛ ولأن الشرع
أقام الشهر مقام حيض وطهر في حق الآيسة والصغيرة؛ فهذا يقتضي انقسام الشهر على الحيض
والطهر، وهو أن يكون نصفه طهراً، ونصفه حيضاً.
ولنا ما روينا من الحديث المشهور، وإجماع الصحابة، وليس المراد من الشطر المذكور
- النصف(٢) لأنا نعلم قطعاً أنها لا تقعد نصف عمرها، ألا ترى أنها لا تقعد حال صغرها
وإياسها، وكذا زمان الطهر يزيد على زمان الحيض عادة - فكان المراد ما يقرب من النصف
وهو عشرة، وكذا ليس من ضرورة انقسام الشهر على الطهر والحيض - أن تكون مناصفة؛ إذ
قد تكون القسمة مثالثة، فيكون ثلث الشهر للحيض، وثلثاه للطهر، وإذا عرفت(٣) مقدار
الحيض لا بد من معرفة مقدار الطهر الصحيح الذي يقابل الحيض، وأقله(٤) خمسة عشر يوماً
عندنا، إلا ما روي عن أبي حازم القاضي، وأبي عبد الله البلخي؛ أنه تسعة عشر يوماً، وقال
الشافعي مثل قولنا، وقال مالك: عشرة أيام.
وجه قول أبي حازم(٥)، وأبي عبد الله: إن الشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة، وقد
(١) لا أصل له بهذا اللفظ، فقد قال أبو عبد الله بن منده فيما حكاه عنه ابن دقيق العيد في الإمام: ذكر
بعضهم هذا الحديث ولا يثبت بوجه من الوجوه، وقال البيهقي في المعرفة هذا الحديث يذكره بعض
فقهائنا وقد تطلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ولم أجد له إسناداً، وقال ابن الجوزي في
التحقيق: هذا لفظ يذكره أصحابنا ولا أعرفه، وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ
إلا في كتب الفقهاء، وقال النووي في شرحه: باطل لا يعرف، وفي الخلاصة: باطل لا أصل له، وقال
المنذري لم يوجد له إسناد بحال، وأغرب الفخر ابن تيمية في شرح الهداية لأبي الخطاب، فنقل عن
القاضي أبي يعلى أنه قال: ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب السنن له كذا قال! وابن أبي
حاتم ليس بُستياً، وإنما هو رازيَّ وليس له كتاب يقال له السنن، وفي قريب من معناه، ما اتفقا عليه من
حديث أبي سعيد مرفوعاً: أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم فذاك من نقصان دينها، ورواه مسلم من
حديث ابن عمر بلفظ: تمكث الليالي ما تصلي وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها، ومن حديث
أبي هريرة كذلك، وفي المستدرك من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: فإن إحداهن تقعد ما شاء الله من
يوم وليلة لا تسجد لله سجدة، قال شيخنا: هذا وإن كان قريباً من معناه لكنه لا يعطي المراد منه.
(٢) في أ: إلاَّ النصف.
(٣) في أ، ب: عُرفَ.
(٤) في هامش ب: أقل الطهر خمسة عشر يوماً.
(٥) عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي أبو حازم، أصله من البصرة، أخذ العلم عن بكر العمي، جليل
القدر، ولي القضاء بالشام، والكوفة والكرخ من مدينة السلام، لقيه أبو الحسن الكرخي وحضر مجلسه.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
=

٢٩١
كتاب الطهارة
قام الدليل على أن أكثر الحيض عشرة، فيبقى من الشهر عشرون، إلا أنا نقصنا يوماً؛ لأن
الشهر قد ينقص بيوم.
١٢٠
ولنا إجماع الصحابة على ما قلنا/، ونوع من الاعتبار بأقل مدة الإقامة، لأن لمدة الطهر
شبهاً بمدة الإقامة، ألا ترى أن المرأة بالطهر تعود إلى ما سقط عنها بالحيض؛ كما أن المسافر
بالإقامة يعود إلى ما سقط عنه بالسفر، ثم أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً، كذا أقل الطهر، وما
قالاه غير سديد؛ لأن المرأة لا تحيض في الشهر عشرة لا محالة، ولو حاضت عشرة - لا تطهر
عشرين لا محالة، بل قد تحيض ثلاثة وتطهر عشرين، وقد تحيض عشرة وتطهر خمسة عشر.
وأما أكثر(١) الطهر فلا غاية له، حتى أن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة، فإنها تعمل ما
تعمل الطاهرات بلا خلاف بين الأئمة؛ لأن الطهارة في بنات آدم أصل، والحيض عارض، فإذا
لم يظهر العارض [يجب بناء الحكم على](٢) الأصل وإن طال، واختلف أصحابنا فيما وراء
ذلك، وهو أن أكثر الطهر الذي يصلح لنصب العادة عند الاستمرار - كم هو؟
قال أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي(٣)، وأبو حازم القاضي: إن الطهر، وإن طال
يصلح لنصب العادة، حتى أن المرأة إذا حاضت خمسة وطهرت ستة، ثم استمر بها الدم - يبني
الاستمرار عليه، فتقعد خمسة وتصلي ستة [أشهر](٤)، وكذا لو رأت أكثر من ستة [أشهر](٥)،
وقال محمد بن إبراهيم الميداني(٦)، وجماعة من أهل بخارى: إن أكثر الطهر الذي يصلح
ينظر: الجواهر المضية (٣٦٦/٢ -٣٦٨)، دول الإسلام (١٧٧/١)، المشتبه (٢٠١)، الطبقات السنية
=
برقم (١١٣٨).
(١) في هامش ب: أكثر الطهر لا غاية له.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في ب: يحكم بموجب.
(٣) أبو عِصْمة، سعد بن مُعاذ الْمَرْوَزيّ.
روَى عنه أبو أحمد نَبْهَان بن إسحاق بن مقْدَاس.
قال ابنُ ماكُولا : مِقْداس، بدالِ مُهْمَلة .
يَزْوِي عن الزُّهْرِيِّ، ومُقاتِلٍ بن حَيَّان.
مات سنة ثلاث وسبعين ومائة .
كان علَى قضاء بن مَرْوَ.
ينظر ترجمته في الجواهر المضية ص (٦٦، ٦٧)، والطبقات السنية برقم (٢٨٩٠).
(٤) سقط في ط .
(٥) سقط في ط .
(٦) محمد بن ابراهيم الضَّرِير، المَيْدَانِيُّ أبو بكر. قال الذهبي: من أئمة الحنفيَّة، حَدَّث عن أبي محمد
المُزَنِيّ، وعنه ميمون بن عليّ الميمونيّ، له مناظرات مع أبي أحمد العياضي.
ينظر الجواهر المضية (١٦/٣)، الطبقات السنية برقم (١٧٧٦) الفوائد البهية (١٥٥).

٢٩٢
كتاب الطهارة
لنصب العادة - أقل من ستة أشهر، وإذا كان ستة أشهر فصاعداً - لا يصلح لنصب العادة، وإذا
لم يصلح له ترد أيامها إلى الشهر، [فتقعد ما كانت رأت فيه من خمسة أو ستة أو نحو ذلك،
وتصلي بقية الشهر](١) هكذا دأبها .
وقال محمد بن مقاتل الرازي، وأبو علي الدقاق: أكثر الطهر الذي يصلح لنصب العادة سبعة
وخمسون يوماً، وإذا زاد عليه ترد أيامها إلى الشهر، وقال بعضهم: أكثره شهر؛ وإذا زاد عليه ترد
إلى الشهر، وقال بعضهم: سبعة وعشرون يوماً، ودلائل هذه الأقاويل تذكر في ((كتاب الحيض)).
وأما وقته(٢) فوقته حين تبلغ المرأة تسع سنين فصاعداً، عليه أكثر المشايخ، فلا يكون
المرئي فيما دونه حيضاً، وإذا بلغت تسعاً - كان حيضاً إلى أن تبلغ حد الإياس(٣)، على
اختلاف المشايخ في حده، ولو بلغت ذلك وقد انقطع عنها الدم، ثم رأت بعد ذلك - لا يكون
حيضاً، وعند بعضهم: يكون حيضاً، وموضع معرفة ذلك كله كتابُ الحيض.
وأما النفاس(٤)، فهو في عرف الشرع: اسم للدم الخارج من الرحم عقيب الولادة،
(١) سقط في أ.
(٢) في هامش ب: وقت الحيض مقدر بتسع سنين.
(٣) في ب: اليأس.
(٤) النّفَاسُ بكسر النون في أَضْلِ اللغة: مصدر نُفِسَتِ المرأةُ بضم النون وفتحها مع كَسْرِ الفاء فيهما: إِذا
ولدت، وسميت الوِلاَدَةُ نِفاساً من التنفّس، وهو التشقُق والانْصِدَاعُ، يقال: تنفست القَوْس: إذا تشقَّقت،
وقيل: سُمِّيَتْ نفاساً، لما يَسِيلُ لأجلها من الدم. والدم: النّفس كما تقدم، ثم سمي الدَّمُ الخارج نَفْسُهُ
نِفاساً، لكونه خَارِجاً بسبب الوِلاَدَةِ التي هي النفاس، تسمية لِلْمُسَبِّب باسم السَّبَبِ. ويقال لمن بها
النفاس: نُفَسَاءُ بضم النون وفتح الفاء، وهي الفُصْحَى، ونَفَسَاء بفتحهما، ونَفْسَاء بفتح النون، وإسكان
الفاء، عن اللَّخْيَاني في «نوادره)) وغيره، واللغات الثلاث بالمَدُ، ثم هي نُفَسَاءُ حتَّى تَطْهُرَ. وحكى ابن
عُدَيْسٍ في كتاب ((الصواب)) عن ثعلب، النُّفَسَاءُ: الحائض، والوالدة، والحامل، وتجمع على نِفَاسٍ، ولا
نظير له إلا ناقة عُشَرَاء، ونوق عِشَار.
ينظر لسان العرب (٤٥٠٣/٦)، المغرب (٣١٨/٢)، الصحاح (٩٨٥/٣)، المطلع ص (٤٢)، ترتيب
القاموس (٤١٤/٤).
واصطلاحاً :
عرفه الشافعية بأنه: الدَّمُ الخارجِ عَقِبَ الولادة.
عرفه المالكية بأنه: الدَّمُ الخارج للولادة.
عرفه الحنفية بأنه: الدم الخارج عَقِيبَ الولادة.
عرفه الحَنَابِلَةُ بأنه: دَمّ ترضيه الرَّحمُ مع ولادة، وقبلها بيومين أو ثلاثة مع أمَارَة، وبعدها إلى تمام أربعين يوماً .
ينظر الاختيار (٣٠/١)، المبدع (٢٩٣/١)، البجيرمي على الخطيب (٣٠١/١)، البجيرمي على ابن
القاسم (١١٢/١)، الهداية (٣٢/١)، كشف القناع (٢١٨/١).

٢٩٣
كتاب الطهارة
وسمي نفاساً؛ إما لتنفس الرحم بالولد، أو لخروج النفس، وهو الولد أو الدم، والكلام في
لونه وخروجه کالكلام في دم الحيض، وقد ذكرناه.
وأما الكلام في مقداره: فأقله(١) غير مقدر(٢) بلا خلاف، حتى أنها إذا ولدت ونفست
وقت صلاة ــ لا تجب عليها تلك الصلاة؛ لأن النفاس دم الرحم، وقد قام الدليل على كون
القليل منه خارجاً من الرحم، وهو شهادة الولادة، ومثل هذه الدلالة لم يوجد في باب
الحيض، فلم يعرف القليل منه؛ أنه من الرحم، فلم يكن(٣) حيضاً، على أن قضية القياس ألا
يتقدر أقل الحيض أيضاً كما قال مالك؛ إلا أنّا عرفنا التقدير، ثُم بالتوقيف، ولا توقيف ههنا
فلا يتقدر، فإذا طهرت قبل الأربعين - اغتسلت وصلت؛ بناء على الظاهر؛ لأن معاودة الدم
موهوم، فلا يترك [به](٤) المعلوم بالموهوم، وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل
النفاس - فذاك في موضع آخر، وهو أن المرأة إذا طلقت بعدما ولدت ثم جاءت، وقالت:
نفست ثم طهرت ثلاثة أطهار وثلاث حيض، فبكم تصدق في النفاس؟، فعند أبي حنيفة: لا
تصدق إذا ادعت في أقل من خمسة عشر يوماً، وعند أبي يوسف: لا تصدق في أقل من أحد
عشر يوماً، وعند محمد: تصدق فيما ادعت، وإن كان قليلاً على ما يذكر في كتاب الطلاق،
إن شاء الله تعالى.
وأما أكثر النفاس فأربعون يوماً عند أصحابنا، وعند مالك والشافعي: ستون يوماً، ولا
دليل لهما سوى ما حكي عن الشعبي(٥)، أنه كان يقول: ستون يوماً، ولا حجة في قول
الشعبي .
ولنا ما روي عن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهم -
عن النبي وََّ - أنه قال: ((أَكْثَرُ النَّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْماً))(٦).
(١) في هامش ب: أقل النفاس لا حد له.
(٢) في ب: لا حد له.
(٣) في ب: فلا يكون.
(٤) سقط في ط.
(٥) عامر بن شراحيل الحميري الشعبي أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، روى عن كثير من الصحابة، وروى
عنه ابن سيرين والأعمش، وكان فقيهاً. قال الشعبي ((ما كتبت سوداء في بيضاء)).
توفي سنة (١٠٣) هـ.
ينظر الخلاصة ٢٢/٢ (٣٢٦٣) ابن سعد (١٧١/٦ - ١٧٨).
والمعارف ص (٤٤٩ - ٤٥١)، والحلية (٣١٠/٤ - ٣٣٨).
(٦) أخرجه أحمد (٣٠٠/٦، ٣٠٤)، وأبو داود (٢١٧/١ - ٢١٨) كتاب الطهارة: باب ما جاء في وقت =

٢٩٤
كتاب الطهارة
النفساء، الحديث (٣١١)، والترمذي (٢٥٦/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في كم تمكث النفساء (١٠٥)،
=
الحديث (١٣٩) وابن ماجة (٢١٣/١): كتاب الطهارة: باب النفساء كم تجلس، الحديث (٦٤٨)، والدار قطني
(٢٢١/١ -٢٢٢): كتاب الحيض، الحديث (٧٦)، والحاكم (١٧٥/١): كتاب الطهارة، والبيهقي (١/
٣٤١): كتاب الحيض: باب النفاس، كلهم من حديث علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهيل كثير بن زياد، عن
مُسة الأزدية، عن أم سلمة قالت: ((كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله وَله أربعين يوماً.
قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مسة الأزدية عن أم سلمة .
واسم أبي سهل کثیر بن زياد.
قال محمد بن اسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة وأبو سهل ثقة ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من
حديث أبي سهل.
وأخرجه أبو داود (٢١٨/١) كتاب الطهارة: باب ما جاء في وقت النفساء حديث (٣١٢)، والحاكم (١/
١٧٥) والبيهقي (٣٤١/١) أيضاً من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس بن نافع، عن أبي سهل به
بلفظ: ((كانت المرأة من نساء النبي ◌َّه تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي وَلّ بقضاء صلاة
النفاس)). ثم قال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه)
وأقره الذهبي.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٠٥/١) قال عبد الحق في أحكامه. أحاديث هذا الباب معلولة وأحسنها
حديث مسة الأزدية أ. هـ.
وله طريق آخر عن مسة عن أم سلمة:
أخرجه الدار قطني (٢٢٣/١) كتاب الحيض رقم (٨٠) من طريق عبد الرحمن بن محمد العرزمي عن أبيه
عن الحكم بن عتبة به . .
قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي (٢٥٧/١): وهذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن
عبيد الله العرزمي أما الإسنادان الأولان فصحيحان: أحدهما أثنى عليه البخاري، وهو طريق علي بن
عبد الأعلى والآخر صححه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ونقل
ابن حجر في ((بلوغ المرام)» تصحيح الحاكم وأقره فلم يعترض عليه. أ. هـ.
وقال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (٨٣/١) وكذا صححه ابن السكن أيضاً وخالف ابن حزم وابن
القطان فضعفاه والحق صحته قال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث. أ. هـ.
وحديث أنس :
أخرجه عبد الرازق (٣١٢/١): كتاب الحيض: باب البكر والنفساء، الحديث (١١٩٨)، وابن ماجة (١/
٢١٣): كتاب الطهارة: باب النَّفساء كم تجلس، الحديث (٦٤٩)، والدارقطني (٢٢٠/١): كتاب
الحيض، الحديث (٦٦)، والبيهقي (٣٤٣/١): كتاب الحيض: باب النفاس، من طريق سلام بن سليم،
عن حميد، عن أنس قال كان رسول الله رَله وقت للنفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
وقال الدارقطني: لم يروه عن حميد إلا سلام هذا، وهو سلام الطويل وهو ضعيف الحديث.
أما البوصيري فقال في ((الزوائد» (٢٣٢/١): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، ظناً منه أن سلام هو أبو
الأحوص وليس كما ظن، كما بين ذلك الدارقطني، والحديث أخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٢٢/٦) رقم
(٣٧٩١) من طريق سلام بن سليم.
=

٢٩٥
كتاب الطهارة
٠٠
وللحديث طريق آخر عن أنس، أخرجه البيهقي (٣٤٣/١): كتاب الحيض: باب النفاس بسند فيه زيد
=
العمي .
وزيد العمي ذكره الذهبي في ((المغني في الضعفاء» (٢٤٦/١) وقال الحافظ في ((التقريب)) (٢٧٤/١):
ضعيف .
- حديث عثمان بن أبي العاص:
أخرجه الحاكم (١٧٦/١) كتاب الطهارة، والدارقطني (١/ ٢٢٠) كتاب الحيض، الحديث (٧٠) من طريق
أبي بلال الأشعري، ثنا أبو شهاب عن هشام بن حسان عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: وقت
رسول الله وَلي للنساء في نفاسهن أربعين يوماً.
قال الدارقطني: أبو بلال الأشعري ضعيف. وقال الحاكم: إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال فإنه مرسل
صحيح لأن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. أ. هـ.
وأبو بلال الأشعري.
قال الذهبي في («المغني)) (٧٧٥/٢): ضعفه الدارقطني اسمه كنيته.
۔ حدیث عبد الله بن عمرو:
أخرجه الدارقطني (٢٢١/١)، والحاكم (١٧٦/١) من طريق عمروِ الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن
علائة، عن عبد بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو أن النبي وَّر قال: ((تنتظر
النفساء أربعين ليلة فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهرة، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة
تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة)).
وقال الحاكم: وعمرو بن الحصين، ومحمد بن علائة ليسا من شرط الشيخين، وإنما ذكرته شاهداً، وقال
الدارقطني: عمرو بن الحصين وابن علاثة متروكان ضعيفان.
وحديث جابر:
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (٢٠٦/١)، ثنا أحمد بن خليد، ثنا عبيد بن جناد،
ثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن الأشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: وقت للنفساء
أربعين يوماً.
قال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) (٩٠/١). وفيه عبيد بن جناد، وهو ضعيف، أما الهيثمي فقال في
((المجمع)) (٢٨٦/١) فقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه أشعث بن سوار وثقه ابن معين واختلف
في «الاحتجاج به أ. هـ.
وأشعث ضعفه ابن معين في رواية وضعفه أحمد والدارقطني والنسائي.
وقال أبو زرعة: لين الحديث.
وقال الذهبي: وهو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعه.
وقال الحافظ في التقريب: ضعيف.
ينظر المغني (٩١/١) والتقريب (٧٩/١) والتهذيب (٣٥٢/١، ٣٥٣).
حديث عائشة :
أخرجه الدارقطني (٢٢٠/١) كتاب الحيض، الحديث (٧١) من طريق أبي بلال الأشعري، ثنا حبان عن
عطاء، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة: أن رسول الله وَله وقت للنساء في نفاسهن أربعين يوماً.

٢٩٦
كتاب الطهارة
وأما الاستحاضة: فهى ما انتقص عن أقل الحيض، وما زاد على أكثر الحيض والنفاس،
ثم المستحاضة نوعان مبتدأة وصاحبة عادة؛ والمبتدأة نوعان: مبتدأة وصاحبة عادة، ومبتدأة
بالحبل، وصاحبة العادة نوعان: صاحبة العادة في الحيض، وصاحبة العادة في النفاس.
أما المبتدأة(١) بالحيض: وهي التي ابتدأت بالدم واستمر بها - فالعشرة من أول الشهر
حيض؛ لأن هذا دم في أيام الحيض وأمكن جعله حيضاً، فيجعل حيضاً، وما زاد على العشرة
يكون استحاضة؛ لأنه لا مزيد للحيض على العشرة؛ وهكذا في كل شهر.
وأما صاحبة العادة في الحيض/ (٢)، إذا كانت عادتُّهَا عَشَرَةً، فزاد الدَّمُ عليها - فالزيادة
استحاضة، وإن كانت عادتها خمسة فالزيادة عليها حيض معها إلى تمام العشرة؛ لما ذكرنا في
٢٠ب
وقال الدارقطني: أبو بلال الأشعري هذا ضعيف وعطاء هو ابن عجلان متروك الحديث.
=
وللحديث طريق آخر عن عائشة:
أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٤٥/١) من طريق الحسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة قالت: وقت رسول الله وَ لجر للنفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي، ولا
يقربها زوجها في الأربعين.
وقال ابن حبان: الحسين بن علوان كان يضع الحديث على هشام بن عروة وغيره من الثقات وضعاً لا
تحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. كذبه أحمد بن حنبل رحمه الله.
حديث أبي الدرداء وأبي هريرة:
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢١٩/٥) عنهما معاً مرفوعاً من قول النبي وَلّ بنحو حديث عبد الله بن
عمرو، وفيه العلاء بن كثير.
قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وقال ابن المديني ضعيف الحديث جداً
وقال النسائي: ضعيف وقال ابن حجر: متروك رماه ابن حبان بالوضع.
ينظر الكامل (٢١٩/٥) والتقريب (٩٣/٢).
أما موقوف عمر وعائذ بن عمرو:
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٢١) من طريق الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمر.
وقال الدارقطني: لم يروه عن معاوية بن قرة إلا الجلد بن أيوب، وهو ضعيف، وأخرجه (٢٢١/١) رقم
(٧٤) عن عمر .
ويبدو أن له طريق آخر عن عائذ بن عمرو.
فقد ذكرهُ الهيثمي في («المجمع» (٢٨٦/١) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه صالح بن بشير
المري، وهو ضعيف لم يوثقه أحمد إلا ما رواه عباس، عن يحيى بن معين أنه لا بأس به، وروى غيره
عن ابن معين أنه ضعيف متروك.
أما أثر ابن عباس فأخرجه البيهقي (٣٤١/١).
(١) في هامش ب: حكم المستحاضة التي ابتدأت بالحيض.
(٢) في هامش ب: إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها.

٢٩٧
كتاب الطهارة
المبتدأة بالحيض، وإن جاوز العشرة فعادتها حيض، وما زاد عليها استحاضة؛ لقول النبي وَله :
(المُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أقْرَائِها))(١) أي: أيام حيضها، ولأن ما رأت في أيامها حيض
بيقين، وما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله، فيكون
حيضاً؛ فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده، فيكون استحاضة فتصلي، فلا تترك الصَّلاَةَ بالشك
وإن لم يكن لها عادة معروفة بأن كانت ترى شهراً ستاً وشهراً سبعاً، فاستمر بها الدم؛ فإنها تأخذ
في حق [الصلاة](٢) والصوم والرجعة بالأقل، وفي حق انقضاء العدة والغشيان بالأكثر - فعليها إذا
رأت ستة أيام في الاستمرار - أن تغتسل في اليوم السابع لتمام السادس. وتصلي فيه وتصوم، وإن
كان دخل عليها شهر رمضان؛ لأنه يحتمل أن يكون السابع حيضاً، ويحتمل ألا يكون، فدار
الصلاة والصوم بين الجواز منها، والوجوب عليها في الوقت، فيجب.
وتصوم رمضان احتياطاً، لأنها إن فعلت وليس عليها - أولى أن تترك وعليها ذلك،
وكذلك(٣) تنقطع الرجعة؛ لأن ترك الرجعة مع ثبوت حَقُ الرجعة - أولى من إثباتها من غير حق
الرجعة .
وأما في انقضاء العدة والغشيان، فتأخذ بالأكثر؛ لأنها إن تركت التزوج مع جواز التزوج
- أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، وكذا ترك الغشيان مع الحل - أولى من الغشيان مع
الحرمة، فإذا جاء اليوم الثامن - فعليها أن تغتسل ثانياً، وتقضي اليوم(٤) الذي صامت في اليوم
السابع؛ لأن الأداء كان واجباً، ووقع الشك في السقوط إن لم تكن حائضاً فيه - صح صومها،
ولا قضاء عليها، وإن كانت حائضاً - فعليها القضاء، فلا يسقط القضاء بالشك، وليس عليها
قضاء الصلوات؛ لأنها إن كانت طاهرة في هذا اليوم - فقد صَلَّتْ، وإن كانت حائضاً فيه - فلا
صلاة عليها للحال، ولا القضاء في الثاني، ولو كانت عادتها خمسة، فحاضت ستة، ثم
حاضت حيضة أخرى سبعة، ثم حاضت حيضة أخرى ستة - فعادتها ستة بالإجماع، حتى يبني
الاستمرار عليها، أما عند أبي يوسف، فلأن العادة تنتقل بالمرة الواحدة، وإنما يبني الاستمرار
على المرة الأخيرة؛ لأن العادة انتقلت إليها .
وأما عند أبي حنيفة ومحمد أيضاً؛ فلأن العادة وإن كانت لا تنتقل إلا بالمرتين، فقد
رأت الستة مرتين، فانتقلت عادتها إليها، هذا معنى قول محمد: كلما عاودها الدم في يوم
مرتين - فحيضها ذلك.
(١) تقدم.
(٢) سقط في أ.
(٣) في ب: وكذا.
(٤) في ب: في الصوم.

٢٩٨
كتاب الطهارة
وذكر في الأصل إذا حاضت المرأة في شهر مرتين - فهي مستحاضة، والمراد بذلك أنه
لا يجتمع في شهر واحد - حيضتان وطهران؛ لأن أقل الحيض ثلاثة، وأقل الطهر خمسة عشر
يوماً، وقد ذكر في الأصل سؤالاً، وقال: أرأيت لو رأت في أول الشهر خمسة، ثم طهرت
خمسة عشر، ثم رأت الدم خمسة - أليس قد حاضت في شهر مرتين، ثم أجاب فقال: إذا
ضممت إليه طهراً آخر - كان أربعين يوماً، والشهر لا يشتمل على ذلك.
وحكي أن امرأة جاءت إلى عليّ - رضي الله عنه - وقالت: إني حضت في شهر ثلاث
مرات، فقال علي - رضي الله عنه - لشريح: ماذا تقول في ذلك؟ فقال: إن أقامت على ذلك
بينة من بطانتها، ممن يرضى بدينه وأمانته - قبل منها، فقال عليّ - رضي الله عنه -: ((قالون))
وهي بالرومية: حسن، وإنما أراد شريح بذلك تحقيق النفي، أنها لا تجد ذلك، وأن هذا لا
يكون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ﴾ [الأعراف:
٤٠]، أي: لا يدخلونها رأساً.
ودم الحامل(١) ليس بحيض، وإن كان ممتداً عندنا. وقال الشافعي: هو حيض في حق
ترك الصوم والصلاة وحرمة القربان، لا في حق أقراء العدة، واحتج [الشافعي] (٢) بما روي عن
النبي ◌َّ؛ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أَقْبَلَ قُرْؤُكِ فَدعي الصَّلاَة))(٣) من غير فصل بين
حال وحال؛ ولأن الحامل من ذوات الأقراء؛ لأن المرأة إما أن تكون صغيرة أو آيسة أو من
ذوات الأقراء، والحامل ليست بصغيرة ولا آيسة؛ فكانت من ذوات الأقراء، إلا أن حيضها لا
يعتبر في حق أقراء العدة؛ لأن المقصود من أقراء العدة - فراغ الرحم، وحيضها لا يدلُّ على
ذلك .
ولنا قول عائشة - رضي الله عنها - الحامل لا تحيض ومثل هذا لا يعرف بالرأي، فالظاهر
أنها قالته سماعاً(٤) من رسول الله وَالر؛ ولأن الحيضَ اسم للدم الخارج من الرحم، ودم
٢١أ الحامل لا يخرجُ من الرحم؛ لأن الله/ تعالى أجرى العادة أن المرأة إذا حبلت ينسد فم الرحم،
فلا يخرج منه شيء؛ فلا يكون حيضاً.
وأما الحديث نقول بموجبه، لكن لم قلتم(٥): إن دم الحامل قرء والكلام فيه، والدليل
على أنه ليس بقرء وما ذكرنا، وبه تبين أن الحديث لا يتناول حالة الحبل.
(١) في هامش ب: دم الحامل ليس بحيض.
(٢) سقط في ط.
(٣) تقدم.
(٤) في ب: سمعته.
(٥) في ب: قلت.

٢٩٩
كتاب الطهارة
وأما المبتدأة (١) بالحبل وهي التي حبلت من زوجها قبل أن تحيض، وإذا ولدت فرأت
الدم زيادة على أربعين يوماً - فهو استحاضة، [لأن الأربعين للنفاس كالعشرة للحيض، ثم
الزيادة على العشرة في الحيض - استحاضة؛ فكذا الزيادة على الأربعين في النفاس] (٢).
وأما صاحبة(٣) العادة في النفاس إذا رأت زيادة على عادتها، فإن كانت عادتها أربعين،
فالزيادة استحاضة لما مر، وإن كانت دون الأربعين فما زاد [عليها](٤) يكون نفاساً إلى
الأربعين، فإن زاد على الأربعين - ترد إلى عادتها، فتكون عادتها نفاساً، وما زاد عليها يكون
استحاضة، ثم يستوي الجواب فيما إذا كان ختم عادتها بالدم أو بالطهر عند أبي يوسف.
وعند محمد: إن كان ختم عادتها بالدم فكذلك، وأما إذا كان بالطهر فلا؛ لأن أبا
يوسف يرى ختم الحيض والنفاس بالطهر، إذا كان بعده دم؛ ومحمد لا يرى ذلك، وبيانه ما
ذكر في الأصل: إذا كانت عادتها في النفاس ثلاثين يوماً، فانقطع دمها على رأس عشرين يوماً،
وطهرت عشرة أيام تمام عادتها، فصلت وصامت، ثم عاودها الدم واستمر بها، حتى جاوز
الأربعين - ذكر أنها مستحاضة فيما زاد على الثلاثين، ولا يجزيها صومها في العشرة التي
صامت، فيلزمها القضاء.
قال الحاكم الشهيد: هذا على مذهب أبي يوسف يستقيم، فأما على مذهب محمد ففيه
نظر (٥)؛ لأن أبا يوسف يرى ختم النفاس بالطهر إذا كان بعده دم [كما يرى ختم الحيض بالطهر
إذا كان بعده دم](٦) فيمكن جعل الثلاثين نفاساً [لها](٧) عنده، وإن كان ختمها بالطهر، ومحمد
لا يرى ختم النفاس والحيض بالطهر، فنفاسها في هذا الفصل عنده عشرون يوماً، فلا يلزمها
قضاء ما صامت في العشرة الأيام بعد العشرين. والله أعلم.
وما (٨) تراه النفساء من الدم بين الولادتين فهو دم صحيح في قول أبي حنيفة وأبي
يوسف، وعند محمد وزفر فاسد؛ بناء على أن المرأة إذا ولدت وفي بطنها ولد آخر، فالنفاس
(١) في هامش ب: بيان المبتدأة بالحبل.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: صاحبة العادة في النفاس.
(٤) سقط في ط.
(٥) في أ، ب: فلا نظر.
(٦) سقط في ط.
(٧) سقط في أ، ب.
(٨) في هامش ب: ما تراه النفساء في الدم بين الولادتين.

٣٠٠
كتاب الطهارة
من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر من الولد الثاني، وانقضاء العدة
بالولد الثاني بالإجماع.
وجه قول محمد وزفر: أن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن كانقضاء العدة، فيتعلق
بالولد الأخير(١) كانقضاء العدة، وهذا لأنها بعد (٢) حبلى، وكما لا يتصور انقضاء عدة(٣)
الحمل بدون وضع الحمل - لا يتصور وجود النفاس من الحبلى؛ لأن النفاس بمنزلة الحيض؛
ولأن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم، ولا يتحقق ذلك على الكمال إلا بوضع الولد الثاني،
فكان الموجود قبل وضع الولد الثاني نفاساً من وجه دون وجه، فلا تسقط الصلاة عنها
بالشك، كما إذا ولدت ولداً واحداً، وخرج بعضه دون البعض.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف [أن النفاس](٤) إن كان دماً يخرج عقيب النفس فقد وجد
بولادة الأول، وإن كان دماً يخرج بعد تنفّس الرحم فقد وجد أيضاً بخلاف انقضاء العدة؛ لأن
ذلك يتعلق بفراغ الرحم ولم يوجد، والنفاس يتعلَّق بتنفس الرحم أو بخروج النفس، وقد
وجد، أو يقول بقاء الولد في البطن لا ينافي النفاس، لانفتاح فم الرحم، فأما الحيض من
الحبلى فممتنع؛ لانسداد فم الرحم، والحيض اسم لدم يخرج من الرحم، فكان الخارج دم
عرق لا دم رحم.
وأما قولهما: وجد تنفس الرحم من وجه دون وجه - فممنوع، بل وجد على سبيل
الكمال؛ لوجود خروج الولد بكماله، بخلاف ما إذا خرج بعض الولد؛ لأن الخارج منه إن كان
أقله لم تصر(٥) نفساء حتى قالوا: يجب عليها أن تصلي، وتحفر لها حفيرة؛ لأن النفاس
يتعلق(٦) بالولادة ولم يوجد؛ لأن الأقل ملحق(٧) بالعدم بمقابلة الأكثر، فأما إذا كان الخارج
أكثره فالمسألة ممنوعة، أو هي على هذا الاختلاف، فأما فيما نحن فيه: فقد وجدت الولادة
على طريق الكمال؛ فالدم الذي يعقبه يكون نفاساً ضرورة.
والسقط(٨) إذا استبان بعض خلقه فهو مثل الولد التام، يتعلق به أحكام الولادة من انقضاء
(١) في أ، ب: الثاني.
(٢) في ب: تعد.
(٣) في ب: مدة.
(٤) سقط في أ، ب.
(٥) في ب: تكن.
(٦) في ب: معلق.
(٧) في ط: يلحق.
(٨) في هامش ب: السقط إذا استبان بعد خلقه.