Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ مقدمة بدائع الصنائع القياس يخالف الإجماع، أو يخالف العرف، فإنه يترك القياس، ويؤخذ بما أنعقد عليه الإجماع أو العُزْف. ٦ - الإجماعُ : وهو في ذاته حُجَّةٌ، ثم هُوَ إجماعُ المُجْتهدين في عَصْرٍ من العُصُورِ عَلَى حكم من الأحكام. وقد أتفق العلماء على أنه حُجَّة، ولكن اختلفوا في وجوده بعد عصر الصَّحابة، وقد أنكره الإمام أحمد في غَيْر عَصْرِ الصحابةِ؛ لإمكان إجماعهم واتفاقهم، ولا يمكن اجتماع الفقهاء بعد عصر الصحابة. ٧ - العُرفَ: وهو أن يكون عَمَلُ المسلمين على أمرٍ لم يَرِذ فيه نَصِّ من القرآن أو السُّنَّة أو عمل الصحابة؛ فإنه يكون حجة ... والعرف قسمان: عرف صحیح، وعرف فاسد: فالعرف الصحيح: هو الذي لا يخالف نصًّا، والعرف الفاسد: هو الذي يخالف نصًا، والعرف الفاسد لا يُلْتَفَتُ إليه، والعرف الصحيح حُجَّةٌ فيما وراء النص ... السِّمَةُ الوَاضِحَةُ لِفْقِهِ أبِي حَنِيفَةً : كان أبو حنيفة تاجراً ذا خبرة بالصَّفْق في الأسواق، وقد قَسَّم وقته بين التجارة والفقه والعبادة. وجعل للفقه الحَظَّ الأكبر في تلك القسمة الثلاثية، وكان رَجُلاً حُرًّا يحترم الحرية في غيره، كما يحترمها لنفسه، ولذلك اتسم فقهه بسمتين : إحداهما: الروح التجارية فيه، والثانية: حِمَايَةُ الحرية الشخصية . أما الأولى: وهي السمة التجارية، فهي واضحة في أنه كان في فقهه متأثراً بالفكر التجاريِّ، يفكِّر في العقود الإسلامية المتّصلة بالتجارة تفكير التَّاجِرِ الذي تمرَّس بها، وعَرَفَ عُرْفَهَا، واستبان معاملاتِ الناسِ فيها، وَوَاءَمَ بين نصوص الشريعة من كتاب أو سنة، وما عليه الناسُ في تعاملهم. وإن ذلك لواضح في أمرين من منهاجه: أحدهما: أخذه بالعُرْفِ كأصلٍ شرعيٍّ يترك به القياس، والعرف التجاريُّ ميزان ضابط للتجارة، والتعامل بين التجار. ثانيهما: أخذه بالاستحسان؛ لأن الاستحسان أساسه أن يَرَى تطبيق القياس الفقهي مؤديًّا إلى قبح أو معاملة لا تتفق مع المصلحة أو مع العُرف التجاري، فيترك القياس، ويأخذ بالاستحسان المبنيِّ على المصلحة التي يردُّهَا إلى نصِّ شرعي، أو المبنيّ على العرف والتعامل بين الناس . ولقد كان أقْدَرَ الفقهاء على تخير أبواب الاستحسان، حتى إن الإمام محمداً يقرِّر أن أصحاب أبي حنيفة ٦٢ مقدمة بدائع الصنائع ينازعونه في المقاييس، فإذا قال: ((أَسْتَخْسِنُ))، لم يلحقه أحد. وإن آراء أبي حنيفة في العقود التجارية كالسَّلَم، والمرابحة، والتولية، والوضيعة، وكالشركات - أحْكُمُ الآراء بين الفقهاء، وقد وجدنا أبا حنيفة يقيّد تفريعه في العقود التجارية السابقة بقيود أربعة: أوَّلها: العلم بالبَدَلِ علماً تَنْتفِي معه الجهالة التي تؤدِّي إلى نزاع؛ لأن أساس العقود في الشريعة العِلْمُ التامّ بالبَدَلَيْن، حتى لا يكون ثَمَةَ تغريرٌ أو غِشٌِّ، وحتى لا يكون ثَمَّةَ ذريعةٌ للخصومات، وإنَّ كَلمةً مُبِينَةً في العقد تمنع خصوماتٍ كثيرةً في المستقبل قد تنقطع بها المودَّةُ بين الناس، وتحيِّر القضاةَ في الفَضل بينهم. ثانيها: تجنب الرِّبًا وشبهةِ الربا؛ فإن الربا بسائر أنواعه أبغضُ التصرُّفات في الإسلام، وأشدُّها تحريماً ... فقد قال النبي ◌َّ: ((أَكْلُ دِرْهَم وَاحِدٍ فِي الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ ثَلاَثٍ وَثَلاَئِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ ... مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ حَرَامِ، فَالنَّارُ أَوَّلَى بِهِ))؛ فكل عقد فيه رباً باطل، وكل عقد يكون فيه شبهة الربا يكون باطلاً؛ سَدًّا للذّريعة، ومحافظةً على أموال الناس أن تؤكل بالباطل. ثالثها: أن العُزْفَ له حُكْمُهُ في تلك العقود التجارية، حيث لا يكون نَصِّ، فما يُقرُّهُ العُرْفُ يؤخذ به، وما لا يقره العُرْفُ يترك. رابعها: أن الأصل في هذه العقود التجارية، الأمانة؛ فلئن كانت الأمانةُ أصلاً في كل عقد من العقود الإسلامية، لأنها رأس الفضائل في معاملات الإنسان مع الإنسان ... هي في المرابحة والتولية وأخواتهما أصلها الفقهي؛ لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن الأوَّلِ مِنْ غير بينة ولا يمين، فيجب صيانتها عن الخيانة والتهمة . هذه أصول ثابتةٌ في كل الفروع الفقهية التي أُثِرَتْ عن أبي حنيفة في العقود التجارية، وهي تتفق مع نزعته الدينية وتحرُّجه، وتتفق مع خِبْرَتِهِ في الأسواق، وتتفق مع أصوله العامَّة التي رسمها في منهاجه(١) . الفَقِيهُ الحُرُّ : قلنا: إن فقه أبي حنيفة يتسم بالحرية الشخصية، فقد كان - رضي الله عنه - في فقهه حريصاً كُلَّ الحِرْصِ على أن يحترم إرادة الإنسان في تصرفاته ما دام عاقلاً؛ فهو لا يسمح لِأَحَدٍ أن يتدخل في تصرُّفات العاقل الخاصَّة به ... فليس للجماعة، ولا لولي الأمر الذي يمثّلها أن يتدخّل في شؤون الآحاد الخاصَّة، ما دام الشخص لم ينتهك حرمة أمر ديني؛ إذ تكون حينئذٍ السمة الدينية موجبةً للتدخّل لحفظ النظام لا لحمل الشخص على أن يعيش في حياته الخاصَّة على نظام معيَّن، أو يدُبر ماله بتدبير خاصٍّ. (١) أبو حنيفة للعلامة الشيخ محمد أبو زهرة (٣٦٢). ٦٣ مقدمة بدائع الصنائع ولقد تجد النُّظُمَ القديمةَ والحديثةَ للأمم ذَاتِ الحضارات، تنقسم قسمين في إصلاح الناس . القسم الأول: اتجاه تَغَلَّبَتْ فيه النزعة الجماعيَّة؛ إذ تكون تصرُّفات الشخص في كل ما يتصل بالجماعة عَنْ قُرْبٍ أو تحت إشرافِ الدَّوْلَة، وهذا نراه الآن في بعض النظم القائمة، ورأيناه في نظم انتهَتْ . والنظام الآخر: نظام تنمية الإرادة الإنسانية، وتوجيهها بوسائل التهذيب والتوجيه نَحْوَ الخَيْرِ، ثم تركِ حبلها على غاربها من غير رقابة، وقد قُيِّدَ بشكائم خُلُقِيَّةٍ ودينيةٍ تعصمها من الشرور، وتبعدها من الفساد، وإن أبا حنيفة كان يميل إلى النظام الثاني، وقد بدا ذلك في منع الولاية على البالغة العاقلة بالنّسْبَةِ للزواج، وفي منع الحَجْر على السَّفِيهِ، وذي الغَقْلَة، وعلى المَدِينِ، ثم يَمْنَعِ الوَقْف بأعتباره تقييداً لحريَّة المالك، ثم إباحتِهِ للمالِكِ أن يتصرَّف في حدود مِلْكِهِ ما دام لا يتجاوز حَدَّ ما يملك. نَقْلُ مَذْهَبٍ أبِي حَنِيفَةَ : لم يؤلف أبو حنيفة كتاباً، إلا رسائلَ صغيرةً نُسِبَتْ إليه؛ كرسالته المسماة: ((الفقه الأكبر))، وكرسالته: ((العالم والمتعلم))، ورسالته إلى عثمان البَتِّيِّ المتوفَّى عام ١٣٢ هـ، ورسالته في الرَّدِّ على القدرية ... وهذه الرسائل كلُّها في علم الكلام أو المواعظ، ولم يَؤْلِّف كتاباً في الفقه، بل إن تلاميذه هم الذين قاموا بنقله وتدوين آرائه، والآثار التي رواها، وأخصُّ هؤلاءِ التلاميذِ الذين قاموا بِحِفْظِ آثار فقيه العراق وآرائه: تلميذان جليلان سُمِّيَا في تاريخ الفقه الإسلامي باسْم الصاحبَيْنِ؛ لتلازمهما، وطولٍ صحبتهما، وقيامهما على المدرسة الفقهية التي أنشأها شيخهماً، وهما: يعقوب بن إبراهيم بن حبيبٍ الأنصاريّ نسباً، والذي يكنى بأبِي يُوسُفَ لولده يوسف، وقد عاش بعد أبي حنيفة ٣٢ عاماً، ولأبي يوسف ما يأتي من الكتب التي دونت فيها آراء أبي حنيفة ورواياته : ١ - كِتَابُ الآثَارِ: وقد رواه يوسف، عن أبيه، عن أبي حنيفة، وبعد ذلك يتصل السَّنَدُ إلى الرسول أو الصحابيِّ، أو التابعيِّ الذي يرتضي أبو حنيفة روايته، وهو يجمع مع ذلك طائفةً كبيرةً اختارها من فتاوى التابعين من فقهاء العراق .. فهو يشتمل على المجموعة الفقهية التي قام عليها استنباط أبي حنيفة، وهي تبيِّن مقامه في الاستنباط والاجتهاد. ٦٤ مقدمة بدائع الصنائع ٢ - كتاب اخْتِلاَفُ أَبْنِ أبِي لَيِلَى: وهو كتاب جمع فيه مواضع الخلاف بين أبي حنيفة والقاضِي ابْنِ أبي ليلى المتوفّى سنة ١٤٨ هـ، وفيه انتصار لآراء أبي حنيفة، والذي روى الكتابَ عَنْ أبي يوسف هو صاحبُهُ محمَّد ابن الحسنِ الشيبانيُّ. ٣ - كتاب الرَّدُّ عَلَى سِيَرِ الأوزاعيّ: وهو كتاب قيِّم قد بيَّن فيه اختلافَ الأوزاعيِّ، في العلاقات بين المسلمين وغيرهم في حال الحَرْبِ، وما يتبع في الجهاد، وقد انتصر فيه لآراء العراقيين. ٤ - كِتَابُ الخَرَاجِ: وهو الأثر القيِّم الذي وَضَعَ فيه أبو يُوسفَ نظاماً مقرَّراً ثابتاً لماليَّة الدَّوْلة الإسلامية. وقد كان يذكر فيها ما يخالف فيه شَيْخَهُ، ويبين وجهة نظره بإخلاص وأمانة ودفاع دقيقٍ عن آراء شيخه، وما لم يَذْكُرْ فيه خلافاً يُفْرَضْ أنه مُتَّفِقٌ فيه مع شيخه الإمام، رضي الله عنه. أما التلميذ الثاني : فهو محمَّد بن الحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، وهو قد ولد عام ١٣٢ هـ، وتوفي عام ١٨٩ هـ، فهو لم يجلسْ في درس أبي حنيفة مدةً طويلةً، ولكنه أتمَّ عَلَى أبي يوسف ما بَدَأَهُ مع أبي حنيفة، ويُعَدُّ حافظَ الفقهِ العراقيِّ، وكان تدوينه أوَّلَ تدوينٍ فقهيٍّ جامعٍ لأشتاتِ نَوْعٍ معيَّن من الفقه، وقد عاونه أستاذه الثاني أبو يوسف على إخْرَاجِ تلك المجموعة الفقهيَّة، وَهي كثيرة، ولكنَّ الذي يعتبر المَرْجِعَ الأوَّلَ في الفقه الحَنَّفِيِّ كُتُبٌَ سِتَّةٌ هي : ((كتاب الأصل)) أو ((المبسوط))، وكتاب (الزيادات)، وكتاب (الجامع الصغير)، وكتاب (الجامع الكبير)، وكتاب (السِّيَر الصغير)، وكتاب (السِّيَر الكبير)، وبعض هذه الكتاب راجَعَها مع أستاذه أبي يوسف، وبعضها لم يُرَاجِعْهُ. وقد قالوا: إن ما وُصِفَ بـ((الكبير)) انفرد بجمعه وروايته، وما وصف بـ ((الصغير)) عَرَضَهُ على أبي يوسف. وهذه الكتب السِّتَةُ تسمَّى: ظَاهِرَ الرواية، وهي تأخذ بما فيها، ولا يرجّح عليها غيرها إلا بترجيح خَاصِّ، وله مع هذا كتابان آخران يبلغان مَبْلَغَ هذه الكتب، وهما: ((كتاب الرد على أهل المدينة))، وكتاب ((الآثار))، والأخير يتلاقى مع كتاب ((الآثار)) لأبي يوسف، وهو يروي عنه كثيراً. وكتاب ((الرَّدٌ على أهل المدينة)) رواه عنه الإمام الشافعي. وللإِمام محمَّد كتبٌ أخرَى نُسبَتْ إليه لم تَبْلُغْ من ثقة النَّقْل ما بلغته هذه الكتب، وهذه الكتب هي: الكَيْسَانِيَّات، والهَارُونِيَّات، والجُرْجَانِيَّات، والرُّقيَّات، وزيادة الزِّيَادات، ويقال ٦٥ مقدمة بدائع الصنائع لهذه الكتب: غَيْرُ ظَاهِرِ الرواية، لأنها لم تُرْوَ عن محمد برواياتٍ ظاهرة. نُمُؤُّ المَذْهَبِ الحَنَفِيّ وَذُيُوعُهُ: نما المذهبُ الحنفيُّ بالاستنباطِ والتخريج نموًّا عظيماً، وكانت عوامل نموه ترجع إلى ثلاثة أمور: أولها: كثرة تلاميذ أبي حنيفة، وعنايتُهُمْ بنَشْر آرائه، وبيان الأُسُسِ التي قام عليها فقهه، وقد خالفوه في القليل، ووافقوه في الكثير، وعُنُوا ببيان دليله في الوِفَاق والخِلاَف معاً. وقد أكثروا من التفريع على آرائه، وبيانِ الأقيسةِ التي قام عليها التفريعُ. وثانيها: أنه جاء بعد تلاميذه طائفةٌ أخرَى عُنِيَتْ باستنباط علَلِ الأحكام، وتطبيقها على ما يَجِدُ من الوقائع في العصور، وأنهم بعد أن استنبطوا عِلَلَ الأحكام التيَ قامَتْ عليها فروع المذهب - جَمَعُوا المسائل المتجانِسَةَ في قواعدَ شاملة، فاجتمع في المذاهب التفريعُ، وَوَضْعُ القواعد والنظريات العامَّة التي تَجْمَعُ أشتاته، وتوجّه إلى كلياته . ثالثها: انتشاره في مواطنَ كثيرةٍ، ذاتِ أعرافٍ مختلفةٍ، وتتولَّد فيها أحداث تقتضي تخريجاتٍ كثيرةً؛ وذلك لأنه كان يعتبر مذهَب الدولةِ العباسيَّةِ الرسميّ، فمكث بهذا أكثَرّ مِنْ خَمسِمَائَةِ سَنَةٍ يطبَّق في نواحي البلاد الإسلامية؛ وذلك لأن الرشيد عيَّن أبا يوسف قاضياً لبغداد، وما كان القضاةُ يعيَّنون إلا باقتراحه في كل الأقاليم، فكان لا يعيِّن إلا مَنْ يعتنق المذهَبَ العراقيَّ، وبذلك عَمَّ وذَاعَ، وأن الأعراف المختلفة تنمِّي الاستنباط بلا ريب، وخصوصاً أنَّ مِنْ أصولِ الاستنباط في المذهب الحنفيِّ العُرْفَ في غير موضع النصِ، وعندما يكون الاستنباط بالقياس. البِلاَدُ التّي ذَاعَ فِيهَا المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ: انتشر المذهب الحنفيُّ في كل بلد كان للدولة العباسية سُلْطَانٌ فيها، وكان يَخِفُّ سلطانه كُلَّمَا خَفَّ سلطانها، غير أن بعض البلاد تَغَلْغَلَ فيه بين الشَّعْب، وبعضُ البلاد كان فيه المذهَبَ الرسميَّ من غير أن يَسُودَ بين الشعب في العبادات ... فكان في العراق، وما وراء النهر، والبلاد التي فُتِحَتْ في المشرق - المذهبَ الرسميَّ، وكان مع ذلك مذهباً شعبيًّا، وإن نازعه في بلاد التركستان وما وراء النهر المذهبُ الشافعيُّ في وسط الشَّغْبِ. وكانت المناظرات الفقهية، تجري بين الشافعية والحنفية، وكانت المآتم تحيا بالمناظرات الفقهيّة، فكانت هي العزاء. ومن المناظرات الفقهيّة المستمرَّة تولدَتِ الأدلَّة المختلفة، فتولَّد عنها عِلْمٌ، ولم تتولّد عنها عداوة . بدائع الصنائع ج١ - م° ٦٦ مقدمة بدائع الصنائع وإذا تركنا العراق وما وراءه مِنْ بُلْدَانِ المَشْرِقِ نَجِدُ المذهَبَ الحنفيَّ يسود في الشام شَعْباً وحكومةً، حتى إذا جاء إلى مصر وَجَدَ المذهبَ المالكيَّ والمذهبَ الشافعيَّ يتنازعان السلطانَ في الشّعْبِ المصريِّ : الأول: لإقامة كثيرين من تلاميذ الإمام مالك. والثاني: إقامة الشافعيِّ بِمِصْرَ في آخر حياته، ودَفْئُهُ بها. وكان للمذهبين علماءُ أجلاء، فلما جاء المذهبُ الحنفيُّ، كان له سلطانٌ رسميٍّ، ولِم يكن له سلطانٌ شعبيٍّ، حتى جاءَتِ الدولةُ الفاطميَّةِ، فأزالَتْ ذلك السلطان، وأحلَّتْ محلَّه المذهب الشيعيَّ الإماميَّ، حتى إذا حَلَّ محلَّهُمُ الأيوبيون قَوَّوْا نفوذ المذهب الشافعيِّ، حتى جاء نُورُ الدين الشهيدُ، فأراد نشر المذهب الحنفيِّ في الشَّغب، وأنشأ له المدارس، ولما جاءت دولة المماليك جَعَلَتِ القضاء بالمذاهب الأربعة، حتى آل الأمْرُ إلى محمَّد علي، فأعاد إلى المذهب الحنفي صفته الرسمية منفرداً. ولم يتجاوز المذهبُ الحنفيُّ بلاد مِصْرَ إلى المَغْرِبِ إلا في عَهْد أَسَدِ بْنِ الفُرَاتِ، وكان ذلك زمناً قصيراً؛ لأن دولة الأغَالِبَةِ كانَتْ ذاتَ سلطان، وأنفرد المذهب المالكي بالنفوذ في المغرب والأندلس. الرَّأْيُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً الاستناد إلى الرأي في تقرير الأحكام الشرعية: ثار حوله جَدَلٌ طويلٌ، ونقاشٌ كبيرٌ، وكان أبو حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه محسوبين على مدرسة الرَّأي، ولكن ما الرَّأَيُ الذي جَرَى الكلامُ حوله؟ : أهو القياس الذي هو إلحاق أمر غَيْر منصوصٍ على حُكْمِهِ بأمرٍ آخَرَ منصوصٍ على حُكْمه؛ لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم، أم هو أعَمٍّ من ذلك؟. إن المتتبع لمعنَى كلمةُ الرَّأيٍ، في عصر الصحابة والتابعين يجدُها عَامَّة لا تختصُّ بالقياس وحده، بل تشمله وتشمل سواه. ثم إذا نزلنا إلى ابتداء المذاهب نجدُ فيها هذا العموم أيضاً، ثم إذا توسَّطنا في عصر المذاهب نَجد كُلُّ مذهب يختلف في تفسير الرَّأيِ الجائِزِ الأخْذُ به عن المذاهب الأخرى. يفسر ابن القَيِّم الرَّأْيَ الذي أُثِرَ عن الصحابة والتابعين: ((بأنه ما يراه القَلْبُ بعد فِكْرٍ وَتَأَمَّلِ وطَلَبٍ لمعرفة وَجْه الصواب مما تَتَعارَضُ فيه الأمارَاتُ)). وإن الراجع لفتاوَى الصحابة والتابعين، ومَنْ سَلَكَ مسلكهم، يَفْهَمُ مِنْ معنى الرَّأْيِ: ما يشمل كُلَّ ما يُقْتِي فيه الفقيه في أمر لا يجد فيه نصاً، ويعتمدُ في فتواه على ما عُرِفَ من الدين ٦٧ مقدمة بدائع الصنائع بروحه العَامِ، أو ما يتفق مع أحكامه في جملتها في نَظَر المُفْتِي، أو ما يكون مُشَابِهاً لأمر منصوص عليه، فَيُلْحِقُ الشبيهَ بشبيهه؛ وعلى ذلك يكون الرأي شاملاً للقياس، والاسْتِخْسَانِ، والمصالح المُرْسَلَةِ، والعُزْف. وقد كان أبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعُزف، ومالكٌ وأصحابه يأخذون بالقياس وبالاستحسان والمصالح المُرْسَلَة، ولقد اشْتُهِرَ الأخذ بالمصالح المرسلة في ذلك المذهب؛ ولذلك كانَتْ فيه مرونة، وقابلية لكل ما يَجِدُّ في شؤون النَّاسِ في العصور المختلفة، مع أنه مذهب قد قلَّلَ من القياس، ولم يأخذ به كثيراً. وكذلك الاستحسان قد أتسع له المذهب المالكي، حتى لقد قال فيه مالك: ((إنه تِسْعَةُ أَعْشَارِ العِلْم))، ولكن ذلك كله إذا لم يكن نَصِّ، ولا فتوى صحابي، ولا عمل لأهل المدينة. جاء الشافعي فوجد ذلك الاستدلال المُرْسَلَ للأحكام من غير نَصِّ يعتمد عليه، فلم يأخذ بذلك الاتجاه غير المقيَّد في استنباط الأحكام، ورَأى أنه لا رَأْيَ في الشريعة إلا إذا كان أساسه القياس، بأن يلحق الأمر غير المنصوص على حكمه بالأمر الآخر المنصوصٍ على حكمه، والرَّأَيُ في هذا الحال حمل على النص، وليس بِذْعاً في الشرع. أما الاستدلال المُطْلق والتَّعْلِيلُ المُطْلَقُ للأحكام من غير البناء على العلّة في الأمر المنصوص على حكمه - فهو البِدْعُ في الشرع؛ ولذلك قال: ((مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ))، ولقد وضع للقياس ضوابطه وموازينه، ودافع عنه وأيَّدَهُ، حتى فاق الحنفية في تحريره وإثباته، وحتى لقد قال الرازيُّ في ذلك: ((والعجيب أنَّ أبا حنيفة كان تعويله على القياس، وخصومه كانوا يَذُمُّونَهُ بِسَبَبِ كثرة القياسات، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه، أنه صَنَّفَ في إثبات القياس وَرَقَّةً، ولا أنه ذكر في تقريره شبهة فضلاً عن حُجَّةٍ، ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه في إنكار القياس، بل أول من قال في هذه المسألة، وأورد فيها الدلائل، هو الإمامُ الشافعيُّ)). ٦٨ مقدمة بدائع الصنائع تَرْجَمَةُ الإمَامِ الأعْظَمِ أبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ : هو الإمام، فقيه الملَّة، عالم العراق، أبو حنيفة النعمان بن ثَابِتِ بن زوطي التيمي، الكوفي، مولى بني تَيْمِ الله بْنِ ثَعْلَبَةَ، يقال: إنه من أبناء الفُرْسِ، ولد سنة ثمانين في حياة صِغَارِ الصحابة . قال أحمد العِجْلِيُّ: أبو حنيفة تَيْمِيٍّ من رَهْطِ حمزة الزَّيَّاتِ، كان خَزَّازاً يبيع الخَزَّ. وقال عمر بن حَمَّاد بن أبي حنيفة: أما زوطي، فإنه من أهل كَابُلَ، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكاً لبني تَيْم الله بْنِ ثَعْلَبَةَ، فأعتقه، فولاؤه لهم، ثم لبني قفل. قال: وكان أبو حنيفة خَزَّاراً، ودكَّانة معروف في دار عُمَرَ بْن حُرَيْثٍ . وقال النضر بن محمد المروزيّ، عن يحيى بن النَّضْرِ قال: كان والد أبي حنيفة من نسا. وروى سليمان بن الربيع، عن الحارث بن إدريس، قال: أبو حنيفة أصله من تِرْمِذَ. وقال أبو عبد الرحمن المقري: أبو حنيفة من أهل كَابُلَ. . وروى أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بُهْلُول، عن أبيه، عن جده، قَالَ: ثابت والد أبي حنيفة من أهل الأنْبَارِ . وصفه : وعن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة رَبْعَةً، من أحسن الناس صُورَةً، وأبْلِغِهِمْ نطقاً، وأعذَبِهِمْ نَغْمَةً، وأبينِهِمْ عَمَّا في نفسه. وعن حَمَّاد بن أبي حنيفة قال: كان أبي جميلاً، تعلوه سُمْرَةٌ، حَسَنَ الهيئة، كَثِيرَ التعطُّر، هَيُوباً، لا يتكلّم إلا جواباً، ولا يَخُوضُ - رحمه الله - فيما لا يعنيه. وعن ابن المبارك قال: ما رأيتُ رجلاً أوْقَرَ في مجلسه، ولا أحسَنَ سَمْتاً وَحِلْماً من أبي حنيفة . شُيُوخُهُ : أدرك الإمام الأعظَمُ أنَسَ بْنَ مالك لما قَدِمَ عليهم بالكوفة، ولم يَثْبُتْ له حَرْفٌ عَنْ أحد منهم. وروي عن عطاء بن أبي رباح، وهو أَكْبَرُ شيخٍ له، وأفضلهم على ما قال. وعن الشعبي، وعن طاوس، ولم يَصِحَّ. ٦٩ مقدمة بدائع الصنائع وعن جَبَلَة بن سُحَيْمِ، وعَدِيٍّ بن ثابت. وعكرمة، وفي لَقْيِهِ نظر. وعبد الرحمن بن هُرْمُزَ الأعرج. وَعَمْرو بن دينار. وأبي سفيان طلحة بن نافع. ونافع مولى ابن عمر. وقتادة . وقيس بن مسلم. وعون بن عبد الله بن عتبة. والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. ومحارب بن دِئَارٍ . وعبد الله بن دِینَار. والحَكَمِ بْن عُتَيْبَةَ . وعلقمة بن مَرْتَدٍ . وعلي بن الأقْمَرِ . وعبد العزيز بن رُفَيْعٍ . وعطية العَوْفِيِّ. وَحَمَّاد بن سليمان، وبه تفقَّه. وزياد بن عَلاَقَةً . وسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل. وعاصم بْنِ كُلَيْب. وسِمَاكِ بْنِ حَرْب. وعاصِمٍ بِن بَهْدَلَةَ . وسعيد بن مَسْرُوق. وعبد الملك بن عُمَيْر. وأبِي جعفرِ البَاقِ . ٧٠ مقدمة بدائع الصنائع وابنِ شهابٍ الزُّهْرِيِّ. ومحمد بن المنكدرِ. وأبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ. ومنصورِ بْنِ المعتمر. ومسلم البَطين . ويزيد بْنِ صُهَيْبِ الفقيرِ . وأبي الزُّبَيْرِ. وأبي حُصَيْنِ الأسَدِيِّ. وعطاءِ بْنِ السائب. وناصح المُحلَّمِيُّ. وهشام بن عروة، وخَلْقٍ سواهم، حتى أنه روي عن شيبان النحويِّ، وهو أصغر منه. وعن مالك بن أنس، وهو كذلك. عِلْمُهُ وَمَنْ حَدَّثَ عَنْهُ لقد عُنِيَ بطلب الآثار، وارتحَلَ في ذلك، وأما الفقه والتدقيقُ في الرَّأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناسُ عليه عيالٌ في ذلك، حَدَّثَ عن خلق كثير، ذكر منهم الشيخ أبو الحَجَّاج المِزْيُّ في ((تهذيبه)) هؤلاءِ عَلَى المُعْجَمِ : إبراهيم بن طُهْمَانَ عالمُ خُرَاسانَ. وأسباط بن محمد. وأسد بن عمرو البَجَلِيُّ . وأيوب بن هانیء. و جعفر بن عَوْن. وحَيَّن بن علي العَنزِيُّ. والحسن بن فُرَاتِ القزازُ. وحفص بن عبد الرحمن القاضي . وأبو مُطِيعِ الحكم بن عبد الله. وأبيض بن الأغر بن الصباح المنقري. وإسحاق الأزرق. وإسماعيل بن يحيى الصيرفي والجارود بن يزيد النيسابوري. والحارث بن نَبْهَان . والحارث بن زياد اللُّؤْلُئِيُّ . والحسين بن الحسن بن عطية العوفي. وحكّام بن سلم. وابنه حماد بن أبي حنيفة . ٧١ مقدمة بدائع الصنائع وحمزة الزَّيَّات، وهو من أقرانه. وداود الطائي. وزيد بن الحُبَاب. وسعد بن الصَّلْت القاضي. وسعيد بن سَلاَّم العَطَّار. وسليمان بن عَمْرِو النَّخَعِيُّ . وشُعَيْب بن إِسْحَاقَ. والصَّلْت بن الحَجَّاج. وعامر بن الفُرَات . وعَبَّاد بن العَوَّامِ. وعبد الله بن يزيد المقرىء. وعبد الرَّزَّاق. وعبد الكريم بن محمَّد الجُرْجَاني. وعبد الوارث التُّّورِيُّ. وعبيد الله بن عَمْرو الرَّقْيُّ. وعتاب بن محمد . وعلي بن عاصم. وعمرو بن محمد العَنْقَزِيُّ. وعیسی بن یونس . والفضل بن موسى والقاسم بن مَعْنٍ . ومحمد بن أبان العنبري كوفي. ومحمد بن الحَسَنِ بن أتَّشَ. وخارجة بن مُصْعَب. وزُفَرُ بن الهُذَيلِ التميميُّ الفقيه . وسابق الرَّقْيُّ. وسعيد بن أبي الجَهْمِ القَابُوسِيُّ. وسلم بن سالم البلخي. وسهل بن مُزَاحِم . والصباح بن محارب. وأبو عاصم النِّيلُ. وعائذ بن حبیبٍ. وعبد الله بن المبارك. وأبو يحيى عبد الحميد الحِمَّانِيُّ. وعبد العزيز بن خالد، تزمِذِيُّ. وعبد المجيد بن أبي رَوَّادٍ. وعبيد الله بن الزّبَيْرِ القرشي. وعبيد الله بن موسى. وعلي بن ظَبْيَانَ القاضي. وعليُّ بن مُسْهِرٍ القاضي. وأبو قَطَّنٍ عمرو بن الهَيْثَمِ . وأبو نُعَيْمِ . والقاسم بن الحَكّمِ العُرَبِيُّ. وقيس بن الربيع . ومحمد بن بشر ومحمد بن الحَسَنِ الشيبانيُّ. ٧٢ مقدمة بدائع الصنائع ومحمد بن خالدِ الوَهْبِيُّ . ومحمد بن الفَضْلِ بن عطية . ومحمد بن مسروق الكوفيُّ . ومروان بن سَالِمٍ. والمُعَافَى بن عِمْرَانَ. ونَصْرُ بن عبد الكريم البَلْخِيُّ الصَّيْقَلُ. وأبو غالِبِ النَّضْرُ بن عبد الله الأزْدِيُّ. والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني. ونوح بن أبي مَرْيَمَ الجَامِعُ . وهَوْذَةُ . وَوَكِيعٌ . ويحيى بن نَصْر بن حَاجِبٍ . ويزيد بن زُرَيْعِ . ویونس بن بُکیر . وأبو حمزة السُّرِيُّ. وأبو شهابِ الحَنَّاطُ . والقاضي أبو يوسف. ومحمد بن عبد الله الأنصاريُّ. ومحمد بن القاسم الأسَدِيُّ. ومحمد بن يزيد الواسطي. ومصعب بن المِقْدَامِ. ومکي بن إبراهيم. ونصر بن عبد الملك العَتّكِيُّ . والنضر بن محمد المروزيُّ. ونوح بن دَرَّاجِ القاضي. وهُشَیم. وهَيَّاج بن بِسْطَّام. ويحيى بن أيوب المصري. ويحيى بن يَمَان. ويزيد بن هارون. وأبو إسحاق الفَزَارِيُّ. وأبو سَعْدِ الصَّاغَانِيُّ. وأبو مقاتلِ السَّمَرْ قَتْدِيُّ. ثناء العلماء عليه قال محمد بن سعد العَوْفِيُّ: سمعت يحيى بن معينٍ يقول: كان أبو حنيفة ثقةً لا يحدِّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدِّثُ بما لا يحفظ . وقال صالح بن محمد: سمعتُ يحيى بن مَعِينٍ يقول: كان أبو حنيفة ثِقَّةً في الحديث. قال محمد بن أيوب بن الضريس: حدَّثنا أحمد بن الصباح، سمعتُ الشافعيَّ قال: قيل لمالكِ: هَلْ رَأَيْتَ أبا حنيفة؟ قال: نَعَمْ؛ رأيتُ رجلاً لو كَلَّمَكَ في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لَقَامَ بِحُجَّتِهِ . وعن أبي معاوية الضَّرِيرِ قال: حُبُّ أبي حنيفة مِنَ السُّنَّة. ٧٣ مقدمة بدائع الصنائع وقال الفقيه أبو عبد الله الصَّيْمَرِيُّ: لم يَقْبَلِ العَهْدَ بالقضاء، فضُرِبَ وحُبِسَ، ومات في السِّجْنِ . وروى حَيَّان بن موسى المروزيُّ، قال: سئل ابن المبارك: مَالِكٌ أَفْقَهُ، أو أبو حنيفة، قال: أبو حنيفة. وقال الخريبي: ما يقع في أبي حنيفة إلا حَاسِدٌ أو جاهلٌ. وقال يحيى بن سعيد القَطَّانُ: لا نُكَذِّبُ الله، ما سمعنا أَحْسَنَ مِنْ رَأْيٍ أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال علي بن عاصم: لو وُزِنَ عِلْمُ الإمام أبي حنيفة بِعِلْمٍ أهل زمانه، لَرَجَحَ عليهم. وقال حفص بن غَيَّات: كلام أبي حنيفة في الفقه، أَدَقُّ من الشّعْرِ؛ لا يعيبه إلا جاهلٌ. وروي عن الأعمش؛ أنه سئل عن مسألة؟ فقال: إنما يُحْسِنُ هذا: النعمانُ بْنُ ثابت الخَزَّازُ، وأظنه بُورِكَ له فِي عِلْمِهِ . وقال الشافعي: الناس في الفقه عِيَالٌ عَلى أبي حنيفة. قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مُسَلَّمَةٌ إلى هذا الإمام، هذا أَمْرٌ لا شَكَّ فيه: [من الوافر]. وَلَيْسَ يَصِحُ فِي الأَذْهَانِ شَيْءُ إِذَا أَحْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ وسيرته تحتمل أن تُفْرَدَ فِي مجلَّدَیْنِ، رضي الله عنه، ورحمه. وَفَاتُهُ توفي شهيداً مَسْقِيًّا في سنة خمسين ومائة، وله سبعون سَنَةً، وعليه قُبَّةٌ عظيمةٌ ومشهدٌ فَاخِرٌ ببغداد، والله أعلم(١) . (١) انظر ترجمته في: طبقات خليفة٠(١٦٧ - ٣٢٧)، تاريخ البخاري (١٨/٨)، التاريخ الصغير (٤٣/٢)، والجرح والتعديل (٤٤٩/٨ - ٤٥٠)، كتاب المجروحين (٦١/٣)، تاريخ بغداد (٣٢٣/١٣)، (٣٢٤/١٣)، الكامل في التاريخ ٥٨٥/٥، ٥٤٩، وفيات الأعيان (٤١٥/٥ -٤٢٣)، تهذيب الكمال (١٤١٤)، (١٤١٧)، تذهيب التهذيب (١/٩٨/٤)، تذكرة الحفاظ (١٦٨/١)، ميزان الاعتدال (٢٦٥/٤)، العبر (٣١٤/١)، مرآة الجنان (٣٠٩/١)، البداية والنهاية (١٠٧/١٠)، تهذيب التهذيب (٤٤٩/١٠ - ٤٥٢)، النجوم الزاهرة (٢/ ١٢)، الجواهر المضيئة (٢٦/١ - ٣٢)، خلاصة تهذيب الكمال (٤٠٢)، وشذرات الذهب (٢٢٧/١ - ٢٢٩)، سير أعلام النبلاء (٣٩٠/٦ - ٤٠٣). ٧٤ مقدمة بدائع الصنائع عامه بلقب ءـ تَرْجَمَةُ صَاحِبٍ ((بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ))(١) اسمه ونسبه ولقبه : عا أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني(٢)، كان الإمام رضي الله عنه بلقب بـ ((ملك العلماء)» علاء الدين. ((شيوخه، ورحلاته، وتصانيفه))(٣) تفقَّه صاحبُ ((البدائع)) على محمد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقَتْدِي، المنْعُوتُ علاء الدين، وقرأ عليه مُعْظَمَ تصانيفه، مثل: ((التُّحفة)) في الفقه، وغيرِها من كتب الأصول. وزَوَّجَهُ شيخهُ المذكورُ ابْنَتَهُ فاطمة الفقيهة العالمة، وستأتى لها ترجمة قيل: إنَّ سببَ تَزْويجِه بابنةِ شَيْخهِ أنها كانتْ من حِسَانِ النِّساء، وكانت حَفِظَت ((التحفة)) تصنيفَ والدِها، وطلبَها جماعةٌ مِن مُلُوكٍ بلادِ الرُّوم، فامتنَع والِدُها، فجَاء الكَاسانِيُّ، وَلَزِمَ والدَها، واشْتغلَ عليه وبَرَع في عِلْمَي الأصول والفروع، وصنَّف كتابَ ((البدائع)) وهو شرح للتُّخْفَة، وعَرضَه عَلى شَيْخِه فازْدَادَ فَرحاً به، وزَوَّجهُ ابنتَه، وجعل مَهْرَها منه ذلك، فقال الفُقَهاءُ في عصره: شَرَحَ تُحْفَتَهُ، وَزَوَّجَه ابْنَتُهُ. وأُزْسِلَ رسولاً مِن مَلِك الروم إلى نور الدين محمود، بَحلَبَ، وسببُ ذلك أنَّه تَناظَر مع فَقِيهِ ببلادِ الرُّومِ، في مسألة الْمُجْتَهدَيْنِ، هل هما مُصيبان، أم أحدهما مُخْطِىءٌ؟. فقال الفقيهُ: المنقولُ عن أبي حنيفة أنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. فقال الكاسانِيُّ: لا، بل الصحيحُ عن أبي حنيفة أن المُجْتَهِدَيْنِ مُصيب ومُخْطِىءٌ، والحَقُّ في جهةٍ واحدةٍ، وهذا الذي تقُولُه مذهبُ المُعْتَزِلةِ. وجَرَى بينهما كلامٌ في ذلك، فرفَع الْكَاسانِيُّ علَى الفقيهِ المِقْرَعَةَ، فقال مَلكُ الرُّوم: هذا (١) تنظر ترجمته في الجواهر المضية (٢٥/٤) الطبقات السنية رقم (١٨٤٠) الفوائد البهية ٥٣ إعلام النبلاء ٤/ ٣٠٥ تاج التراجم ٨٤ - ٨٥ الإعلام ٢ / ٧٠ كشف الظنون ٣٧١ - ٩٩٦. (٢) الكاساني: هذه النسبة إلى كاسان وهي بلدة وراء الشاش ينظر الأنساب ١٥/٥ ويقال في هذه البلدة: كاشان ينظر معجم البلدان ١/ ٣٧. (٣) ينظر الجواهر ٢٥/٤ وما بعدها. ٧٥ مقدمة بدائع الصنائع افْتَاتَ على الْفَقِيهِ، فَاضْرِفْهُ عَنَّا . فقال الوزيرُ: هذا رجلٌ كبير ومُحْتَرم، لا يَنْبَغِي أن يُصْرِفَ، بل نُنْفِذُهُ رَسُولاً إلى المَلِكِ نُورِ الدين محمود. فأُزْسلَ إلى حَلَبَ. وكان قبلَ ذلك قَدِمَ الرَّضيُّ السَرْخَسِيُّ، صاحب ((المُحيط)) إلى حَلَبَ، فَوَلاَهُ نُورُ الدين الْحَلاَوِيَّةَ، واتّفق عَزْلُه، كما ذكرتُه في تَرْجمتِه، فوَلَّى السطانُ صاحبَ ((البدائع)) الْحَلاوِيَّةَ، عِوَضَهُ، بطَلَبِ الفُقَّهَاءِ ذلك منه، فتَلقَّاه الفقهاءُ، وكانوا في غَيْبَتِهِ يَبْسُطون له السَّجَّادَةَ، ويجلسون حَوْلَها في كلٌّ يومٍ إلى أن يَقْدَم. وله غيرُ («البدائع)) من المُصَنَّفات؛ منها ((السُّلطانُ المُبين في أُصولِ الدين)). قال ابنُ الْعَدِيم: سمعتُ أبا عبد الله محمداً قاضي العَسْكَرِ، يقُول: لمَّا قَدِمِ الْكَاسَانِيَّ إلى دِمْشَق، حضر إليه الفقهاءُ، وطلبُوا منه الكلامُ معهم في مسألةٍ، فقال: لا أتكلّمُ في مسألةٍ فيها خِلافُ أصْحابِنا، فَعَيِّنُوا مسألةً. قال: فَعَيَّنُوا مسائل كثيرةً، فجعل كُلَّما ذكُروا مسألةً يقول: ذهب إليها مِن أصحابنا فلانٌ وفلان . فلم يَزَل كذلك حتى إنَّهم لم يَجِدُوا مسألةً إلا وقد ذهَب إليها واحد من أصحابِ أبي حنيفةً، فانْفَضَّ المجلسُ علَى ذلك. زوجته فاطمة بنت محمد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقَتْدِيّ. مؤلّف ((التحفة))، وهي زوجةُ الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الْكَاسَانيّ، صاحب ((البدائع))، تفقهَّتْ عَلَى أبيها، وحَفِظتْ مُصَنَّفَهُ ((التحفة)). قال ابنُ الْعدِيم: حكَى والدِي أنَّها كانَتْ تَنْقُلُ المذهب نقلاً جَيِّداً، وكان زوجُها الكاسانيُّ رُبَّما يَهِم في الفُتْيَا، فَتَرُدُّه إلى الصَّوابِ، وتُعَرِّفُه وَجْهَ الخطأ، فيرجعُ إلى قَوْلِها. قال: وكانتْ تُفْتِي وكان زوجها يخترمُها، ويُكرِمُها، وكانت الفتوى أوَّلاً يخرج عليها خَطّها وخَطُّ أبيها السَّمَرْقَنْدي، فلمَّا تزوَّجتْ بالْكَاسَانِيِّ، صاحبِ ((البدائع)) كانت الفَتْوَى تَخْرُجُ بخَطُ الثلاثة . ٧٦ مقدمة بدائع الصنائع قال داود بن عليّ، أحدُ فقهاءِ الْحَلاَوِيَّةِ بحلب: هي التي سَنَّت الفِطْرَ في رمضانَ للفقهاء بالْحَلائِيَّة، كان في يَديها سواران، فأخْرجتهما، وباعتهما، وعملت بالثّمن الفَطورَ كلَّ ليلةٍ، واسْتمرَّ علَى ذلك إلى اليوم. قال ابنُ الْعَدِيم: أخبرني الفقيه أحمد بن يوسف بن محمد الأنْصَارِيُّ الحنفيَّ، قال: كان الْكاسَانِيُّ عَزَم عَلَى العَوْدِ مِنْ حَلَب إلى بلادِهِ، فإنَّ زوجَتَهُ حَثَّتْهُ عَلى ذلك، فلمَّا علم المَلكُ العادلُ نُور الدين محمود، اسْتَدعاه، وسألَهُ أن يُقيمَ بِحَلَبَ، فعرَّفَهُ سَبَبَ السَّفَر، وأنَّه لا يقدر أن يُخالِفِ زَوجَتَهُ ابْنَةَ شَيْخهِ، فاجتمع رَأيُ الملِك وزوجِها الکاسَانِيِّ علی إرسالٍ خادم، بحيث لا تحتَجِبُ منه، ويخاطِبُها عن الملك في ذلك، فلمَّا وصل الخادمُ إلى بابِها اسْتَأْذَنَ علَيها، فلم تَأْذَنْ له، واحتَجَبتْ منه، وأرسَلَتْ إلى زَوّجِها تقول له: بَعُد عَهْدُك بالفقْهِ إلى هذا الحَدِّ، أما تعلم أنَّه لا يحلُّ أن ينْظُرَ إليَّ هذا الخادِمُ، وأيُّ فَرْقٍ بينه وبين غيره من الرجال في جَواز النّظر !. فعاد الخادمُ وذكر ذلك لزَوْجِها بحَضْرةِ الملِك، فأرسلُوا إليها امرأةً برسالة نُور الدين، فخاطَبتْها. فأجابتهُ إلى ذلك. وأقامتْ بِحَلَب إلى أن ماتتْ، ثم ماتَ زوجُها الكاسَانيُّ بعدها، ودُفِن عندها، عليهما رحمه الله تعالى. مَرَضُهُ وَوَفَاتُهُ قال ابنُ العَدِيم: سمعتُ ضياءً الدين محمد بن خَمِيس الْحَنَفِيِّ، يقول: حضرتُ الْكاسَانِيَّ عندَ مَوْتِهِ، فَشَرَعَ في قراءةِ سُورة إبراهيم، حتى انْتَهَى إلى قولهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ خَرَجتْ رُوحُه عندَ فراغِه مِن قَوْلِهِ: ﴿وَفي الآخِرَةِ﴾ . قال ابنُ الْعَدِيم: وسمعتُ خَلِيفةَ بن سُلَيمان، يقل: مات علاءُ الدينِ يومَ الأحَدِ بعدَ الظُّهْر، وهو عَاشر رجب، في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وتَوَلَّى التَّذْرِيسَ بِالْحَلاوِيَّةِ بعدَهُ افْتِخَارُ الدِّينِ الْهَاشِميُّ، في سابعٍ عَشَرَ رجب، ودُفِنَ علاءُ الدين الْكَاسَانِيُّ عندَ زَوْجتهِ فاطمة، داخلَ مَقَام إبراهيم الخليلَ، بظاهرٍ حَلَبَ، وكان الْكَاسَانِيُّ لم يَقْطَعْ زيارةَ قَبْرِها في كلِّ ليلةِ جمعةً، إلى أن مات، ويُغْرِفُّ قَبْرُها عندَ الزُّوارِ بِحَلَبَ بِقَبْرِ المرأةِ وَزوجها. وخلّف ولَداً ذكراً، وتَوَلَّى المَلِكُ الظَّاهِرُ تَرْبِيَتَهُ، واجْتَهَد في اشْتغالِه بالفقه ٧٧ مقدمة بدائع الصنائع فلم ينجب وكانت سنة وفاته على ما جاء في الأعلام ٥٨٧ هـ عليه رحمة الله تعالی. صِلَةُ كِتَابِ ((التُّحْفَةِ) بِـ ((البَدَائِعِ) التُّحْفَةُ: للإمَام أبي بكرٍ علاء الدِّينِ محمَّد بن أحمد السَّمَرْ قَنْدِيِّ، قال في أوله: اعلم أن ((المختَصَر)) المنسوَبَ إلى الشَّيْخِ أبي الحُسَيْنِ القُدُورِيِّ رحمه الله - جَامَعَ جملاً مِنَ الْفِقْهِ مستعملةً؛ بحيث لا تراها مدى الدَّهْرِ مهملة، يُهْدَى بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل؛ ويرتقى بها المرتاضُ إلى أعلى المَرَاقِي والمنازل، ولما عَمَّتْ رَغْبَةُ الفقهاء إلى هذا الكتاب؛ طَلَبَ مِنِّي بَعْضُهُمْ، من الإخوانِ والأصحابِ، أنْ أَذْكُرَ فيه بَعْضَ ما تَرَكَ المُصَنِّفُ من أقسام المَسَائِلِ؛ وأوضح المُشْكِلاَتِ منه بقويٍّ من الدلائل؛ ليكون ذريعةً إلى تضعيف الفائدة بالتقسيم والتفصيل؛ ووسيلة بذكر الدليل؛ إلى تخريج ذوي التحصيل - فأسرعتُ في الاسعاف والإجابة؛ رجاءً التوفيقِ من الله تعالى في الإتمام والإصابة؛ وطمعاً من فضله في العفو والغفران والإنابة؛ فهو الموفق للصواب والسداد؛ والهادي إلى سُبُلِ الرشاد، وسميته: ((تحفة الفقهاء))؛ إذ هي هَدِيَّتي لهم لِحَقُ الصحبة والإخاء؛ عند رجوعهم إلى مواطن الآباء. فالمدفق في كتاب ((التحفة)) يجد الصلة الوثيقة بكتابين: أحدهما: مختصر القُدُّوريّ، وهو واضح لمتأمِّل كتابه ومطالعه. وثانيهما: ((البدائع))؛ فأما صلته بالبدائع فمشهور بين أهل العِلْم، حتى صارت مَثَلاً بينهم: ((شَرَحَ تُحْفَتَهُ؛ وَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ» (١)؛ وذلك على الرأي القائل بأنَّ ((البدائع)): شَرْحٌ للتحفة، لكن هذا الشرح لَيْسَ على غرار الشروح المعهودة من الشّرَّاحِ، حيث يأتي الشارحُ بالمَتْنِ، ثم يعقِّبه بالشرح، فليس البدائع على هذا النحو، فلم يَتَّخَذْ صاحب التحفة متناً يَشْرَحُهُ فِقْرَةً فقرةً، أو عبارةً عبارةً، كما صنع السرخسيُّ في ((مَبْسُوطِهِ)) على («الكافي))، والكَمَالُ بْنُ الهُمَامِ على ((الهِدَايَةِ)) . ر كما أنه لم يلتزمْ تَرْتِيبَ التّحْفَةِ لا إجمالاً ولا تفصيلاً، من حيث كُتُبُهُ، وأبوابُهُ، وفُصُولُهُ، بل رتَّبه ترتيباً جديداً، مع المحافظة على ألْفَاظِ ((التحفة))؛ بحيث يجد الباحث كتاب ((التحفة)) في ((البدائعٍ)) بلفظها، لكن بترتيب آخَرَ. (١) كشف الظنون (٣٧١). ٧٨ مقدمة بدائع الصنائع فالْحَقُّ الذي نسجِّلُهُ - هنا - أنَّ الكَاسَانِيَّ - عليه رحمة الله - قد اعتمد اعتماداً أساسيًّا في الصياغة على ((التحفة))، فهي التي نَوَّرَتْ له طريقه، ورسَمَتْ له منهاجه. وأما صلته الشخصية فهي لم تَنشَأُ إلا بعد أن فرغ من مصنّفه ((البدائع))؛ فأعجب به معلِّمه؛ وجعله مهراً لابنته، فرحم الله الجميع !!!. وصف الأصول الخطية للكتاب النسخة الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية تمت رقم (٥٦)، فقه حنفي، وتقع في ثلاثة أجزاء، وعدد أوراقها (٢٢٩، ٣٠٤، ٣٥٧ هـ) وقد رمزنا لها بالرمز (أ). النسخة الثانية: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٥٩)، فقه حنفي، وتقع في أربعة أجزاء، وعدد أوراقها (٢٦٧، ٣١٨، ٣٠٤، ٢٢٢) وقد رمزنا لها بالرمز(ب). النسخة الثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٠)، فقه حنفي، وتقع في جزئين، وعدد أوراقهما (١٧١، ٣٢١ ق). النسخة الرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦١)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء الثاني في (١٢٠ ق). النسخة الخامسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٢)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء الثالث في (١٨٥ ق). النسخة السادسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٤)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء الرابع في (٢٥٦ ق). النسخة السابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٥)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء الخامس والجزء السادس في (٢٦٦، ٣١١ ق). النسخة الثامنة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٧٧٧)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء السادس في (٣١٥ ق). النسخة التاسعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٧٨٧)، فقه حنفي، والموجود منه الجزء الرابع في (٣٠٢ ق). وهذا، وقد اعتمدنا في أثناء التحقيق على مطبوعتين للكتاب الأولى مطبعة الخانجي. ٧٩ مقدمة بدائع الصنائع الثانية طبع مكتبة القاهرة. وقد قمنا بمقابلة النسخ وأثبتنا ما كان صوابا في النص ومقابلة في الهامش وكان عملنا في الكتاب على النحو التالي. أولاً: تخريج الآيات. ثانياً: تخريج الأحاديث والآثار. ثالثاً: التراجم الواردة في النص. رابعاً: التعليق على الغريب الواردة في النص. خامساً: التعليق على بعض المسائل الفقهية. سادساً: التعليق على بعض المسائل الأصولية. سابعاً: وضع مقدمة للكتاب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين