Indexed OCR Text

Pages 1-20

بَدَائُ الصَّنَّائِهِ
في ترتيب الشرائح
تأليف
الإمَامِ عَلَاءِ الدِّين أَيْ بَكْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني الحَنْفيْ
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَقِيقَ وَتَعَلِيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى مَّد معوض
الجزء الأول
المحتوىَ:
كِتابُ الصَّلاة
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

مَنْشوراتْ محمَّد ◌َعَليْ بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م- ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Rami Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسَِّْلِهِالرَّمنِ الرَّحِ
الحمد لله مبدع البدائع، وشارع الشرائع، فكان نورا رضيًّا، ونوراً مضيًّا، لتكليف خلقه
المحجوجين، ووعد عباده الطائعين، ووأدٍ عبيده العاصين، سبحانه وتعالى، علّم بالقلم، علم
الإنسان ما لم يعلم؛ فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم
الذي علَّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ ثم أمره بالتدبر والنظر في ملكوت آياته المرئية؛ بعد
أمره بتدبر آياته المسموعة المتلوّة، فقال: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾.
وصلاةً وسلاماً دائمين أتمَّيْن أكملَيْن على خاتم أنبيائه وَمُرْسَليه؛ سيدنا ومولانا محمَّد
المبعوث رحمةً للعالمين، ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، القائل: ((مَنْ يُرِ الله به خيراً
يفقهه في الدين وعلى آله وأصحابه الذين أشاروا الدين، وأعْلَوا مناره المتين، وعلى من تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فلقد اشتمل القرآن الكريم على كافة الأحكام التشريعية المتعلقة بأفعال المكلّفين؛ فهي
صالحة لهم من كل زمان ومكان، واتصلت هذه الأحكام التشريعية عبادين الحياة؛ فاشتملت
على جميع مناصى الحياة، فقامت بإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق؛ بإقامة الفرائض من
العبادات والمعاملات، وجُعِل ذلك فنظرة إلى الفلاح في الآخرة .
مناصى
وقد أجمل العلماء بالاستقراء ضَبْطَ الأحكام التشريعيَّة المعروضة في ثَنَايا القرآن الكريم
• والسُّنَّة المطهّرة ومصادر التَّشريع الأخرى، وهي كالتّالي:
١ - أحكام التشريعيَّة تتعلَّق بأعمال العبادات البدنيَّة الماليَّة، وحدد الشعائر التي كانت من
ملَّة إبراهيم، ثم اندثرتْ في العصور؛ مثل الصوم، الزكاة ... الخ.
٢ - المسائلُ المدنيَّة؛ مثل: البيع، والإجارة، والرَّهْن، والرُّبًا ... وغير ذلك، ووضع
لها القواعدَ والضَّوَابِطِ الْكُلِّيَّة .
٣ - أحكام تتعلَّق بنظام الأُسرة وتكْوِين البَيْت؛ كالزواج والطلاق، والمِيراث ... وغير
ذلك.
٤ - أحكام تتعلَّق بالأمور الجنائيَّة؛ كالقتل والسَّرقة، والزنا ... الخ، وحدَّد العقوبات
المناسبة لردع الجُنَاة، وحفْظِ المقدَّسات.
٥ - أحكام تتعلَّق بشؤون البلاد الخارجيّة من تأمين الدَّعوة، وشؤون البلاد الداخليَّة من
حفظ الأمن العامِّ، فشَرَع أحكام الجِهَاد، وعلاقة المُسْلِمين بِغَيْرهم، وأحكام الأسْرَى والغنائم
والفيء ... الخ. وسنتكلم عن ضبط الأحكام بشَيْءٍ من الإجْمَال:
٣

٤
مقدمة بدائع الصنائع
الإِسْلاَمُ فِطْرَةُ الله
إِنَّ كل إنسانٍ فوق ظَهْرِ البَسِيطة يُشْعِر بارتباط قويٍّ وطبيعيٍّ بينه وبين قوَّة عُلْيًا خلقته،
بَيْنَهُ وبين رُوحِ الكَوْن الأعلى، ويحاول دائماً وجاهداً أن يعرف سِرَّ القُوَّة العظيمة التي أوجَدَتْه
بهذه الصُّورة في هذا الكون الهائل.
إنَّ هذا الشعور شُعورٌ طبيعيٍّ نابع من النفس الإنسانيَّة، وإذا أردنا أن نترجم هذا الشّعور
إلى لغة حيَّة، فإنّنا نسميه بالتدیُّن.
وعلى هذا، فالشّعور بالدين شعورٌ طبيعيٍّ؛ كما أنه ضرورةٌ طبيعيَّةٌ ملحّة كامنَةٌ في النفْسِ
البشريّة لا يستطيعُ الإنسانُ أن يتخلّص منها، أو يحاول الفكاكَ منها.
إن الإنسان مُنْذُ فَجْرُ التاريخ وهو يحاولُ أن يفكّ سِرَّ ذاته ويفهمها، ويحاولُ أن يفهم كُنْه
وجودِهِ وقيمتهُ بين المخلوقات، وأهدافَه وغاياتِهِ وصيرورتَهُ، ولعلَّ الملائم للإنسان أن يبحث
عن هذه القوَّة العظمَى، وعلاقتِهِ بها وتلك فحوى التديُّن وقد تكونُ ضرورةُ الشُّعور بالتديّن
ظاهرةً بطريقةٍ ملحوظةٍ في المجتمعاتِ البشريّة الكبيرة عَنْها في الأفْرَاد؛ باعتبار أن هذه
المجتمعاتِ الكبيرة مجموعةُ أفرادٍ، وبذا تكونُ ضرورةُ التديُّن مجموعة ضروراتِ كلّ هذه
الأفراد؛ كما أنَّ وجود المجتمع وشعوره بنفسه وعلاقاته البَيْنِيَّة المتعدِّدة والمتشابكة ينزع إلى
التَّديُّن بصورة أقوى؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةِ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْها، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
إن الله سبحانه وتعالى - هو مُوجدُ هذا الإنسان وخالِقُهُ بهذه الصورة الدقيقة من هذا
الكون المعقّد التركيبِ، والمترامي الأطرافِ، وكان من الملائم لهذا الإنسان في هذا الكونِ
- أنْ يرسلَ الله إليه الرسُلَ بالأوامر والنواهي، وقد أوحى الله - جَلَ جلاله - إلى أناسٍ من عباده
معيَّنين اصْطَفَاهم وميَّزهم على سائر الخَلْقِ بالوَخِي والرِّسَالة، وأعدّهم الله - سبحانه وتعالى -
إعداداً كاملاً ليتسَنَّى لهم حمْلُ أعباءِ هذه الأوامِرِ والنواهِي، والقيامِ بتبليغها علَى أكْمَل وجْهٍ في
آفاق هذا الكَوْن العظيم.
وكان من الطبيعيِّ أن تتضمَّن هذه الرسالاتُ العظيمةُ مختلفَ التعاليم التي تَهْدي هؤلاء
البَشَرَ الحيارى إلى طريق النُّور، بعيداً عن غياهب الظلمات والخَيْرة والتخبُّط الأعمَى على غَيْرِ
هُدّى وبصيرة.
لقد اشتملت هذه التعاليمُ السماويَّة على مبادىءَ ساميَةٍ قادرة على أن تقيم أعوجاجَ البَشَر
في الحياة الدنيا، وتضيءً لهم طريقَهم نحو الدار الأخرى.
ولعلَّ المتفحّص بعين العقل المنزَّه عن الشَّطَط يدركُ إدراكاً يقينيًّا لا يعتورُهُ أدنى شكٌ أو
ريبٍ؛ أن الإسلام هو الدِّينُ العامُ، وأنَّ شريعته هي الشريعة الكاملة المتجدّدة؛ لتلائم كلَّ عصرٍ

٥
مقدمة بدائع الصنائع
زمانٍ، وأن هذا الدين الإسلاميِّ العظيمَ هو القادرُ على أن يأخذ بيد النّاس جميعاً ويسْمُوَ
بأرواحهم إلى الله تعالى.
قال ◌َ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفْطِرَّةِ، وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوْدَانِهِ أَوْ يُنَصْرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِه))(١).
فالنفسُ الإنسانيةُ إذن مطبوعةٌ على التديُّن والنزوعِ إِلَيْه بحكُم فطرتها، وإنَّ الدين
الإسلاميِّ هو دينُ الفطرةِ التي قصدها الرسُولُ وَ له في الحديث السَّابقِ ذِكْرُهُ.
(١) أخرجه البخاري (٤٩٣/١١) كتاب القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين، الحديث (٦٥٩٩)، ومسلم (٤/
٢٠٤٨): كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، الحديث (٢٦٥٨/٢٥)، وأبو داود (٥/
٨٦): كتاب السنة: باب في ذراري المشركين، الحديث (٤٧١٤)، والترمذي (٣٠٣/٣): كتاب القدر: باب
كل مولود يولد على الفطرة، الحديث (٣٢٢٣)، ومالك (٢٤١/١): كتاب الجنائز: باب جامع الجنائز،
الحديث (٥٢)، وأحمد (٢٣٣/٢)، والحميدي (٤٧٣/٢) رقم (١١١٣)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، وأبو
يعلى (١٩٧/١١)، رقم (٦٣٠٦) وابن حبان (١٢٨، ١٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣٢٨/٩)، من حديث
أبي هريرة، أن رسول الله وَ ﴿ قال: كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه،
كما تنتج الإبل جمعاء، هل تحس فيها من جدعاء، قالوا: يا رسول الله: أرأيت الذي يموت وهو صغير،
قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
ولفظ مسلم مصدراً بلفظ «كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وینصرانه ویمجسانه، فإن كانا
مسلمين فمسلم، كل إنسان تلده أمه، يلكز الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها.
وفي الباب عن جابر والأسود بن سريع وابن عباس وسمرة بن جندب.
حديث جابر
أخرجه أحمد (٣٥٣/٣) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر قال: قال
رسول الله : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢١/٧) وقال: رواه أحمد وفيه أبو جعفر الرازي وهو ثقة وفيه خلاف وبقية
رجاله ثقات .
حدیث الأسود بن سريع.
أخرجه أحمد (٤٣٥/٣) وابن حبان (١٦٥٨ - موارد) وأبو يعلى (٢٤٠/٢) رقم (٩٤٢) والطبراني في
((الكبير)) (٢٨٣/١) رقم (٨٢٨) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢/ ١٦٣) من حديث الأسود بن سريع بمثل
حديث جابر.
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣١٩/٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط
وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.
حديث ابن عباس.
أخرجه البزار في («مسنده)) (٢١٦٧ - كشف) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٢١/٧) بلفظ كل مولود
يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه وقال الهيثمي: رواه البزار وفيه ممن لم أعرفه غير واحد.
حديث سمرة بن جندب.
أخرجه البزار (٢١٦٦ - كشف) وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٢١/٧) وقال: رواه البزار وفيه عباد بن
منصور وهو ضعيف ونقل عن يحيى القطان أنه وثقه.

٦
مقدمة بدائع الصنائع
إنَّ الحقيقةَ السابقة التي أقررناها والَّتي أَقَرَّتْ بها كُلُّ نَفْسٍ إنسانيّةٍ موجودةٌ وراسخةٌ في
القلبِ ليلَ نهار، تسير في دم كلِّ إنسانٍ، وفي شرايِينِهِ وعُرُوقَه، وإنْ شَذَّ عن هذه الحقيقة
النَّصعة البياض قومٌ استهوتْهُمَ المضلاَّتُ وشَطَحات الفلاسفة، أو النُّزوعُ نحو المادة والتقليد
الأعْمَى الآباء والأجداد .
لقد تناسى هؤلاء كلُ هذه الحقائق التي تنطقُ بوجود الله، وتراه في أغوار كلِّ شيءٍ،
صغيراً كان أو كبيراً؛ حتى إذا تَزَعُوا عن قلوبهم غطَاءَ التعامي والغَقْلَة، فإنَّهم يَرَوْنَ مَا لا رَأَوْهُ
من قبلُ، يرون انبثَاقَ النُّور في ضمائرهم وإشْرَاق اليقين في نفوسِهِمْ وقلوبِهِمْ، ويرَوْنَ الله في
أعماقهم، فَيَهْرَعُون إلى التماس معرفته، وَطَلَب المعونة منه، والإخلاص في عبادته.
ولقد كان القرآن العظيمُ جارياً على وَفْق الفطرة الإنسانيَّة؛ فكان هادياً إلى دين الفِطْرة؛
وهيَّ للنَّفْس الإنسانيَّة أنْ تَسير في طريقها نَحْوَ خالقها، وَرَسَمَ لها معالِمَ الحياةِ المُؤْمِنَة الآمِنَة
في الدنْيا الآخرة. والقارىءُ للقرآنِ العظيم أو الدَّارِسُ له يدرك من أوَّلٍ وهْلَةٍ مُلاَءِمَة هذا
الدسْتُورِ العظيم لطبيعة النفْسِ الإنسانيَّة، وما جُبِلَتْ عليه، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ لا تُعَدُّ ولا
تحصى، ولْنَذْكُرْ بعْضَها على سبيل التبيين والتَّوْضيح:
نجد أنَّ هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطلُ من بَيْن يديه ولا مَنْ خلْفِهِ - لا ينكر على
النفْس الإنسانيَّة سعيّها للحصول على المالِ أو جَمْعِهِ، بل إنه يعتبر المَالَ طريقاً ضروريًّا لعُمْرانٍ
الحياةِ وسَيْرها، وأنَّه زينة الحياة الدنيا وزَهْرَتُها، وأنه من النِّعَم التي وعد الله بها عبادَهُ
المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغِفُرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُزَسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِذْرَاراً
وَيُمْدِذْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] أيضاً قدَّم الله
المالَ على النفسِ في الجهاد، فقال تعالى: ﴿فَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
القَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] وأقرَّ القرآنُ الكريمُ طبيعة التملُكِ، ولم يقِفْ أمام غرائز النفسُ
الإنسانية موقف البَطْش والعنف، بل سلك معها مَسْلَكاً يُصْلِحُها ويقوِّمها ويهذِبها، وبذلك
يستطيعُ الإنسان أن يحقّق ذاتَهُ وطموحَهُ.
أما ما جاء في القرآنِ من الحَضِّ على الزهْدِ وذمِّ الذين يعمَلُونَ للدنيا وشهواتها - فإنما
أراد الله به أن يحرِّر النفس الإنسانيَّة من ربقة المفاتِنِ وأسْرِ الشَّهَوَات، ويَصْعَدَ بها إلى روحانية
جلَّ وعَلاَ.
خلاصَةُ الْقَوْل أنَّ الفطرة الإنسانيَّة تحقَّقَت بالتشريع السماويِّ الذي رُوعِيَتْ فيه المصالحُ
العامَّة والخاصة، وحقوقُ التملُّك والحريَّة الشخصية والفكريَّة، وأن هذا التشريع السَّماويَّ كان
وَفْقَ النواميس الطبيعية التي جعلها الله لسعادة البَشَر وازتقائِهِم.
كلُّ ذلك أيَّده الشرعُ الحنيفُ، لكنْ باعتدالٍ؛ بحيثُ لا يخرجُ إلى حب الذاتِ وهو عدم
الاكتراثِ؛ بمصالحِ العمومِ.

٧
مقدمة بدائع الصنائع
والشّرْعُ من هذا أشبهُ بالطّبِيبِ الحاذِقِ الماهرِ الذي يعرفُ الداء، ويضعُ له الدواءَ
المناسِبَ الناجعَ؛ فهو أعرُف بقوانين حفظُ الصحّة ودفع المرض، وهو المرشدُ إلى القدر
المناسب الذي لا يضرّ منها؛ ليتناولها باعتدالٍ؛ كإباحته الاكتساب، ونَهْيِهِ عن الشّرَهِ والجَشَع
والغِشِ والتَّدليس.
وهو أيضاً كالطبيب الذي ينْهَى عن الشّبَعِ المُفْرِط؛ خوفاً من التخمة المضرّة، ويرشدُ إِلى
الطريق الموصل لإزالة الألم، ودفع المَضَرَّة؛ كإباحة الشَّرْع الحنيف النِّعَمَ من الطيِّبات، ونهيْهِ
عن السَّرفَ والتبذير.
والأحكام راجعةٌ إلى سعادة الدارَيْن؛ الدُّنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]؛ ولهذا كان الكثيرُ من أحكام المعاملاتِ يتغيَّر بتغير الأحوالِ وتطوّر
الأمة.
قال عمرُ بْنُ عَبد العزيزِ: ((تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ فُجُورٍ))؛ وعلى هذا؛
كان إرساءُ قاعدة المصالح المرسَلَةِ وسَدِّ الذرائع، وهذه المصالحُ هي حُكْمٌ من الأحكامِ المرتّبَةِ
على العِلَلِ الَّتي لأجلها شرع الحكم.
ولهذا نظرٍ أولُو البصائرِ والمَعْرفة في الأحكام؛ ليجدُوا لها عملاً؛ فما ثبت بالنصُ
والإجماع، فمسلّم، وإلا استنبطوا من الاقتضاءاتِ، والإيماءاتِ، والسَّبْر والتَّقْسيم، والإخَالَة،
والمُنَاسَبَة، وهي المُلائِمَةُ للطّاعِ الإنسانية بجلب لَذَّةِ ودفع ألمٍ مما هو من مقاصدُ الشَّرْع.
والمرادُ هنا بالمَصْلَحَة المحافظة عَلَى مقصود الشارع، ومقصودُهُ من الخَلْقِ: دينُهُمْ
وأَنْفُسُهُمْ، والعَقْلُ، والنَّسَبُ، والمَالُ، والعَرْضُ، فكل ما يحصلها فهو مفْسَدَةٌ، وكلُّ ما
يفوتها، فهو مفسدةٌ، ودفعها مصلحةٌ.
وأحكامها: حَكَمَ الشّرْعُ؛ بقتلِ الكافرِ المُفْسِد؛ لحكمة المحافظة على الدِّين، وَشَرَعَ
القصاصَ؛ لحكمةِ المحافظة على النَّفْسِ، وَشَرَعَ حدَّ السرقةُ؛ لحكمة المحافظة على المال،
وشَرِعَ حدَّ الزنا؛ لحكمة المحافظة على العرض.
وراح المجتهدون يبذُلُونَ وُسْعَهم لگشْف العلل وگَشْف الأسْرَار؛ حتى استنار لهم دَرْبُ
الاجتهادِ، فدخلت الفروع وتوسّع علْمُ الفقْه، وعَظُمت دائرتُهُ وعَمَّت المصالحُ؛ حتَّى أصبحتْ
قانوناً عامًّا يَحْكُمُ المجتمع الإنسانيّ بأسره، ويكْفُلُ له المصالح، وَيَدْرَأُ عنه المفاسدّ.
والناظرُ لتاريخ التشريع الإسلاميّ يجد أنَّه كان في ((المدينة)» بعد الهجرة، بَيْدَ أنه أقرت
بعض التشريعاتِ في ((مكة))، لكنها كانَتْ قليلةً؛ كتحريم وأُدِ البناتِ، وتحليلِ الطيباتِ الَّتي
حرَّمتها الجاهليَّةُ أَفتراءً على الله تعالى؛ كما جاء في قوله سبحانَهُ وتعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ
بَخِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصيلَةٍ وَلاَ حَامِ﴾ [المائدة: ١٠٣].

٨
مقدمة بدائع الصنائع
وقال أيضاً: ﴿قُلْ لاَ أَجَدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَماً مَسْفُوحاً أوْ لَحْمَ خَنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَثْلُ مَا حَرَّمَ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وَقَالَ: ﴿وَلاَ تَأَكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولكن ما السِّرّ في قلَّةِ
التشريعات الإسلاميَّة في ((مَكَّةَ)).
السرَّ يكْمُنُ من أن المسلمين لَمْ تكُنْ قد تكوَّنَتْ لهم دَوْلَةٌ قائمةٌ بذاتها، ولم تكُنْ لهم
قوَّة عظيمةٌ تحرسُهُم، وكان الهدفُ الأساسيُّ في هذه الفترة بالذَّاتِ هو غَرْسُ الإيمان في قلوبٍ
المسلمينَ، وتشرُّبَ قواعدِ التوحيدِ، ونَبْذ الشُّرك ومساوىء الجاهليّة .
ولمَّا تمكَّنَ الإيمانُ من نفوس المسلمينَ، وتغلْغَلَتْ أنواره في أعماقهمْ، وتحصّنَت
النُّفُوسُ المؤمِنَةُ بالمكارِم، فكان ذلك تمهيداً لتكوين المجتمع الإسلاميّ الَّذي وضَعتْ أُسُسُه
في المدينة بَعْدَ هجرة النبيِّ رَّ إليها.
ولما تكوَّن المجتمعُ الإسلاميُّ في ((المدينة))، كانت الحاجة مُلحَّةً وضروريةً إلى إقرار
القوانينِ، وسَنِّ النُّظُم؛ فتوالَتْ آياتُ القرآنِ تَتْرَى ببيانِ التشريع، ورسْم الصراط المستقيم
المعاملاتِ العبادِ؛ معَ خالقهم، ومع أنفسهم، فيما بينهم؛ فاستقبلَه المسلمون استقبالَ الظمآنَ
إلى شَرْبَة ماءٍ، استقبله المُسْلِمُون في شَوْق إلى الامتثالِ لتعاليم خالقهم، والاستعدادِ لتنفيذ هذه
التعاليم .
الْبَشَرُ خُلَفَاءُ الله فِي الأَرْضِ
اختار الله - سبحانه وتعالى - سيِّدَنَا آدَمَ - عليه السلام -؛ ليكون أباً للبشريَّة وخليفةً عَنْه
- سبحانه - في عمارة الكَوْن؛ هو وذرِيَّتَهُ بإمضاء أحكام الله التَّي شرعَهَا، وتنفيذٍ أوامِرِهِ الَّتي
قَضَاها .
وبهذا يكونُ آدمُ أوَّلَ رسولٍ يعمر الكونَ، وكانَتْ رسالته إلى ولده، ثم تناسَلَ أولادُهُ من
بعده، فتوالَدُوا وكَثُرُوا، وفي هذا يقولُ الله تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوُجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
وقد شرع الله شريعةً تناسب ابتداءَ الخِلْقَة، وكان ممَّا أنزله عليه تحريمُ المَيْتَةِ والدَّمِ ولحم
الخنزيرِ. وبذلك تحقَّق أمر استخلافِ الله البَشَر في الأرض، وصار آدمُ أصلاً من نصبَ خليفةٍ
عن الله؛ وذلكَ كما جاء في سورة البَقَّرَة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
كما جعل الله - سبحانه وتعالى - الخلافة متداولةً فيما بين النَّاسِ جميعاً؛ حيث قال في

٩
مقدمة بدائع الصنائع
سورة النور: ﴿وَعَدَ اللهِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ﴾
[النور: ٥٥]. وهذا ما أجمعتْ عليه الأمَّةُ، واتَّفقتْ عليه بعد وفاة الرسُولِ وَلِّ؛ حيثُ ابتدَأْتِ
الخلافةُ الرشيدةُ بأبي بكْرِ الصِّدِّيقِ، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمانَ بنْ عفَّان، ثم عَلِيَّ بْنِ أبي
طالب .
والخليفةُ عن الله هو الَّذِي يقومُ بأحكام الخالِقِ الرازق في عبادِهِ بكلِّ ما أُوتِيَ من طاقة،
ويُجْرِي هذه الأحكام في مجاريها الخاصَّة بها في عِبَادِ الله، والخلافَةُ عن الله بهذا المعَنّى تعتبر
عهداً عامًّا يمثَّل ذِرْوَةَ القِوامة على الخلقِ والرِّعَاية لعباد الله.
وينبغي أنْ يلاحظ أنَّ الخلافة لا تقْتَصِرُ عَلَى هذه الدرجة من الولايةَ العامَّة بل الخليفةُ
مكلّفٌ مخاطَبٌ من قِبَلِ المولى جلَّ وعلا، فإنما يصدُقُ عليه أنَّه خليفةٌ عن الله في أرْضِه في
إقامة مَصَالِحِ العبادِ الضروريَّة.
ومعنى الخلافة الَّذي أمَطْنا عنه اللِّئَامَ سابقاً، إنَّما دلَّتْ عليه ظواهر النصوص الَّتي تواترت
متضمِّنة عهْدَ الله - سبحانه وتعالى - إلى المكلّف بأنِ يقُومَ بما عهد إليه، وما كلِّف به؛ من
عمارة الكون؛ قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾
[الحديد : ٧] .
وقال أيضاً: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
والناظرُ إلى تاريخ البشرية مُنْذُ النشأةُ يجد أنَّ الله - تعالى - وحَّد بين الناس جميعاً في
أصل الخلقة والنَّشْأة والمصير، وسوَى بينهم في تسْخِير الكَوْن لهم جميعاً، فتكافَؤوا في
الفُرَصِ؛ كما ألغى الفوارق بينهم مَهْمَا اختلفتِ الأجناسُ، أو اختلف الزمانُ والمكانُ، لكنَّ الله
- سبحانه وتعالى - رَفع بعْضَ الناسِ فَوْق بعْضٍ، وفَضَّل بعضَهُمْ على بعضٍ؛ في الرزقِ
والأجلِ والإدراكِ والعَمل؛ وذلكِ ابتلاءً لهم واختياراً؛ ليَرَى أَيُّهُمْ أحسنُ عملاً، وأخْلَصُ في
شكرِ النعمةِ، وأكثرُ استقامةً على الجادّة، وأشدُ تَخَلُّقاً بما أراده الله - تعالى - من مكارم
الأخلاق وما يحبُّه من محامد ومحاسنَ وهل هُمْ أهلُ لتقدير النعمةِ الَّتي منحها الله لهم؟ وهل
استقامَتْ ظواهرهم وبواطنهم بإحسان القيام بالخلافة - عنْه سبحانه وتعالى، وهل وضعوا النعمَ
مواضعها في أنفسهم وأهليهم ومواطنيهم، ثم أعلمهم الله - تعالى - أنهم بهذا تختَ رقابته
وعنايَتِهِ ينظر إليهم ويحصى أعمالَهُمْ، ويرقُبُ سرَّهم، ويقدّر أعمالهم؛ فيثيب من أحْسَنَ،
ويعاقِبُ من أساء وفَرَّط أو أفْرَط؛ وبذلك يعيشُ الناس تحت مراقبة الله - سبحانه وتعالى -؛
فينظرُ كَيْفَ يعملون، وليبلوهم فيما آتاهم.

١٠
مقدمة بدائع الصنائع
وأعلمنا الله - تعالى - أنَّ كلَّ نعمةٍ في أيدينا ظاهرةً وباطنة، إنما هي أمانةٌ وَضَعَها الله في
أيدينا، وخوَّلنا حريَّةَ التصرُّف والتملُّك لها، بينما المالكُ الحقيقيّ هو الله سبحانه وتعالى الذي
خَلَقَهُ وقدَّره ووزَّعه بِفَضْله وحِكْمَتِه؛ وفي ذلك يقول جلَّ شأتُهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ
مُسْتَخْلِفِينَ فِيهِ﴾ ألمح إلى أن المالَ، وهو بعضُ ما خلق الله لنا، إنما هو أمانةٌ في يد المتملِّك،
والملك الحقيقيُّ لله وحده.
وكلُّ ما أجراه الله على أيدينا، صغيراً أو كبيراً، إنما هو جارٍ مَجْرَى العاريَّة والودائع؛
يقومُ الناس على حِفْظِها والتصرُّف فيها؛ على نحو ما رسَمَ خالقها، فالمقصد الحقيقيُّ العامُّ
للتشريعِ الإسلاميِّ هو مصالح النَّاسِ، وكل ما في الكون مسخّر لمنفعتهم في الدنيا والآخرة.
والدليلُ عَلَى هَذا الأمرِ أنَّ الإنْسَانَ قد جاء إلى الكَوْن خالياً عاري الجَسَدَ صِغْر اليدَيْنِ،
فاقد العِلْم، ثم هو كذلك حينَ يفارقُ الدنيا؛ لا يستأثر بدرهم، وهو بين وجوده ومَوْته،
يتعاطَى النّعم والآلاء من الله منحةً وفَضْلاً؛ لذا رسم الله الطريق، وأوضحَ معالمه حتَّى تتحقّق
الخلافةُ فيما جُعِلَتْ له؛ في توجيه هذه النِّعم في وجوهها الصحيحة؛ بمباشرة الأسباب الظاهِرَةَ
علَى وَفْقِ ما بيَّنه الشرع، وما أودعه الله العقول والألباب.
وكما كانت الخلافةُ عن الله عامَّةٌ من عموم التكليف، فهي كذلك عامَّة وخاصّة.
وفي ذلك يقول النبيُّ وَِّ؛ ((وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالمَرََّةُ رَاعِيَةٌ عَلَىْ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ؛ فَكُلْكُمْ رَأَعٍ وَكُلُّكُمْ
مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(١) وَفي بعض الروايات: ((وَالعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ) وهذه أمثلةً يسوقُهَا
(١) أخرجه البخاري (٨٤/٥) كتاب الاستقراض؛ باب العبد راع في مال سيده حديث (٢٤٠٩)، (٢١١/٥)
كتاب العتق: باب كراهية التطاول على الرقيق حديث (٢٥٥٤) (٢١٥/٥) كتاب العتق: باب العبد راع في
مال سيده حديث (٢٥٥٨)، (٤٤٤/٥) كتاب الوصايا: باب تأويل قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو
دین﴾ حديث (٢٧٥١)، (٩/ ١٦٣) كتاب النكاح: باب ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ حديث (٥/٨٨)، (٩/
٢١٠) كتاب النكاح: باب المرأة راعية في بيت زوجها باب قول الله تعالى ﴿أطيعوا الله ... ) حديث
(٧١٣٨) ومسلم (١٤٥٩/٣) كتاب الإمارة: باب فضيلة الإمام حديث (١٨٢٩/٢٠) وأبو داود (١٤٥/٢)
كتاب الخراج: باب ما يلزم الإمام من حق الرعية حديث (٢٩٢٨) والترمذي (١٧٠٥) وأحمد (٥/٢، ٥٤،
٥٥، ١١١، ١٢١) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٩٤) وأبو عبيد في كتاب الأموال (ص ١٠، ١١)
رقم (٣، ٤) وعبد الرزاق (٣١٩/١١) رقم (٢٠٦٥٠) وأبو يعلى (١٩٩/١٠) رقم (٥٨٣١) وابن حبان
(٤٤٧٢، ٤٤٧٣، ٤٤٧٤) والبيهقي (٢٩١/٧١) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣١١/٥ - بتحقيقنا) والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) رقم (٢٠٩) كلهم من حديث ابن عمر.
وللحديث شواهد من حديث أنس وعائشة وأبي لبابة بن عبد المنذر حديث أنس: قال: قال رسول الله وَلّ :
كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته فالأمير راع على الناس ومسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته =

١١
مقدمة بدائع الصنائع
الرسولُ ﴿ عَلَى سَبِيلِ التمثيل لا الحَصَر لأن الحكمَ كليُّ عامِّ لا يختصّ بما ذكره فقَطْ، فلا
يتخلَّف عن الولاية فَرْدٌ من أفرادها.
قلنا فيما سَبَقَ: إن الإنْسَانَ خليفةُ الله في أرْضِهِ، وإِنَّه القائمُ مَقَامَ مَنِ استخلفَهُ؛ كي
يجري أحكامَهُ ومقاصدَهُ وَفْقَ ما أراد الله، وقلنا أَيْضاً: إن مقاصدَ الشَّرائع كلِّها هي مصالحُ
النَّاسِ، وإن كل حكم خاصٍّ يختصُّ بمصلحةٍ معيَّنةٍ تتعلَّق بجانب معيَّن من جوانب الحياة
والمصلحةُ العامَّة للتشريع، هي أن يكونَ كلُّ مكلَّف تحت قانونٍ عامٍّ معيَّن من تكاليف الشَّرْع
في جميع حركاته وأقوالِهِ واعتقاداتِهِ، فلا يكون كالأنعام الَّتي تعمل بهواها، وتسيرُ خَبْطٌ
عَشْواء، فَلا تكون أفعاله عَبَئاً، وعلَى المكلّف إيقاعُ أفعاله لتحقيقِ المقصد الشرعيِّ؛ ولا عبرة
بفعلٍ مخالِفٍ لمقصود الشارع؛ لأنَّ الأعمال لا تُقْصَدُ لذاتها، بل لما قُصِدَ بها من مصالح
الناس التي هدى الله الإنسانَ إلى إدراكها، والدين الإسلاميَّ هو الدين الذي رَضِيهُ المولَى ديناً
عامًّا له جوهَرُهُ العامُّ، وفيه تشريعُ الله الذي شرعه لجميع النَّاسِ على مختلِفِ أجناسِهِمْ
وأمكنتهم وأزمنتهِمْ.
فَحْوَىُ الدِّينِ والاسْتِنْبَاط
حول الدِّينِ الإسْلاَمِيِّ:
الإسلامُ لغةً: يرجعُ معناه إلى السَّلامة من الآفَاتِ والنقائصِ، وأمَّا اصطلاحاً، فإنَّ له
معاني كثيرةً :
ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية لزوجها ومسؤولة عن بيتها وولدها والمملوك راع على مولاه ومسؤول عن
=
ماله وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢١٠/٥) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وأحد إسنادي
الأوسط رجاله رجال الصحيح.
حديث عائشة ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد (((٢١٠/٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أرطأة بن
الأشعث وهو ضعيف جداً.
وللحديث طريق آخر.
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٢٧٦/٥) من طريق النضر بن شميل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
عن النبي وَ لِير قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
حديث أبي لبابة بن عبد المنذر.
نهى رسول الله ◌َيّر عن قتل الحيات التي في البيوت وقال: كلكم راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع على
أهله ومسؤول عنهم وامرأة الرجل راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راغ على مال سيده
وهو مسؤول عنه ألا كلكم راع وكلكم مسؤول.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٠/٥): لأبي لبابة في الصحيح النهي عن قتل الحيات فقط رواه الطبراني في
الأوسط والكبير ورجال الكبير رجال الصحيح.

١٢
مقدمة بدائع الصنائع
فتارةً يجيءُ بمعنى كلمة التوحيد، وأصول العقائدِ المُشْتركة بَيْنَ كلِّ الأديانِ؛ إذْ وصف
الله - سبحانه وتعالى - الأنبياء الذين سَبَقُوا سيِّدَنا محمدًا - وَله - بكلمة الإسْلاَم؛ وفي ذلك
يقول الله تعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّونَ الَّذِينَ أَسْلِمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]؛ كما وصف الله - جَلَّ شَأْتُهُ -
أتباعَ الأنبياءِ بالإِسْلاَم، وفي ذلك يقولُ الله تعالَى: ﴿قال الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بِالله
وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وبهذا المعنَى - أي معنى حكمة التوحيد - يكونُ الإسلامُ ضدَّا الشِّرْك بالله، يقولُ الله
تعالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أُكُونَ أَوَّلَ مَنْ أسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
وتارة يجيء الإسلامُ بمعنى الدِّينِ، أي الدِّينِ الذي بُعِثَ به سيدنا محمدٌ وَّ من
المبادىء السماويَّة والعقائِدِ والتكاليفِ الشرعيَّةِ والتعاليمِ الخلقيّة .... الخ.
وهذا المعنى تتضمَّنه الآية القرآنية: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتَ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَّمَمْتَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] والإسلامُ بهذا المعنَى يقابِلُ الأديان السَّمَاوِيَّة الأخرَىُ؛
كاليهودية والنَّصْرَانِيَّة .
الفَرْقُ بين الإسْلامِ والإِئْمانِ:
ورد الشرعُ الحنيفُ باستعمال الإيمان والإسلام مرَّةً على سبيل الترادُفِ بينهما، ومرةً على
سبيل الاختلافِ بينهما، ومرَّة على سبيل التداخل:
فقد يُطْلَقَان عَلَى معنًى واحِدٍ؛ كما في حديثٍ أركان الإسلامِ (بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى
خَمْسٍ ... ))(١).
(١) أخرجه البخاري (١/ ٦٤) كتاب الإيمان: باب دعاؤكم إيمانكم حديث (٨) ومسلم (٤٥/١) كتاب الإيمان:
باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام حديث (١٦/١٩) والترمذي كتاب الإيمان: باب ما جاء في بني
الإسلام على خمس حديث (٢٦١٢) والنساني (١٠٧/٨ - ١٠٨) كتاب الإيمان: باب على كم بني الإسلام،
وأحمد (١٢٠/٢، ١٤٣) والحميدي (٣٠٨/٢) رقم (٧٠٣) وابن خزيمة (٣٠٨، ٣٠٩) وأبو يعلى (١٠/
١٦٤) رقم (٥٧٨٨) وابن حبان (١٥٨) وأبو نعيم في «الحلية)) (٦٢/٣) والبيهقي (٨١/٤) كتاب الزكاة،
والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٤/١ - بتحقيقنا) من طرق عن ابن عمر به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وللحدیث شاهد من حديث جرير.
أخرجه أحمد (٣٦٣/٤) وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٥١/٩) والطبراني في «الكبير» (٣٢٦/٢) رقم (٢٣٦٣،
٢٣٦٤) من طرق عن الشعبي عن جرير قال: قال رسول الله وَّه بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا
الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٥٠) وإسناد أحمد صحيح.

١٣
مقدمة بدائع الصنائع
وَسُئِلَ الرَسُولُ وَلَهِ مرَّةٌ عن الإيمان، فأجاب بهذه الخمس.
وقد يُطلقان، ويكون بينهما اختلافٌ في المعنَى، حيث أطلق الإسلامُ وأريدَ به الاستسلامُ
ظاهراً بالجوارح واللسانِ، وأطلق الإيمانُ وأريدَ به التصديقُ القلبيُّ الجازمُ؛ قال تعالَى؛ ﴿قَالَتِ
الأغْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وكذلك حديثُ أركان الإسلام
التي هي الخصالُ الخمسُ من حديث جبريل - عليه السلام - لما سأل رسولَ اللهِ وَلَّر عن
الإيمانِ، فأجابَهُ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ ... )) الخ.
وقد يكون بينهما تداخُلٌ في المعنى أي يختلف المراد من كلِّ منهما مع دخول أحَدِهِمَا
في مسمَّى الآخَرِ؛ ويدلُنا على هذا المعنَى ما رُوِيَ في الخبر عن رَسُولِ الله - وَلَـــ حينما سُئِلَ
عن أفضل الأعمالِ، فقيلَ: أيُّ الإسْلام أَفْضَلُ؟ فأجاب وَِّ: الإيمانُ(١) وتفسير ذلك أن
الإيمانَ عملٌ خاصٌّ من أعمال القلب، بينما الإسلامُ تسليمٌ بالقلب أو اللّسَانِ أو الجَوَارِح.
وبديهي أن النطْقِ باللِّسَان دليلٌ التصديق بالقَلْب، وأنَّ أعمال الجوارحِ تقوّي الإيمانَ
وتزيدُهُ.
عَالِمَةُ الإِسْلاَمِ وَشُمُوْلِيَتُهُ(٢) .
الإِسْلاَمُ بمفهومه العامُ الذي هو بمعنى الدِّين الَّذي جاء به محمَّد ◌َّهِ - يشمل كُلَّ ما جاء
في هذا الدِّين من المعاملاتِ والعباداتِ والعَقَائد والأخلاق ... الخ؛ كما أن الإسْلاَمَ يشتملُ
على تفْسِير هذه الأمور وتَبَيِينِها، وقد جاء ذلك جليًّا واضحاً عَبْرَ نصوصه الكريمة من الكتاب
والسُّنَّة، ونتكلّم عن ذلك فيما يأتي في مجال العَقَائِدِ:
ويتضمن إرشاد البشر إلى الخَالِقِ الرازِقِ، وأَحَقِيتِهِ بوجوبٍ توحيده سبحانه وتعالى،
والاعتقادِ الجازم؛ أنَّه وحده - بغير شريكٍ - هو الذي أبْدَع هذا الكونَ الهائل بنظامه المُخكم
الدقيق، وأنه وحده، وبغير شريكٍ، خلق كلَّ ما يعرض فيه من الحركة والسُّكون، وأنه جَلَّ
وَعَلاَ ربَطَ بين المسبَّبَاتِ وأسبابها .
وتضمَّنت العقائدُ معرفة صفاتِ الخالِقِ الكماليَّة التي تليقُ بملكُوته وتنزّهُهُ عن كلِّ نقْصٍ
(١) أخرجه البخاري (٧٧/١) كتاب الإيمان: باب من قال إن الإيمان هو العمل حديث (٢٦)، وكتاب الحج:
باب فضل الحج المبرور حديث (١٥١٩) ومسلم (٨٨/١) كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله أفضل
الأعمال حديث (٨٣/١٣٥) وأحمد (٢٦٤/٢) والدارمي (٢٠١/٢) كتاب الجهاد: باب أي الأعمال أفضل،
والبغوي في ((شرح السنة)) (٣/٤ - بتحقيقنا) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال:
سئل النبي 8# أي الأعمال أفضل قال: ((إيمان بالله ورسوله)) قيل ثم ماذا؟ قال ((الجهاد في سبيل الله)) قيل ثم
ماذا؟ قال: ثم حج مبرور.
(٢) وسيأتي البحث عن شمول الأحكام المصالح العباد وبيان حكم التشريع إن شاء الله تعالى.

١٤
مقدمة بدائع الصنائع
وعَيْبٍ؛ فإنه سبحانه وتعالى عليم حكيمٌ قديرٌ محيطٌ بكل شيءٍ، ظهر أو خَفِيَ، كبر أو صغر،
فلا يعزُبُ عنه مثقالَ ذرَّةٍ فى السمواتِ والأرض.
ومنح الله - تعالى - الإنسانَ العقل، وكرَّمه به عَلَى سَائر المخلوقات، ثم أناطه بأمانة
التكْلِيف، ودعاه إلى النَّظَر في هذا الملكوت الفسيح، واحترمَهُ الله بأنْ خاطبه، وهَدَاه بالرُّسُل
والأنبياء، وأمره بالتصديق برسالاتِهِمْ، وبالوخي الذَي أنزل عليهم، وتتضمَّن العقائدُ التصديقَ
بجميعِ الرسلِ وبجميعِ الكتبِ السَّماوية التي أنزلتْ عليهم.
وتتضمن العقائدُ تصديقَ الإنسان بالحياةِ الآخرةِ، والإيمانَ بالثوابِ والعقابِ، حيثُ لم
يترك الله - تعالى - أعمال الإنسانِ هَمَلاً، بل جعله مسؤولاً عنها، إذا أطاع الله، كان جزاؤُه
الثوابَ، وإذا عصاه، كان جزاؤُهُ العقابَ، والله - تعالَى - في كلِّ ذلكِ - غنيٌّ عن عباده؛ فلا
تنفعُهُ طاعةُ البشر جميعاً، ولا تضرُّهُ معصيتهم جميعاً، بل هي أعمالَهُمْ مُخْصَاةً عليهم،
محاسَبُونَ عليها .
وفي مَجَالِ العِبَادَاتِ :
إنَّ الهدفَ الأساسيُّ منها أن يكونَ قلْبُ الإنسان دائمَ الصلةِ برِّبه، متعلِّقاً به آناء الليل
وأطرافَ النهار. والعبادات في مجموعها وشعائِرها إنَّما هي روافدُ تمدُّ الإيمانَ دائماً بالزيادة
والنماء والقوة في جميع أوقات الإنسان.
فالصلاةُ - مثلاً - مناجاةٌ بين العَبْد وربِّه حينما تنطلقُ النفْسُ الإنسانيَّة من رِبْقة الأسْرِ
المادِّيِّ إلى مسارب الرُّوح الألهية.
والصَوْمُ قَهْرٌ للنفسِ الإنسانيَّةِ وتهذيبها من الخبائثِ والأدران التَّ تَعْلَقُ بها على مَدار
الحياة اليومية.
والزَّكاة إحساسٌ مُفْعَمْ بالعَطْف والرحمة.
والحَجُّ حَمال الرقُ والعبودية لله.
ولا بدَّ أن يعلم الإنسانُ أنَّ صلته بربّه لا تقتضي واسطةً؛ إذ ليس بين العبدِ وربِه واسطةٌ،
وإنما كان الرُسلِ للتبليغِ فقطْ، ودعوةِ الناس إلى دين الله.
وفي كلِّ ما شرعه الله من عبادات لا بدَّ من إحسان النيّة، وسلامةِ القَصْدِ؛ حتى يثابَ
الإنسانُ على فعْلِهِ، ولا تكون أعمالُهُ يومَ القيامة هباءً مَنْثُوراً، وسلامةُ القَصْد لا بدَّ أن تتضمَّن
كلَّ أمْرٍ وفعلٍ كُلِّف به الإنسانُ؛ حتى فيما يتناولُهُ من طعام وشرابٍ؛ فإنَّهُ إذا قصد به وجه الله
تعالَى؛ كي يتقوَّى على الطاعة، فإنَّه يثاب على ذلك ويجزىّ الجزاءَ الأوفَى.
والعبادات الخَمْس التي شرعها الله، والتي بني علَيْهِ الإسْلام - محدَّدة واضحةٌ في الكتاب
والسنَّة، وليْسَ لأيِّ أحدٍ مهمْا بَلَغَتْ منزلتُهُ أن يغيِّر فيها بزيادةٍ أو نقصانٍ.

١٥
مقدمة بدائع الصنائع
وتضمنت كلُّ عبارةٍ حكمةً، ظهرَتْ لنا أو خفيت علينا، حيثُ يعلمها سبحانَهُ وتعالَى
- الذي لم يَكلِّفنا ما لا نطيقُ رحمةً بنا ورأفةً.
وقد اقترنَ تشريعُ العباداتِ بتسْهِيلاتٍ ورُخَصٍ تجعلها سهلةً ميسّرة لكلِّ العباد، وقد بعث
الله سيدنا محمد رَّه بالحنيفية السَّمْحة، وجعل الدين الإسلاميَّ دين يُسْر لا عُسْر.
ولقد كان المعنى العامُّ للواجبات والمحرَّمات هو ملاءمة الفطرة الإنسانيةِ، فلم يقف ضدَّ
الغرائز البشرية، بل نظّمها، وهذَّبها، وحدَّد سُبُل انطلاقها؛ كي يعمل الإنسان على تحقيق ذاتِهِ
وطُمُوحه، ويرفع حيوانيّتَهُ إلى مستوى عقْلِهِ الَّذِي شَرَّفه الله به.
وعلَىُ سبيلِ المثالِ؛ أودع الله في النّفْس الإنسانيَّة شهوةَ الطَّعام والشرابِ، وهذَّبها،
فَمَنَعَها وحذَّرها من الطَّمع والشراهَة؛ كما أودعَ فينا شهوة الفَرْج، وحذَّرَهًا عن الحرام، وهذَّبها
حتَّى لا تكونَ بهيميَّةٌ، أيضاً حبَّب إليها المالَ والاكتسابَ، وحذَّر من الإنانيَّة وحُبِّ الذات
والجَشَعِ والتَّذِير.
وفي مَجَالْ الأخْلاَقِ :
وضع لنا الله - سبحانه وتعالى - أُسُسَ بناءِ مجتمعٍ طاهرٍ سليمٍ لتقومَ العلاقاتُ فيما بيْن
النَّاسِ عَلَى أَسُسٍ نظيفةٍ عفيفةٍ أمينةٍ .
لَقَدْ حَرَّم الله الاعتداءَ على النفْسِ والمالِ والنَّسَب والعِرْض، وسَوَّى بين بني الإنْسان لا
فَرْقَ لعربيٍّ على عجميٍّ إلا بالتقوى، فالحرُّ والعبدُ سواءٌ، والرجلُ والمرأةُ سواءٌ، بل المسلمُ
والذّمِّيُّ سواءٌ، ما لم تكُنْ فتنةٌ في الأرض أو فساد.
ودعا الله إلى الإخسانٍ، وجعله فعلاً حميداً، سواءً بالقول أو بالفعل، ودعا إلى الكلمة
الطَّيبةُ، وفعْلِ الخيرِ، ونَبْذ الضغائِنِ والأحْفَاد.
واختصَّ الأقاربَ بزيادة البرِّ والصِّلة، وجعل لمختلفِ العلاقاتِ العائلِيَّة حقًّا يَجِبُ
احترامُهُ وأداؤُهُ، وبذلك يسعد المجتمعُ ويخطُو نحو تقدمه من آفاق الحياةِ الرحْبَةَ.
وفي مَجَال المُعَامَلاَتِ :
حيثُ جعل للأسرةِ نظاماً خاصًّا بها، وجَعَلَ للدَّوْلة نظاماً خاصاً بها فأصَّابها، وجعل بناءً
هذه المعاملاتِ قائماً عَلَى أساس التعاونُ والبِرِّ، والتكافُلِ والمساواةِ فيما بَيْنَ النَّاس جميعاً.
فالفردُ في المجتمع عليه واجباتٌ، وأيضاً له حقوقٌ، وبقدر إعطاءِ الأفرادِ يتكوَّن المجتمعُ
من تعاونُ الأفْرَاد.
والحاكمُ العامُّ يقومُ في الجماعة مَقَّام الميزانِ العادِلِ، والحاكمُ له أيضاً حقوقٌ، وعليْه

١٦
مقدمة بدائع الصنائع
واجباتٌ، وذلك في غير قُدْسِيَّةٍ ولا امتيازٍ، فعمله منوطٌ بالمصلحة العامَّة في الأرواحِ والأموال
والأعراضٍ والأديانِ.
ومن الأُسُسِ العامَّة لبناءِ مجتمع سليم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَرٍ؛ وذلك
بالحثّ على أداءِ المعروفِ وفتح السُّبُلِ أمامَهُ، والعملِ على سدِّ الأبواب أمام المُنكر والمفاسِدِ
بوجهٍ عامٍّ .
ومن ناحيةٍ أخرى، فقد نظّم الإسلامُ علاقاتِ الحَرْب والسِّلْم بين المسلمين وغيرهمْ عَلى
أساس العَدْل الإنسانيِّ، وجعل الأصْلَ والعلاقة بين المسلمين وذوي الديانات الأخرى هو
السَّلاَمَ، وإنَّما كان الحربُ طارئاً، فشَرَعَ لردِّ الاعتداء، ولحفْظِ الدِّين، إذا بُغِيَ باغ على الدِّين
وأهله. والإسلامُ لا يَعْرِفُ معنى السِّيَادة المُطْلَقة الخاليةٌ عن النّظام والقُيُود، والدوَلَةَ الإسلاميَّةَ
التي أقامَهَا الرسولُ - بَّه - لا تَأْخُذُ بهذا عَلى إِطلاقِهِ، وإِنَّما هي دولةٌ من طرازٍ خاصٍّ يسميه
بعضُ علماء المسلمينَ بالدَّوْلة الفكْريَّة؛ لأنَّ الحَكّام والمحكومين فيها مقيَّدُون بفكْرة معيَّنةٍ،
وبمجموعة من القيم والمبادىء التي تكوّن إطاراً قانونياً مُلْزِماً، للجماعة بأسْرَها.
وعلى هذا فسيادةُ الدَّوْلة سيادةٌ مْلَقةٌ لقانون الله سبحانَهُ وتعالَى، وسيادةُ شعبية محدودةٌ
لجمهور المسلمينَ فيما دُونَ حدودِ الله. وقد أنزلَ الله النصوصَ التي تحدِّد كافة المعاملاتِ
والتشريعاتِ الإسلاميَّة، وعند عدم النصِّ؛ فقد جعل الله رأي الجماعَةِ هو الميزانَ، وهو الدليلَ
على الحَقِّ؛ والشاهدُ عَلَيْهِ: ((مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَناً فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنْ)) (١) أيضاً ((لاَ تَجْتَمِعُ
أُمَّتِي عَلَىْ ضَلَاَلَةٍ» .
الفَرْقُ بَيْنَ التَّشْرِيعِ المُسْتَقَى مِنَ النُّصُوصِ وَجَوْهَرِ الدِّينِ :
إنَّ النظامَ السابق الذي ألمَحْنَا إِلَيْه هو جوهرُ الدِّين، وهو عبارةٌ عن أمورٍ راسخةٍ لا تتغيّر
ولا تتبدَّل، كلُّها أسسٌ تنظُم شؤون الحياة الإنسانيَّةِ سياسيةً واجتماعيةً واقتصاديةٌ .
وجوهرُ الدِّين يتضمَّن العقائد الَّتي اتفقتَ عليها كلُّ الأديان، ويتضمَّن العباداتِ التي
حدَّذتها نصوصُ القرآنِ الكريم والسُّنَّةِ المطهّرة، ويتضمَّن المعاملاتِ الضوابطَ الشَّامَةَ الَّتي بنيتْ
عليها، ويتضمَّن الأحكام التيَ شَرَعها الله لِحفظِ الدين والنفْسِ والعقْلِ والمَالِ والعِرْضِ.
(١) أخرجه أحمد (٣٦٠٠ شاكر) والطيالسي (ص ٢٣) والحاكم (٧٨/٣) والبزار والبيهقي في المدخل. كما في
((نصب الراية)) (١٣٣/٤) من طريق أبي بكر بن عياش ثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود
موقوفاً.
قال السخاوي في ((المقاصد)» (ص ٣٦٧): وهو موقوف حسن.

١٧
مقدمة بدائع الصنائع
وفي كُلِّ ذلك احترمَ الدينُ العقْلَ، ووجَّه الله الناسَ إلى التأمُّل بالعقول في المظاهر
الكونية، ودعا إلَى إدراكِ معنى النُّصُوص، وفَهْم مقاصِدِها.
وبعد ورود الشرع كانَ لزاماً على العَقْلِ أنْ يُذْرِكَ الأسرار والمعانيَ الكامنةَ خَلْقَ نصوصِهِ
وآياتِهِ، وعلى العَقْلِ أنْ يَعَمْلَ تحتَ الهدى الإلهِيِّ؛ فَلَيْسَ له أن يتجاوَزَ الشَّرْعَ، أو يعْمَلَ دونه.
ولقد حدَّد الله للعقُول الحدودَ الَّتي تقفُ عندها، والّتي من خلالها يدركُ الشَّرْع وَحَظَر
عليها أنْ تَزْتَادَ بعْضَ الحدودِ الصَّعْبةِ، فالعقْلُ الإنسانيُّ قاصرٌ محدودٌ.
التشريعاتُ التي أرساها الله - جلَّ وعَلاَ - ليْسَتْ جامدةً، ولا نستلزمُ الحَجْر على
العقول؛ فالله تعالَى - فتح بابَ الاجتهادِ لِمَنْ تأهَّلَ له، حيثُ جاءتِ النصوصُ بالقواعدِ العامَّة،
والمبادىء الكلِّيَّةِ التي تسعُ ما لا يُحصَى من الجزئيات والفُرُوع، وبهذا اتَّسَعَتْ هذه المبادىءُ
للتطبيقِ علَى واقعِ الحياة في البيئَةِ والعُرف والزَّمَان.
وجاء الشَّرْعُ الإسلاميُّ عامًا في المرسَلِ إليهم، وعامًّا في المُرْسَل به، يخاطبُ كلَّ
الأجيالِ بنصوصِهِ الثابتَةِ؛ من غير جُمُود المرنة؛ من غير انحراف.
وقد يكونُ التشريعُ من النصوصِ مباشرةً؛ بأخذٍ معانيها من العبارات، وقد يكونُ
بالاستنباطِ، أي: استنباطِ الأحكام من الأدلّة، بعد النَّظرَ في أنواع دَلالةِ النصوص الشرعيَّة،
وهذا هو التشريعُ المُسْتَقَى من الأدلّةَ والنُّصُوص.
وهذه الأحكامُ المستنبطَةُ أحكامٌ شرعيةٌ؛ لأنَّها ناتجةٌ من دائرة النصوص القطعيَّة، وقد
اكتسبت صفة الشرعيَّة من هذا، ومن أمْر الشّارع بالاجتهاد.
وقد قسَّم العلماءُ الأحكامَ الشرعيَّة إلى ثابتةٍ ومتغيِّرةٍ؛ وذلك باعتبارِ المَصَالِحِ المترتبة
على تشريعٍ هذه الأحكامِ.
وهذه الأحكامُ منْها ما عَلِمَ الله منه أنَّ مصالح التشريع فيه ثابتةٌ لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان أو
المكانِ أو العُرْف، بَيْدَ أنَّ هذا لا يتنافى مع الاستنباطِ والاجتهادِ؛ فمثلاً ليْسَ لأحدٍ أن يقول:
إن القِصَاصَ الذي شَرَعَهُ الله لحفظ النفوس يجبُ في وقتٍ دون آخَرَ؛ وذلك لأنَّهُ من البداهة أن
حفْظَ النّفْسِ ضرورةٌ من ضرورات الحياة في كلِّ الأوقاتِ، وعند جميع النَّاسِ؛ لا يختلفُ على
ذلك اثنان ومن هذه الأحكام ما علمَ الله من تشريعها أنَّ مصلحة التشريع فيها مما يختلف في
وقْتٍ دون آخر، أو في مكانٍ دون آخَرَ؛ فإنَّها أحكام متغيّرة بتغيُّر المصالح، فقد توجَدُ
المصلحةُ في وقتٍ أو مكانٍ، ثم في وقتٍ آخَر أو مكانٍ آخَرَ، تتغيَّر المصلحةُ، فيتبدل الحكم
تبعاً لذلك.
بدائع الصنائع ج١ - م٢

١٨
مقدمة بدائع الصنائع
تَشْرِیعَاتُ الله حِكَمُهَا لاَ تُخْصَى:
إِنَّ كُل حُكْم شرعَهُ الله لَنَا، إنما كان لِحِكْمَةٍ فيه مترتِّبة على تشريع هذا الحكم، ونحن
بعقولنا المحدودَةِ قد نصلُ إلى فهم هذه الحِكْمَة، وقد لا نَفْهَمها وليْسَ معنى ذلك خُلُوَّ هذا
الحكم أو ذاك عن الحِكْمَة.
وحكمةُ الله في أحكامه تتعدَّى ما يظهر لعقولنا القاصرةِ، فقد يكون للحُكْم الواحدِ حِكُمْ
وأسرارٌ متعدِّدة لا يتسنَّى للعقل البشري إدراكُهَا وفهمُهَا جميعاً.
وبهذا يفسحُ الدِّين المجالَ لإعمال العقل ورُقِيُّه، فكلُّ مظاهر الطبيعة مفتوحةٌ أمام عقول
البشر جميعاً، كَيْ يجتهدُوا؛ ليصلُوا إلى ما فيه سعادَتُهُمْ، وكلُّ ما يمكن للعقْلِ أن يرتادَهُ، وفيه
مصلحةٌ للناس، فارتياده مشروعٌ باعتبار أنَّ هذا من موازين الفَضِيلَةِ، ومن مقوّمات الإيمان، أن
المقصد الأوَّل للدِّين، بوجهٍ عامٍّ، هو الرقيِّ بالإنسان ماديًّا ومعنويًّا ولهذا فالعبادةُ التي أُرسَى
قواعدها الله لا تقتصرُ على بعض المشاعِرِ الخاصَّة، بل إنها تقتضي إصلاحاً لذات الإنسان
ومجتمعِهِ على السواءِ، فالخُلقُ عيالُ الله، وأفضلهم عند الله أنفعُهُمْ لعياله.
سُمُؤُ التَّشْرِيعَاتِ الإسْلامَيَّةِ:
والفَرَقْ بَيْنَها وبَيْنَ القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةِ.
قُلْنَا: إنَّ التشريعَ الإسلاميَّ الذي هو مجموعةُ الأوامرِ والنواهِي يمتاز بشموليته وعموميَّته
لجميع الناس في كل زمانٍ ومكانٍ إلى يوم القيامة؛ وذلكَ لأنَّ الإسلامَ الدِّينُ الخَاتَمُ، فكان لا
بدَّ أن تتوافر فيه صفةُ الشموليَّة. وقلنا أيضاً: إنَّه الدينُ الذي يعمل على توثيقِ العلاقاتِ بيْنَ
الإنسان وخالقِهِ، وتوثيق العلاَقَاتِ بَيْنَ الإنْسَانِ ومجتمعِهِ الذي يحيا بَيْنَ ظهرانَيْهِ، بينما القانونُ
الوضعيُّ قاصرُ على تنظيم علاقات الأفراد فقط. ومن ناحية أَخْرَى؛ فإنَّ من خصائص التشريع
الإسلاميّ مبدأُ الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، وهذا ما تفتقده القوانينُ الوضعيَّةُ، إذ هي
قاصرةٌ على علاج المفاسِدِ دون التعرُّض لطرق الخَيْرُ والمَعْرُوف.
أيْضاً: وضع التشريعُ الإسلاميَّ مبدأَ الثّوابِ والعقابِ على أساس الطاعةِ والمعصيةِ،
وجعل ذلك في الآخرةِ، بَيْدَ أنَّه لم يهمل مجالَ الإصلاحِ الدنيويِّ، أما القوانينُ الوضعيَّةُ، فإنها
وضعتْ عقوباتِ زجرٍ فقط لإصلاحِ المجتمعِ من الفسادِ في الدنيا فَقَطْ .
كذلك، فإنَّ التشريعَ الإسلاميَّ يجازي الإنسان عَلَى ما تفعلُهُ جوارحه، وعَلَى ما في
قَلْبِهِ، بينما الوضعيُّ فإنه لا يحاسِبُ إلاَّ عَلَى أعمالِ الجَوَارِحِ التي تَتَّصِلُ بالآخرين.
والمصلحةُ في التشْرِيعِ الإسلاميّ كاملةٌ ومستمرَّة؛ أما في الوضعيِّ، فهي محدودة قاصرةٌ
متصلةٌ بالزمان والمكانِ والغَّرْفِ والبيئةِ، وكلُّ ذلك يتغيَّر دائماً. والقانون الوضعي لِسُنَّةُ أفرادٌ

١٩
مقدمة بدائع الصنائع
تؤثّر فيهم الرغباتُ الدنيويَّة، والأهواء والبيئاتُ، أما التشريع الإلهيُّ، فهو من عند الله الحكيم
العليم بمصالح عباده. وكذلك، فإن التشريعاتِ الإسلاميَّة تستندُ إلى أصولٍ ثابتةٍ من الكتاب
والسنة، وكذلكَ الإجماعُ والقياسُ والاستحسانُ والمصالحُ المرسلَةُ وسدُّ الذرائع وكذلك، فإن
أحكام الشريعة تلازمُ الإنسانَ على مدارِ عُمُره الطّويلِ مُنْذ كانَ جنيناً لم يولَّذ بعدُ، إلى أن
يموتَ، فرتَّب له الحقوقَ، ورتّب له الواجباتِ في جميع أطوارِ حَيَاتِهِ.
وقد اكتسب الفقْهُ الإسلاميُّ قدَاسَتَه من الوخي، وكانت جميعُ تعاليمِهِ مصْدَرَ خَيْرٍ وِّ
لإصلاح شؤون الإنسانِ في الحياة والآخرة.
النَّزْعَةُ الجَمَاعِيَّةِ لأحكامِ الشَّرِيعةِ:
إِنَّ الناظر لأحكام الشريعةِ والأحكام المستنبطة من النُّصُوص والأدلَّه، يدركُ أن لها طابعاً
جماعيًّا تهتَمُّ بالمجتمعات وبإصلاح شأنِ الجماعةِ، وهذه النزعَةُ ملحوظةٌ ومرعيَّةٌ، وهي
المحوَرُ الذي تدورُ حَوْلَهُ الأحكام :
فكلمةُ التوحيد تجمعُ الأفرادَ تَحْتَ لوائها، وتحوطُهُمْ بسياجِها القويِّ في شرف الانضواءِ
تختَ عبوديَّة الله وخدَهُ، وبذلك يتقرَّر مبدأ المساواةِ بين الناس جميعاً.
وكذلك بقيةُ العباداتِ البدنيَّة والماليَّة إنَّما تؤثّر على الفرد. بما يُسْعِدُ المجتمعَ؛ لأنَّ هذه
العباداتِ تعالِجُ الأنانيَّةَ والنقائصَ الحيوانية على مستوى الفَرْدِ والجماعةِ.
وأيْضاً من المعاملاتِ، فإنها بنيتْ على الصدق، والوَفَاء، والنصح، وحذرت من الغِشُ،
والخداع، وإذا قامتْ معاملاتُ الأفراد على هذا الأساسِ، فإنه لا شكَّ تؤثّر على الجماعة،
فتعيش متعاونةً على الخير والسَّلام والمحبّة.
٠
والحكمة العامَّة في تشريع العقوباتِ هي القضاءُ على الجرائم، وهذا ما يؤدِّي إلى إخلاءِ
المجتمعِ من المفاسِدِ والأدرانِ ويدعو إلى الأمْنِ والطمأنينة.
والنهيُ عن جميع الرذائل المستقبَحَّةِ الفرديَّة؛ كالزِّنَا، والسرقةِ، والخمر، والقتل، والربا
إنما يتصلُ بأمر الجماعةِ؛ لأن تربية الأفرادِ إذا كانت نظيفةً خاصة، انعكس ذلك بالإيجاب على
المجتمع المُسْلِم.
وأجاز الشَّرْع للحاكم - أن يتصرّف في حقوق الأفْرَاد، إذا كان في ذلك صالحُ الجماعةِ،
فَلَهُ الاستيلاءُ على أرضٍ أَوَ مَنْزِلٍ لتوسيع شارعٍ أو بناء مسجدٍ، أو مدرسةٍ، أو مستشفّى، وغير
ذلك من مصالح المجتمع الضروريَّة. وَلقد دّعا الإسلامُ إلى خير المجتمع الإنسانيِّ بأسْرِهِ؛
بأعتبار أن الناس جميعاً عبادُ الله وأبناءُ آدَمَ، ولوٍ تأدَّب الناسُ بآدابِ الإسلامِ، لَخَلَتْ حياتُهُمْ من
الشَّرِّ، وانقطعَت المفاسدُ، ولعمَّتِ الرفاهية والطُّمَأْنِينة؛ يقول تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ ذَكَرٍ وَأُتْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].

٢٠
مقدمة بدائع الصنائع
مَظَاهِرُ النَّزْعَةِ الجَمَاعِيَّةِ فِي الأخْكَامِ الفِقْهِيَّةِ:
١ - الأرض المواتُ التي تعتبر مِلْكاً للدولة إذا أخذها فرد؛ لِيَزْرَعَها ويُصْلِحَها، فإنَّه إذا
أهْمَلَها، فإنَّ ملكيته تزولُ، وتكون مِلْكاً لمن يصلحها، ومثلُ ذلكَ الكنوزُ والمعادنُ الكامنةُ في
باطن الأرض.
٢ - قرر الله - تعالى - في الغنائم - حُكْمَ الخُمُسِ لله، يصْرِفُه الرسول في خدمة مصالح
الجماعةِ؛ كذلك كان للغانمين الباقِي، حيثُ جعلت الأرضُ وقفاً على المسلمين جميعاً،
ويوجّهُ خَيْرُها إلى خدمة مصالح الجماعَة؛ كإقامة الجُسُورِ، وشَقِّ التّرَع والثّغُورِ، وإعدادٍ
الجيوش.
٣ - راعتِ الأحكامُ الفقهيَّة أمْر الجماعةِ في مقابل الفَرْد، فمثلاً إذا صاد إنسانٌ صيداً
مباحاً، وهرب مِنْ يده، عاد مباحاً حتى يتملَّكهُ أخَرُ، وزالتْ عنه ملكيَّةُ الصائد الأول.
تَدَرُّجُ الأخكَامِ الشَّرْعِيَّةِ:
لقد كانت رسالةُ محمد وَّ بعد فترة طويلةٍ من رسالة عِيسَى - عليه السلام - في هذه
الفتْرَةِ، نَسِيَ الناسُ معظَمَ الشَّعائر التي تضمَّنَتْها الشرائع السابقةُ، وعُصِي الله بالتحريف والتبديل
في شرائعه. وكان العَرَبُ في زمن الفترةِ تحكُمُهُم الغرائزُ والعاداتُ المنافية للشّرائع؛ حتى
أصبحت طبائع وسجايًا كامنةً في نفوسهم، وأصبحَ من الصعب انتزاعها دفعةً واحدةً، لما فيه
من المشقّة العظيمة التي تنفّرهم عن الاتباع.
لذلك كان التمهيدُ والتدرُّج في تحريم هذه العاداتِ - عَوْناً لهم على سهولة الامتثالِ،
وتحقيقاً لمبدٍ عدمِ الحرجِ، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
فالخمر - مثلاً - كانَتْ أمراً طبيعيًّا لَدَى الجاهليِّين، ولما جاء الإسلامُ، تركها على حالها
قبل الهجرة، وزماناً بعدها؛ حتّى نَزَل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فبيّن
ما فيها من المنافع والأضرار، وأنَّ أضرارها أكْبَرُ من نَفْعِها، ولم يَنُصَّ - صراحةً - هنا على
المنع إلى أنْ نَزَل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
فحينئذِ استقر حُكْمُ التحريم.
ومثل ذلك الربا؛ فقد كان أمره شائعاً في الجاهليَّة، وجاءت أحكامُ الإسلامِ في تحريم
الرِّبَا على نهج تدريجيٍّ، فبدأ بالآية الكريمة: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَربوا في أَمْوَالِ النََّسِ فَلاَ يربوَ
عِنْدَ الله وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]؛ حيث ساق
موعظةً سلبيةً تفيد أنَّ الرِّبا لا ثوابَ له عند الله .