Indexed OCR Text

Pages 61-80

وكالة ١٠٤
فلو امر شخص آخر بأن یشتري له شاتین بمبلغ
معين من المال، فاشترى الوكيل واحدة فقط
بنصف المبلغ صح الشراء، ولزمت الموكل
الشاة المشتراة، ولا يتوقف النفاذ على
شراء الأخرى، لأن الإذن وإن تناولهما معاً
لكن العرف لا يمنع التبعيض وهو لا يضر
بالموكل، وربما لم يستطع الوكيل إلا شراء
واحدة فقط، فتلزم الموكل، وهكذا في كل سلعة
لا يضر تفريقها بالموكل.
وقيد الحنابلة والشافعية في أحد الوجهين
جواز الشراء مفرقاً في هذِه الحالة بما إذا لم يقل
الموكل: اشتر لي ذلك صفقة، لأن تنصيصه على
ذلك يدل على غرضه فیه فلم یتناول إذنه سواه(١).
١٠٤- الحالة الثانية: أن يمنع العرف
تبعيضه، أو يترتب على تبعيضه ضرر
بالموكل، كأن يوكل شخص آخر في شراء
ثوب من الصوف، فيشتري الوكيل بعضه فقط.
وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء:
فذهب الحنفية- وهو مقتضى عبارات فقهاء
المالكية - إلى أن الشراء يقع موقوفاً على إجازة
(١) حاشية الشلبي على الكنز ٢٧٢/٤، والبدائع ٣٥/٦،
والمادة ١٤٨٠ من المجلة، والمهذب ٣٦٠/١،
والمغني ٣٥٢/٥-٣٥٣، ومعونة أولي النهى
٦٤٨/٤ - ٦٤٩، ومطالب أولي النهى ٤٦٩/٣-٤٧٠.
الموكل، لأن الإذن تناول جميعه، وفي التبعيض
إضرار به وهو لم يأذن فيه، فإذا لم يرض به
الموكل لزم الوكيل ما اشتراه لمخالفته إذن
مو كله.
غير أن جمهور الحنفية قالوا : إذا قام الوكيل
بشراء الباقي من الصفقة وقع الشراء صحيحاً،
ولزم الموكل بشرط أن يكون ذلك قبل أن
يخاصمه الموكل أمام القضاء، لأن شراء
البعض قد يقع وسيلة للامتثال، كأن يكون
المبيع موروثاً فيشتريه الوكيل شقصاً شقصاً
يأخذ من كل وارث حصته، فإن اشترى
الباقي قبل مخاصمة الموكل تبين أن شراءه
للبعض كان وسيلة للامتثال فينفذ على الموكل.
وقال زفر: لا ينفذ الشراء على الموكل بل يقع
للوکیل(١).
أما لو خاصم الموكل وكيله إلى القاضي قبل
أن يشتري الوكيل الباقي، وألزم القاضي
الوكيل، ثم قام الوكيل بشراء الباقي بعد
ذلك، فإن المشترى لا يلزم الموكل، وإنما
يلزم الوكيل باتفاق الحنفية، لمخالفته لأمر
(١) اللباب ١٤٨/٢، والبدائع ٣٤/٦، وتكملة فتح القدير
٨٦/٨، والمادة ١٤٨٠ من المجلة، ومواهب الجليل
١٩٦/٥-١٩٧، وجواهر الإكليل ١٢٧/٢.
-٦١-

وكالة ١٠٥ - ١٠٦
موكله في هذِهِ الحالة(١).
وذهب الحنابلة إلى بطلان الشراء مع
التفريق، لأن الوكيل خالف إذن موكله
بشراء الجميع، وفي تبعيض المبيع إضرار
بالموكل وتفريق لملكه، فلا يلزمه هذا
الشراء (٢).
د- مخالفة الوكيل بالشراء بأن اشترى
معيباً:
١٠٥ - إذا وكل إنسان شخصاً في أن يشتري له
سلعة موصوفة لا يجوز له أن يشتريها إلا سليمة
خالية من العيوب، لأن إطلاق البيع يقتضي
السلامة من العيوب، ولهذا لو اشترى عيناً فوجد
بها عيباً ثبت له الرد (٣).
١٠٦- فإذا خالف واشتراها معيبة، فقد
اختلف الفقهاء في حكم هذا الشراء:
فيرى الحنفية أنه إذا وكل في شراء سلعة
(١) اللباب ١٤٨/٢، وابن عابدين ٣٣٩/٧، وتكملة فتح
القدير ٨٦/٨.
(٢) المغني ٢٥٢/٥، ومعونة أولي النهى ٤/ ٦٤٨ -٦٤٩،
ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٧٠، والمهذب ٣٦٠/١.
(٣) البحر الرائق ٧/ ١٥٥، والفتاوى الهندية ٥٧٥/٣،
وتكملة فتح القدير ٣٤/٨، ومغني المحتاج ٢٢٥/٢،
ونهاية المحتاج ٣٧/٥-٣٨، والمغني ٢٦٠/٥،
ومطالب أولي النهى ٤٧٣/٣، وكشاف القناع
٤٧٨/٣.
موصوفة، فاشترى سلعة لا تتحقق فيها هذِه
الصفة، لم تلزم الآمر (الموكل).
فلو قال له : اشتر لي جارية تخدمني أو للخدمة
أو للخبز، أو عبداً للخدمة أو لعمل من الأعمال
فاشترى جارية عمياء، أو مقطوعة اليدين، أو
الرجلين لا يلزم الموكل إجماعاً.
ولو وکله أن يشتري له دابةً یرکبها فاشترى
مهراً، أو دابة عمياء، أو مقطوعة اليدين لم يلزم
الآمر.
ولو وکله أن يشتري له ثوباً يقطعه قميصاً،
فاشترى ثوباً لا يكفيه قميصاً، لا يلزم الآمر.
أما لو وكل رجلاً وقال له: اشتر لي جارية
أعتقها عن ظهاري، فاشترى عمياء، أو مقطوعة
الیدین أو الرجلین، ولم یعلم الو کیل بذلك، لزم
الآمر، وكان له أن يردّ. ولو علم الوكيل بذلك لا
يلزم الشراء الآمر (١).
وقالوا : إذا اشترى الوكيل وقبض المشترى
ثم اطلع على عيب فيه فله أن يرده بالعيب ما دام
المبيع في يده، لأن الرد بالعيب من حقوق
العقد، وهي ترجع إلى الوكيل في مثل هذا
العقد.
(١) الفتاوى الهندية ٥٧٥/٣، والفتاوى الخانية بهامش
الفتاوى الهندية ٣٥/٣.
-٦٢-

وكالة ١٠٧-١٠٨
فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه، لأنه
انتهى حكم الوكالة بتسليمه إلى الموكل فخرج
من الوكالة.
ولو رضي الوكيل بالعيب فإنه يلزمه، ثم
الموكل إن شاء قبله وإن شاء ألزم الوكيل(١).
١٠٧ - وقال المالكية: إذا اشترى الوكيل
معيباً مع علمه بالعيب لزمه إذا كان اشتراه على
البت أو على الخيار للبائع وأمضى البائع البيع.
أما إذا اشتراه الوكيل على خيار له ولم ينقض
زمنه فإنه لا يلزمه، وله رده على بائعه، ومحل
هذا إذا لم يرض به الموكل.
إما إذا كان العيب قليلاً يغتفر مثله عادة،
والشراء فرصة أي غبطة فيلزم الموكل كدابة
مقطوعة ذنب لغير ذي هيئة وهي رخيصة، أما
شراء دابة مقطوعة ذنب لذي هيئة فلا تلزم ولو
رخيصة(٢).
١٠٨- وقال الشافعية: شراء الوكيل المعيب
لا يخلو :
إما أن يشتري المعيب في الذمة، وإما أن
يشتريه بعين المال، فإذا اشتراه في الذمة لا
يخلو : إما أن يساوي المعيب مع العيب ما اشتراه
(١) البحر الرائق ١٥٥/٧، وتكملة فتح القدير ٣٤/٨.
(٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣٨٤/٣.
به، وإما أن لا يساوي.
فإذا اشترى في الذمة والمعيب يساوي مع
العيب ما اشتراه به وقع الشراء عن الموكل إن
جهل المشتري المعيب، إذ لا ضرر على المالك
لتخييره، ولا تقصير من جهة الوكيل لجهله، ولا
خلل من جهة اللفظ لإطلاقه.
وإن علم الوكيل العيب فلا يقع الشراء عن
الموکل في الأصح، لأنه غیر مأذون فيه، سواء
ساوی ما اشتراه به أم زاد.
وفي مقابل الأصح يقع الشراء للموكل، لأن
الصيغة مطلقة ولا نقص في المالية.
وإن لم يساو المعيب ما اشتراه به لم يقع عن
الموكل إن علم الوكيل العيب لتقصيره، وقد
پهرب البائع فلا یتمکن من الرد فیتضرر.
أما إن جهل الوكيل العيب في هذه الحالة وقع
للموكل في الأصح كما لو اشتراه بنفسه جاهلاً.
ومقابل الأصح: لا يقع للموكل، لأن الغبن
يمنع الوقوع عن الموكل مع السلامة فعند العيب
أولى.
أما إذا اشترى الوكيل المعيب بعين مال
الموكل، ولم يكن يعلم العيب، فإن الشراء
يقع للموكل.
وإذا علم الوكيل العيب واشترى بعين مال
الموكل لا يصح الشراء.
-٦٣-

وكالة ١٠٩
وهذا كله إذا لم ينص الموكل على سلامة
المشترى من العيب، فإن نص على السلامة
فالوجه كما قال الإسنوي: إنه لا يقع للموكل،
لأنه غير مأذون فيه(١).
وإذا وقع الشراء للموكل في صورتي الجهل
فلكل من الوكيل والموكل الرد بالعيب، أما
الموكل فلأنه المالك والضرر لا حق به، وأما
الو کیل فلأنه نائبه.
أما إذا قلنا : إنه يقع للموكل في صورة العلم
فيرده الموكل وحده.
ولو رضي الموكل بالعيب أو قصر في الردفيما
إذا اشتری الو کیل في الذمة لم یرد الو کیل، إذ لا
حظ له في الفسخ.
ولو قصر الو کیل في الرد أو رضي بالعيب رده
الموكل لبقاء حقه إذا سماء الوكيل في الشراء أو
نواه وصدقه البائع، وإلا وقع الشراء للوكيل،
لأنه اشترى في الذمة ما لم يأذن فيه الموكل
فانصرف إليه.
ولو قال البائع للوكيل : أخر الرد حتى يحضر
الموكل لم تلزمه إجابته، وإن أخر فلا رد له
لتقصيره(٢).
(١) مغني المحتاج ٢٢٥/١-٢٢٦، ونهاية المحتاج
٣٧/٥-٣٨.
(٢) مغني المحتاج ٢٢٦/٢، ونهاية المحتاج ٣٧/٥-٣٨.
١٠٩- وذهب الحنابلة إلى أن الوكيل إذا
اشترى سلعة معيبة: إما أن يعلم الوکیل عيبها ،
وإما أن لا يكون عالماً به.
فإن كان يعلم به، لم يلزم الموكل ما اشتراه،
لأنه اشتری غیر المأذون له في شرائه.
هذا إذا اشتراه الوكيل في الذمة، وقالوا: إن
اشترى الوكيل بعين المال فکشراء فضولي في
المذهب(١).
وقال الأزجي: إن اشتراه مع علمه بالعيب
فهل يقع عن الموكل؟ لأن العيب إنما يخاف منه
نقص المالية، فإذا كان مساوياً للثمن فالظاهر أنه
يرضى به، أم لا يقع للموكل؟ فيه وجهان(٢).
أما إذا كان لا يعلم بالعيب فإنه يجوز الشراء،
لأنه إنما يلزمه شراء الصحيح في الظاهر، لعجزه
عن التحرز عن شراء معيب لا يعلم عيبه.
وقال الأزجي: إن جهل الوكيل عيب
المشترى وقد اشترى بعين المال فهل يقع
عن الموكل؟ فيه خلاف(٣).
فإذا علم بالعيب ملك الرد، لأنه قائم في
الشراء مقام الموكل، وللموكل رده بالعيب أيضاً
(١) المغني ٢٦٠/٥-٢٦١، والروض المربع ٢٠٧/١،
والإنصاف ٣٨٧/٥، وكشاف القناع ٤٧٨/٣.
(٢) الإنصاف ٣٨٧/٥.
(٣) الإنصاف ٣٨٧/٥.
-٦٤-

وكالة ١٠٩
لأن الملك له.
فإن حضر قبل رد الو کیل ورضي بالعيب لم
يكن للوكيل رده لأن الحق له(١).
هذا كله فيما إذا أمر الموكل وكيله بشراء
سلعة موصوفة وخالف الوكيل فاشتراها معيبة.
أما إذا أمر الموكل وكيله بشراء سلعة عينها له
وهي معيبة، فقد قال الحنابلة: إنه لا يخلو: إما
أن يعلم الوكيل بالعيب قبل الشراء، وإما أن لا
یعلم به.
فإن علم بالعيب قبل الشراء فليس له شراؤه،
لأن العيب إذا جاز به الرد بعد العقد فلأن يمنع من
الشراء أولى.
فإن اشتراها والحالة هذه لزم الوكيل الشراء،
لأنه عقد على معيب، إلا إذا رضيه الموكل فله،
لأن الوكيل نوى العقد له.
وإن لم يرضه الموكل لزم المعيب الوكيل.
أما إذا لم يعلم الوكيل بالعيب قبل الشراء،
بحيث اشترى السلعة ووجدها معيبة فله الرد
لاقتضاء الأمر السلامة(٢).
هذا إذا اشترى الوكيل في ذمته.
إما إذا اشترى بعين المال الذي وكل في
(١) المغني ٢٦١/٥.
(٢) مطالب أولي النهى ٤٧٣/٣.
الشراء به فشراء فضولي.
والمذهب عند الحنابلة أن شراء الوكيل لا
يصح للموكل(١).
وقالوا : للو کیل وللموکل ردما اشترا، الوكيل
غير عالم بعيبه، أما الموكل فلأن حقوق العقد
متعلقة به، وأما الوكيل فلقيامه مقامه.
ولا يرد وكيل ما عينه له مو کل کاشتر هذا
الثوب أو الحيوان، فاشتراه بعيب وجده الوكيل
فيه قبل إعلام الموكل، قال: في الرعايتين: هذا
أولى، وقال في تجريد العناية: هذا الأظهر،
وقال في الإنصاف: وهو الصواب؛ لقطعه نظر
و کیله بتعیینه، فربما رضيه على جميع أحواله،
قال البهوتي: وإن و کله في شراء معین فاشتراه،
ووجده معيباً؛ فله الرد قبل إعلامه موكله.
ويرد الوكيل مبيعاً وجده معيباً ما لم يعينه له
الموكل.
فإن ادعى بائع معيب رضا موكله بالعيب
والموكل غائب؛ حلف الو کیل أنه لا يعلم رضا
موکله، ورد المبيع للعیب، ثم إن حضر الموكل
فصدق بائعاً على رضاه بعيبه، أو قامت به بينة لم
يصح الرد، لانعزال الوكيل من الرد برضا
الموكل بالعيب، والمعيب باق للموكل؛
(١) مطالب أولي النهى ٤٧٣/٣.
-٦٥-

وكالة ١١٠
فله استرجاعه ولو كانت دعوى الرضا من قبله.
وإن لم يدع بائع رضا موکل، وقال له: توقف
حتى يحضر الموكل فربما رضي بالعيب؛ لم يلزم
الوكيل ذلك؛ لاحتمال هرب البائع أو فوات
الثمن بتلفه، وإن طاوعه لم يسقط رد موكل.
ويتجه: لا يتصرف في المعيب الذي ادعى
بائع رضا الموكل بعيبه قبل مراجعة الموكل؛
لاعتراف البائع بالمبيع أنه للموكل وحده،
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
قال الرحيباني: وهذا الاتجاه في غاية
الحسن ويبقى المبيع تحت يد البائع أمانة
إلى حضور الموكل، فإن صدقه والمبيع
قائم أخذه الموكل، وإن ادعى البائع تلفه
بلا تعدٍ ولا تفريط؛ فالقول قوله بيمينه؛
لأنه أمین.
وإن أسقط و کیل اشترى معيباً خياره من عيب
وجده، ولم يرض موكله بالعيب فللوكيل رده؛
لتعلق الحق به (١).
الأمر الثالث: مخالفة الوكيل في العقد
الفاسد بأن عقد عقداً صحيحاً:
١١٠ - إذا وكل شخص آخر في أن يعقد له عقداً
فاسداً، لم يملك الوكيل أن يعقده، لأن الموكل
(١) مطالب أولي النهى ٤٧٣/٣ -٤٧٥.
لا يملكه، فالوكيل من باب أولى، ولأن الله
تعالى لم يأذن في العقد الفاسد(١).
ولكن هل يملك الوكيل أن يعقد عقداً صحيحاً
غير مأذون فيه بدلاً من العقد الفاسد الذي و کل
فیه؟
ذهب الشافعية والحنابلة ومحمد وزفر وهو ما
يؤخذ من عبارات المالكية إلى أنه لا يملك ذلك،
فلو وکله في شراء خمر أو خنزير أو بيعهما، أو
بيع أيهما لم يملك ذلك، وكذلك لا يملك أن
يشتري الخل والخيل أو بيعهما بدلاً منهما ، لأن
الموكل لم يأذن في ذلك، وإنما أذن في العقد
الفاسد وهو لا يملكه(٢).
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يملك
العقد الصحيح استحساناً، فلو قال الموكل
للوكيل: بعه بيعاً فاسداً فباعه بيعاً صحيحاً
نفذ على الآمر استحساناً، لأنه من جنس
التصرف المأمور به وهو خير للآمر مما
أمره به، فلا يكون مخالفاً للموكل،
كالوكيل بالبيع بألف إذا باع بألفين(٣).
(١) المغني ٥/ ٢٥٢، والروض المربع ٢٠٨/١، وروضة
الطالبين ٣٢٣/٤، وعقد الجواهر الثمينة ٦٧٦/٢.
(٢) المبسوط ٥٦/١٩، والفتاوى البزازية ٤٧٦/٣،
وروضة الطالبين ٣٢٣/٤، وعقد الجواهر الثمينة
٦٧٦/٢، والمغني ٢٥٢/٥، والإنصاف ٣٩٢/٥.
(٣) المبسوط ٥٦/١٩، والفتاوى البزازية ٤٧٦/٣.
-٦٦-

وكالة ١١١- ١١٢
الأمر الرابع: مخالفة الوكيل اشتراط
الخيار في العقد:
١١١ - قال الحنفية: إذا أمر الموكل وكيله أن
يبيع شيئاً ويشترط الخيار للآمر ثلاثة أيام فباعه
بغير خيار، أو بخيار دون الثلاثة فدفعه فبيعه
باطل وهو له ضامن، لأنه أتى بعقد هو أضر على
الآمر، فإنه أمره بالبيع على وجه يكون الرأي في
هذِه الثلاثة إلى الموكل بين أن يفسخ العقد أو
پمضیه، وقد أتی بعقد لا يثبت فیه هذا القدر من
الرأي للآمر، فكان مخالفاً كالغاصب.
ولو قال: بعه واشترط الخيار لي شهراً فباعه
وشرط الخیار له ثلاثة أيام جاز في قول أبي حنيفة
رحمه الله استحساناً، ولم يجز في قولهما، لأن
من أصلهما أن الخيار يثبت في مدة الشهر ويصح
البيع معه، فإنما أمره بعقد يكون فيه الرأي إلى
الآمر في هذه المدة، وهو لم يأت بذلك فكان
ضامناً، وإن من أصل أبي حنيفة رحمه الله أن
اشتراط الخيار في البيع لا يجوز أكثر من ثلاثة
أيام، فإنما هذا وكيل بالبيع الفاسد عنده،
والوكيل بالبيع الفاسد إذا باع بيعاً جائزاً نفذ على
الآمر استحساناً. فهذا مثله (١).
وقال الشافعية: لو قال الموكل لوكيله في
البيع: بع بشرط الخيار فباع مطلقاً لم يصح
(١) المبسوط ٥٥/١٩-٥٦.
البيع، أما لو أمره بالبيع وأطلق لم يكن للوكيل
شرط الخيار للمشتري، وكذا ليس للوكيل
بالشراء شرط الخيار للبائع.
وإذا شرط البائع أو المشتري الخيار
لأنفسهما أو للموكل فوجهان: أصحهما
الجواز(١).
وقال الحنابلة: يجوز للوكيل شرط الخيار
لنفسه ويكون له ولموكله، وإن شرطه لنفسه فقط
لم يصح، وله شرط الخيار لموكله، لأنه زاده
خيراً.
ولا يملك الوكيل في البيع والشراء شرط
الخيار للعاقد معه، لأنه إلزام لموكله بما لم
يلتزمه، وعقد الوكالة لا يقتضيه.
ومقتضى عبارات الحنابلة أن الموكل إذا أمر
الوكيل بالبيع أو الشراء باشتراط الخيار في
العقد فإن الوكيل ليس له مخالفة أمر موكله(٢).
التوكيل في الخصومة:
إقرار الوكيل بالخصومة على موكله:
١١٢ - لو وكل شخص آخر في خصومة، فهل
يجوز للوكيل أن يقر على موكله فيها؟ اختلف
الفقهاء في ذلك:
(١) روضة الطالبين ٤/ ٣٣٢.
(٢) كشاف القناع ٤٧٨/٣، والمبدع ٤/ ٣٧٠.
-٦٧-
.

وكالة ١١٢
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من
الحنفية إلى أنه لا يقبل إقرار وكيل الخصومة على
موكله، لا بقبض الحق ولا بغيره، وذلك لأن
الإقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها فلا يملكه
الوكيل كالإبراء، ولأن الوكيل لا يملك الإنكار
على وجه يمنع الموكل من الإقرار، فلو ملك
الإقرار لامتنع على الموكل الإنكار فافترقا،
ولأن الوكيل مأمور بالخصومة وهي منازعة،
والإقرار ضدها لأنه مسالمة، والأمر بالشيء لا
يتناول ضده(١).
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى جواز إقرار
الوكيل على موكله في الخصومة عند القاضي
فقط باستثناء الحدود والقصاص، أما عند غير
القاضي فلا يصح إقراره على موكله مطلقاً
استحساناً.
ووجه عدم قبول إقراره في الحدود والقصاص
على الموكل أن في الإقرار هنا شبهة فامتنع، أما
ما عدا ذلك فيجوز الإقرار فيه، لأن التوكيل
صحيح وصحته تتناول ما يملكه، وذلك مطلق
الجواب بالإقرار والإنكار دون أحدهما عيناً،
فينصرف إليه تحرياً للصحة، وقد خصصا ذلك
(١) تكملة ابن عابدين ٣٦٥/٧، وتكملة فتح القدير
١١٤/٨، وجواهر الإكليل ٢/ ١٢٥، ومواهب الجليل
١٨٨/٥، وبداية المجتهد ٢٧٢/٢، وقوانين الأحكام
الشرعية ص٣٥٧، وروضة الطالبين ٣٢٠/٤،
والإنصاف ٣٩٣/٥، والمغني ٢١٨/٥.
بمجلس القضاء دون غيره، لأن الموكل إنما
وكله بالخصومة، وحقيقتها لا تكون إلا عند
القاضي، فلم یکن و کیلاً في غيره، لأن غيره لیس
محلاً للخصومة التي هو وكيل فيها.
والقياس عندهما قبول الإقرار عند غير
القاضي أيضاً، لأن الوكيل قائم مقام
الموكل، وإقراره لا يختص بمجلس القضاء
فكذلك نائبه(١).
وذهب أبو یوسف إلى قبول إقرار وكيل
الخصومة على موكله مطلقاً، سواء أكان
ذلك في مجلس القضاء أم في غيره، لأن
الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقاً
فيقتضي أن يملك ما كان يملكه الموكل،
وهو مالك للإقرار بنفسه في مجلس القضاء
وغيره، فكذلك الو کیل، وهذا لأنه إنما يختص
بمجلس القضاء ما لا يكون موجباً إلا بانضمام
القضاء إليه(٢).
أما لو استثنى الموكل الإقرار بأن قال
للوكيل: وكلتك بالخصومة غير جائز
الإقرار صح التوكيل والاستثناء على
(١) تكملة ابن عابدين ٣٦٥/٧، والمبسوط ٦/١٩،
والمادة ١٥١٧ من المجلة، والفتاوى الهندية
٦١٧/٣، والفتاوى البزازية ٤٦٧/٣، وتكملة فتح
القدير ١١٤/٨.
(٢) تكملة ابن عابدين ٣٦٥/٧، والمبسوط ٦/١٩،
والفتاوى الهندية ٦١٧/٣.
-٦٨-

وكالة ١١٣ -١١٤
الظاهر، فلو أقر عند القاضي أو غيره لا يصح
الإقرار ويخرج به عن الوكالة فلا تسمع
خصومته(١). (ر: ف ٦٣).
تصرف الوكيل بالخصومة في الحق:
١١٣- اتفق الفقهاء على أن الوكيل
بالخصومة لا يملك المصالحة عن الحق،
ولا الإبراء منه، لأن الإذن في الخصومة لا
يقتضي شيئاً من ذلك(٢).
وصرح الحنفية بأنه ليس للوكيل بالخصومة أن
یبیع ولا أن یھب، لأن هذه التصرفات ليست من
الخصومة، بل هي ضد الخصومة قاطعة لها،
والأمر بالشيء لا يتضمن ضده.
كما أنه ليس للوكيل أن يؤجل الحق(٣).
حق الوكيل بالقبض في الخصومة:
١١٤ - إذا وكل شخص آخر في قبض حق له
قبل فلان فجحد من عليه هذا الحق، فهل يملك
الوكيل إثبات هذا الحق المأذون في قبضه؟
(١) تكملة ابن عابدين ٣٦٦/٧، والمادة (١٥١٨) من مجلة
الأحكام العدلية.
(٢) المبسوط ١٢/١٩، وقرة عيون الأخيار ٢٨٢/١،
وتكملة فتح القدير ١١٤/٨، والمهذب ٣٥٨/١،
والمغني ٢١٨/٥، ومطالب أولي النهى ٤٨٤/٣،
وعقد الجواهر الثمينة ٦٨٦/٢.
(٣) المبسوط ١٠/١٩-١٢، وتكملة حاشية ابن عابدين
٣٦١/٧.
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب الحنابلة في المذهب والشافعية في
وجه إلى أن الو کیل في قبض الحق یکون و کیلاً في
الخصومة إذا جحده من عليه الحق، لأنه لا
يتوصل إلى القبض إلا بإثبات الحق فكان إذناً فيه
عرفاً.
ولا فرق بين كون الحق المأذون في قبضه عيناً
أو ديناً، كما لا فرق بين ما إذا كان رب الحق
عالماً ببذل الغريم ما عليه، أو جحده أو
مطله (١).
وقيد بعض الحنابلة- كما جاء في الفنون-
صحة خصومة الوكيل بالقبض بما إذا لم يكن
الوكيل يعلم ظلم موكله في الخصومة، وظاهر
هذا القول- كما قال ابن مفلح- صحة الخصومة
إذا لم يعلم ظلم الموكل، فلو ظن ظلمه جاز
ویتوجه المنع، ومع الشك يتوجه احتمالان: قال
ابن مفلح: لعل الجواز أولى(٢).
وذهب أبو يوسف ومحمد والمالكية
والحنابلة في وجه والشافعية في وجه كذلك
إلى أن الوكيل بالقبض لا يملك الخصومة في
(١) المغني مع الشرح الكبير ٢١٩/٥، والإنصاف
٣٩٤/٥، ومعونة أولي النهى ٦٦٣/٤، والمهذب
٣٥٨/١.
(٢) الإنصاف ٣٩٤/٥.
-٦٩-

وكالة ١١٥
الحق، سواء كان ديناً أو عيناً، لأن الإذن في
القبض ليس إذناً في الخصومة من جهة النطق ولا
من جهة العرف، لأنه ليس في العرف أن من
پرضاء للقبض یرضاء للخصومة، ولأنه لیس کل
من يؤتمن على المال يهتدي في الخصومات،
فلم يكن الرضا بالقبض رضا بالخصومة (١).
ويرى أبو حنيفة أن الوكيل بقبض العين، لا
يكون خصماً فيما يدعي على الموكل من شراء أو
غير ذلك، لكنه خصم في قصر يده عنه، فتقبل
البينة عليه في هذا الحكم، ولو و کله بقبض دين
له، فأقام الغريم البينة أنه قد أوفاء الطالب، قُبِلَ
ذلك منه في قول أبي حنيفة، لأن الو کیل بقبض
الدين عنده يملك خصومته، فيكون خصماً عن
الوكيل فيه(٢).
وقال: إن التوكيل بقبض الدين توكيل
بالمبادلة، والحقوق في مبادلة المال بالمال
تتعلق بالعاقد كما في البيع والإجارة، ودلالة
ذلك أن استيفاء عين الدين لا يتصور، لأن الدين
إما أن يكون عبارة عن الفعل وهو فعل تسليم
(١) المبسوط ١٧/١٩، وتكملة فتح القدير ١١٢/٨،
والإنصاف ٣٩٤/٥، والمغني ٢١٩/٥، والمهذب
٣٥٨/١، ومواهب الجليل ١٩٤/٥، وأسنى المطالب
٢٥٩/٢.
(٢) المبسوط ١٧/١٩، وتكملة فتح القدير ١١٢/٨،
وبدائع الصنائع ٢٥/٦ ط. الجمالية.
المال، وإما أن يكون عبارة عن مال حكمي في
الذمة، وكل ذلك لا يتصور استيفاؤه، ولكن
استيفاء الدين عبارة عن نوع مبادلة، وهو مبادلة
المأخوذ العين بما في ذمة الغريم، وتمليكه بهذا
القدر المأخوذ من المال، فأشبه البيع،
والخصومة في حقوق مبادلة المال بالمال
فيملكه الوكيل، بخلاف الوكيل بقبض
الثمن، لأن ذلك توكيل باستيفاء عين الحق
لا بالمبادلة، لأن عينه مقدور الاستيفاء فلا يملك
الخصومة فيها إلا بأمر جديد فهو الفرق بين
الفصلين، فإذا لم يملك الخصومة لا تسمع بينة
المدعى عليه على الشراء من الموكل بالقبض،
لأنها بينة قامت لا على خصم ولكنها تسمع في
دفع قبض الوكيل(١).
حق الوكيل بالخصومة في قبض المال
الموكل به:
١١٥- اختلف الفقهاء في حق الوكيل
بالخصومة في قبض ما وكل بالمخاصمة فيه
عند الإطلاق، سواء أكان الحق عيناً أم ديناً.
فذهب الشافعية والحنابلة في المذهب وزفر
من الحنفية - والفتوى عليه- وهو ما روي عن أبي
یوسف إلی أن الو کیل في الخصومة لا يملك قبض
الحق، لأن الموكل قد يرضى للخصومة من لا
(١) بدائع الصنائع ٢٥/٦.
-٧٠-

....
وكالة ١١٦-١١٧
......
يرضاه للقبض(١).
وذهب الحنفية- عدا زفر وما روي عن أبي
يوسف- والحنابلة في قول قطع به ابن البنا في
تعليقه إلى أن الوكيل يملك القبض، لأن الوكيل
بالشيء وكيل بإتمامه، وإتمام الخصومة
والتقاضي يكون بالقبض، ولأن ما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب(٢).
أما لو استثنى الموكل القبض فإن الوكيل لا
يملكه، لأنه منهي عنه فلا يملك المخالفة. أما إذا
وكله بالخصومة والقبض معاً فيكون له الخلاف
بالاتفاق.
وزاد الحنابلة: يكون له القبض إذا دلت عليه
قرينة(٣).
توكيل الوكيل بالخصومة غيره فيها:
١١٦- اتفق الفقهاء على أن الموكل إن أذن
للو کیل بالخصومة في تو کیل غيره فإنه يجوز له أن
یوکل غيره فیها.
کما اتفقوا على أن المو کل إذا نھی الوكيل عن
(١) تكملة ابن عابدين ١/ ٢٨٠، والبحر الرائق ١٧٨/٧،
وتكملة فتح القدير ١٠٦/٨، والإنصاف ٣٩٣/٥،
وكشاف القناع ٤٨٣/٣، وأسنى المطالب ٢٥٩/٢.
(٢) تكملة ابن عابدين ٢٨٠/١، والبحر الرائق ١٧٨/٧،
والفتاوى الهندية ٦٢٠/٣، وتكملة فتح القدير
١٠٦/٨، والإنصاف ٣٩٣/٥.
(٣) الإنصاف ٣٩٣/٥-٣٩٤.
توكيل غيره فإنه لا يجوز له مع النهي أن يوكل
غيره(١).
١١٧- واختلفوا في حكم توكيل الوكيل
بالخصومة غيره عند إطلاق التوكيل :
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والحنابلة في المذهب) إلى أنه ليس للوكيل
بالخصومة أن يوكل غيره فيها، لأن الناس
يتفاوتون في الخصومة، فقد قال النبي مثل *
(لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من
بعض)(٢).
وقيد المالكية والحنابلة هذا الحكم بما إذا
كانت الخصومة مما يليق أن يتولاها الوكيل
بنفسه؛ فأما إذا و کله في أمر لا يليق به أن يباشره،
أو لا يحسنه، فإنه له أن يوكل غيره فيه.
وأضاف المالكية قيداً آخر، وهو أن لا تكثر
الخصومة الموكل بها على الوكيل، فإذا كثرت
فيوكل من يشاركه في الكثير الذي وكل فيه ليعينه
عليه وليس له أن يوكل غيره استقلالاً.
(١) المبسوط السرخسي ١٠/٩-١١، والحاوي
للماوردي ٢١٠/٨-٢١١، والمغني مع الشرح
٢١٥/٥، وحاشية الدسوقي ٣٨٨/٣.
(٢) حديث: ((لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من
بعض ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٥٧/١٣) ومسلم
(١٣٣٧/٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
- ٧١-

وكالة ١١٧
وقال الشافعية: إذا كثرت التصرفات الموكل
فيها، ولم يمكن الإتيان بجميعها لكثرتها
فالمذهب أنه يوكل فيما يزيد على
الممكن، ولا يوكل في الممكن، وفي وجه
يوكل في الجميع.
وعن الإمام أحمد يجوز للوكيل بالخصومة
توكيل غيره فيها (١).
قال ابن قدامة: لا يخلو التوكيل من ثلاثة
أحوال :
أحدها : أن ینھی المو کل و کیله عن التو کیل،
فلا يجوز له ذلك بغیر خلاف، لأن ما نهاه عنه غیر
داخل في إذنه فلم يجز كما لو لم يوكله.
الثاني: أذن له في التو کیل فیجوز له ذلك،
لأنه عقد أذن له فيه فكان له فعله كالتصرف
المأذون فیه، ولا نعلم في هذين خلافاً، وإن قال
له: وکلتك فاصنع ما شئت، فله أن یوکل، لأن
لفظ الموكل عام شاء فيدخل في عمومه التوكيل.
الثالث: أطلق الوكالة فلا يخلو من أقسام
ثلاثة :
القسم الأول: أن يكون العمل مما يرتفع
الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف
(١) المبسوط ١٠/٩-١١، والإنصاف ٣٦٢/٥، وكشاف
القناع ٤٦٦/٣، وحاشية الدسوقي ٣٨٨/٣، وروضة
الطالبين ٣١٨/٤.
الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، أو يعجز
عن عمله لكونه لا يحسنه، أو غير ذلك، فإنه
يجوز له التوكيل فيه، لأنه إذا كان مما لا يعمله
الوكيل عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة
من الاستنابة فيه.
القسم الثاني : أن يكون مما يعمله بنفسه، إلا
أنه یعجز عن عمله كله لكثرته وانتشاره، فيجوز
له التوكيل في عمله أيضاً، لأن الوكالة اقتضت
جواز التوكيل، فجاز التوكيل في فعل جميعه كما
لو أذن في التوكيل بلفظه.
وقال القاضي أبو يعلى: عندي أنه إنما له
التوکیل فیما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه،
لأن التوكيل إنما جاز للحاجة فاختص ما دعت
إليه الحاجة، بخلاف وجود إذنه فإنه مطلق.
القسم الثالث: ما عدا هذين القسمين وهو بما
یمکنه عمله بنفسه ولا یترفع عنه، فهل يجوز له
التوكيل فيه؟ على روايتين:
إحداهما: لا يجوز، نقلها ابن منصور، لأنه
لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز
کما لو نهاه، ولأنه استئمان فیما یمکنه النهوض
فيه، فلم يكن له أن يوليه لمن لم يأمنه عليه
کالوديعة.
والأخرى: يجوز، نقلها حنبل(١).
(١) المغني ٢١٥/٥-٢١٦.
-٧٢-

كالة ١١٨ -١٢١
١١٨ - نص الحنفية على أنه إذا وكل شخصان
شخصاً واحداً بالخصومة، وكان أحدهما
يخاصم صاحبه، كان ذلك التوكيل غير
صحيح، ولا يجوز للوكيل أن يتولى
الخصومة عن الضدين، لأن ذلك يؤدي إلى
فساد الأحكام، فإنه يكون مدعياً من جانب،
وجاحداً من الجانب الآخر، والتضاد منهي عنه
في البيع والشراء، ففي الخصومة أولى.
أما إذا كانت الخصومة لرجلين أو أكثر مع
شخص آخر، فوكلوا جميعاً وكيلاً واحداً، فإن
ذلك یکون جائزاً، لأن الو کیل معبر عن الموكل،
والواحد يصلح أن يكون معبراً عن اثنین فما زاد،
كما يصلح أن يكون معبراً عن شخص واحد(١).
التوكيل بقضاء الدين:
١١٩- اتفق الفقهاء على أن من وكل غيره في
قضاء دين على الموكل، وقال: اقضه ولا تشهد
علیه، فإنه لا ضمان على الو کیل إذا أنكره رب،
الدين، سواء حضر الموكل أو غاب، لأنه لم
يفرط(٢).
كما اتفقوا على أن من وكل غيره في قضاء دين
على الموكل، وأمر الوكيل بالإشهاد، فقضاه
(١) المبسوط ١٥/١٣، والفتاوى الهندية ٦٢٧/٣.
(٢) معونة أولي النهى ٤/ ٦٦٢، وحاشية الدسوقي
٣٩١/٣، والفتاوى الهندية ٦٢٧/٣.
ولم يشهد وأنكر الغريم فإنه يضمن(١).
١٢٠- واختلفوا في ضمان الوكيل إذا أمره
الموكل بقضاء دين عليه ولم يأمره بالإشهاد،
فقضاه ولم يشهد، وأنكر رب الدين القضاء:
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة في المذهب إلى أن الوكيل
يضمن في هذه الحالة، ولا يقبل قوله على
رب الدين إلا ببينة، لأنه ليس بأمينه، فلم يقبل
قوله عليه في الدفع إليه كما لو ادعى الموكل
ذلك، وضمن الو کیل لمو كله ما أنکر رب الدین
قضاءه، لأنه مفرط بترك الإشهاد (٢).
١٢١- وهناك أحوال لا يضمن فيها الوكيل
بترك الإشهاد على قضاء الدين، منها:
أ- أن يقضي الوكيل الدين بحضرة الموكل
ولم يشهد لم یضمن، لأن تر که الإشهاد رضا من
الموكل بما فعل وكيله، وإلى هذا ذهب المالكية
والحنابلة في المذهب والشافعية في أصح
الوجھین.
ويرى الشافعية في الوجه الآخر والحنابلة في
(١) المهذب ٣٦٣/١، والإنصاف ٣٩٥/٥، والفتاوى
الهندية ٦٢٧/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٢/ ٦٩٢،
وحاشية الدسوقي ٣٩١/٣.
(٢) المهذب ٣٦٣/١، ومغني المحتاج ٢٣٦/٢،
والإنصاف ٣٩٥/٥، والمغني مع الشرح ٢٣٢/٥،
ومعونة أولي النهى ٤/ ٦٦٢.
-٧٣-

وكالة ١٢٢
قول أن الوكيل يضمن في هذه الحالة اعتماداً
على أن الساكت لا ينسب إليه قول، وعلل
الشافعية هذا الحكم بأن ترك الإشهاد يثبت
الضمان، فلا يسقط حکمه بحضور الموكل كما
لو أتلف ماله وهو حاضر (١).
ب- أن يشهد على القضاء عدولاً فماتوا أو
غابوا أو فسقوا وأنكر الموكل القضاء في هذِه
الحالة، فإن الوكيل لا يضمن عند المالكية
والشافعية حيث أطلقوا القول بعدم
الضمان، لأنه لم يفرط، وعند الحنابلة
عدم ضمان الوكيل مقيد بما إذا لم يحلف
الموكل، أما إذا حلف الموكل قضي له
بالضمان، لأن الأصل معه.
وعدم تضمين الوكيل عند الحنفية مقید بما إذا
حلف الوكيل على الإشهاد فيكون بريئاً حينئذٍ (٢).
وعن الإمام أحمد: لا يضمن الوكيل سواء
أمکنه الإشهاد أو لا.
وقيل: يضمن إن أمكنه الإشهاد ولم يشهد
وإلا فلا، وقال في الفروع: ويتوجه احتمال
(١) المغني مع الشرح ٢٣٣/٥، والإنصاف ٣٩٦/٥،
والمهذب ٣٦٣/١، ومغني المحتاج ٢٣٦/٢، والعزيز
بذيل المجموع ٨٣/١١.
(٢) شرح الزرقاني ٨٥/٦، والفتاوى الهندية ٦٢٧/٣،
والمهذب ٣٦٣/١، والعزيز بذيل المجموع ٨٣/١١،
ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٨٠، والمغعني ٢٣٣/٥.
يضمنه إن كذبه الموكل وإلا فلا(١).
وفي قول عند المالكية - حکي بقیل- لا ضمان
على الوكيل عند عدم الإشهاد إذا جرت العادة
بعدم الإشهاد (٢).
التوكيل باقتضاء الدين:
١٢٢- إذا وجب لرجل على رجل دين بأي
وجه وجب، فو کل و کیلاً بقبضه فهو جائز، فإذا
أقبضه الو کیل برئ الذي علیه الدین، وکان ما
قبضه الوكيل ملكاً للموكل، وأمانة في يد الوكيل
يضمنه بما يضمن به الوديعة.
وليس للوكيل بقبض الدين أن يهب الدين
للغريم، أو أن يؤخره، أوأن يبرئه(٣)، وزاد
الحنفية أنه ليس للو کیل أن يأخذ رهناً به، ولو
أخذ منه کفیلاً بالمال جاز، فإن كان أخذ الکفیل
على أن يبرأ الغريم لم تجز البراءة، ولو أخذ
الطالب منه كفيلاً لم يكن للوكيل أن يتقاضى
الدين من الكفيل (٤).
وزاد المالكية والحنابلة: ليس للوكيل أن
(١) الإنصاف ٣٩٦/٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٣٩١/٣.
(٣) الفتاوى الهندية ٣/ ٦٢١، وروضة القضاة ٦٥٩/٢،
وجواهر الإكليل ١٢٥/٢، ومغني المحتاج ٢٢٠/٢،
والمبدع ٢٧٩/٤-٢٨١.
(٤) الفتاوى الهندية ٦٢١/٣.
-٧٤-

وكالة ١٢٣
يصالح عن الدين إلا بإذن الموكل (١).
حکم دفع الحقوق إلی من یدمي أنه و کیل
عن صاحب الحق الغائب:
١٢٣- اتفق الفقهاء على أن من عليه حق
لآدمي فادعی إنسان أنه وکیل ربه في قبضه،
وأقام بينة على ذلك، أجبره الحاكم على الدفع
إليه، سواء كان الحق ديناً أو عيناً (٢).
واختلفوا في حكم دفع الحق إلى مدعي
الوكالة إذا لم يُقِمْ بينة على التوكيل،
وحينئذ فإن الحق إما أن يكون ديناً وإما أن
یکون عيناً.
فذهب المالكية والشافعية على المذهب
والحنابلة إلى أن الحق إن كان ديناً ولم
يقم مدعي الوكالة البينة على التوكيل فإما
أن يصدقه المدين وإما أن يكذبه.
فإن صدقة المدين على التوكيل: فذهب
المالكية والشافعية على المذهب والحنابلة
إلى أن المدين لا يلزمه الدفع إلى مدعي
(١) البيان والتحصيل ١٨٨/٨، ومطالب أولي النهى
٤٨٤/٣، ومعونة أولي النهى ٤/ ٦٦٥.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٢٣٣/٥، والمبدع ٣٨٦/٤،
والإنصاف ٢٠٤/٥، مغني المحتاج ٢٣٧/٢، وروضة
الطالبين ٣٤٥/٤، وتكملة ابن عابدين (قرة عيون
الأخيار) ٢٨٨/١، والحاوي ٢٥٥/٨، والمعونة
للقاضي عبد الوهاب ٢٠٧/٢.
الوكالة، لأن من عليه الحق لا يبرأ بهذا
الدفع لجواز أن ينكر صاحب الحق الوكالة (١).
وإن دفع من عليه الحق باختياره ما عليه من
الدين إلى من ادعى وكالة صاحب الدين، وأنکر
الدائن ذلك حلف أنه لم يوكل المدفوع إليه في
ذلك، لاحتمال صدق المدعي الوكالة.
ويرجع صاحب الحق على الدافع وحده، ولم
يبرأ منه بتسليمه إلى غير وكيله.
ويرجع الدافع على الوكيل مع بقائه، أو تعديه
في تلف، أو تفريطه حتى تلف، لاستقراره عليه
بالتعدي أو التفريط.
قال المرداوي: وظاهره أنه إذا صدق الدافع
الوكيل برئ الدافع.
أما إذا تلف بغير تعد أو تفريط، فإن الدافع لا
پرجع على الو کیل، لأن الدافع صدقه في دعوى
الوكالة، والوكيل لا يضمن إلا بالتفريط (٢).
أما إذا كان مدعي الوكالة لم يقم البينة على
التو کیل، و کذبه من علیه الدین في أنه و کیله، فلا
(١) المغني مع الشرح الكبير ٢٣٣/٥-٢٣٤، ومعونة
أولي النهى ٤/ ٦٨٠، وكشاف القناع ٤٩٠/٣-٤٩١،
ومغني المحتاج ٢٣٧/٢، وروضة الطالبين ٣٤٥/٤.
(٢) معونة أولي النهى ٤/ ٦٨٠ - ٦٨١، وكشاف القناع
٤٩٠/٣-٤٩١، والمبدع ٣٨٦/٤، ومغني المحتاج
٢٣٧/٢، وروضة الطالبين ٣٤٥/٤، والزرقاني
٤/ ٨٧.
-٧٥-

وكالة ١٢٣
يلزمه دفع الدين إلى مدعي الوكالة، ولا يلزمه
الحلف، لعدم فائدة استحلافه وهو الحكم عليه
بالنكول، ورجع صاحب الدين على الدافع
وحده، لأن الحق في ذمته ولم يبرأ منه
بدفعه لغير ربه أو وكيله، ولم يثبت وكالة
المدفوع إليه (١).
وإذا كان المدفوع عيناً، فالأمر لا يخلو: إما
أن يكون الدافع يصدق مدعي الوكالة على
التوكيل وإما أن يكذبه: فإن صدقه فإن
الأمر لا يخلو: إما أن تكون العين قائمة
وإما أن تكون تالفة.
أما إذا صدقه الدافع، وكان المدفوع عيناً،
ووجدها صاحبها قائمة أخذها ممن هي بيده،
لأنها عين حقه.
وإن تلفت فله تضمين من شاء من الدافع
والقابض، لأن الدافع ضمنها بالدفع، والقابض
قبض ما لا يستحقه (٢).
وأيهما ضمنه المالك لا يرجع بها على غير
متلف أو مفرط، لأن كل واحد منهما يدعي أن ما
يأخذه المالك ظلم، ويقر بأنه لم يوجد من
(١) كشاف القناع ٤٩١/٣، والمبدع ٣٧٦/٤، ومعونة
أولي النهى ٦٨١/٤، وروضة الطالبين ٣٤٥/٤،
والمعونة للقاضي عبد الوهاب ٢٠٧/٢.
(٢) المبدع ٣٨٦/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٢٣٤/٥.
صاحبه تعدٍ فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره(١).
وأما مع عدم تصديقه فإنه يرجع على المدفوع
إليه بما دفعه مطلقاً، أي سواء بقي المدفوع بيد
المدفوع إليه أو تلف (٢).
هذا كله فيما إذا حضر صاحب الحق وأنكر
التوكيل، أما إذا صدق التوكيل فإنه لا يبقى محل
للنزاع أصلاً.
أما الحنفية فيفرقون كذلك بين الدين والعين.
أ- أما الدين فمن ادعى أنه وكيل الغائب
بقبض دینه فصدقه الغریم أمر بدفعه إليه وهو قول
عند الشافعية، لأنه إقرار على نفسه، لأن ما
يقبضه خالص حقه إذ الديون تقضى بأمثالها
فیکون مقراً بوجوب دفع ماله إلیه، حتى لو ادعى
أنه أوفى الدين إلى صاحبه (الطالب) لا يصدق
لأنه لزمه الدفع إلى الوكيل بإقراره وتثبتت
الوكالة به، ولم يثبت الإيفاء بمجرد دعواه
فلا يؤخر حقه.
وله أن يطالب رب المال ويستحلفه، ولا
(١) معونة أولي النهى ٦٨٢/٤، وروضة الطالبين
٣٤٥/٤، ومغني المحتاج ٢٣٧/٢، والحاوي
٢٤٩/٨ -٢٥٠، والمعونة للقاضي عبد الوهاب
٢٠٧/٢.
(٢) معونة أولي النهى ٤ / ٦٨٢، وكشاف القناع ٤/ ٦٨١-
٦٨١، والمبدع ٣٨٦/٤، والمغني مع الشرح الكبير
٢٣٣٧٥-٢٣٤، وروضة الطالبين ٣٤٥/٤، والمعونة
للقاضي عبد الوهاب ٢٠٧/٢.
-٧٦-

وكالة ١٢٣
يستحلف الو کیل بالله تعالى ما يعلم أن الطالب قد
استوفى الدين، لأن النيابة لا تجري في الأيمان.
فإن حضر الغائب فصدق الو کیل برئ الغريم،
وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانياً، لأنه إذا صدقه
ظهر أنه کان وکیلاً له، وقبض الوكيل قبض
الموكل فتبرأ ذمة المدين به.
وإن كذب الغائب مدعي الوكالة لم يصر
مستوفياً بالقبض، لأنه لم تثبت وكالته، والقول
قوله في ذلك مع یمینه لأنه منکر ، ولا یکون قول
الدافع ومدعي الوكالة حجة عليه فيأخذ منه
الدين ثانياً إن لم يجر استيفاؤه.
ورجع الغريم على الوكيل بما قبضه إن كان
باقياً في يده، لأنه ملكه وانقطع حق الطالب عنه،
ولم يبق الاحتمال فيه حيث قبض دينه منه ثانياً.
وإن ضاع المقبوض في يد الوكيل لا يرجع
الغريم عليه، لأن الغريم بإقراره صار محقاً في
تسليمه الدين، وإنما ظلمه الطالب بالأخذ منه
ثانياً، والمظلوم لا يظلم غيره، إلا أن يضمن
الغریم الو کیل فحینئذ یرجع الغریم علی الو کیل،
لأن الضمان موجب للرجوع(١).
وإن لم يصدق من عليه الحق مدعي الوكالة،
ودفع الدين إليه على ادعائه، فإن الغريم يضمن
(١) تبيين الحقائق ٢٨١/٤-٢٨٢، ومغني المحتاج
٢/ ٢٣٧، والحاوي ٨/ ٢٥٠.
الو کیل في هذه الصورة أیضاً، لأنه دفعه إلیه علی
احتمال أن يكون وكيلاً ولم يرض بقبضه إلا
لقضاء دينه تحصيلاً لبراءة ذمته، فإذا لم يحصل
وانقطع الرجاء رجع به عليه، ولا فرق في ذلك
بين أن يكذبه صريحاً أو يسكت، لأن عدم
التصديق يشمل الصورتين، وزعمه فيما إذا
كذبه أنه قبض بغير حق وأن قبضه يوجب الضمان.
وكذا إذا لم يصدقه ولم يكذبه، لأن الأصل
عدم التصديق، وليس له أن يسترد المدفوع في
الوجوه كلها قبل أن يحضر الطالب، لأن المؤدى
صار حقاً للطالب.
أما إذا صدقه فظاهر، لأنهما لا يتصادقان
ظاهراً إلا على حق. وأما إذا لم يصدقه فلا حتمال
أنه و کله، وإن لم یو کله يحتمل الإجازة منه، فلا
يكون له أن يأخذه مع بقاء هذا الاحتمال، ولأن
من باشر التصرف لغرض ليس له أن ينقضه ما لم
يقع اليأس منه، ألا ترى أنه إذا دفعه إلى فضولي
على رجاء الإجازة لم يملك استرداده لاحتمال
أن یجیز.
و کذا لو أقام الغريم البينة أنه ليس بو کیل، أو
على إقراره بذلك لا تقبل بینته، ولا یکون له حق
الاسترداد، ولو أراد استحلافه على ذلك لا
يستحلف، لأن كل ذلك ينبني على دعوى
صحيحة ولم توجد لكونه ساعياً في نقض
ما أوجبه للغائب.
-٧٧-

وكالة ١٢٤
ولو أقام الغريم البينة أن الطالب جحد
الوكالة وأخذ مني المال تقبل، لأنه يثبت
لنفسه حق الرجوع على الوكيل، بناء على
إثبات سبب انقطاع حق الطالب عن
المدفوع وهو قبضه المال بنفسه منه،
فانتصب الحاضر خصماً عن الغائب في
إثبات السبب، فيثبت قبض الموكل،
فتنتقض يد الوكيل ضرورة، وجاز أن يثبت
الشيء ضمناً وإن لم يثبت مقصوداً(١).
ب- أما إذا كان الحق عيناً كالوديعة، وقال
مدعي الوكالة: إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه
المودع لم یؤمر بالدفع إلیه، لأنه أقر له بقبض
مال الغير فلا يصح، لما فيه من إبطال حقه في
العین، بخلاف ما إذا ادعى أنه و کیل بقبض الدین
فصدقه حیث یؤمر بالدفع إليه، لأنه أقر بمال
نفسه، إذ الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها.
ولو هلكت الوديعة عنده بعدما منع، قيل: لا
يضمن، وقيل: ينبغي أن يضمن، لأن المنع من
وكيل المودع في زعمه بمنزلة المنع من المودع
وهو يوجب الضمان، فكذا هذا.
ولو سلم الوديعة إليه فهلکت في يده وأنکر
المودع الوكالة يضمن المودّع، لأنه متعد
بالتسليم إليه، وله أن يحلف المودع أنه ما
(١) تبيين الحقائق ٢٨٣/٤.
وكله، فإذا نكل برئت ذمته وإذا حلف ضمن،
وليس له أن يرجع على الوكيل، لأن في زعمه أن
المودع ظالم في تضمينه إياه وهو مظلوم،
والمظلوم ليس له أن يظلم غيره، إلا إذا
ضمنه وقت الدفع له فحينئذ يرجع عليه.
ولو دفع إليه من غير تصديق له على الوكالة
رجع عليه مطلقاً.
ولو كانت العين باقية أخذها في الصور كلها،
لأنه ملكها بأداء الضمان، ولو أراد أن يستردها
منه بعدما دفعها إليه لا يملك ذلك، لأنه ساع في
نقض ما تم من جهته(١).
تعدد الوكلاء:
١٢٤ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز للموكل أن
يوكل أكثر من وكيل للقيام بتصرف معين عدا
الخصومة.
أما في غير الخصومة فإنه إذا وكلهم بكلام
واحد في وقت واحد، فقد اتفق الفقهاء على أنه
لا يجوز لأحد الوكلاء أن يتصرف بمفرده في
محل الوكالة دون اجتماع الآخرين معه، ما لم
يجز لأحدهم التصرف بمفرده، فإن أجازه فيجوز
لكل واحد منهم أن يتصرف بمفرده (٢).
(١) تبیین الحقائق ٢٨٤/٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٦٣٤/٣، وتكملة ابن عابدين
٣٤٤/٧، وبدائع الصنائع ٣٣٧٤/٧، واللباب =
-٧٨-

وكالة ١٢٥
١٢٥- وكذلك اتفقوا على أنه لو اشترط
الموكل اجتماعهم على التصرف فإنه لا يجوز
لأحدهم الانفراد بالتصرف(١).
ونص الحنفية على أنه إذا كان التصرف محل
الوكالة من التصرفات التي يحتاج فيها إلى الرأي
والمشورة فإنه لا يجوز لأحد الو کیلین الانفراد
بالتصرف، لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي
أحدهما، إذ لا ينال برأي أحدهما ما ينال
برأيهما.
وهذا هو مقتضى إطلاق عبارات المالكية
والشافعية والحنابلة (٢).
وعلى ذلك فالو کیلان بالبيع لا یملك أحدهما
التصرف بدون صاحبه، وإذا فعل لم يصح حتى
يجيز صاحبه أو الموكل، لأن البيع مما يحتاج
إلى الرأي والمشورة، والموكل إنما رضي
برأيهما لا برأي أحدهما، واجتماعهما على
ذلك ممكن فلم يمتثل أمر الموكل فلا ينفذ عليه.
١٤٤/٢، والمغني ٢١٤/٥، والمبدع ٣٦٦/٤،
=
والإنصاف ٣٧٤/٥-٣٧٥، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٢١١/٥، والخرشي ٦٩/٦، ٨٢، والمهذب
٣٥٨/١، وروضة الطالبين ٣٢١/٤.
(١) المراجع السابقة.
(٢) تكملة فتح القدير ٩٥/٨، والزرقاني ٨٧/٦،
والخرشي ٧٣/٦، وحاشية الدسوقي ٣٩٢/٣،
والمغني ٢١٤/٥، والإنصاف ٣٧٤/٥، والمبدع
٣٦٦/٤-٣٦٧.
وكذلك الوكيلان بالشراء، سواء أكان الثمن
مسمى أم لم يكن، لأن البدل وإن كان مقدراً
ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة
واختيار المشترى، وسواء كان الوكيل الآخر
غائباً أو حاضراً.
غير أنه في الشراء إذا اشترى أحدهما بدون
صاحبه ينفذ على المشتري ولا يقف على
الإجازة، وفي البيع يقف على الإجازة(١).
وكذلك الوكيلان بالنكاح، والطلاق على
مال، والخلع، وکل عقد فيه بدل هو مال، لأن
ذلك مما يحتاج فيه إلى الرأي، والموكل لم
يرض برأي أحدهما بانفراده، وكذلك كل ما
خرج مخرج التمليك بأن قال لرجلين: جعلت
أمر امرأتي بيدكما، أو قال لهما: طلقا امرأتي إن
شئتما، لا ينفرد أحدهما بالتطليق، لأنه جعل
أمر اليد تمليكاً، والتمليك على هذا الوجه
مشروط بالمشيئة كأنه قال: طلقا امرأتي إن
شئتما(٢). وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك
صـ
(١) البدائع ٧/ ٣٤٧٤، واللباب ١٤٤/٢، والبحر الرائق
١٧٣/٧، وتكملة فتح القدير ٩٦/٨، والفتاوى
الهندية ٥٩٨/٣، وحاشية الدسوقي ٣٩٢/٣،
ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٢١١/٥،
والإنصاف ٣٧٤/٥، وروضة الطالبين ٣٢١/٤،
والمهذب ٣٥٨/١.
(٢) البدائع ٣٤٧٥/٧، واللباب ١٤٤/٢، والفتاوى
الهندية ٥٩٨/٣، والمبدع ٣٦٦/٤-٣٦٧، والمغني
مع الشرح ٢١٤/٥، وحاشية الدسوقي ٣٩٢/٣،
وروضة الطالبين ٣٢١/٤.
-٧٩-

وكالة ١٢٦
أحدهما أن یقبض دون صاحبه، لأن قبض الدین
مما يحتاج إلى الرأي والأمانة، وقد فوض الرأي
إليهما جميعاً لا إلى أحدهما، ورضي بأمانتهما
جميعاً لا بأمانة أحدهما، فإن قبض أحدهما لم
یبر ئه الغريم حتى يصل ما قبضه إلى صاحبه فيقع
في أيديهما جميعاً أو يصل إلى الموكل، لأنه لما
وصل المقبوض إلى صاحبه أو إلى الموكل فقد
حصل المقصود بالقبض، فصار كأنهما قبضاه
جميعاً ابتداء(١).
وكذلك الوكيلان بحفظ الوديعة لا ينفرد
أحدهما، لأن حفظ الاثنين أنفع، فلو قبض
أحدهما بدون إذن الآخر ضمن(٢).
ونص الحنفية على أنه إذا كان التصرف محل
الوكالة مما لا يحتاج فيه إلى رأي ومشورة،
كتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين، فإنه
يجوز لكل من الوكلاء الانفراد بالتصرف، لأن
هذِه التصرفات مما لا تحتاج إلى رأي، فكان
إضافة التوكيل إلى الوكلاء تفويضاً للتصرف إلى
(١) البدائع ٣٤٧٥/٧، واللباب ١٤٤/٢، والفتاوى
البزازية ٤٦٩/٣، وتكملة فتح القدير ٨/ ٩٧،
والإنصاف ٣٧٤/٥-٣٧٥، والمغني ٢١٤/٥،
وروضة الطالبين ٣٢١/٤، وحاشية الدسوقي ٣٩٢/٣.
(٢) اللباب ١٤٤/٢، وتكملة ابن عابدين ٣٤٥/٧،
والفتاوى الهندية ٦٣٤/٣، وحاشية الدسوقي
٣٩٢/٣، والمهذب ٣٥٨/١، والإنصاف ٣٧٤/٥-
٣٧٥، والمغني ٢١٤/٢.
كل واحد منهم بمفرده(١).
أما جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) فإن إطلاق عباراتهم يقتضي أنه
لا يجوز لأحد الوكلاء أن ينفرد بالتصرف
في هذِهِ الصور(٢).
١٢٦ - أما إذا وكل الموكل الوكيلين بكلامين
مرتبين، كما إذا وكل أحدهما بتصرف معين ثم
وكل آخر بالتصرف نفسه أيضاً، فأيهما تصرف
جاز، لأنه رضي برأي كل منهما على الانفراد
حیث وكلهما متعاقبا.
وهذا ما نص عليه الحنفية والمالكية.
وأطلق الشافعية والحنابلة القول في هذِه
الصورة، ولم يفرقوا في الحكم بين ما إذا وكل
.الموكل الوكيلين بكلام أو كلامين، حيث
صرحوا بأنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد
بالتصرف إلا أن يجعل لهما ذلك(٣).
(١) البدائع ٧/ ٣٤٧٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٣٩٢/٣، وروضة الطالبين
٣٢١/٤، والمهذب ٣٥٨/١، والإنصاف ٣٧٤/٥ -
٣٧٥، والمغني ٢١٤/٥.
(٣) الإنصاف ٣٧٤/٥-٣٧٥، والمبدع ٣٦٦/٤ -٣٦٧،
ومواهب الجليل ٢١١/٥، والخرشي ٦٩/٦،
وتكملة فتح القدير ٩٥/٨، والفتاوى الهندية
٣/ ٦٣٤.
-٨٠-