Indexed OCR Text
Pages 1-20
٦ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ١ ١ المُؤْسُوعَةَ الفِقْهُيّة الجزء الخامس والأربعون وكالة - يَومُ النَّحر (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَفَّهُ فَلَوْلَ نَفَرَ مِنْ كُلٍ فِقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِ الدّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)). ( سورة التوبة آية ١٢٢ ) ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ( أخرجه البخاري ومسلم ) المُوَسُوعَةُ الفِقْفِيَّةُ إصـدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية -الكويت الطّبْعَة الأولَى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ مـ حقوق الطبع محفوظة للوزارة وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميَّة - الكويت للمراسلة فاكس ٢٤٦٤٩٠٨ - ٠٠٩٦٥ أو ص.ب ١٣ الصفاة . وكالة ١- ٢ وَكالة التعريف: ١- الوكالة بالفتح والكسر في اللغة: الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى بمعنى الحافظ، ومنه التوكل، يقال: على الله توكلنا، أي فوضنا أمورنا. والتوكيل: تفويض التصرف إلى الغير، وسمي الوکیل وکیلاً، لأن موكله قد فوض إليه القيام بأمره فهو موكول إليه الأمر(١). وفي حديث الدعاء: ((اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين))(٢). وفي الاصطلاح: عرف الفقهاء الوكالة بتعريفات متعددة. فعرفها الحنفية بأنها: إقامة الغير مقام نفسه- ترفهاً أو عجزاً- في تصرف جائز معلوم(٣). (١) لسان العرب، والنهاية لابن الأثير. (٢) حديث: ((اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)). أخرجه أحمد (٤٢/٥) من حديث أبي بكرة. (٣) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٠٠، واللباب شرح الكتاب ١٣٨/٢. وعرفها المالكية بأنها : نيابة ذي حق- غير ذي إمرة ولا عبادة - لغيره فيه غير مشروط بموته(١). وعرفها الشافعية بأنها : تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته(٢). وعرفها الحنابلة بأنها : استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخل النيابة من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين(٣). الألفاظ ذات الصلة: أ- النيابة: ٢- النيابة: مأخوذة من ناب الشيء نوباً: قرب، وناب عنه نيابة قام مقامه (٤). والنيابة في الاصطلاح: قيام الإنسان عن غيره بفعل أمر(٥). والصلة بين الوكالة والنيابة أن النيابة أعم من الوكالة عند بعض الفقهاء، وفي قول إنهما (١) مواهب الجليل ١٨١/٥، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل ٢/ ١٢٥. (٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ١٤/٥، ومغني المحتاج / ٢١٧، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤٠٠/٣. (٣) كشاف القناع ٣/ ٤٦١، وانظر الإنصاف ٣٥٣/٥. (٤) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، ولسان العرب. (٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٧/٢ و٣٧٣/٣، وقواعد الفقه للبركتي ص٥١٩. -٥- وكالة ٣-٦ مترادفان(١). ب- الولاية: ٣- الولاية في اللغة بالفتح والكسر: القدرة، والنصرة، والتدبير. وولي اليتيم: الذي يلي أمره ويقوم بكفايته. وولي المرأة: الذي يلي عقد النكاح عليها، ولا يدعها تستبد به دونه(٢). وفي الاصطلاح: الولاية تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى(٣). والصلة بين الوكالة والولاية، أن كلا منهما نيابة، ولكن الوكالة نيابة اتفاقية، أما الولاية فنيابة شرعية أو إجبارية. جـ- الإيصاء: ٤- الإيصاء في اللغة، مصدر أوصى، يقال: أوصى فلاناً، وأوصى إليه: جعله وصيه يتصرف في أمره وماله وعياله بعد موته (٤). وفي الاصطلاح هو: إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في التصرف بعد الموت(٥). (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٧٧/٣. (٢) لسان العرب، والقاموس المحيط. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٩٦/٢ ط بولاق. (٤) المعجم الوسيط، وتهذيب الأسماء واللغات. (٥) فتاوى قاضيخان ٥١٣/٣ بهامش الفتاوى الهندية، ومغني المحتاج ٧٣/٣. والصلة بين الوكالة والإيصاء أن كلا منهما نيابة اتفاقية، ولكن الوكالة تكون أثناء الحياة، أما الإيصاء فبعد الوفاة. د- القوامة: ٥- القوامة في اللغة: القيام على الأمر أو المال أو ولاية الأمر (١). واستعمل الفقهاء لفظ القوامة في معان قريبة من المفهوم اللغوي، منها : ولاية يفوضها القاضي إلى شخص راشد بأن يتصرف لمصلحة القاصر في تدبير شئونه المالية. ومنها: ولاية يستحقها الزوج على زوجته (٢). والصلة بين الوكالة والقوامة، أن الوكالة نيابة اتفاقية، أما القوامة فقد تكون قضائية وقد تكون شرعية. مشروعية الوكالة: ٦- اتفق الفقهاء على أن الوكالة جائزة ومشروعة(٣) (١) المعجم الوسيط. (٢) بدائع الصنائع ١٦/٤، وابن عابدين ٤٣١/٣، والفتاوى الهندية ٢١٤/٦، والقليوبي ١٧٧/٣، وتفسير القرطبي ١٦٩/٥. (٣) حاشية ابن عابدين ٥٠٩/٥، وتبيين الحقائق ٢٥٤/٤، وتكملة فتح القدير ٣/٨، وحاشية الدسوقي ٣٣٩/٣، ونهاية المحتاج ١٥/٥، والمغني لابن قدامة ٢٠١/٥. -٦- وكالة ٦ واستدلوا على ذلك بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول. أما القرآن: فمنه قول الله سبحانه: ﴿فَأَبَعَزُواً أَّمَتَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَذْكَى طَعَامَا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾(١)، وذاك كان توكيلاً، وقد قصه الله تعالى عن أصحاب الكهف بلا نكير(٢). وبقوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِدَآً إِصْلَمًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بِنَهُمَأْ إِنَّ الّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيً﴾(٣). فهذِه الآية الكريمة تدل على مشروعية الوكالة، وهذا بناء على الرأي القائل بأن الحكم وكيل عن الزوجين (٤). أما السنة: فمنها ما ورد عن عروة بن أبي الجعد البارقي (أن النبي صلي أعطاه ديناراً یشتري له به شاة، فاشترى له به شاتین، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فیە»(٥) (١) سورة الكهف/ ١٩. (٢) المغني ٨٧/٥، وتكملة فتح القدير ٣/٨-٤. (٣) سورة النساء/ ٣٥. (٤) تفسير ابن كثير ٤٩٣/١، ومغني المحتاج ٢١٧/٢ و ٢٦١/٣. (٥) حديث عروة بن أبي الجعد ((أن النبي وَلايز أعطاه ديناراً .. » أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٦٣٢). فهذا الحديث يدل على مشروعية الوكالة في البيع والشراء (١). وعن حكيم بن حزام ((أن النبي ◌َّ* بعثه ليشتري له أضيحة بدينار، فاشترى أضحية فأربح فيها ديناراً، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﴾ ، فقال: ضح بالشاة وتصدق بالدينار))(٢)، فهذا الحديث يدل على جواز التوكيل في شراء الأضحية وتقسيمها والتصدق بالمال(٣). وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله (صل﴾ فسلمت عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته)»(٤). فهذا الحديث يدل على مشروعية الوكالة، (١) تكملة فتح القدير ٤/٨، ونيل الأوطار للشوكاني ٥/٦، ومغني المحتاج ٢١٧/٢، والمغني ٨٧/٥. (٢) حديث حكيم بن حزام ((أن النبي وَ﴾ بعثه ... )). أخرجه الترمذي (٥٤٩/٣) وأعله بالانقطاع بين حكيم بن حزام والراوي عنه. (٣) تكملة فتح القدير ٤/٨، ونيل الأوطار للشوكاني ٥/٦-٦. (٤) حديث جابر بن عبد الله: ((أردت الخروج إلى خیبر ... ) أخرجه أبو داود (٤/ ٤٧-٤٧)، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (٥١/٣). -٧- وكالة ٧-٨ وأن للإمام أن يوكل ويقيم عاملاً على الصدقة في قبضها ودفعها إلى مستحقيها وإلى من يرسله إليه بأمارة(١). وعن أبي رافع قال: ((تزوج رسول الله (رَ﴾ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما))(٢) . فهذا الحديث يدل على جواز التوكيل في النكاح من قبل الزوج(٣). أما الإجماع فقد أجمع الفقهاء على جواز الوكالة ومشروعيتها منذ عصر رسول الله ويشار إلى يومنا هذا، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين (٤). وأما المعقول فلأن الحاجة داعية إلى مشروعية الوكالة، فإنه لا يمكن لكل واحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه، فدعت الحاجة إليها(٥). قال قاضي زاده: لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال، بأن (١) المغني لابن قدامة ٨٧/٥. (٢) حديث أبي رافع: ((تزوج رسول الله وَّفي ميمونة ... )) أخرجه الترمذي (١٩١/٣) وقال: حديث حسن. (٣) المغني ٨٧/٥، ومغني المحتاج ٢١٧/٢، ونيل الأوطار ٦/ ٣. (٤) تكملة فتح القدير ٤/٨، والمغني ٨٧/٥، ومغني المحتاج ٢١٧/٢. (٥) المغني ٨٧/٥، ومغني المحتاج ٢١٧/٢. كان مريضاً أو شيخاً فانياً أو رجلاً ذا وجاهة لا یتولی الأمور بنفسه، فیحتاج إلی أن یوکل غيره، فلو لم يجز التوكيل لزم الحرج وهو منتف بالنص(١). قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَيْكُمْ فِ الذِينِ مِنْ حَجْ﴾(٢). أركان الوكالة : ٧- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان الوكالة هي: الصيغة، والعاقدان (الموكل والوكيل)، ومحل العقد (الموكل فيه). وذهب الحنفية إلى أن ركن الوكالة هو: الإيجاب والقبول، لأن وجود هذا الركن يستلزم بالضرورة وجود الركنين الآخرين، -وهذا طبقاً للقواعد العامة في العقد (٣). والتفصيل في مصطلح (عقد ف ٥ وما بعدها). الركن الأول: الصيغة: ٨- الصيغة هي: الإيجاب والقبول، ويعبر بهما عن التراضي الذي هو ركن في عقد الوكالة كسائر العقود الأخرى. والوكالة عقد تعلق به حق الوكيل والموكل (١) تكملة فتح القدير ٨/ ٥. (٢) سورة الحج/ ٧٨. (٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠، والشرح الصغير ٣/٢، ونهاية المحتاج ١٦/٥، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٢، وكشاف القناع ٤٦١/٣. -٨- .... وكالة ٩ - ١٠ فافتقر إلى رضاهما. وللتفصيل في تعريف الصيغة وحقيقتها وأنواعها وأحكامها ينظر مصطلح (صيغة فه وما بعدها، وعقد ف٦-٢٧). أولاً: الإيجاب: تعريفه : ٩- ذهب الجمهور إلى أن الإيجاب هو ما صدر من المالك. وعلى ذلك فالإيجاب هنا كل ما يصدر عن الموكل ويدل على إذنه بالتوكيل. وذهب الحنفية إلى أن الإيجاب هو ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين للدلالة على رغبته في إنشاء العقد (١). بم يتحقق الإيجاب: يتحقق الإيجاب بكل ما يدل على الرضا بالوكالة سواء باللفظ، أو بالكتابة، أو بالرسالة، أو بالإشارة من الأخرس أو بغيرها. أ- الإيجاب باللفظ : ١٠- يتحقق الإيجاب باللفظ الصريح الدال على معنى الوكالة كوكلتك في كذا، أو أنت وكيلي فيه. (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠، والشرح الصغير ٣/٢، ونهاية المحتاج ١٦/٥، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٢، وكشاف القناع ٣/ ٤٦١. كما يتحقق بكل لفظ يدل على الإذن بالتوكيل، كأن يأمر الموكل وكيله بفعل شيء معين، أي يقول له: أذنت لك في فعله، أو فوضت إليك فعل كذا، أو أنبتك فيه، أو أقمتك مقامي فيه(١). وذلك لأن النبي ـ﴿ وكل عروة بن أبي الجعد البارقي في شراء شاة بلفظ الشراء، ولأن الله ربات أخبر عن أهل الكهف أنهم قالوا: ﴿فَأَبْعَنُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (٢) ولأن أي لفظ يدل على الإذن يجري مجرى قول الموكل : وكلتك(٣). ولأن الشخص ممنوع من التصرف في مال غيره إلا برضاه، والرضا يكون بكل ما يدل عليه من عبارة أو ما يقوم مقامها (٤). والإيجاب باللفظ إما أن يكون في حضور الوكيل مشافهة، وإما أن يكون في غياب الوكيل مراسلة. المسألة الأولى: الإيجاب باللفظ عند حضور الوكيل مشافهة : (١) البحر الرائق ٢٥٤/٧، ونهاية المحتاج ٢٧/٥، والمغني ٢٠٨/٥، وشرح منتهى الإرادات ٤٦١/٢، وحاشية الدسوقي ٣/ ٣٨٠، والخرشي ٦/ ٧٠. (٢) سورة الكهف/ ١٩. (٣) المغني مع الشرح الكبير ٢٠٩/٥. (٤) نهاية المحتاج ٢٧/٥، ومغني المحتاج ٢٢٢/٢. -٩- وكالة ١١- ١٢ ١١ - اتفق الفقهاء على أنه يتحقق الإيجاب في عقد الوكالة بلفظ وكلتك في كذا، أو فوضت إليك كذا، أو أنبتك فيه، أو أذنت لك فيه، أو أقمتك مقامي في كذا، أو أنت وكيلي فيه(١). كما يرى الحنفية والشافعية والحنابلة أن الإيجاب يتحقق بلفظ الأمر، مثل: بعه أو أعتقه أو نحو ذلك، وهو مذهب المالكية إذا جرى العرف بانعقاد الوكالة بمثل هذه الألفاظ، حیث قالوا : الوكالة لا تختص بالصيغة الدالة بقول أو فعل أو إرسال، وإنما الحكم في ذلك للعرف والعادة(٢). وقال الحنفية: تثبت الوكالة بكل لفظ بدل عليها کو کلتك وأشباهه، روی بشر بن غیاٹ عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال الرجل لغيره: أحببت أن تبيع داري هذه أو هویت أو رضيت أو شئت أو أردت فذاك توكيل وأمر بالبيع(٣). ونص الشافعية على أنه لو قال: سأوكلك لم (١) الفتاوى الهندية ٥٦٤/٣-٥٦٥، وبدائع الصنائع ٢٠/٦، ونهاية المحتاج ٢٧/٥، والحاوي للماوردي ١٨٧/٨، وكشاف القناع ٤٦١/٣، والإنصاف ٣٥٣/٥، وشرح الخرشي ٦/ ٧٠. (٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٥٢٧، والإنصاف ٣٥٣/٥، وروضة الطالبين ٣٠٠/٤، والخرشي ٦ / ٧٠. (٣) تكملة فتح القدير ٤/٨، والفتاوى الهندية ٥٦٤/٣- ٥٦٥. يصح، لأنه محتمل، وهكذا لو قال: أوكلك، لأنه موعد. كما نصوا على أنه لو قال: قد عولت عليك، فلا يصح عقد الوكالة، لا حتماله أن یکون معولاً علی رأیه أو معونته أو نیابته، وهكذا لو قال: قد اعتمدت علیك، أو استکفیت، أو إلی ما جرى مجرى ذلك من الألفاظ المحتملة لا يصح العقد بها، إلا أن يضم إليها أحد الألفاظ الصريحة في التوكيل(١). المسألة الثانية: الإيجاب باللفظ في غياب الوكيل مراسلة : ١٢- صرح الحنفية والمالكية والشافعية بأن الإيجاب في عقد الوكالة ينعقد بالرسالة (٢). وصورة التوكيل بالرسالة- كما نص عليها الحنفية - أن يقول شخص لآخر: خذ هذا المال لفلان وليبعه، أو يقول: اذهب إلى فلان وأخبره أن يبيع مالي الفلاني الذي عنده، وباع الآخر المال بعد بلوغ هذا الخبر إليه، كانت الوكالة والبيع صحیحین. كذلك لو وكل أحد شخصاً غائباً بأمر ما، (١) الحاوي للماوردي ١٨٦/٨-١٨٧، ومغني المحتاج ٢٢٢/٢. (٢) شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٥٢٧/٣، والخرشي ٧٠/٦، ومغني المحتاج ٢٢٣/٢، وروضة الطالبين ٣٠٠/٤. -١٠- وكالة ١٣ -١٦ فبلّغه أحد خبر الوكالة وقبل الآخر، انعقدت الوكالة، سواء كان المخبر عادلاً أم مستور الحال، أم كان غير عادل، وسواء أأعطى الخبر من تلقاء نفسه أم أخبر به رسالة من طرف الآمر، وسواء أصدق الغائب هذا الخبر أم كذبه، ويكون ذلك الشخص وكيلاً في الأحوال المذكورة(١). ب- الإيجاب بغير اللفظ: من صور إيجاب الوكالة بغير اللفظ ما يأتي : الصورة الأولى: الكتابة: ١٣- اتفق الفقهاء على أن الإيجاب في عقد الوكالة يتحقق بالخط أو الكتابة الدالة على ذلك، لأن الكتابة فعل يدل على المعنى. ومثّل الحنفية بذلك بما لو أرسل أحد لآخر غائبٍ كتاباً معنوناً ومرسوماً بتو کیله إياه بأمر ما، وقبل الآخر الوكالة انعقدت(٢). انظر مصطلح (عقد ف ١٣). الصورة الثانية: الإشارة: ١٤- ذهب الفقهاء إلى أن إشارة الأخرس (١) شرح المجلة لعلي حيدر ٥٢٧/٣، وانظر الفتاوى الهندية ٥٦١/٣، وحاشية ابن عابدين ٣٩٩/٤. (٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٥٢٧/٣، والشرح الصغير ٥٠٥/٣، ومغني المحتاج ٢٢٣/٢، ومطالب أولي النهى ٤٢٩/٣، وروضة الطالبين ٣٠٠/٤. المفهومة معتبرة وقائمة مقام العبارة في تحقق إيجاب الوكالة بها (١). وللتفصيل في شروط الاعتداد بالإشارة (ر: إشارة فه، وعقد ف١٥). الصورة الثالثة: الفعل: ١٥- صرح الحنابلة بأن الإيجاب في عقد الوكالة يتم بفعل دل على الإذن(٢). حيث دل كلام القاضي على انعقاد الوكالة بفعل دال کبیع، وهو ظاهر كلام الشیخ فیمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر، كالقبول(٣). وبهذا يقول المالكية إذا جرى العرف بانعقاد الوكالة بالفعل، فقد قال الخرشي: الوكالة لا تختص بالصيغة الدالة بقول أو فعل أو إرسال، وإنما الحكم في ذلك العرف والعادة (٤). الصورة الرابعة: ما يدل في العادة على اعتباره إيجاباً : ١٦- يرى المالكية أن الإيجاب في الوكالة قد (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٤٣ وما بعدها، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٣٤٦/٣، ومواهب الجليل ١٩٠/٥، وروضة الطالبين ٣٩/٨ وما بعدها، وإعانة الطالبين ٨٧/٣. (٢) مطالب أولي النهى ٤٢٩/٣، والمبدع ٣٥٥/٤. (٣) الفروع ٤/ ٣٤٠، وكشاف القناع ٤٦١/٣. (٤) الخرشي ٦/ ٧٠. ١١٠٠- ٠٠ وكالة ١٧ -١٨ يتحقق بموجب العادة، كتصرف الزوج لزوجته في مالها وهي عالمة ساكتة، فإنه محمول على الوكالة. وکما إذا كان ربع بین أخ وأخت، وكان الأخ یتولی کراءه وقبضه سنين متطاولة، فالقول قوله أنه دفع لأخته ما يخصها في الکراء، قال ابن ناجي عن بعض شيوخه: لأنه وكيل بالعادة(١). ونص الحنفية والشافعية والحنابلة على أنه لا يكون السكوت إيجاباً في الوكالة، فلو رأى أجنبیاً یبیع ماله فسکت ولم ینھه، لم یکن و کیلاً عنه بسکوته، ولا يصح البيع، لأنه لا ینسب إلى ساكت قول(٢). ثانياً: القبول: القبول إما أن يكون باللفظ أو بغير اللفظ. أ- القبول باللفظ : ١٧- اتفق الفقهاء على أن القبول يتحقق باللفظ، كما لو قال الموكل لآخر: قد وكلتك بهذا الأمر، فقال له الوكيل: قبلت، أو قال كلاماً آخير غير لفظ قبلت مشعراً بالقبول، فإن (١) الشرح الصغير ٥٠٥/٣-٥٠٦، وحاشية الدسوقي ٣٨٠/٣، ومواهب الجليل ١٩١/٥. (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٥٤-١٥٥، وللسيوطي ص١٤٢، وحاشية الحموي على الأشباه ١٤٨/١، والمنثور في القواعد ٢٠٥/٢، ومغني المحتاج ٢٢١/٢ وما بعدها. القبول يصح وتنعقد الوكالة (١). وزاد الحنفية والشافعية أن قبول الوكيل لفظاً وإن لم يكن شرطاً في صحة الوكالة إلا أنه يشترط عدم الرد، فلو رد الوكيل الوكالة بعد الإيجاب بأن قال: لا أقبل أو: لا أفعل، فلا يبقى حكم الإیجاب، ولا تنعقد الوكالة وإن قبل بعد ذلك، ما لم يجدد الإيجاب والقبول(٢). ب- القبول بغير اللفظ: اختلف الفقهاء في انعقاد الوكالة بالقبول بغير اللفظ، ونبين ذلك فيما يلي: الصورة الأولى: القبول بالفعل: ١٨- للفقهاء في قبول الوكالة بالفعل ثلاثة آراء : الأول: يرى جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية في أصح الأوجه والحنابلة أن القبول يتحقق بكل فعل دل عليه، وذلك بأن يفعل الوكيل ما أمره الموكل بفعله، لأن الذين وكلهم النبي ◌َ﴾ (١) شرح المجلة لعلي حيدر ٥٢٦/٣-٥٢٧، المادة (١٤٥١)، ومواهب الجليل ١٩٠/٥، ومغني المحتاج ٢٢٢/٢، وإعانة الطالبين ٨٧/٣، وكشاف القناع ٤٦١/٣-٤٦٢. (٢) شرح المجلة لعلي حيدر ٥٢٩/٣، والفتاوى الهندية ٥٦٠/٣، ومغني المحتاج ٢٢٣/٢، وروضة الطالبين ٣٠٠/٤. -١٢- وكالة ١٩-٢٢ لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره، ولأن الوكالة إذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفعل كأكل الطعام. وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية: يكون الإيجاب صراحة والقبول دلالة، فلو لم يتكلم الوكيل شيئاً بناء على إيجاب الموكل، وحاول إجراء ذلك الأمر الموكل به، فيكون قد قبل الوكالة دلالة ويكون تصرفه صحيحاً (١). الرأي الثاني: ذهب الشافعية في وجه والحنابلة في قول وزفر من الحنفية إلى أن القبول لا يتحقق بالفعل، ولابد لتحققه من اللفظ (٢). الرأي الثالث: ذهب الشافعية في وجه آخر إلى أن الموكل إن أتى بصيغة أمر كقوله: بع واشتر يتم القبول بالفعل ولا يشترط فيه اللفظ. أما إذا كان الإيجاب بصيغة عقد كوكلتك أو فوضت إليك، فلابد في القبول من اللفظ، ولا يتحقق بالفعل، إلحاقاً لصيغ العقد بالعقود والأمر بالإباحة (٣) (١) شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٥٢٨/٣، والفتاوى الهندية ٥٦٠/٣، والمغني لابن قدامة ٩٣/٥، ومواهب الجليل ١٩٠/٥، وكشاف القناع ٤٦١/٣- ٤٦٢، والخرشي ٦/ ٧٠، وأسنى المطالب ٢٦٦/٢، وروضة الطالبين ٤/ ٣٠٠، ومغني المحتاج ٢٢٢/٢. (٢) روضة الطالبين ٣٠٠/٤، والإنصاف ٣٥٤/٥، وروضة القضاة للسمناني ١٤٠/٢. (٣) روضة الطالبين ٤/ ٣٠٠، ومغني المحتاج ٢٢٢/٢. الصورة الثانية: القبول بالكتابة: ١٩- ذهب الفقهاء في الجملة إلى أن القبول في عقد الوكالة يصح بالكتابة المستبينة المعنونة(١). الصورة الثالثة: القبول بالإشارة: ٢٠- يصح القبول في عقد الوكالة بإشارة الأخرس المعلومة المفهومة (٢). وللتفصيل في شروط العمل بالإشارة ينظر مصطلح (إشارة فه، وعقد ف ١٥). الصورة الرابعة: القبول بالسكوت: ٢١- صرح الحنفية بأن سكوت الوكيل قبول ويرتد برده(٣). تراخي القبول عن الإيجاب في عقد الوكالة: ٢٢- اتفق الفقهاء على أنه إن وقع قبول (١) شرح المجلة لمحمد خالد الأتاسي ١٩٠/١ المادة (٦٩)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٠٨- ٣٠٩، وروضة الطالبين ٣٠٠/٤، والإنصاف ٣٥٤/٥، ومطالب أولي النهى ٤٢٩/٣. (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٤٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٢١٣، ومواهب الجليل ٢٢٩/٤، والمغني ٥٦٦/٣. (٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤٤٥، والأشباه والنظائر لابن نجیم ص١٥٤. -١٣- وكالة ٢٣ الو کیل فور صدور الإیجاب من المو کل فإن عقد الوكالة ينعقد. واختلفوا فيما إذا تراخى القبول عن الإيجاب : فذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والحنابلة والشافعية في المذهب والمالكية في أحد القولين إلى أنه يصح قبول الوكالة على التراخي، لأن قبول وكلائه * كان بفعلهم، وکان متراخیاً عن توکیله إياهم، ولأن الوكالة إذن في التصرف، والإذن قائم ما لم يرجع عنه الموكل، فأشبه الإباحة. وقيد الشافعية القبول على التراخي بما إذا لم یتعین زمان العمل الذي و کل فیه، فإن تعین زمانه وخيف فواته، كان قبول الوكالة على الفور. وكذا لو عرضها الحاكم عليه عند ثوبتها عنده صار قبولها على الفور أيضاً (١). وذهب المالكية في القول الثاني وأبو حامد المَرْوَرُّذي من الشافعية إلى أن قبول الوكالة على الفور، فلا يصح إذا تراخى القبول عن الإيجاب بالزمان الطويل، لأن الوكالة عقد في حال (١) روضة القضاة ٦٤١/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٦٧٨/٢-٦٧٩، ومواهب الجليل ١٩٠/٥-١٩١، والحاوي للماوردي ١٨٩/٨، والمهذب ٣٥٧/١، وكشاف القناع ٤٦٢/٣، والمغني ٩٣/٥. الحياة، فكان القبول فيه على الفور كالبيع(١). وقال أبو عبد الله المازري من المالكية: والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار القصد والعوائد، هل المراد في هذِه الألفاظ استدعاء الجواب فوراً فإن تأخر سقط حكم الخطاب؟ أو المراد استدعاء الجواب معجلاً أو مؤجلاً(٢) أقسام صيغة الوكالة: تنقسم صيغة الوكالة باعتبار وقت ترتب آثارها عليها إلى الصيغة المنجزة، والصيغة المعلقة، والصيغة المضافة إلى المستقبل، والصيغة المؤقتة(٣). أ- الصيغة المنجزة للوكالة: ٢٣ - التنجيز هو خلاف التعليق (٤) والتعليق هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى(٥). والمراد بالصيغة المنجزة للوكالة أن لا تكون معلقة بشرط، ولا مضافة إلى وقت، كقول (١) عقد الجواهر الثمينة ٦٧٩/٢، والحاوي ١٨٩/٨، والمهذب ٣٥٧/١. (٢) عقد الجواهر الثمينة ٦٧٩/٢، ومواهب الجليل ١٩١/٥. (٣) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٤٥٦). (٤) قواعد الفقه للبركتي ص٢٣٨. (٥) الدر المختار ٤٩٢/٢. -١٤- وكالة ٢٤ -٢٥ الموكل للوكيل: وكلتك ببيع الدار الفلانية، فصيغة الوكالة في هذا المثال منجزة حيث إنها لم تعلق بشرط، كما أنها لم تضف إلى وقت(١). والفقهاء متفقون على صحة الوكالة إذا كانت صيغتها منجزة (٢). ب- الصيغة المعلقة على شرط: ٢٤- اختلف الفقهاء في صحة الوكالة إذا كانت صيغتها معلقة على شرط على رأيين: الرأي الأول: ذهب الحنفية والحنابلة على الصحيح في المذهب والشافعية في مقابل الأصح إلى أن الوكالة تصح معلقة بشرط، نحو قوله: إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام، وإذا طلب منك أهلي شيئاً فادفعه إليهم. واستدلوا على ما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((أمَّر رسول الله ﴾ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله (صل#: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة»(٣). (١) شرح المجلة لعلي حيدر ٥٣٤/٣-٥٣٥. (٢) مطالب أولي النهى ٤٢٨/٣، ويدائع الصنائع ٢٠/٦، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٣٤/٣-٥٣٥، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣/ ٥٥، والذخيرة ٠٥/٨ (٣) حديث عبد الله بن عمر: ((أمر رسول الله له في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ... أخرجه البخاري (فتح الباري٧/ ٥١٠). وهذا في معناه، ولأنه عقد اعتبر في حق الو کیل حکمه وهو إباحة التصرف وصحته فكان صحيحاً، ولأنه إذن في التصرف أشبه الوصية والتأمير(١). الرأي الثاني: ذهب الشافعية في الأصح والحنابلة في قول إلى أنه لا يصح تعليق الوكالة بشرط، قال الماوردي: تعليق الوكالة بالشروط والآجال فاسد. وصرح الشافعية بأن الموكل لو نجز الوكالة وشرط للتصرف شرطاً جاز، كأن يقول: وكلتك ببيع داري وبعها بعد شهر، فإن الوكالة تصح. قال الغزالي: لو قال الموكل: وكلتك الآن، ولكن لا تباشر التصرف إلا بعد شهر، أو بعد قدوم فلان، قطع العراقیون بالجواز، وقالوا : ليس هذا تعليقاً، إنما هو تأخير، فيجب على الوكيل الامتثال(٢). صيغة الوكالة الدورية: ٢٥ - الوكالة الدورية من قبيل الوكالة المعلقة (١) بدائع الصنائع ٢٠/٦، وروضة القضاة ٦٤٣/٢، والمغني ٩٣/٥ ط الرياض، ومطالب أولي النهى ٤٢٨/٣-٤٢٩، والإنصاف ٣٥٥/٥، ومغني المحتاج ٢٢٣/٢، والوسيط في المذهب للغزالي ٢٨٤/٣ ط دار السلام. (٢) مغني المحتاج ٢٢٣/٢، والوسيط في المذهب ٢٨٤/٣، والحاوي للماوردي ١٩٠/٨، والإنصاف ٣٥٥/٥. -١٥- وكالة ٢٥ بالشرط، وصورتها أن يقول الموكل للوكيل: وكلتك ببيع هذا المال وكلما عزلتك فأنت وكيلي، فإن هذا الشخص يكون وكيلاً، وكلما عزله الموكل تجددت الوكالة. وسمیت وکالة دورية، لأنها تدور مع العزل، فكلما عزله عاد وكيلاً (١). واختلف الفقهاء في صحة الوكالة بهذه الصيغة، فذهب الحنفية والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى صحة الوكالة الدورية بناء على أن الوكالة قابلة للتعليق. وقال الحنفية: للموكل أن يعزل وكيله في الوكالة الدورية متى شاء، لأن الوكالة حق للموكل فله إبطالها، ولأن ما لا يكون لازماً يصح الرجوع عنه، والوكالة منه. وقال الحنابلة: ويحصل عزل الوكيل في الوكالة الدورية بقول الموكل للوكيل: عزلتك، وكلما وكلتك فقد عزلتك(٢). وذهب ابن تيمية إلى أن الوكالة الدورية، لا تصح لأنه يؤدي إلى أن تصير العقود الجائزة (١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٣٥/٣، وحاشية ابن عابدين ٤١٦/٤، وكشاف القناع ٤٦٨/٣. (٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٣٥/٣، وحاشية ابن عابدين ٤١٦/٤، وتبيين الحقائق ٢٢٤/٦، وكشاف القناع ٤٦٨/٣، والإنصاف ٣٦٨/٥، ومعونة أولي النهى ٦٣٦/٤. لازمة، وذلك تغيير لقاعدة الشرع، وليس مقصود المعلق إيقاع الفسخ، وإنما قصده الامتناع من التوكيل وحله قبل وقوعه، والعقود لا تفسخ قبل انعقادها(١). وقال الشافعية: لو قال: وكلتك، ومتى عزلتك فأنت وكيلي، ففي صحة الوكالة في الحال وجهان: أصحهما الصحة لوجود الإذن. والثاني: لا تصح لاشتمالها على شرط التأبيد وهو التزام العقد الجائز. فإذا قلنا بالصحة، أو كان قوله ((متى عزلتك)) مفصولاً عن الوكالة، فعزله، نظر إن لم يعلم به الوكيل، واعتبرنا علمه في نفوذ العزل فهو على و کالته. وإن لم نعتبره، أو كان عالماً به، ففي عوده وكيلاً بعد العزل وجهان بناء على تعليق الوكالة، لأنه علق الوكالة ثانياً على العزل، أصحهما المنع. فإن قلنا: يعود، نظر في اللفظ الموصول بالعزل، فإن كان قال: إذا عزلتك، أو مهما، أو متى، لم يقتض ذلك عود الوكالة إلا مرة واحدة. وإن قال: ((كلما عزلتك)) اقتضى العود مرة بعد (١) الإنصاف ٣٦٨/٥. -١٦- وكالة ٢٦ -٢٧ مرة أبداً، لأن ((كلما)) للتكرار(١). ج- الصيغة المضافة إلى الزمن المستقبل للوكالة: ٢٦- من صور الوكالة التي تكون الصيغة فيها مضافة إلى المستقبل أن يقول الموكل للوكيل: وكلتك على أن تبيع دوابي في شهر رمضان، أو يقول الموكل: وكلتك في بيع هذِه الدار غداً، ويقبل الوكيل ذلك(٢). فذهب الحنفية والحنابلة إلى صحة الوكالة بهذه الصيغة بناء على أن الوكالة من العقود القابلة للإضافة، زاد الحنفية: يكون وكيلاً في الغد فما بعده، ولا يكون وكيلاً قبل الغد(٣). ويوافقهم الشافعية على صحة الوكالة في هذِه الصورة باعتبار أن الوكالة نجزت في الحال وعلق التصرف على تحقق شرط في المستقبل، وهذا جائز عندهم بالاتفاق(٤). لأنه عجل عقد الوكالة، وإنما جعل الموعد المضاف إليه محلاً (١) روضة الطالبين ٣٠١/٤-٣٠٢، ومغني المحتاج ٢٤٣/٢، وتحفة المحتاج ٣١٢/٥، والوسيط في المذهب ٢٨٤/٣. (٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٤٥٦)، وبدائع الصنائع ٢٠/٦. (٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٣٥/٣، ومطالب أولي النهى ٤٢٨/٣- ٤٢٩. (٤) نهاية المحتاج ٢٨/٥، والحاوي للماوردي ١٩٠/٨. لوقت البيع(١). ٢٧- أما إذا علقت الوكالة على وقت، كأن يقول الموكل للوكيل: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك في بيع داري، كانت الوكالة باطلة في الأصح عند الشافعية، لأن تعليق الوكالة بالآجال فاسد. أما عند الحنفية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح تكون الوكالة صحيحة في جميع هذِه الصور(٢). قال الحنفية: يوجد فرق بين تعليق الوكالة وإضافتها، فالإيجاب المضاف يكون سبباً في انعقاد الوكالة في الحال، فإذا انعقدت الوكالة في الإضافة على هذا الوجه حالاً فيتأخر حكم الوكالة إلى الوقت المضاف إليه. أما الإيجاب المعلق فالتعليق فيه مانع لصيرورته سبباً للحكم في الحال، وعليه فالوكالة في التعليق غير منعقدة في الحال، ويكون انعقاد الوكالة معلقاً على وجود الشرط(٣). (١) الحاوي للماوردي ١٩٠/٨، وكشاف القناع ٣/ ٤٦٢. (٢) بدائع الصنائع ٢٠/٦، ومطالب أولي النهى ٤٢٨/٣-٤٢٩، وكشاف القناع ٤٦٢/٣، ونهاية المحتاج ٢٨/٥، والحاوي للماوردي ١٩٠/٨. (٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٣٦/٣. -١٧- وكالة ٢٨ -٢٩ د- الصيغة المؤقتة للوكالة: ٢٨- ذهب الفقهاء إلى صحة الوكالة إذا كانت صيغتها مؤقتة، كقول الموكل للوكيل: أنت وكيلي شهراً. وإنما اختلفوا في بقاء الوكالة بعد الوقت الذي أقته الموكل. فذهب الشافعية إلى أن الوكالة لا تبقى بعد الوقت الذي حدده الموكل. ونص الحنفية على أنه لو قال: بع داري اليوم، أو اشتر لي الدار اليوم ففعل ذلك غداً ففيه روايتان: قال بعضهم: الصحيح أن الوكالة لا تبقى بعد اليوم. وذهب بعض الحنفية على أن الوكالة تبقى بعد اليوم، لأن ذكر اليوم للتعجيل لا لتوقيت الوكالة باليوم، إلا إذا دل الدليل عليه. وفي منحة الخالق نقلاً عن البزازية: أن الوكيل إلى عشرة أيام لا تنتهي وكالته بمضي العشرة في الأصح(١). (١) كشاف القناع ٤٦٢/٣، والإنصاف ٣٥٥/٥، وأُسنى المطالب ٢٦٧/١، وروضة الطالبين ٣٠٢/٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٨٣، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ٥/٣، وفتاوى الهندية ٥٦٧/٣، ومنحة الخالق على البحر الرائق ٧/ ١٤١. اقتران صيغة الوكالة بالشرط : ٢٩- إذا اقترنت الوكالة بشرط فإما أن تكون هذِه الشروط صحيحة أو فاسدة، فإن كان الشرط فاسداً فقد: اختلف الفقهاء في أثره على الوكالة : فذهب الحنفية وأحمد في أظهر الروايتين عنه وابن أبي ليلى إلى أن الوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، أي شرط كان(١). وذهب الشافعية إلى أن الشرط الفاسد يفسد الوكالة. ومن أمثلة الشرط الفاسد: ما لو قال الموكل للوكيل: امنع المبيع من المشتري، فإن الوكالة تفسد به، لأن منع الحق عمن يستحق إثبات يده عليه حرام، وصح البيع بالإذن(٢). وقال الزركشي: العقود الجائزة كالشركة والوكالة والمضاربة ففاسدها لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها، فلا يصدق عليها أسماء العقود إلا مقيدة بالفاسدة(٣). (١) الفتاوى الهندية ٥٦٧/٣، والبحر الرائق ١٩١/٥، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٩/٢٩. (٢) أسنى المطالب ٢٦٩/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٧٧. (٣) المنثور في القواعد للزركشي ٤٠٩/٢-٤١٠. -١٨- وكالة ٣٠ وقال في موضع آخر: لو علق الوكالة على شرط، وتصرف الوكيل بعد الشرط، الأصح الصحة، إلا أنه بطل خصوص الوكالة فيبقى عموم الإذن(١)، وفائدة فساد الوكالة سقوط المسمى إن سمى له أجرة والرجوع إلى أجرة المثل(٢). وحذا كثير من الحنابلة حذو الشافعية في أن فساد الوكالة لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، فقد قال ابن رجب: ظاهر كلام كثير من الأصحاب أن المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة لا بطلانها، فيفسد العقد ويصير متصرفاً بمجرد الإذن. وقال أيضاً: العقود الجائزة كالشركة والمضاربة والوكالة إن إفسادها لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها، فلا يصدق عليها أسماء العقود الصحيحة إلا مقيدة بالفساد(٣). وذهب الحنابلة في وجه آخر إلى أن الوكالة تبطل كالوديعة لزوال الائتمان، والإذن في التصرف كان منوطاً به (٤). (١) المنثور في القواعد للزركشي ١١٦/١. (٢) الوسيط للغزالي ٢٨٤/٣. (٣) القواعد لابن رجب ص٦٥. (٤) القواعد لا بن رجب ص٦٥. ويقرب من هذا الاتجاه ما ذهب الشيخ أبو محمد من الشافعية حيث قال: الإذن ليس منفصلاً عن الوكالة، فمعنى فساد الوكالة بطلان الإذن(١). أما الشرط الصحيح فإنه إذا خالف الوكيل الموكل فإن للفقهاء فيه آراء (تنظر في فقرة ٧٩ وما بعدها). صفة عقد الوكالة: ٣٠- اختلف الفقهاء في صفة عقد الوكالة على ثلاثة آراء: الرأي الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى أن الوكالة من العقود الجائزة من الجانبين، لأن الوكالة تبرع ولا لزوم في التبرعات. واستدلوا على عدم لزوم عقد الوكالة بأن المو کل قد یری المصلحة في ترك ما و کل فيه، أو في توكيل آخر، كذلك الوكيل قد لا يتفرغ، فيكون لزوم العقد مضراً بهما(٢). (١) الوسيط للغزالي ٢٨٤/٣. (٢) الفتاوى الهندية ٥٦٧/٣، وابن عابدين ٤١٦/٤، والشرح الصغير ٥٢٣/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٦٨٨/٢، وروضة الطالبين ٣٣٢/٤، ومغني المحتاج ٢٣١/٢-٢٣٢، وكشاف القناع ٤٦٨/٣، والإنصاف ٣٦٨/٥، والمبدع ٣٦٢/٤، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٢٨/٣. -١٩- وكالة ٣٠ واستثنى الحنفية والمالكية من ذلك ما إذا تعلق بالوكالة حق الغير، فإنها تكون لازمة (١). ومثّل الحنفية ذلك بوكيل خصومة بطلب الخصم، فليس للموكل عزله، فإذا وكل المدعى عليه وكيلاً بالخصومة بطلب الخصم (الذي هو المدعي) ثم غاب (المدعى عليه) وعزله، فإنه لا يصح لئلا يضيع حق المدعي. وكذا لو عزل العدل المُؤَكَّل ببيع الرهن نفسه بحضرة المرتهن، إن رضي بالعزل صح، وإلا لا يصح؛ لتعلق حقه به. كما أن للوكيل أن يعزل نفسه من الوكالة، ولكن لو تعلق به حق الغير يكون مجبوراً على إبقاء الوكالة (٢). ومثّل المالكية بما إذا وكل الموكل وكيلاً في خصومة، وقاعد خصمه ثلاث مجالس ولو في يومٍ واحدٍ، وانعقدت المقالات بينهما، فليس للموكل حينئذ عزل الوكيل إلا لمقتض، كظهور تفريط أو ميل مع الخصم أو مرض أو سفر أو نحو ذلك من الأعذار. وليس للوكيل حينئذ عزل نفسه إلا لعذر (٣). (١) ابن عابدين ٤١٦/٤، ومواهب الجليل ١٨٨/٥، ودرر الحكام ٦٥٨/٣-٦٥٩. (٢) ابن عابدين ٤١٦/٤، ودرر الحكام ٦٥٨/٣-٦٥٩. (٣) الشرح الكبير ٣٧٩/٣، والخرشي ٦٩/٦. واشترط الشافعية لهذا الجواز أن تكون الوكالة خالية عن الجعل، ولم تعقد بلفظ الإجارة(١). وقال الحنفية: تتفرع على عدم لزوم عقد الوكالة ثلاث مسائل : المسألة الأولى: لا يدخل الوكالة خيار الشرط، لأنه إنما يحتاج إليه في عقد لازم، ليتمكن من له الخيار من فسخه إذا أراد (٢). المسألة الثانية: لا يصح الحكم بالوكالة مقصوداً، وإنما يصح في ضمن دعوى صحيحة (٣) على غريم(٣). المسألة الثالثة: كما أن للموكل عزل وكيله في أي وقت شاء، فإن للوكيل أيضاً أن يستقيل من الوكالة في أي وقت أراد (٤). وسيأتي تفصيل الحالات التي ليس للموكل أن يعزل وكيله عند الكلام عن عزل الوكيل. الرأي الثاني: إن كانت الوكالة بأجرة على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب حينئذ أن تجتمع فيها شرائط الإجارة، وبهذا (١) مغني المحتاج ٢٣١/٢-٢٣٢. (٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٢٨/٣، وحاشية ابن عابدين ٤١٦/٤، والفتاوى الهندية ٣/ ٥٦٧. (٣) حاشية ابن عابدين ٤١٦/٣، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٥٢٨/٣. (٤) درر الحكام ٥٢٨/٣. -٢٠-