Indexed OCR Text

Pages 61-80

وديعة ٥٦
وعللوا عدم جواز تأجيرها من قبل الوديع
لآخر، بأن الإجارة عقد لازم، والإيداع عقد
غير لازم، فلو جاز للوديع تأجيرها لصارت
الإجارة غير لازمة مع أنها لازمة .
وقالوا: ليس له أن يعيرها أيضاً، لأن الوديع
غير مالك لمنافع الوديعة، ولما كانت الإعارة
تمليكاً للمنافع، فليس من الممكن أن يملك
المرء شیئاً لا يملكه. وليس له أن يرهنها عند
آخر، لأن الرهن إیفاء حکماً، ولیس لشخصٍ
أن يفي دينه بمال الغير بلا أمر صاحبه،
بالإضافة إلى أن الرهن عقد لازم من جهة
الراهن، والوديعة ليست عقداً لازماً. كذلك
لیس له أن یبیع الوديعة أو یھبها لآخر بلا إذن
ويسلمها إلیه، لأن بيعه وهبته لا تنفذان بدون
رضا مالكها(١).
٥٦ - ولو آجر الوديع الوديعة تعدياً، فهل
يستحق أجرتها، أم أنها تكون لمالكها؟
للفقهاء في المسألة قولان:
الأول: للحنفية، وهو أن الأجرة تكون
للوديع بمقابلة ضمان الوديعة، كما يستحق
الغاصب منافع المغصوب بمقابلة ضمانه(٢).
قال السرخسي: ولو أكرى - أي الوديع -
(١) درر الحكام ٢٦٨/٢.
(٢) الفتاوى الهندية ٤/ ٣٦١.
الإبل إلى مكة، وأخذ الكراء، كان الكراءُ له،
لأنه وجب بعقده، وليست الغلة کالولد ولا
الصوف واللبن، فإن ذلك يتولد من الأصل
فيملك بملك الأصل، وهذا غير متولد من
الأصل، بل هو واجب بالعقد، فيكون
للعاقد(١).
والثاني: للمالكية، وهو أن صاحب الوديعة
إن لم تتلف الوديعة بالخیار بین أن یستردها
ويأخذ أجرتها، وبين أن يتركها للوديع ويضمنه
قيمتها، ولا شيء له من أجرتها. جاء في
المدونة: قلت: أرأيت إن استودعني إبلًا،
فأكريتها إلى مكة، أيكون لربها من الكراء شيء
أم لا؟
قال: كل ما كان أصله أمانة، فأكراه، فربه
مخير إن سلمت الإبل ورجعت بحالها في أن
يأخذ كراءها، ويأخذ الإبل، وفي أن يتركها
له، ويضمنه قيمتها، ولا شيء له من الكراء إذا
کان قد حبسها عن أسواقها ومنافعه بها، وهذا
بمنزلة رجل أعاره رجل دابة، أو أکراه دابة إلى
موضع من المواضع فتعدى عليها، لأن أصل
هذا كله لم يضمن إلا بتعديه فيه(٢) .
(١) المبسوط ١٢٦/١١.
(٢) المدونة ١٥٧/١٥، وانظر التاج والإكليل
٢٥٩/٥، والزرقاني على خليل ١٢١/٦.
- ٦١ -

..
وديعة ٥٧ - ٥٨
٥٧ - ولو باعها الودیع بدون إذن مالکها،
فقال الحنفية: یکون فضولياً ببيعه، ويتوقف
بيعه على إجازة صاحبها، فإن أجازه نفذ، وإن
رده بطل(١). وقد جاء في الفتاوى الهندية:
المودع إذا باع الوديعة وسلمها إلى المشتري،
وضمن المالك المودع، نفذ بيعه في ظاهر
الرواية. كذا في الذخيرة (٢).
وقال المالكية: إذا باع الوديع الوديعة،
وهي عرض، فربما مخير في أخذ الثمن الذي
باعها به أو في أخذ القيمة يوم التعدي، هذا إذا
فاتت السلعة، أما إذا كانت قائمة، فإنه یخیر
في أخذها، أو الثمن الذي بيعت به(٣). قال
العدوي: والحاصل أنه عند الفوات یجب له
الأكثر من الثمن أو القيمة. وعند القيام له أخذ
أو رد البيع، وكذا كل متعد بالبيع على سلع
غيره ولو غصباً، ومحل تخيير صاحب الوديعة
في الإجازة والرد: ما لم يحضر عقد البيع أو
يبلغه البيع، ویسکت مدة، بحیث یعد راضياً،
وإلا لزمه البیع، وأخذ ما بیعت به قليلا أو
كثيراً (٤).
وأما إذا اشترى الوديع شيئاً بالوديعة، فقال
(١) درر الحكام ٢٦٨/٢ .
(٢) الفتاوى الهندية ٣٦١/٤، وانظر البحر الرائق
٢٧٧/٧ .
(٣) كفاية الطالب الرباني ٢٢٣/٢.
(٤) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٥ .
ابن المنذر في الإشراف: إذا تعدى الرجل في
وديعة كانت عنده، فاشترى من عين المال
سلعة بمائة دينار، وقال للبائع: قد اشتريت
هذه السلعة بهذه المائة دينار، فالبيع باطل،
لأنه اشتری شیئاً بمالٍ لا یملکه، فإن باع تلك
السلعة بمائتي دينار وربح فيها مئة، فإن بيعه
باطل، لأنه باع ما لا يملكه.
وإن کان المشتری لیس بعین المال، بأن
کان يشتري السلع، ثم یزن من مال الوديعة،
فالشراء ثابت، والمال - أي الثمن - في
ذمته، وهو مالك للسلع بعقد الشراء، وما كان
من ربح فيها فله، وما كان من نقصان فعلیه،
وعليه مثل الدنانير التي أتلف لصاحبها(١).
٥٨ - وإذا كانت الوديعة من النقود أو
المثليات الأخرى، فأقرضها الوديع تعدياً،
ولم يجز مالكها ذلك، فإنها تكون مضمونة
على الوديع. نص على ذلك الحنفية(٢). وبناءً
عليه جاء في المادة (٧٩٣) من المجلة
العدلية: وإذا أقرض المستودع دراهم الوديعة
لآخر بلا إذن، ولم یجز صاحبها، ضمنها
المستودع .
(١) الإشراف لابن المنذر ٢٥٧/١، ٢٥٨، وانظر
الإقناع لابن المنذر أيضاً ٢ /٤٠٥ .
(٢) درر الحكام ٢/ ٢٧٠، وشرح المجلة للأتاسي
٢٧٣/٣ .
- ٦٢ -

وديعة ٥٩
ولو كان على المودع دين، فقضى الوديع
دينه من مال الوديعة، فقد نص الحنفية على أنه
يضمن ما أداه على الصحيح، ولو كان من
جنس الوديعة(١).
وذهب بعض الحنفية إلى أنه لا ضمان على
الوديع بذلك(٢).
(ي) - جحود الوديعة :
٥٩ - ذهب الفقهاء إلى أن صاحب الوديعة
إذا طلبها من الوديع فجحدها، ثم أقر بها أو
أقام المودع البينة عليها، فيصير الوديع
بجحوده خائناً ضامناً، لخروجه به عن كونه
أميناً، فتنقلب يده إلى يد غاصب(٣).
قال البهوتي: لأنه بجحده خرج عن
الاستئمان فيها، فلم يزل عنه الضمان بالإقرار
(١) قرة عيون الأخيار ٢٦٢/٢، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ص٣٣١، ودرر الحكام ٢٧١/٢،
والفتاوى الهندية ٣٥٨/٤ .
(٢) شرح المجلة للأتاسي ٢٧٣/٣، والفتاوى الهندية
٣٥٨/٤ .
(٣) مجمع الأنهر ٢/ ٣٤٠، والفتاوى الهندية
٣٥٢/٤، والبدائع ٢١٢/٦، وروضة الطالبين
٣٤٢/٦، وتحفة المحتاج ١٢٦/٧، وأسنى
المطالب ٨٣/٣، والمدونة ١٥١/١٥، والزرقاني
على خليل ١١٩/٦، والتاج والإكليل ٢٥٨/٥،
وكشاف القناع ١٩٥/٤، وشرح منتهى الإرادات
٤٥٤/٢ .
بها، لأن يده صارت يد عدوان(١). وقال
الكاساني: لأن المالك لما طلب منه الوديعة،
فقد عزله عن الحفظ، والمودع لما جحد
الوديعة حال حضرة المالك، فقد عزل نفسه
عن الحفظ، فانفسخ العقد، فبقي مال الغير
في يده بغير إذنه، فيكون مضموناً عليه، فإذا
هلك تقرر الضمان(٢).
غير أن الحنفية اشترطوا لتضمينه سبعة
شروط :
الأول: أن ينكر الوديع أصل الإيداع، لأنه
لو ادعى أن المالك وهبها منه أو باعها له،
وأنکر صاحبها ذلك، ثم هلکت، فلا ضمان
على الوديع .
الثاني: أن يقع الإنكار بحضرة مالكها، لأن
جحودها عند غيرالمالك حال غیبته معدود من
باب الحفظ والصيانة عرفاً وعادة، لأن مبنى
الإيداع على الستر والإخفاء، فكان الجحود
عند غير المالك حال غيبته حفظاً معنى، فلا
يكون سبباً لوجوب الضمان .
الثالث: أن يكون جحودها بعد أن طلب
مالكها أو من يقوم مقامه ردها، لأنه لو قال
(١) كشاف القناع ١٩٥/٤.
(٢) البدائع ٦/ ٢١٢ .
- ٦٣ -

وديعة ٥٩
له: ما حال وديعتي عندك؟ ليشكره على
حفظها، فجحدها الوديع، فلا ضمان عليه.
الرابع: أن ينقلها الوديع من مكانها زمن
الجحود، لأنه لو لم ينقلها من مكانها حال
إنكاره، فهلکت، لا ضمان علیه.
الخامس: أن تكون الوديعة منقولًا، لأنها
لو کانت عقاراً، فإنه لا یضمنها بالجحود عند
أبي حنيفة وأبي يوسف قياساً على الغصب،
لعدم تصور غصب العقار عندهما، خلافاً
لمحمد بن الحسن في الأصح، لأن الغصب
يجري فيه عنده، فلو جحده كان ضامناً.
السادس: أن يكون هناك من یخاف عليها
منه، لأنه لو جحدها في وجه عدو يخاف
عليها التلف إن أقر أمامه، ثم هلكت، فإنه لا
يضمنها، لأنه إنما أراد بذلك حفظها لمالكها
لا تضييعها عليه .
السابع: أن لا يحضرها الوديع بعد
جحدها، لأنه لو جحدها، ثم أحضرها، فقال
له صاحبها: دعها ودیعة عندك. فهلکت، فإن
أمكن صاحبها أخذها، فلم يأخذها، فلا
ضمان علی الودیع، لأنه إيداع جدید، وإن لم
يمكنه أخذها، ضمن، لأنه لم يتم الرد (١).
(١) البحر الرائق ٧/ ٢٧٧، ومجمع الأنهر =
واستثنى الشافعية من أصل تضمينه مالو قال
الوديع: لا وديعة لأحد عندي. إما ابتداءً،
وإما جواباً على سؤال غير المالك، فقالوا: لا
ضمان عليه في ذلك، سواء جرى ذلك في
حضرة المالك أو في غيبته، لأن إخفاءها أبلغ
في حفظها، بخلاف ما إذا طلبها المالك
فجحدها، فإنه يكون خائناً ضامناً .
فإن لم يطلبها المالك، بل قال: لي عندك
وديعة، فسكت الوديع، لم يضمن، وإن أنکر
لم يضمن أيضاً على الأصح، لأنه لم يمسكها
لنفسه، وقد يكون له في الإخفاء غرض
صحیح، کان یرید به زيادة الحفظ، بخلاف ما
بعد الطلب. نعم، إن دلت قرينة على أن له
غرضاً صحيحاً، كما لو طلبها منه صاحبها
بحضرة ظالم خشي عليها منه، فجحدها دفعاً
للظالم لم يضمن، لأنه محسن بالجحد
حينئذ(١).
والأصل في المسألة أن من أنكر وديعة
ادعيت عنده، أن يكون القول قوله ويصدق
بيمينه، لقوله وَله: ((البينة على المدعي،
= والدر المنتقى ٣٤٠/٢، والفتاوى الهندية
٣٥٢/٤، والمبسوط السرخسي ١١٧/١١ .
(١) أسنى المطالب ٨٣/٣، وروضة الطالبين
٣٤٢/٦، وتحفة المحتاج ٧/ ١٢٧ .
- ٦٤ -

وديعة ٦٠
والیمین علی المدعی علیه))(١)، والمدعى عليه
هو المتمسك بالأصل، والأصل أنه لم یودعه،
فكان القول قوله.
قلو أقام المدعي بينة بالإيداع، أو اعترف
بها المدعى عليه، طولب بها (٢).
٦٠ - وفي ضمان الوديع بعد الجحود، إذا
ادعی تلف الودیعة أو ردها بعد ذلك، خلاف
للفقهاء وتفصیل، هذا بيانه:
قال الحنفية: إذا أقام رب الوديعة البينة على
الإيداع بعدما جحد الوديع، وأقام الوديع بينة
على الهلاك، فينظر :
فإن جحد الوديع أصل الإيداع، بأن قال
للمودع: لم تودعني شيئاً، فالودیع ضامن،
وبينته على الهلاك بعد الجحود مردودة إذا
شهد الشهود على أنها تلفت بعد الجحود،
لأنه صار بالجحود ضامناً، وهلاك المضمون
في يد الضامن يقرر عليه الضمان. وكذا إذا
شهدوا على أنها تلفت قبل جحوده، لأن البينة
لا تقبل إلا بعد تقدم الدعوى، وهو متناقض
في كلامه، فجحوده أصل الإيداع يمنعه من
(١) حديث: ((البينة على المدعي ... )) أخرجه البيهقي
(٢٥٢/١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وإسناده
صحیح.
(٢) المهذب ٣٦٩/١، وروضة الطالبين ٣٤٣/٦.
دعوى الهلاك قبله، فلهذا لا تقبل بينته، إلا أن
يُقر المودع بذلك، فحينئذ لا ضمان على
الوديع، لأن الإقرار موجب بنفسه في حق
المقر، ولأن المناقض إذا صدقه خصمه، كان
مقبول القول(١).
وإن جحد الودیع الودیعة، بأن قال: ليس
لك عندي وديعة، ثم أقام البينة على أنها
هلكت بعد الجحود أو مطلقاً، فإنه لا ينتفع
بينته، لأن العقد ارتفع بالجحود، فدخلت
العين في ضمانه، والهلاك بعد ذلك يقرر
الضمان، لا أنه يسقطه.
وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل
الجحود، تسمع بینته، ولا ضمان علیه، لأن
الهلاك قبل الجحود لما ثبت بالبينة، فقد ظهر
انتهاء العقد قبل الجحود، فلا يرتفع
بالجحود، فظهر أن الوديعة هلكت من غير
صنعه، فلا یضمن(٢).
وقال المالكية: إذا أنكر الوديع أصل الإيداع
عند طلب الوديعة، فشهدت البينة علیه به،
فأقام البينة على ردها، ففي قبول بينته بالرد
خلاف مشهور .
(١) المبسوط ١١٧/١١، والفتاوي الهندية ٣٥٦/٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٣٥٦/٤، وبدائع الصنائع
٢١٢/٦، ومجمع الأنهر ٢/ ٣٤١، ومنحة الخالق
على البحر الرائق ٧/ ٢٧٧ .
- ٦٥ -

..
وديعة ٦٠
فقال ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن
الماجشون وأصبغ: هو ضامن بالجحود، ولا
يقبل قوله، ولا تسمع بينته بالرد، لأنه أكذبها
بدعواه عدم الاستيداع.
وقيل: يقبل قوله، قال اللخمي: وهو
أحسن، لأنه يقول: أردت بالجحود ألا
أتكلف بينة .
أما إذا لم ينكر أصل الإيداع، بل قال:
مالك عندي شيء. فالبينة بالبراءة تنفعه (١).
وقال الشافعية: إن ادعی الوديع رد الوديعة
أو تلفها قبل الجحود أو بعده نظر في صيغة
جحوده: فإن أنكر أصل الإيداع لم تقبل دعواه
الرد لتناقض كلامه وظهور خيانته، وأما في
دعوی التلف فيصدق لكنه کالغاصب فيضمن،
وهل يتمكن من تحليف المالك، وهل تسمع
بينته على ما يدعيه من الرد أو التلف؟ وجهان:
أصحهما: نعم لاحتمال أنه نسي فصار کمن
ادعى وقال: لا بينة لي، ثم جاء ببينة فتسمع،
فعلى هذا لو قامت بينة بالرد أو الهلاك قبل
الجحود سقطت المطالبة وإن قامت بالهلاك
بعد الجحود ضمن لخیانته.
(١) الزرقاني على خليل ١١٩/٦، والتاج والإكليل
٢٥٨/٥ .
وإن كانت صيغة جحوده: لا يلزمني تسليم
شيء إليك، أو ما لَكَ عندي وديعة، أو شيء،
صدق في دعوى الرد والتلف لأنها لا تناقض
کلامه الأول.
فإن اعترف بأنه كان باقياً يوم الجحود لم
يصدق في دعوى الرد إلا ببينة، وإن ادعى
الهلاك فكالغاصب إذا ادعاه، والمذهب أنه
يصدق بيمينه ويضمن(١).
وقال الحنابلة: إذا أنکر ودیع أصل الإيداع،
فقال: لم تودعني، ثم أقر بالإيداع أو ثبت
عليه بالبينة، فادعى رداً أو تلفاً سابقين
لجحوده، لم يقبل منه ذلك، لأنه صار ضامناً
بجحوده، معترفاً على نفسه بالكذب المنافي
للأمانة. وإن أقام عليه بينة فلا تسمع، لتكذيبه
لها بجحوده. وإن كان ما ادعاه من الرد أو
التلف بعد جحوده، كما لو أدعى عليه بالوديعة
یوم الخمیس، فجحدها، ثم أقر بها يوم
السبت، ثم ادعى أنه ردها أو تلفت بغير
تفريطه يوم الأربعاء، وأقام بذلك بينته، قبلت
بينته بهما، لأنه حينئذ ليس بمكذب لها، فإذا
شهدت بینته برد أو تلف بعد جحود الإيداع،
ولم تعين هل ذلك التلف أو الرد قبل جحوده
أو بعده؟ لم يسقط الضمان، لأن وجوبه
(١) روضة الطالبين ٦/ ٣٤٣.
- ٦٦ -

وديعة ٦١
متحقق، فلا ينتفي بأمر متردد فيه.
وأما إذا قال المدعى عليه بوديعة لمدعيها :
ما لَكَ عندي شيءٍ، أو لا تستحق علي شيئاً،
فقامت بينة بالإيداع، أو أقر به الوديع، ثم
ادعى تلفاً أو رداً، كان القول قوله مع یمینه،
ولا ضمان علیه، لأنه لیس بمناف لجوابه،
لجواز أن یکون أودعه، ثم تلفت عنده بلا
تفريط، أو ردها، فلا یکون له عنده شيء،
ولا تقبل منه دعوى وقوع الرد أو التلف بعد
جحوده، لاستقرار الضمان بالجحود، فيشبه
الغاصب. قال البهوتي: قلت: وظاهره ولو
أقام به بينة(١) .
(ك) - تضييع الوديعة
٦١ - المراد بتضييع الوديعة تعريضها
للذهاب والتوى على صاحبها، كأن يلقيها
الوديع في مفازة، أو يجعلها في غير حرز
مثلها، أو يؤخر إحرازها مع التمكن، فتهلك،
فإنه يكون ضامناً لها، وذلك لأنه مأمور
بحفظها في حرز مثلها بالتحرز عن أسباب
التلف، وقد أتى بنقيض ما التزم به من
الحفظ، فكان ذلك طريقاً إلى تضمينه(٢).
(١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٦، وكشاف القناع
٢٠١/٤، والمبدع ٢٤٤/٥.
(٢) الفتاوى الهندية ٣٤٢/٤ وما بعدها، فتاوى =
وأنواع التضييع كثيرة لا تنحصر، والمرجع
عند الفقهاء فى معرفة ما يعد تضييعاً للوديعة
وما لا يعد إلى العرف، وإنه ليختلف بحسب
الأزمنة والأمكنة وعوائد الناس(١).
وقد عد الشافعية منه الصور التالية :
أ) ما لو وقعت دابة في مهلكة، وهي مع
وديع، فترك تخليصها الذي ليس عليه فيه کبیر
کلفة ومشقة، أو ذبحها بعد تعذر تخليصها،
فماتت، فإنه يضمنها(٢) .
ب) أن ينام الوديع عنها، وهي معه في غير
حرز مثلها، وليس معه رفقة مستيقظون
يحفظونها، فتضيع(٣).
ج) أن يدل الوديع عليها، أو يعلم بها من
يصادر المالك ويأخذ أمواله، ويعين له
موضعها، فإنه يضمنها بذلك(٤).
= أبي الليث السمرقندي ص٢١٨، ٢١٩،
والقوانين الفقهية ص٣٧٩، وروضة الطالبين
٣٤١/٦، وأسنى المطالب ٨٢/٣، وكشاف
القناع ٤/ ١٨٧ .
(١) الفتاوى الهندية ٣٤٢/٤، ٣٤٣، ٣٤٤، وشرح
منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٢، والعقود الدرية ٢/ ٧٥ .
(٢) تحفة المحتاج ١١٩/٧ .
(٣) تحفة المحتاج ١١٩/٧، والقليوبي ٣/ ١٨٥.
(٤) روضة الطالبين ٦/ ٣٤٢، والقليوبي وعميرة
١٨٥/٣، وكفاية الأخيار ١٠/٢ .
- ٦٧ -

وديعة ٦١
.....
وعدَّ الحنابلة من التضييع: ما لو سلمها
الوديع بطريق الخطأ إلى من يظنه صاحبها
فتبين خطؤه، فإنه يضمنها، لأنه فوتها على
ربها(١) .
واتفق الفقهاء على أن من التضييع الموجب
للضمان ما لو دل الوديع لصاً على مكان
الوديعة، فسرقها، وذلك لإتیانه بنقيض ما
التزمه من الحفظ (٢)
غير أنه جاء في ((شرح المنتھی)) من کتب
الحنابلة أن ضمانها في هذه الحالة على الوديع
واللص، أما الوديع، فلمنافاة دلالته للحفظ
المأمور به، أشبه ما لو دفعها لغيره. وأما
اللص، فلأنه هو المتلف لها، وعلى اللص
قرار الضمان لمباشرته (٣).
وهناك صورتان لتضييع الوديعة، اختلف
الفقهاء في تضمین الوديع بها:
(١) كشاف القناع ٢٠١/٤، وشرح منتهى الإرادات
٤٥٨/٢ .
(٢) البحر الرائق ٧/ ٢٧٥، والفتاوى الهندية ٣٤٦/٤،
ورد المحتار ٤٩٦/٤، وروضة الطالبين ٦/ ٣٤٢،
وتحفة المحتاج ٧/ ١٢٠، وحاشية الرملي على
أسنى المطالب ٨٣/٣، والزرقاني على خليل مع
البناني ١٢٠/٦، والقوانين الفقهية ص٣٧٩،
وكشاف القناع ٤/ ١٨٧ .
(٣) شرح منتهى الإرادات للبهوتي ٢/ ٤٥٢.
الصورة الأولى: إذا أكره الوديع على تسليم
الوديعة لغاصب أو ظالم فدفعها إليه، فقد
اختلف الفقهاء في تضمينه على قولين:
الأول: للحنفية والحنابلة والشافعية في غير
الأصح، وهو أنه لا ضمان علی الوديع، لأن
الإکراہ عذر یبیح دفعها لمن أكرهه، فکان کما
لو أُخذت من يده بغير فعل من جهته(١).
الثاني: للشافعية في الأصح، وهو أن دفعها
إليه تضييع موجب لضمانه.
ثم إن المالك بالخيار: إن شاء ضمن
الوديع، لمباشرته التسليم - ولو مضطراً، إذ
لا يؤثر ذلك على ضمان المباشر - لأنه فوت
الوديعة على صاحبها، لدفع الضرر عن نفسه،
فأشبه ما لو أنفقها على نفسه لخوف التلف من
الجوع، ثم يرجع الوديع على المكره بعد ذلك
بما غرم، وإن شاء ضمن الظالم المكره(٢).
الصورة الثانية: نسيان الوديعة، كما إذا قعد
(١) رد المحتار ٥٠١/٤، والدر المنتقى ٣٤٥/٢،
وقليوبي وعميرة ١٨٥/٣، والمهذب ٣٦٩/١،
وكشاف القناع ٢٠٠/٤، والمغني ٩/ ٢٨٠،
وشرح منتهى الإرادات ٤٥٨/٢ .
(٢) روضة الطالبين ٦/ ٣٤٢، وتحفة المحتاج
١٢١/٧، وأسنى المطالب ٨٣/٣، والقليوبي
على شرح المنهاج ٣/ ١٨٥.
- ٦٨ -

وديعة ٦٢
الوديع في طريق، وهي معه، ثم قام فنسیها،
أو وضعها بحرز ثم نسيه، وكما لو كان معه
کیس دراهم وديعة، فوضعه في حجره، ثم قام
ونسيه، فضاع، ونحو ذلك وقد اختلف الفقهاء
في تضمينه بذلك على قولین:
أحدهما: للحنفية والشافعية في الأصح
وابن الماجشون وابن حبيب ومطرف من
المالكية، وهو أنه يضمن الوديعة إذا ضيعها
بالنسيان. لأن نسيانه جناية على الوديعة.
وبذلك أفتى القاضي أبو الوليد ابن رشد،
وابن الحاج من علماء المالكية(١).
والثاني: للباجي والعبدوسي من المالكية،
وهو أنه لا ضمان عليه بذلك(٢) قال ابن رشد
الحفيد: اختلف في المذهب في ضمانها
بالنسیان، مثل أن ينساها في موضع إيداعها،
أو ينسى من دفعها إلیه، ويدعیها رجلان
(١) الفتاوي الهندية ٣٤٢/٤ - ٣٤٣، ومجمع الأنهر
٣٤٥/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٩/١،
والزرقاني على خليل ١١٧/٦، ومواهب الجليل
والتاج والإكليل ٢٥٦/٥، وروضة الطالبين
٣٤٢/٦، وتحفة المحتاج ١١٩/٧،
والقليوبي وعميرة ١٨٥/٣، والمقدمات
الممهدات ٢ /٤٦٦ .
(٢) الزرقاني على خليل ٦/ ١١٧، ومواهب الجليل
٢٥٦/٥، ٢٥٧، والمقدمات الممهدات
٤٦٦/٢، والتاج والإكليل ٢٥٦/٥.
فقيل: يحلفان، وتقسم بينهما، ولا ضمان
عليه، وقيل: إنه يضمن لكل واحد منهما(١).
(ل) - ترك تعهد الوديعة:
٦٢ - نص المالكية والشافعية والحنابلة
على أن من استودع دابة، فلم يأمره صاحبها
بسقيها ولا علفها ولم ينهه، فتركها دون ذلك
حتى ماتت فإنه يضمنها(٢).
قال البهوتي: لأن علفها وسقيها من كمال
الحفظ الذي التزمه بالاستيداع، بل هو الحفظ
بعينه، إذ الحيوان لا يبقى عادةً بدونهما،
فيلزمانه(٣). وقال القاضي عبدالوهاب
البغدادي: ودليلنا أن المودع مأمور بحفظ
الوديعة، وذلك يتضمن حراستها فیما یعلفها،
فكان ذلك عليه، كما أنه لو رآها في بئر للزمه
ردها عن ذلك الموضع، وفي ترك علفها
تلفها، فكان ممنوعاً منه (٤).
وهذا هو مقتضى مذهب الحنفية أيضاً، لما
جاء في ((قرة عيون الأخيار)) نقلًا عن الحاوي
(١) بداية المجتهد ٣١٢/٢.
(٢) الأم ٤/ ٦٠، وتحفة المحتاج ١١٣/٧، وأسنى
المطالب ٧٨/٣، والإشراف للقاضي عبدالوهاب
٤٢/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥١،
وكشاف القناع ١٨٩/٤ .
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥١ .
(٤) الإشراف على مسائل الخلاف ٢/ ٤٢ .
- ٦٩ -

وديعة ٦٢
للزاهدي : ولو أنفق علیھا بلا أمر قاض، فهو
متبرع، ولو لم ينفق عليها المودع حتى هلكت
يضمن، لكن نفقتها على المودع(١).
أما إذا نهاه مالكها عن سقيها وعلفها،
فتركها بدون ذلك حتى ماتت، فللفقهاء في
ذلك قولان :
الأول: للشافعية على الصحيح والحنابلة،
وهو أنه لا ضمان علیه، لامتثاله أمر مالکها،
لأن الضمان إنما يجب لحق المالك، وقد
رضي بإسقاطه، فصار كما لو قال له: اقتل
دابتي، لكنه يأثم بذلك، لأن للحيوان حرمة
في نفسه، لحق اللَّه تعالى(٢).
الثاني: لأبي سعيد الاصطخري من الشافعية
وابن المنذر، وهو أنه یضمنها، إذ لا اعتبار
لنهيه، لأنه يجب عليه سقيها وعلفها شرعاً
لحرمة الروح، فإذا ترك ذلك، صار متعدياً
بعصيانه لله تعالى، فكان أمر مالكها وسكوته
سواء(٣).
(١) قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار ٢/ ٢٦١، وانظر
الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠١ .
(٢) تحفة المحتاج ١١٤/٧، وأسنى المطالب ٧٨/٣،
وروضة الطالبين ٣٣٢/٦، وشرح منتهى الإرادات
٤٥١/٢، وكشاف القناع ١٨٩/٤، والمغني
٩/ ٢٧٥ .
(٣) المهذب ٣٦٨/١، وروضة الطالبين ٣٣٢/٦، =
كذلك ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ثياب
الصوف التي يفسدها العث، يجب على الوديع
نشرها وتعريضها للريح، بل يلزمه لبسها إذا لم
يندفع إلا بأن تلبس، فإن لم يفعل ففسدت
ضمن، سواء أمره المالك بذلك أو سكت(١).
وخالفهم في ذلك الحنفية، فلم يروا ذلك
واجباً على الوديع، ومن ثم قالوا بعدم ضمانه
لو فسدت. فجاء في ((الدر المنتقى)): وتارك
نشر الصوف صيفاً فعث، لم يضمن(٢)، وفي
(العقود الدرية)) لابن عابدين: الإنسان إذا
استودع عنده ما يقع فيه السوس في زمان
الصيف، فلم يبردها بالهواء، حتى وقع فيه
السوس وفسد، لا يضمن(٣).
إما إذا نهاه صاحبها عن نشرها وتعريضها
للريح، فامتنع حتى فسدت، فقد نص الشافعية
على أنه يكره امتثاله، لكنه لا يضمن (٤).
= والقليوبي ١٨٤/٣، والمغني لابن قدامة
٢٧٥/٩ .
(١) روضة الطالبين ٣٣٤/٦، وتحفة المحتاج
١١٥/٧، وما بعدها، وأسنى المطالب ٧٩/٣،
وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤ .
(٢) الدر المنتقى في شرح الملتقى ٣٤٥/٢ .
(٣) العقود الدرية ٢/ ٨٠، وانظر الفتاوى الهندية
٣٤٤/٤ .
(٤) أسنى المطالب ٧٩/٣، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦.
- ٧٠ -

وديعة ٦٣
٠٠٠
(م) - نقل الوديعة:
٦٣ - اختلف الفقهاء في تضمين الوديع
بنقل الوديعة من محلة إلى أخرى، أو من دار
إلى أخرى، ونحو ذلك إذا أطلق المالك
موضع الإحراز، فلم يعين مكاناً له، وذلك
على النحو التالي:
قال المالكية: إذا نقل الوديع الوديعة من بلد
إلى بلد ضمن، لتعديه بذلك، أما إذا نقلها من
منزل لآخر، فلا ضمان عليه(١). وقد جاء في
التاج والإكليل عن أشهب وعبدالملك: من
أودع جراراً فيها إدام، أو قوارير فيها دهن،
فنقلها من موضع في بيته إلى موضع،
فانكسرت في موضعها ذلك، لم يضمنها(٢).
وقال الشافعية: إذا نقل الوديع الوديعة - من
غير ضرورة - من محلة أو دار إلى أخرى
دونها في الحرز وإن كان حرز مثلها، ضمن
على المعتمد، سواء أنهاه عن الفعل أم عين له
تلك المحلة أم أطلق، لأنه عرضها للتلف
بذلك، سواء أتلفت بسبب النقل أم لا، فإن لم
تکن دونها فیه، بأن کانت مثلها فیه أو أحرز
منها، فلا يضمن.
(١) القوانين الفقهية ص٣٧٩ .
(٢) التاج والإكليل للمواق ٢٥٠/٥ .
ولو نقلها من بیت إلى بيت في دار واحدة،
فلا ضمان عليه، وإن كان الأول أحرز، إلا أن
ينقلها بنية التعدي.
وكذا لا يضمن إذا نقلها من حرز إلى مثله
أو فوقه ولو في قرية أخرى لاسفر بينهما ولا
خوف، إذ لا يتفاوت الغرض بذلك، فهو كما
لو اکتری أرضاً لزرع حنطة، فله أن یزرع ما
ضرره مثل ضررها ودونه(١).
وقد جاء في ((الأم)) للشافعي: ولو استودعه
إياها في قرية آهلة، فانتقل إلى قرية غير آهلة،
أو في عمران من القرية، فانتقل إلى خراب من
القرية، وهلكت، ضمن في الحالین.
ولو استودعه إياها في خراب، فانتقل إلى
عمارة، أو في مخوف، فانتقل إلى موضع
آمن، لم يكن ضامناً، لأنه زاده خيراً (٢).
وقال الحنابلة: إذا أودعه وديعة، ولم يعين
له موضع إحرازها، فإن الوديع يحفظها في
حرز مثلها أي موضع شاء. فإن وضعها في
حرز، ثم نقلها عنه إلى حرز مثلها، لم
(١) القليوبي وعميرة ١٨٣/٣، وروضة الطالبين
٣٣١/٦، وأسنى المطالب ٧٨/٣، وتحفة
المحتاج وحاشية العبادي عليه ٧/ ١١١، ومغني
المحتاج ٨٤/٣ .
(٢) الأم ٤ / ٦١ .
- ٧١ -

..
وديعة ٦٤
یضمنها، سواء نقلها إلى مثل الأول أو دونه،
لأن ربها رد حفظها إلى رأيه واجتهاده، وأذن
له في إحرازها بما شاء من إحراز مثلها، ولم
يقع منه تفريط(١).
ومقتضى مذهب الحنفية أنه لا ضمان علیه،
إذ الأصل عندهم أن الأمر بحفظ الوديعة إذا
صدر من صاحبها مطلقاً عن تعيين المكان،
فلا يجوز تقييد المطلق من غير دليل (٢).
(ن) - تجهيل الوديعة :
٦٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الوديع
إذا مات، ووجدت الوديعة قائمة بعينها في
تركته، فهي أمانة في يد الوارث، ويجب عليه
ردها لمالكها، لأنها عين ماله، ومن وجد عين
ماله فهو أحق بها(٣).
أما إذا مات الوديع مُجَهُلًا حال الوديعة،
ولم توجد في تركته، ولم تعرفها الورثة، فإنه
يضمنها بالتجهيل عند الحنفية والحنابلة، لأنه
منع للوديعة عن ربها ظلماً، وعلى ذلك تصير
ديناً واجب الأداء من تركته كباقي الدیون،
(١) المغني ٢٦٥/٩، وكشاف القناع ١٨٧/٤، والمبدع
٢٣٤/٥ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٩/٦ .
(٣) الإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١، والمادة (٨٠١)
من المجلة العدلية.
ويشارك المودِعُ سائرَ غرماء الوديع فيها (١).
وقد علل الحنابلة تضمينه بأن الوديعة يجب
ردها لصاحبها، إلا أن يثبت سقوط الرد
بالتلف من غير تعدي الوديع أو تفريطه، ولم
یثبت ذلك، فیبقی علیه الرد، إذ لم يوجد ما
یزیله.
وعلل الكاساني من الحنفية ذلك بأنه لما
مات مجهلًا للوديعة، فقد أتلفها معنى،
لخروجها من أن تكون منتفعاً بها في حق
المالك بالتجهيل، وهو تفسير الإتلاف(٢).
وقال السرخسي: أصل المسألة أن الأمين إذا
مات مجهلًا للأمانة، فالأمانة تصير ديناً في
ترکته عندنا، لأنه بالتجهیل صار متملكاً لها،
فإن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك،
ولهذا لو شهد الشهود بها، کان ذلك بمنزلة
الشهادة بالملك، حتى يقضي القاضي للوارث
بها، والوديع بالتملك يصير ضامناً. ولأنه
بالتجھیل یصیر مسلطاً غرماءه وورثته على
أخذها، والوديع بمثل هذا التسليط يصير
ضامناً، كما لو دل سارقاً على سرقتها، ولأنه
(١) البحر الرائق ٢٧٥/٧، والعقود الدرية ٧٢/٢،
ورد المحتار ٤٩٥/٤، وما بعدها، وشرح منتهى
الإرادات ٤٥٨/٢، وكشاف القناع ١٩٨/٤،
والمغني ٢٦٩/٩، ٢٧٠ .
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢١٣ .
- ٧٢ -

وديعة ٦٤
التزم أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة بيانها عند
الموت، وردها على المالك إذا طلب، فكما
يضمن بترك الرد بعد الطلب، يضمن أيضاً
بترك البيان عند الموت(١).
وقد شرط الحنفية في التجهيل المفضي
للضمان شرطين :
أولهما: عدم بيان الوديع حال الوديعة قبل
موته .
والثاني: عدم معرفة الوارث بالوديعة، ولذا
قال في الفتاوى البزازية: والوديع إنما يضمن
بالتجهيل إذا لم يعرف الوارثُ الوديعة. أما إذا
عرف الوارث الوديعة، والوديع يعلم أنه يعلم
ومات، ولم یبین، لم يضمن(٢).
وأما الشافعية والمالكية، فلم یذکروا تجهیل
الوديعة ضمن موجبات ضمانها، وذكروا نحوه
موجباً آخر سموه «ترك الإيصاء بالوديعة)».
فقال المالكية: إذا مات الوديع، وعنده
ودائع لم توجد في ترکته، ولم یوص بها،
فعلیه ضمانها، أي يؤخذ عوضها من تركته.
وعللوا ذلك بأنها لو ضاعت في يده لتحدث
(١) المبسوط ١٢٩/١١ .
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٦، ٣٢٧،
والبحر الرائق ٧/ ٢٧٥، ورد المحتار ٤٩٦/٤ .
بها، فمن أجل ذلك يحمل على أنه تسلفها.
قال مالك: ولو أن رجلًا هلك ببلد، وقِبَلَهُ
قرضُ دنانير وقراضٌ وودائع، فلم يوجد
للودائع ولا للقراض سبب، ولم يوص بشيء
من ذلك، قال: أهل القراض وأهل الودائع
والقرض يتحاصون في جميع ماله على قدر
(١)
أموالهم(١) .
قالوا: وذلك ما لم تتقادم كعشر سنين من
يوم الإيداع، إذ لا ضمان عليه حينئذ، لأنه
يحمل على أنه ردها لربها، وقد قیدوا ذلك بما
إذا لم تكن الوديعة ثابتة بإشهاد مقصود به
التوثق، فإن كان هناك بينة عند الإيداع
مقصودة للتوثق، أو بینة علیه بها بعد إنكاره،
فلا يسقط الضمان بطول الزمان.
أما إذا أوصى بها، فإنه لا يضمنها. فإن
كانت باقية أخذها ربها، وإن تلفت فلا ضمان
عليه(٢) .
وقال الشافعية: إذا مرض الوديع مرضاً
مخوفاً، أو حبس للقتل لزمه أن يوصي
بالودیعة، فإن سكت عنها ضمن لأنه عرضها
(١) المدونة ١٤٩/١٥ .
(٢) الزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه
١٢٠/٦، ومواهب الجليل والتاج والإكليل
٢٥٩/٥ .
- ٧٣ -

وديعة ٦٥
للفوات، إذ الوارث یعتمد ظاهر اليد ويدعیها
لنفسه .
والمراد بالوصية الإعلام والأمر بالرد من
غير أن يخرجها من يده.
ويشترط في الوصية أمور:
أحدها: أن يعجز عن الرد إلى المالك أو
وکیله، وحينئذ یودع عند الحاكم أو يوصي
إليه، فإن عجز فيودع عند أمين أو يوصي إليه.
الثاني: أن يوصي إلى أمين، فإذا أوصى
إلی فاسق کان کما لو لم یوص فیضمن.
الثالث: أن يبين الوديعة ويميزها عن غيرها
بإشارة إليها؛ أو ببيان جنسها وصفتها، فلو
قال: عندي ودیعة فھو کما لو لم یوص، هذا
إذا تمکن من الإيداع أو الوصیة، فإن لم یتمکن
بأن قتل غيلة أو مات فجأة فلا ضمان(١).
ومحل وجوب الإيصاء على الوديع ولزوم
الضمان بتركه في هذه الحالة إذا لم تكن هناك
بينة عليها. أما إذا كانت هناك بينة باقية على
الوديعة بعد موته، فلا يلزمه ذلك، کالوصية،
ولا يجب عليه الضمان بتركه (٢)
(١) روضة الطالبين ٣٢٩/٦ وما بعدها.
(٢) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ١٠٩/٧، =
(س) - المخالفة فى كيفية الحفظ :
٦٥ - اختلف الفقهاء فيما يعتبر مخالفة
لأمر صاحب الوديعة في كيفية الحفظ وذلك
على النحو الآتي:
ذهب الحنفية إلى أن رب الوديعة إذا اشترط
على الوديع شرطاً يتعلق بكيفية حفظها،
فيجب عليه اعتباره والعمل به إذا كان ذلك
الشرط مفيداً ومراعاته ممكنة، أما إذا كان غير
مفيد، أو كان مفيداً لكن مراعاته غير ممكنة،
فهو لغو لا يلزمه العمل به.
فإذا أمره بالحفظ، وشرط عليه أن يمسك
الوديعة بيده ليلاً ونهاراً، ولا يضعها، فالشرط
باطل، حتى لو وضعها في بيته أو فيما يحرز
فيه ماله عادة، فضاعت لا ضمان عليه، لأن
إمساك الوديعة بيده، بحيث لا يضعها أصلًا
غير مقدور له عادة، فكان شرطاً لا يمكن
مراعاته، فيلغو.
ولو أمره بالحفظ، ونهاه أن يدفعها إلى
امرأته أو ولده الذي هو في عياله أو من يحفظ
مال نفسه بیده عادة، نظر فیه: إن کان لا يجد
= وما بعدها، وأسنى المطالب وحاشية الرملي
عليه ٧٧/٣، وما بعدها، وكفاية الأخيار ٨/٢،
والقليوبي وعميرة ١٨٣/٣، وروضة الطالبين
٣٢٩/٦، وما بعدها.
- ٧٤ -

وديعة ٦٥
بداً من الدفع إلیه، فله أن يدفع، لأنه إذا لم
يجد بداً من الدفع إليه، كان النهي عن الدفع
إليه نهياً عن الحفظ، فكان سفهاً، فلا يصح
نهيه .
وإن کان یجد بُدّاً من الدفع إلیه فليس له أن
يدفع، ولو دفع يدخل في ضمانه، لأنه إذا كان
له منه بد في الدفع إلیه، أمكن اعتبار الشرط،
وهو مفيد، لأن الأيدي في الحفظ متفاوتة،
والأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن.
ولو قال له: لا تخرجها من هذا البلد.
فخرج بها، تدخل في ضمانه، لأنه شرط یمکن
اعتباره، وهو مفيد، لأن الحفظ في المصر
أكمل من الحفظ في السفر، إذ السفر موضع
الخطر، إلا إذا خاف التلف عليها، فاضطر إلى
الخروج بها، فخرج، لا تدخل في ضمانه، لأن
الخروج بها في هذه الحالة طريق متعين
للحفظ، کما إذا وقع في داره حریق، أو كان في
سفينة، فخاف الغرق، فدفعها إلى غيره.
ولو قال له: احفظ الوديعة في دارك هذه،
فحفظها في دار له أخرى، فإن كانت الداران
في الحرز سواء، أو كانت الثانية أحرز، لا
تدخل في ضمانه، لأن التقييد غير مفيد. وإن
كانت الأولى أحرز من الثانية، دخلت في
ضمانه، لأن التقييد به عند تفاوت الحرز
مفيد. وكذلك لو أمره أن يضعها في داره في
هذه القرية، ونهاه عن أن يضعها في داره في
قرية أخرى، فهو على هذا التفصيل(١).
وقال المالكية: إذا عين له رب الوديعة
الحرز، فقال له: احفظها في هذا البيت، أو
في هذا الموضع، فعليه حفظها فيه، فإن نقلها
إلى ما دونه ضمن، لأن من رضي حرزاً، لم
یرض بما دونه.
وإن نقلها إلى مثله أو إلى ما هو أحرز منه،
فلا ضمان عليه، لأن تعيين الحرز يقتضي
الإذن في مثله، وفيما هو أحفظ منه بطريق
(٢)
الأولى(٢).
وقال الشافعية: إذا خالف الوديع في وجه
الحفظ المأمور به من المودع، بأن أمره بحفظ
الوديعة على وجه مخصوص، فعدل إلى وجه
آخر، وتلفت، فينظر: فإن تلفت بغير سبب
المخالفة، فلا ضمان علیه.
وإن وقع التلف بسبب المخالفة ضمن، إذا
كانت المخالفة تقصيراً. وذلك لحصول التلف
(١) البدائع ٦/ ٢٠٩، ٢١٠، وانظر المبسوط ١٢١/١١،
ومجمع الأنهر والدر المنتقى ٢/ ٣٤٣، والبحر الرائق
٢٧٩/٧، والفتاوى الهندية ٤/ ٣٤١ .
(٢) الزرقاني على خليل ١١٦/٦، ومواهب الجليل
٢٥٦/٥، والتاج والإكليل ٢٥٥/٥، ٢٥٦،
والقوانين الفقهية ص ٣٧٩ .
- ٧٥ -

....
وديعة ٦٥
من جهة مخالفته وتقصيره.
وعلى ذلك قالوا: لو كانت الوديعة في
صندوق، وقال رب الوديعة: لا ترقد على
الصندوق، فرقد علیه، وانكسر بثقله، وتلف ما
فيه، ضمن لمخالفته المؤدية إلى التلف. وإن
تلف بغیر ثقله، فلا یضمن علی الصحیح، لأن
التلف لم یآت بسبب مخالفته. وكذا لو قال له:
لا تقفل عليها، فخالف، فقفل. أو: لا تقفل
عليها إلا قفلًا واحداً، فقفل عليها قفلين، فلا
يضمن في الحالين، لأنه زاد في الحفظ، ولم
یأت التلف مما عدل إليه .
أما إذا خالف في الموقع الذي عينه له، بأن
أودعه دابة، وقال له: اجعلها في بيتك. فنقلها
إلى ما دونه، ضمن - حتى ولو كان المنقول
إليه حرزاً لمثلها - لأن من رضي حرزاً، لم
يرض بما دونه. وإن نقلها إلى مثله أو إلى ما
هو أحرز منه، فماتت فجأة أو بمرض أو
نحوه، لم يضمن، لأن من رضي حرزاً،
رضي مثله وما هو أحرز منه. وإن انهدم عليها
الحرز المماثل لبيته أو الأحرز منه، أو سرقت
منه، ضمن للمخالفة، لأن التلف حصل بها .
ولو نهاه المودع عن نقلها من الموضع الذي
عينه، فنقلها من غير ضرورة، ضمن، حتى
ولو کان المکان المنقول إلیه أحرز منه، وذلك
لصريح المخالفة من غير حاجة. فإن كان
النقل لضرورة - كخوف حريق أو غرق أو
غلبة لصوص - لم يضمن، لتعين حفظها
بنقلها، بل يجب عليه نقلها إلى حرز مثلها إن
وجد، وإلا فلدونه، لأنه ليس في وسعه
سواه، فلو ترك النقل في ذلك الحال ضمن،
لأن الظاهر أن رب الوديعة قصد بالنهي عن
النقل الاحتياط في حفظها، والاحتياط في هذه
الحال أن تنقل، فلذلك لزمه.
أما إذا قال له: لا تنقلها وإن وقع خوف،
فلا ينقلها وإن وقع الخوف، ولا ضمان عليه
بترك نقلها حينئذ، لأن نهيه عنه مع خوف
الهلاك أبرأ الوديع من الضمان، إذ الضمان
إنما يجب لحق صاحبها، فسقط بقوله. وإن
نقلها الوديع، لم يضمن أيضاً، لأن قصده
الصيانة(١).
وقال الحنابلة: إذا عين رب الوديعة الحرز،
بأن قال: احفظها بهذا البيت أو الحانوت،
فأحرزها بدونه رتبة في الحفظ، فضاعت،
ضمن لمخالفته، لأن البيوت والحوانيت
تختلف في درجة الحفظ، وحتى لو ردها إلى
(١) تحفة المحتاج ١١٦/٧، وما بعدها، وروضة
الطالبين ٣٣٧/٦ - ٣٤١، والأم ٤/ ٦١،
والقليوبي وعميرة ١٨٤/٣، وأسنى المطالب
٨٠/٣ وما بعدها.
- ٧٦ -

.....
وديعة ٦٦
......
الحرز المعين بعد ذلك، وتلفت فيه، فإنه
يضمن لتعديه بوضعها في الدون أولًا ، فلا
تعود أمانةً إلا بعقد جدید.
أما إذا أحرزها بمثل الحرز المعين أو فوقه
في الحفظ، ولو لغير حاجة، فلا يضمن
الوديعة إن تلفت، لأن تعيين الحرز يقتضي
الإذن في مثله، وفيما هو أحفظ منه بالأولى.
فإن نهاه رب الوديعة عن إخراجها من
المكان الذي عينه لحفظها، فأخرجها لغشيان
شيء الغالب منه الهلاك، کحریق ونهب،
فتلفت، فلا ضمان عليه بنقلها إن وضعها في
حرز مثله أو فوقه، لأن نقلها تعين حفظاً لها،
وهو مأمور بحفظها. فإن تعذر عليه مثل
حرزها الأول أو فوقه، فأحرزها بما هو دونه
في الحفظ، فتلفت به، لم يضمن، لأن ذلك
أحفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه
سواه. وإن ترکها في مكانها مع غشيان ما
الغالب معه الهلاك فتلفت، ضمن، لأنه فرط
في حفظها، حيث إن حفظها في نقلها،
وتركها تضييع لها. ومثل ذلك ما لو أخرجها
لغير خوف من حرزٍ نهاه مالكها عن إخراجها
منه، فتلفت، فإنه يضمن سواء أخرجها إلى
مثله أو أحرز منه، لمخالفته أمر صاحبها بلا
حاجة .
فإن قال له مالكها: لا تخرجها، وإن خفت
علیها، فحصل خوف وأخرجها خوفاً علیها،
أو لم يخرجها، فتلفت - مع إخراجها أو تركه
- لم يضمنها، لأنه إن تركها، فهو ممتثل أمر
صاحبها، فكان مأذوناً في تركها في تلك
الحال، والإذن والضمان لا يجتمعان. وإن
أخرجها فقد زاده خيراً وحفظاً، إذ مقصوده به
المبالغة في حفظها له، فلم يضمن به، كما لو
قال له: أتلفها، فلم يتلفها حتى تلفت. أما إذا
أخرجها بلا خوف، فتلفت، فإنه يضمن(١).
(ع) - نية التعدي على الوديعة:
٦٦ - اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الوديع
التعدي على الوديعة التي عنده بالجحود أو
الاستعمال أو غير ذلك، لكنه لم يفعل، فهل
يصير ضامناً بالنية لو تلفت بدون تعديه أو
تفريطه، أم لا؟ وذلك على قولين:
أحدهما: للحنفية والحنابلة والشافعية على
الصحيح، وهو أنه لا ضمان على الوديع
بمجرد نية التعدي في الوديعة، وذلك لقوله
وَالر: ((إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست - أو
حدثت - به أنفسها، ما لم تعمل به، أو
(١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، وكشاف القناع
١٨٧/٤ وما بعدها، والمغني ٩/ ٢٦٣ وما
بعدها، والمبدع٢٣٤/٥ .
- ٧٧ -

وديعة ٦٧ - ٦٨
تكلم»(١). والوديع هنا لم يخن فيها بقول ولا
فعل، فلم یضمنها، کالذي لم ينو. ومثله کمن
نوی أن یغصب مال إنسان، فلم يفعل شيئاً،
فلا ضمان عليه(٢).
والثاني: للشافعية في مقابل الصحيح
والحنابلة في وجه حكاه القاضي أبو يعلى،
وهو أنه يضمن بنية التعدي في الوديعة ولو لم
يفعل، وذلك لنيته الخيانة، فيضمنها،
كالملتقط بقصد التملك(٣).
انتهاء عقد الإبداع
٦٧ - عقد الإيداع جائز من الجانبين،
فلكل واحد منهما فسخه متى شاء دون توقف
على رضا الطرف الآخر أو قبوله.
وعلى ذلك فمتى أراد المودع استرداد ودیعته،
لزم الوديع ردها إليه، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَ أَهْلِهَا﴾(٤).
(١) حديث: ((إن الله تجاوز لأمتي ... )) تقدم تخريجه
فقرة (٥٤).
(٢) المبسوط ١١٢/١١، والبدائع ٢١٣/٦، وكشاف
القناع ١٩٦/٤، والقليوبي وعميرة ١٨٦/٣،
وأسنى المطالب٧٩/٣، والمبدع ٢٤٠/٥،
والمغني لابن قدامة ٩/ ٢٧٢ وما بعدها.
(٣) المبدع ٥/ ٢٤٠، والقليوبي وعميرة ١٨٦/٣،
والمهذب ٣٦٩/١، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦.
(٤) سورة النساء : ٥٨ .
ومتى أراد الوديع ردها لصاحبها لزمه
قبولها، لأن الوديع متبرع بإمساكها وحفظها
لمالكها، وما على المحسنين من سبيل.
وقد سبق تفصيل ذلك في الفقرة ٩ .
فإن لم يكن الوديع متبرعاً بالحفظ، كما في
حالة الوديعة بأجر، فقد ذهب الحنفية
والمالکیة إلى لزوم عقد الإيداع حينئذ،
لصيرورته إجارة على الحفظ، واعتبار الوديع
فيه أجيراً، وبذلك لا يكون لأحد من الطرفين
أن يفسخه بإرادته المنفردة قبل تمام المدة،
كسائر الإجارات(١).
٦٨ - أما انفساخ عقد الإيداع، بمعنى حل
رابطة العقد لطروء سبب يمنع بقاءه
واستمراره(٢)، فقد ذكر الفقهاء له سبعة
أسباب:
أحدها: موت أحد العاقدين (المودع أو
الوديع):
أما المودع، فلأن ملكية المال المودع
انتقلت بموتہ إلی ورثته أو دائنيه.
وأما الوديع، فلأن أهليته للحفظ قد زالت
بموته .
(١) درر الحكام ٢٢٨/٢، ومواهب الجليل ١٨٨/٥.
(٢) انظر الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم
١٩٤/٢ .
- ٧٨ -

وديعة ٦٨
وعلى ذلك نص الحنفية والشافعية
والحنابلة. وهو مقتضى مذهب المالكية اعتباراً
بالوكالة(١).
وعلى ذلك، فإن توفي صاحب الوديعة،
لزم الوديع رد الوديعة إلى ورثته، أداءً لحق
الأمانة. فإن لم يفعل صار ضامناً لها. وفي
هذه الصورة اختلف الفقهاء في كيفية تضمينه
على ثلاثة أقوال:
قال الحنفية: لا يلزمه ردها قبل طلبها،
وعليه: فإذا مات المودع، فلم يردها الوديع
إلى الورثة قبل الطلب، هلكت، فلا ضمان
عليه(٢) .
وإذا مات المودع وعليه دين، فطلبها
الورثة، فلم يردها، لا يضمن(٣).
وأساس ذلك عندهم أن المودع إذا مات،
فترد وديعته إلى ورثته ما لم تكن التركة
مستغرقة بالدین، فإن كانت كذلك، فلا تسلم
للوارث إذا كان يخاف عليها منه إلا بإذن
(١) روضة القضاة للسمناني ٦١٦/٢، والمهذب
٣٦٦/١، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وروضة
الطالبين ٣٢٦/٦، وكشاف القناع ١٨٦/٤،
والمبدع ٢٣٣/٥، ومواهب الجليل ٢١٤/٥ -
٢١٥ .
(٢) النتف في الفتاوى للسغدي ٢/ ٥٨٠ .
(٣) النتف ٢ /٥٨١ .
الحاكم، وإن سلمها الوديع إلى الوارث بلا
إذن الحاكم، وهلكت أو ضاعت، فعلى
الوديع ضمانها(١).
وقال الشافعية: يجب على الوديع ردها
حالًا إلى الورثة، حتى لو تلفت في يده بعد
التمكن من الرد، ضمن على الأصح، فإن لم
يجد الورثة، رد إلی الحاکم، قال النووي:
وقيد في ((العدة)) هذا الجواب بما إذا لم تعلم
الورثة بالوديعة، فأما إذا علموا، فلا يجب الرد
إليهم إلا بعد طلبهم (٢) .
وقال الحنابلة: يجب على الوديع ردها حالًا
دون طلب الورثة، فإن تلفت قبل التمكن، فلا
ضمان عليه. أما إذا تلفت بعده، ففي تضمينه
وجهان(٣).
أما إذا مات الوديع، فقد ذهب الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى أن الوديعة تكون أمانة
محضة في يد ورثته، ويجب عليهم ردها
لمالكها(٤)، وقد جاء في المادة (٨٠١) من
(١) قرة عيون الأخيار ٢٦١/٢، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ص٣٣١، وشرح المجلة للأتاسي
٢٩٤/٣، ودرر الحكام ٢٩٠/٢، وانظر المادة
(٨٠٢) من المجلة العدلية.
(٢) روضة الطالبين ٣٤٦/٦.
(٣) المبدع ٢٣٣/٥.
(٤) تحفة المحتاج ١٠٤/٧، ودرر الحكام ٢٨٣/٢،
والمادة (٨٠١)، والإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١ .
- ٧٩ -

وديعة ٦٨
المجلة العدلية: إذا مات المستودع، ووجدت
الوديعة عيناً في تركته، تكون أمانة في يد
وارثه، فيردها لصاحبها .
وقال الشافعية: إذا مات المودع، فعلى
وارثه ردها فإن تلفت في يده بعد التمكن ضمن
على الأصح. فإن كان المالك غائباً، سلمها
(١)
إلى الحاكم(١).
وقال ابن قدامة: وإن مات، وعنده و دیعة
معلومة بعينها، فعلى ورثته تمكين صاحبها من
أخذها، فإن لم يعلم بموته، وجب عليهم
إعلامه به، وليس لهم إمساكها قبل أن يعلم بها
ربها، لأنه لم يأتمنهم عليها، وإنما حصل مال
غيرهم في أيديهم، بمنزلة من أطارت الريح إلى
داره ثوباً، وعلم به، فعلیه إعلام صاحبه به،
فإن أخر ذلك مع الإمكان ضمن، كذا ههنا(٢).
والثاني: زوال أهلية أحدهما للتصرف
بجنون ونحوه کإغماء من غير إفاقة، كما هو
الشأن في الوكالة.
أما الوديع، فلأنه لم يعد أهلًا للحفظ.
وأما المودع، فلأنه لم يعد ولي نفسه، بل
يلي غيره ماله وشئونه.
(١) روضة الطالبين ٣٤٧/٦.
(٢) المغني ٩/ ٢٧٠.
وعلى ذلك نص الحنفية والشافعية
والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية اعتباراً
بالوكالة(١).
والثالث: عزل الوديع نفسه، أو عزل
المودع له مع علمه: فإذا وقع ذلك انفسخ عقد
الإيداع، وتكون الوديعة في يده أمانة شرعية،
لها حكم الأمانات من حيث وجوب المبادرة
لردها إلى أهلها.
وعلى ذلك نص الحنفية والشافعية
والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية اعتباراً
بالوكالة(٢).
والرابع: نقل المالك ملكية الوديعة لغير
الوديع: كما لو باعها لآخر ونحو ذلك، حيث
ترتفع الوديعة وینتهي حكمها.
نص على ذلك الشافعية (٣). قال في تحفة
المحتاج: وفائدة الارتفاع أنها تصير أمانة
(١) تحفة المحتاج ١٠٤/٧، وروضة الطالبين
٣٢٦/٦، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وروضة
القضاة ٦١٦/٢، والمبدع ٢٣٣/٥، وكشاف
القناع ١٨٦/٤ .
(٢) أسنى المطالب ٧٦/٣، وروضة الطالبين ٣٢٦/٦،
وروضة القضاة للسمناني ٦١٦/٢، والمبدع ٥٪
٢٣٣، والمهذب ٣٦٦/١، وتحفة المحتاج ٧/
١٠٤، وكشاف القناع ١٨٦/٤، ومواهب الجليل
٢١٤/٥، وحاشية الدسوقي ٤١٩/٣ .
(٣) أسنى المطالب ٧٦/٣ .
- ٨٠ -