Indexed OCR Text
Pages 41-60
وديعة ٣٧ المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))(١). ولا خلاف بين الفقهاء في أن إتلاف الوديع للوديعة بدون إذن صاحبها يوجب عليه ضمانها، لكونه تعدیاً علیھا ینافي الموجب الأصلي لعقد الإيداع، وهو الحفظ، ولأن إتلاف مال الغير بدون إذنه سبب لوجوب الضمان عليه باتفاق أهل العلم(٢)، وقد نصت المادة (٧٨٧) من المجلة العدلية: إذا هلكت الوديعة أو نقصت قيمتها بسبب تعدي المستودع أو تقصيره، لزمه الضمان. وهناك مسائل تتعلق بإتلاف الوديع للوديعة هي: المسألة الأولى: إتلاف الوديعة بأمر صاحبها : ٣٧ - لو أمر رب الوديعة الوديع بإتلافها، = في قوله وَله: ((إن اللَّه كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٨/٥)، ومسلم (١٣٤١/٣) من حديث المغيرة بن شعبة، واللفظ لمسلم. (١) حديث: ((كل المسلم على المسلم ... )) أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (٢) القوانين الفقهية ص٣٧٩، وأسنى المطالب ٨٢/٣، وبدائع الصنائع ٢١٣/٦، والزرقاني على خليل ٦ / ١١٤ . بأن يلقيها في البحر أو يحرقها في النار ونحو ذلك، فقد نص الفقهاء على حرمة إتلافها(١). ولو فعل، ففي ضمانه قولان: أحدهما: لا شيء عليه، لإذن المالك له بذلك، لأن الحق في الوديعة ثابت لصاحبها، وقد أسقطه حین أذن له باتلافها، فصار كما لو استنابه في مباح، فلا يغرم الوديع له شيئاً. ولأن تحريم الفعل أثره في بقاء حق الله تعالى، وهو التأثيم، أما حق الآدمي، فلا يبقى مع الإذن في تفويته. وإلى ذلك ذهب الشافعية والحنابلة وبعض المالكية(٢). والثاني: هو ضامن، كمن قال لرجل: اقتلني أو ولدي، ففعل، ولأن مقتضى عقد الوديعة وجوب حفظها على الوديع، فصار الإذن له في إتلافها كشرط مناقض لمقتضى عقدها، فيلغى (٣). قال ابن المنذر: ولأنه ممنوع من إتلاف المال في غير حال الضرورة، (١) مواهب الجليل ٢٥١/٥، والمغني ٢٧٦/٩، والإشراف لابن المنذر ٢٦٤/١ . (٢) شرح منتهى الإرادات ٤٥١/٢، وكشاف القناع ١٨٩/٤، والمبدع ٢٣٦/٥، والمغني ٢٧٦/٩، والزرقاني على خليل ١١٤/٦، ومواهب الجليل ٢٥١/٥، والإشراف لابن المنذر١/ ٢٦٤، وأسنى المطالب ٧٨/٣، وتحفة المحتاج ١١٤/٧ . (٣) الزرقاني على خليل ٦/ ١١٤. - ٤١ - ..... وديعة ٣٨ لأن ذلك محرم، وفاعله عاصٍ، يجب أن يحجر عليه، لنهي النبي ◌َلِّ عن إضاعة المال، فإذا أمره بما ليس له، فأمره وسكوته سيان. ولو كان هذا لا شيء عليه، لكان المسلم إذا قال لأخيه المسلم: اضرب عنقي، فقطعه، أن لا شيء عليه، لأنه فعل ما أمره به، وقدأجمع أهل العلم على أن هذا قاتل ظالم، وقد منع الله تعالی من مالِ المسلم ومن دمه، وقد جمع النبي ◌ِّ بين تحريمهما(١). وإلى ذلك ذهب جماعة من فقهاء المالكية (٢) . المسألة الثانية: إتلاف الوديعة ثم رد بدلها: ٣٨ - اختلف الفقهاء فيما لو تعدى الوديع على الوديعة فأتلفها، ثم رد بدلها، فهل یبقی ضامناً لها بموجب إتلافها أم يرتفع عنه الضمان بالرد؟ فقال المالكية: إن كانت الوديعة دراهم أو دنانیر أو طعاماً أو نحو ذلك مما یکال ویوزن، فأتلفها الوديع، ثم رد مثلها مكانها، فلا شيء عليه بعد ذلك إن تلف، أما إذا كانت ثياباً أو (١) تقدم الحديث الوارد في ذلك في الفقرة (٣٦). (٢) العقد المنظم للحكام لابن سلمون ١٣٨/٢، ومواهب الجليل ٢٥١/٥، والإشراف لابن المنذر ٢٦٤/١، والزرقاني على خليل ١١٤/٦ . عروضاً قيمية، فهو ضامن لها من ساعة أتلفها، سواء رد بدلها إلى مكانها أم لا. لأنه بإتلافها لزمته قيمتها، ولا يبرأ من تلك القيمة إلا أن يردها على صاحب الوديعة، لا أن يردها في يده وديعة (١). وعند الحنفية والشافعية والحنابلة: يبقى ضامناً لها، سواء أكانت من المثلیات أو القيميات، من النقود أو العروض، لأن حكم الوديعة، وهو الاستئمان، قد ارتفع بالإتلاف، فلا يعود إليه إلا بالوفاق عند الحنفية، ورد المثل أو القيمة ليس عوداً للوفاق عندهم، لأنه إنما جاء بملك نفسه، لا بعين الوديعة. وعند الشافعية والحنابلة لا يعود الاستئمان إلا بسبب جديد، ولم يوجد، فلا يبرأ من الضمان(٢). ولو أتلف الوديع بعض الوديعة تعدياً، فهل يضمن مقدار ما أتلف، أم يضمن سائرها؟ قال النووي فى الروضة: إذا أتلف بعض الوديعة، ولم یکن له اتصال بالباقي، کأحد الثوبین، لم (١) الكافي لابن عبد البر ص٤٠٤، والمدونة ١٥/ ١٤٧، ١٥٩ . (٢) الإشراف للقاضي عبدالوهاب ٤١/٢، بداية المجتهد ٣١١/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١، والبحر الرائق ٢٧٧/٧، والمغني لابن قدامة ٢٧٧/٩ ط هجر، وتحفة المحتاج لابن حجر ٧/ ١٢٢ . - ٤٢ - وديعة ٣٩ - ٤٠ يضمن إلا المتلف، وإن كان له اتصال، كتحريق بعض الثوب، وقطع طرف البهيمة، نظر: إن كان عامداً، فهو جاٍ علی الکل، فيضمن الجميع. وإن كان مخطئاً ضمن المتلف، ولا يضمن الباقي على الأصح. وهذا هو مذهب الشافعية . وعند الحنفية إذا طرأ نقصان على قيمتها لزمه النقصان(١). المسألة الثالثة: تلف الوديعة لعدم دفع المستودع الهلاك عنها : ٣٩ - إذا تلف الوديعة بسبب امتناع الوديع عن دفع الهلاك عنها، كما إذا وقع حريق في بيته، فلم ينقل الوديعة إلى مكان آخر، مع قدرته عليه، اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : الأول: للحنفية والحنابلة: وهو أنه يصير بذلك ضامناً لها، وذلك لأنه تعين عليه إخراج الوديعة إلى محل آخر طريقاً لحفظها، وبتركه الحفظ الملتزم بالعقد والمتعين عليه، مع قدرته عليه وتمكنه منه، صار كالمتلف لها(٢). (١) روضة الطالبين ٣٣٦/٦، وانظر أسنى المطالب ٨٠/٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ١٢٣/٧، ودرر الحكام ٢٥٣/٢ . (٢) العقود الدرية لابن عابدين ٢/ ٧٠، والفتاوى = والثاني: للشافعية: وهو أنه لا ضمان عليه بذلك؛ لأن النار أتلفتها، وهذا كالرجل المسلم تحيط به النار، ورجل مسلم قادرٌ على إخراجه فلم يفعل، فهو عاص، ولا عقل عليه ولا قود(١). ب - إيداع الوديعة عند الغير: ٤٠ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة واسحاق والقاضي شریح وغیرهم إلى أنه ليس للودیع أن یودع الودیعة عند غيره - ممن ليس في عياله أو من يحفظ ماله عادة - عندغير الشافعية بدون إذن المالك، من غير عذر. فإن فعل ذلك صار ضامناً، حتى ولو كان ذلك الغير أميناً . لأن المودع إنما أذن له في حفظها تحت یده، ولم يأذن له في وضعها تحت يد غيره، فإن فعل ذلك، كان متعدياً، لخروجه في حفظها عن الوجه المأذون فیه، ولأن الناس = الهندية ٣٤٦/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥١/٢، والمغني ٢٦٤/٩، وانظر المادة (٧٨٧) من المجلة العدلية، وشرح المجلة للأتاسي ٢٦٢/٣، والمادة (١٣٦١) من مجلة الأحكام الشرعیة علی مذهب أحمد. (١) الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ٢٦٤/١، ومغني المحتاج ٨٤/٣، وتحفة المحتاج ٧/ ١١٢ . - ٤٣ - وديعة ٤١ متفاوتون في الحفظ والأمانة، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره، ولم يسلطه على أن يودعها غيره، فإذا دفعها إلى أجنبي، فقد صار تاركاً الحفظ الذي التزمه، مستحفظاً عليها من استحفظ منه، وذلك تفريط موجب للضمان، وإنما استثنيت حالة العذر، لأن الدفع إليه فيها تعين طريقاً للحفظ، فكان مأذوناً به من المالك دلالة، فارتفع سبب الضمان(١). وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى، فقال: له إيداعها عند الأجنبي لغير عذر، ولا ضمان علیه فيه، لأنه إذا كان عليه إحرازها وحفظها على الوجه الذي يحفظ به ماله، فالإنسان قد یودع مال نفسه عند أجنبي، فكان له أن يودع الوديعة عنده، كما لو حفظها في حرزه، وبأن (١) رد المحتار ٤٩٥/٤، العقود الدرية ٧١/٢، والمبسوط ١١٣/١١، والفتاوى الهندية ٤/ ٣٤٠، وبدائع الصنائع ٢٠٨/٦، والبحر الرائق ٢٧٤/٧، وتحفة المحتاج ٧/ ١٠٥، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وروضة الطالبين ٣٢٧/٦، والقليوبي وعميرة ١٨٢/٣، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، والتاج والإكليل ٢٥٧/٥، والإشراف للقاضي عبدالوهاب ٤١/٢، ٤٢، والزرقاني على خليل ١١٧/٦، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي علیه ٢/ ٢٥٤، والمغني لابن قدامة ٢٥٩/٩، وكشاف القناع ١٩٣/٤، والمبدع ٢٣٨/٥، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٢ . من ملك شيئاً بنفسه، ملك تفويضه إلى غيره، وقد ملك الوديع حفظ الوديعة، فيملك تفويضه إلى غيره(١) . وقد سبق بیان حكم إيداع الوديعة عند أحد من عياله في الفقرة (٢٦). ٤١ - أما إذا كان له عذر في إيداعها عند الأجنبي، فقد ذهب الحنفية والمالكية والليث ابن سعد إلى أن له أن يودعها عند ثقة مأمون، ولا ضمان علیه في ذلك، سواء قدر علی دفعها إلى الحاكم أو لم يقدر، لأنه أودعها عند الحاجة لثقة مرضي، فأشبه إيداعها عند الحاكم، ولأنه أحد سببي حفظها، فكان موكلًا إلى اجتهاده كالحرز(٢). وخالفهم في ذلك الشافعية والحنابلة فقالوا: إن كان له عذر، فينبغي أن يردها إلى مالکها أو و کیله، فإن تعذر وصوله إليهما، (١) المبسوط ١١٣/١١، والإشراف لابن المنذر ٢٥٢/١، وتأسيس النظر للدبوسي ص ٩٤، واختلاف العراقيين ٤ / ٦٣ . (٢) رد المحتار ٤٩٥/٤، والبحر الرائق ٢٧٥/٧، والبدائع ٢٠٨/٦، والعقود الدرية ٧١/٢، والتاج والإكليل ٢٥٧/٥، والزرقاني على خليل ١١٧/٦، والكافي لابن عبدالبر ص٤٠٣، وبداية المجتهد ٣١٢/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٢/١ . - ٤٤ - وديعة ٤٢ دفعها إلى القاضي، إذ القاضي يقوم مقام صاحبها عند غیبته، فإن لم يجد قاضياً، دفعها إلى أمين ثقة، لأنه موضع حاجة، فإن ترك الدفع إلى المالك أو وكيله مع القدرة علیه، ودفعها إلی الحاکم العدل أو الأمین، ضمن، لأنه دفعها إلی غیر مالکها بدون إذنه من غیر عذر، فضمنها، كما لو أودعها عند أجنبي بلا عذر. ولو دفعها إلى أمين مع القدرة على الحاكم ضمن، لأن غير الحاكم لا ولاية له(١). وقال ابن قدامة: ويحتمل أن يجوز له إيداعها، لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها(٢). أما الاستعانة بالغير في حمل الوديعة ووضعها وحفظها في الحرز أو سقيها أو علفها، فقد نص الشافعية والحنابلة على جواز ذلك للوديع، ولا ضمان عليه فيه(٣). قال (١) روضة الطالبين ٣٢٨/٦، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وتحفة المحتاج ١٠٦/٧، والمغني ٩/ ٢٦٠، وكشاف القناع ١٩٤/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٣ . (٢) المغني ٢٦١/٩ . (٣) القليوبي وعميرة ١٨٢/٣، وروضة الطالبين ٣٢٧/٦، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وتحفة المحتاج ١٠٦/٧، ومغني المحتاج ٨٢/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤، وكشاف القناع ٤/ ١٩٢ . الشافعية إذا لم يزل يده عنها، لأن العادة قد جرت بالاستعانة، ولأنه ما أخرجها عن يده ولا فوض حفظها إلى غيره(١) . ج - خلط الوديعة بغيرها ٤٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الوديع إذا خلط الوديعة بغيرها، بحيث تتميز عنه، أو يسهل تفريقها منه، فإنه لا يلزمه ضمانها، وذلك لإمکان فصلها عما خلطت به، وردها بعينها إلى مالكها عند طلبه بيسر وسهولة، فأشبه ما لو تركها في صندوق فيه أكياس له(٢). قال الشافعية: إلا إذا نقصت الوديعة بالخلط، فإنه يضمن أرش نقصانها(٣). إما إذا خلطت بما لا يمكن تميزه عنها أو بحيث يعسر تفريق أحد المالين عن الآخر، فقد فرق الفقهاء بين ما إذا وقع ذلك بإذن مالكها أو بغير إذنه على النحو التالي: (١) المهذب ٣٦٨/١. (٢) كشاف القناع ١٩٦/٤، والمغني ٢٥٨/٩، ومواهب الجليل ٢٥٣/٥، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، وروضة الطالبين ٣٣٦/٦، وتحفة المحتاج ١٢٣/٧، والكافي لابن عبدالبر ص٤٠٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٨، ورد المحتار ٤٩٧/٤، ومجمع الأنهر ٣٤١/٢ . (٣) الأم ٦٣/٤، وانظر أسنى المطالب ٨٠/٣، والقليوبي ١٨٦/٣، وتحفة المحتاج ٧/ ١٢٣. - ٤٥ - وديعة ٤٣ - ٤٤ الحالة الأولى: خلط الوديعة بإذن صاحبها : ٤٣ - إذا خلط الوديع الوديعة بماله بإذن مالكها، فقد نص الحنابلة على أنه لا ضمان على الوديع بذلك، لأنه فعل ما فوضه المالك بفعله، فکان نائباً عنه فیه(١). واختلف النقل عن الحنفية في ذلك ففي بعض الكتب أن الوديع يكون شريكاً للمودع، وفي بعضها ذكر أن لهم ثلاثة أقوال: الأول: لأبي حنيفة، وهو أن ينقطع حق المالك عن الوديعة بكل حال مائعاً كان أو غير مائع، ويصير المخلوط ملك الخالط، ويضمن الخالط للمودع حقه، وعليه الفتوى في مذهب الحنفية . الثاني: لمحمد بن الحسن الشيباني، وهو أن الوديع يصير شريكاً لمالك الوديعة شركة ملك اختيارية، فإذا هلکت أو ضاعت بلا تعد ولا تفريط منه، فلا ضمان علیه. ووافقه أبو يوسف في غير المائع. والثالث: لأبي يوسف، وهو أنه يجعل الأقل تابعاً للأكثر، اعتباراً للغالب يعني أن من کان ماله أکثر یکون المخلوط ملکه، ویضمن (١) المغني لابن قدامة ٢٥٩/٩. للآخر حقه وذلك في المائع(١). الحالة الثانية: خلط الوديعة بغير إذن صاحبها فيما لا يمكن تميزه: لهذه الحالة صور متعددة بیانها فيما يلي: (أ) خلط الوديع الوديعة بماله أو مال غيره: ٤٤ - اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الوديع إذا خلط الوديعة بماله أو بغير ماله، على وجه يتعسر معه تمييز المالين عن بعضهما، فعليه ضمانها، سواء خلطها بمثلها أو دونها أو أجود منها، من جنسها أو غيره، وسواء أكان خلط مجاورة كقمح بقمح أو بشعير، أو خلط ممازجة كالخل بالزيت، لأنه صار مستهلكاً لها حكماً بالخلط، لتعذر ردها لمالكها بعده(٢). (١) قرة عيون الأخيار ٢٤٨/٢، والبحر الرائق ٢٧٦/٧، ومجمع الأنهر ٣٤١/٢، ورد المحتار ٤٩٨/٤، ودرر الحكام ٢٦٢/٢، وشرح المجلة للأناسي ٢٦٩/٣، وانظر المادة (٨٢٦) من مرشد الحيران والمادة (٧٩٨) من المجلة العدلية. (٢) بدائع الصنائع ٢١٣/٦، وقرة عيون الأخيار ٢٤٧/٢، والفتاوى الهندية ٣٤٨/٤، ورد المحتار ٤٩٧/٤، والبحر الرائق ٢٧٦/٧، ومجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٤١/٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٨، والنتف للسغدي = - ٤٦ - وديعة ٤٥ .... قال السرخسي : الخلط أنواع ثلاثة : خلط يتعذر التمييز بعده، كخلط الشيء بجنسه، فهذا موجب للضمان، لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عین ملكه. وخلط يتيسر معه التمييز، كخلط الدراهم السود بالبيض، والدراهم بالدنانير. فهذا لا يكون موجباً للضمان، لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه، فهذه مجاورة، وليست بخلط . وخلط يتعسر معه التمييز، كخلط الحنطة بالشعير. فهذا موجب للضمان، لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه إلا بحرج، والمتعسر كالمتعذر (١). وذهب المالكية إلى أن الوديع إذا خلط الوديعة بما هو غير مماثل لها جنساً أو صفة من ماله، كخلط القمح بالشعير ونحوه، فيلزمه = ٥٧٩/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٥٦/٣، والإشراف لابن المنذر ٢٥٣/١، وروضة الطالبين ٣٣٦/٦، والأم ٦٣/٤، والمهذب ٣٦٨/١، وتحفة المحتاج ١٢٣/٧، والقليوبي ١٨٦/٣، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٨٠/٣، وكشاف القناع ١٩٦/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٤/٢، والمبدع ٢٤٠/٥، والمغني ٢٥٨/٩ . (١) المبسوط ١١٠/١١، وانظر الفتاوى الهندية ٣٤٨/٤، وقرة عيون الأخيار ٢/ ٢٤٧. الضمان، لتعدیه بذلك، حیث إنه فوت عينها بالخلط، فلا يقدر على تخليصها، لأنها لا تتمیز، وليست مماثلة لما خلط بها، فلا يمكن القسمة . أما إذا خلطها بجنسها المماثل لها جودةً ورداءةً، کحنطة بمثلها، أو ذهب بمثله، فلا ضمان عليه في ذلك إذا وقع على وجه الإحراز والرفق لا على وجه التملك. وذلك لأن المودع على مثل ذلك قد دخل، إذ قد يشق على الوديع أن يجعل كل ما أودعه على حدة. ولأنه لو تعدی علی الوديعة فأکلها ثم رد مثلها، ثم ضاعت بعد رده، لم يلزمه شيء، فخلطه بمثلها كرد مثلها، فلا يوجب الضمان إذا هلكت(١) . (ب) خلط الوديع الوديعة بمال لصاحبها: ٤٥ - نقل صاحب المبدع من الحنابلة عن الرعاية أنه إذا خلط الوديع إحدى ودیعتي زيد بالأخرى بلا إذنه، وتعذر التمييز بينهما، ففي ضمانه وجهان(٢) . (١) التاج والإكليل ٢٥٣/٥، ومواهب الجليل ٢٥٢/٥، والزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه ١١٤/٦، والمدونة ١٤٥/١٥، وما بعدها، والكافي لابن عبدالبر ص ٤٠٣، والقوانين الفقهية ص٣٧٩ . (٢) المبدع ٢٤٠/٥. - ٤٧ - .. وديعة ٤٦ - ٤٧ وقال الشافعية: إذا خلط الوديع الوديعة بمال آخر لصاحبها، ففي المسألة وجهان: أحدهما: أنه لا يضمن، لأن الجميع له، وقد لا يكون له غرض في تفريقه. والثاني: وهو الأصح، أنه يضمن، لأنه متعدٍ بذلك، إذ لم يرض المودع أن يكون أحدهما مختلطاً بالآخر(١). (ج) خلط غير الوديع الوديعة بماله : ٤٦ - قال أبو حنيفة والحنابلة: إذا خلط غير الوديع الوديعة بماله أو بمال غيره، فعلى الخالط ضمانها، لأنه هو المباشر للفعل الموجب للضمان، ولا ضمان على الوديع، لانعدام الخلط منه حقيقة وحكماً. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: صاحب الوديعة بالخيار، إن شاء ضمنها الخالط، وإن شاء شارك في العين بمقدار حصته، وکانا شریکین(٢). (١) أسنى المطالب ٣/ ٨٠، وتحفة المحتاج ١٢٣/٧، وروضة الطالبين ٣٣٦/٦، والمهذب ٣٦٨/١. (٢) المبسوط ١١٠/١١، ورد المحتار ٤٩٨/٤، والبحر الرائق ٢٧٦/٧، والفتاوى الهندية ٣٤٩/٤، قرة عيون الأخيار ٢٤٩/٢، شرح المجلة للأتاسي ٢٦٦/٣، وكشاف القناع ٤/ ١٩٦، والمغني ٢٥٩/٩، وانظر المادة (٨٢٥) من مرشد الحيران والمادة (٧٧٨) من المجلة العدلية. (د) اختلاط الوديعة بمال الوديع بغير صنعه : ٤٧ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا ضمان على الودیع إذا اختلطت الوديعة بماله بلا صنعه، لانعدام الفعل الموجب للضمان من جهته، ولأنها لو تلفت حقيقة بغير تعدٍ منه أو تفريط، فلا ضمان عليه، فاختلاطها بغيرها أولى. بل إن الحنفية نصوا على أنه يصير بذلك شريكاً لمالك الوديعة شركة ملك جبرية، كل على قدر حصته، لوجود معنى الشركة، وهو اختلاط الملکین. وقال الحنابلة: وإن اختلطت الوديعة بغيرها من غير تفريط من الوديع فلا ضمان، فإن ضاع البعض جعل من مال الوديع في ظاهر كلام أحمد . وذكر القاضي أنهما يصيران شريكين، قال المجد: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما(١) (١) كشاف القناع ١٩٦/٤، والمغني ٢٥٩/٩، والفتاوى الهندية ٣٤٩/٤، والبحر الرائق ٢٧٦/٧، قرة عيون الأخيار ٢٤٩/٢، والبدائع ٢١٣/٦، ورد المحتار ٤٩٨/٤، ومجمع الأنهر ٣٤١/٢، والمبسوط ١١٠/١١، ودرر الحكام ٢٦٢/٢ . - ٤٨ - وديعة ٤٨ - ٤٩ (هـ) خلط الوديع وديعتين لشخصين : ٤٨ - قال الكاساني: لو أودعه رجلان، كل واحدٍ منهما ألف درهم، فخلط الوديع المالين خلطاً لا يتميز، فلا سبيل لهما على أخذ الدراهم، ويضمن الوديع لكل واحدٍ منهما ألفاً، ويكون المخلوط له. وهذا قول أبي حنيفة. ووجه قول أبي حنيفة: أنه لما خلطهما خلطاً لا يتميز، فقد عجز كل واحد منهما عن الانتفاع بالمخلوط، فكان الخلط منه إتلافاً للوديعة عن كل واحد منهما، فيضمن. وقال أبو يوسف ومحمد: هما بالخيار، إن شاءا اقتسما المخلوط نصفين، وإن شاءا ضمنا الوديع ألفين. وعلى هذا الخلاف سائر المكيلات والموزونات إذا خلط الجنس بالجنس خلطاً لا يتميز كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والدهن بالدهن. ووجه قولهما: أن الوديعة قائمة بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط فإن شاءا اقتسما لاعتبار جهة القیام، وإن شاءا ضمنا لاعتبار جهة العجز. ولو أودعه رجل حنطة، وآخر شعيراً، فخلطهما، فهو ضامن لكل واحد منهما مثل حقه عند أبي حنيفة، لأن الخلط إتلاف. وعندهما: لهما أن يأخذا العين ويبيعاها ويقتسما الثمن على قيمة الحنطة مخلوطة بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة، لأن قيمة الحنطة تنقص بخلط الشعير، وهو يستحق الثمن لقيام الحق في العين، وهو مستحق العين، بخلاف قيمة الشعير، لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط بالحنطة، وتلك الزيادة ملك الغير، فلا يستحقها صاحب الشعير(١). (د) - السفر بالوديعة : ٤٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أن للوديع السفر بالوديعة إذا أذن صاحبها به، فإن تلفت فلا ضمان عليه. وقد اعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة الإيداع في السفر إذناً ضمنياً للوديع في أن يسافر بها، لأن علم المودع بحاله عند إيداعه يشعر برضاه بذلك دلالة (٢). أما إذا لم يأذن له بالسفر بها، فقد اختلف (١) بدائع الصنائع ٢١٣/٦ . (٢) بداية المجتهد ٣١١/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٤/٢، وكفاية الأخيار ٨/٢، وروضة الطالبين ٣٢٩/٦، وأسنى المطالب ٧٧/٣ . - ٤٩ - وديعة ٤٩ الفقهاء في ضمانه إن سافر بالوديعة، وذلك على أربعة أقوال: الأول: لأبي حنيفة، وهو أنه يجوز للوديع السفر بالوديعة ولو كان لها حمل ومؤنة، ولا ضمان عليه فيه، لأن الأمر بالحفظ مطلق فلا یتقید بالمكان، کما لا يتقيد بالزمان. وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) له السفر بما ليس له حمل ومؤنة، ولا يجوز له أن يسافر بما له حمل ومؤنة، فإن فعل ضمن، لأن المؤنة تلزم المالك، وهو لم يأذن بالسفر، وهذا ما لم ينهه صاحبها عن السفر بها، أو يعين له مكان حفظها، أو يكن الطريق مخوفاً وإلا کان ضامناً، إذا کان له منه بد، وذلك لتعدیه فیه، فإن كان السفر ضرورياً لابد له منه وسافر بها فلا ضمان عليه(١) . الثاني: للمالكية، وهو أن سفر الوديع بالوديعة من غير عذر تعد موجب للضمان (٢). (١) بدائع الصنائع ٢٠٩/٦، والبحر الرائق ٢٧٨/٧، مجمع الأنهر ٣٣٩/٢، ورد المحتار ٤٩٩/٤، والمبسوط ١٢٢/١١، قرة عيون الأخيار ٢٥٣/٢ وما بعدها، النتف في الفتاوى للسغدي ٥٧٩/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٦٣/١ . (٢) التاج والإكليل ٢٥٤/٥، والزرقاني على خليل ١١٥/٦، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢٥٤/٢، والمدونة ١٥٥/١٥. قال ابن شاس: إن سافر بها مع القدرة على إيداعها عند أمين ضَمِن، وإن سافر بها عند العجز عن ذلك - كما لو كان في قرية مثلًا - لم يضمن(١). وجاء في المدونة: قلت: فلو أن رجلًا استودعني وديعة، فحضر مسيري إلى بعض البلدان، فخفت عليها، فحملتها معي، فضاعت، أأضمن في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: وكيف أصنع بها؟ قال: تستودعها في قول مالك، ولا تعرضها للتلف(٢). واحتج المالكية على ذلك بأن السفر لا يحفظ الوديعة إذا أودعت في البلد، فضمنها کما لو ترکها بموضع خراب لم تجر العادة بأن يحفظ في مثله. ولأن ربها إنما أذن له في حفظها في البلد، ولم يأذن له في إخراجها عنه، کما لو أذن له في حفظها تحت يده، ولم يأذن له في إيداعها لغيره، فلما كان متى أودعها لغيره ضمن بتعدیه، لخروجه في حفظها عن الوجه المأذون له فیه، فکذلك إذا سافر بها(٣). (١) التاج والإكليل ٢٥٤/٥ . (٢) المدونة ١٤٥/١٥. (٣) الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبدالوهاب ٤١/٢ . - ٥٠ - وديعة ٤٩ الثالث: للشافعية، إن سافر بها مع القدرة على ردها لمالكها أو وكيله أو إلى الحاكم إن لم يقدر عليهما أو إلى أمين إن لم يقدر على الحاكم، فإنه يضمنها. وذلك لأن مقصود المودع أن يكون ماله في المصر محفوظاً، یتمکن منه متی شاء، فإذا سافر الوديع به، فات على صاحبه هذا المقصود. ولأن حرز السفر دون حرز الحضر، يوضحه أن الإيداع يقتضي الحفظ في الحرز، وليس السفر من مواضع الحفظ، لأنه إما أن یکون مخوفاً أو آمناً لا یوثق بأمنه، فلا يجوز مع عدم الضرورة. فإن فقد الوديع من يدفعها إليه من هؤلاء، فيجوز له السفر بها في طريق آمن، ولا ضمان عليه إن تلفت، وذلك لئلا ينقطع الوديع مع عذره عن مصالحه، وينفر الناس من قبول الودائع، فإن خاف عليها في هذه الحالة من نحو حريق أو إغارة أو نحو ذلك، فيجب عليه السفر بها حينئذ، لأنه أحوط وأحفظ (١). الرابع: للحنابلة، وهو أنه يجوز له السفر بها، مع حضور مالکھا، إن لم يخف عليها (١) تحفة المحتاج ٧/ ١٠٧، وما بعدها، والقليوبي وعميرة ١٨٢/٣ وما بعدها، وأسنى المطالب ٧٧/٣ . من السفر، أو كان أحفظ لها من إبقائها، ولم ینهه صاحبها عنه، ولا ضمان علیه إن فعل، سواء أكان به ضرورة إلى السفر أم لم يكن، لأنه نقلها إلى موضع مأمون، فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد، ولأنه سافر بها سفراً غیر مخوف، أشبه ما لو لم يجد أحداً يتركها عنده . أما إذا لم يكن السفر أحفظ لها من إبقائها، أو استوی الأمران، فلا يجوز له أن يسافر بها، فإن فعل ضمن، وكذا إذا نهاه ربها عن السفر بها، إلا أن يكون ذلك لعذر، كجلاء أهل البلد، أو هجوم عدو، أو حرق أو غرق أو نحو ذلك، فلا ضمان علیه إذا سافر بها وتلفت، لأنه موضع حاجة، فإن تركها في هذه الحالة، وتلفت، فيضمن، لتركه الأصلح (١) ، وعلى ذلك المذهب. وقال ابن قدامة: ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو نائبه بغير إذنه، فهو مفرط، وعليه الضمان، لأنه يفوت علی صاحبها إمکان استرجاعها، ویخاطر بها . ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا یتضمن هذا الخطر، ولا یفوت إمکان ردها (١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٣، ٤٥٤، وكشاف القناع ٤/ ١٩٣ وما بعدها، وانظر المغني ٩/ ٢٦١ . - ٥١ - وديعة ٥٠ .. على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك. فأما مع غيبة المالك ووكيله، فله السفر بها إذا كان أحفظ لها، لأنه موضع حاجة، فيختار فعل ما فيه الحظ (١). (هـ) - التجارة بالوديعة : ٥٠ - الاتجار بالوديعة مكروه في قول بعض المالكية باعتباره تجاوزاً للحق لم يأذن به ربها، سواء أكانت الوديعة من النقود والمثليات، أو من العروض والقيمیات، ورجح بعض فقهائهم حرمته في المالین، وفصل البعض الآخر فقال بحرمته في العروض وكراهته في النقود (٢). ولا خلاف بين الفقهاء في أن الاتجار بالوديعة بدون إذن صاحبها تعد يستوجب على الوديع الضمان(٣)، وإن كان بينهم خلاف فيمن يستحق الربح الناتج عن اتجار الوديع، وذلك على خمسة أقوال: الأول: أن الربح لصاحب الوديعة، لأنه (١) المغني ٢٦١/٩ وما بعدها، وانظر المبدع ٢٣٨/٥ . (٢) كفاية الطالب الرباني ٢٥٥/٢، ومواهب الجليل ٢٥٥/٥ . (٣) الإشراف لابن المنذر ٢٥٧/١، وبداية المجتهد ٣١٢/٢، والتفريع لابن الجلاب ٢٧١/٢، وميارة على العاصمية ١٨٩/٢ . نماء ملكه، إذ من المعروف في الأصول والقواعد أن الربح تابع للمال الذي هو أصله، فیکون ملكاً لمن له المال الذي هو أصله. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وأبي قلابة، وبه قال اسحاق وأحمد في رواية عنه (١). الثاني: أنه لبيت المال، وهو مروي عن عطاء، وبه قال أحمد في رواية عنه(٢). الثالث: أنه يجب التصدق به، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن والشعبي وأحمد في رواية عنه(٣)، وحجتهم على ذلك أن الربح الحاصل بسبب خبيث، سبيله التصدق به. وقال السرخسي: ولأن الوديع عند البيع يخبر المشتري أنه يبيع ملكه وحقه، وهو كاذب في ذلك، والكذب في التجارة يوجب الصدقة، (١) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٣٧٩، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٤٧، والقوانين الفقهية ص ٣٨٠، والإشراف لابن المنذر ٢٥٧/١، وبداية المجتهد ٣١٢/٢. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣٠/٣٠، ومختصر الفتاوى المصرية ص٣٧٩، والإشراف لابن المنذر ٢٥٧/١ . (٣) مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٤٢/٢، والمبسوط ١١٢/١١، ومختصر الفتاوى المصرية ص٣٧٩، والاختيارات الفقهية ص ١٤٧، وبداية المجتهد ٣١٢/٢، والقوانين الفقهية ص ٣٨٠، والإشراف لابن المنذر ١/ ٢٥٧ . - ٥٢ - وديعة ٥٠ بدليل حديث قيس بن أبي غرزة الكناني، قال: «كنا نبتاع الأوساق بالمدينة، وكنا نسمی السماسرة، قال: فأتانا رسول اللَّه ◌َێے، وسمانا باسم هو أحسن مما كنا نسمي به أنفسنا فقال: يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة)) (١). فعملنا بالحديث في إيجاب التصدق بالفضل (٢) . الرابع: أن الربح للوديع، إذ هو ثمرة عمله وجهده، وإنما يستحقه بضمانه، لأن ضمان الوديعة وقت الاتجار بها منه، ولأنه لا یکون أسوأ حالا من الغاصب، باعتبار أن الغاصب إذا اتجر بالمال المغصوب فربح فهو له، فإذا كان الغاصب له الربح فالوديع أولى، ولأن المودع لم يدفع المال إليه بغرض طلب الفضل والربح، وإنما أراد حفظ الوديعة له، فيكون له أصل ماله دون الربح. وهو مروي عن القاضي شريح، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وبه قال مالك (١) حديث قيس بن أبي غرزة: ((كنا نبتاع الأوساق ... )) أخرجه أحمد (٦/٤ - ط الميمنية)، والحاكم (٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ لأحمد، وصححه الحاكم. (٢) المبسوط ١١٢/١١. والثوري والليث وأبو يوسف وأحمد في رواية عنه(١). غير أن الإمام أبا يوسف قيد استحقاقه الربح برده الوديعة، أو أدائه الضمان للمودع، فقال: إنما يطيب للوديع الربح إذا أدى الضمان أو سلم عينها، بأن باعها، ثم اشتراها، ودفعها إلی مالکھا . وقال بعض متأخري المالكية: إنما يطيب له الربح إذا رد رأس المال كما هو، وأما إن لم یرده، فلا یحل له من الربح قلیل ولا کثیر. هكذا ذكره أبو محمد عبدالله بن أبي زيد في النوادر(٢). الخامس: أن الربح يكون بين الوديع والمودع على قدر النفعين، بحسب معرفة أهل الخبرة، فيقتسمانه بينهما كالمضاربة، وهو (١) مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٤٢/٢، وميارة على العاصمية ١٨٩/٢، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي علیه ٢/ ٢٥٥، ومواهب الجليل ٢٥٥/٥، وبداية المجتهد ٣١٢/٢، والقوانين الفقهية ص ٣٨٠، والتاج والإکلیل ٢٥٥/٥، ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٣٠/٣٠، ومختصر الفتاوى المصرية ص٣٧٩، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٤٧، والإشراف لابن المنذر ٢٥٧/١ . (٢) ميارة وحاشية الحسن بن رحال عليه ١٨٩/٢، ومجمع الأنهر ٣٤٢/٢ . - ٥٣ - وديعة ٥١ رواية عن الإمام أحمد، قال ابن تيمية: وهو أصحها، وبه حكم عمر بن الخطاب تز. إلا أن يتجر به على غير وجه العدوان، مثل أن يعتقد أنه مال نفسه، فیتبین له أنه مال غيره، فهنا يقتسمان الربح بلا ريب(١) . (و) - استقراض الوديعة: ٥١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن اقتراض الوديع للوديعة يجعلها مضمونة في ذمته على كل حال. وأما اقتراضه منها بدون إذن صاحبها، فقد اختلف الفقهاء في جوازه: ففصل المالكية في المسألة، فقالوا: يحرم على الوديع أن يتسلف الوديعة إذا كان فقيراً، سواء أكانت من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء، نظراً لإعدامه . أما إذا كان موسراً فينظر: فإن كانت الوديعة عرضاً قيمياً، فيحرم على الوديع اقتراضها. قال الزرقاني لأن مثلہ لیس کعينه، لاختلاف الأغراض باختلاف أفراده، فأشبه بيع الفضولي وشراءه من حيث إنه تصرف في ملك الغير بما هو مظنة عدم رضاه(٢). (١) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٣٧٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٣٠/٣٠، والموطأ ٦٨٧/٢ . (٢) الزرقاني على خليل ١١٥/٦ . وإن كانت الوديعة نقداً فإنه مكروه. وذلك لأن مثله کعینه، فالتصرف الواقع فیہ کلا تصرف، أو أنه تصرف بما هو مظنة أن لا يأباه ربه، فلما لم يرد لذاته، كان أخف من المقوم. ومحل كراهة تسلف النقد فيما إذا لم یبح له ربه ذلك أو يمنعه، بأن جهل، وإلا أبيح في الأول، ومنع في الثاني(١). وأجازه بعضهم إن کان له مال فیه وفاء، وأشهد على الاقتراض، ووجه الجواز: أن الدنانير والدراهم لا تتعين، فكأنه لا مضرة على المودع في انتفاع الوديع بها إذا رد مثلها، وقد كان له أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء أعيانها، ولأن المودع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة، فجاز للوديع الانتفاع بها. ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه وضوء سراجه . وإن كانت الوديعة من المثلیات الأخرى، فإن كانت مما يكثر اختلافه ولا يتحصل أمثاله، فيحرم تسلفها، كالقيميات، وإلا فيجوز سلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة. وقال الباجي: الأظهر عندي المنع، وقد علق اللخمي على الاختلاف في الجواز، فقال: وأرى أن ينظر إلى المودع، فإن كان (١) الزرقاني على خليل ١١٥/٦. - ٥٤ - وديعة ٥٢ یعلم منه أنه لا یکره ذلك فیما بینه وبین الودیع، أو معه کرم طبع جاز، وإن كان يعلم منه الكراهية لم يجز. وبناء على ما تقدم قال ابن الحاجب: وإذا تسلف ما لا يحرم تسلفه، ثم رد مکانها مثلها، فتلف المثل بريء على المشهور. وقد جاء في المدونة: أن من أودع رجلًا دراهم أو ما يكال أو یوزن فتسلفه، ثم رد مثله مكانه، فلا ضمان عليه بعد الرد(١). وقال الشافعي في هذه المسألة: إن كان الذي رد مکانه یتمیز من دنانیره ودراهمه، فضاعت الدنانير كلها، ضمن ما تسلف فقط. وإن كان الذي وضع بدلًا مما أخذ لا يتميز ولا يعرف، فتلفت الدنانير، ضمنها كلها(٢). وقال ابن تيمية: إن علم الوديع علماً اطمأن إلیه قلبه أن صاحب الوديعة راضٍ بذلك، فلا بأس به. وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامةً، وعلمت منزلتك عنده، ومتى وقع في ذلك شك، لم يجز الاقتراض(٣). (١) التاج والإکلیل ومواهب الجلیل ٢٥٤/٥، ٢٥٥، والزرقاني على خليل ١١٥/٦، والمدونة ١٤٧/١٥، ١٥٩، والقوانين الفقهية ص٣٧٩ . (٢) الأم للشافعي ٤/ ٦٣. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٩٤/٣٠. (ز) - استعمال الوديعة ٥٢ - استعمال الوديع للوديعة والانتفاع بها، کرکوب الدابة، ولبس الثوب ونحو ذلك إما أن يقع بإذن صاحبها، أو بغير إذنه، فإذا استعملها الوديع بإذنه، فلا خلاف بين الفقهاء في حل فعله ومشروعيته(١). أما فيما يخص تضمين الوديع بالاستعمال المأذون فيه، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول: للحنفية، وهو أنه لا ضمان على الوديع باستعمال الوديعة المأذون فيه، وهذا مقتضى قولهم بانتفاء التعدي بالإذن. وأن الإذن بالاستعمال لیس بمفسد لعقد الوديعة، لأن الشيء إنما يفسد بما ينافيه، والاستعمال لا ينافي الإيداع، ولذا صح الأمر بالحفظ مع الاستعمال ابتداءً . وجاء في المادة ٧٩٢ من المجلة العدلية: كما أن للوديع أن يستعمل الوديعة بإذن صاحبها فله أيضاً أن يؤجرها ويعيرها ويرهنها(٢). (١) الإقناع لابن المنذر ٤٠٥/٢، والإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ٢٥٦/١، ودرر الحكام ٢٦٢/٢ . (٢) البدائع ٦/ ٢١١، وقرة عيون الأخيار = - ٥٥ - ٠. وديعة ٥٢ والثاني: للشافعية، وهو أن الإذن للوديع باستعمالها يفسد عقد الوديعة، لأنه شرط يناقض مقتضى العقد فيفسد، ثم ينظر بعد ذلك: فإن استعملها انقلبت عارية فاسدة (١)، وتصير العين مضمونة بيده، إلحاقاً لفاسد العارية بصحيحها في الضمان. وإن لم يستعملها بقيت أمانة، إلحاقاً لفاسد الوديعة بصحیحها في عدم الضمان، حیث إن فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه(٢). والثالث: للحنابلة، وهو أن المالك إذا أذن للوديع باستعمال الوديعة، فاستعملها حسب الإذن، صارت عارية مضمونة، کالرهن إذا أذن ربه للمرتهن باستعماله. وإن لم يستعملها، فهي أمانة، لأن الانتفاع غير مقصود، ولم يوجد، فوجب تغليب ما هو المقصود، وهو الحفظ، فتبقى وديعة(٣). أما إذا استعمل الوديع الوديعة بغير إذن ربها، فقد اتفق الفقهاء على أن فعله هذا تعدٍ = ٢٣٣/٢، والمبسوط ١١٥/١١، مجمع الأنهر ٣٤١/٢ . (١) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ١٠٥/٧ . (٢) حاشية القليوبي على شرح المنهاج ١٨١/٣، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٧/ ١٠٥، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٧٦/٣ . (٣) كشاف القناع ١٦٧/٤. يستوجب ضمانه (١). وقد قيد الشافعية والحنابلة قولهم بتضمينه في هذه الحالة بما إذا كان استعماله للوديعة خيانة مضمنة أما إذا كان له عذر فيه، بأن لبس الثوب المودع لدفع العث عنه، أو ركب الدابة لعلفها أو سقيها، وكانت لا تنقاد إلا بالركوب، فلا ضمان عليه بذلك، لأنه مأذون فیه عرفاً، فضلا عن كونه محسناً فیه، وما على المحسنين من سبيل(٢). كما قيد المالكية قولهم بتضمينه بما إذا كان انتفاعه بها على وجه يعطبها عادةً وعَطِبَتْ. فأما إذا انتفع بها انتفاعاً لا تعطب به عادة، وتلفت بآفة سماوية أو غيرها، فلا ضمان عليه. فإن تساوى الأمران أو جهل الحال، فالأظهر الضمان، ولو بسبب سماوي(٣). (١) البدائع ٢١١/٦، والبحر الرائق ٧/ ٢٧٧، العقود الدرية ٢/ ٧١، وأسنى المطالب ٧٩/٣، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦، والقليوبي وعميرة ١٨٥/٣، والإشراف لابن المنذر ٢٥٦/١، وكفاية الطالب الرباني ٢٥٤/٢، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٢٥٤/٥، والكافي لابن عبدالبر ص٤٠٤، وكشاف القناع ١٩٥/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤ . (٢) أسنى المطالب ٧٩/٣، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦، وتحفة المحتاج ١٢٢/٧، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤، وكشاف القناع ٤/ ١٩٧ . (٣) شرح الزرقاني على خليل ٦ / ١١٥ . - ٥٦ - وديعة ٥٢ ونص المالكية والشافعية علی أن انتفاعه بها بدون إذن صاحبها يوجب عليه أجرة مثلها لربها عن المدة التي بقيت في يده بعد التعدي، لارتفاع الأمانة به. وقد قيد المالكية وجوب الأجرة للمالك في هذه الحالة فیما إذا كان مثله يأخذ ذلك وإلا فلا(١). وقال الشافعية والحنابلة: يبطل عقد الإيداع بتعدي الوديع على الوديعة باستعمالها والانتفاع بها، ويجب عليه ردها فوراً إلى مالكها، لأن يده صارت عادیة کالغاصب(٢). واختلف الفقهاء فيما إذا أزال تعديه على الوديعة، بأن ترك لبس الثوب أو ركوب الدابة ونحو ذلك، وردها ليده سليمة، وعاود حفظها لمالكها، فهل يزول ضمانه بالوفاق أم لا؟ وذلك على قولين : أولهما: للحنفية والمالكية، وهو أنه یزول الضمان عنه لزوال ما يؤدي إليه(٣). قال (١) تحفة المحتاج ٧/ ١٢٢، وأسنى المطالب ٨٦/٣، ومواهب الجليل ٢٥٤/٥، ٢٧٤، والزرقاني على خليل ١١٥/٦ . (٢) أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٧٦/٣، وتحفة المحتاج وحاشية العبادي عليه ٧/ ١٠٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤، وكشاف القناع ١٩٥/٤، ١٩٦ . (٣) مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٤١/٢، = العيني: لأن الضمان وجب دفعاً للضرر الواقع، وقد ارتفع بالعود إلى الوفاق(١). وقال ابن نجيم: ولأنه مأمور بالحفظ في كل الأوقات، فإذا خالف في البعض ثم رجع، أتى بالمأمور به، كما إذا استأجره للحفظ شهراً، فترك الحفظ في بعضه، ثم حفظ في الباقي، استحق الأجرة بقدره(٢). وقال في مجمع الأنهر: ولأن الشيء إنما يبطل بما ينافيه، والاستعمال لا ينافي الإيداع، ولذا صح الأمر بالحفظ مع الاستعمال ابتداءً، فإذا زال عاد حكم العقد(٣). وفي البحر الرائق نقلًا عن الظهيرية: أنه يزول الضمان عنه بشرط ألا يعزم على العود إلى التعدي، حتى لو نزع ثوب الوديعة ليلًا، وفي عزمه أن يلبسه نهاراً، ثم سرق ليلًا، لا يبرأ من الضمان (٤). والثاني: للشافعية والحنابلة وزفر، وهو أنه لا يبرأ من الضمان، لأن حكم الوديعة، وهو = ورد المحتار ٤٩٨/٤، والتاج والإكليل ٢٥٤/٥، والزرقاني على خليل ١١٥/٦. (١) قرة عيون الأخيار ٢٤٩/٢. (٢) البحر الرائق ٧/ ٢٧٧ . (٣) مجمع الأنهر ٣٤١/٢. (٤) البحر الرائق ٧/ ٢٧٧، وقرة عيون الأخيار ٢٤٩/١، ورد المحتار ٤٩٨/٤ . - ٥٧ - وديعة ٥٣ - ٥٤ الاستئمان، ارتفع بالعدوان، فلا يعود إليه إلا بسبب جديد، ولم يوجد، فلا يبرأ من الضمان(١). (ح) - إنفاق الوديعة : ٥٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن إنفاق الوديع للوديعة يستوجب ضمانها، باعتباره تعدى عليها، وفوت عينها وأتلفها حكماً على صاحبها لمصلحة نفسه ونفع ذاته. وعلى ذلك نصت المادة (٧٨٧) من مجلة الأحكام العدلية على أنه إذا صرف المستودع نقود الوديعة في أمور نفسه أو استهلكها ضمنها. أما لو أنفق الوديعة لنفع يتعلق بمالکها، كما إذا كان صاحب الوديعة غائباً، ففرض الحاكم من النقود المودعة عنده أو من الطعام والكسوة المودع لديه نفقة لزوجته أو لمن تلزمه نفقتهم من قرابته، فصرف الوديع تلك النفقة المفروضة من الوديعة إليهم فقال الحنفية لا يلزمه ضمانها، بخلاف ما إذا صرفها لهم بدون إذن الحاكم، حيث يكون عليه الضمان، لأنه تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة عنه، (١) الأم ٦٠/٤، وأسنى المطالب ٨٠/٣، وروضة الطالبين ٣٣٥/٦، وتحفة المحتاج ١٢٣/٧ وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤، وكشاف القناع ١٩٦/٤ . إذ المستودع نائب عن المودع في الحفظ، وليس نائباً في شيء آخر(١). وإذا أنفق الوديعة، ثم رد مثلها في مكانها، فقد اختلف الفقهاء في تضمينه : فقال الحنفية: إن ردها بعينها لم يضمن، وإن رد مثلها ضمن. وقال مالك: يسقط عنه الضمان: لأن الضمان يلزمه بالإنفاق، فإذا أزال ذلك بالرد، وجب أن یزول الضمان، لزوال سببه الموجب له. وقال الشافعي: يضمن في الوجهين جميعاً(٢). ٥٤ - ولو أخرج دراهم الوديعة لينفقها، ثم ردها إلى مكانها، فلم ينفقها، فقال الشافعية والحنابلة: يكون ضامناً لها، لأن الإخراج على هذا القصد خيانة وعدوان، فتبطل الوديعة، ويضمن لتصرفه في مال غيره بدون إذنه. وإذا ارتفع الاستئمان، وثبت الضمان، (١) النتف في الفتاوي للسغدي ٥٧٩/٢، ٥٨١، ودرر الحكام ٢٨١/٢، وشرح المجلة للأناسي ٢٨٨/٣، والمادة ٧٩٩ من المجلة العدلية. (٢) الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبدالوهاب ٤١/٢، وبداية المجتهد ٣١١/٢، والإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ٢٥٥/١، والبحر الرائق ٢٧٧/٧، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦ . ٠٠٠. - ٥٨ - ٠٠٠ وديعة ٥٤ فلا یزول عنه إلا باستئمان ثان . وقال الحنفية ومالك: يسقط عنه الضمان بالرد، لأنه وإن صار ضامناً بالإخراج فقد عاد إلى الوفاق برد الوديعة إلى موضعها، فبرىء عن الضمان(١) . ولو كانت الوديعة نقوداً أو شيئاً من المثليات التي لا يضرها التبعيض، فأنفق الودیع بعضها، ثم هلك الباقي، فقد نص الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه یضمن قدر ما أنفق، اعتباراً للبعض بالكل، ولا يضمن الباقي، لأنه لم يوجد منه إلا إتلاف قدر ما أنفق، والضمان إنما يجب بقدر الخيانة، وقد خان في البعض دون البعض، ولأنه في الباقي حافظ للملك، وبما أنفق لم يتعيب الباقي، فهو كما لو أودعه ودیعتین، فأنفق إحداهما، لا يكون ضامناً للأخرى(٢). فإن رد مثل ما أنفق إلى مكانها، فقال (١) بداية المجتهد ٣١١/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٤، وكشاف القناع ١٩٥/٤، وشرح المجلة للأتاسي ٢٥٨/٣ . (٢) مجمع الأنهر ٣٤٢/٢، وبدائع الصنائع ٢١٣/٦، والفتاوى الهندية ٣٤٨/٤، والمبسوط السرخسي ١١١/١١، وشرح المجلة للأتاسي ٢٥٨/٣، والتفريع لابن الجلاب ٢٧١/٢، والمغني ٢٧٧/٩، والمدونة ١٥/ ١٤٧ . الحنفية والشافعية والحنابلة: يضمن الكل - إذا خلطه بالباقي خلطاً لا يتميز - لوجود إتلاف الكل منه: البعض بالإنفاق، والباقي بالخلط، لكون الخلط إتلافاً . أما إذا تميز المخلوط من مال الوديعة، ثم هلك المالان، فإنه لا يضمن القدر الذي لم ینفقه، لأنه باق بحاله كما كان، ويضمن المقدار الذي طرحه عليها وحده، لأن الضمان تعلق بالأخذ، فلم يضمن غير ما أخذه، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده، فلا يضمن غيره(١) . وقال مالك: إذا أنفق بعض الوديعة، ثم رد مثل ما أنفق في مكانها، فلا ضمان عليه إن تلفت(٢). ولو أخذ بعض دراهم الوديعة لينفقها، فلم ينفقها، ثم ردها إلى موضعها، فتلفت، فقال الحنفية ومالك: لا ضمان علیه. لأنه وإن صار ضامناً بالأخذ، فقد عاد إلى الوفاق برد ما أخذه إلى مكانه، فبرىء عن الضمان، ولأن (١) رد المحتار ٤٩٨/٤، والمبسوط ١١١/١١، والبدائع ٢١٣/٦، والفتاوى الهندية ٣٤٨/٤، ومجمع الأنهر ٣٤٢/٢، وتحفة المحتاج ١٢٢/٧، وكشاف القناع ١٩٧/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٤/٢، وأسنى المطالب ٣/ ٨٠، وروضة الطالبين ٣٣٦/٦ . (٢) المدونة ١٤٧/١٥، والتفريع لابن الجلاب ٢٧١/٢ . - ٥٩ - وديعة ٥٥ نفس الأخذ لیس بإتلاف، ونية الإتلاف ليست بإتلاف، فلا توجب الضمان، كما لو نوى أن يغصب مال إنسان. والأصل فيه ما ورد عن النبي ◌َ ﴾ ((إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست - أو حدثت - به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم))(١). وظاهر الحديث يقتضى أن يكون ما حدثت به النفس عفواً على العموم إلا ما خص بدليل(٢). وقال الشافعية والحنابلة: يضمن ما أخذه وحده، ولا يرتفع ضمانه بالرد إلى مكانها، لأنه أخذه على وجه التعدي، فيتعلق الضمان بذمته بالأخذ، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه، فلا يزول إلا برده إلى صاحبه کالمغصوب(٣). (١) حديث: ((إن الله تجاوز لأمتي ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥٤٩/١١ - ط السلفية)، ومسلم (١١٧/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري. (٢) بداية المجتهد ٣١١/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١، والمبسوط ١١٢/١١، وبدائع الصنائع ٢١٣/٦، ومجمع الأنهر ٣٤٢/٢، وشرح المجلة للأناسي ٢٥٨/٣، والبحر الرائق ٢٧٧/٧. (٣) تحفة المحتاج ١٢٢/٧، والمغني لابن قدامة ٩/ ٢٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٤/٢، وكشاف القناع ٤/ ١٩٧ . ط - التصرف في الوديعة: ٥٥ - المراد بالتصرف في الوديعة هنا كل ارتباط عقدي ينشئه الوديع، ويكون محله الوديعة، مثل بيعها وإجارتها وإعارتها وإيداعها ورهنها وإقراضها ونحو ذلك. وهذا الارتباط إما أن يجريه المستودع بإذن المودع، وبذلك يقع تصرفه صحيحاً مشروعاً بطريق النيابة عن المالك، ولا ضمان عليه فيه لأن أمر الإنسان غيره بالتصرف في ملكه صحيح معتبر شرعاً (١). وإما أن يجريه الوديع بغير إذن المودع فيكون ضامناً، وعلى ذلك نصت المادة(٧٩٢) من المجلة العدلية على أن المستودع لو آجرها أو أعارها لآخر أو رهنها بدون إذن صاحبها، فهلكت، أو نقصت قيمتها في يد المستأجر أو المستعير أو المرتهن، فإنه يضمن. وقد جعل الحنفية لمالك الوديعة في هذه الحالة الخيار في تضمين الوديع أو في تضمين المستأجر أو المستعير أو المرتهن(٢). (١) درر الحكام ٢٦٢/٢، ٢٦٧، ٢٧٠، وروضة الطالبين ٣٣٤/٦، ومغني المحتاج ٨٨/٣، وكشاف القناع ٤/ ١٧٥ - ١٧٦ . (٢) درر الحكام ٢٦٩/٢، وشرح المجلة للأناسي ٢٧٣/٣ . - ٦٠ -