Indexed OCR Text

Pages 261-280

نكاح ٨٣
وجبر البكر ولو عانساً هو المشهور في
المذهب، خلافاً لابن وهب حیث قال:
للأب جبر البكر ما لم تكن عانساً، لأنها لما
عنست صارت کالثيب.
ومنشأ الخلاف هل العلة في الجبر البكارة
أو الجهل بمصالح النساء، فالمشهور ناظر
للأول، وابن وهب ناظر للثاني.
واستثنى المالكية من جبر البکر من رشدها
الأب، أي جعلها رشيدة أو أطلق الحجر عنها
لما قام بها من حسن التصرف، وهذه البكر
المستثناة من الجبر لا بد من إذنها في النكاح
بالقول.
کما استثنوا من أقامت سنة فأكثر ببیت
زوجها بعد أن دخل بها ثم تأيمت وهي بكر
فلا جبر عليها تنزيلاً لإقامتها ببيت الزوج سنة
منزلة الثيوبة.
الثانية: الثيب التي لم تبلغ وتأيمت بعد
أن أزال الزوج بكارتها، فللأب جبرها
لصغرها إذ لا عبرة بثيبوبتها في هذه الحالة،
والثيب التي بلغت وزالت بكارتها بزنا ولو
تکرر متی زال الحياء عن وجهها أو ولدت
من الزنا فللأب جبرها، ولا حق لولادتها
من الزنا، والثيب التي زالت بكارتها بعارض
كوثبة أو ضربة أو نحو ذلك، فللأب جبرها
ولو عانساً.
أما من زالت بکارتها بنکاح فاسد ولو
مجمعاً على فساده فليس للأب جبرها إن
درىء الحد لشبهة، وإلا فله جبرها . .
الثالثة: المجنونة البالغة الثيب للأب جبرها
لعدم تمييزها، ولا كلام لولدها معه إن كان
لها ولد رشيد، إلا من تفيق أحياناً فتنتظر
إفاقتها لتستأذن ولا تجبر.
ومحل جبر الأب في الثلاث إذا لم يلزم
على تزويج أي منهن ضرر عادة، كتزويجها
من خصي أو ذي عاهة ۔ کجنون ونحوه ـ مما
يرد به الزوج شرعاً، وإلا فلا جبر.
ب - وصي الأب عند عدم الأب فله الجبر
فيما للأب جبر فيه، ومحله إن عين له الأب
الزوج، وبذل مهر المثل، ولم يكن فاسقاً،
بخلاف الأب فله جبرها مطلقاً ولو بدون مهر
المثل، وللوصي الجبر كذلك إن أمره الأب
به ولو ضمناً، أو أمره بالنكاح ولم یعین له
الزوج ولا الإجبار، بأن قال له: زوّجها، أو
زوّجها ممن أحببت أو لمن ترضاه، وهذا هو
الراجح، وقالوا: الراجح الجبر إن ذُكر البضع
أو النكاح أو التزويج بأن قال له الأب: أنت
وصيي على بضع بناتي، أو على نكاح بناتي،
أو على تزويجهن، أو وصيي على بنتي
تزوجها، أو تزوجها ممن أحببت، وإن لم
يذكر شيء من الثلاثة فالراجح عدم الجبر،
كما إذا قال: وصيي على بناتي، أو على
بعض بناتي، أو على بنتي فلانة، وأما لو
قال: وصيي فقط فلا جبر اتفاقاً.
٢٦١

نِکاح ٨٣ - ٨٤
والوصي في الثيب البالغة إذا أمره الأب
بتزويجها کأب، مرتبته بعد الابن، ولا جبر،
فإن زوجها مع وجود الابن جاز على الابن،
وإن زوجها الأخ برضاها جاز على الوصي،
لصحة عقد الأبعد مع وجود الأقرب،
والجواز بمعنى المضي بعد الوقوع، وإلا
فالابن مقدم على الوصي، وهذا مقدم على
الأخ.
هذا عن الولي المجبر للأنثى، أما الولي
المجبر للذكر فقالوا: يجبر أب ووصي
وحاكم لا غيرهم ذكراً مجنوناً مطبقاً وصغيراً
لمصلحة اقتضت تزویجهما، بأن خیف الزنا
أو الضرر على المجنون فتحفظه الزوجة،
ومصلحة الصبي تزويجه من غنية أو شريفة أو
ابنة عم أو لمن تحفظ ماله، ولا جبر للحاكم
إلا عند عدم الأب والوصي، إلا إذا بلغ عاقلاً
أي رشد ثم جن فالكلام للحاكم.
ج - المالك لأمة أو عبد، له جبرهما على
النكاح، ولو كان المالك أنثى فلها الجبر
كذلك لكن توكل في العقد على الأمة بخلاف
العبد فلها العقد بنفسها، ويمتنع الجبر إن كان
يلحق المملوك في النكاح الذي يجبر عليه
ضرر، كالتزويج لذي عاهة، فلا جبر،
ويفسخ النكاح ولو طال الأمد.
وللمالك الجبر ولو كان المملوك عبداً
مدبراً أو معتقاً لأجل، ما لم يمرض مالك
المدبر، أو يقرب أجل العتق كالثلاثة الأشهر
فدون، فإن مرض أو قرب الأجل فلا جبر
للمالك.
والأصح عند اللخمي وغيره عدم الجبر
مطلقاً للأنثى المدبرة أو المعتقة لأجل.
ولا جبر للسيد على المبعض والمكاتب،
لأن المكاتب أحرز نفسه وماله، والمبعض
تعلقت به الحرية .
وكره للسيد جبر أم ولده بعد أن يستبرئها
على النكاح، فإن جبرها صح على الأصح،
وقيل: لا جبر له عليها، فإن جبرها لم
یمض.
وجبر الشرکاء مملو کھم ـ ذكراً أو أنثى - إن
اتفقوا على تزويجه، لا إن خالف بعضهم
فليس للآخر جبر.
وقدم المالك على سائر الأولياء المجبرين
لقوة تصرفه لأنه يزوج الأمة مع وجود أبيها
وله جبر الثيب والبكر، والكبيرة والصغيرة،
والذكر والأنثى، لأن الرقيق مال من أمواله،
وله أن يصلح ماله بأي وجه(١) .
٨٤ - وقال الشافعية: للأب ولاية الإجبار
وهي تزويج ابنه الصغير العاقل وابنته البكر
صغيرة أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة بغير إذنها،
(١) الشرح الصغير مع الصاوي ٣٥١/٢، ٣٥٧،
٣٦٦، ٣٦٩، ٣٩٦، والدسوقي ٢٤٤/٢ -
٢٤٨.
٢٦٢

نِکاح ٨٤
لخبر: ((الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر
يستأذنها أبوها في نفسها))(١)، وفي رواية:
((البكر يستأمرها أبوها))(٢) حملت على
الندب، ولأنها لم تمارس الرجال بالوطء فهي
شديدة الحياء.
ولتزويج الأب ابنته البكر بغير إذنها
شروط :
الأول: أن لا يكون بينه وبينها عداوة
ظاهرة، فإن کان فليس له تزويجها إلا بإذنها
بخلاف غير الظاهرة لأن الولي يحتاط لموليته
لخوف العار وغيره.
الثاني: أن يزوجها من كفء.
الثالث: أن يزوجها بمهر مثلها.
الرابع: أن يكون المهر من نقد البلد.
الخامس: أن لا يكون الزوج معسراً
بالمھر .
السادس: أن لا يزوجها بمن تتضرر
بمعاشرته کأعمی وشیخ هرم.
السابع: أن لا يكون قد وجب عليها
(١) حديث: ((الثيب أحق بنفسها ... )).
أخرجه مسلم (١٠٣٧/٢ ط عيسى الحلبي)
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) حديث: ((البكر يستأمرها أبوها)).
أخرجه الدارقطني (٢٤٠/٣ ط دار المحاسن)
من حديث ابن عباس، وأصله في مسلم
(١٠٣٧/٢ ط الحلبي) بلفظ: ((البكر تستأمر)).
الحج، فإن الزوج قد يمنعها لكون الحج على
التراخي، ولها غرض في تعجيل براءة ذمتها.
وهذه الشروط منها ما هو معتبر لصحة
النكاح بغير الإذن، ومنها ما هو معتبر لجواز
الإقدام فقط .
فالمعتبر لصحة النكاح دون إذنها من هذه
الشروط : أن لا يكون بينها وبين وليها عداوة
ظاهرة، وأن يكون الزوج كفئاً، وأن يكون
موسراً بحال الصداق حتی لا یکون قد بخسها
حقها، وما عدا ذلك من الشروط معتبر لجواز
الإقدام على عقد النكاح دون إذنها.
وقال الشافعية: ويستحب استئذان البكر إذا
كانت مكلفة لحديث: ((البكر يستأمرها
أبوها)). وتطييباً لخاطرها، أما غير المكلفة فلا
إذن لها، ويسن استفهام المراهقة، وأن
لا يزوج الصغيرة حتى تبلغ.
والمستحب في الاستئذان أن يرسل إليها
نسوة ثقات ينظرن ما في نفسها، والأم أولى
بذلك لأنها تطلع على ما لا يطلع عليه غيرها.
والجد أبو الأب وإن علا كالأب عند عدمه
أو عدم أهليته فيما ذكر لأن له ولاية وعصوبة
كالأب، ويزيد الجد عليه في صورة واحدة
وهي تولي طرفي العقد بخلاف الأب.
وو کیل الأب والجد کالأب والجد، لكن
وكيل الجد يتولى طرفي العقد.
ولا أثر لزوال البكارة بلا وطء في القبل،
کسقطة، وحدة طمٹ وطول تعنیس - وهو
٢٦٣

نِکاح ٨٤
الكبر - أو بأصبع ونحوه في الأصح كما في
منهاج الطالبين - أو الصحيح كما في روضة
الطالبين - بل حكمها حكم الأبكار لأنها لم
تمارس الرجال فھي علی حالھا وحيائها،
والثاني أنها كالثيب لزوال العذرة، ولو خلقت
بلا بکارة فھي بکر.
ويَلزم المجبر - الأب أو الجد - تزويج
مجنونة أطبق جنونها بالغة محتاجة ولو ثيباً
لا کتسابها المهر والنفقة، وربما كان جنونها
لشدة الشبق، فإن لم يكن للمجنونة أب أو
جد لم تزوج المجنونة الصغيرة حتى تبلغ،
وحينئذ يزوجها السلطان في الأصح
المنصوص، بمراجعة أقاربها تطييباً لقلوبهم
ولأنهم أعرف بمصلحتها، والثاني: يزوجها
القريب بإذن السلطان لقيامه مقام إذنها .
وتزوج بواسطة السلطان للحاجة إلى
النكاح بظهور علامة شهوتها، أو توقع شفائها
بقول عدلين من الأطباء، لأن تزويجها يقع
إجباراً وغير الأب والجد لا يملك الإجبار،
وإنما يصار إليه للحاجة النازلة منزلة
الضرورة، ولا يزوجها لمصلحة كتوفر المؤن
في الأصح، والثاني: نعم كالأب والجد،
قال ابن الرفعة وهو الأصح، وإذا أفاقت
المجنونة - هذه - بعد تزويجها لا خيار لها،
لأن تزويجها كالحكم لها أو عليها.
ويزوج الأب والجد المجنونة لأنه
لا يرجى لها حالة تستأذن فيها، ولهما ولاية
الإجبار، إن ظهرت مصلحة في تزويجها،
ولا تشترط الحاجة قطعاً، لإفادتها المهر
والنفقة، بخلاف المجنون، وسواء في جواز
التزويج صغيرة وكبيرة، ثيب وبكر، جُنت
قبل البلوغ أو بعده.
ويلزم الوليَّ المجبرَ - الأب أو الجد -
تزويج مجنون بالغ أطبق جنونه وظهرت
حاجته للنكاح بظهور رغبته فيه إما بدورانه
حول النساء وتعلقه بهن، أو بتوقع شفائه
بالوطء بقول عدلين من الأطباء لظهور
المصلحة المترتبة على ذلك.
فإن تقطع جنون الرجل والمرأة - ولو ثيباً -
البالغين لم يزوجا حتى یفیقا ویأذنا، ويكون
العقد حال الإفاقة(١).
والأظهر عند الشافعية أنه ليس للسید إجبار
عبده - غير المكاتب والمبعض ولو صغيراً
وخالفه في الدين - على النكاح، لأنه لا
يملك رفعه بالطلاق، ولأن النكاح يلزم ذمة
العبد مالا فلا يجبر عليه كالكتابة.
والثاني: له إجباره كالأمة، وقيل: يجبر
الصغير .
وللسيد إجبار أمته غير المبعضة والمكاتبة
(١) مغني المحتاج ١٤٩/٣، ١٥٠، ١٥٩،
١٦٨، ١٦٩، ١٧٢، ١٧٣، وروضة الطالبين
٥٣/٧، ٥٤، ٥٥، ٩٤، ٩٥.
٢٦٤

نِکاح ٨٤ - ٨٥
على النكاح، لأن النكاح يرد على منافع
البضع وهي مملوكة له، وبهذا فارقت العبد،
فيزوجها برقيق ودنيء النسب وإن كان أبوها
قرشیاً لأنها لا نسب لها، ولا يزوجها بمعيب
كأجذم وأبرص ومجنون بغير رضاها - وإن
کان یجوز بيعها منه وإن کرهت۔۔ ولو أجبرها
السيد والحالة هذه على النكاح لم يصح.
وإذا طلب العبد البالغ أو الأمة من سيد كل
منهما أن يزوجه لم يجبر السید علی ذلك،
لأنه یشوش علیه مقاصد الملك وفوائده، ولما
فيه من تنقيص القيمة وتفويت الاستمتاع بالأمة
عليه، ومقابل الأظهر في العبد: يجبر السيد
على إنكاح العبد أو على بيعه، لأن المنع من
ذلك يوقعه في الفجور إن خشي العنت، وقيل
في الأمة: إن حرمت الأمة على السيد تحريماً
مؤبداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو كانت
بالغة تائقة خائفة الزنا، لزم السيد تزويجها، إذ
لا يتوقع منه قضاء شهوتها، ولا بد من
إعفافها، أما إذا كان التحريم لعارض كأن
ملك أختين فوطى إحداهما ثم طلبت
الأخرى تزويجها فإنه لا يلزمه إجابتها
قطعاً (١).
٨٥ - وقال الحنابلة في ولاية الإجبار: للأب
(١) مغني المحتاج ١٤٩/٣، ١٥٠، ١٥٩،
١٦٨، ١٦٩، ١٧٢، ١٧٣، وروضة الطالبين
٥٣/٧، ٥٤، ٥٥، ٩٤، ٩٥.
خاصة تزويج بنيه الصغار، وكذا المجانين ولو
بالغين دون إذنهم، لأنه لا قول لهم فكان له
ولاية تزويجهم كأولاده الصغار، وحيث زوج
الأب ابنه لصغره أو جنونه فإنه يزوجه بغير
أمة لئلا يسترق ولده، ولا معيبة عيباً يرد به
النكاح كرتقاء وجذماء لما فيه من التنفير،
ويزوج الأب ابنه الصغير والمجنون بمهر
المثل وغيره ولو كرها، وليس لأي منهما
خيار إذا بلغ وعقل.
وللأب تزويج بناته الأبكار ولو بعد البلوغ
دون إذنهن لقول النبي وَ لـ: ((الأيم أحق
بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها
وإذنها صماتها))(١) فلما قسم النساء قسمين
وأثبت الحق لأحدهما دل على نفيه عن القسم
الآخر وهي البكر، فيكون وليها أحق منها
بها، ودل الحديث على أن الاستئذان هنا
والاستثمار في حديث آخر مستجب غير
واجب.
وللأب أيضاً تزويج ثيب لها دون تسع
سنين بغير إذنها، لأنه لا إذن لها.
وليس للجد تزويج هؤلاء بدون إذنهم
لعموم الأحاديث، ولأنه قاصر عن الأب فلم
يملك الإجبار كالعم.
(١) حديث: ((الأيم أحق بنفسها ... )).
أخرجه مسلم (١٠٣٧/٢ ط الحلبي) من
حديث ابن عباس.
٢٦٥

نِکاح ٨٥
ويسن استئذان بكر بالغة هي وأمها، أما
هي فلما تقدم، وأما أمها فلحديث ابن عمر
رضي الله عنهما مرفوعاً: ((آمروا النساء في
بناتهن))(١)، ويكون استئذان الولي لها بنفسه
أو بنسوة ثقات ينظرن ما في نفسها لأنها قد
تستحيي منه، وأمها بذلك أولى لأنها تطلع
منها على ما تخفيه على غيرها.
وحيث أُجبرت البكر أخذ بتعيين بنت تسع
سنين فأكثر كفئاً لا بتعيين المجبر من أب أو
وصيّه، لأن النكاح يراد للرغبة فلا تجبر على
من لا ترغب فيه.
وقد صرح بعض علماء الحنابلة بأنه يشترط
للإجبار شروط هي:
أن يزوجها من كفء بمهر المثل، وأن لا
یکون الزوج معسراً، وأن لا يكون بينها وبين
الأب عداوة ظاهرة، وأن يزوجها بنقد البلد،
فإن امتنع المجبر من تزويج من عينته بنت
تسع سنین فأکثر، فهو عاضل سقطت ولايته،
ویفسق به إن تکرر(٢).
وقالوا: وأما المجنونة فلجميع الأولياء
تزويجها إذا ظهر منها الميل للرجال، لأن
(١) حديث: ((آمروا النساء في بناتهن)).
أخرجه أبو داود (٥٧٥/٢ ط حمص) وقال
الخطابي: فيه رجل مجهول. كذا في مختصر
السنن للمنذري (٣٩/٣ ط دار المعرفة).
(٢) المبدع ٢٣/٧، وكشاف القناع ٤٢/٥ - ٤٧.
لها حاجة إلى النكاح لدفع ضرر الشهوة
عنها، وصيانتها عن الفجور، وتحصيل
المهر والنفقة والعفاف وصيانة العرض، ولا
سبيل إلى إذنها فأبيح تزويجها كالبنت مع
أبيها، ويعرف ميلها إلى الرجال من كلامها
وتتبعها الرجال وميلها إليهم ونحوه من
قرائن الأحوال، وكذا إن قال ثقة من أهل
الطب إن تعذر غيره وإلا فاثنان: إن علتها
تزول بتزويجها، فلكل ولي تزويجها لأن
ذلك من أعظم مصالحها كالمداواة، ولو لم
يكن للمجنونة ذات الشهوة ونحوها ولي إلا
الحاکم زوجها.
وإن احتاج الصغير العاقل أو المجنون
المطبق البالغ إلى النكاح لوطء أو خدمة
أو غيرهما زوجهما الحاكم بعد الأب
والوصي، أي مع عدمهما، لأنه ينظر في
مصالحهما إذن، ولا يملك تزويجهما بقية
الأولياء وهم من عدا الأب ووصيه
والحاكم لأنه لا نظر لغير هؤلاء في مالهما
ومصالحهما المتعلقة به، وإن لم يحتاجا
إلى النكاح فليس للحاكم تزويجهما، لأنه
إضرار بهما بلا منفعة(١).
وللسيد عند الحنابلة إجبار إمائه الأبكار
والثيب على النكاح، لا فرق بين الكبيرة
والصغيرة منهن، ولا بين القن والمدبرة وأم
(١) كشاف القناع ٤٢/٥ - ٤٧، والمبدع ٢٣/٧.
٢٦٦

نِخاح ٨٥ - ٨٧
الولد، لأن منافعهن مملوكة له، والنكاح عقد
على منفعتهن، ولذلك ملك الاستمتاع بها،
وبهذا فارقت العبد، ولأنه ينتفع بذلك ما له
من مهرها وولدها وتسقط عنه نفقتها
وكسوتها، ولا فرق بين كونها مباحة أو
محرمة عليه كأخته من رضاع.
ولا يجبر مكاتبته ولو صغيرة لأنها بمنزلة
الخارجة عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتها،
ولا يملك إجارتها ولا أخذ مهرها.
وللسيد إجبار عبده الصغير، وكذا المجنون
ولو بالغاً، لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه
الصغير والمجنون فعبده كذلك مع ملكه
وتمام ولایته أولى.
ولا يملك السيد إجبار عبده الكبير العاقل
على النكاح، لأنه مكلف يملك الطلاق فلا
يجبر على النكاح كالحر، والأمر بإنكاحه
مختص بحالة طلبه(١).
النوع الثاني: ولاية المشاركة أو ولاية الندب
والاستحباب:
٨٦ - هذه الولاية تفيد أن نكاح المولى عليها
إنما يكون بعد أخذ إذنها ندباً واستحباباً عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، أو ولاية مشتركة بين
الولي والمولى عليها عند محمد من الحنفية،
أي لا ينعقد نكاح الولي إلا بعد أخذ إذن
(١) كشاف القناع ٤٢/٥ - ٤٧.
المولى عليها كما نص المالكية والشافعية
والحنابلة .
وللفقهاء في ذلك تفصيل :
٨٧ - فيرى أبو حنيفة وأبو يوسف في رأيه
الأول أنه لا إجبار على البكر البالغة العاقلة
في النكاح، وكذلك الحر البالغ العاقل
والمكاتب والمكاتبة ولو صغيرين، لقول
النبي وَله: «الثيب أحق بنفسها من وليها،
والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها))(١)، وقالت
عائشة: ((يا رسول الله، يستأمر النساء في
أبضاعهن؟ قال: نعم، قلت: فإن البكر
تستأمر فتستحي فتسكت. قال: سكاتها
إذنها))(٢).
ولأن ولاية الحتم والإيجاب في حالة
الصغر إنما تثبت بطريق النيابة عن الصغيرة
لعجزها عن التصرف على وجه النظر
والمصلحة بنفسها، وبالبلوغ والعقل زال
العجز وثبتت القدرة حقيقة، ولهذا صارت من
أهل الخطاب في أحكام الشرع، إلا أنها مع
قدرتها حقيقة عاجزة عن مباشرة النكاح عجز
ندب واستحباب، لأنها تحتاج إلى الخروج
إلى محافل الرجال، والمرأة مخدرة مستورة،
(١) حديث: ((الثيب أحق بنفسها ... )).
أخرجه مسلم (١٠٣٧/٢ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((يستأمر النساء في أبضاعهن)).
سبق تخريجه ف (٨٢).
٢٦٧

نِکاح ٨٧
والخروج إلى محفل الرجال من النساء عيب
في العادة، فكان عجزها عجز ندب
واستحباب لا حقيقة، فثبتت الولاية عليها
على حسب العجز، وهي ولاية ندب
واستحباب لا ولاية حتم وإيجاب إثباتاً
للحكم على قدر العلة.
وأما طريق محمد فهو أن الثابت بعد البلوغ
ولاية الشرکة لا ولاية الاستبداد، فلا بد من
الرضا كما في الثيب البالغة(١).
وإذا كان الرضا في نكاح البالغة العاقلة
شرط الجواز فإنها إذا زوجت بغير إذنها توقف
التزويج على رضاها، فإن رضيت جاز، وإن
ردت بطل.
وفرق الحنفية ۔ کسائر فقهاء المذاهب - بین
ما یعرف به الرضا بالنكاح من الثيب، وما
يعرف به من البكر البالغة العاقلة، فقالوا: إن
كانت المرأة التي يراد تزويجها ثيباً فرضاها
يعرف بالقول تارة وبالفعل أخرى، أما القول
فهو التنصيص على الرضا وما يجرى مجراه،
والأصل فيه قوله وَ له: ((الثيب تستأمر في
نفسها))(٢)، وقوله وَالر: ((الثيب تعرب عن
(١) بدائع الصنائع ٢٤٢/٢.
(٢) حديث: ((الثيب تستأمر في نفسها)).
أخرجه أحمد (٤٢٥/٢ ط الميمنية) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأصله في
الصحيحين.
نفسها)(١)، وأما الفعل نحو التمكين من
نفسها، والمطالبة بالمهر والنفقة، ونحو
ذلك، لأن هذا دليل الرضا، وهو يثبت
بالنص مرة وبالدليل أخرى، والأصل فيه ما
روي عن النبي وَلقر أنه قال لبريرة رضي الله
تعالى عنها: ((إن وطأك فلا خيار لك))(٢) . .
وإن كانت المرأة بكراً فيعرف رضاها
بهذين الطريقين، وبثالث وهو السكوت،
وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون
. سکوتھا رضا.
وجه الاستحسان ما ورد عن عائشة
رضي الله عنها ((أنها سألت رسول الله وَله:
يُستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم.
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فإن
البكر تستأمر فتستحي فتسكت، فقال {آلاته :
سکاتها إذنها) وروي: «سکوتها رضاها))
وروي: ((سكوتها إقرارها))(٣)، وكل ذلك
(١) حديث: ((الثيب تعرب عن نفسها)).
أخرجه ابن ماجه (٦٠٢/١ ط عيسى
الحلبي)، وأحمد (١٩٢/٤ ط الميمنية) من
حديث عدي بن عميرة الكندي - رضي الله
عنه - قال البوصيري: رجاله ثقات إلا أنه
منقطع. (٣٣٠/١ ط دار الجنان).
(٢) حديث: ((إن وطئك فلا خيار لك)).
أخرجه الدارقطني (٢٩٤/٣ ط دار
المحاسن).
(٣) حديث: ((يستأمر النساء في أبضاعهن)).
سبق تخريجه ف (٨٢).
٢٦٨
=

نكاح ٨٧
نص في الباب، ولأن البكر تستحي عن
النطق بالإذن في النكاح، لما فيه من إظهار
رغبتها في الرجال فتنسب إلى الوقاحة، فلو
لم يجعل سكوتها إذناً ورضا بالنكاح دلالة،
وشرط استنطاقها وهي لا تنطق عادة،
لفاتت عليها مصالح النكاح مع حاجتها إلى
ذلك، وهذا لا يجوز، وترجح جانب الرضا
على جانب السخط في سكوت البكر لأنها
لو لم تكن راضية لردت، لأنها إن كانت
تستحي عن الإذن فلا تستحي عن الرد،
فلما سكتت ولم ترد دل على أنها راضية،
بخلاف ما إذا زوجها أجنبي أو ولي غيره
أولى منه، لأن احتمال السخط - في حالة
السكوت - ازداد، فقد يكون سكوتها عن
جوابه مع أنها قادرة على الرد تحقيراً له
وعدم مبالاة بكلامه، فبطل رجحان دليل
الرضا، ولأنها إنما تستحي من الأولياء لا
من الأجانب، والأبعد عند قيام الأقرب
وحضوره أجنبي، فكانت في حق الأجانب
كالثيب، فلا بد من فعل أو قول يدل على
الرضا، ولأن المزوج إذا كان أجنبياً أو كان
= وأما رواية ((سكوتها رضاها)) فذكرها السيوطي
في الجامع الكبير (٧٠٢/٢ ط الهيئة العامة
للكتاب) وعزاها للضياء المقدسي من حديث
أبي هريرة، وأما رواية: ((سكوتها إقرارها)»
فأخرجها ابن أبي شيبة (المصنف ١٣٦/٤
ط السلفية) من حديث عائشة.
الولي الأبعد كان النكاح من طريق الوكالة
لا من طريق الولاية لانعدامها، والوكالة
لا تثبت إلا بالقول، وإذا كان ولياً فالجواز
بطريق الولاية فلا يفتقر إلى القول.
ووجه القياس الذي لا يعتبر سكوت المرأة
رضا أن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل
السخط، فلا يصلح دليل الرضا مع الشك
والاحتمال، ولهذا لم يجعل دليلاً إذا كان
المزوج أجنبياً أو ولياً غيره أولى منه.
والسنة للولي أن يستأمر البكر قبل
النكاح ويذكر لها الزوج، فيقول: إن فلاناً
يخطبك أو يذكرك، فإذا سكتت فقد
رضيت، لما ورد عن عائشة وغيرها، فإذا
زوجها من غير استثمار فقد أخطأ السنة،
زاد في البحر عن المحيط: وتوقف على
رضاها، وقد صح ((أنه # لما أراد أن
يزوج فاطمة من علي رضي الله تعالى
عنهما دنا إلى خدرها فقال: إن علياً
يذكرك فسكتت فزوجها))(١).
ولو استأذن الولي البكر البالغة العاقلة في
النكاح فضحكت غير مستهزئة، أو تبسمت،
أو بكت بلا صوت فهو إذن - في المختار
للفتوى - لأنه حزن على مفارقة أهلها، وإنما
(١) حديث: ((إن علياً يذكرك ... )).
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٠/٨ ط دار
صادر) من حديث عطاء مرسلاً.
٢٦٩

نِکاح ٨٧
يكون ذلك عند الإجازة، وعن أبي يوسف في
البكاء أنه رضا لأنه لشدة الحياء، وعن محمد
رد لأن وضعه لإظهار الكراهة، قال ابن
الهمام بعد ما سبق: والمعول عليه اعتبار
قرائن الأحوال في البكاء والضحك، فإن
تعارضت أو أشكل احتيط.
ولو استأذنها الولي فبکت بصوت لم یکن
إذناً ولا رداً، حتى لو رضیت بعده انعقد كما
قال الحصكفي نقلاً عن المعراج وغيره.
والحكم كذلك لو استأذنها الولي بواسطة
وكيله أو رسوله، أو زوجها وليها وأخبرها
رسوله أو فضولي عدل.
ولو قال الولي للبكر: أريد أن أزوجك
فلاناً، فقالت: غيره أولى منه لم يكن إذناً،
ولو زوجها ثم أخبرها فقالت: قد كان غيره
أولى منه كان إجازة، لأن قولها في الأول
إظهار عدم الرضا بالتزويج من فلان، وقولها
في الثاني قبول أو سكوت عن الرد، وسكوت
البکر عن الرد یکون رضا.
ولو قال الولي للبكر: أريد أن أزوجك من
رجل ولم یسمه فسكتت لم يكن رضا كذا
روي عن محمد، لأن الرضا بالشيء بدون
العلم به لا يتحقق.
ولو قال: أزوجك فلاناً أو فلاناً حتى عد
جماعة فسكتت، فمن أیھم زوجها جاز.
ولو سمى لها الجماعة مجملاً بأن قال:
أريد أن أزوجك من جيراني أو من بني عمي
فسكتت، فإن کانوا یحصون فهو رضا، وإن
كانوا لا يحصون لم يكن رضا، لأنهم إذا
كانوا يحصون يعلمون فيتعلق الرضا بهم،
وإذا لم يحصوا لم يعلموا فلا يتصور الرضا،
لأن الرضا بغير المعلوم محال.
ولو سمى الولي لها الزوج ولم يسم المهر
فسكتت فسكوتها رضا على ما صححه
التمرتاشي والمرغيناني وشراح كتابيهما تنوير
الأبصار والهداية وجمهور المتقدمين، لأن
للنكاح صحة بدون ذكر المهر، وقيل يشترط
تسمية قدر الصداق مع تسمية الزوج،
لاختلاف الرغبة باختلاف الصداقة قلة وكثرة،
وتمام الرضا لا يثبت إلا بذكر الزوج والمهر
وهو ما نقله الحصكفي عن المتأخرين، ونقله
الكاساني عن الفتاوي.
ولو استأذن المرأة غير الولي الأقرب،
كأجنبي أو ولي بعيد، فلا عبرة لسكوتها بل
لا بد من القول أو ما هو في معناه من فعل
يدل على الرضا كطلب مهرها ونفقتها،
وتمكينها من الوطء، ودخوله بها برضاها،
وقبول التهنئة والضحك سروراً، ونحو ذلك،
لأن السكوت إنما جعل رضا عند الحاجة أي
عند استثمار الولي وعجزها عن المباشرة، فلا
يقاس عليه عدم الحاجة وهو من لا يملك
العقد ولا التفات إلى كلامه.
وقالوا: من زالت بكارتها بوثبة - أي نطة -
٢٧٠

نِکاح ٨٧ - ٨٨
من فوق إلى أسفل، أو طفرة وهي عکس
النطة، أو درور حیض، أو حصول جراحة،
أو تعنيسٍ فهي بكر حقيقة، لأن البكر عندهم
المرأة التي لم تجامع بنكاح ولا غيره، كما
نقل ابن عابدين عن الظهيرية، فهي وإن زالت
منها العذرة - أي الجلدة التي على المحل -
فإن بکارتها لم تزل لأنها لم تجامع، فهي بكر
حقيقة، وهي كذلك بکر حكماً تزوج كما
تزوج الأبكار، وتأخذ في الرضا وغيرها حكم
الأبكار حتى تدخل - كما قال ابن مودود
الموصلي - تحت الوصية لهم بالإجماع.
ومن زالت عذرتها بوطء يتعلق به ثبوت
النسب، وهو الوطء بعقد جائز أو فاسد أو
شبهة عقد تزوج كما تزوج الثيب، ولا يكفي
في رضاها السكوت.
وإذا زالت عذرتها بالزنا فإنها تزوج كما
تزوج الأبكار في قول أبي حنيفة، لأنه علة
إقامة السكوت مقام النطق في البكر الحياء،
وهو موجود في حق هذه وإن كانت ثيباً
حقيقة، لأن زوال بكارتها لم يظهر للناس
فيستقبحون منها الإذن بالنكاح صريحاً
ويعدونه من باب الوقاحة، ولا یزول ذلك ما
لم يوجد النكاح أو يشتهر الزنا، ولو اشترط
نطقها فإن لم تنطق تفوتها مصلحة النكاح،
وإن نطقت والناس يعرفونها بكراً تتضرر
باشتهار الزنا عنها، فوجب أن لا يشترط دفعاً
للضرر.
وقال أبو يوسف ومحمد: تزوج كما تزوج
الثيب لقوله وله: ((البكر تستأمر والثيب
تشاور))(١)، وهذه ثيب حقيقة، لأن الثيب
حقيقة من زالت عذرتها وهذه كذلك، فيُجرى
عليها أحكام الثيب، ومن أحكامها أنه
لا يجوز نكاحها بغير إذنها نصاً فلا يكتفى
بسکوتها .
ولو كانت مشتهرة بالزنا، بأن أقيم عليها
الحد، أو اعتادته وتكرر منها، أو قضى عليها
بالعدة، تستنطق بالإجماع لزوال الحياء وعدم
التضرر بالنطق.
ولو مات زوج البكر أو طلقها قبل الدخول
تزوج كالأبكار، لبقاء البكارة والحياء(٢).
٨٨ - ويرى المالكية أن الولي غير المجبر هو
من عدا الذين سبق ذكرهم في ولاية الإجبار،
وهم الأب والوصي والحاكم والمالك، وعليه
لا تزوج بالغ إلا بإذنها، سواء كانت بكراً أو
ثيباً، والإذن من كل منهما مختلف:
(١) حديث: ((البكر تستأمر والثيب تشاور)).
أخرجه أحمد (٢٢٩/٢ ط الميمنية) من
حديث أبي هريرة وقال أحمد شاكر في
التعليق عليه: إسناده صحيح (١٠٢/١٢ ط دار
المعارف).
(٢) الاختيار ٩٢/٣ - ٩٤، ١٠٩، وفتح القدير
١٦٤/٣ - ١٦٦، وبدائع الصنائع ٢٤١/٢ -
٢٤٤، والدر المختار ورد المحتار ٢٩٨/٢ -
٢٩٩، ٣٠٤ - ٣٠٦.
٢٧١

نِکاح ٨٨
فإذن البكر غير المجبرة صمتها، أي إذا
سئلت، هل ترضين بأن نزوجك من فلان
على مهر قدره كذا على أن الذي يتولى العقد
فلان؟ فلا تكلف النطق، وندب إعلامها بأن
سكوتها إذن ورضا، فإن لم تعلم بذلك
وادعت الجهل فلا تقبل دعواها وتم النكاح
عند الأكثر.
ولا تزوج البكر إن منعت، بأن قالت: لا
أتزوج أو لا أرضى أو ما في معناه، وكذا إن
نفرت، لأن النفور دليل عدم الرضا، لا إن
ضحكت أو بكت فتزوج، لأن بكاءها يحتمل
أنه لفقد أبيها الذي يتولى عقدها.
والثيب - ولو سفيهة - تعرب عن الرضا أو
المنع، ولا يكتفى منها بالصمت ويشارك
الثيب في عدم الاكتفاء بالصمت ست أبکار:
الأولى: البكر التي رشدها أبوها بأن أطلق
الحجر عنها في التصرف المالي وهي بالغ فلا
بد من إذنها بالقول.
الثانية: البكر التي عضلت فرفعت أمرها
إلى الحاكم فزوجها الحاكم لا بد من إذنها
بالقول، فإن أمر الحاكم أباها بالعقد، فأجاب
وزوجها لم يحتج لإذن، لأنه مجبر.
الثالثة: البكر المهملة التي لا أب لها
ولا وصي وزوجت بعرض، وهي من قوم
لا يزوجون بالعروض، أو يزوجون بعرض
معلوم فزوجها وليها بغيره لا بد من نطقها بأن
تقول: رضيت به، ولا تكفي الإشارة.
الرابعة: البكر ولو مجبرة التي زوجت
برقيق - أي التي أراد وليها أن يزوجها لرقيق -
لا بد من إذنها بالقول، لأن العبد ليس بكفء
للحرة.
الخامسة: البكر التي زوجت لذي عيب
- كجذام وبرص وجنون وخصاء - فلا بد من
نطقها بأن تقول: رضيت به مثلاً.
السادسة: غير المجبرة التي افتيت عليها،
أي تعدى عليها وليها غير المجبر فعقد عليها
بغير إذنها ثم أنهى إليها الخبر فرضيت،
فيصح النكاح، ولا بد من رضاها بالقول.
وقال المالكية: يصح عقد المفتات عليها إذا
رضيت بعقد وليها عليها افتياتاً بشروط ستة:
الأول: أن يقرب رضاها، بأن يكون العقد
بالسوق أو بالمسجد مثلاً ويسار إليها بالخبر
من وقته.
الثاني: أن يكون الرضا بالقول، فلا يكفي
الصمت .
الثالث: أن لا يقع منها رد للنكاح قبل
الرضا به .
الرابع: أن تكون من افتيت عليها بالبلد
حال الافتيات والرضا، فإن كانت بآخر لم
يصح ولو قرب البلدان وأنهى إليها الخبر من
و قته .
٢٧٢

نكاح ٨٨ - ٩٠
الخامس: أن لا يقر الولي بالافتيات حال
العقد، بأن سكت أو ادعى أنه مأذون، فإن
أقر به لم يصح.
السادس: أن لا يكون الافتيات على
الزوجة والزوج معاً، فإن كان عليهما معاً لم
یصح ولا بد من فسخه.
والافتيات على الزوج كالافتيات على
الزوجة في جميع ما مر، أي فيصح العقد إن
رضي به نطقاً، مع الشروط السابقة (١).
٨٩ - وقال الشافعية: ليس للولي المجبر
تزويج ثيب بالغة وإن عادت بكارتها إلا
بإذنها، لخبر: ((لا تنكحوا الأيامى حتى
تستأمروهن))(٢)، ولأنها عرفت مقصود
النكاح فلا تجبر بخلاف البكر، فإن كانت
تلك الثيب صغيرة غير مجنونة وغير أمة
لم تزوج، سواء احتملت الوطء أم لا،
حتى تبلغ، لأن إذن الصغيرة ليس معتبراً
(١) الشرح الصغير والصاوي ٣٥١/٢ - ٣٥٧،
٣٦٩، والشرح الكبير والدسوقي ٢٢٣/٢ -
٢٢٨.
(٢) حديث: ((لا تنكحوا الأيامى حتى
تستأمروهن)).
أخرجه الحاكم في المستدرك (١٦٧/٢ ط دائرة
المعارف) من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما إلا أنه عنده ((النساء)) بدل ((الأيامى))
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه.
فامتنع تزويجها إلى البلوغ، أما المجنونة
فيزوجها الأب والجد عند عدمه قبل
بلوغها للمصلحة، وأما الأمة فلسيدها أن
یزوجها .
وقالوا: وسواء في حصول الثيوبة واعتبار
إذنها زوال البكارة بوطء في قبلها حلال
کالنكاح أو حرام کالزنا أو بوطء لا يوصف
بهما کشبهة، ولا فرق في ذلك بین أن یکون
في نوم أو يقظة، والوطء في الدبر لا أثر له
على الصحيح، لأنها لم تمارس الرجال
بالوطء في محل البكارة.
ولا أثر لزوال البكارة بلا وطء في القبل،
کسقطة وحدة طمٹ وطول تعنیس - وهو
الكبر - أو بأصبع ونحوه في الأصح كما في
منهاج الطالبين، أو الصحيح كما في روضة
الطالبين بل حكمها حكم الأبكار لأنها لم
تمارس الرجال فهي على حالها وحيائها،
والثاني أنها كالثيب لزوال العذرة، ولو خلقت
بلا بكارة فهي بكر(١).
٩٠ - وقال الحنابلة: لا يجوز لغير الأب من
الأولياء تزويج حرة كبيرة بالغة - ثيباً كانت أو
بكراً - إلا بإذنها، لحديث: ((لا تنكح الأيم
حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»
(١) مغني المحتاج ١٤٩/٣، ١٥٠، ١٥٩،
١٦٨، ١٧٢، ١٧٣، وروضة الطالبين ٥٣/٧
- ٥٥.
٢٧٣

نِكاح ٩٠
قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: ((أن
تسكت)) (١) إلا المجنونة فلسائر الأولياء
تزويجها إذا ظهر منها الميل للرجال، لأن لها
حاجة إلى النكاح لدفع ضرر الشهوة عنها،
وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة
العفاف وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها
فأبيح تزويجها، كالبنت مع أبيها، ويعرف
ميلها إلى الرجال من كلامها وتتبعها الرجال
وميلها إليهم ونحوه من قرائن الأحوال، وكذا
إن قال ثقة من أهل الطب إن تعذر غيره وإلا
فاثنان: إن علتها تزول بتزويجها، فلكل ولي
تزويجها لأن ذلك من أعظم مصالحها
كالمداواة، ولو لم يكن المجنونة ذات الشهوة
ونحوها ولي إلا الحاكم زوجها.
وليس لمن عدا الأب ووصيه الذي نص
عليه تزويج صغيرة لها دون تسع سنين بحال،
ولهم تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، ولها
إذن صحيح معتبر نصاً، لما روى عن عائشة
رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ((إذا بلغت
الجارية تسع سنين فهي امرأة)) (٢)، وروي
(١) حديث: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١٩١/٩ ط السلفية)،
ومسلم (١٠٣٦/٢ ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٢) قول عائشة: ((إذا بلغت الجارية تسع سنين
فهي امرأة)» .
ذكره الترمذي (٤٠٩/٣ ط الحلبي)، والبيهقي=
مرفوعاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما(١)،
ومعناه: في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك
للنكاح وتحتاج إليه، أشبهت البالغة.
وإذن الثيب الكلام لقوله وعَطية: ((الثيب تعرب
عن نفسها))(٢)، وهي من وطئت في القبل بآلة
الرجال ولو بزنا، وحيث حكمنا بالثيوبة
وعادت البكارة لم يزل حكم الثيوبة، لأن
الحكمة التي اقتضت التفرقة بينها وبين البكر
مباضعة الرجال وهذا موجود مع عود البكارة.
وإذن البكر الصمات ولو زوجها غير الأب
لما سبق، وإن ضحكت أو بكت فذلك
كسكوتها، لما ورد عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((تستأمر اليتيمة
فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز
عليها)) وفي رواية: ((فإن بكت أو سكتت))(٣)
= في السنن الكبرى (٣٢٠/١ ط دائرة
المعارف) دون أن يسنداه، ولم نهتد لمن
أسنده.
(١) ذكر ابن قدامة في المغني (٤٠٤/٩ ط دار
هجر) أن القاضي أبا يعلى رواه بإسناده، ولم
نهتد لأي کتاب أسنده فيه، كما لم نهتد لمن
أخرجه بإسناده غيره.
(٢) حديث: ((الثيب تعرب عن نفسها)).
سبق تخريجه ف (٨٧).
(٣) حديث: ((تستأمر اليتيمة فإن سكتت ... )).
أخرجه أبو داود (٥٧٣/٢ - ٥٧٥ ط حمص)
بروايتيه من حديث أبي هريرة، ثم أشار إلى
شذوذ لفظة: ((بكت)).
٢٧٤

نِكاح ٩٠ - ٩٢
ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها
للاستئذان فكان ذلك إذناً منها، ونطق البكر
أبلغ من سكوتها وضحكها وبكائها لأنه
الأصل في الإذن وإنما اكتفى منها بالصمات
للاستحياء، فإن أذنت نطقاً فقد تم الإذن،
وإن لم تأذن نطقاً استحب أن لا يجبرها
على النطق، واكتفى بسكوتها إن لم تصرح
بالمنع .
وزوال البكارة بإصبع أو وثبة أو شدة
حيضة ونحوه كسقوط من شاهق لا يغير صفة
الإذن، فلها حكم البكر في الإذن، لأنها لم
تخبر المقصود ولا وجد وطؤها في القبل
فأشبهت من لم تزل عذرتها، وكذا وطء في
الدبر ومباشرة دون الفرج لأنها غير موطوءة
في القبل.
ويعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على
وجه تقع معرفة المرأة به، بأن يذكر لها
نسبه ومنصبه ونحوه لتكون على بصيرة
من إذنها في تزويجه لها، ولا يشترط
في الاستئذان تسمية المهر لأنه ليس ركناً
في النكاح ولا مقصوداً منه، قال
البهوتي: ولا يشترط أيضاً اقترانه بالعقد،
ولا يشترط الإشهاد على إذنها لوليها أن
يزوجها ولو غير مجبرة، والاحتياط
الإشهاد(١).
(١) كشاف القناع ٤٢/٥ - ٤٧.
ترتیب الأولياء:
٩١ - ذهب الفقهاء إلى أن الولي في النكاح
إذا كان مجبراً فإنه يكون المقدم، لا ينازعه
أحد في تلك الولاية.
وذهبوا - في الجملة - إلى أنه إذا تعددت
أسباب ولاية النكاح، فإنه یقدم من کان سبب
ولايته الملك، ثم من كان سبب ولايته
القرابة، ثم من كان سبب ولايته الإمامة، ثم
من کان سبب ولايته الولاء.
واختلفوا في ترتيب الأولياء في النكاح
وذلك على التفصيل الآتي:
٩٢ - قال الحنفية: الولي في النكاح العصبة
بنفسه وهو من يتصل بالميت حتى المعتق بلا
توسط أنثى على ترتيب الإرث والحجب،
فيقدم الابن على الأب عند أبي حنيفة وأبي
یوسف خلافاً لمحمد حيث قدم الأب، وفي
الهندية عن الطحاوي: إن الأفضل أن يأمر
الأب الابن بالنكاح حتى يجوز بلا خلاف،
وابن الابن كالابن، ثم يقدم الأب، ثم أبوه،
ثم الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم ابن الأخ
الشقيق، ثم لأب، ثم العم الشقيق، ثم لأب،
ثم ابنه كذلك، ثم عم الأب كذلك، ثم ابنه
كذلك، ثم عم الجد كذلك، ثم ابنه كذلك،
كل هؤلاء لهم إجبار الصغيرين وكذا الكبيرين
إذا جُنّا، ثم المعتِق ولو أنثى، ثم ابنه وإن
سفل، ثم عصبته من النسب على ترتيبهم .
٢٧٥

نكاح ٩٢ - ٩٣
فإن لم يكن عصبة لا نسبية ولا سببية
فالولاية للأم عند الإمام ومعه أبو يوسف في
الأصح، وهو استحسان والعمل عليه، وقال
محمد: ليس لغير العصبات ولاية وإنما هي
للحاكم، ثم لأم الأب، ثم للبنت، ثم لبنت
الابن، ثم لبنت البنت، ثم لبنت ابن الابن،
ثم لبنت بنت البنت، وهكذا إلى آخر الفروع
وإن سفلوا، ثم للجد الفاسد، ثم للأخت
لأب وأم، ثم للأخت لأب، ثم لولد الأم
الذكر والأنثى سواء، ثم لأولاد الأخت
الشقيقة وما عطف عليها على هذا الترتيب،
ثم لذوي الأرحام: العمات، ثم الأخوال، ثم
الخالات، ثم بنات الأعمام، وبهذا الترتيب
أولادهم، فيقدم أولاد العمات، ثم أولاد
الأخوال، ثم أولاد الخالات، ثم أولاد بنات
الأعمام.
ثم تكون ولاية النكاح لمولى الموالاة وهو
الذي أسلم على يديه أبو الصغيرة ووالاه لأنه
يرث فتثبت له ولاية التزويج إذا كان الأب
مجهول النسب ووالاه على أنه إن جنى يعقل
عنه، وإن مات يرثه.
ثم للسلطان، ثم لقاض نص له عليه في
منشوره، ثم لنواب القاضي إن فوض له
ذلك، وإن لم يفوض إليه التزويج فليس
لنائبه ذلك.
وليس للوصي من حيث هو وصي أن
يزوج اليتيم مطلقاً وإن أوصى إليه الأب بذلك
على المذهب. نعم لو كان قريباً أو حاكماً
يملكه بالولاية(١)
٩٣ - ورتب المالكية الأولياء غير المجبرين
في النكاح، ولكنهم اختلفوا في التقديم
بحسب هذا الترتيب هل هو واجب أو
مندوب إليه، والراجح عندهم أن التقديم
بذلك الترتيب واجب غير شرط، وقيل إنه
مندوب .
وقالوا: يقدم عند وجود متعدد من
الأولياء ابن للمرأة في العقد عليها ولو كان
الابن من زنا كما إذا ثيبت بنكاح ثم زنت
وأتت بولد فيقدم على الأب، وأما إذا ثيبت
بزنا وأتت منه بولد فإن الأب یقدم علیه،
لأنها في تلك الحالة مجبرة للأب - ثم بعد
الابن ابنه، ولو عقد الأب مع وجود الابن
وابنه جاز على الابن ولا ضرر، ثم أب
للمرأة - أي شرعي، وأما أبو الزنا فلا عبرة
به - ثم أخ شقيق أو لأب - أما الأخ لأم فلا
ولاية له خاصة وإن كان له ولاية عامة - ثم
ابنه وإن سفل وهو المشهور من تقديم الأخ
وابنه على الجد هنا، ثم جد لأب، ثم عم
لأب، فابنه، فجد أب، فعمه أي عم الآب،
فابنه .
ويقدم من كل صنف الشقيق على الذي
للأب على الأصح عند ابن بشير، والمختار
(١) الدر المحتار ورد المحتار ٣١١/٢، ٣١٢.
٢٧٦

نكاح ٩٣ - ٩٤
عند اللخمي وهو قول مالك وابن القاسم
وسحنون، ومقابله ما رواه ابن زياد عن مالك
أن الشقيق وغيره في مرتبة واحدة فيقترعان
عند التنازع.
ويقدم الأفضل عند التساوي في الرتبة،
وإن تنازع متساوون في الرتبة والفضل كإخوة
کلهم علماء نظر الحاکم فیمن یقدمه، فإن لم
یکن حاکم أقرع بينهم.
ثم يقدم بعد عصبة النسب المولى الأعلى
وهو من أعتق المرأة، فعصبته المتعصبون
بأنفسهم، فمولاه وهو من أعتق معتقها وإن
علا .
ثم هل يقدم المولى الأسفل وهو من
أعتقته المرأة أو لا ولاية له أصلاً عليها؟
صحح عدم الولاية، وهو القياس، لأن
الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب، والعتيق
لیس من عصبتها.
ثم كافل للمرأة غير عاصب، فالبنت إذا
مات أبوها أو غاب، وكفلها رجل - أي قام
بأمورها حتى بلغت عنده، أو خيف عليها
الفساد - سواء كان مستحقاً لحضانتها شرعاً أو
كان أجنبياً، فإنه تثبت له الولاية عليها
ويزوجها بإذنها إن لم يكن لها عصبة، وظاهر
المدونة أن ذلك خاص بالدنيئة، أما الشريفة
ففيها خلاف، والمذهب أن المرأة الكافلة لا
ولاية لها على المكفولة، ووليها الحاكم،
وقيل: لها ولاية ولكنها لا تباشر العقد بل
توكل كالمعتقة، ولا يشترط في الكفالة مدة
معينة على الأظهر، بل ما تحصل فيه الشفقة
والحنان عليها عادة، ولا بد من ظهور الشفقة
عليها منه بالفعل، وإلا فالحاكم هو الذي
یتولی عقد نكاحها.
ثم يتولى الحاكم عقد النكاح بعد من سبق
ذكرهم.
فإن لم يوجد للمرأة عاصب ولا مولى
أعلى ولا كافل ولا حاكم شرعي، تولى عقد
نكاحها رجل من عامة المسلمين، ومن ذلك
الخال والجد من جهة الأم والأخ لأم فهم
من أهل الولاية العامة بإذنها ورضاها، وصح
النكاح بالولاية العامة في المرأة الدنيئة
- الخالية من النسب والحسب والمال
والجمال - مع وجود ولي خاص غير مجبر
لكونها لدناءتها وعدم الالتفات إليها
لا يلحقها بذلك معرة، ولا یفسخ نكاحها
بحال طال زمن العقد أو لا، دخل بها الزوج
أو لم يدخل، أما الشريفة فتقيد صحة
نكاحها بالولاية العامة مع وجود ولي غير
مجبر بما إذا دخل الزوج بها وطال، مع أن
هذا النكاح لا يجوز ابتداء(١).
٩٤ - وقال الشافعية: يرتب الأولياء في
(١) الشرح الصغير والصاوي ٣٥٩/٢ - ٣٦٢،
والشرح الكبير والدسوقي ٢٢٥/٢ - ٢٢٦.
٢٧٧

نكاح ٩٤
النكاح بحسب الجهة التي يدلون بها إلى
المولى عليها، فتقدم جهة القرابة، ثم الولاء،
ثم السلطنة .
وأحق الأولياء بالتزويج أب لأن أغلب
الأولياء يدلون به، ثم جد لأب، ثم أبوه وإن
علا، لاختصاص كل منهم عن سائر العصبات
بالولادة مع مشاركته في العصوبة، ثم أخ
لأبوين ثم أخ لأب، لأن الأخ يدلى بالأب
فهو أقرب من ابنه، ثم ابن الأخ لأبوين، ثم
ابن الأخ لأب وإن سفل، لأنه أقرب من
العم، ثم عم لأبوین ثم عمّ لأب، ثم ابن كل
منهما وإن سفل، ثم سائر العصبة من القرابة
كالإرث، لأن المأخذ فيهما واحد إلا في
مسائل :
منها: يقدم الأخ للأبوين على الأخ لأب
في الإرث، وهنا قولان، أظهرهما وهو
الجديد يُقدم أيضاً، والقديم يستويان.
ويجري القولان في ابني الأخ والعمين
وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين
والآخر من الأب، ولو كان ابنا عم أحدهما
أخوها من الأم، أو ابنا ابن عم أحدهما
ابنها فقال الإمام: هما سواء، وطرد
الجمهور القولين، وقالوا: الجديد يقدم
الأخ والابن.
ولو كان ابنا عم أحدهما من الأبوين
والآخر من الأب لكنه أخوها من الأم فالثاني
هو الولي لأنه يدلى بالجد والأم، والأول
بالجد والجدة .
ولو كان ابنا ابن عم أحدهما ابنها والآخر
أخوها من الأم فالابن المقدم لأنه أقرب.
ولو كان ابنا عم أحدهما معتق فالجديد
يقدم ابن المعتق والقديم يسوى بينهما، أو
ابنا عم أحدهما خال فهما سواء بلا
خلاف .
ومنها: الابن لا يزوج بالبنوة، فإن شاركها
في نسب كابن هو ابن ابن عمها فله الولاية
بذلك ولا تمنعه البنوة التزويج بالجهة
الأخرى، لأنها غير مقتضية لا مانعة، فإذا
وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية لم
تمنعه .
ومن لا عصبة لها بنسب وعليها ولاء
فينظر: إن أعتقها رجل فولاية تزويجها له،
فإن لم يكن بصفة الولاية فلعصباته، ثم
لمعتقه، ثم لعصبات معتقه، وهذا على
ترتیبھم في الإرث.
واختلف الشافعية في تزويج السلطان، هل
يزوج بالولاية العامة أو النيابة الشرعية؟
وجهان حكاهما الإمام.
ومن فوائد الخلاف: أنه لو أراد القاضي
نكاح من غاب عنها وليها، إن قلنا بالولاية
زوجها أحد نوابه أو قاض آخر، أو بالنيابة لم
يجز .
٢٧٨

نكاح ٩٤ - ٩٥
وكذلك لو كان لها وليان، والأقرب
غائب، إن قلنا يزوج بالولاية قدم عليه
الحاضر، أو بالنيابة فلا، وأفتى البغوي بالأول
وكلام القاضي وغيره يقتضيه، وصحح الإمام
فيما إذا زوج للغيبة أنه يزوج بنيابة اقتضتها
الولاية، قال الشربيني الخطيب: وهذا
أوجه(١).
٩٥ - وقال الحنابلة: أحق الناس في ولاية
نكاح المرأة أبوها، لأن الولد موهوب لأبيه،
قال تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْتَى﴾(٢)،
وقال وَلّه: ((أنت ومالك لأبيك))(٣)، وإثبات
ولاية الموهوب له على الهبة أولى من
العكس، ولأن الأب أكمل شفقة وأتم نظراً،
ثم الجد أبو الأب وإن علا لأن الجد له إيلاد
وتعصيب فأشبه الأب، وأولى الأجداد أقربهم
كالميراث، ثم ابن المرأة، ثم ابن ابنها وإن
سفل، ثم أخوها لأبويها كالميراث، ثم
أخوها لأبيها كالإرث، ثم بنوهما كذلك
فيقدم ابن الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب،
(أ) مغني المحتاج ١٥١/٣ - ١٥٣، وروضة
الطالبين ٥٩/٧ - ٦٠.
(٢) سورة الأنبياء / ٩٠.
(٣) حديث: ((أنت ومالك لأبيك)).
أخرجه أبو داود (٨٠١/٣ - ط حمص) من
حديث عبدالله بن عمرو وقال المنذري في
مختصر السنن (١٨٣/٥ نشر دار المعرفة):
رجال إسناده ثقات.
ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا، ثم العم
لأبوین، ثم العم لأب، ثم بنوهما كذلك،
وإن نزلوا الأقرب فالأقرب، ثم أقرب
العصبات على ترتيب الميراث، لأن الولاية
مبناها على النظر والشفقة، ومظنة ذلك
القرابة، والأحق بالميراث هو الأقرب،
فيكون أحق بالولاية.
وتكون الولاية بعد عصبة النسب للمولى
المنعم بالعتق لأنه يرثها ويعقل عنها عند
عدم عصبتها من النسب فیکون له تزويجها،
ثم أقرب عصباته فأقربهم على ترتيب
الميراث، ثم مولى المولى، ثم عصباته
كذلك، ويقدم هنا ابنه وإن نزل على أبيه
لأنه أحق بالميراث وأقوى في التعصيب،
وإنما قدم الأب في النسب بزيادة شفقته
وفضيلة ولادته وهذا معدوم في أبي المعتق
فرجع فيه إلى الأصل.
ثم تكون ولاية التزويج للسلطان، وهو
الإمام الأعظم أو نائبه الحاكم ومن فوضا إليه
الأنكحة، ولو كان الإمام أو الحاكم من بغاة
إذا استولوا على بلد لأنه يجري فيه حكم
سلطانهم وقاضيهم مجرى حكم الإمام
وقاضيه .
ولا ولاية لغير العصبات النسبية والسببية
من الأقارب كالأخ لأم والخال وعم الأم
وأبيها ونحوهم، لأن من لا يعصِبها شبيه
بالأجنبي منها .
٢٧٩

نكاح ٩٥ - ٩٧
فإن عُدِمَ الولي مطلقاً بأن لم يوجد أحد
ممن تقدم، أو عضل وليها ولم يوجد غيره،
زوجها ذو سلطان في ذلك المكان کوالي
البلد أو كبيره أو أمير القافلة ونحوه لأن له
سلطنة، فإن تعذر ذو سلطان في ذلك
المكان زوجها عدل بإذنها، قال أحمد في
دهقان قرية (١) أي رئيسها: يزوج من لا ولي
لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم
يكن في الرستاق قاض، لأن اشتراط الولاية
في هذه الحالة يمنع النكاح بالكلية فلم يجز
كاشتراط كون الولي عصبة في حق من
لا عصبة لها.
وإن كان في البلد حاكم وأبى التزويج إلا
٠ے
بظلم كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده
کعدمه(٢).
انتقال الولاية بالعضل :
٩٦ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا تحقق العضل
من الولي وثبت ذلك عند الحاكم، أمر
الحاكم الولي بالتزويج إن لم يكن العضل
بسبب معقول، فإن امتنع انتقلت الولاية إلى
غيره.
واختلف الفقهاء فيمن تنتقل إليه الولاية
(١) الدهقان: يطلق على رئيس القرية وعلى
التاجر وعلى من له مال وعقار.
(٢) كشاف القناع ٥٠/٥ - ٥٢.
حينئذ، فذهب الجمهور إلى أنها تنتقل إلى
السلطان، وذهب الحنابلة وابن عبد السلام
من المالكية إلى أنها تنتقل إلى الولي
الأبعد، فإن لم يكن أو عضل انتقلت إلى
السلطان .
والتفصيل في مصطلح (عضل ف ٥).
غَيبة الولي :
٩٧ - اختلف الفقهاء في بقاء ولاية النكاح
عند غيبة الولي هل تكون للحاكم أم للولي
الأبعد؟
فقال الحنفية: إنما يتقدم الأقرب على
الأبعد إذا كان الأقرب حاضراً أو غائباً غيبة
غير منقطعة .
فأما إذا كان غائباً غيبة منقطعة فللأبعد أن
يزوج في قول أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد، وعند زفر لا ولاية للأبعد بعد قيام
الأقرب بحال.
واختلف الحنفية في زوال ولاية الأقرب
بالغيبة أو عدم زوالها، فقال بعضهم إنها باقية
إلا إن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب
فيصير كأن لها وليين مستويين في الدرجة،
كالأخوين والعمين، وقال بعضهم: تزول
ولايته وتنتقل إلى الأبعد، وهو الأصح.
واستدل لزفر بأن ولاية الأقرب قائمة لقيام
سبب ثبوت الولاية وهو القرابة القريبة، ولهذا
٢٨٠