Indexed OCR Text

Pages 41-60

نفقة ٨ - ٩
وقدرها الشافعية: بمدين إذا كان الزوج
موسراً، وبمد إذا كان معسراً، وبمد ونصف
المد إذا كان متوسطاً.
وقال القاضي: الواجب رطلان من الخبز
في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتباراً
بالكفارات(١).
واحتجوا لأصل التفاوت بين الموسر
والمعسر بقول الله عز وجل ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ
مِّنِ سَعَتِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيُنِفِقْ مِمَّآ ءَانَهُ
اُلَّمْ﴾(٢).
وأما التقدير فبقياس نفقة الزوجة على الكفارة
بجامع أن كلا منهما مال وجب بالشرع(٣).
القول الثالث: إن المعتبر في تقدير النفقة
عادة أمثال الزوج والزوجة وحال البلد، وإليه
ذهب المالكية، وهو قول عند بعض
الشافعية(٤).
القول الرابع: إن المعتبر ما يفرضه القاضي
وعليه أن يجتهد ويقدر، وإليه ذهب بعض
الشافعية(٥) .
(١) نهاية المحتاج ١٨٨٨٧، وروضة الطالبين
٤٠/٩، والمغني ٢٣٢/٩، والمبدع ١٨٦/٦.
(٢) سورة الطلاق /٧.
(٣) مغني المحتاج ٤٢٦/٣، وتحفة المحتاج
٣٠٢/٨.
(٤) روضة الطالبين ٤٠/٩، والدسوقي ٥٠٩/٢،
وبداية المجتهد ٥٩/٢.
(٥) روضة الطالبين ٤٠/٩.
ما يراعى في النفقة:
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزوجين إذا
كانا موسرين فللزوجة نفقة الموسرين، وإن
كانا معسرين فللزوجة نفقة المعسرين(١).
أما لو اختلفت حالة الزوجين يساراً أو
إعساراً: بأن كان الزوج موسراً والزوجة
معسرة مثلاً، أو العكس، ولم يتفقا على نفقة
معينة، فقد اختلف الفقهاء فيمن يراعى ويعتبر
حاله في تقدير النفقة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المعتبر حال الزوج يساراً أو
إعساراً. وإليه ذهب بعض الحنفية في ظاهر
الرواية(٢)، وبه قال الشافعية(٣). مستندين في
ذلك إلى قول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ
رِذْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعَرُونِ﴾ (٤) موجهين استدلالهم
بأن الله سبحانه وتعالى أوجب على الزوج
الإنفاق على الزوجة بالمعروف، وذلك یکون
بما يناسب حاله، فإن كان موسراً وجب عليه
نفقة الموسرين، وإن كان معسراً وجبت عليه
نفقة المعسرين، لأنها هي المناسبة لحاله(٥).
(١) البدائع ٢٤/٤، ورد المحتار ٦٤٥/٢،
وحاشية الدسوقي ٥٠٩/٢، وروضة الطالبين
٤١/٩، والإنصاف ٢٥٣/٩.
(٢) البدائع ٢٤/٤، ورد المحتار ٦٤٥/٢،
٥٧٤/٣.
(٣) روضة الطالبين ٤٠/٩.
(٤) سورة البقرة / ٢٣٣.
(٥) تكملة المجموع ٢٥٠/١٨.
٤١

نفقة ٩
وإلى قوله تعالى ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَنْةِ،
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ
اللُّ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنِهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُتْأَ﴾(١). فقد أمر سبحانه الأزواج بالنفقة
علی قدر وسعهم وملکهم دون اعتبار لحال
(٢)
غيرهم(٢).
القول الثاني: المعتبر حال الزوجة، وإليه
ذهب بعض الحنفية(٣) مستدلين على ذلك
بقول الله عز وجل ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعَرُونِ﴾(٤) موجهين استدلالهم بأن
إضافة الله عز وجل للرزق والكسوة إلى
الزوجات الوالدات فيه دلالة على أن المعتبر
في تقديرها إنما هو حال الزوجات دون
الأزواج، وعطفه سبحانه الكسوة على الرزق
ليبين تساويهما، ولما كان المعتبر في الكسوة
حال الزوجة، فيكون المعتبر في الرزق حالها
كذلك(٥).
واستدلوا کذلك بقول النبي گپڑ لهند بنت
عتبة امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك
ووُلدك بالمعروف))(٦). فأسند رسول الله وَل
(١) سورة الطلاق /٧.
(٢) تكملة المجموع ٢٥٠/١٨.
(٣) رد المحتار ٥٧٤/٣.
(٤) سورة البقرة /٢٣٣.
(٥) فتح الباري ٥٠٩/٩، ونيل الأوطار ٣٢٣/٦.
(٦) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)».
سبق تخريجه فقرة ٨.
الكفاية إليها، دون اعتبار لحال الزوج، فدل
هذا على أن المعتبر في تقدير النفقة مراعاة
حال الزوجة دون حال الزوج.
القول الثالث: المعتبر حالهما معاً، وإليه
ذهب بعض الحنفية وعليه الفتوى عندهم(١)،
وهو المعتمد عند المالكية(٢)، وبه قال
الحنابلة(٣) مستندين في ذلك إلى قول الله
تعالى ﴿لِنُفِقُ ذُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
رِزْقُهُ فَيُنْفِقْ مِمَّاَ ءَانَنَهُ اللَّهَ﴾(٤).
وإلى قول النبي وَّ لهند بنت عتبة امرأة
أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف)»(٥) .
موجهين استدلالهم بأن الآية دلت على
اعتبار حال الزوج، وأن الحديث دل على
اعتبار حال الزوجة، فكان القول باعتبار
حالهما في تقدير النفقة أنسب، إعمالاً
لظاهرهما وجمعاً بينهما(٦).
ولأن القول باعتبار حال الزوجين معاً فيه
(١) فتح القدير ١٩٤/٣ - ١٩٥.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٥٠٨/٢ - ٥٠٩،
والتاج والإكليل ١٨٣/٤.
(٣) المغني ٢٣٩/٩، وكشاف القناع ٤٦٠/٥.
(٤) سورة الطلاق /٧.
(٥) حديث: ((خذي ما يكفيك .. )).
سبق تخريجه فقرة ٨.
(٦) فتح الباري ٥٠٩/٩.
٤٢

نفقة ٩ - ١٣
نظر لحال كل واحد منهما، وهو أولى من
اعتبار حال أحدهما دون الآخر(١).
أنواع النفقة:
١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن النفقة الواجبة
للزوجة على زوجها تشمل الطعام والكسوة
والمسكن، وكل ما لا غنى لها عنه، ونفقة
الطعام هي مما جرت به عادة كل بلد من
الخبز والسمن أو الزيت والتمر والأرز واللبن
واللحم ونحو ذلك.
والقدر الواجب من ذلك هو ما فصلته
مذاهب الفقهاء، والمعتمد هو ما أوردوه
في حالات تقدير النفقة الذي سبق
تفصيله .
واتفق الفقهاء على وجوب الكسوة للزوجة
على النحو المفصل في مصطلح (كسوة ف ٢
وما بعدها)، كما اتفقوا على وجوب سكناها
وتفصيله في مصطلح (سکنی ف ٤ وما
بعدها).
١١ - وليس أمر النفقة قاصراً على الأنواع
المذكورة فقط، بل يرى بعض الفقهاء وجوب
ما تحتاج إليه من دواء وأجرة خادم يقوم على
شؤون مثلها عادة وثمن طيب وآلات تنظيف
وكل ما هي في حاجة إليه مما سيرد تفصيله
فيما يلي:
(١) كشاف القناع ٤٦٠/٥.
أولاً: علاج الزوجة :
١٢ - ذهب الفقهاء إلى عدم وجوب ثمن
الدواء وعدم وجوب أجرة الطبيب على
الزوج(١) مستندين في ذلك إلى قوله تعالى
﴿لِيُتْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَنِةٍ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنِفِقْ مِمَّآ ءَنَهُ اللَّهُ﴾(٢) .
موجهين استدلالهم بأن الله عز وجل ألزم
الزوج بالنفقة المستمرة على زوجته، وليست
نفقة العلاج داخلة تحتها، لأنها من الأمور
العارضة(٣).
ولأن شراء الأدوية وأجرة الطبيب إنما تراد
لإصلاح الجسم فلا تلزم الزوج(٤).
ثانياً: آلات التنظيف وأدوات الزينة
والطيب :
١٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجب للزوجة على
زوجها ما تحتاج إليه من المشط والدهن
لرأسها والسدر أو نحوه مما تغسل به رأسها
(١) الفتاوى الهندية ٥٤٩/١، والبدائع ٢٠/٤،
والشرح الكبير للدردير ٥١١/٢، ومغني
المحتاج ٤٣١/٣، ونهاية المحتاج ١٩٥/٧،
والحاوي ١٩/١٥، والمغني ٢٣٥/٩.
(٢) سورة الطلاق /٧.
(٣) البدائع ٢٠/٤، وحاشية الدسوقي ٥١١/٢.
(٤) المغني ٢٣٥/٩، وكشاف القناع ٤٦٣/٥،
ومغني المحتاج ٤٣١/٣.
٤٣

نفقة ١٣ - ١٥
وما يعود بنظافتها من آلات التنظيف (١).
ولا يجب عليه لها ثمن الطيب إذا كان
للتلذذ والاستمتاع لأنه حق له فلا يجب عليه
ما يدعوه إليه، أما ما يراد به قطع الرائحة
الكريهة فإنه يلزمه(٢).
ثالثاً: أجرة الخادم ونفقته:
١٤ - ذهب الفقهاء إلى أن المرأة إن كانت
ممن لا تخدم نفسها لكونها من ذوات
الأقدار، أو كانت ممن لا يليق بها خدمة
نفسها بأن كانت ممن تُخدم في بيت أبيها، أو
لكونها مريضة: فإنه يلزم الزوج بأن يهيىء لها
خادماً وتلزمه نفقته متى كان الزوج موسراً.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يشترط
يسار الزوج، بل يرون استواء الموسر
والمعسر لمن لا يليق بها خدمة نفسها.
ويرى أبو حنيفة فيما رواه الحسن عنه أنه
ليس على الزوج المعسر نفقة خادم وإن كان
لها خادم، لأن الواجب على الزوج المعسر
من النفقة أدنى الكفاية، وعن محمد أنه إن
كان لها خادم فعلى الزوج المعسر نفقته، وإن
(١) البدائع ٢٠/٤، وحاشية الدسوقي ٥١١/٢،
والمغني ٢٣٥/٩، وكشاف القناع ٤٦٣/٥،
ومغني المحتاج ٤٣١/٣.
(٢) الفتاوى الهندية ٥٤٩/١، والتاج والإكليل
١٨٢/٤، ١٨٣، ومغني المحتاج ٤٣٠/٣،
٤٣١، والمغني ٢٣٥/٩.
لم یکن لها خادم فلا تلزمه، لأنه لما كان لها
خادم علم أنها لا ترضى بخدمة نفسها فكان
على الزوج نفقة خادم، وإن لم يكن لها خادم
دل على أنها راضية بخدمة نفسها(١).
وينظر مصطلح (خدمة ف ٧ وما بعدها).
١٥ - واختلف الفقهاء في إلزام الزوج
بأكثر من خادم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يلزم الزوج بأكثر من
خادم واحد، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد(٢)
وهو قول ابن القاسم من المالكية(٣)، وبه قال
الشافعية(٤)، وهو مذهب الحنابلة(٥). لأن
الخادم الواحد لا بد منه، والزيادة على ذلك
لیس له حد معلوم یقدر به، فلا یکون اعتبار
الخادمين أولى من الثلاثة والأربعة، فيقدر
بالأقل وهو الواحد.
ولأن المستحق خدمة نفسها، ويحصل
ذلك بواحد، والزيادة تراد لحفظ ملكها أو
للتجمل وليس عليه ذلك(٦).
(١) والفتاوى الهندية ٥٤٩/١، ومغني المحتاج
٤٣١/٣، والمغني ٢٣٥/٩، وكشاف القناع
٤٦٣/٥، والبدائع ٢٤/٤.
(٢) البدائع ٢٤/٤.
(٣) حاشية الدسوقي ٥١٠/٢.
(٤) المهذب ١٦٢/٢، ومغني المحتاج ٤٣٢/٣،
٤٣٤.
(٥) المغني ٢٣٧/٩.
(٦) بدائع الصنائع ٢٤/٤.
٤٤

نفقة ١٥ - ١٨
القول الثاني: يلزم الزوج نفقة خادمين
لزوجته، وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية
في المشهور عنه (١)، وهو قول المالكية(٢)،
وبه قال أبو ثور(٣).
لأن خدمة المرأة لا تقوم بخادم واحد بل
تقع الحاجة إلى خادمين يكون أحدهما معيناً
(٤)
للآخر (٤).
القول الثالث: يجب لها النفقة لأكثر من
خادمين بالمعروف، وهذه رواية عن أبي
يوسف، وبها أخذ الطحاوي من الحنفية(٥).
ما يشترط في خادم الزوجة:
١٦ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى
اشتراط أن يكون خادم الزوجة امرأة أو ممن
يحل له النظر إليها، سواء كان صبياً مميزاً
مراهقاً أو محرماً أو ممسوحاً، إذا كان
للخدمة الباطنة، وعلى هذا لا يجوز أن يكون
كبيراً ولو شيخاً لتحريم النظر، لأن الخادم
يخالط المخدوم في غالب أحواله، فلا يسلم
من النظر (٦).
(١) البدائع ٢٤/٤.
(٢) حاشية الدسوقي ٥١٠/٢.
(٣) المغني ٢٣٧/٩، وكشاف القناع ٤٦٤/٥.
(٤) البدائع ٢٤/٤.
(٥) البدائع ٢٤/٤.
(٦) الخرشي ١٨٦/٤، ومغني المحتاج ٤٣٢/٣،
والمغني ٢٣٧/٩، وكشاف القناع ٤٦٤/٥.
أما إذا كان للخدمة الظاهرة كقضاء
الحوائج من الأسواق فالشافعية يجوزون
خدمة الكبير.
واختلف الفقهاء في کون الخادم غیر مسلم،
وتفصيل ذلك في مصطلح (خدمة ف ١٣).
لزوم قبول الزوجة خدمة الزوج لها:
١٧ - اختلف الفقهاء في لزوم قبول الزوجة
خدمة الزوج لها إذا عرض عليها ذلك على
قولین:
القول الأول: لا یلزمها قبول خدمته لها،
وإليه ذهب الشافعية(١)، وهو المذهب عند
الحنابلة(٢) لأنها تستحي منه وتُعيّر به، وفيه
غضاضة علیھا لکون زوجها خادمها .
القول الثاني: يلزم الزوجة قبول خدمة
الزوج لها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد،
ووجه عند الحنابلة(٣)، وجاء في توجيه قول
أبي حنيفة ومحمد أن الزوج لو قام بخدمتها
بنفسه لا يلزمه نفقة خادم أصلاً لأن الكفاية
تحصل به .
إتيان الزوجة بخادمها معها :
١٨ - اختلف الفقهاء في حكم إتيان الزوجة
بخادمها معها ليخدمها .
(١) مغني المحتاج ٤٣٣/٣.
(٢) المغني ٢٣٨/٩.
(٣) بدائع الصنائع ٢٤/٤، والمغني ٢٣٨/٩.
٤٥

نفقة ١٨ - ١٩
فذهب المالكية إلى أنه إذا طلبت الزوجة
أن خادمها یخدمها ویکون عندها، وطلب
الزوج أن يخدمها خادمه، فإنه يقضي لها
بخادمها، لأن الخدمة لها، وحينئذ فيلزم
الزوج أن ينفق عليه.
وقيده ابن شاس بما إذا كان خادمها
مألوفاً، وظاهر كلام الدردير القضاء بخادمها
سواء كان مألوفاً أو لا، إلا لريبة في خادمها
تضر بالزوج في الدين أو الدنيا (١).
وذهب الشافعية إلى أن الزوجة إن ألفت
خادماً أخدمها الزوج إياه، أو جاءت بخادم
معها وأراد الزوج إبداله أنه ليس له ذلك،
لتضررها بقطع المألوف عليها، إلا أن تظهر
ريبة أو خيانة فيكون للزوج إبداله(٢).
وذهب الحنابلة إلى أنه إن كان لها
خادم فرضيت بخدمته لها ونفقته على
الزوج جاز.
وإن قال الزوج: لا أعطيك أجر هذا ولكن
أنا آتيك بخادم سواه، فله ذلك إذا أتاها بمن
يصلح لخدمتها (٣).
نفقة الزوجة الصغيرة:
١٩ - اختلف الفقهاء في وجوب نفقة الزوجة
(١) حاشية الدسوقي ٥١١/٢.
(٢) مغني المحتاج ٤٣٢/٣.
(٣) المغني ٢٣٨/٩، وكشاف القناع ٤٦٣/٥.
الصغيرة على زوجها إذا لم يمكن وطؤها
ولا الاستمتاع بها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا نفقة للزوجة الصغيرة
على زوجها، وإليه ذهب جمهور
الحنفية(١)، وبه قال المالكية (٢)، وهو
الأظهر عند الشافعية(٣)، والمذهب عند
الحنابلة(٤) وبه قال الحسن والنخعي
وإسحاق وأبو ثور(٥).
واستندوا في ذلك إلى فعل النبي وَلـ
مع عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه،
حيث عقد عليها وهي بنت ست سنين
وبنى بها وهي بنت تسع سنين (٦)، ولم
ينقل أنه وَر أنفق عليها في حال صغرها
فلو كان حقاً لها لدفعه إليها، ولو وقع
ذلك لنقل إلينا، لكنه لم ينقل عنه وَّر في
ذلك شيء، فدل هذا على عدم استحقاق
الصغيرة النفقة(٧).
(١) الفتاوى الهندية ٥٤٦/١، والبدائع ١٩/٤.
(٢) مواهب الجليل ١٨٢/٤، وشرح الخرشي
١٨٤/٤.
(٣) المهذب ١٥٩/٢، مغني المحتاج ٤٣٨/٣.
(٤) كشاف القناع ٤٧١/٥، والمغني ٢٨١/٩،
الإنصاف ٣٧٧/٩.
(٥) المغني ٢٨١/٩.
(٦) حديث: ((عقد على عائشة وهي بنت ست
سنين وبنى بها وهي بنت تسع .. )).
سبق تخريجه فقرة ٥.
(٧) مغني المحتاج ٤٣٨/٣، والمغني ٢٨٢/٩.
٤٦

نفقة ١٩
ولأن النفقة إنما تجب بالتمكين من
الاستمتاع ولا يتصور ذلك في الصغيرة التي
لا يجامع مثلها، لقيام المانع في نفسها من
الوطء والاستمتاع، فلم تجب نفقتها لعدم
قبول المحل لذلك(١).
٠
القول الثاني: تجب للصغيرة النفقة على
زوجها، وهذا هو مقابل الأظهر عند
الشافعية(٢)، وبه قال بعض الحنابلة(٣)، وهو
قول الثوري(٤).
واستندوا في ذلك إلى عموم الآيات
الموجبة للنفقة للزوجة مثل قوله تعالى
﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِذْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ (٥)،
وقوله عز وجل: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن
سَعَيِّةٍ﴾(٦).
فقد أوجبت النفقةً للزوجة من حين العقد
من غير تفريق بين صغيرة أو كبيرة.
وإلى عموم قول النبي وَلير: ((ولهن عليكم
رزقهن وكسوتهن بالمعروف))(٧).
(١) المغني ٢٨١/٩، وبدائع الصنائع ١٩/٤.
(٢) مغني المحتاج ٤٣٨/٣، والمهذب ١٥٩/٢.
(٣) المغني ٢٨١/٩، والإنصاف ٣٧٧/٩.
(٤) المغني ٢٨١/٩.
(٥) سورة البقرة /٢٣٣.
(٦) سورة الطلاق / ٧.
(٧) حديث: ((ولهن عليكم رزقهن ... )) سبق
تخريجه ف ٦.
موجهين استدلالهم بأن النبي وَل و أوجب
نفقة الزوجات على أزواجهن من غير تفريق
بين صغيرة أو كبيرة.
وإلى القياس على الرتقاء والقرناء، بجامع
أن كلاً منهن لا توطأ مع وجوب النفقة لهن،
وعدم اعتبار الرتق والقرن مانعاً من وجوب
نفقتهن(١).
ولأن عدم تحقق الوطء لم يكن بفعلها فلم
يمنع وجوب النفقة لها كالمريضة(٢).
القول الثالث: إن أمسكها الزوج لها
النفقة، وإن ردها فلا نفقة لها، وبه قال
أبو يوسف من الحنفية(٣).
واستدل بأنه لما لم تحتمل الوطء لم يوجد
التسليم الذي أوجبه العقد، فكان له أن يمتنع
من القبول.
فإن أمسكها فلها النفقة، لأنه حصل له نوع
منفعة وضرب من الاستمتاع، وقد رضي
بالتسليم القاصر، وإن ردها فلا نفقة لها حتى
يجيء حال يقدر فيها على جماعها، لانعدام
التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاه
بالتسليم القاصر (٤).
(١) مغني المحتاج ٤٣٨/٣.
(٢) المغني ٢٨١/٩.
(٣) بدائع الصنائع ١٩/٤.
(٤) المرجع السابق.
٤٧

نفقة ٢٠ - ٢١
نفقة الزوجة المريضة :
٢٠ - اتفق الفقهاء على أن الزوجة إذا كانت
مريضة قبل الانتقال إلى بيت زوجها وبذلت له
تسليم نفسها تسليماً كاملاً، أو بذل هذا التسليم
ولي الزوجة والزوجة ممن يوطأ مثلها،
وتسلمها الزوج فعلاً، أن النفقة تكون واجبة
لها عليه ولو تعذر عليه وطؤها لمرضها(١).
كما ذهبوا إلى وجوب النفقة لها عليه إذا
زفت إليه وهي صحيحة ثم مرضت عنده،
لأن الاستمتاع بها من حيث الجملة ممكن ولا
تفريط من جهتها(٢)، ولأن الاحتباس قائم فإنه
يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت، والمانع
عارض فأشبه الحيض.
٢١ - واختلفوا في المريضة المدخول بها
مرضاً شديداً يمنعها من الانتقال إلى منزل
الزوجية على قولين:
القول الأول: لها النفقة، وإليه ذهب
جمهور الحنفية، وهو المذهب عند المالكية،
وبه قال الشافعية والحنابلة(٣).
(١) البدائع ١٩/٤، وحاشية الدسوقي ٥٠٨/٢،
ومغني المحتاج ٤٣٧/٣، وشرح منتهى
الإرادات ٣٥٣/٣.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣٥٣/٣، ومغني
المحتاج ٤٣٧/٣.
(٣) البدائع ١٩/٤، والمدونة ٢٥٢/٢، ومغني
المحتاج ٤٣٧/٣، والمغني ٢٨٤/٩.
واستدلوا لذلك بأن الاستمتاع بها ممكن
ولا تفريط من جهتها وإن منع من الوطء.
ولأن التسليم في حق التمكين من الوطء
وإن لم يوجد، فقد وجد في حق التمكين
من الاستمتاع وهذا يكفي لوجوب النفقة
كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم
رمضان(١) .
القول الثاني: لا نفقة لها قبل النقلة فإذا
نقلت وهي مريضة فله أن يردها، وبه قال
أبو يوسف من الحنفية وسحنون من
المالكية(٢).
فقد جاء في البدائع: روي عن أبي
يوسف أن لا نفقة لها قبل النقلة، فإذا
نقلت وهي مريضة فله أن يردها، لأنه لم
يوجد التسليم الذي هو تخلية وتمکین،
ولن يتحقق ذلك مع وجود المانع، وهو
المرض، فلا تستحق النفقة كالصغيرة التي
لا تحتمل الوطء.
ولأن التسليم الذي أوجبه العقد - وهو
التسليم الممكن من الوطء - لما لم يوجد كان
له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه
العقد(٣).
(١) البدائع ١٩/٤.
(٢) المرجع السابق، والمدونة ٢٥٢/٢.
(٣) البدائع ١٩/٤.
٤٨

نفقة ٢٢ - ٢٣
نفقة الزوجة المحبوسة:
٢٢ - اختلف الفقهاء في مدى استحقاق
الزوجة للنفقة إذا كانت محبوسة بسبب دین
عليها دون مماطلة منها على قولين:
القول الأول: ليس لها النفقة ما دامت
محبوسة، وإليه ذهب جمهور الحنفية، وبه
قال الشافعية والحنابلة(١).
واستدلوا بأن حبس النكاح قد بطل
باعتراض حبس الدين، لأن صاحب الدين
أحق بحبسها بالدین(٢).
كما وقد فات بحبسها التسليم الواجب
بالنكاح من قبلها فصارت کالناشز في عدم
وجوب النفقة لها وفي سقوطها.
القول الثاني: لها النفقة مدة حبسها ما لم
تکن مماطلة، وبه قال المالكية وهو قول
أبي يوسف من الحنفية(٣).
واستدلوا بأن منعه من الاستمتاع لم یکن
بسبب من جهتها فلا تسقط نفقتها، لأنها
حبست لإثبات عسرها لا لمماطلتها(٤).
(١) الفتاوى الهندية ٥٤٥/١، وفتح القدير
١٩٨/٤، ومغني المحتاج ٤٣٧/٣، وكشاف
القناع ٤٧٤/٥.
(٢) فتح القدير ١٩٨/٤، البدائع ٢٠/٤.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٥١٧/٢، وفتح القدير
١٩٨/٤.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٥١٧/٢.
نفقة زوجة الغائب:
غياب الزوج إما أن يكون قبل الدخول أو
بعده .
أولاً: نفقة زوجة الغائب قبل الدخول:
٢٣ - فرق الفقهاء في استحقاق زوجة الغائب
النفقة الواجبة بالنكاح قبل الدخول بين ما إذا
بذلت نفسها له حال غيبته وبین بذلها له نفسها
قبل غيبته.
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى
أنه إذا بذلت نفسها والزوج غائب فإنه
لا يفرض لها النفقة (١).
لأنها بذلت نفسها في حال لا يمكنه
التسلم فيه حتی یراسله الحاكم، بأن يكتب
رسالة إلى حاكم البلد الذي هو فيه ليستدعيه
ويعلمه برغبة زوجته في تمكينه من نفسها
وطلبها للنفقة، ویمضي علی ذلك زمن یمکن
أن يقدم في مثله.
فإذا سار الزوج إليها أو وكل من يتسلمها
له ممن یحل له ذلك کمحرمھا، فوصل
فتسلمها الزوج أو نائبه وجبت النفقة حينئذ،
لأن وجود البذل قبل ذلك کعدمه.
(١) البدائع ٢٩/٤، ورد المحتار ٦٦٥/٢، ومغني
المحتاج ٤٤٦/٣، والمغني ٢٨٣/٩، والمبدع
٢٠٢/٨، وكشاف القناع ٤٧١/٥، ومواهب
الجليل ١٨٢/٤ - ١٨٣.
٤٩

نفقة ٢٣ - ٢٤
فإن لم يفعل ما سبق، فرض الحاكم
عليه نفقتها من حين الوقت الذي يتمكن
فيه الوصول إليها وتسلمها فيه، لأن الزوج
امتنع من تسلمها لإمكان ذلك وبذلها نفسها
له، فلزمته نفقتها كما لو كان حاضراً،
ولأن الزوج بامتناعه عن الحضور لتسلمها
يكون قد ترك حقه في ذلك، وتركه لحقه
لا يسقط ما وجب عليه من النفقة
لزوجته.
وإذا بذلت نفسها له وهو حاضر ثم غاب
عنها بعد أن عرضت عليه نفسها وامتنع من
تسلمها فالنفقة واجبة عليه في غيبته ولا تسقط
عنه، لأن المانع من جهته.
وقال المالكية على ما جاء في الحطاب:
إذا سافر الزوج قبل الدخول فطلبت زوجته
النفقة فلها ذلك علی ما رجحه ابن رشد
وهذا ما ذهب إليه ابن القاسم، وقيل: لا
نفقة لها إذا كان قريباً لأنها لا نفقة لها حتى
تدعوه وهي لم تدع قبل مغيبه فیکتب له إما
أن يبني أو أن ينفق، وقيل: لها النفقة من
حين تدعو إلى البناء، وإن كان غائباً على
قرب فليس عليها انتظاره وهذا أقيس، وهو
ظاهر الرواية إذ لم يفرق فيها بين قرب ولا
(١)
بعد (١).
(١) مواهب الجليل ١٨٢/٤ - ١٨٣، والتاج
والإكليل ٢٠٠/٤، وشرح الخرشي ١٩٩/٤.
ثانياً: نفقة زوجة الغائب بعد الدخول:
٢٤ - اختلف الفقهاء في فرض النفقة على
الزوج أو ما في حكمه إن كان غائباً.
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن
نفقة الزوجة تجب على زوجها الغائب في
ماله، حاضراً كان المال أو غائباً، وسواء أكان
ذلك بفرض القاضي للنفقة إذا طلبت الزوجة
أم بغير ذلك(١). لما ورد عن رسول الله وَلآل
أنه قال لهند امرأة أبي سفيان: «خذي ما
یکفیك وولدك بالمعروف»(٢) وکان ذلك من
النبي و لو فرضاً للنفقة على أبي سفيان وكان
غائباً .
وللحنفية قولان في فرض النفقة على
الغائب :
الأول: هو أن يفرض القاضي للزوجة نفقة
على زوجها الغائب بشرط طلبها، لأن المانع
من الزوج، فلا تمنع النفقة عن الزوجة، وبه
قال أبو حنيفة أولاً وهو قول النخعي لحديث
هند السابق.
والقول الثاني: لا يفرض لها النفقة ولو
طلبت ولو كان القاضي عالماً بالزوجية لأن
(١) شرح الخرشي ١٩٩/٤، والتاج والإكليل
٢٠٠/٤، ومغني المحتاج ٤٣٦/٣، وكشاف
القناع ٤٧١/٥.
(٢) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
سبق تخريجه ف ٨.
٥٠

نفقة ٢٤ _ ٢٥
الفرض من القاضي على الغائب قضاء عليه،
وقد صح عند الحنفية أن القضاء على الغائب
لا يجوز إلا أن یکون عنه خصم حاضر، ولم
يوجد، وهو قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول
شریح(١).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (غيبة ف ٤
وما بعدها).
٢٥ - فإن لم يكن القاضي عالماً بالزوجية
فسألت القاضي أن يسمع بينتها بالزوجية
ويفرض لها نفقة على الغائب، فقد اختلف
الحنفية في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يسمعها القاضي
ولا يفرض لها، وبه قال أبو يوسف(٢). لأن
البينة على أصل الحنفية لا تسمع إلا على
خصم حاضر، ولا خصم فلا تسمع.
القول الثاني: يسمع القاضي بينتها ویفرض
لها نفقة وتستدين عليه، فإذا حضر الزوج
وأنكر يأمرها القاضي بإعادة البينة في وجهه،
فإن فعلت نفذ الفرض وصحت الاستدانة،
وإن لم تفعل لم ينفذ ولم يصح، وبه قال
زفر.
لأن القاضي إنما يسمع هذه البينة
لا لإثبات النكاح على الغائب، بل ليتوصل
(١) البدائع ٢٦/٤.
(٢) البدائع ٢٧/٤.
بها إلى فرض النفقة، إذ يجوز سماع البينة
في حق حكم دون حكم، كشهادة رجل
وامرأتين على السرقة، فإنها تقبل في حق
المال، ولا تقبل في حق القطع. كذا ههنا
تقبل هذه البينة في حق صحة الفرض،
لا في إثبات النكاح.
فإذا حضر وأنكر استعاد منها البينة، فإن
أعادت نفذ الفرض وصحت الاستدانة عليه
وإلا فلا .
هذا كله إذا كان الزوج غائباً ولم يكن له
(١)
مال حاضر
٠
فإذا كان له مال حاضر: فإما أن يكون في
يد الزوجة أو في يد غيرها.
فإذا كان المال فى يدها وهو من جنس
النفقة فقد ذهب الحنفية إلى أن لها أن تنفق
على نفسها بغير أمر القاضي (٢) لحديث هند
امرأة أبي سفيان السابق(٣).
وإن كان المال في يد غيرها وهو من
جنس النفقة فقد اختلف الحنفية في أخذ
الزوجة نفقتها من مال زوجها الذي بيد
الآخرين سواء أكان المال وديعة أم ديناً بأمر
القاضي على قولين:
(١) البدائع ٢٧/٤.
(٢) البدائع ٢٧/٤.
(٣) سبق تخريجه ف ٨.
٥١

نفقة ٢٥ - ٢٧
القول الأول: إن كان صاحب اليد مقراً
بالوديعة والزوجية، أو كان المدين مقراً
بالدين والزوجية، أو كان القاضي عالماً بذلك
فرض لها في ذلك المال نفقتها، وبه قال أبو
حنيفة وصاحباه(١) .
لأن صاحب اليد - وهو المودَع - إذا أقر
بالوديعة والزوجية، أو أقر المديون بالدين
والزوجية فقد أقرا أن لها حق الأخذ، لأن
للزوجة أن تمد يدها إلى مال زوجها فتأخذ
كفايتها منه لحديث امرأة أبي سفيان، ولأنه لو
لم يفرض القاضي لها النفقة في ذلك المال
أضيرت، فكان الواجب إعانتها على أخذ
حقها واستيفاء نفقتها(٢).
القول الثاني: لا يفرض لها نفقة، وبه قال
زفر من الحنفية .
لأن هذا قضاء على الغائب من غير أن
یکون عنه خصم حاضر، إذ المودَع لیس
بخصم عن الزوج وكذا المديون فلا
يجوز(٣).
هذا كله إذا كانت الوديعة والدين من جنس
النفقة بأن كانت دراهم أو دنانير أو طعاماً أو
ثياباً من جنس کسوتها.
(١) البدائع ٢٧/٤.
(٢) المرجع السابق.
(٣) البدائع ٢٧/٤.
أما إن كانت من جنس آخر بأن كانت
عقاراً أو عروضاً فبيان حكم ذلك فيما يلي:
أولاً: إن كانت أموال الغائب عقاراً:
٢٦ - ذهب الحنفية إلى أنه لا يفرض القاضي
للزوجة في عقار الغائب نفقة، لأنه لا يمكن
إيجاب النفقة في عقار الغائب إلا بالبيع، ولا
يباع العقار على الغائب في النفقة، لأن مال
المدين إنما يباع إذا امتنع عن الأداء ولم يثبت
امتناعه فلا يباع عليه(١).
ثانياً: إن كان أموال الغائب عروضاً:
٢٧ - أما إذا كانت أمواله عروضاً فقد اختلف
الحنفية في فرض النفقة فيها للزوجة ببيعها
على قولين :
القول الأول: لا يفرض لها النفقة في
عروض التجارة ولا تباع في نفقتها، وبه قال
أبو حنيفة، لأنه لا يمكن إيجاب النفقة فيه إلا
بالبيع، ومال المدين إنما يباع إذا امتنع عن
الأداء، والغائب لا يعلم امتناعه، فلا يعلم
ظلمه، فلا يباع عليه (٢).
القول الثاني: يفرض لزوجة الغائب النفقة
في ماله إن كانت عروضاً ببيعه، وبه قال
أبو يوسف ومحمد(٣).
(١) البدائع ٢٧/٤.
(٢) البدائع ٢٧/٤.
(٣) البدائع ٢٧/٤.
٥٢

نفقة ٢٧ - ٢٨
٠
واستندا في ذلك: إلى ما استندا إليه في
فرض نفقتها إذا كانت أمواله عقاراً من حديث
هند .
قال ابن نجيم: ولو لم يكن له مال
أصلاً فطلبت من القاضي فرض النفقة فعندنا
لا يسمع البينة لأنه قضاء على الغائب،
وعند زفر يسمع القاضي البينة ولا يقضي
بالنكاح ويعطيها النفقة من مال الزوج، وإن
لم يكن له مال أمرها القاضي بالاستدانة،
فإن حضر الزوج وأقر بالنكاح أمره بقضاء
الدين، وإن أنكر ذلك كلفها القاضي إعادة
البيئة، فإن لم تعدها أمرها القاضي برد ما
أخذت، وما يفعله القضاة في زماننا من
قبول البينة من المرأة وفرض النفقة على
الغائب إنما ينفذ لا لأنه قول علمائنا الثلاثة
في ظاهر الرواية، وإنما ينفذ لكونه مختلفاً
فيه إما مع زفر أو مع أبي يوسف كما ذكره
الخصاف وهو أرفق بالناس(١).
نفقة زوجة الذي لا مال له:
٢٨ - اختلف الفقهاء في وقت اعتبار نفقة
زوجة الذي لا مال له ديناً في ذمته على
قولین :
القول الأول: إن أنفقت الزوجة على
نفسها من مالها أو من مال غيرها بدون
(١) البحر الرائق ٢١٤/٤.
قضاء من القاضي بالنفقة أو تراض مع
زوجها على مقدار النفقة: لا تكون النفقة
ديناً على الزوج أصلاً إلا إذا كانت المدة
التي طلبت الحكم بنفقتها أقل من شهر،
فيسوغ للقاضي أن يحكم لها لصعوبة
الاحتراز عنها.
لأن نفقة الزوجة لها شبهان: شبه بالعوض
وآخر بالصلة عطاء من غير عوض، فهي
ليست عوضاً من كل وجه وليست صلة من
کل وجه.
أما شبهها بالعوض فلأنها جزاء احتباس
الزوجة لحق زوجها وقيامها بشؤون البيت
ورعاية الأولاد.
وأما شبهها بالصلة فلكون المنافع المترتبة
على الاحتباس عائدة على كلا الزوجين
فيكون واجباً عليها فلا تستحق به شيئاً على
الزوج.
فنظراً لشبهها بالصلة تسقط بمضي المدة
من غير قضاء ولا تراض من الزوجين كنفقة
الأقارب.
ولشبهها بالعوض تصير ديناً بالقضاء بها أو
التراضي عليها .
وإن أنفقت على نفسها بعد تراضيها معه أو
بعد قضاء القاضي عليه بالنفقة، ولكن قبل
الإذن بالاستدانة منه أو من القاضي، فإن
النفقة تسقط بأداء الزوج إياها للزوجة أو
٥٣

نفقة ٢٨ - ٢٩
وكيلها، أو إبراء الزوجة زوجها منها، أو
بموت أحدهما.
وإن أنفقت على نفسها بعد القضاء والإذن
بالاستدانة، أو بعد التراضي مع زوجها والإذن
لها بالاستدانة - واستدانت الزوجة بالفعل -
كانت النفقة ديناً صحيحاً ثابتاً على الزوج لا
يسقط إلا بالأداء إليها فعلاً أو الإبراء منها،
· وفائدة الإذن ثبوت الحق للغريم في مطالبة
الزوج إذا أحالته الزوجة عليه.
وإلى هذا ذهب الحنفية(١).
القول الثاني: تعتبر النفقة ديناً في ذمة
الزوج بمجرد وجوبها عليه وامتناعه عن
أدائها، ولا يسقط هذا الدين عنه مطلقاً إلا
بالأداء أو الإبراء كسائر الديون: سواء أحكم
بها القاضي أم تراضیا علیها أم لم يحكم بها
ولم يتراضیا علیها.
وإليه ذهب المالكية(٢) والشافعية(٣)
والحنابلة(٤). مستندين في ذلك إلى: ما ورد
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى
أمراء الأجناد فيمن غاب عن نسائه من أهل
المدينة، فأمرهم أن يرجعوا إلى نسائهم، إما
(١) بدائع الصنائع ٢٨/٤، تبيين الحقائق ٥٥/٣،
٥٦.
(٢) شرح الخرشي ١٩٩/٤.
(٣) مغني المحتاج ٤٤٢/٣.
(٤) المغني ٢٤٧/٩.
أن يفارقوا وإما أن يبعثوا بالنفقة، فمن فارق
منهم فليبعث بنفقة ما ترك(١).
ولأن النفقة حق يجب مع اليسار
والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان كأجرة
العقار والديون(٢).
ولأن النفقة عوض أوجبه الشارع بمقتضى
العقد في مقابل احتباس الزوجة لمنفعة الزوج
وقيامها على شؤون البيت ومصالحه، وإذا
كانت النفقة عوضاً فإنها تكون ديناً كسائر
الديون من استحقاقها كما في كل أجرة
وعوض(٣).
تنازع الزوجين في الإنفاق:
٢٩ - اختلف الفقهاء فيمن يعتد بقوله إذا
ادعى الزوج إعطاء زوجته نفقتها أو إرسالها
لها وأنكرت هي ذلك ولم تصدقه.
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
القول قولها مع يمينها (٤).
(١) أثر عمر رضي الله عنه: كتب إلى أمراء
الأجناد فیمن غاب عن نسائه.
أخرجه الشافعي في المسند (٦٥/٢ بترتيب
السندي) وابن أبي شيبة في المصنف
(٢١٤/٥ ط الدار السلفية)، واللفظ لابن أبي
شيبة .
(٢) مغني المحتاج ٤٤٢/٣.
(٣) المغني ٢٤٧/٩.
(٤) البدائع ٢٩/٤، والمهذب ١٦٤/٢، والمغني
مع الشرح ٢٥٣/٩.
٥٤

نفقة ٢٩ - ٣٠
لأن الزوج يدعي قضاء دين عليه وهي
تنكره، فيكون القول قولها مع يمينها كما
في سائر الديون لقوله وَليون: ((اليمين على
المدعى عليه)) (١)، ولأن الأصل عدم
(٢)
القبض .
وفصل المالكية فقالوا: إن كانت رفعت
أمرها في ذلك إلی الحاکم فلم يجد لزوجها
مالاً أباح لها الإنفاق على نفسها، وأذن لها
في الاقتراض والرجوع بذلك على زوجها،
فالقول قولها مع يمينها من يوم الرفع لا من
يوم سفر الزوج، وإن رفعت أمرها إلى جماعة
المسلمين العدول أو الجيران فإن القول قوله
وهو المشهور.
وكذا الحكم إذا لم ترفع أصلاً، أو رفعت
لعدول أو للجيران، أو ببعض المدة وسكتت
عن بعضها الآخر(٣).
نفقة امرأة المفقود:
٣٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن امرأة
المفقود لها نفقة ما دام لم يحكم الحاكم
بموته، وينفق عليها من ماله إلى حين اتضاح
(١) حديث: ((اليمين على المدعى عليه)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١٣/٨
ط السلفية) ومسلم (١٣٣٦/٣ ط الحلبي) من
حديث ابن عباس.
(٢) البدائع ٢٩/٤.
(٣) شرح الخرشي ٢٠٠/٤ - ٢٠١.
أمره، لأنها محكوم لها بالزوجية فتجب لها
النفقة كما لو علمت حياته وهي مسلمة نفسها
إليه(١).
والتفصيل في مصطلح (مفقود ف ٤ - ١٠
وما بعدها).
واختلفوا في استحقاقها النفقة مدة التربص
إذا رفعت أمرها إلى الحاكم وطلبت الفرقة
فضرب لها مدة أربع سنين على قولين:
القول الأول: لها النفقة في مدة التربص،
وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما،
وإليه ذهب بعض المالكية.
قال الحطاب: وهو الصواب، وبه قال
الشافعية والحنابلة، لأن مدة التربص لم
يحكم فيها ببينونتها من زوجها فهي محبوسة
عليه بحكم الزوجية فأشبه ما قبل المدة،
ولأن امرأة الغائب تجب لها النفقة في مدة
تربصها فكذلك امرأة المفقود.
والقول الثاني: لا نفقة لها في مدة التربص
إلا أن يكون قد فرض لها قبل ذلك نفقة
فيكون سبيلها في النفقة سبيل المدخول بها
وهو قول المغيرة من المالكية(
(١) الاختيار ٣٨/٣، وروضة الطالبين ٤٠١/٨،
والمغني ٤٣٩/٩، والمبدع ٢٢٩/٨.
(٢) المغني ٤٣٩/٩، والخطاب ١٨٣/٤، وروضة
الطالبين ٤٠٢/٨، والمهذب ١٦٦/٢،
وكشاف القناع ٤٢٤/٥.
٥٥

نفقة ٣٠ - ٣٢
فإن حکم الحاکم بالفرقة بینهما بعد مدة
التربص واعتدت عدة الوفاة، فقد اختلف
الفقهاء في مدى استحقاقها للنفقة في مدة
العدة على قولين:
القول الأول: لا نفقة لها في مدة العدة.
القول الثاني: لها النفقة.
وتفصيل ذلك في مصطلح (مفقود
ف ١٠).
الكفالة بنفقة الزوجة :
٣١ - اختلف الفقهاء في حكم طلب
الزوجة كفيلاً بالنفقة المستقبلة على قولين:
القول الأول: لا يجبر الزوج على إعطاء
الكفيل بالنفقة، وإليه ذهب جمهور
الحنفية(١)، وبه قال الشافعية(٢).
لأن النفقة المستقبلة غير واجبة في الحال
فلا يجبر الزوج على ما ليس بواجب، كما أنه
لا يجبر على التكفل بدين واجب فلا يجبر
على إعطائه على ما ليس بواجب من باب
أولى.
القول الثاني: يستحب أخذ كفيل لها
بالنفقة، وإليه ذهب المالكية(٣) والحنابلة(٤)
(١) البدائع ٢٨/٤.
(٢) مغني المحتاج ٢٠٠/٢.
(٣) شرح الخرشي ١٩٩/٤، ومواهب الجليل
٢٠٠/٤.
(٤) المغني ٢٩٧/٩.
وأبو يوسف من الحنفية(١)، وذلك لضمان
حق الزوجة(٢)
نفقة الزوجة الناشز:
٣٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة
لا نفقة لها بنشوزها(٣)، لقول الله عز وجل:
﴿وَِّي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضَاِعِ وَأَضْرِبُوهُنِّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ
عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا
كَبِيرًا﴾(٤)، ولقول النبي وَلّى: ((فاتقوا الله
في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله،
واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن
ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن
فاضربوهن ضرباً غير مبرحٍ، ولهن عليكم
رزقهن و کسوتهن بالمعروف»(٥) .
فمفهوم هذا أنهن إذا لم ینتھین لم یکن
لهن نفقة.
والتفصيل في مصطلح (نشوز ف ٧).
(١) البدائع ٢٨/٤.
(٢) البدائع ٢٨/٤.
(٣) فتح القدير ٣٣٥/٣، والبدائع ١٩/٤،
والمبسوط ١٨٦/٥، والشرح الكبير للدردير
٥٢٤/٢، ومغني المحتاج ٤٣٥/٣، وكشاف
القناع ٤٧٤/٥.
(٤) سورة النساء /٣٤.
(٥) حديث: ((فاتقوا الله في النساء ... )).
تقدم تخريجه ف ٤.
٥٦

نفقة ٣٣ - ٣٤
٠٠
نفقة المعتدة :
فرق الفقهاء بين المعتدة من وفاة والمعتدة
من طلاق، وكذا بين المعتدة من طلاق
رجعي والمعتدة من طلاق بائن:
أ - المعتدة من طلاق رجعي:
٣٣ - اتفق الفقهاء على أن المطلقة طلاقاً
رجعياً يجب لها النفقة من طعام وكسوة
ومسكن أيام عدتها(١).
لقول الله عز وجل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
◌َُِّّ وَتَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ
فَقَدْ ظَمَ نَفْسَهُمْ لَا تَدْرِى لَعَلَ اَللَّهَ يُحْدِثُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَقْرًا﴾(٢). فقد نهى سبحانه
الأزواج عن إخراج زوجاتهم أثناء عدتهن
من بيوتهن، واعتبر ذلك تعدياً لحدود الله،
وإذا كانت الزوجة محبوسة لحق الزوج في
ذلك السكن، فعليه سائر أنواع النفقة، لأن
من حبس لحق إنسان وجب على
المحبوس له النفقة كاملة، ولقيام حق
حبس النكاح حيث يلحقها طلاقه وظهاره
وإيلاؤه(٣) .
(١) البدائع ١٦/٤، وشرح الخرشي ١٩٢/٤،
ونهاية المحتاج ٢١٠٨٧، والمغني ٢٩٠/٩.
(٢) سورة الطلاق /١.
(٣) البدائع ١٦/٤، والمغني ٢٩٠/٩.
ب - المعتدة من طلاق بائن:
٣٤ - فرق الفقهاء بين المبتوتة الحامل وغير
الحامل في وجوب النفقة لها بأنواعها أثناء
العدة .
فاتفقوا على أن لها النفقة والسكنى متى
كانت حاملاً(١).
مستندين في ذلك إلى قول الله عز وجل
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِّكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ
◌ِنُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِنَ
حَّ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٢).
ولأنها حامل بولده وهو يجب أن ينفق
عليه، ولا يمكن الإنفاق على الحمل إلا إذا
أنفق على أمه، فيجب على الزوج أن ينفق
على تلك الأم، كما يجب عليه أجرة
الإرضاع(٣) .
واختلفوا في وجوب النفقة لها إن كانت
غير حامل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لها السكنى والنفقة ما دامت
في العدة، وإليه ذهب الحنفية(٤)، وهو مروي
عن الثوري والحسن بن صالح، وابن شبرمة،
(١) البدائع ١٦/٤، وحاشية الدسوقي ٥١٥/٢،
والمغني ٢٨٨/٩، ونهاية المحتاج ٢١١/٧.
(٢) سورة الطلاق /٦.
(٣) المهذب ١٦٤/٢، ونهاية المحتاج ٢١١٨٧،
والمغني ٢٨٨/٩.
(٤) البدائع ١٦/٤.
٥٧

نفقة ٣٤ - ٣٥
وابن أبي ليلى وغيرهم، وهو رواية عن
أحمد (١).
مستندین في ذلك إلى ما استندوا إليه في
إيجابها للمبانة الحامل.
وبما رواه أبو إسحاق - عمرو بن عبد الله-
قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في
المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي
بحدیث فاطمة بنت قیس (أن رسول الله پڑ لم
يجعل لها سكنى ولا نفقة))، ثم أخذ الأسود كفّاً
من حصی فحصبه به فقال: ويلك! تحدث بمثل
هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا وَله
لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسیت، لها
السكنى والنفقة. قال الله عز وجل ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ
مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ
◌َُّةٍ﴾ (٢).
القول الثاني: لها السكنى دون النفقة:
وإليه ذهب المالكية (٣) والشافعية(٤) وهو رواية
عند الحنابلة(٥).
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣٥٥/٥، والمغني
٢٨٩/٩.
(٢) حديث أبي إسحاق - عمرو بن عبد الله -
(كنت مع الأسود بن يزيد جالساً .. )).
أخرجه مسلم (١١١٨/٢ - ١١١٩ ط عيسى
الحلبي). والآية من سورة الطلاق /٢.
(٣) حاشية الدسوقي ٥١٥/٢، وشرح الخرشي
١٩٢/٤.
(٤) المهذب ١٦٤/٢.
(٥) المغني ٢٨٨/٩.
لأن الله عز وجل قال ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
سَكَتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن
كُنَّ أُوْلَتِ حَمَلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ
حَلَهُنُ﴾(١). فقد أوجب سبحانه السكنى لكل
مطلقة، ومنها البائن غير الحامل، وأما النفقة
فقد خص بها الحامل دون الحائل، فدل ذلك
على وجوب السكنی للبائن غير الحامل دون
النفقة .
القول الثالث: لا نفقة لها ولا سكنى:
وهو المذهب عند الحنابلة(٢).
لما ورد عن فاطمة بنت قيس أن زوجها
طلقها ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله وَ له نفقة
ولا سکنی(٣).
ج - المعتدة من وفاة:
٣٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المعتدة من
وفاة إن كانت حائلاً لا نفقة لها في العدة.
وإنما الخلاف بينهم في وجوبها لها إن
كانت حاملاً على قولين:
القول الأول: لا نفقة لها مدة عدتها،
وإليه ذهب الحنفية(٤) والمالكية(٥)
(١) سورة الطلاق /٦.
(٢) الإنصاف ٣٦١/٩.
(٣) حديث فاطمة بنت قيس.
سبق تخريجه ف ٣٤.
(٤) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٦١/٣.
(٥) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٥١٥/٢.
٥٨

٠٠
نفقة ٣٥
والشافعية(١) وبعض الحنابلة(٢).
لأن المال قد صار للورثة، ونفقة
الحامل وسكناها إنما هو للحمل أو من
أجله، ولا يلزم ذلك الورثة، لأنه إن كان
للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه، وإن
لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت
الإنفاق على حمل امرأته كما لا يلزمه بعد
الولادة(٣).
ولأن النفقة في مقابل التمكين من
الاستمتاع، وقد زال التمکین بالموت، ولیس
للحمل دخل في وجوبها، فلا تستحق بسببه
النفقة(٤).
ولأن الزوجة محبوسة من أجل الشرع
لا للزوج فلا نفقة لها(٥).
القول الثاني: لها النفقة، وهذا رواية
في مذهب الإمام أحمد، لأنها حامل
فوجبت لها النفقة كالمفارقة له في
حياته(٦).
كما اختلف الفقهاء في وجوب السكنى
للمعتدة من وفاة على قولين:
(١) المهذب ١٦٥/٢.
(٢) المغني ٢٩١/٩.
(٣) المغني ٢٩١/٩.
(٤) تبيين الحقائق ٦١/٣، والمهذب ١٦٥/٢.
(٥) تبيين الحقائق ٦١/٣.
(٦) المغني ٢٩١/٩.
القول الأول: ذهب الحنفية(١) وهو مقابل
الأظهر عند الشافعية(٢) إلى أنه لا سكنى لها
مطلقاً حاملاً كانت أو غير حامل، وكذا
الحنابلة في المذهب إذا كانت غير حامل،
وفي رواية إذا كانت حاملاً(٣)
واستدلوا بأنه لا سبيل إلى إيجاب السكنى
على الزوج لانتهاء المكنة بالوفاة، ولا سبيل
لإيجابها على الورثة لانعدام الاحتباس من
أجلهم.
ولأنه حق يجب يوماً بيوم فلم يجب في
عدة الوفاة كالنفقة (٤).
ولأنها محبوسة من أجل الشرع لا للزوج
فلا سکنی لها(٥)
٠
القول الثاني: لها السكنی وإليه ذهب
المالكية(٦)، وهو الأظهر عند الشافعية سواء
كانت حاملاً أو غير حامل(٧)، وهو المذهب
عند الحنابلة إن كانت حاملاً وفي رواية وإن
لم تكن حاملاً(٨)، واستدلوا بأنها معتدة من
(١) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٦١/٣.
(٢) المهذب ١٦٥/٢، ومغني المحتاج ٤٠٢/٣.
(٣) المغني ٢٩١/٩، والإنصاف ٣٦٩/٩.
(٤) المهذب ١٦٥/٢.
(٥) تبيين الحقائق ٦١/٣.
(٦) التاج والإكليل ١٦٢/٤.
(٧) المهذب ١٦٥/٢، ومغني المحتاج ٤٠٢/٣.
(٨) المغني ٢٩١/٩، والإنصاف ٣٦٩/٩.
٥٩

نفقة ٣٥ - ٣٧
نكاح صحيح فوجب لها السكنى
كالمطلقة(١) .
وتفصيل ذلك في مصطلح (سكنى
ف ١٤).
د - المعتدة من نكاح فاسد أو وطء بشبهة:
٣٦ - اتفق الفقهاء على أن المعتدة من نكاح
فاسد أو وطء بشبهة لا نفقة لها إن كانت
حائلاً، واستثنى المالكية من ذلك السكنى
فقالوا: تجب لها(٢).
وأما إن كانت حاملاً فقد اختلفوا في
وجوب النفقة على قولين:
القول الأول: تجب النفقة، وإليه ذهب
المالكية(٣)، والحنابلة(٤) وهو أحد القولين
عند الشافعية(٥).
لأن الحمل یلزمه وعلیه نفقته کالرضاع،
ولا تصل النفقة إلى الحمل إلا بالإنفاق عليها
فوجبت لها النفقة.
(١) المهذب ١٦٥/٢.
(٢) البدائع ١٦/٤، ومواهب الجليل ١٨٩/٤،
والمهذب ١٦٥/٢، والمغني ٢٩٣/٩،
والدسوقي ٤٨٩/٢، ومغني المحتاج ٤٠١/٣،
٤٤١.
(٣) مواهب الجليل ١٨٩/٤، والدسوقي ٤٨٩/٢.
(٤) كشف القناع ٤٦٧/٥.
(٥) المهذب ١٦٥/٢، ومغني المحتاج ٤٠١/٣،
٤٤١. ٠
ولأن الحمل في النكاح الفاسد كالحمل
في النكاح الصحيح في لحوق الولد بالزوج
(١)
والاعتداد(١).
القول الثاني: لا تجب النفقة، وإليه ذهب
الحنفية(٢) والشافعية على الأصح(٣).
لأن النفقة إنما تجب في نكاح صحيح(٤).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (سكنى
ف ١٥).
هـ - المعتدة من لعان:
٣٧ - اختلف الفقهاء في وجوب النفقة
للمعتدة من لعان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لها النفقة مطلقاً، وإليه ذهب
الحنفية، لأن الفرقة مضافة إلى الزوج، ولأن
الملاعنة قد حبست نفسها بحق وذلك يوجب
لها النفقة(٥) .
وقال الشافعية والمالكية: إن لاعنها بعد
الدخول فإن لم ينف الحمل وجبت النفقة (٦).
(١) مواهب الجليل ١٨٩/٤، والمهذب ١٦٥/٢،
والدسوقي ٤٨٩/٢.
(٢) البدائع ١٦/٤.
(٣) المهذب ١٦٥/٢، وتحفة المحتاج ٢٦١/٨،
وكفاية الأخيار ٨٢/٢.
(٤) المهذب ١٦٥/٢.
(٥) الاختيار ٩/٤، وتبيين الحقائق ١٢/٣.
(٦) مواهب الجليل ١٩٨/٤، والروضة ٦٦/٩.
٦٠