Indexed OCR Text

Pages 361-380

نظر ٢٣
النساء هن المسلمات . واستدلوا بما ورد عن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي
عبيدة رضي الله عنه: ((أما بعد ، فإنه بلغني أن
نساءً من نساء المسلمين يدخلن الحمامات
ومعهن نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل
دونه)) وفي رواية: («فإنه لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله
واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل
ملتها)) (١) ، أي ما يعرى وينكشف منها.
واستدلوا أيضا بما رواه سعيد عن مجاهد
أنه قال : لا تضع المسلمة خمارها عند
مشركة ، ولاتقبلها ، لأن الله تعالى يقول :
﴾ فليست من نسائهن . كما
نِسَابِهِن
أو
استدلوا بأن كشف المرأة المسلمة عن بدنها أمام
الكافرة قد يؤدي إلى أن تصفها لزوجها أو غيره ،
فإن دينها لا يمنعها عن ذلك ، وأما المسلمة فإنها
تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه (٢) .
وقد ورد عن عبادة بن نسي أنه كره أن
تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأول
(١) أثر عمر ((أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المؤمنين ... ))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٥ ط دائرة
المعارف) بروايتيه
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٩/ ٥٣٤، والفتاوى الهندية
٣٢٧/٥ ، ومجمع الأنهر ٢/ ٥٣٩ ، وحاشية الدسوقي =
﴿ أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ (١) .
القول الثاني : أن نظر المرأة الكافرة إلى
المسلمة كنظر المسلمة إلى المسلمة ، ولا فرق
بينهما ، وهو مقابل الأصح عند الحنفية ، وقد
استظهره صاحب العناية ، فقد قال : والظاهر أنه
أريد بنسائهن من يصحبهن من الحرائر مسلمة
كانت أو غيرها ، والنساء كلهن في حل نظر
بعضهن إلی بعض سواء . ويستفاد مثل هذا من
قول السرخسي : إن كان مع الرجال امرأة كافرة
علموها الغسل لتغسلها ، لأن نظر الجنس
لايختلف بالموافقة في الدين والمخالفة وهو وجه
عند الشافعية اعتبره الغزالي هو الأصح ، وهو
الصحيح عند الحنابلة ، جزم به في الوجيز وغيره
وقدمه في المغني والشرح الكبير ونصراه ،
وصححه صاحب الكافي ، وقد رجح هذا القول
= وتقريرات الشيخ عليش ٢١٣/١، وروضة الطالبين
٢٢/٧ وما بعدها ، ١٧٤/٣ ، ومغني المحتاج ١٢٨/٣ وما
بعدها، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٤، والإنصاف ٢٥/٨،
والمبدع ٧/ ١٠، وفتح القدير للشوكاني ٤/ ٣٢،
وتفسير القرطبي ٢٣٣/١٢، وتفسير ابن كثير
٢/ ٦٠٠، ٦٠١، وأحكام القرآن للجصاص - تفسير
سورة النور (٣١٨/٣).
(١) أثر: ((أنه كره أن تقبل النصرانية المسلمة .. ))
أخرجه الطبري (١٨/ ٩٥ ط دار المعرفة).
- ٣٦١ -

نظر ٢٣ -٢٤
من العلماء الفخر الرازي ، حيث نقل عنه
الآلوسي أنه قال : والمذهب أنها كالمسلمة ،
والمراد بنسائهن جميع النساء ، وقول السلف
محمول على الاستحباب . و کذلك ابن العربي
من المالكية ، حيث قال : والصحيح عندي أن
ذلك جائز لجميع النساء ، وإنما جاء بالضمير
للاتباع ، فإنها آية الضمائر ، إذ فيها خمس
وعشرون ضميراً ، لم يرد في القرآن لها نظير .
واستدل أصحاب هذا القول بأن نساء أهل
الكتاب كنّ يدخلن على نساء النبي وَّر، فلم
يكن يتحجبن ولا أمرن بحجاب واستدلوا أيضاً
بالقياس على نظر الرجل الكافر للرجل المسلم
بجامع اتحاد الجنس ، فكما لم يفرق في حكم
النظر بين الرجال باختلاف الدين ، فكذلك في
حكمه بين النساء ، ولأن المعنى الذي منع به
الرجال من النظر إلى النساء غير موجود في
النظر بين النساء ، سواء اتحد الدين أم اختلف ،
ولأن هذا القول أرفق بالناس ويرفع
حرجاً عنهم ، إذ لا يكاد يمكن احتجاب
المسلمات عن الذميات (١) .
(١) العناية على الهداية ١٠/ ٤٨،٤٧، والمبسوط ١٠/ ١٦١،
وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، وزاد المحتاج ٣/ ١٢١
وما بعدها ، ومغني المحتاج ٢١٤/٤، ونهاية المحتاج =
القول الثالث : أنه يجوز للمسلمة أن تمکن
الكافرة من النظر إلى ما ینظر إليه محارمها ، وهو
قول بعض المالكية ، وقول عند الشافعية وصفه
النووي بالأشبه والرملي والخطيب الشربيني
بالمعتمد ، وهو رواية عند الحنابلة (١) .
نظر الفاجرة إلى العفيفة :
٢٤ - نصّ بعض فقهاء الحنفية على أنه لا ينبغي
للمرأة الصالحة أن تنظر إليها المرأة الفاجرة ، لأنها
تصفها عند الرجال ، فلا تضع جلبابها ولا
خمارها أمامها (٢).
وذهب الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من
الشافعية إلى أن الفاسقة مع العفيفة كالكافرة مع
المسلمة ، يعني أن المسلمة العفيفة يحرم عليها
تمكين الفاسقة من النظر إلى بدنها ، وتابعه
آخرون من علماء الشافعية کالزركشی ، لكن
١٩٤/٦، والإنصاف ٢٤/٨، والمبدع ٧/ ١٠، ومطالب
=
أولي النهى ٥/ ١٥، والمغني ٦/ ٥٦٢، ٥٦٣ ،
وتفسير الآلوسي ١٤٣/١٨ ، وأحكام القرآن لابن
العربي ٣٢٦/٣ .
(١) حاشية الدسوقي وتقريرات الشيخ عليش عليها ١/ ٢١٣ ،
وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، ومغني المحتاج
١٢٨/٣ وما بعدها، ونهاية المحتاج ١٩٤/٦، والإنصاف
٢٤/٨، والمبدع ٧/ ١٠- ١١.
(٢) الفتاوى الهندية ٣٢٧/٥ .
- ٣٦٢ -

نظر ٢٤ _ ٢٥
بعضهم قصر هذا الحكم على نوع معين من
الفاسقات هن المساحقات ، أو من كان عندهن
ميل إلى النساء ، وعممه آخرون على كل فاسقة
سواء أكان فسقها بسبب تعاطي السحاق أم
بسبب الزنا أم بسبب القيادة وغير ذلك ، لكن
أکثر فقهاء الشافعیة یردّون ماذهب إليه الشيخ عز
الدين بن عبدالسلام وغيره ، لأن الفاسقة من
المؤمنات ، والفسق لا يخرجها عن الإيمان .
ودليل أصحاب هذا القول من الحنفية
والشافعية هو قياس الفاجرة على الكافرة من
حيث كون كل منهما مظنة نقل ما تراه من
محاسن المرأة العفيفة إلى زوجها أو غيره من
الرجال ، فيحرم نظرها ويحرم تمكينها من النظر
كالرجل (١) .
النظر بين الزوجين :
٢٥ - اتفق الفقهاء على أنه يباح لكل من
الزوجین النظر إلی جمیع بدن صاحبه بدون
كراهة سوى الفرج والدبر ، سواء أكان النظر
بشهوة أم بغيرها ، مادامت الزوجية قائمة
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٢٧ وحاشية ابن عابدين ٥٣٤/٩،
ومغني المحتاج ١٢٨/٣ وما بعدها، وحاشية السيوطي
على الروضة (منتقى الينبوع) ٥/ ٣٧١، ونهاية المحتاج
وحاشية الشبراملسي ٦/ ١٩٥ .
بينهما ، واختلفوا في حكم نظر الواحد منهما
إلى فرج الآخر أو دبره .
فذهب الحنفية والحنابلة في المذهب إلى إباحة
ذلك ، وأنه يحل لكل منهما النظر إلى جميع بدن
الآخر ، ولايستثنى من ذلك أي عضو ، واستدلوا
بقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإَِّمْ
غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ (١) . فاستثنى سبحانه من
الأمر بحفظ الفروج ، الزوجات والمملوكات ،
ويدخل في ذلك الاستمتاع بجميع أنواعه ، ولا
خلاف في دخول المسّ والوطء في هذا
الاستثناء ، فكذلك النظر من باب أولى (٢) ،
واستدلوا بما ورد عن معاوية بن حيدة رضي الله
عنه قال : «قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي
منها وما نذر؟ قال : احفظ عورتك إلا من
زوجتك أو ما ملكت يمينك)) (٣) ، وفيه دلالة
(١) سورة المؤمنون / ٥ - ٦ .
(٢) الهداية وتكملة الفتح ١٠/ ٣٧، ٣٨ وحاشية ابن عابدين
٥٢٦/٩، والمبسوط ١٤٨/١٠، ١٤٩، الفتاوى الهندية
٣٢٧/٥، ومجمع الأنهر ٥٣٩/٢ ، وتبيين الحقائق
١٨/٦، ١٩، وكشاف القناع ٣٠٨/١، والإنصاف
٣٢/٨، والمبدع ٧/ ١٢، ومطالب أولي النهى ١٧/٥.
(٣) حديث: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك .. ))
أخرجه أبو داود (٣٠٤/٤ ط حمص) والترمذي (٩٧/٥
-٩٨ ط الحلبي) وقال الترمذي : حديث حسن .
- ٣٦٣ -

نظر ٢٥
على إباحة النظر إلى عورة الزوجة .
وذهب الحنفية إلى أن الأولى للزوجين أن لا
ينظر أحدهما إلى عورة صاحبه ، واستدلوا بقول
عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما نظرت أو ما
رأيت فرج رسول الله والإ قط)) (١).
واستثنى أبو حنيفة وأبو يوسف من حلّ النظر
إلى الفرج بين الزوجين النظر إلى فرج المظاهر
منها ، وقالا: يحل له النظر إلى الشعر والظهر
والصدر منها ، وتردد صاحب الدرّ في حل النظر
إلى فرج الحائض مع القطع بتحريم قربانها فيما
تحت الإزار، وصرح الحنابلة بكراهة النظر إلى
الفرج حال الحيض (٢) .
وذهب المالكية في نظر أحد الزوجين إلى فرج
صاحبه إلى مثل ماذهب إليه الحنفية والحنابلة ،
فيحل بدون كراهة ، واختلفوا في حكم النظر
إلى الدبر، فقال الأقفهسي : لايجوز النظر إليه
لأنه يحرم التمتع به ، فيحرم النظر إليه(٣) .
(١) حديث عائشة: ((ما نظرت أو ما رأيت ... ))
أخرجه ابن ماجه (١/ ٢١٧) وضعف إسناده البوصيري
في مصباح الزجاجة (١٤٤/١ - ط دار الجنان) لجهالة
الراوي عن عائشة .
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٢٦/٩-٣٢٧ ، الإنصاف ٣٣/٨ ،
ومطالب أولی النھی ٥/ ١٧ .
(٣) مواهب الجليل ٣/ ٤٠٥، وبلغة السالك ٢١٨،٢١٧/٢،
وحاشية الدسوقي ٢/ ٢١٥ ، والبيان والتحصيل ٧٩/٥، ٨٠ .
وذهب الشافعية في الأصح وبعض المالكية
والحنابلة في رواية إلى أنه يكره لأحد الزوجين أن
ينظر إلى فرج الآخر ، وتشتد الكراهة إذا كان
النظر إلى باطن الفرج (١) ، لما روي عن عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: ((ما نظرت إلى فرج
النبي وَلّ قط أو مارأيت فرج النبي ◌َّ- قط)).
ثم استثنى الشافعية من جواز النظر مع
الكراهة إلى فرج الزوجة النظر إلى فرج الزوجة
المعتدة عن وطء أجنبي بشبهة ، فهذه لا يحل
النظر منها إلا إلى ما عدا ما بين سرتها وركبتها ،
وذهب بعض الشافعية إلى إباحة النظر إلى الدبر
والتلذذ به بما سوى الإيلاج ، وذهب الدارمي
منهم إلى تحريم النظر إلى الدبر ، أي إلى حلقته ،
وجميع ذلك يختص بحال الحياة .
ونصوا على أن الزوجة لا يحل لها النظر إلى
فرج زوجها إذا منعها من ذلك بخلاف العكس
لأنه يملك التمتع بها بخلاف العكس نقله
الشربيني الخطيب عن الزركشي واستظهره ،
ونقل عن بعض المتأخرين التوقف فيه (٢) .
(١) حاشية الدسوقي ٢١٥/٢، وزاد المحتاج ١٧٦/٣ ،
ونهاية المحتاج ١٩٩/٦- ٢٠٠، وروضة الطالبين مع منتقى
الينبوع للسيوطي ٣٧٣/٥ ، ومطالب أولي النهى ١٧/٥ ،
والمبدع ٧/ ١٢ - ١٣ .
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ٢١٥، وزاد المحتاج ١٧٦/٣ ،=
- ٣٦٤ -

نظـر ٢٦-٢٩
نظر الإنسان إلى عورة نفسه :
٢٦ - نص الشافعية والحنابلة على كراهة نظر
الشخص إلی فرج نفسه بلا حاجة ، وقال
الشافعية: ونظره إلى باطنه أشد كراهة (١) ،
واستدلوا بما ورد عن معاوية بن حیدة قال : قال
رسول الله وَّل : «احفظ عورتك إلا من زوجتك
أو ما ملكت يمينك))(٢).
.
نظر الخنثى :
٢٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخنثى
يُعامل في نظره إلى غيره وفي نظر غيره إليه
بالأحوط ، فيعتبر مع النساء رجلاً أو مراهقاً ،
ويعتبر مع الرجال امرأة أو مراهقة ، وهذا هو
مذهب الحنفية والشافعية في الأصح والحنابلة ،
ومستندهم وجوب الأخذ بالأحوط عند اجتماع
سبب الحظر وسبب الإباحة ، وهما موجودان في
الخنثى المشكل لتساوي احتمال كونه ذكراً مع
احتمال كونه أنثى .
ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٩، ٢٠٠، وروضة الطالبين مع منتقى
=
الينبوع للسيوطي ٣٧٢/٥، ٣٧٣ ، ومغني المحتاج
١٢٨/٣ ومابعدها، والإنصاف ٣٢/٨، والمبدع
٧/ ١٢، ١٣، ومطالب أولي النهى ١٧/٥ .
(١) الروضة ٣٧٢/٥ ومغني المحتاج ١٣٥/٣.
(٢) حديث: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما
ملكت يمينك»
سبق تخريجه ف ٢٥ .
وللشافعية قول آخر يقابل الأصح ، وهو أنه
يستصحب فيه حكم الصغر ، فيعامل بما كان
يعامل به في الصغر ، وللحنابلة قولان آخران في
حكم الخنثى :
الأول : أنه كالرجل .
والثاني : أنه إذا تشبه بذکر عومل کالرجل ،
وإن تشبه بأنثى عومل كالمرأة (١) .
الترخيص بالنظر إلى مالا يجوز النظر إليه :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أن النظر إلى ما لايجوز
النظر إليه في الأصل یباح في موضعين :
الأول : إذا وقع على سبيل الفجأة .
الثاني : إذا دعت إليه ضرورة أو حاجة ،
وفيما يأتي تفصيل ذلك :
نظر الفجاءة :
٢٩ - الفجاءة بالضم والمدّ ، وكذلك الفجأة وزان
تمرة ، هي البغتة من غير تقدم سبب (٢) ، ويقصد
بنظر الفجأة النظر غير المقصود من الناظر .
ولا خلاف بين الفقهاء في أن هذا النظر معفو
عنه ولا إثم فیه ، لما ورد عن جرير بن عبدالله
(١) مجمع الأنهر ٢/ ٧٢٩، ٧٣٠، ومغنى المحتاج ٣/ ١٣٢،
وروضة الطالبين ٣٧٤/٥-٣٧٥، ونهاية المحتاج
٦/ ١٩٥، وكشاف القناع ٣٠٩/١، الإنصاف ٢٧/٨،
ومطالب أولي النهى ١٧/٥ .
(٢) المصباح ، والمعجم الوسيط .
- ٣٦٥ -

نظر ٢٩-٣٢
رضي الله عنه أنه قال: ((سألت رسول الله وَله
عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري)(١) ،
فدل على أن الإثم في استدامة النظر بعد نظر
الفجاءة ، وليس في النظرة الأولى غير المقصودة
أي إثم ، ولما ورد عن بريدة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله وَ لفي لعليّ: ((يا علي لا تتبع
النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك
الآخرة)) (٢) فدلّ على أنّ النظرة الأولى إذا كانت
من غير قصد لا إثم فيها(٣) .
نظر الحاجة :
٣٠ - اتفق الفقهاء من حيث الجملة على إباحة
النظر للضرورة والحاجة إلى ما يحرم النظر إليه
عند تحققها ، وإنما وقع بينهم خلاف في تحديد
الحاجات المبيحة والمواضع التي يحل النظر إليها ،
وشروط الإباحة ، وقد ذكر الفقهاء من
(١) حديث: ((سألت رسول الله وَ ل عن نظر الفجاءة ... ))
أخرجه مسلم (١٦٩٩/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى .. ))
أخرجه أبوداود (٢/ ٦١٠ ط حمص) والترمذي (١٠١/٥
ط الحلبي)، وقال الترمذي : حسن غريب .
(٣) تفسير القرطبي ٢٢٣/١٢ ط دار الكتب المصرية، والمرقاة
٣٧٩/٦، ٢٨٢، والبيان والتحصيل ٣٠٥/٤، ومطالب
أولي النهى ١٨/٥، والإنصاف ٢٧/٨، وفتح القدير
للشوكاني ٤ / ٣١ .
الحاجات المبيحة للنظر : الخطبة والتداوي
والقضاء والشهادة والمعاملة والتعليم وغيرها .
أولا - النظر للخطبة :
٣١ - اتفق الفقهاء على مشروعية نظر الخاطب
· إلى المخطوبة ، ثم اختلفوا في حكم هذا النظر .
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية وبعض
الحنابلة إلى أنه يندب النظر للأمر به في الحديث
الصحيح مع التعليل بأنه أحرى أن يؤدم بينهما .
والمذهب عند الحنابلة أن يباح لمن أراد خطبة
امرأة وغلب على ظنه إجابته نظرها .
والتفصيل في مصطلح (خطبة
ف ٢٦ -٣٢) .
ثانياً - النظر للعلاج وما يلتحق به :
٣٢ - اتفق الفقهاء على جواز النظر للعلاج وما
في معناه ، مهما کان الناظر والمنظور إلیه ، رجلاً
أو امرأة ، ومهما كان محل النظر عورة أو غيرها ،
وذلك بشروط هي :
أ-أن توجد حاجة ماسّة للعلاج ونحوه،
كمرض أو ألم أو هزال فاحش يُعتبر أمارة على
وجود مرض ، وأحقوا بذلك حاجات أخرى
منها الختان للرجال والنساء ، لأنه سنة في حق
- ٣٦٦ -

نظر ٣٢
الرجال ومكرمة في حق النساء ، و کذلك الفصد
والحجامة ، فقد ورد (( أن أم سلمة استأذنت
رسول الله وَله في الحجامة، فأمر عليه الصلاة
والسلام أبا طيبة أن یحجمها))(١) ، ومن ذلك
الولادة تعتبر حاجة مبيحة لنظر القابلة إلى
موضع الفرج وغيره من المرأة ، لأنه لا بد منه
لاستقبال المولود ، وبدونه يخشى على الولد ،
ومن ذلك أيضاً إعطاء الحقنة للعلاج ، فإنها نوع
من المداواة ، فيباح النظر إلى موضع الحقن ،
ولكن الحنفية اشترطوا أن يكون الحقن لعلاج
مرض ، ولم يكتفوا بمجرد وجود المنفعة الظاهرة
منه ، فنصّوا على عدم جواز النظر إلى موضع
الاحتقان إذا كانت الغاية منه مجرد التقوي على
الجماع ، خلافاً للشافعية .
ومن الحاجات الملحقة بهذا الباب القيام على
خدمة مريض ومن في معناه كأقطع اليدين ،
فيباح النظر لمساعدته في قضاء حاجاته
الشخصية كالوضوء والاستنجاء وحلق العانة ،
ومنها أيضاً الحاجة إلى معرفة بكارة امرأة أو
ٹیوبتها أو بلوغ رجل ، فإن الرسول ێ# لما حكّم
(١) حديث: ((أمر أبا طيبة أن يحجم أم سلمة .. ))
سبق تخريجه ف ١٣ .
سعداً في بني قريظة ، واحتيج لمعرفة البالغين
منهم أمر بالكشف عن مؤتزرهم ، قال عطية
القرظي: ((عرضنا على النبي ◌ُّ يوم قريظة
فكان من أنبت قتل ، ومن لم ينبت خلى سبيله
وکنت ممن لم ینبت فخلی سبیلي»(١) ، کما روي
عن عثمان رضي الله عنه «أنه أتي بغلام سرق ،
فقال : انظروا إلى مؤتزره ، فلم يجدوه أنبت
الشعر فلم يقطعه))، (٢)، ومنها ضرورة إنقاذ
إنسان من غرق أو حرق أو هدم ونحو ذلك ،
ويجوز للمنقذ النظر إلى المضطر في حدود
الضرورة (٣) .
ب- أن يكون النظر بقدر الضرورة أو الحاجة
(١) حديث عطية القرظي: ((عرضنا على النبي وَطير ... ))
أخرجه الترمذي (١٤٥/٤) وقال : حديث حسن
صحيح .
(٢) أثر عثمان رضي الله: ((أنه أتي بغلام سرق ... ))
أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٧/ ٣٣٨، ١٠/ ١٧٨ ط
المجلس العلمي) .
(٣) حاشية ابن عابدين ٩/ ٥٣٢ - ٥٣٣ ، بدائع الصنائع
١٢٤/٥، والفتاوى الهندية ٣٣٠/٥، وتبيين الحقائق
١٧/٦، والهداية مع تكملة الفتح ١٠/ ٣٠/ ٣١،
والمبسوط ١٥٦/١٠، والفواكه الدواني ٢/ ٣٦٧، ومغني
المحتاج ١٣٣/٣، ونهاية المحتاج ١٩٧/٦، والحاوي الكبير
٩/ ٣٥، وروضة الطالبين ٣٧٥/٥، والمبدع ٩/ ١٠،٩،
ومطالب أولي النهى ١٥/٥، وكشاف القناع / ٣٠٨
١٣/٥،١، والإنصاف ٢٢/٨، وتفسير الرازي ٣٥٤/٦
(المطبعة الخيرية) .
- ٣٦٧ -

نظر ٣٢
فما لزم لدفعها جاز ، وما زاد عن قدر الضرورة
بقي على أصل التحريم ، ولذلك اشترطوا في
نظر الطبيب أن لايعدو مواضع المرض وما يلزم
لمعرفته ، والخاتن لا ينظر إلا إلى موضع الختان ،
وفي الحقنة لا ينظر إلا إلى موضع الحقن ، وفي
الفصد والحجامة يُقتصر في إباحة النظر على
موضعهما ، وكذلك النظر لتحديد البكارة
والثيوبة والبلوغ لا يحلّ النظر إلا إلى المواضع
اللازمة لهذا الغرض .
واشترط فقهاء الشافعية في الحاجة المبيحة
للنظر أن تكون ملائمة من حيث قوتها وتأكدها
لغلظ العورة وخفتها ، فإذا كان النظر إلى الوجه
والكفين اعتبر أصل الحاجة أو أدنى حاجة ،
وفيما عداهما سوى السوأتين يُعتبر تأكد
الحاجة ، وفي السوأتين اعتبروا الحاجة الشديدة
أو الضرورة(١) .
ج- عند اختلاف الجنس يشترط لإباحة النظر
للعلاج أن لا تكون خلوة بين الرجل والمرأة ، لأن
الحاجة تسوغ النظر ، ولا تسوغ الخلوة ، فتبقى
(١) البدائع ١٢٤/٥، ومجمع الأنهر ٥٣٢/٢ ، والهداية مع
تكملة الفتح ١٠/ ٣١،٣٠، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٧ ،
ومغني المحتاج ١٣٣/٣، والحاوي ٩/ ٣٥ ، والمبدع ٩/٧ ،
ومطالب أولي النهى ١٥/٥ .
محرمة ، إلا إذا تعذر وجود مانع للخلوة من
محرم أو زوج أو خيف الهلاك قبل حضوره (١) .
د- اشترط جمهور الفقهاء لحل النظر بين
الرجل والمرأة للعلاج وما في معناه أن يتعذر دفع
الحاجة باللجوء إلى الجنس المشابه ، فلا يعالج
الرجل المرأة مع وجود امرأة أخرى تستطيع القيام
بذلك على النحو الذي يدفع الحاجة ، وكذلك
لا تعالج المرأة الرجل مع وجود رجل يمكنه القيام
بالعلاج المطلوب ، وذلك لأن نظر الإنسان إلى
جنسه أخف من نظره إلى غير جنسه ، فإن لم
يوجد المعالج من الجنس الواحد أو وُجد وكان لا
يحسن العلاج جاز نظر الرجل إلى المرأة
وعكسه .
ولم يشترط بعض فقهاء الشافعية هذا
الشرط ، واشترط الحنفية في النظر للعلاج
ونحوه أن لا يمكن تعليم شخص مجانس
للمنظور إليه الشيء المطلوب من معالجة
ونحوها ، فإن أمكن ذلك لم يجز النظر ، وقصر
بعضهم هذا الشرط على حالة النظر إلى الفرج
للعلاج ، فإن لم يمكن ذلك وجب ستر كل
عضو سوى موضع المرض ، ثم ينظر ويغض
(١) مغني المحتاج ١٣٣/٣، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٧، ١٧٥/٣،
وروضة الطالبين ٥/ ٣٧٥ ، ومطالب أولي النهى ١٥/٥ .
- ٣٦٨ -

نظر ٣٢-٣٣
....
٠٠
بصره عن غير ذلك ما استطاع (١).
هـ - اشترط الشافعية والحنابلة لحل النظر
بقصد العلاج ونحوه أن لا يكون المعالج ذميّا إذا
وجد مسلم يقوم مقامه(٢) ، إلا أن الشافعية ذهبوا
إلى تقديم المجانس للمريض في النظر للعلاج ،
وإن كان كافراً ، على غير المجانس وإن كان
مسلماً ، فلو لم يوجد لعلاج المرأة إلا كافرة
ومسلم تقدم الكافرة ، لأن نظرها ومسّها أخف
من الرجل ، وقد رتّب البلقيني ذلك فقال: ((إن
كانت المريضة امرأة مسلمة فيعتبر وجود امرأة
مسلمة ، فإن تعذرت فصبي مسلم غير مراهق ،
فإن تعذر فصبي کافر غیر مراهق ، فإن تعذر
فامرأة كافرة ، فإن تعذرت فمحرمها المسلم ، فإن
تعذر فمحرمها الكافر ، فإن تعذر فأجنبي
مسلم ، فإن تعذر فأجنبي كافر)) ، لكن رأى
الرملي والخطيب الشربيني أن المتّجه تأخير المرأة
الكافرة عن المحرم بقسميه ، كما رجح الرملي
تقديم الممسوح في المعالجة على المراهق والأنثى
(١) الفتاوى الهندية ٣٣٠/٥، ومجمع الأنهر ٥٣٨/٢ ،
والهداية مع تكملة الفتح ١٠/ ٣١، والمبسوط ١٥٦/١٠،
مغني المحتاج ١٣٣/٣، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٧، وروضة
الطالبين ٣٧٥/٥ .
(٢) مغني المحتاج ١٣٣/٣، ونهاية المحتاج ١٩٧/٦، والمبدع
٩/٧، ومطالب أولي النهى ١٥/٥ .
ولو من غیر الجنس والدين ، واعتبر وجود من
لايرضى بالمعالجة إلا بأكثر من أجرة مثله
کالعدم ، واحتمل أنه لوجود کافر یرضی بدون
أجرة المثل ومسلم لا يرضى إلا بها فالمسلم
كالعدم أخذاً من قولهم بسقوط حضانة الأم إذا
طلبت أجرة المثل ووجد الأب من يرضى
بدونها ، وقدّم بعضهم الأمهر ولو من غیر الجنس
والدين فلو وجد كافر أعرف بالداء والدواء من
المسلم والمسلمة فإنه يقدم (١) .
و- اشترط الشافعية أن يكون المعالج أميناً غير
متهم في خلقه ودينه ، فإن تعذر وجود الأمين
جاز الرجوع إلى غيره بقدر الضرورة ، واشترط
بعضهم في معالجة الرجل للمرأة وجواز نظره
إليها أن يأمن الافتتان بها إن لم يتعيّن ، فإن تعیّن
فينبغي أن يعالجها ويكف نفسه ما أمكن (٢) .
ثالثا : النظر للقضاء والشهادة :
٣٣ - ذهب الحنفية إلى أنه يحلّ للقاضي أن ينظر
بغرض القضاء إلى وجه المرأة الأجنبية ، وإن علم
أو غلب على ظنه وقوع الشهوة بشرط أن
لايقصدها عند النظر ، وأما النظر إلى الكفين
(١) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٦/ ١٩٧، ومغني
المحتاج ١٣٣/٣ .
(٢) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٦/ ١٩٧ ، ومغني
المحتاج ١٣٣/٣، والحاوي الكبير ٩/ ٣٥.
- ٣٦٩ -

نظر ٣٣
فيحرم إن قصد اللذّة أو غلب على ظنّه
وقوع الشهوة ، فإن لم يقصدها وأمن الشهوة
فهو جائز .
والشاهد عند أداء الشهادة حكمه في النظر
كالقاضي ، وأما النظر لتحملها فقد اختلف
فقهاء الحنفية في جوازه على قولين :
الأول :- وهو الأصح - أنه يحرم إن غلب
على ظنه الشهوة ، لأنه لا ضرورة عند التحمل ،
فقد يوجد من يتحمل الشهادة ولا يشتهي ،
بخلاف حالة الأداء ، حيث التزم هذه الأمانة
بالتحمل ، وهو متعيّن لأدائها .
والثاني : أنه يجوز له النظر وإن لم يأمن
الشهوة ، وذلك بشرط أن يقصد تحمل الشهادة لا
قضاء الشهوة ، فإذا تحقق هذا الشرط جاز له أن
ينظر بقدر الحاجة ، فلشهود الزنى مثلاً أن ينظروا
إلى موضع العورة بقصد تحمل الشهادة ، وأما إذا
أمن الشهوة فلا خلاف عندهم في جواز النظر
بقدر الحاجة لتحمل الشهادة ، فالخلاف عندهم
في حكم نظر الشاهد تحملاً عند خوف الشهوة
وليس عند أمنها (١) .
(١) المبسوط ١٥٤/١٠، ١٥٥، ومجمع الأنهر ٥٤٠/٢،
والهداية وتكملة الفتح ١٠/ ٣٠-٣٣، والبدائع
١٢٢/٥، وتبيين الحقائق ٦/ ١٧، والفتاوى الهندية
٣٢٩/٥، ٣٣٠ ٠
وذهب المالكية إلى جواز النظر إلى الوجه
بقصد أداء الشهادة ، وإليه وإلى غيره بقصد
تحملها ، واشترطوا لذلك عدم قصد اللذة عند
النظر (١).
وذهب الشافعية إلى أن للقاضي أن ينظر من
المرأة الأجنبية إلى ما تقتضيه حاجة الحكم ،
وكذلك الشاهد عند أداء الشهادة له أن ينظر إلى
المشهود عليها أو لها بقدر الحاجة فقط وكذلك
المرأة إذا دعيت للشهادة لها أن تنظر بقدر الحاجة
أيضاً ، ولا يحل النظر إلى غير ما يحتاج إليه
للحكم والشهادة ، ولا يحل إطالة النظر بعد تحقق
المقصود ، فإن اكتفى بنظرة واحدة لم تجز الثانية
إلا إذا كانت للتحقق ، بل ذهب بعضهم إلى أنه
إذا تحقق المقصود بالنظر إلى بعض الوجه لم يجز
الاستيعاب ، وأنه إن تحقق من فوق النقاب لم يجز
النظر إلى ما تحته ، لأن ما جاز للضرورة يُقدر
بقدرها ، ومازاد ظل على أصل الحظر .
كذلك أجاز الشافعية - في الصحيح من
المذهب - للشاهد عند تحمل الشهادة النظر بقدر
الحاجة إلى من يشهد له أو عليه ، وتوسعوا في
ذلك اعتناء بالشهادة إحياءً للحقوق ، فنصّوا
على جواز النظر للرجال خاصة إلى فرج الزانيين
لتحمل شهادة الزنى ، وعلی جواز النظر للرجال
(١) الفواكه الدواني ٣٦٦/٢، والبيان والتحصيل ٣٠٥/٤،
والذخيرة ٤ / ١٩١ .
- ٣٧٠ -

نظر ٣٣ -٣٤
والنساء إلى الفرج لتحمل الشهادة بولادة أو
عَبالة (كبر الذكر) ، أو التحام إفضاء ، وإلى
الثدي لتحمل الشهادة بالرضاع ، ولم يشترطوا
في جواز النظر لتحمل الشهادة ، عدم وجود
المجانس أو المحارم ، كما فعلوا في النظر للعلاج ،
لكنهم اشترطوا عند عدم تعين الشاهد أن
لاتخشى الفتنة والشهوة ، فإن خشيت الفتنة أو
الشهوة لم يجز النظر إلا إذا تعيّن ، وقال
السبكي : ومع ذلك یأثم بالشهوة وإن أثیب علی
التحمل ، لأنه فعل ذو وجهین . وخالفه غيره
فأحل النظر للشهادة بشهوة وبدونها ، واستدل
بأن الشهوة أمر طبعي لا ينفك عن النظر فلا
يكلف الشاهد بإزالتها ، ولا يؤاخذ بها كما لا
يؤاخذ الزوج بميل قلبه إلى بعض نسوته ،
والأوجه عند الرملي حملُ التأثيم على ما كان
من ثوران الشهوة بالاختیار ، وعدمه على ما كان
بدون اختيار ، وفي مقابل الصحيح ذهب
الاصطخري إلى عدم جواز النظر لتحمل
الشهادة في كل ما تقدم ، وقيل : يجوز في الزنى
دون غيره ، وقیل عكسه(١) .
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ١٩٨/٦، وروضة
الطالبين ٣٧٦/٥ ، ومغني المحتاج ١٤٨/٣
وذهب الحنابلة إلى أن للشاهد النظر إلى وجه
المشهود عليها تحملاً وأداء عند طلب الشهادة
منه ، لتكون الشهادة واقعة على عين المشهود
عليها ، قال أحمد : لا يشهد على امرأة إلا أن
يكون قد عرفها بعينها ، وأجاز بعضهم النظر إلى
الكفین للشهادة ، وذکر ابن رزین أن الشاهد ينظر
إلى ما يظهر غالباً ، واختار في مطالب أولى
النهى أن الشاهد ليس له النظر إلى غير الوجه ،
لأن الشهادة لا دخل لها في الکفین ، ونقل ذلك
عن الشيخ تقي الدين (١) .
رابعاً : النظر للمعاملة :
٣٤ - لاخلاف بين الفقهاء في تحريم النظر
للمعاملة إذا قصد به التلذذ أو غلب على الظن
وقوع الشهوة معه ، فإن لم يقصد به اللذة ولا
خیفت منه الفتنة أو الشهوة ، فيجوز إلى ما سوى
العورة عند الحنفية والمالكية ، وذلك أن هذا هو
مذهبهم في الحكم الأصلي للنظر ، وهو جوازه
إذا كان بغير شهوة واقتصر على ما سوى العورة ،
ومن جملة أدلتهم على جواز نظر الرجل إلى
الوجه والكفين من المرأة الأجنبية الحاجة إلى
التعامل بين الرجال والنساء ، وهذه الحاجة لا
تستلزم من النظر إلى غير ماسوى العورة .
(١) مطالب أولي النهى ١٤/٥، ١٥، والإنصاف ٢٢/٨،
والمبدع ٧ / ٩ .
- ٣٧١ -

نظر ٣٤ _ ٣٥
وأما الشافعية والحنابلة فقد تقدّم أن المذهب
عندهم تحريم نظر الرجل من غير حاجة إلى أي
عضو من أعضاء المرأة الأجنبية حتى الوجه
والكفين ، ومع ذلك فقد أجازوا للرجل النظر
إلى وجه المرأة للمعاملة من بيع وشراء
ونحوهما ، لیرجع بالعهدة ، ویطالب بالثمن
ونحو ذلك ، ولا يجوز النظر إلى غير الوجه ،
للاكتفاء بالنظر إليه في تحقيق الحاجات الناشئة
عن المعاملة ، ويجوز للمرأة أن تنظر إلى وجه
الرجل للمعاملة أيضاً لتحقق الحاجة في حقها
كالرجل ، وروي عن الإمام أحمد أنه يجوز
للرجل النظر إلى الوجه والكفين من المرأة إذا
كانت تعامله ، وذكر ابن رزين من الحنابلة أنه
يجوز للمبتاع أن ينظر إلى ما يظهر غالباً من المرأة
التي تبيعه أو تشتري منه (١) .
خامساً : النظر للتعليم :
٣٥- نصّ الشافعية على اعتبار تعليم المرأة من
الحاجات التي يباح من أجلها النظر بقدر الحاجة ،
وقولهم بأن أصل الحاجة أو أدنى حاجة کاف
لإباحة النظر إلى الوجه والكفين يدل على إباحة
(١) نهاية المحتاج ١٩٨/٦، ومغني المحتاج ١٢٨/٣، والحاوي
الكبير ٣٦/٩، والمبدع ٩/٧، والإنصاف ٢٢/٨،
ومطالب أولي النهى ١٤/٥ .
ذلك لأجل التعليم ، وقصر بعضهم الجواز على
ما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين
تعليمه من الصنائع المحتاج إليها ، بشرط التعذر
من وراء حجاب وعدم وجود المجانس وعدم
الخلوة . واستثنوا من ذلك تعليم الزوج لمطلقته ،
لأن كلاً من الزوجین تعلقت آماله بالآخر ، فصار
لكل منهما طمعة في صاحبه فمنع من ذلك (١) .
(١) مغني المحتاج ١٢٨/٣ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٩،
وروضة الطالبين ٥/ ٢١ وما بعدها .
- ٣٧٢ -

نعاس ١ - ٣
نُعاس
التعريف :
١- النعاس في اللغة : أول النوم أو النوم القليل ،
يقال: نَعَس نَعْسا ونَعَسا ونعاساً : فترت
حواسه فقارب النوم فهو ناعس ؛ ونعسان
قليلة ، ومنه قول الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيكُمُ
اُلُنُّعَاسَ أَمَنَّةً مِّنْهُ﴾(١).
وقال الأزهري : حقيقة النعاس السنة من غير
نوم ، ومن علامات النعاس : سماع كلام
الحاضرين وإن لم يفهمه(٢) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٣) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - النوم :
٢- النوم : معروف وهو ضد اليقظة فترة راحة
للبدن والعقل تغيب خلالها الإرادة والوعي
(١) الأنفال / ١١ .
(٢) لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط.
(٣) المفردات في غريب القرآن ، وأسنى المطالب ٢/ ٥٦.
جزئياً أو كلياً ، وتتوقف الوظائف البدنية .
وفي الاصطلاح حالة طبيعية ، تتعطل معها
القوى بسبب ترقي البخارات إلى الدماغ (١) .
والعلاقة بين النعاس والنوم قال زكريا
الأنصاري : إن النوم فيه غلبة على العقل بسقوط
الحواس ، والنعاس ليس فيه ذلك وإنما فيه فتور
الحواس(٢).
ب - الإغماء :
٣- الإغماء فى اللغة: فقد الحس والحركة
العارض (٣) .
وفي الاصطلاح : آفة في القلب أو الدماغ
تعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء
العقل مغلوباً (٤).
والعلاقة بين النعاس والإغماء : أن الإغماء
يعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها ؛ وأما ا
لنعاس فإنه لا يعطل القوى المدركة والمحركة عن
أفعالها یمنع من سماع كلام الناس .
(١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، ولسان العرب ،
والمفردات للراغب ، والتعريفات للجرجاني .
(٢) أسنى المطالب ٥٦/١، وحاشية الشرقاوي ١/ ٧٠.
(٣) المعجم الوسيط .
(٤) حاشية ابن عابدين ٢٩٧/١، ٤٢٢/٢، ومراقي الفلاح
بحاشية الطحطاوي ص ٥٠ ، التقرير والتحبير ١٧٩/٢ .
- ٣٧٣ -

نعاس ٤ - ٥
الأحكام المتعلقة بالنعاس :
أثر النعاس في الوضوء :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوضوء لا
ينقض بالنعاس ولو شك هل نام أو نَعَس فلا
وضوء عليه لأن الأصل الطهارة ، ويستحب أن
یتوضأ . وقال زکریا الأنصاري : لو رأي رؤيا
وشك أنام أم لا فعليه الوضوء لأن الرؤيا لا تكون
(١)
.
إلا بنوم
وقال الحنفية : النعاس في حالة الاضطجاع
لا يخلو إما أن یکون ثقیلاً أو خفيفاً ، فإن كان
ثقيلاً فهو حدث ، وإن کان خفيفاً لا یکون
حدثاً ، والفاصل بين الخفيف والثقيل أنه إن كان
یسمع ما قیل عنده فهو خفیف ، وإن کان یخفی
عليه عامة ما قيل عنده فهو ثقيل (٢) .
وقال البهوتي نقلاً عن ابن المنير : يغتفر
النعاس الخفيف ، والأولى لأئمة المساجد تجديد
الوضوء(٣) .
(١) حاشية الدسوقي ١/ ٣٠٢، وشرح الجمل ١/ ٦٩،
والأم ١/ ١٤، ١٨، وأسنى المطالب ٥٦/١، والمغني
١٧٦/١، وشرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ٦٤ ط دار
الكتب العلمية .
(٢) الفتاوى الهندية ١/ ١٢، وابن عابدين ١/ ٩٧.
(٣) كشاف القناع ٢٩٥/١.
النعاس في المسجد يوم الجمعة :
٥- قال ابن قدامة : يستحب لمن نعس يوم
الجمعة أن يتحول عن موضعه ، واستدل لذلك
بما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت
رسول الله صلی الله وسلم يقول: «إذا نعس
أحدكم يوم الجمعة فليتحول من مجلسه
ذلك))(١) ولأن تحوله عن مجلسه يصرف عنه
النوم(٢).
وقال الشافعي : أحب للرجل إذا نعس في
المسجد يوم الجمعة ووجد مجلساً غيره -
ولايتخطی فیه أحداً - أن يتحول عنه ليحدث له
القیام واعتساف المجلس ما يذعر عنه النوم وإن
ثبت وتحفظ من النعاس بوجه يراه ينفي النعاس
عنه فلا أکره ذلك له ولا أحب إن رأى أنه يمتنع
من النعاس إذا تحفظ أن يتحول وأحسب من أمره
بالتحول إنما أمره حين غلب عليه النعاس فظن
أن لن يذهب عنه النوم إلا باحداث تحول وإن
ثبت في مجلسه ناعساً كرهت له ذلك ولا إعادة
عليه إذ لم يرقد زائلاً عن حد الاستواء (٣) .
(١) حديث: ((إذا نعس أحدكم ... ))
أخرجه الترمذي (٤٠٤/٢ ط الحلبي) وقال : حديث
حسن صحيح .
(٢) المغني لابن قدامة ٣٥٣/٢.
(٣) الأم ١٩٨/١.
- ٣٧٤ -

نعام، نَعي ١ -٢
نَعام
نَعْي
انظر : أطعمة
التعريف :
١- النَعْي والنُعيان لغةً: خبر الموت ، أو نداء
الداعي ، أو الدعاء بموت الميت والإشعار به ،
الناعي : الذي يأتي بخبر الموت ، أو بإذاعة موت
الشخص أو یندبه .
قال ابن منظور : كانت العرب إذا قتل منهم
شريف أو مات بعثوا راكباً إلى قبائلهم ينعاه
إليهم(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٢) .
(ر : جنائزف ٤ ).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الندب :
٢- الندب من معاني الندب في اللغة: البكاء
(١) لسان العرب لابن منظور، والصحاح للجوهري ، مادة
(نعي)
(٢) المجموع شرح المهذب للنووي ٢١٩/٥ ، وفتح الباري
٤٥٢/٣-٤٥٣، والفتاوى الهندية ١٥٥/١، والشرح
الصغير ١/ ٥٧٠، وغاية المنتهى ٢٢٨/١.
- ٣٧٥ -

نَعي ٢-٥
مع تعديد محاسن الميت بلفظ النداء ،
کواسیداه ، واجبلاه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١) .
والصلة بینه وبین النعي أن الندب قد يقترن
بالنعي ، وقد یحصل بعده ، فليس هناك تلازم
بينه وبين الإخبار بالموت .
ب - النوح :
٣- النوح لغة: رفع الصوت بالبكاء مع رنّة ،
وعن أم عطية: ((أخذ علينا رسول الله وَله عند
البيعة ألا ننوح))(٢)، وعن أبى سعيد الخدري :
((لعن رسول الله وَ ل النائحة والمستمعة)) (٣).
والصلة بين النوح والنعي أن النعي المطلق
الإعلام سواء كان فيه بكاء أم لا ، أما النوح فهو
(١) الصحاح، والمصباح المنير.
(٢) حديث: ((أخذ علينا رسول الله وَله عند البيعة ألا
ننوح)) .
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ١٧٦ ط السلفية) ومسلم
(٦٤٥/٢ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((لعن رسول الله وَلير النائحة والمستمعة)).
أخرجه أبو داود (٤٩٣/٣ ط حمص) وأحمد في المسند
(٦٥/٣ ط اليمنية)، وقال الخطابي في معالم السنن
بهامش سنن أبي داود (٤٩٤/٣ ط حمص): في إسناده
محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده
وثلاثتهم ضعفاء .
الإعلام المقترن بالبكاء ، وقد يحصل بعد الإخبار
بالموت (١)
صيغة النعي :
٤- لم يذكر الفقهاء صيغة محددة للنعي ، بعد
استبعاد ما كان مباهاة ومفاخرة ولكنهم نصوا
على اختيار مافیه تذلل واسترحام .
قال ابن عابدين نقلاً عن الفتاوى الهندية (٢):
وينبغي أن يكون بنحو : مات الفقير إلى الله
تعالى فلان بن فلان ، ثم قال ابن عابدين :
ويشهد له ((أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يؤذن
بالجنازة ، فيمر بالمسجد فيقول : عبدالله دعي
فأجاب ، أو أمة الله دعيت فأجابت)) (٣).
الحكم التكليفي للنعي :
٥ - اختلفت أقوال الفقهاء في حكم النعي ،
حتى في المذهب الواحد ، ما بين الاستحباب
والإباحة والكراهة والتحريم ، ولذا اختار بعض
(١) لسان العرب، مادة (نوح)، واللؤلؤ والمرجان فيما اتفق
عليه الشيخان ١٨٨ .
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٦٢٩.
(٣) أثر أبي هريرة رضي الله عنه ((كان يؤذن بالجنازة ... )
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٦/٣ ط الدار
السلفية) .
- ٣٧٦ -

نَعي ٥-٦
المحققين أن أقوالهم ليست من قبيل الخلاف في
الأمر إذا لم تتوارد على الصورة المطلقة للنعى .
قال المباركفوري نقلاً عن أبي بكر بن
العربي : يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث
حالات :
١- إعلام الأهل والأصحاب وأهل
الصلاح ، فهذا سنة .
٢- دعوة الحفل للمفاخرة بالكثرة ، فهذا
مكروه .
٣- الإعلام بنوع آخر ، كالنياحة ونحو ذلك
فهذا محرم .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني : النعي
ليس ممنوعاً كله ، وإنما نهي عما كان أهل
الجاهلية يصنعونه ولم ينقل رأي فقهي بوجوب
النعي ، وقد صرح ابن مفلح بعدم الوجوب
حتى للقريب ، فقال: ولا يلزم إعلام قريب (١) .
النعي المستحب :
٦ - النعي المستحب أو المندوب إلیه علی حسب
تعبير بعض الفقهاء - هو على ما صرح الحنفية
به وبعض الشافعية وهو المتجه عند الحنابلة وهو
(١) الفروع ٢/ ١٩٢ وفتح الباري ١١٦/٣ وتحفة
الأحوذي ٤/ ٥٩ ، جامع الترمذي بشرح ابن العربي
٢٠٦/٤ .
قول النخعي وابن سیرین - ما كان فيه إعلام
الجيران والأصدقاء .
قال في الفتاوى الهندية : يستحب أن يعلم
جيرانه وأصدقاؤه حتى يؤدوا حقه بالصلاة عليه
والدعاء له .
روی سعید بن منصور عن النخعي : لا بأس
إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه ، إنما
يكره أن يطاف في المجلس فيقال : أنعي فلاناً لأن
ذلك من فعل أهل الجاهلية ، وروي نحوه
باختصار عن ابن سیرین .
قال النووي ، في شرح حديث : ((أن رسول
الله ◌ُ له نعى للناس النجاشي في اليوم الذي
مات فيه فخرج بهم إلى المصلى ، وكبر أربع
تكبيرات)) (١) فيه استحباب الإعلام بالميت ، لا
على صورة نعي الجاهلية ، بل مجرد إعلام
الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه في ذلك ،
والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا
وإنما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر
وغيرها .
(١) حديث: (أن رسول الله و ﴿ نعى للناس النجاشي في اليوم
الذي مات فيه» .
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٢٠٢ ط السلفية) ومسلم
(٢/ ٦٥٦ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه ، واللفظ لمسلم .
- ٣٧٧ -

نَعي ٦
وقال ابن مفلح : ويتوجه استحبابه ، لإعلامه
وَ الّ أصحابه بالنجاشي ، وقوله عن الذي يقم
المسجد ، أي يكنسه : «أفلا كنتم آذنتموني به ،
دلوني على قبره) أي أعلمتوني ، قال ابن
سيرين : لا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل بالموت
صدیقه وحمیمه(١) .
وحديث الذي يقم المسجد الذي أشار إليه
ابن مفلح وغيره في إيذان أصحاب المنعي وأقاربه
هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ((أن أسود
(رجلاً أو امرأة) كان يقم المسجد فمات ولم يعلم
النبي ◌َّ بموته ، فذكره ذات يوم فقال : ما فعل
ذلك الإنسان؟ قالوا : مات يا رسول الله، قال :
أفلا آذنتموني؟ فقالوا : إنه كان كذا وكذا قصته
(قال الراوي : فحقروا شأنه) قال : فدلوني على
قبره فأتی قبره فصلی علیه))(٢) .
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١٥٧، وشرح صحيح مسلم
للنووي ٧/ ٢١ ، وفتح الباري ٣/ ٤٥٣ ، والفروع لابن
مفلح ١٩٢/٢، والمجموع شرح المهذب للنووي
٢١٦/٥، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٢٣٩، ومطالب
أولي النهى ١١/ ٧٤١ .
(٢) حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أن أسود كان يقم
المسجد ... ).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٠٥/٣ ط السلفية) ومسلم
٦٥٩/٢ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري.
ونقل النووي عن «الحاوي)) للماوردي أن
بعض الشافعية استحب النعي للغريب الذي إذا
لم يؤذن به لا يعلمه الناس (١) .
والوجه في الاستحباب عند ابن قدامة أن في
كثرة المصلين على الميت أجراً لهم ونفعاً للميت
فإنه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر ،
وجاء عن النبي وَلي أنه قال: (( ما من ميت يصلي
عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون
له إلا شفعوا فیه)» (٢) .
وقال و # كذلك : ((ما من رجل مسلم يموت
فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله
شيئاً إلا شفعهم الله فيه))(٣).
ويشمل حكم الاستحباب النداء في الأسواق
علی ما نقل ابن عابدين عن النهاية قوله : إن كان
المنعي عالماً أو زاهداً فقد استحسن بعض
المتأخرين النداء في الأسواق لجنازته وهو
(١) المجموع للنووي ٢١٦/٥ .
(٢) حديث: ((ما من ميت يصلى عليه أمة ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ٦٥٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة
رضي الله عنها .
(٣) حديث: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٦٥٥ - ط الحلبي) من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما .
- ٣٧٨ -

نَعي ٦ -٧
الأصح ، ولكن لا يكون على هيئة التفخيم(١).
النعي المباح :
٧- النعي المباح هو ما اقتصر فيه على الإعلام
بالموت بصورة خالية من عمل محرم ، قال
الحافظ ابن حجر : محض الإعلام بذلك لا
یکره ، فإن زاد علی ذلك فلا .
وقال ابن عابدين : لا بأس بإعلام بعضهم
بعضاً بموته ليقضوا حقه ، و کره بعضهم أن ینادی
عليه في الأزقة والأسواق ، لأنه يشبه نعي
الجاهلية ، والأصح أنه لا یکره إذا لم يكن معه
تنويه بذكره وتفخيم بل يقول : العبد الفقير إلى
الله تعالى فلان بن فلان الفلاني ... فإن نعي
الجاهلية ما كان فيه قصد الدوران مع الضجيج
والنياحة ، وهو المراد بدعوى الجاهلية في قوله
◌َالر : ((ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب
ودعا بدعوى الجاهلية))(٢)، كما في شرح المنية .
(١) فتح الباري ٤٥٢/٣، والمغني لابن قدامة ٤٣٣/٢،
والشرح الكبير على المقنع ٢/ ٤٣٢ ، وحاشية ابن عابدين
٢٣٩/٢ .
(٢) حديث : ((ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا
بدعوى الجاهلية» .
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ١٦٦ ط السلفية) ومسلم
(١/ ٩٩ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن مسعود رضي
الله عنه .
وجاء في الفتاوى الهندية : وكره بعضهم
النداء في الأسواق ، والأصح أنه لا بأس به ، كما
في محيط السرخسي .
وحصر الحنابلة النعي المباح فيما ليس فيه
نداء ، قال الرحيباني : لا بأس بإعلام أقاربه
وإخوانه من غير نداء ، لإعلامه وَلاّ أصحابه
بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وفيه كثرة
المصلين عليه فيحصل لهم ثواب ونفع
للميت (١) .
قال ابن المرابط - من شراح البخاري - مبيناً
الحكمة في الإباحة : مراده أن النعي الذي هو
إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه
إدخال الکرب والمصائب على أهله ، لكن في
تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة
ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره
والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ
وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام .
وقد استدل النووي للإباحة بالأحاديث التي
استدل بها القائلون بالاستحباب ثم قال :
الصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أن
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١٥٧، وحاشية ابن عابدين ٢٧٩/٢ ،
ومطالب أولي النهى ١/ ٨٤٧ ، والمجموع شرح المهذب
٢١٦/٥، وفتح الباري ٤٥٣/٣.
- ٣٧٩ -

نَعي ٧-٩
الإعلام بموته من یعلم ليس بمكروه بل إن قصد به
الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره
ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس يذكره
بهذه الأشياء ، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه فقد
صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها(١).
النعي المكروه :
٨- للنعي المكروه عند الحنابلة صورتان :
الأولى : أنه ما كان لغیر قریب أو صديق أو
جار أو من يرجى إجابة دعائه .
الثانية : أنه ما كان بنداء ، وعليه مذهب
المالكية أيضاً .
قال في الشرح الصغير : کره صیاح بمسجد ،
أو ببابه ، بأن يقال : فلان قد مات فاسعوا إلى
جنازته مثلا ، إلا الإعلام بصوت خفي أي من
غير صياح فلا يكره .
وقال ابن مفلح : ولا يستحب النعي ، وهو
النداء بموته بل يكره ، نصّ عليه أحمد وقال :
لايعجبني ، وفي رواية عن أحمد: يكره إعلام
غير قريب أو صديق . ونقل حنبل عنه : أو جار ،
وعنه : أو أهل دین .
ونقل النووي الكراهة في نعي الميت والنداء
عليه للصلاة وغيرها عن جماعة من الشافعية
(١) المجموع ٢١٦/٥.
منهم أبو اسحاق الشيرازي والبغوي
(١)
النعي المحرم :
٩ - النعي المحرم - على ما ذكره الحنابلة - هو ما
اشتمل على النحيب والبكاء بصوت عال ،
وتعداد محاسن الميت ومزاياه على سبيل
المباهاة ، واظهار الجزع .
قال ابن القيم: من هديه وَ ل ترك النعي ،
وقد نهى عنه ، وهو من عمل الجاهلية ، فعن
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ((إذا مت
فلا تؤذنوا بي ، إني أخاف أن یکون نعیاً ، فإني
سمعت رسول الله { لل ينهى عن النعي))(٢).
وقال الرحيباني من الحنابلة : النعي المعروف
الذي تفعله النساء بدعة أي ما كان بالنحيب
والندب والجزع .
وقد أورد القائلون بالتحريم الحكمة في ذلك
بأن السخط على موت المنعي يشبه التظلم من
الظالم ، وحكم الموت على العباد عدل من الله
(١) الفروع ٢/ ١٩٢، ومطالب أولي النهى ١/ ٨٤١، والشرح
الصغير ١/ ٥٧٠ ، وفتح الباري ٤٥٣/٢، والمجموع ٢١٦/٥.
(٢) حديث : ((إذا مت فلا تؤذنوا ... ))
أخرجه الترمذي (٣١٣/٣ ط الحلبي) وابن ماجه (١/ ٤٧٤
ط عيسى الحلبي) واللفظ للترمذي ، وقال : حسن
صحيح .
- ٣٨٠ -