Indexed OCR Text

Pages 281-300

....
مَوْت ٥٠ -٥٢
حكماً، ويقوم ورثته مقامه في القبض، وكذا
إذا قبل صراحة، ولكنه لم يقبض الهبة حتى
وافته المنيَّة، فيورث عنه حقُّ قبضها(١) .
ثالث عشر - حقّ الواهب في الرجوع في
الهبة :
٥١ - ذهب جماهير الفقهاء من الحنفية
والشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم إلى أن
حقَّ الواهب في الرجوع في الهبة يسقط
بموته، ولا ينتقل إلى ورثته من بعده لأن
الخيار في الرجوع فيها حقٌّ شخصي للواهب،
ثبت له لمعانٍ وأوصاف ذاتية فيه، والحقُّ
الشخصي لا يورث.
ثم إن الشارع إنما أوجب هذا الحقَّ
للواهب، والوارث ليس بواهب .
وأيضاً هو حقٌّ مجرَّد، والحقوق المجردة
لا تورث ابتداءً، وإنما تورث تبعاً للمال،
وورثة الواهب لا يرثون العين الموهوبة التي
هي مال، فلا يرثون ما يتعلق بها من حقّ
الرجوع(٢) .
(١) الخرشي ١٠٦/٧، ١٠٨، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٠٢،
والبهجة ٢٤٦/٢، والمدونة ١٢٠/١٥.
(٢) رد المحتار ٥/ ٧٠١، ٧٦٢/٦، وتبيين الحقائق
٩٩/٥، ومغني المحتاج ٤٠١/٢، والمجموع شرح
المهذب ٢١١/٩، وأسنى المطالب ٤٨٤/٢، وبداية=
أثر الموت على التزامات المتوفى :
أثر الموت على الالتزامات المفترضة
بنص الشارع :
هناك التزامات مالية وغير مالية، وسنعرض
فيما يلي أثر الموت على كل من هذه
الالتزامات :
أولاً - الالتزامات المالية :
أ- الزكاة الواجبة :
٥٢ - اختلف الفقهاء في تأثير الموت على
سقوط دين الزكاة إذا توفي من وجبت الزكاة
في ماله قبل أدائها، وذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: للشافعية والحنابلة، وهو أنه من
وجبت عليه الزكاة، وتمكَّن من أدائها، ولم
يؤدها حتى مات، فإنها لا تسقط بموته،
ويلزم إخراجها من رأس ماله وإن لم يوص
بها، وهو مذهب عطاء والحسن البصري
والزهري وقتادة وإسحاق وأبي ثور وابن
المنذر، واحتجوا على ذلك بأن دين الزكاة
حقّ مالي واجب لزمه حال الحياة، فلم يسقط
بموته، كدين العبد. ويفارق الصلاة، فإنها
عبادة بدنية لا تصح الوصية بها ولا النيابة فيها
المجتهد ٢١١/٢، والفروق للقرافي ٢٧٨/٣، وشرح
منتهى الإرادات ٢/ ٥٢٠، والمغني ٢٤٣/٨، والقواعد
لا بن رجب ص ٣٤٢.
- ٢٨١ -

مَوْت ٥٢
وبعموم قوله تعالى في آية المواريث: ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾(١)، حيث عمَّم
سبحانه الديون كلها، والزكاة دين قائم الله
تعالى وللمساكين والفقراء والغارمين وسائر
من فرضها الله تعالى لهم بنص الكتاب المبين.
وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: جاء رجل إلى النبي وَّر فقال: ((يا
رسول الله إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر،
أفأقضيه عنها؟ قال ◌َله: نعم. قال: فدين الله
أحق أن يقضى))(٢). فدلَّ ذلك على أن حقوق
الله تعالى أحقُّ أن تُقْضى، ودين الزكاة منها(٣) .
الثاني: للحنفية، وهو أن من مات، وعليه
دين زكاة لم يؤدِّه في حياته، فإنه يسقط بموته
في أحكام الدنيا، ولا يلزم الورثة بإخراجها من
تركته ما لم يوص بذلك، فإن أوصى بأدائها من
ترکته، فإنها تخرج من ثلثها كسائر الوصايا،
وما زاد على الثلث لا ينفذ إلاَّ بإجازة الورثة.
وهو قول ابن سيرين والشعبي والنخعي
وحماد بن أبي سليمان وحميد الطويل
وعثمان البتي وسفيان الثوري وغيرهم.
(١) سورة النساء/ ١١.
(٢) حديث: ((يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم
شهر ... ).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ١٩٢ ط السلفية)،
ومسلم (٢ / ٨٠٤ ط عيسى الحلبي).
(٣) المغني ١٤٥/٤، والمجموع ٣٣٥/٥، ٢٣١/٦.
وتعليل ذلك أن المقصود من حقوق الله تعالى
إنما هو الأفعال، إذ بها تظهر الطاعة والامتثال،
وما كان مالياً منها، فالمال متعلِّق بالمقصود،
وهو الفعل، وقد سقطت الأفعال كلها بالموت،
لتعذر ظهور طاعته بها في دار التكليف، فكان
الإِيصاء بالمال الذي هو متعلقها تبرعاً من
الميت ابتداءً، فاعتبر من الثلث .
وأيضاً فإن الزكاة وجبت بطريق الصلة، ألا
ترى أنه لا يقابلها عوض مالي، والصِّلات
تبطل بالموت قبل التسليم(١).
واستثنى الحنفية من ذلك زكاة الزروع
والثمار، فقالوا بعدم سقوطها بالموت قبل
الأداء إذا كان الخارج قائماً، فمن وجب عليه
العشر أو نصف العشر فإنه يؤخذ من تركته إذا
مات قبل أدائه(٢) .
الثالث: للمالكية، وهو أنَّ من مات وعليه
زكاة لم تؤد في حياته، فلا يخلو: إما أن تكون
تلك الزكاة حالَّة في العام الحاضر الذي مات
فيه، وإما أن تكون عن سنين ماضية فرَّط في
أداء الزكاة فيها .
(١) فتح الغفار ٩٨/٣، ورد المحتار ٧٦٠/٦، وبدائع
الصنائع ٥٣/٢، وفتح القدير ٣٥٩/٢، والمغني
١٤٦/٤، والمجموع ٣٣٥/٥، ٣٣٦، والمبسوط
١٤٦/٢٧.
(٢) رد المحتار ٣٣٢/٢، وبدائع الصنائع ٥٣/٢.
- ٢٨٢ -

مَوْت ٥٢ _ ٥٣
الحالة الأولى: فإن كانت الزكاة حالَّة في
العام الحاضر الذي مات فيه، فإنها إما أن
تكون زكاة حرث وثمر وماشية، أو زكاة عين
(ذهب أو فضة).
فإن كانت زكاة أموال ظاهرة كحرث
وماشية ونحوها، فإنها لا تسقط بموته، بل
تخرج من رأس ماله مقدّمة على الكفن
والتجهيز، سواء أوصى بها أو لا، لأنها من
الأموال الظاهرة .
أما إذا كانت زكاة عين حاضرة (من الأموال
الباطنة) فإنها تخرج من رأس المال جبراً عن
الورثة، إن اعترف بحلولها وبقائها في ذمته
وأوصى بإخراجها، أما إذا اعترف بحلولها،
ولم يعترف ببقائها، ولم يوص بإخراجها، فلا
يجبر الورثة على إخراجها لا من ثلث تركته
ولا من رأس ماله، وإنما يؤمرون في غير
جبر، إلاَّ أن يتحقق الورثة من عدم إخراجها،
فحينئذٍ تُخرج من رأس ماله جبراً.
وإذا اعترف ببقائها، وأوصى بإخراجها،
أخرجت من الثلث جبراً.
وإن اعترف ببقائها ولم يوص بإخراجها،
لم يقض عليهم بإخراجها، وإنما يؤمرون
بذلك من غير إجبار لاحتمال أن يكون قد
أخرجها قبل موته، فإن علموا عدم إخراجها
أجبروا على الإِخراج من رأس ماله.
الحالة الثانية: وإذا كانت الزكاة عن مدة
ماضية، وفرَّط في أدائها سواء أكانت زكاة
عين أو ماشية أو حرث فيلزم إخراجها من
الثلث إن أوصى بها أو اعترف بأنها باقية في
ذمته .
أما إذا لم يعترف بذلك ولم يوص بها، فإنه
لا يلزم الورثة إخراجها لا من الثلث ولا من
رأس المال .
ولو أشهد في صحته أنها في ذمته، وأنه لم
یفرِّط، فإنها تخرج من رأس المال .
وإذا أشهد في مرض موته على ذلك تكون
بمنزلة الوصية، وتخرج من الثلث(١) .
ب - صدقة الفطر:
٥٣ _ اختلف الفقهاء في تأثير الموت على
سقوط صدقة الفطر عمن وجبت عليه إذا مات
قبل أدائها، وذلك على ثلاثة أقوال :
الأول: للشافعية والحنابلة، وهو أنَّ من
وجبت عليه صدقة الفطر، وتمكن من أدائها،
ولم يؤدها حتى مات، لم تسقط بموته، بل
يجب إخراجها من تركته، وإن لم يوص بها .
الثاني: للحنفية، وهو أن من وجبت عليه
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٤٤١،
والخرشي وحاشية العدوي عليه ٨/ ١٨٣، ١٨٤،
١٩٧، وانظر: بداية المجتهد ٣٣٧/٢.
- ٢٨٣ -

مَوْت ٥٣ -٥٤
زكاة الفطر إذا مات قبل أدائها فإنها تسقط
بموته في أحكام الدنيا، ولا يلزم ورثته
إخراجها من تر کته ما لم یوص بها .
فإن أوصى بها، فإنها تخرج من ثلث ماله
كسائر الوصايا، وذلك لأن صدقة الفطر
وجبت بطريق الصِّلة، ألا ترى أنه لا يقابلها
عوض مالي، والصلات تبطل بالموت قبل
التسليم .
الثالث: للمالكية، وهو أن زكاة الفطر
الحاضرة إذا مات من وجبت عليه قبل
إخراجها، فإنها تخرج من رأس ماله كزكاة
العین، وذلك إن أوصى بها .
أما إذا لم يوص بها، فإن الورثة يؤمرون
بإخراجها، لكنهم لا يجبرون على ذلك.
وإذا كانت زكاة الفطر عن سنين ماضية فرَّط
فيها، ثم أوصى بأدائها قبل موته، فإنها تخرج
من ثلث ماله .
ولو أشهد في صحته أنها بذمته، فإنها
تخرج من رأس ماله، سواء أوصى بها أم لم
(١)
یو ص
(١) فتح الغفار ٩٩/٣، ورد المحتار ٦/ ٧٦٠، وبدائع
الصنائع ٥٣/٢، وفتح القدير ٣٥٩/٢، والمجموع
٣٣٥/٥، ٣٣٦، ٢٣١/٦، والمغني ٤/ ٣١٧،
والخرشي ٨/ ١٨٤، وحاشية الدسوقي ٤٠٨/٤ .
ج - الخراج والعشر:
٥٤ _ قال الحنفية: لو أن أرضاً من أراضي
الخراج مات ربها قبل أن يؤخذ منه الخراج،
فإنه لا يؤخذ من تركته، لأن الخراج في معنى
الصلة، فيسقط بالموت قبل الاستيفاء، ولا
يتحول إلى التركة كالزكاة، ثم إن خراج
الأرض معتبر بخراج الرأس، ففي كل واحد
منهما معنى الصَّغار، وكما أن خراج الرأس
يسقط بموت من علیه قبل الاستيفاء، فكذلك
خراج الأرض، ولا يمكن استيفاؤه من الورثة
باعتبار ملكهم، لأنهم لم يتمكنوا من الانتفاع
بها في السنة الماضية.
ولو مات ربّ الأرض العشرية، وفيها
زرع، فإنه يؤخذ منه العشر على حاله، وفي
رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه سوَّى بين
العشر والخراج، وقال: يسقط بموت رب
الأرض، وأما في ظاهر الرواية، فالزرع القائم
يصير مشتركاً بين الفقراء ورب الأرض، عشره
حقّ الفقراء، وتسعة أعشاره حقَّ رب
الأرض، ولهذا لا يعتبر في إيجاب العشر
المالك، حتى يجب في أرض المكاتب
والعبد والمدين والصبي والمجنون، فبموت
أحد الشريكين لا يبطل حقّ الآخر، ولكن
یبقی محله، وهذا بخلاف الخراج، حیث إن
محلّه الذمة، وبموته خرجت ذمته من أن
- ٢٨٤ -

مَوْت ٥٤ __ ٥٦
تكون صالحة لالتزام الحقوق، والمال
لا يقوم مقام الذمة فيما طريقه طريق
الصِّلة(١) .
د- الجزية :
٥٥ _ اختلف الفقهاء في سقوط الجزية عن
الذمي إذا مات قبل أدائها على قولين :
أحدهما: للحنفية والمالكية وبعض
الحنابلة، وهو أنَّ الجزية إذا وجبت على
الذمي، فإنها تسقط بموته قبل أدائها، سواء
مات بعد الحول أو في أثنائه، ولا تؤخذ من
تركته، وذلك لأنها عقوبة فتسقط بالموت
كالحدود، ولأنها تسقط أيضاً بإسلامه،
فتسقط كذلك بموته .
إلاّ أن الحنفية قالوا: إذا أوصى بها فإنها
تخرج من ثلث ماله كسائر الوصايا(٢).
والثاني: للشافعية والحنابلة، وهو أن
الذمي إذا مات بعد الحول، فإن الجزية
لا تسقط عنه، لأنها دين وجب عليه في
حياته، فلم تسقط بموته، بل تؤخذ من تركته
كسائر الديون المالية .
(١) المبسوط السرخسي ٥٠/٣، وبدائع الصنائع ٥٣/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٥٣/٢، والمنتقى للباجي ١٧٦/٢ ،
والمغني لابن قدامة ٢٢٢/١٣، والهداية مع الفتح
٣٥٩/٢، ٥٢/٦ __ ٥٤، ورد المحتار ٢٠٠/٤.
أما إذا مات في أثناء الحول، فلا تؤخذ من
تركته عند الحنابلة، لأنها لا تجب قبل كمال
الحول .
وعند الشافعية: لا تسقط، ويؤخذ من
تركته قسط ما مضى، لأنها كالأجرة(١) .
هـ - الكفارات الواجبة وفدية الصوم
والحج وجزاء الصيد:
٥٦ _ اختلف الفقهاء في تأثير الموت على
الكفارات المالية الواجبة على الإِنسان إذا
مات قبل أدائها، ككفارة اليمين وكفارة القتل
الخطأ وكفارة الظهار وكفارة الإفطار في
رمضان عمداً، وكذا ما يلزمه من فدية الصوم
والحج وجزاء الصيد إذا مات قبل إخراجها
وذلك على ثلاثة أقوال :
الأول: للشافعية والحنابلة، وهو أن،
الكفارات ونحوها من الواجبات المالية كفدية
الصيام والحج وجزاء الصيد لا تسقط بموت
من وجبت عليه قبل أدائها وتخرج من رأس
ماله، أوصى بها أو لم يوص(٢).
(١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ١٣٠، وكشاف القناع
١٢٢/٣، والمغني ٢٢٢/١٣، ونهاية المحتاج
٨٨/٨، ٨٩، وأسنى المطالب ٢١٦/٤، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ١٤٥ .
(٢) نهاية المحتاج ٥/٦، ٦، والمجموع ٢٣١/٦، ٣٣٢، =
- ٢٨٥ -

مَوْت ٥٦ - ٥٧
وكذلك نصَّ الشافعية على أن من وجبت
عليه فدية الصوم وهو موسر، فمات قبل أدائها
فإنها تخرج من تركته، وأن المتمتع إذا مات
في أثناء الحج أو بعد الفراغ منه، وهو واجد
للهدي، ولم یکن أخرجه بعد، فيجب إخراجه
من تركته على المعتمد في المذهب، كسائر
الديون المستقرة (١) .
الثاني: للحنفية، وهو أن الكفارات تسقط
بالموت في أحكام الدنيا، إلاّ إذا أوصى بها
قبل وفاته، فحينئذٍ تخرج من الثلث كسائر
الوصايا، وما زاد منها على الثلث يتوقف على
إجازة الورثة، فإن أجازوه نفذ وإن رڈُوه بطل .
وكذا الحكم بالنسبة لفدية الصوم والحج
وجزاء الصيد(٢).
الثالث: للمالكية، وهو أن الشخص إذا
أشهد في صحته على الكفارات الواجبة عليه
أنها بذمته، وأنه لم يفرِّط في أدائها، فإنها
بموته تخرج من رأس ماله، سواء أوصی بها
أو لم یوص .
وأما إذا فرَّط في أدائها حتى مات، ولم
وكشاف القناع ٣٥١/٤، ٤٠٤، والقواعد لابن رجب
ص ٣٤٤.
(١) المجموع شرح المهذب ٢٥٩/٦، ١٩١/٧، ١٩٢.
(٢) بدائع الصنائع ٥٣/٢، وفتح القدير ٣٥٨/٢، ٣٥٩،
ورد المحتار ٦/ ٧٦٠.
یشهد في صحته أنها بذمته، ولکنه أوصى بها،
فإنها تخرج من ثلث ماله، وكذا الحكم في
فدية الحج وجزاء الصيد .
أما إذا لم يوص بها، ولم يشهد أنها بذمته،
فلا يجبر الورثة على إخراجها من التركة
أصلاً.
وأما الهدي الواجب على المتمتع في
الحج، فإنه يخرج من رأس المال إذا مات
المتمتع بعد رمي جمرة العقبة، سواء أوصى
بذلك أم لا. وإذا مات قبل رمي جمرة العقبة
فلا شيء عليه إلاَّ إذا قلَّد الهدي، فيتعيَّن حينئذٍ
ذبحه، ولو مات قبل الوقوف بعرفة(١) .
و- نفقة الزوجة :
٥٧ - اتفق الفقهاء على وجوب نفقة الزوجة
على زوجها متى سلّمت نفسها إليه على الوجه
المطلوب شرعاً ولم تكن ناشزاً.
ولكنهم اختلفوا في ثبوتها ديناً في ذمته إن
لم يؤدها إليها، ووجوبها في تركته إذا مات
قبل الأداء، أو سقوطها بالموت قبله، وذلك
على ثلاثة أقوال:
الأول: للشافعية والحنابلة، وهو أن نفقة
الزوجة تكون على زوجها - حتى لو كان
-
(١) حاشية الدسوقي ٤٣٣/١، ٤٠٨/٤، والخرشي
وحاشية العدوي ٢/ ٣٨١، ١٨٣/٨، ١٩٧.
- ٢٨٦ -

مَوْت ٥٧ _٥٨
معسراً - إذا لم تمنعه تمتعاً مباحاً، وتجب
ديناً في ذمته لها إذا لم يقم بواجب الإِنفاق
علیھا، وإن لم يصدر بها قضاء قاضٍ، ومن ثم
فإنها لا تسقط بموت الزوج قبل الأداء إليها،
بل تؤخذ من تركته كسائر الديون
المستقرة(١) .
الثاني: للحنفية، وهو أن النفقة الواجبة
على الزوج لزوجته لا تصير ديناً واجباً في ذمته
إلاَّ بالتراضي أو بقضاء القاضي.
وعلى ذلك فإن قضى بها القاضي وأمر
الزوجة بالاستدانة على الزوج، ففعلت، فإن
دين النفقة هذا لا يسقط بموت الزوج قبل
أدائه إليها .
أما إذا قضى بها، ولم يأمرها بالاستدانة،
فإنها تسقط بموته، لأنها صلة، والصِّلات
(٢)
تسقط بالموت قبل التسليم
الثالث: للمالكية، وهو أن النفقة الواجبة
على الزوج لزوجته لا تلزمه في حال إعساره،
وما أنفقته الزوجة على نفسها في تلك الفترة
(١) نهاية المحتاج ٧/ ١٩١، ٢٠١، وأسنى المطالب
٤٣٠/٣، ٤٣٢، والمهذب ١٦٥/٢، والأم ٨٩/٥،
وكشاف القناع ٤ / ٤٦٩، وشرح منتهى الإِرادات
٢٤٧/٣، ٢٥٧، والمغني ٣٦٦/١١، ٣٦٧، والمحرر
للمجد ابن تيمية ١١٥/٢ .
(٢) فتح القدير ٣٩٤/٤، ورد المحتار ٥٩٥/٣.
لا ترجع عليه بشيء منه، وإذا مات الزوج
على هذه الحال، فلا يجب لها في تركته شيء
من النفقة عن تلك المدة، لأنها كانت ساقطة
عنه خلالها .
أما إذا كان موسراً، فإنَّ ما تجمد عليه من
نفقة الزوجة في زمن اليسار، يكون ثابتاً في
ذمته کسائر الدیون، ولو لم يفرضه قاضٍ، ولا
يسقط بموته قبل أدائه، بل يؤخذ من تركته
كسائر ديون العباد، وتحاصص الزوجة فيه
سائر الغرماء(١) .
ز - نفقة الأقارب:
٥٨ - اختلف الفقهاء في ثبوت نفقة الأقارب
ديناً في ذمة من وجبت عليه لمن ثبتت له،
ووجوبها في تركته إذا مات قبل أدائها
لمستحقها، وذلك على قولين :
أحدهما: للحنفية والشافعية والحنابلة،
وهو أنَّ نفقة الأقارب تسقط بموت من وجبت
عليه قبل أدائها لمستحقها، لأنها صلة،
والصِّلات تبطل بالموت قبل التسليم، إلاّ إذا
فرضها القاضي وأمر باستدانتها عليه، ففعل
المستحق، فعندئذٍ تصير ديناً في ذمة من
لزمته، ولا تسقط بموته قبل الأداء، بل تؤخذ
(١) الخرشي ٢٧٣/٥، ومنح الجليل ١٣٦/٣.
- ٢٨٧ -

مَوْت ٥٨ - ٦٠
من تركته كسائر ديون العباد، حيث إنها.
تأكدت بفرض الحاكم وأمره بالاستدانة(١) .
الثاني: للمالكية، وهو أن متجمد نفقة
الأقارب يسقط بموت من لزمته قبل أدائها إلاّ
إذا حكم بها حاكم، أو أنفق شخص على من
وجبت له غير قاصد التبرع عليها بها، وكان
من وجبت عليه موسراً، فعندئذٍ تصير ديناً في
ذمته، ولا تسقط بموته قبل الأداء، بل تؤخذ
من تركته كسائر الديون الثابتة للآدميين(٢).
ح - الدية الواجبة على العاقلة:
٥٩ - اتفق الفقهاء على أن دية القتل الخطأ
تجب على العاقلة منجمةً على ثلاث سنين .
ولكنهم اختلفوا فيما إذا مات أحد ممن
وجبت عليه من العاقلة قبل الأداء، فهل تسقط
عنه، أم تكون ديناً في تركته، وذلك على ثلاثة
أقوال :
الأول: للشافعية والحنابلة، وهو أن من
(١) فتح القدير ٤٢٥/٤، ورد المحتار ٦٢٥/٣، وزاد
المعاد ٥٠٥/٥ (ط. مؤسسة الرسالة)، وشرح منتهى
الإِرادات ٢٤٧/٢، ٢٥٧، والإنصاف ٩/ ٤٠٣،
وكشاف القناع ٤٨٤/٥، والمحرر ١١٥/٢، وتحفة
المحتاج ٣٤٩/٨ ونهاية المحتاج ٢١٠/٧، ٢١١،
وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٣/ ٤٤٤ .
(٢) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٤/ ٢٠٤، ٢٠٥،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢/ ٥٢٤ .
مات من العاقلة بعد الحول وكان موسراً،
استقرت الدية عليه، وأخذت من تركته مقدمة
على الوصايا والميراث، وأما إذا مات في أثناء
الحول، أو مات معسراً، فلا يلزمه شيء منها .
الثاني: لأبي حنيفة، وهو أن من مات من
العاقلة قبل الحول أو بعده، فلا يجب في
تركته شيء مما ضرب عليه من الدية، وذلك
لأنه إن مات قبل الحول، فلا شيء عليه، إذ
هي مال يجب في آخر الحول على سبيل
المواساة، فأشبه الزكاة، وإن مات بعد
الحول، فلا يلزمه شيء أيضاً، لأنه بالموت
خرج عن أهلية الوجوب.
الثالث: للمالكية، وهو أن ما ضرب على
فرد من العاقلة، وكان مستوفياً لشروطه حين
لزمه، فإنه لا يسقط بموته، بل يكون ديناً
یقضی من ترکته، وحتی ما کان مؤجلاً منه،
فإنه يحلُّ بموته(١) .
ط _ الفعل الضار:
٦٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من ألحق
بغيره ضرراً يستوجب ضماناً مالياً، فإنه يكون
ديناً في ذمته، فإذا مات قبل تأديته، فإنه
(١) المغني ٤٧/١٢، ونهاية المحتاج ٣٥٤/٧، وأسنى
المطالب ٨٦/٤، وحاشية الدسوقي ٢٥٣/٤،
والخرشي ٨/ ٤٧ .
- ٢٨٨ -

مَوْت ٦٠-٦١
لا يسقط بوفاته، بل يجب في تركته مقدماً
على الوصايا والمواريث، سواء أوصى به أو
لم یوص، کسائر دیون الآدمیین.
وللتفصيل انظر مصطلح (دين ف ٢٠).
ثانياً - الالتزامات غير المالية :
أ- الحج الواجب:
٦١ - اختلف الفقهاء فيمت مات بعد ما وجب
علیه الحج، ولم یحج بعد التمكن من أدائه،
هل يسقط عنه الحج بموته أم لا؟ وذلك على
قولين :
أحدهما: للحنفية وهو المذهب عند
المالكية، وهو أنه يسقط عنه الحج بموته في
الأحكام الدنيوية، ولا يلزم ورثته، ولا يؤخذ
من تركته شيء لأجل الحجّ عنه، إلاّ إذا أوصى
بذلك، فحينئذٍ ینفذ في حدود الثلث كسائر
الوصايا، وهو قول الشعبي والنخعي(١).
وحجتهم على ذلك أن العبادات لا ينوب
فيها أحد عن أحد، فلا يصلي شخص عن
آخر، وكذلك الحج، وهو مدلول قوله عز
وجل: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلّإِنْسَنِ إِلََّ مَا سَعَى﴾(٢) .
(١) فتح القدير ٣٥٩/٢، والخرشي ٢٩٦/٢، والموافقات
١٧٤/٢، ١٧٥، وبداية المجتهد ٣٢٠/١، والمغني
٣٨/٥، والمبسوط للسرخسي ٢٧/ ١٤٦.
(٢) سورة النجم / ٣٩.
أما من أمر بالحج عنه أو أوصى به، فإنه
یکون له فیه سعي .
والثاني: للشافعية والحنابلة، وهو أنَّ
الحج لا يسقط عنه بالموت، ويجب قضاؤه
من جميع تركته، أوصى بذلك أو لم يوص،
وعلى ذلك فيلزم وارثه أن يحج عنه من تركته،
أو يستأجر من يحج عنه إن كان له تركة.
أما إذا لم يترك شيئاً، فإن الحج يبقى في
ذمته ولا يلزم وارثه شيء، وهو قول الحسن
وطاووس(١).
واستدلوا على ذلك بما روى بريدة
رضي الله عنه أن امرأة أتت النبي وَ لّه فقالت:
((إن أمي ماتت ولم تحج قط، أفأحج عنها،
قال: حجي عنها)»(٢)، وما ورد عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن رجلاً قال: ((يا رسول الله
إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال:
أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟
قال: نعم. قال: فدين الله أحق))(٣)، وأيضاً
بأن الحج حقٌّ مستقر عليه، وقد لزمه في حال
(١) المجموع ١٠٩/٧، ١١٠، والمغني ٣٨/٥، والقواعد
لابن رجب ص ٣٤٤.
(٢) حديث: ((إن أمي ماتت ولم تحج ... ))، أخرجه مسلم
(٨٠٥/٢ - ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((إن أبي مات ولم يحج ... )).
أخرجه النسائي (١١٨/٥ - ط المكتبة التجارية
الكبرى).
- ٢٨٩ -

مَوْت ٦١ - ٦٣
الحياة، وهو حق تدخله النيابة، فلم يسقط
بالموت کدین الآدمي.
ب - الصلاة الواجبة :
٦٢ - اتفق الفقهاء عل أنَّ من مات وعليه
صلاة واجبة، سقطت عنه في أحكام الدنيا
بموته، لأن الصلاة عبادة بدنية محضة، فلا
ينوب أحد عن الميت في أدائها، لأن
المقصود من العبادات - كما يقول
الشاطبي - الخضوع لله والتوجه إليه والتذلل
بين يديه والانقياد تحت حكمه وعمارة القلب
بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه
حاضراً مع الله ومراقباً له غير غافل عنه، وأن
یکون ساعياً في مرضاته وما يقرب إليه على
حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود
وتضادُّه، لأن معنى ذلك أن لا يكون العبد
عبداً ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعاً
ولا متوجهاً إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا
قام غيره في ذلك مقامه، فذلك الغير هو
الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه
ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية،
والاتصاف لا يعدو المتصف به ولا ينتقل عنه
إلى غيره(١).
(١) الموافقات ١٦٧/٢، وفتح القدير ٣٥٩/٢، ٣٦٠،
والمجموع ٣٧٢/٦، ونهاية المحتاج ٢/ ١٨٧ ،=
غير أن الحنفية قالوا: إذا أوصى من عليه
صلوات فائتة بالكفارة، فيلزم وليه - وهو من
له ولاية التصرف في ماله بولاية أو وراثة -أن
يعطي عنه لكل صلاة نصف صاع من بُرِّ
کالفطرة، وذلك من ثلث ماله کسائر الوصايا،
فإن لم يوص بذلك سقطت عنه تلك الصلوات
في حق أحكام الدنيا للتعذر(١)، وقال بعض
الشافعية - على خلاف المشهور في
المذهب - يطعم الولي عن كل صلاة فائتة
ت(٢) .
ج- الصوم الواجب:
٦٣ - الصوم الواجب شرعاً على صنوف،
فمنه ما يجب محدداً بزمان معین، کصوم شهر
رمضان من كل عام، ومنه ما يجب بناء على
اعتبارات أخرى كصوم الكفارات بأنواعها
- ككفارة اليمين والظهار - وصوم جزاء
الصيد والحلق والمتعة في الحج، ومنه ما
يجب على سبيل البدل، کقضاء رمضان،
ومنه ما یجب بغير ذلك.
وقد ذهب أكثر أهل العلم - كما قال ابن
قدامة - إلى أنَّ من وجب عليه الصوم بأحد
والمنتقى ٦٣/٢، وبداية المجتهد ٣٢٠/١، وإعلام
=
الموقعین ٤/ ٣٩٠.
(١) رد المحتار ٢٣٧/١.
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ١٨٨/٣.
- ٢٩٠ -

مَوْت ٦٣ -٦٤
الأسباب المشار إلیھا، فلم یتمکن من أدائه إما
لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر
أو عجز عن الصوم، ودام عذره إلى أن مات،
فلا شيء عليه شرعاً، ولا يجب على ورثته
صيام ولا في تركته إطعام، ولا غير ذلك(١).
٦٤ - أما إذا كان متمكناً من الصيام، لكنه لم
يؤده حتى مات، فقد اختلف الفقهاء في
سقوطه عنه بالموت علی قولین.
القول الأول: للحنفية والشافعية في
الجديد والمالكية والحنابلة، وهو أن من مات
وعليه صوم رمضان أو كفارة أو نحوهما من
الصوم الواجب، سقط عنه الصوم في الأحكام
الدنيوية، فلا يلزم وليه أن يصوم عنه، لأن
فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فلا ينوب
أحد عن أحد فيه(٢).
وقد اختلف أصحاب هذا الرأي فيما يجب
على الولي في هذه الحالة على مذهبين .
المذهب الأول: للحنفية والمالكية، وهو
أنه لا يجب على الولي أو الورثة أن يطعموا
(١) المغني ٣٩٨/٤، والمجموع ٣٦٨/٦، ٣٦٩،
والمبسوط ٨٩/٣، ٩٠.
(٢) فتح القدير والعناية ٣٥١/٢، ٣٥٢، ٣٥٨، ٣٥٩،
والمجموع ٣٦٨/٦ -٣٧٢، والمغني ٣٩٨/٤،
ونهاية المحتاج ١٨٤/٣، وبداية المجتهد ٢٩٩/١،
وإعلام الموقعين ٣٩٠/٤، والمنتقى ٦٣/٢.
عنه شيئاً إلاّ إذا أوصى بذلك، فإن أوصى به،
فإنه يخرج من ثلث التركة كسائر الوصايا.
المذهب الثاني: للحنابلة والشافعية في
المشهور من المذهب، وهو أنه يجب على
الولي أن يطعم عنه لكل يوم مسكيناً، سواء
أوصى بذلك أو لم يوص، وهو مروي عن
عائشة وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال
الليث والأوزاعي والثوري، وابن عليَّة
وأبو عبيد وغيرهم(١) .
والقول الثاني: للشافعي في القديم، وهو
أن من مات وعليه صوم واجب، صام عنه وليه
على سبيل الجواز دون اللزوم، مع تخيير
الولي بين الصيام عنه وبين الإِطعام (٢).
واحتجوا على ذلك بما ورد عن عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله وَله :
((من مات وعليه صيام صام عنه
وليه))(٣)، وما روى بريدة رضي الله عنه ((أنَّ
(١) المغني ٣٩٨/٤، وبداية المجتهد ٢٩٩/١، ٣٠٠،
والمجموع ٣٦٨/٦، ٣٦٩، ٣٧١، والمنتقى ٦٣/٢،
وفتح القدير مع العناية ٢/ ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٥٧، ٣٥٨،
والموافقات ٢ /١٧٤ .
(٢) المجموع ٣٦٨/٦، ٣٦٩، ٣٧٢، والمغني ٣٩٨/٤،
ونهاية المحتاج ١٨٤/٣.
(٣) حديث عائشة: ((من مات وعليه صيام ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٤ /١٩٢ - ط السلفية) ومسلم
(٨٠٣/٢ - ط عيسى الحلبي).
- ٢٩١ -

مَؤْت ٦٤ _٦٦
امرأة أتت النبي وَلّ فقالت: إن أمي ماتت،
وكان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال:
صومي عنها))(١)، وما روى ابن عباس
رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى
رسول الله وَ ي فقال: يا رسول الله إن أمي
ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟
فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه
عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحقّ أن
يقضى))(٢) .
أثر الموت على الالتزامات الثابتة باختيار
المكلف :
الالتزام الاختياري للمكلف هو ما يثبت
بإرادته واختياره، وهذا الالتزام قد يكون أثراً
لتعاقد وارتباط تمَّ بين إرادة شخصين، وقد
يكون أثراً لعهد قطعه على نفسه بإرادته
المنفردة .
أولاً - الالتزامات العقدية التي تنشأ بإرادة
طرفين :
٦٥ _ ومنشأ هذه الالتزامات العقد، الذي هو
عبارة عن ارتباط الإِيجاب الصادر من أحد
(١) حديث بريدة: ((إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ... )).
أخرجه مسلم (٨٠٥/٢ - ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه .. )).
سبق تخريجه ف ٥٢ .
العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في
المعقود عليه(١) .
والالتزامات الناشئة عن العقود على ثلاث
أقسام، التزامات ناشئة عن عقود لازمة من
الجانبين، والتزامات ناشئة عن عقود جائزة
(غير لازمة) من الجانبين، والتزامات ناشئة
عن عقود لازمة من جانب واحد، وبيان ذلك
فيما يلي :
القسم الأول: العقود اللازمة من
الجانبين :
أ-البيع:
٦٦ - لم يختلف الفقهاء في أن البيع متی لزم،
فإن ما ينشأ عنه من التزام على أحد العاقدين
تجاه الآخر لا يسقط ولا يبطل بموته، فإذا مات
البائع قام ورثته بإیفاء ما علیه من التزامات تجاه
المشتري، وإذا مات المشتري قام ورثته بتنفيذ
ما عليه من واجبات والتزامات تجاه البائع،
وذلك في حدود ما ترك(٢) . قال ابن قدامة: وإن
مات المتبايعان، فورثتهما بمنزلتهما، لأنهم
يقومون في أخذ مالهما وإرث حقوقهما،
(١) مرشد الحيران م ٢٦٢ .
(٢) تكملة فتح القدير ٧/ ٢٠٤، والمجموع للنووي
٢١١/٩، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٤، والمغني
لابن قدامة ٢٨٦/٦ .
- ٢٩٢ -

مَوْت ٦٦ - ٦٧
فكذلك ما يلزمهما أو يصير لهما(١).
وللتفصيل (ر: عقد ف ٦١).
٦٧ - وقد استثنى الفقهاء من ذلك ما إذا مات
أحد العاقدين مفلساً، وأوردوا تفصيلاً في أثر
ذلك على الالتزامات الناشئة عن عقد البيع،
وإن كان بينهم ثمة اختلاف في الفروع
والجزئيات، وبيان ذلك فيما يلي:
أ- إذا اشترى شخص شيئاً، ثم مات مفلساً
بعد أداء ثمنه للبائع، فالمبيع ملکه خاصة،
سواء قبضه من البائع أو لم يقبضه، وهذا
باتفاق الفقهاء .
ب - أما إذا مات مفلساً قبل تأدية الثمن،
فينظر :
فإن لم يكن المشتري قد قبض المبيع،
فقال الحنفية: للبائع أن يحبسه حتى يستوفي
ثمنه من تركة المشتري أو يبيعه القاضي
ويؤدي للبائع حقَّه من ثمنه، فإن زاد الثمن عن
حق البائع يدفع الزائد لباقي الغرماء، وإن
نقص عن حق البائع أخذ البائع الثمن الذي بيع
به، ويكون في الباقي أسوة الغرماء(٢).
(١) المغني ٢٨٦/٦ .
(٢) رد المحتار ٥٦٤/٤، والحجة على أهل المدينة لمحمد
ابن الحسن ٢/ ٧١٥، وانظر: م ٤٦٤ من مرشد الحيران
وم ٢٩٦ من المجلة العدلية .
وقال المالكية: يكون البائع أحقّ به أي أن
له فسخ العقد واستيفاء المبيع لنفسه (١) .
أما إذا كان المشتري قد قبض المبيع، فهل
يكون للبائع أن يسترده فيحبسه إن كان باقياً
بعينه، ويكون أحق به من غيره من أرباب
الحقوق على المشتري كما لو كان باقياً في
يده، أم يصير البائع بقبض المشتري له قبل
موته مثل باقي الغرماء؟ اختلف الفقهاء في
ذلك على قولين :
القول الأول: للحنفية والمالكية
والحنابلة، وهو أنه ليس للبائع بعد أن قبض
المشتري المبيع استرداده، بل يكون أسوة
الغرماء، فيقسمونه جميعاً (٢)، واحتجوا على
ذلك بما روي عن النبي وَلّ أنه قال: ((أيما
رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم
يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فوجد متاعه
(١) حاشية الدسوقي ٢٥٤/٣، وحاشية العدوي على
الخرشي ٢٨١/٥ .
(٢) رد المحتار ٤ /٥٦٤، والحجة على أهل المدينة
٧١٥/٢، وبدائع الصنائع ٢٥٢/٥، وانظر م ٤٦٣ من
مرشد الحيران وم ٢٩٥ من المجلة العدلية، وشرح
ميارة على التحفة ٢/ ٢٤٢، والتاودي على التحفة
٣٣٣/٢، والنووي على مسلم ٢٢٢/١٠، والإِفصاح
لابن هبيرة ص ٢٤٢، وكشاف القناع ٣٥٥/٣، ومعالم
السنن للخطابي ١٥٩/٣، والقوانين الفقهية
ص ٣٤٨.
- ٢٩٣ -

مَوْت ٦٧-٦٨
....
بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري،
فصاحب المتاع أسوة الغرماء))(١) .
القول الثاني: للشافعية وهو أن البائع
بالخيار: إن شاء ترك المبيع وضارب الغرماء
بثمنه، وإن شاء استردَّه، وكان أحقَّ به من
سائر الغرماء(٢) وذلك لما روى أبو هريرة
رضي الله عنه ((أن النبي ◌َّ قضى: أيما رجل
مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقُ بمتاعه إذا
وجده بعينه))(٣) .
ج - أما إذا مات البائع مفلساً بعد قبض
الثمن وقبل تسليم المبيع للمشتري، ففي هذه
الحالة نصَّ الحنفية والمالكية على أنَّ
المشتري يكون أحقَّ بالمبيع من سائر الغرماء،
لأنه ليس للبائع حقُّ حبسه في حياته، بل
(١) حديث: ((أيما رجل باع ... )).
أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٠ - ط عيسى الحلبي) من
حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو داود (٧٩١/٣ -
٧٩٢ - ط حمص) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام مرسلاً، واللفظ لأبي داود.
(٢) النووي على مسلم ٢٢٢/١٠، ومعالم السنن للخطابي
١٥٩/٣، ونهاية المحتاج ٣٢٥/٤، وأسنى المطالب
وحاشية الرملي عليه ٢/ ١٩٤ .
(٣) حديث: ((أن النبي (وَ ل﴿ قضى أيما رجل مات ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٠ - ط عيسى الحلبي).
وأخرجه كل من البخاري (فتح الباري ٥/ ٦٢ -
ط السلفية)، ومسلم (١١٩٣/٣ - ط عيسى الحلبي)
بلفظ مقارب.
للمشتري جبره على تسليمه إليه ما دامت عينه
قائمة، فيكون له أخذه بعد موت البائع أيضاً،
إذ لا حقَّ للغرماء فيه بوجه، لأنه أمانة عند
البائع - وإن كان مضموناً بالثمن لو هلك
عنده ۔۔ وعلی هذا كان له أخذه إن كانت عينه
باقية أو استرداد ثمنه إن كان قد هلك عند
البائع أو عند ورثته(١). وانظر مصطلح
(إفلاس ف ٣٧).
ب- السَّلَم:
٦٨ _ لا خلاف بين الفقهاء في أن رب السلم
إذا مات بعد تأدية رأس مال السلم، فإن
المسلم فيه يكون ديناً له في ذمة المسلم إليه،
ويقوم ورثته مقامه في استيفائه منه كسائر
ديونه المؤجلة .
ولكن إذا مات المسلم إليه قبل حلول زمن
الوفاء، فهل يبطل الأجل بموته، ویحُّ دین
السلم، أم أنه يبقى كما هو إلى وقته؟ اختلف
الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والشافعية، وهو أن الأجل يبطل
بموت المسلم إليه، ويحل دين السلم، ويلزم
(١) رد المحتار ٥٦٤/٤، والمنتقى للباجي ٩١/٥، وانظر:
م ٤٦٥ من مرشد الحيران وم ٢٩٧ من المجلة
العدلية .
- ٢٩٤ -

مَوْت ٦٨
تسليمه من تركته حالاً إلى رب السلم إذا كان
موجوداً .
أما إذا لم يكن متوفراً في وقت الحلول
الطارىء بموت المسلم إليه فقد اختلفوا: هل
يُفسخ عقد السلم لذلك أم لا؟ وعلى تقدير
عدم الفسخ، هل توقف قيمة المسلم فيه من
التركة إلى الوقت الذي يوجد فيه عادة أم لا؟
فقال الحنفية: يؤخذ من التركة حالاً لأن
من شروط صحة السلم وجود المسلم فيه في
الأسواق من وقت العقد إلى محل الأجل
عندهم، وذلك لتدوم القدرة على تسليمه، إذ
لو لم يشترط ذلك، ومات المسلم إليه قبل أن
يحلَّ الأجل، فربما يتعذر تسليم المسلم فيه،
فيؤول ذلك إلى الغرر(١) .
وقال المالكية: إن المسلم فيه يحل بموت
المسلم إليه كما هو الشأن في حلول سائر
الديون المؤجلة بموت المدين، وفي هذه
الحالة فإن المسلم فيه يجب تسليمه من
التركة، إلاّ أنه إذا كان موت المسلم إليه قبل
محل أجله، ولم يكن المسلم فيه موجوداً في
الأسواق، فإنه يوقف تقسيم التركة إلى الوقت
الذي یغلب وجوده فيه.
(١) رد المحتار ٢٠٦/٤، والبحر الرائق ١٧٢/٦، وبدائع
الصنائع ٢١٣/٥.
قال الحطاب: إذا مات المسلم إليه قبل
وقت الإِبان، أي وقت وجود المسلم فيه
عادةً، فإنه يجب وقف قسم التر كة إليه .
وقال ابن رشد: إنما يوقف إن خيف أن
يستغرق المسلم فيه كل التركة، فإن كان أقل
من التركة وقف قدر ما يرى أن يفي بالمسلم
فيه، وقسم ما سواه، وهذا خلافاً لما يراه
أشهب، فإنه يرى أن القسم لا يجوز إذا كان
على الميت دين، وإن كان يسيراً.
وقال ابن عبد السلام: إن كان على المسلم
إليه ديون أخرى قسمت التركة عليه، ويضرب
للمسلم قيمة المسلم فيه في وقته على ما
يعرف في أغلب الأحوال من غلاء ورخص .
وقال بعضهم تتميماً لقول ابن عبد السلام
بأنه يوقف للمسلم ما صار له في المحاصَّة
حتى يأتي وقت الإِبان، فيشترى له ما أسلم
فيه، فإن نقص عن ذلك أتبع بالقيمة ذمة
الميت إن طرأ له مال، وإن زاد لم يشتر له إلاَّ
قدر حقه، وتترك البقية إلى من يستحق ذلك
من وارث أو مديان(١).
وقال الشافعية في الأصح: إذا كان المسلم
فيه موجوداً في الأسواق فيجب تحصيله
(١) مواهب الجليل ٤ / ٥٣٥، وانظر البهجة شرح التحفة
١٥٧/٢، ١٥٨.
- ٢٩٥ -

مَوْت ٦٨ _ ٦٩
وتسليمه لربِّ السلم وإن غلا وزاد على ثمن
مثله، أما إذا لم يكن موجوداً فيها، فيثبت
للمسلم الخيار بين الفسخ والصبر حتى يوجد
المسلم فيه دفعاً للضرر، ولا ينفسخ العقد
- كما لو أفلس المشتري بالثمن - لأن المسلم
فيه يتعلق بالذمة، وهي باقية، والوفاء في
المستقبل ممكن، والقول الآخر عند الشافعية
ينفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل القبض(١).
القول الثاني: للحنابلة في المعتمد، وهو
أنَّ الأجل لا يحل بموت المدين إذا وثَّقه
الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقل
الأمرين من قيمة التركة أو الدين، ولا يوقف
شيء من تركة المسلم إليه لأجل دين السلم.
فإن لم يوثق بذلك حلَّ، لأن الورثة قد
لا یکونون أملیاء، ولم يرض بهم الغریم،
فيؤدي ذلك إلى فوات الحقِّ(٢).
ج- الإِجارة:
٦٩ - اختلف الفقهاء في تأثير موت المؤجر
في إجارة الأعيان والأجير في إجارة الأعمال
على ما التزم به في عقد الإِجارة، وذلك على
قولين :
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ١٨٩/٤،
١٩٠، وفتح العزيز ٩/ ٢٤٥، وأسنى المطالب ١٢٧/٢.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٨٦/٢، والمغني ٦/ ٤٠٧،
٥٦٨، والإنصاف ٣٠٧/٥، والمبدع ٣٢٦/٤.
القول الأول: المالكية والشافعية
والحنابلة، وهو أن ما التزم به المؤجر لا يبطل
بموته، لأن الإِجارة لا تنفسخ بالموت، بل
تبقى على حالها، لأنها عقد لازم فلا ينفسخ
بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه، ولذلك
تبقى العين عند المستأجر حتى يستوفي منها ما
تبقى له من المنفعة، وليس لورثة المؤجر أن
يمنعوه من الانتفاع بها، وهو قول إسحاق
والبتي وأبي ثور وابن المنذر(١).
وأما ما التزم به الأجير من العمل: فإما أن
یکون مرتبطاً بعينه وذاته، کما إذا قال له:
استأجرتك أو اكتريتك لتعمل كذا أو لكذا
أو لعمل كذا، أو يكون مرتبطاً بذمة الأجير،
کما إذا استأجره لأداء عمل معین یلزم ذمته،
مثل أن يلزمه بحمل كذا إلى مكان كذا
أو خياطة كذا دون أن يشترط عليه مباشرته
بنفسه، وذلك ما يسمى في الاصطلاح الفقهي
بإجارة الذمة .
فإن كان الالتزام مرتبطاً بعين الأجير وذاته،
(١) الأم ٢٥٥/٣ -٢٥٦، والقليوبي وعميرة ٨٤/٣،
ونهاية المحتاج ٣١٣/٥، ٣١٤، وبداية المجتهد
٢٢٩/٢، والمغني ٤٣/٨ -٤٤، وكشاف القناع
٢٩/٤ -٣١، ٣٤، والبهجة ١٧٨/٢، ١٨١، وأسنى
المطالب ٤٣١/٢ - ٤٣٢، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٧،
٢٨، والخرشي ٧/ ٣٠.
- ٢٩٦ -

مَوْت ٦٩ - ٧٠
فإنه يسقط وينتهي بموت الأجير لانفساح عقد
الإِجارة بموته نظراً لفوات محلّ المنفعة
المعقود عليها واستحالة إكمال تنفيذ العقد
فيما يتعلق بالمدة المتبقية، أما فيما مضى من
الزمن فلا يسقط حقّ الأجير فيما يقابله من
أجر، وذلك لاستقراره بالقبض .
وأما إذا كان الالتزام موصوفاً في ذمة
الأجیر، فإنه لا يسقط بموته، وينظر: إن كان
له تركة استؤجر منها من يقوم بإكمال وتوفية
التزامه، لأنه دين عليه. وإن لم يكن له تركة،
ولم يرغب ورثته في إتمام ذلك العمل
الموصوف في ذمته ليستحقوا الأجر، فإنه
يثبت للمستأجر حق الفسخ لموت الملتزم
مفلساً (١).
القول الثاني: للحنفية والثوري والليث،
وهو أن الإِجارة تنفسخ بموت المؤجر لأعيانه
والأجير على عمله، سواء مات قبل تنفيذ
العقد أو في أثنائه، لأن استيفاء المنفعة على
ملك المؤجر يتعذر بالموت، فينفسخ العقد
ضرورة، وينتهي التزام كل من المؤجر
والأجير(٢).
(١) انظر المراجع السابقة .
(٢) المبسوط ١٥٣/١٥ - ١٥٤، ٥/١٦، وتكملة فتح
القدير ١٤٥/٩، ورد المحتار ٦// ٨٣، وبداية المجتهد
٢٢٩/٢ -٢٣٠، والمغني ٨/ ٤٣ .
غير أن الحنفية استثنوا بعض الحالات
الخاصة، وقالوا إن الإِجارة فيها لا تنفسخ
بموت المؤجر ضرورة، وهي :
أ - إذا مات المؤجر قبل انقضاء المدة،
وفي الأرض المستأجرة زرع بقل، أي لم
ينضج بعد، فيبقى العقد ولا ينفسخ بموته
حتى يدرك الزرع، ويكون الواجب عندئذٍ
الأجر المسمى إلى نهاية مدة العقد، وبعد
انقضاء المدة أجر المثل حتى يدرك.
ب - إذا استأجر دابة إلى مكان معيَّن،
فمات صاحب الدابة وسط الطريق، فإن
للمستأجر أن يركب الدابة إلى المكان المسمى
بالأجر إذا لم يجد دابة أخرى يصل بها أو لم
يكن هناك ثمة قاضٍ يرفع الأمر إليه، ولا
ينفسخ العقد بموت صاحب الدابة(١). وانظر
التفصيل في (إجارة ف ٥٩ - ٧٢).
د - المساقاة :
٧٠ - اختلف الفقهاء في تأثير الموت على
الالتزامات المترتبة على عقد المساقاة،
سواء في ذلك ما التزم به صاحب الشجر
أو النخل بتمكين العامل من القيام بسقيه
(١) بدائع الصنائع ٢٢٢/٤ - ٢٢٣، ورد المحتار ٨٣/٦،
٨٤، ٨٥، والفتاوى الخيرية ١٣١/٢، والعناية على
الهداية ٩ / ١٤٥ .
- ٢٩٧ -

مَوْت ٧٠
وإصلاحه، أو ما التزم به العامل من تعهد
الشجر وعمل سائر ما يحتاج إليه، وذلك على
ثلاثة أقوال :
القول الأول: المالكية والشافعية وبعض
الحنابلة، وهو أن عقد المساقاة لا ينفسخ
بموت أحد طرفيه، سواء كان ذلك قبل بدء
العمل أو في أثنائه، لأنه عقد لازم، فأشبه
الإِجارة، ويقوم الوارث مقام الميت منهما.
وعلى ذلك.
فإن كان الميت عامل المساقاة، كان لورثته
أن يقوموا مقامه في إتمام العمل إذا كانوا
عارفين بالعمل أمناء، ويلزم المالك أو ورثته
تمكينهم من العمل إن كانوا كذلك. فإن أبى
الورثة القيام بذلك العمل لم يجبروا عليه،
لأن الوارث لا يلزمه من الحقوق التي على
مورثه إلاَّ ما أمكن أداؤه من تركته، والعمل
ههنا ليس من هذا القبيل، وفي هذه الحالة
يستأجر الحاكم من التركة من يقوم بالعمل،
لأنه دین علی الميت، فأشبه سائر الديون،
فإن لم يكن هناك تركة، ولم يتبرع الورثة
بالوفاء، فلرب المال الفسخ، لتعذر استيفاء
المعقود عليه، كما لو تعذر ثمن المبيع قبل
قبضه .
وإن كان الميت ربَّ الشجر، لم تفسخ
المساقاة، ويستمر العامل في عمله، ويجب
على ورثة رب المال تمكينه من العمل
والاستمرار فيه وعدم التعرض له، وبعد تمام
العمل يأخذ حصته من الثمر بحسب ما اشترط
في العقد(١) .
القول الثاني: للحنفية، وهو أن المساقاة
تبطل بالموت، أي بموت رب الشجر
أو العامل، قبل بدء العمل أو في أثنائه، لأنها
في معنى الإِجارة، وهذا هو الأصل عندهم.
ثم فصَّلوا في المسألة فقالوا: إذا قام
العامل برعاية وسقاية الشجر، ولقحه حتى
صار بُشْراً أخضر، ثم مات صاحب الشجر،
فإن المساقاة تنتقض بينهما في القياس، ولكن
للعامل - استحساناً - أن يقوم برعاية الشجر
حتى يدرك الثمر، وإن کره ذلك ورثة ربّ
الشجر، لأن في انفساخ العقد بموت رب
الشجر إضراراً بالعامل وإبطالاً لما كان
مستحقاً له بالعقد، وهو ترك الثمار على
الأشجار إلى وقت الإِدراك، وإذا انتقض
العقد فإنه يكلف الجذاذ قبل الإِدراك، وفي
ذلك ضرر بالغ عليه، ولهذا لا تبطل المساقاة
(١) أسنى المطالب ٣٩٩/٢، ونهاية المحتاج وحاشية
الشبراملسي ٢٥٧/٥، وبداية المجتهد ٢/ ٢٥٠،
وحاشية الدسوقي ٤٨٨/٣، والمدونة ٢٧/١٢،
والمغني ٧/ ٥٤٢، ٥٤٦.
- ٢٩٨ -

مَوْت ٧٠
بموت رب الشجر في الاستحسان، فإن أبى
العامل أن يستمر في عمل الشجر وأصر على
قطعه وأخذه بسراً انتقض العقد، لأنَّ إبقاء
العقد تقديراً إنما كان لدفع الضرر عنه، فإذا
رضي التزام الضرر كان له ما اختار، غير أنه
لا يملك إلحاق الضرر بورثة رب الشجر،
فيثبت لهم الخيار على النحو التالي :
أ -أن يقسموا البسر على الشرط
المنصوص عليه في العقد الذي كان بين
مورثهم والعامل.
ب - أن يعطوا العامل قيمة نصيبه من
البسر .
ج - أن ينفقوا على البسر حتى يبلغ،
فيرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر.
وأما إذا مات عامل المساقاة في هذه الحالة
فإن العقد لا يبطل بموته استحساناً ويكون
لورثته أن يقوموا مقامه في تعهد الشجر
ورعايته، وإن كره رب الشجر، لأنهم قائمون
مقامه، إلاَّ أن يقول الورثة: نحن نأخذه بسراً،
وطلبوا نصيب مورثهم من البسر، ففي هذه
الحالة يكون لصاحب الشجر من الخيار مثل
ما قدمنا، وهو ما يكون لورثته إذا أبى العامل
أن يستمر في القيام على الشجر.
وأما إذا ماتا جميعاً، كان الخيار في القيام
عليه لورثة العامل، لأنهم يقومون مقامه، وقد
كان له في حياته هذا الخيار إذا مات صاحب
الشجر، فكذلك يكون لورثته بعد موته، فإن
أبوا ذلك كان الخيار لورثة رب الشجر على ما
قدمنا في الوجه الأول(١) .
القول الثالث: للحنابلة على المذهب،
وهو أن المساقاة تنفسخ بموت أحد العاقدين،
فإذا مات العامل أو رب الشجر انفسخت
المساقاة، كما لو فسخها أحدهما، بناءً على
قولهم أن عقد المساقاة من العقود الجائزة من
الطرفين.
ومتى انفسخت المساقاة بموت أحدهما
بعد ظهور الثمرة، فهي بينهما على ما شرطاه
في العقد، ويلزم العامل أو وارثه إتمام
العمل، فإن ظهرت ثمرة أخرى بعد الفسخ فلا
شيء للعامل فيها، وإذا انفسخت المساقاة
بموت أحدهما بعد شروع العامل في العمل
وقبل ظهور الثمرة، فله أجرة مثل عمله،
ويقوم وارث العامل بعد موته مقامه في الملك
والعمل، فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل،
لم يجبر، ويستأجر الحاكم من التركة من
يعمل، فإن لم تكن تركة، أو تعذر الاستئجار
(١) تكملة فتح القدير مع العناية ٩/ ٤٨١ - ٤٨٢، والفتاوى
الهندية ٢٨١/٥ -٢٨٢، وتبيين الحقائق للزيلعي
٢٨٥/٥، والمبسوط للسرخسي ٢٣ /٥٦.
- ٢٩٩ -

مَوْت ٧٠-٧١
منها بيع من نصيبه من الثمر الظاهر ما يحتاج
إليه لتكميل العمل، واستؤجر من يعمله(١).
هـــ المزارعة:
٧١ - يرى الحنفية والحنابلة أن المزارعة
تنفسخ بموت أحد العاقدين، سواء أكان
العامل أم رب الأرض، بناءً على أنَّ المزارعة
من العقود الجائزة من الطرفين عندهم (٢).
وللحنفية تفصيل في المسألة حيث قالوا:
إذا مات أحدهما قبل الزراعة، فإن المزارعة
تنفسخ، إذ ليس في ذلك إبطال مالٍ على
المزارع، ولا شيء له بمقابلة ما عمل.
أما إذا مات أحدهما بعد الزراعة فإن
المزارعة تبقى استحساناً، وذلك لدفع ما
يصيب أحدهما من ضرر، والقياس أنها
تبطل، ولكن تبقى حكماً إلى حصد الزرع.
وقد ذكر الكاساني: أن صاحب الأرض إذا
مات والزرع بقل، فإن العمل يكون على
(١) شرح منتهى الإرادات ٣٤٥/٢، وكشاف القناع
٥٣٨/٣ _٥٣٩، والمغني ٥٤٦/٧، وانظر المواد
١٩٦٥ - ١٩٦٨ من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب
أحمد .
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٤ - ١٨٥، والمبسوط السرخسي
٤٥/٢٣، والهداية بشروحها العناية وتكملة الفتح
٩/ ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٧، والمغني ٧ / ٥٤٦، ٥٦١،
وانظر شرح منتهى الإرادات ٣٤٥/٢ .
المزارع خاصةً، لأن العقد وإن كان قد انفسخ
حقيقة لوجود سببه وهو الموت، إلاّ أننا أبقيناه
تقديراً دفعاً للضرر عن المزارع، لأنه لو
انفسخ لثبت لصاحب الأرض حقّ القلع، وفيه
ضرر بالمزارع، فجعل ذلك عذراً في بقاء
العقد تقديراً، فإذا بقي العقد كان العمل على
المزارع خاصة كما كان قبل الموت.
وأما إذا مات المزارع والزرع بقل، فلورثته
أن يعملوا على شرط المزارعة، وإن
أبى ذلك صاحب الأرض، لأن في القطع
ضرراً بهم ولا ضرر بصاحب الأرض في الترك
إلى وقت الإِدراك، وإن أراد الورثة قلع الزرع
وترك العمل، لم يجبروا عليه، لأن العقد قد
انفسخ حقيقة، إلاَّ أنا أبقيناه باختيارهم نظراً
لهم، فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع
مشتركاً، ويخير صاحب الأرض: إما أن
يقسمه بالحصص، أو يعطيهم قيمة
حصصهم من الزرع البقل، أو أن ينفق على
الزرع من مال نفسه إلى وقت الحصاد ثم يرجع
عليهم بحصصهم، لأن في ذلك رعاية
(١)
للجانبين(١) .
(١) بدائع الصنائع ١٨٤/٦ - ١٨٥، والمبسوط للسرخسي
٤٥/٢٣، والهداية مع العناية وتكملة فتح القدير
٩/ ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٧.
- ٣٠٠ -