Indexed OCR Text

Pages 21-40

٠٠.
مَلاءة ١٢
إليه دينه، وذلك - كما يقول الشافعية - بأن
يشغله عن السفر برفعه إلى الحاكم ومطالبته
حتى يوفيه دينه، لأن أداء الدين فرض عين
بخلاف السفر، لكن قال الشافعية: إن استناب
من یو فیه عنه من مال الحاضر فلیس له منعه من
السفر(١).
أما إن كان الدين مؤجلاً، فقد ذهب
الحنفية والشافعية إلى أنه لا يجوز للغريم منع
المدين من السفر ما دام الدين مؤجلاً .
قال الكاساني: لا يمنع المدين من السفر
قبل حلول الأجل، سواء بَعُد محله أو قَرُب،
لأنه لا يملك مطالبته قبل حل الأجل
ولا یمکن منعه، ولکن له أن يخرج معه، حتی
إذا حل الأجل منعه من المضي في سفره إلى
أن يوفیه دینه(٢)
وقال الشربيني الخطيب: أما الدين
المؤجل فليس للغريم منع المدين من السفر
ولو كان السفر مخوفاً کجهاد، أو كان الأجل
قريباً، إذ لا مطالبة به في الحال، ولا يكلف
من عليه الدين المؤجل رهناً ولا كفيلاً
ولا إشهاداً، لأن صاحبه هو المقصر حيث
رضي بالتأجيل من غير رهن وكفيل، ولكن له
(١) بدائع الصنائع ١٧٣/٧، ومنح الجليل ١١٧/٣، ومغني
المحتاج ١٥٧/٢، وكشاف القناع ٤١٨/٣ .
(٢) بدائع الصنائع ١٧٣/٧ .
أن يصاحبه في السفر ليطالبه عند حلول
الأجل، بشرط أن لا يلازمه ملازمة الرقيب
لأن فيه إضراراً به(١) .
أما المالکیة فقد فرقوا بین ما إذا كان الدين
المؤجل يحل أثناء سفر المدين وبين ما إذا
كان لا يحل أثناء سفره، فقالوا: للغريم منع
المدين من السفر إن حلّ الدين بغيبته وكان
موسراً ولم يوكل مليئاً على القضاء ولم يضمنه
موسر، فإن كان المدين معسراً أو وكل مليئاً
يقضي الدين في غيبته من ماله أو ضمنه مليء
فلیس لغريمه منعه من السفر .
فإن كان الدين لا يحل بغيبته فليس للغريم
منعه من السفر .
قال اللخمي: من عليه دين مؤجل وأراد
السفر قبل حلوله فلا يمنع من السفر إذا بقي
من أجله قدر سيره ورجوعه، وكان لا يخشى
لدده ومقامه، فإن خشي ذلك منه أو عرف
باللدد فله منعه من السفر إلا أن يأتي بحميل،
وإن كان موسراً وله عقار فهو بالخيار بين أن
يعطى حميلاً بالقضاء أو وكيلاً بالبيع(٢).
وقال الحنابلة: إن أراد المدين سفراً طويلاً
فوق مسافة القصر ويحل الدين المؤجل قبل
(١) مغني المحتاج ٢/ ١٥٧ .
(٢) منح الجليل ١١٦/٣ -١١٧، وجواهر الإكليل
٨٧/٢.
- ٢١ -

مَلاءة ١٢ -١٤
فراغه من السفر أو يحل بعده، وسواء كان
السفر مخوفاً أو غير مخوف، وليس بالدين
رهن يفي به ولا كفيل مليء بالدين، فلغريمه
منعه من السفر، لأن عليه ضرراً في تأخير حقه
عن محله، وقدومه عند المحل غير متيقن
ولا ظاهر فملك منعه، لكن إذا وثق المدين
الدين برهن يحرز الدين أو كفيل مليء
فلا يُمنع من السفر لانتفاء الضرر.
ولو أراد المدين وضامنه معاً السفر فللغريم
منعهما إلا إذا توثق الدین برهن محرز أو كفيل
ملىء.
لكن إذا كان سفر المدين لجهاد متعين
فلا يمنع منه بل يُمكّن من السفر لتعينه علیه،
وكذلك إذا أحرم المدين بالحج أو العمرة
فرضاً أو نفلاً فلا يحلله الغريم من إحرامه
لوجوب إتمامهما بالشروع (١).
ز - أثر الملاءة في النفقة على الزوجة :
١٣ - ذهب الفقهاء إلى أن نفقة الزوجة تجب
على زوجها بحسب يساره ويسارها، فتجب
نفقة الموسرين إذا كانا موسرين، ونفقة
المعسرين إذا كانا معسرين، ونفقة الوسط إذا
كان أحدهما معسراً.
(١) كشاف القناع ٤١٧/٣، ٤١٨، وشرح منتهى الإرادات
٢٧٤/٢.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِّنْ سَعَنِّةٍ﴾(١)، وهذا في الجملة(٢).
وللفقهاء تفصيل ينظر في مصطلح:
(نفقة).
ح- أثر الملاءة في النفقة على الأقارب:
١٤ - الأصل في النفقة على الأقارب
- كالوالدين والأبناء - الكتاب والسنة
والإِجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾(٣)، وقوله تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَا﴾(٤)، ومن الإِحسان الإِنفاق عليهما
عند حاجتهما .
ومن السنة قول النبي ◌َّ لهند رضي الله
عنها: ((خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف)»(٥).
(١) سورة الطلاق/ ٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٦٤٥، وجواهر الإكليل
٤٠٢/١، والمغني ٧ / ٥٦٤ .
(٣) سورة البقرة/ ٢٣٣.
(٤) سورة الإسراء/ ٢٣ .
(٥) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٥٠٧ ط السلفية)
ومسلم (١٣٣٨/٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة
رضي الله عنها واللفظ للبخاري.
- ٢٢ -

مَلاءة ١٤، مُلازَمَة ١ - ٢
وأما الإِجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل
العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين
لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.
ويشترط لوجوب النفقة يسار المنفق،
وإعسار المنفَق عليه، واحتياجه إلى النفقة،
وهذا باتفاق في الجملة(١) .
وللفقهاء في أصناف الذين تجب لهم
النفقة، وهل الأصل الملاءة فيمن طولب
بالنفقة فإذا ادعى العدم فعليه الإثبات، وغیر
ذلك من المسائل تفصيل وخلاف ينظر في
مصطلح (نفقة).
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٠/٢، وجواهر الإِكليل
٤٠٧/١، ومغني المحتاج ٤٤٧/٣، والمغني
٥٨٢/٧ _ ٥٨٣.
مُلازَمَة
التعريف :
١ - الملازمة في اللغة: مأخوذة من الفعل:
لازم، يقال: لازمت الغريم ملازمة: تعلقت
به .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(١)
اللغوي
الألفاظ ذات الصلة :
الحبس :
٢ - الحبس في اللغة: المنع والإِمساك (٢).
وفي اصطلاح الفقهاء هو : تعويق الشخص
ومنعه من التصرف بنفسه والخروج إلى أشغاله
ومهماته الدينية والدنيوية(٣) .
والعلاقة بين الملازمة والحبس: أن كلا
منهما إجراء يُتخذ للتوصل إلى أداء الحقوق.
(١) المصباح المنير والمعجم الوسيط.
(٢) المصباح المنير.
(٣) بدائع الصنائع ١٧٤/٧ .
- ٢٣ -

مُلازَمَة ٣ -٤
الأحكام المتعلقة بالملازمة :
أ- حكم ملازمة المدين :
٣ - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في
مشروعية أصل ملازمة المدين، واختلفوا في
شروط جوازها.
فذهب أبو حنيفة وصاحباه: إلى أن للدائن
ملازمة المدين، وإن ثبت إعساره عند القاضي،
وليس للقاضي منع الدائن عن ملازمة مدينه،
وقالوا: لأنه يتمكن بالملازمة من حمل
المدين على قضاء الدين(١)، ولقوله اليه:
.
((لصاحب الحق اليد واللسان))(٢)
وقالوا: أراد عليه الصلاة والسلام باليد :
الملازمة، وباللسان: التقاضي.
وقالوا وإذا كان المدين امرأة لا يلازمها
منعاً من الخلوة بالأجنبية، ويستأجر امرأة
تلازمها(٣).
وقال الشافعية والحنابلة: إذا ثبت إعسار
(١) تبيين الحقائق ٢٠٠/٥، وابن عابدين ٣١٥/٤ -
٣٢٠.
(٢) حديث: ((لصاحب الحق اليد واللسان)).
أخرجه ابن عدي في الكامل (٢٢٨١/٦) من حديث
أبي عيينة الخولاني، وضعف ابن عدي أحد رواته.
وعند البخاري (فتح الباري ٥/ ٥٦ ط السلفية) ومسلم
(١٢٢٥/٣) (((إن لصاحب الحق مقالاً)).
(٣) تبيين الحقائق ٥/ ٢٠٠، وابن عابدين ٣١٥/٤ -
٣٢١.
المدين عند القاضي فليس لأحد مطالبته ولا
ملازمته، بل يمهل حتى يوسر، لقوله تعالى :
وَإِن كَانَ ذُوْ عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(١).
وقد ثبت أن النبي ◌َّ- قال لغرماء الذي
أصيب في ثمار ابتاعها فكثرت ديونه: ((خذوا
ما وجدتم، وليس لكم إلَّ ذلك))(٢).
ولأن من ليس لصاحب الحق مطالبته لم
یکن له ملازمته، کما لو کان علیه دین مؤجل،
ومن وجب إنظاره بالنص حرمت ملازمته، أما
إذا لم يثبت إعساره عند القاضي فيجوز
ملازمته(٣).
هذا ولم نقف فيما تيسر لنا اطلاعه من كتب
المالكية ذكراً للملازمة .
ب- طريقة الملازمة:
٤ - طريقة الملازمة عند الحنفية هي : أن يتتبع
الدائن أو من ينوب عنه المدينَ، فيذهب
حيثما ذهب، وإن رجع إلى منزله فإن أذن له
بالدخول دخل معه، وإلاَّ انتظره على الباب
ليلازمه بعد الخروج، وليس له أن يحجزه في
مكان خاص، لأن ذلك حبس وهو أمر
(١) سورة البقرة/ ٢٧٠ .
(٢) حديث: ((أن النبي ◌َّ* قال لغرماء الذي أصيب ... )).
أخرجه مسلم (١١٩١/٣) من حديث أبي سعيد
الخدري.
(٣) مغني المحتاج ١٥٦/٢، والمغني ٤ /٥٩٨.
- ٢٤ -

مُلازَمَة ٤ - ٦، مُلاعَنة، مُلامَسة، مَلاهِي
لا يجوز لغير القاضي، بل یدور معه حيثما
يشاء هو، لأنه بذلك يتمكن من حمل المدين
على قضاء الدين، وللحديث السابق:
((لصاحب الحق اليد واللسان))(١).
وتكون الملازمة في النهار لا ليلاً، لأنه
ليس بوقت الكسب فلا يتوهم وقوع مال في
يده، فالملازمة لا تفيد(٢) .
وكذا كل وقت لا يتوهم وقوع مال في يده
فیه کو قت مرضه .
ج -حق ملازمة المكفول له الكفيل :
٥ - قال الحنفية: إذا غاب المكفول عنه
وعجز الكفيل عن إحضاره وقت الحاجة،
فللمكفول له ملازمة الكفيل، كالدائن مع
المدين المفلس تماماً(٣) .
انظر: بيع الملامسة .
مَلاهِي
(١) حديث: ((لصاحب الحق ... )) سبق تخريجه ف (٣).
(٢) تبيين الحقائق ٥/ ٢٠٠، وحاشية ابن عابدين ٣١٥/٤ -
٣٢٠_ ٣٢١.
(٣) تبيين الحقائق ١٤٨/٤، وحاشية ابن عابدين
٤ / ٢٥٦.
والتفصيل في (حوالة ف ١١٢ وما
بعدها).
مُلاعَنة
انظر : لعان .
مُلامَسة
د-حق المحال في ملازمة المحال علیه :
٦ - يجوز للمحتال ملازمة المحال عليه، وإذا
ثبت له هذا الحق على المحال عليه، فللمحال
عليه أن يلازم المحيل، ليتخلص من ملازمة
المحال .
انظر : لهو .
- ٢٥ -

مُلْتَزَم ١ _ ٢
مُلْتَزَم
التعريف :
١ - الملتزم بفتح الزاي: اسم مفعول من فعل
التزم، يقال: التزمت الشيء، أي: اعتنقته
فهو ملتزَم، ومنه يقال لما بين باب الكعبة
والحجر الأسود: الملتزم، لأن الناس
يعتنقونه، أي: یضمونه إلى صدورهم(١).
وفي الاصطلاح: الملتزم ما بين الركن
الذي به الحجر الأسود إلى باب الكعبة من
حائط الكعبة المشرفة، وعرضه علو أربعة
أذرع(٢)، وقال الرحيباني: مساحته قدر أربعة
أذرع بذراع اليد(٣).
وسمي بذلك لأن النبي وَلّ التزمه، وأخبر
أن هناك ملكاً يؤمّن على الدعاء(٤).
(١) المصباح المنير.
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٧٠، والخطاب ١١٢/٣، والقليوبي
١٠٨/٢، وكشاف القناع ٢/ ٥١٣، وقواعد الفقه
للبركتي .
(٣) مطالب أولي النهى ٤٣٨/٢ .
(٤) القليوبي ١٠٨/٢ .
الحكم التكليفي :
٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يستحب أن
يلتزم الطائف الملتزم بعد طواف الوداع اقتداءً
بالرسول ◌َ﴾، لما روى عمرو بن شعيب عن
أبيه قال: ((طفت مع عبد الله: فلما جئنا دبر
الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من
النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين
الرکن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعیه
وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، ثم قال: هكذا
رأيت رسول الله ﴿الل يفعله))(١).
ونص الحنفية والمالكية على استحباب
التزام الملتزم بعد طواف القدوم أيضاً(٢).
وأطلق الشافعية استحباب التزام الملتزم
بعد الطواف مطلقاً(٣).
: وحديث أن هناك ملكاً يؤمن على الدعاء لم نهتد لمن
أخرجه من مصادر السنة .
(١) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه قال: ((طفت مع عبد الله
فلما جئنا دبر الكعبة ... )).
أخرجه أبو داود (٢/ ٤٥٢)، وأعله المنذري في مختصر
السنن (٣٨٦/٢) بضعف الراوي عن عمرو بن
شعیب .
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٧٠، ١٨٧، وفتح القدير ٣٦٠/٢،
٣٩٨ ط دار إحياء التراث الإسلامي، والخطاب
١١٢/٣، وحاشية الجمل ٢/ ٤٤١، ٤٧٨، وكشاف
القناع ٥١٣/٣، والمغني ٤٦٢/٣ .
(٣) القليوبي ١٠٨/٢.
- ٢٦ -

مُلْتَزَم ٣ -٤
كيفية التزام الملتزم والدعاء فيه :
٣ - نص الفقهاء على أن كيفية التزام الملتزم
أن يلصق صدره ووجهه بجدار البيت، ويضع
خده الأيمن عليه، ويبسط ذراعيه وكفیه،
بحيث تكون يده اليمنى إلى الباب واليسرى
إلى الركن، ويتعلق بأستار الكعبة كما يتعلق
عبد ذليل بطرفٍ ثوبٍ لمولى جليل كالمتشفع
بها، ودعا حال تثبته وتعلقه بالأستار مجتهداً
متضرعاً، متخشعاً، مكبراً، مهللاً، مصليّاً
على النبي ◌َّلّه ويبكي أو يتباكى، ولو لم ينل
الأستار يضع يديه على رأسه مبسوطتين على
الجدار قائمتين، والتصق بالجدار، ودعا بما
شاء وبما أحب من خيري الدنيا والآخرة(١)،
ومنه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك
وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من
خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني
بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي،
فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلاَّ
فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا
أوان الفراق إن أذنت لي غير مستبدِل بك ولا
ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٧٠ - ١٨٧، وفتح القدير
٣٦٠/٢ -٣٩٨، والخطاب ١١٢/٣، وحاشية الجمل
٤٤١/٢، ٤٧٨، وكشاف القناع ٥١٣/٣، والمغني
٤٦٢/٣.
فاصحبني العافية في بدني، والصحة في
جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن
منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني،
واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك
على كل شيء قدير. وإن أحب دعا بغير ذلك،
مَاللّه (١)
وصلى على النبي قليلا
وقت التزام الملتزم:
٤ - اختلف الفقهاء في وقت التزام الملتزم،
فذهب المالكية والحنابلة والحنفية في الأصح
والمشهور من الروايات إلى أنه يستحب أن
يأتي الملتزم بعد ركعتي الطواف، قبل
الخروج إلى الصفا.
وقال الشافعية: يندب أن يلتزم قبل
الصلاة. وهو قول ثانٍ عند الحنفية، قال ابن
عابدين: وهو الأسهل والأفضل وعليه
العمل(٢).
(١) كشاف القناع ٥١٣/٢، ٥١٤، والمغني ٤٦٢/٣.
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٧٠، والخطاب ١١٢/٣، والقليوبي
١٠٨/٢، والمغني ٤٦٢/٣ .
- ٢٧ -

مِلْح ١ -٢
مِلْح
التعريف :
١ - الملح في اللغة: ما يطيب به الطعام،
يؤنث ويذكر، والتأنيث فيه أكثر، والجمع
مِلاح - بالكسر -(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٢)
اللغوي(٢) .
الأحكام المتعلقة بالملح:
أ - التوضؤ بالماء المتغير بالملح:
٢ - قال الحصكفي من الحنفية: يجوز
التوضؤ بماء ینعقد به ملح، لا بماءٍ حاصل
بذوبان ملح، لبقاء الأول على طبيعته الأصلية
وانقلاب الثاني إلى طبيعته الملحية(٣).
ونقل ابن عابدين عن الزيلعي: ولا يجوز
التوضؤ بماء الملح، وهو ما يجمد في الصيف
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد ٣٩٦/٤ ط مؤسسة
الرسالة، والآداب الشرعية لابن مفلح ٥٩/٣ - ٦٠.
(٣) الدر المختار ١/ ١٢١.
ويذوب في الشتاء عكس الماء، وأقره صاحب
البحر والمقدسي، ومقتضاه أنه لا يجوز بماء
الملح مطلقاً، أي سواء انعقد ملحاً ثم ذاب
أو لا، وهو الصواب عندي (١) .
والمذهب عند المالكية ــ كما نقل
الدسوقي عن ابن أبي زيد - أن تغير الماء
بالملح لا يضر ولو طرح قصداً .
وقال القابسي: إنه كالطعام فيسلب
الطهورية، واختاره ابن يونس .
وقال الباجي: الملح المعدني لا يسلب
الطهورية، والمصنوع كالطعام يسلبه .
ونقل الحطاب عن سند أن الملح المعدني
يضر لأنه طعام فيسلب الطهورية، والمصنوع
لا يضر، لأن أصله التراب فلا يسلب
الطهورية (٢) .
وعند الشافعية في الماء المتغير بالملح
أوجه:
أصحها: يسلب الملح الجبلي الطهورية
منه دون المائي .
والثاني : يَسْلِبان.
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ١٢١، والفتاوى الهندية ١/ ٢١.
(٢) الشرح الصغير ٣٢/١، ٣٣، والخطاب ٥٧/١، ٥٨،
والدسوقي ١/ ٣٧ .
- ٢٨ -

ملح ٢ -٤
والثالث: لا يسلبان(١).
ويرى الحنابلة أنه يكره التطهر بماء متغير
بالملح المائي، ولا يسلب خلط هذا الملح
بالماء طهورية الماء، لأن أصله الماء،
بخلاف الملح المعدني فيسلبه الطهورية(٢)،
وقالوا: الماء الذي خلط فيه ملح معدني فغيره
(٣) .
.
طاهر
ب - التيمم بالملح :
٣- يرى الشافعية والحنابلة أنه لا يجوز
التيمم بالملح لأنه لا يجوز التيمم عندهم إلاَّ
بالتراب (٤) .
وصرح الحنفية بأن الملح المائي لا يجوز
التيمم به، وإن كان الملح جبلياً ففي التيمم به
روايتان صحح كل منهما، ولكن الفتوى على
الجواز(٥).
وذهب المالكية إلى أن الملح يجوز التيمم
به ما دام في موضعه (معدنه) أما إن نقل من
محله وصار مالاً في أيدي الناس فلا يجوز
التيمم به (٦) .
(١) روضة الطالبين ١/ ١١، والمجموع ١/ ١٠٢ .
(٢) شرح منتهى الإرادات ١٣/١، والمغني ١٣/١.
(٣) كشاف القناع ٣١/١.
(٤) المجموع ٢/ ٢١٢، وكشاف القناع ١/ ١٧٢ .
(٥) الفتاوى الهندية ٢٧/١.
(٦) الشرح الصغير ١٩٦/١ .
ج - كون الملح مالاً ربوياً:
٤ - الملح من الأعيان التي نص على تحريم
الربا فيها (١)، فقد روى عبادة بن الصامت
رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله وَله
ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير،
والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء
بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد
أربى)) (٢).
وللتفصيل (ر: رباف ١٧).
(١) المجموع ٩/ ٣٩٢، والمغني ٤/٤، والاختيار ٣٠/٢،
والقوانين الفقهية ص ٢٥٣، والجامع لأحكام القرآن
للقرطبي ٣٤٨/٣ .
(٢) حديث عبادة: ((سمعت رسول الله وَل ينهى عن بيع
الذهب بالذهب ... )).
أخرجه مسلم (١٢١٠/٣).
- ٢٩ -

..
مِنْطاء ١ - ٣
مِلْطاء
التعريف :
١ - الملطاء في اللغة بكسر الميم وبالمد في
لغة الحجاز، وبالألف في لغة غيرهم، هي:
السِمحاق بكسر السين، والسِمحاق: قشرة
رقيقة فوق عظم الرأس بين اللحم
والعظم(١).
وفي الاصطلاح: يرى جمهور الفقهاء
أن الملطاء هي السمحاق، أو هي الشجة
التي تخرق اللحم حتى تدنو من
العظم.
وفرق بينهما المالكية فقالوا: هي
الشجة التي أزالت اللحم وقربت للعظم
ولم تصل إليه، بل بقي بينه وبينها ستر
رقیق .
والسمحاق ماكشطت الجلد عن
(٢)
اللحم(٢) .
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) حاشية الدسوقي ٤/ ٢٥١، والشرح الصغير=
الألفاظ ذات الصلة :
السمحاق:
٢ - السِمحاق بكسر السين في اللغة: قشرة
رقيقة فوق عظم الرأس(١) .
وفي الاصطلاح: قال المالكية:
السمحاق هي كشطة الجلد، أي إزالته عن
محله(٢) .
والصلة بين الملطاء والسمحاق عندهم:
أن السمحاق من الجراحات المتعلقة
بالجلد، والملطاء من الجراحات المتعلقة
(٣)
باللحم(٣) .
وأما عند جمهور الفقهاء فالملطاء
والسمحاق مترادفان(٤) کما سبق.
الحكم الإجمالي :
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تجب في
الملطاء، أي السمحاق دية ولا أرش مقدر
٤/ ٣٥٠، والزيلعي ١٣٢/٣، والقليوبي ١١٢/٤،
=
والمطلع على أبواب المقنع ص ٣٦٧ ط المكتب
الإِسلامي.
(١) لسان العرب.
(٢) الدسوقي ٤/ ٢٥١ .
(٣) المرجع السابق.
(٤) الاختيار ٤٢/٥، والقليوبي ١١٢/٤، والمطلع على
أبواب المقنع ص ٣٦٧ .
- ٣٠ -

مِلْطاء ٣، مِلْك ١
عندهم، وإنما تجب فيها حكومة عدل، سواء
كانت عمداً أم خطأ .
وقال المالكية وهو رواية عن محمد،
وقول عند الشافعية: إنه يجب في عمدها
القصاص لإِمكان ضبطها(١).
مِلْك
التعريف :
١ - الملك لغة ـــ بفتح الميم وكسرها
وضمها -: هو احتواء الشيء والقدرة على
الاستبداد به والتصرف بانفراد(١) .
وفي الاصطلاح: يعبر الفقهاء المحدثون
بلفظ الملكية عن الملك، لكن الفقهاء قبلهم
يعبرون بلفظ الملك .
وقد عرف القرافي الملك ــ باعتباره حكماً
شرعياً - فقال: الملك حكم شرعي مقدر في
العين أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف
إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من
حیث هو كذلك(٢)
وقال ابن الشاط : الملك هو تمكن الإنسان
شرعاً بنفسه أو بنيابة من الانتفاع بالعين
أو بالمنفعة ومن أخذ العوض، أو تمكنه من
(١) الاختيار ٥/ ٤٢، والزيلعي ١٣٢/٣، وحاشية الدسوقي
٢٥١/٤، والقليوبي ١١٢/٤، والمطلع على أبواب
المقنع ص ٣٦٧.
(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٢) الفروق ٢٠٩/٣.
- ٣١ -

مِلْك ١ - ٣
الانتفاع خاصة (١).
الألفاظ ذات الصلة :
الحق :
٢ - يطلق الحق لغة على نقيض الباطل،
وعلى الحظ، والنصيب، والثابت،
والموجود، والشيء الذي لا ينبغي
إنكاره(٢).
وفي الاصطلاح يطلق على الواجب الثابت
الذي يشمل حقوق الله تعالى، وحقوق
العباد(٣).
والصلة بين الحق والملك: أن الحق أعم
من الملك.
الأحكام المتعلقة بالملك :
يتعلق بالملك أحكام منها :
حرمة الملك في الإِسلام:
٣ - صان الإِسلام الملك، فحرم الاعتداء
(١) إدرار الشروق على أنواء الفروق بهامش الفروق
٢٠٩/٣.
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير.
(٣) الموافقات للشاطبي ٢١٨/٢ - ٢١٩ ط دار المعرفة
بيروت، وتيسير التحرير، ١٧٥/٢ ط الحلبي،
وكشف الأسرار ١٣٦/٤ ط دار الكتاب العربي،
وشرح التلويح ٢/ ١٤٠ ط الحلبي، وقواعد ابن رجب
ص ١٨٨ - ١٩٥ ط الكليات الأزهرية.
عليه، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله
تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِآلْبَطِلِ﴾(١)،
وقوله سبحانه: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ﴾(٢)،
وقول النبي ◌َّ: ((إن دماءكم وأموالكم
وأعراضكم حرام عليكم))(٣). وقوله وله:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإِسلام، وحسابهم على الله))(٤).
قال إمام الحرمين: القاعدة المعتبرة أن
الملاك مختصون بأملاكهم، لا يزاحم أحدٌ
مالكاً في ملكه من غير حق مستحق، ثم
الضرورة تحوج ملاك الأموال إلى التبادل
فيها ... فالأمر الذي لا شك فيه تحريم
التسالب والتغالب ومدّ الأيدي إلى أموال
(١) سورة البقرة/ ١٨٨.
(٢) سورة النساء/ ٢٩.
(٣) حديث: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام
علیکم)).
أخرجه البخاري (الفتح ٧/١٠ -٨) ومسلم
(١٣٠٥/٣ - ١٣٠٦) من حديث أبي بكرة.
(٤) حديث: ((أمرت أن أقاتل ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٧٥) من حديث ابن
عمر .
- ٣٢ -

مِلْك ٣-٤
الناس من غير استحقاق(١)، وقال ابن تيمية:
والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس
أجمعين(٢) .
وقد جعل الإِسلام ملك الأموال
استخلافاً ومنحة ربانية، لأن المالك
الحقيقي للأموال هو الله تعالى، ولكنه أعطى
للإنسان حق التملك واستخلفه على الأموال،
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ
فِيهِ﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿ وَءَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ
الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ (٤).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقيل في
تفسيرها: إن الأموال التي في أيديكم إنما هي
أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما خولكم
الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف
فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما
أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء(٥).
ويترتب على ذلك أن الله تعالى فرض في
الأموال حقوقاً للفقراء والمساكين وللأقارب
ونحوهم.
(١) الغيائي لإمام الحرمين ص ٤٩٤ - ٤٩٥، تحقيق
د. عبد العظيم الدیب. ط قطر.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٩/ ١٨٩ ط الرياض.
(٣) سورة الحديد/ ٧.
(٤) سورة النور/ ٣٣ .
(٥) تفسير الكشاف للزمخشري ٤/ ٦١ ط مصطفى
الحلبي.
أقسام الملك :
للملك أقسام باعتبارات مختلفة :
- فهو باعتبار حقيقته: إما ملك تام
أو ناقص.
- وباعتبار المستفيد منه: إما ملك عام
أو خاص.
- وباعتبار سببه: إما ملك اختياري
أو جبري .
- وباعتبار احتمال سقوطه: إما ملك
مستقر أو غير مستقر .
أ-أقسام الملك باعتبار حقيقته:
٤ - ينقسم الملك باعتبار حقيقته إلى ملك تام
وملك ناقص .
والملك التام: هو ملك الرقبة والمنفعة،
والملك الناقص: هو ملك الرقبة فقط،
أو المنفعة فقط، أو الانتفاع فقط .
يقول ابن تيمية: الملك التام يملك فيه
التصرف في الرقبة بالبيع والهبة، ويورث
عنه، ويملك التصرف في منافعه بالإِعارة
والإِجارة والانتفاع وغير ذلك(١) .
وقد عبر بعض الفقهاء بالملك الضعيف
بدل الناقص، يقول الزركشي: الملك
(١) مجموع الفتاوى ١٧٨/٢٩ .
- ٣٣ -

مِلْك ٤
قسمان: تام وضعيف، فالتام يستتبع جميع
التصرفات، والضعيف بخلافه، ثم استعمل
مصطلح الناقص أيضاً(١) .
ثم إن الأصل في الملك هو الملك التام،
وأن الملك الناقص خلاف الأصل، كما أن
المقصود من مشروعية الملك هو الانتفاع
بالأشياء.
ولذلك جاء ملك الرقبة دون المنفعة
ناقصاً، كأن يوصي بمنفعة عين لشخص،
أو أن يوصي بالرقبة لشخص وبمنفعتها
لآخر (٢).
أما ملك المنافع: فهو مشاع، ويتحقق في
الإِجارة بالنسبة للمستأجر، والإِعارة بالنسبة
للمستعير، والوصية بالمنفعة فقط، والوقف
على تفصيل فيه، والأرض الخراجية المقرة
في يد من هي في يده بالخراج.
والوصية بالمنافع جائزة عند جمهور
الفقهاء ما عدا ابن شبرمة، وابن أبي ليلى(٣) .
أما ملك الانتفاع: فقد ذكره جمهور
الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) وإن
(١) المنثور ٢٣٨/٣.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥١، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص ٣٧٩، والقواعد لابن رجب
ص ١٩٥ - ١٩٦.
(٣) المصادر السابقة.
اختلفوا في تفصيل أحكامه.
فقد قسم ابن رجب الحنبلي الملك إلى
أربعة أنواع: ملك عين ومنفعة، وملك عين
بلا منفعة، وملك منفعة بلا عين، وملك
انتفاع من غير ملك المنفعة، ثم قال :
أما النوع الأول: فهو عامة الأملاك الواردة
على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية
لها، من بيعٍ وهبة وإرثٍ وغير ذلك.
النوع الثاني : ملك العين بدون منفعة.
النوع الثالث: ملك المنفعة بدون عین وهو
ثابت بالاتفاق، وهو ضربان:
الضرب الأول: ملك مؤبد، ويندرج تحته
صور: منها الوصية بالمنافع، ومنها الوقف،
فإن منافعه وثمراته مملوكة للموقوف
عليه ... ومنها الأرض الخراجية.
والضرب الثاني: ملك غير مؤبد، فمنه
الإِجارة، ومنه منافع البيع المستثناة في العقد
مدة معلومة .
النوع الرابع: ملك الانتفاع المجرد، وله
صور متعددة: منها ملك المستعير، فإنه
يملك الانتفاع لا المنفعة، إلا على رواية ابن
منصور عن أحمد .
ومنها: المنتفع بملك جاره من وضع
- ٣٤ -

مِلْك ٤
خشب، وممر في دار ونحوه، وإن كان بعقد
صلح فهو إجارة .
ومنها: إقطاع الإِرفاق كمقاعد الأسواق
ونحوها، ومنها: الطعام في دار الحرب قبل
حيازته يملك القائمون الانتفاع به بقدر
الحاجة، وقياسه الأكل من الأضحية والثمر
المعلق ونحوه، ومنها أكل الضيف لطعام
المضيف فإنه إباحة محضة (١).
وقد فصل القرافي المالكي في التفرقة بين
ملك الانتفاع، وملك المنفعة فقال: فتمليك
الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط،
وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر
بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض
كالإِجارة، وبغير عوض كالعارية .
ومثال الأول - أي الانتفاع - سكنى
المدارس والرباط والمجالس في الجوامع
والمساجد والأسواق ومواضع النسك
کالمطاف والمسعی ونحو ذلك، فله أن ينتفع
بنفسه فقط ... أما مالك المنفعة فكمن
استأجر داراً، أو استعارها، فله أن يؤاجرها
من غيره، أو يسكنه بغير عوض، ويتصرف
في هذه المنفعة تصرف الملاك في
أملا کھم.
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٠٨ - ٢١٠.
ثم ذكر أربع مسائل تدخل في ملك الانتفاع
وهي :
الأولى: النكاح حيث هو من باب تمليك
الانتفاع، وليس تمليك المنفعة.
الثانية: الوكالة بغير عوض، فهي من باب
تمليك الانتفاع لا من باب تمليك المنفعة،
وأما الوكالة بعوض فهي من باب الإِجارة.
الثالثة: القراض (المضاربة) والمساقاة
والمغارسة، فرب المال فيها يملك من العامل
الانتفاع لا المنفعة، بدليل أنه ليس له أن
يعاوض على ما ملكه من العامل من غيره،
ولا يؤاجره ممن أراد، بل يقتصر على الانتفاع
بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عقد القراض.
الرابعة: إذا وقف شخص وقفاً على أن
يسكن أو على السكنى، ولم يزد على ذلك،
فظاهر اللفظ يقتضي أن الواقف إنما ملَّك
الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون
المنفعة، فليس له أن يؤاجر غيره،
ولا يسكنه(١).
وفرق الشافعية بين ملك المنفعة
كالمستأجر، وملك الانتفاع كالمستعير،
وقالوا: من ملك المنفعة فله الإِجارة
(١) الفروق للقرافي ١٨٧/١ - ١٨٨، وتهذيب الفروق
بهامش الفروق ١٩٣/١ _ ١٩٥ ط دار المعرفة بيروت.
- ٣٥ -

٠٠
مِلْك ٤-٥
والإِعارة، ومن ملك الانتفاع فليس له الإجارة
قطعاً، ولا الإِعارة في الأصح(١).
وقد اختلف الفقهاء حول بعض المسائل
التي تدخل عند بعضهم في ملك الانتفاع
ولا تدخل فيه عند الآخرين، بل تدخل في
ملك المنفعة، مثل العارية ... حيث ذهب
الحنفية ما عدا الكرخى، والمالكية والحنابلة
في رأي إلى أن العارية تمليك للمنفعة بغير
عوض، ولذلك أجازوا للمستعير إعارة العين
(٢)
المستعارة بالقيود التي وضعها الفقهاء
الفروق الجوهرية بين الملك التام
والملك الناقص :
٥ - ذهب الشافعية، والحنابلة في الصحيح
من المذهب، والكرخي إلى أن الإعارة تمليك
للانتفاع(٣).
وتوجد فروق جوهرية بين الملك التام
والملك الناقص، تلخيصها فيما يأتي:
أولاً: إن لصاحب الملك التام الحق في
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٤٥٢/٣_٤٥٣ ط المكتبة
التجارية بمصر، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٦.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٢، والبحر الرائق
٧/ ٢٨٠، والفروق للقرافي ١/ ١٨٧، وشرح حدود ابن
عرفة ص ٣٤٥، وكشاف القناع ٣٣٦/٢، والإنصاف
١١٤/٦، وحاشية الجمل ٣/ ٤٥٢ _ ٤٥٣.
(٣) المصادر السابقة نفسها، وتحفة المحتاج ٤١٣/٥.
إنشاء جميع التصرفات المشروعة من عقود
ناقلة للملك التام، أو الناقص، فهو حر
التصرف في حدود عدم مخالفة الشرع، أما
صاحب الملك الناقص فليس له الحق في كل
التصرفات، وإنما هو مقيد في حدود الانتفاع
بالمنفعة فقط، لأنه لا يملك الرقبة والمنفعة
معاً .
ثانياً: تأبيد الملك التام: والمقصود به أن
الملك التام دائم ومستمر لا ینتھي إلا بسبب
مشروع قاطع، وكذلك لا يجوز تأقيته،
ولذلك لا يجوز تأقيت العقود الناقلة للملك
التام كالبيع ونحوه، فلا يجوز أن يقال: بعت
لك هذه الدار بألف دينار لمدة سنة، إلا إذا
قصد بها الإِجارة فيحمل عليها من باب: إن
العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني
لا بالألفاظ والمباني(١) .
وأما الملك الناقص فالعقود الواردة على
المنافع فيها لا بد من تأقيتها مثل الإِجارة
والإِعارة ونحوها، فهي تقبل التقييد بالزمان
والمكان ونوع الانتفاع(٢).
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩، والأشباه والنظائر
لابن نجیم ص ٢٧ .
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/٥، ١٩، والشرح الكبير مع
الدسوقي ٢/٤، والغاية القصوى للبيضاوي ٦١٩/٢
ط دار الإصلاح، والمغني لابن قدامة ٥/ ٤٣٤.
- ٣٦ -

مِلْك ٦ - ٧
ب- أقسام الملك باعتبار المستفيد منه :
٦ - ينقسم الملك باعتبار المستفيد منه إلى
ملك خاص، وإلى ملك عام، فالملك
الخاص هو الذي له مالك معين، سواء أكان
فرداً أم جماعة.
وأما الملك العام فهو الملك الذي
لا يختص به مالك معين، وإنما يشترك فيه
الناس لا على التعيين، كملك الماء والكلأ
والنار، لقول الرسول وَل: ((المسلمون
شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار))(١).
ج-أقسام الملك باعتبار سببه :
٧ - ينقسم الملك باعتبار سببه إلى ملك
اختياري أو قهري.
يقول الزركشي: الملك قسمان: أحدهما
يحصل قهراً كما في الميراث ومنافع الوقف.
والثاني: يحصل بالاختيار وهو على
قسمين :
أحدهما: بالأقوال، ويكون في
المعاوضات كالبيوع، وفي غيرها كالهبات
والوصايا، والوقوف إذا اشترطنا القبول.
(١) حديث: ((المسلمون شركاء في ثلاث ... )).
أخرجه أبو داود (٧٥١/٣) من حديث رجل من
المهاجرين .
والثاني: يحصل بالأفعال كتناول
المباحات كالاصطياد والإِحياء.
ثم فرق الزركشي بينهما فقال: ومما
يتخالفان فيه - أعني الاختياري والقهري -
أن الاختياري يملك بالعوض المعين، أو بما
في الذمة، ولا يتوقف على أداء الثمن
بلا خلاف، وأما القهري كالأخذ بالشفعة فلا
يملك حتى يقبض المشتري الثمن، أو يرضى
بتأخيره على أحد القولين، والصحيح أنه
يملك بذلك وبقضاء القاضى له .
ومنها: أن التملك القهري يحصل
بالاستيلاء على ملك الغير كما في أموال
الكفار، بخلاف الاختياري.
ومنها: أن التملك القهري هل يشرط فيه
معرفة شروطه من الرؤية ونحوها؟ خلاف
- كما في الشفعة، يؤخذ الشقص الذي لم
يره - على قولين، والاختياري يشترط فيه
قطعاً.
ومنها: أنه يغتفر فيه ما لا يغتفر في
الاختياري، كالرد بالعيب، وكذا الصيد في
حق المحرم، ولا يملك ذلك كله
بالاختيار(١) .
وقال القرافي: اختلف العلماء، هل
(١) المنثور في القواعد ٢٣١/٣ -٢٣٣.
- ٣٧ -

مِلْك ٧ __ ٩
الأسباب الفعلية أقوى أم القولية أقوى؟
فقيل: الفعلية أقوى، وقيل: القولية
أقوى.
وقد بين القرافي الفرق بين السببين فقال:
الأسباب الفعلية تصح من السفيه المحجور
عليه دون القولية. فالمحجور عليه يملك
الصيد بالاصطياد، والأرض بالإِحياء، في
حين لا يملك إنشاء عقود البيع والهبة
ونحوهما، وذلك لأن الأسباب الفعلية تعود
بالنفع عليه، أما الأسباب القولية فإنها موضع
المماكسة والمغابنة، فقد تعود عليه بالضرر،
كما أن فيها طرفاً آخر ينازعه ويجاذبه إلى
الغبن، وهو ضعيف العقل، فلا يستطيع
تحقیق مصلحته(١).
د - أقسام الملك باعتبار السقوط
وعدمه :
٨ - ينقسم الملك - باعتبار احتمال سقوطه
وعدمه -إلى نوعين هما :
الملك المستقر الذي لا يحتمل السقوط
بتلف المحل، أو تلف مقابله کثمن المبيع بعد
القبض، والصداق بعد الدخول.
والملك غير المستقر الذي يحتمل ذلك
(١) الفروق ١/ ٢٠٤ .
كالأجرة قبل استيفاء المنفعة، والثمن قبل
قبض المبيع(١) .
أسباب الملك :
٩ - للملك أسبابه التي تؤدي إلى تحقيقه.
ذكر ابن نجيم في الأشباه أن أسباب الملك
هي :
المعاوضات المالية، والأمهار، والخلع،
والميراث، والهبات، والصدقات،
والوصايا، والوقف، والغنيمة، والاستيلاء
على المباح، والإِحياء، وتملك اللقطة
بشرطه، ودية القتيل يملكها أولاً ثم تنتقل إلى
الورثة، ومنها الغرة يملكها الجنين فتورث
عنه، والغاصب إذا فعل بالمغصوب شيئاً أزال
به اسمه وعظم منافعه ملكه، وإذا خلط المثلي
بمثلي بحيث لا يتمیز ملکه.
وذكر الحصكفي أن أسباب الملك ثلاثة:
ناقل كبيع وهبة، وخلافة كارث، وأصالة وهو
الاستيلاء حقيقة بوضع اليد، أو حكماً بالتهيئة
كنصب شبكة لصيد(٢).
وذكر السيوطي نقلاً عن الكفاية أن أسباب
الملك ثمانية: الميراث، والمعاوضات،
(١) المنثور ٢٤٠/٣.
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٣٤٦، وحاشية ابن عابدين
٢٩٨/٥.
- ٣٨ -

مِلْك ٩ - ١٠
والهبات، والوصايا، والوقف، والغنيمة،
والإِحياء، والصدقات .
قال ابن السبكي: وبقيت أسباب أخر،
منها: تملك اللقطة بشرطه، ومنها: دية
القتيل يملكها أولاً ثم تنقل لورثته على
الأصح، ولذلك يوفى منها دينه، ومنها:
الجنين، الأصح أنه يملك الغرة، ومنها:
خلط الغاصب المغصوب بماله، أو بمال آخر
لا يتميز فإنه يوجب ملكه إيّاه، ومنها:
الصحيح أن الضيف يملك ما يأكله، وهل
يملك بالوضع بين يديه، أو في الفم،
أو بالأخذ، أو بالازدراد يتبين حصول الملك
قبيله؟ أوجه(١) .
القيود الواردة على الملك :
ترد على الملك قيود تتعلق إما بالأسباب
أو بالاستعمال أو بالانتقال، وكذلك
القيود التي أعطيت لولي الأمر
وللمتعاقد.
أولاً - القيود الواردة على أسباب
الملك :
١٠ - تظهر هذه القيود من خلال كون أسباب
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣١٧، وأشباه ابن نجيم
ص ٣٤٦ _ ٣٥٠.
كسب الملك في الشريعة مقيدة بأن تكون
مشروعة، وليست مطلقة، ولذلك فالوسائل
المحرمة من سرقة، وغصب، أو استغلال،
أو قمار، أو ربا، أو نحو ذلك ليست من
أسباب التملك، حيث قطعت الشريعة الطريق
بين الأسباب المحرمة والملك، ومنعتها منعاً
باتاً، وطالبت المؤمنين جميعاً أن تكون
أموالهم حلالاً طيباً، وبذلك وردت الآيات
والأحاديث الكثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَا
تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَضِ مِّنَكُمْ﴾(١). حيث
منع أكل أموال الناس إلا عن طريق الرضا
والإِرادة.
وقد أمر الله بأكل الطيبات فقال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ
مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
(١٧٢ ﴾ (٢)
.
تَعْبُدُونَ
وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: ((أيها الناس
إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر
المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا
(١) سورة النساء/ ٢٩.
(٢) سورة البقرة/ ١٧٢ .
- ٣٩ -

مِلْك ١٠ -١١
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾﴾(١)، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَگُمْ﴾(٢)، ثم ذكر
الرجلَ يطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمد يديه إلى
السماء: يا ربُّ يا ربُّ، ومطعمه حرام
ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام،
فأنّی يستجاب لذلك)»(٣).
ثانياً - القيود الواردة على استعمال
الملك :
١١ - وضعت الشريعة قيوداً على الملك من
حيث الاستعمال فأوجبت على المالك :
أ - أن لا يكون مبذراً مسرفاً، ولا مقتراً
بخيلاً، قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ
وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَّبْذِيرًا ﴾ إِنَّ
اُلْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا ()﴾(٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ
﴾(٥) .
فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا (إِ
٢٩
والآيات والأحاديث في هذا المجال كثيرة
(١) سورة المؤمنون/ ٥١.
(٢) سورة البقرة/ ١٧٢ .
(٣) حديث: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا
طيباً ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣).
(٤) سورة الإسراء/ ٢٦ - ٢٧.
(٥) سورة الإسراء/ ٢٩.
تدل على حرمة الإِسراف والتبذير وتضييع
المال بدون فائدة حتى في مجال الأكل، يقول
محمد بن حسن الشيباني: ثم الحاصل أنه
يحرم على المرء فيما اكتسبه من الحلال
الإِفساد، والسرف، والتقتير ... ثم السرف
في الطعام أنواع: ومنه الاستكثار في
المباحات والألوان(١).
ب - ألا يستعمل المالك ما حرمه الشرع،
ومن ذلك حرمة لبس الحرير للرجال
واستعمال الذهب لهم، واستعمال أواني
الذهب والفضة للرجال والنساء.
ج - وجوب الاستنماء في الجملة وعدم
تعطيل الأموال حتى تؤدي دورها في التداول
والتعمير، تدل على ذلك الآيات والأحاديث
الكثيرة التي تطالب بالعمل والتجارة
والصناعة والزراعة بصيغ الأوامر، ومنها قوله
تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوَلَا فَأَمْشُواْ
فِي مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهٌِ﴾(٢)، وقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ
مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾(٣)، ومن الأحاديث قول
النبي ◌َّلة: ((من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه
(١) الكسب للشيباني، تحقيق د.سهيل زكار، ط دمشق
ص ٧٩ - ٨٢.
(٢) سورة الملك/ ١٥ .
(٣) سورة الجمعة/ ١٠.
- ٤٠ -