Indexed OCR Text
Pages 221-240
مَعْفوات ٥ - ٧ قال ابن عابدين: إن المائع متى أصابته نجاسة خفيفة أو غليظة وإن قلت تنجس ولا يعتبر فيه ربع ولا درهم، نعم تظهر الخفة فيما إذا أصاب هذا المائع ثوباً أو بدناً فيعتبر فيه الربع (١). وقال أيضاً: إن اختلطت الغليظة والخفيفة ترجح الغليظة مطلقاً وإلا فإن تساويا أو زادت الغليظة فكذلك وإلا ترجح الخفيفة(٢). ثانياً: مذهب المالكية: ٦ - قسم المالكية النجاسات من حيث حكم إزالتها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يعفى عن قلیله و کثیره ولا تجب إزالته إلا أن يتفاحش جداً فيؤمر بها. وهذا القسم هو كل نجاسة لا يمكن الاحتراز عنها، أو يمكن بمشقة كثيرة كالجرح يمصل، والدمل يسيل، والمرأة ترضع، والأحداث تستنكح، والغازي يفتقر إلى إمساك فرسه. قال ابن شاس: وخص مالك هذا ببلد الحرب، وترجح في بلد الإسلام(٣). القسم الثاني: يعفى عن اليسير منه إذا رآه في الصلاة ويؤمر بغسله قبل الدخول فيها، (١) حاشية ابن عابدين ٢١٤/١ (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٢١٣ (٣) عقد الجواهر الثمينة ١٩/١ ط. دار الغرب الإسلامي. وقيل: لا يؤمر بذلك، وهو الدم، وهل يلحق به في العفو قليل القيح وقليل الصديد؟ أو يلحقان بقليل البول؟ في ذلك قولان. وأما حد اليسير عند المالكية فقد قال عنه أبو بكر بن سابق: لا خلاف عندنا أن فوق الدرهم کثیر، وأن ما دون الدرهم قليل، وفي قدر الدرهم روايتان لعلي بن زياد وابن حبيب بالقلة والكثرة. وحكى الشيخ أبو الطاهر أن اليسير هو مقدار الخنصر وأن الخلاف فيما بين الدرهم (١) إلى الخنصر(١). القسم الثالث: يعفى عن أثره دون عينه. وهو الأحداث على المخرجين، والدم على السيف الصقيل، وفي معنى ذلك الخف يمشي به على أرواث الدواب وأبوالها. وفيه قول: إنه يغسل كما لو مشى به على الدم والعذرة(٢). القسم الرابع: ما عدا ما ذكر، وهذا القسم يزال كثيره وقليله، وعينه وأثره(٣). ثالثاً: مذهب الشافعية: ٧ - قسم الشافعية النجاسات المعفو عنها (١) المرجع نفسه ٢٠/١ - ٢١ (٢) المرجع نفسه ١/ ٢١ (٣) المرجع نفسه ٢٢/١ - ٢٢١ - ٠٠ مَعْفوَّات ٧ - ٨ باعتبار القلة والكثرة إلى عدة أقسام: أحدها: ما يعفى عن قليله وكثيره، وهو دم البراغيث على الأصح في الثوب والبدن وكذا دم القمل والبعوض ونحوه على ما رجحه النووي ونقله عن الأكثرين، لكنْ له شرطان: ١ - أن لا يكون بفعله، فلو كان بفعله كما لو قتل فتلوث به أو لم یلبس الثوب بل حمله وكان كثيراً لم تصح صلاته لعدم الضرورة إليه ويلتحق بالبراغيث في ذلك كله دم البثرات وقيحها وصديدها حتى لو عصره وكان الخارج كثيراً لم يعف عنه. وكذلك دم الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة منه. ٢ - أن لا يتفاحش بالإهمال، فإن للناس عادة في غسل الثياب كل حين فلو ترك غسل الثوب سنة مثلاً وهو یتراكم عليه لم يكن في محل العفو، قاله الإمام. ومن المعفو عنه البلغم إذا كثر والماء الذي يسيل من فم النائم إذا ابتلي به ونحوه، وكذلك الحدث الدائم كالمستحاضة وسلس البول، وكذا أواني الفخار المعمولة بالزبل لا تطهر، وقد سئل الشافعي بمصر، فقال: إذا ضاق الأمر اتسع. الثاني: ما یعفی عن قلیله دون کثیره، وهو دم الأجنبي إذا انفصل عنه ثم أصابه من آدمي أو بهيمة سوى الكلب والخنزير يعفى عن قلیله في الأصح دون کثیرہ قطعاً، و کذلك طين الشوارع المتيقن بنجاستها يعفى عن قلیله دون کثیره. والقليل ما يتعذر الاحتراز منه، وكذلك المتغير بالميتة التي لا نفس لها سائلة لا يعفى عن التغير الكثير في الأصح. الثالث: ما یعفی عن أثره دون عينه وهو أثر المخرجين في الاستنجاء بالحجر وكذلك بقاء ربح النجاسة أو لونها إذا عسر زواله. الرابع: ما لا يعفى عن أثره ولا عينه ولا قلیله ولا كثيره وهوما عدا ذلك(١). ٨ - وقسم الشافعية النجاسات باعتبار العفو عنها إذا حلت في الماء أو الثوب إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يعفى عنه في الماء والثوب وذلك في عشرين صورة : ما لا يدركه الطرف، والميتة التي لا دم لها کالدود والخنفساء أصلاً أو لها دم ولكنه لا یسیل کالوزغ، وغبار النجاسة اليابسة، وقليل دخان النجاسة حتى لو أوقد نجاسة تحت الماء، واتصل به قلیل دخان لم ينجس، وقليل الشعر، وقليل الريش النجس له حكم الشعر على ما يقتضيه كلامهم إلا أن أجزاء الشعرة (١) المنثور في القواعد للزركشي ٣ /٢٦٤ - ٢٦٦ - ٢٢٢ - مَعْقوَّات ٨ الواحدة ينبغي أن يكون لكل واحدة منها حكم الشعرة الواحدة، والهرة إذا ولغت بعد أكلها فأرة، وألحق المتولي السبع بالهرة وخالفه الغزالي لانتفاء المشقة لعدم الاختلاط، وما اتصل به شيء من أفواه الصبيان مع تحقق نجاستها، خرجه ابن الصلاح، وأفواه المجانين كالصبيان، وإذا وقع في الماء طير على منفذه نجاسة يتعذر صون الماء عنه ولا يصح التعليل بانکماشه فإنه صرح في الروضة بأنا لو تحققنا وصول الماء إلى منفذ الطير وعليه ذرق عفي عنه، وإذا نزل الطائر في الماء وغاص وذرق فيه عفي عنه لا سيما إذا كان طرف الماء الذي لا ینفك عنه، ويدل له ما ذكر في السمك عن القاضي حسين أنه لو جعل سمكا في حبّ مّا ثم معلوم أنه يبول فيه أنه يعفى عنه للضرورة، وفي تعليق البندنيجي عن الشيخ أبي حامد نجس معفو عنه لأن الاحتراز عنه لا يمكن، وحكى العجلي عن القاضي حسين أن وقوع الحيوان النجس المنفذ في الماء ينجسه، وحكي عن غيره عدم التنجيس مستدلاً بأنه عليَ ◌ّام أمر بمقل الذباب(١). وإذا شرب من الماء طائر على فيه نجاسة (١) حديث: ((أمر النبي ◌ِ ◌ّبم بمقل الذباب ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٠/ ٢٥٠) من حديث أبي هريرة. ولم تتخلل غيبته فينبغي إلحاقه بالمنفذ لتعذر صونه عنه، ووينم الذباب إذا وقع في الماء لا ينجسه لعسر صونه، ومثله بول الخفاش إذا وقع في الماء القليل أو المائع، وغسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة ولا زائدة الوزن فإنها تكون طاهرة مع أنها لاقت نجساً. القسم الثاني: ما يعفى عنه في الماء دون الثوب كالميتة التي لا دم لها سائل وخرء السمك ومنفذ الطائر. القسم الثالث: ما يعفى عنه في الثوب دون الماء وهو الدم اليسير من سائر الدماء إلا دم الكلب والخنزير وينبغي أن يلحق به طين الشارع المتيقن نجاسته، فلو وقع شيء من ذلك في ماء قليل أو غمس يده في الماء وعليها قليل دم برغوث أو تمل أو غمس فيه ثوباً فيه دم برغوث تنجس. وفرق العمراني بین الثياب والماء بوجهين: أحدهما: أن الثياب لا يمكن صونها عن النجاسة بخلاف الأواني فإن صونها ممكن بالتغطية. والثاني: أن غسل الثياب كل وقت يقطعها فعفي عن يسير النجاسة التى يمكن وقوعها فيها بخلاف الماء ومن ذلك الثوب الذي فيه - ٢٢٣ - مَعْفوَّات ٨ - ١٠ دم برغوث يصلي فيه ولو وضعه في ماء قليل ينجسه فيحتاج الذي يغسله أن يطهره بعد الغسل في ذلك الماء، وكذلك ما على محل الاستنجاء يعفى عنه في البدن والثوب حتى لو سال بعرق ونحوه ووقع في الثوب عفي عنه في الأصح، ولو اتصل بالماء نجسه. القسم الرابع: ما لا يعفى عنه فيهما وهو ما عدا ذلك مما أدركه الطرف من سائر الأبوال والأرواث وغيرها من النجاسات(١). رابعاً: مذهب الحنابلة: ٩ - الأصل عند الحنابلة أنه لا يعفى عن يسير شيء من النجاسات سواء كان مما يدركه الطرف أو لا يدركه كالذي يعلق بأرجل الذباب والبق وما أشبهه(٢)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَثَبَكَ فَطَهِّرْ﴾(٣)، وقول ابن عمر في وفيه) ((أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً)) (٤)، وغير ذلك من الأدلة. إلا أنهم استثنوا عن هذا الأصل بعض النجاسات وصرحوا بالعفو عن يسيرها (٥) منها: (١) المنثور في القواعد للزركشي ٢٦٦/٣ -٢٦٨ (٢) المستوعب ٣٤٢/١ نشر مكتبة المعارف - الرياض. (٣) سورة المدثر / ٤ (٤) أثر ابن عمر ((أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً)). أورده ابن قدامة في المغني (١ /٥٤) ولم يعزه إلى أي مصدر، ولم نهتد لمن أخرجه. (٥) مطالب أولي النهى ٢٣٥/١ ١٠ - الدم، والصحيح من المذهب أنه يعفى عن يسيره في الصلاة دون المائعات والمطعومات فإن الإنسان غالباً لا يسلم منه وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولقول عائشة فيها: ((ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فقصعته بظفرها))(١)، وهذا يدل على العفو عنه لأن الريق لا يطهر ويتنجس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثله لا يخفى عنه عليه الصلاة والسلام فلا يصدر إلا عن أمره، ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار(٢) ويعفى عنه ولو كان من غير مصل بأن أصابت المصلي من غيره كما لو کانت منه(٣). وقيل: لا يعفى عن يسيره إلا إذا كان من دم نفسه (٤)، واليسير: الذي لم ينقض الوضوء، والكثير: ما نقض الوضوء. والدم المعفو عنه ما كان من آدمي أو حيوان طاهر لا الكلب ولا الخنزير (٥). (١) حديث عائشة: ((ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤١٢ ط. السلفية) (٢) المبدع ١/ ٢٤٦ (٣) شرح منتهى الإرادات ١٠٢/١ والإنصاف ٣٢٥/١ وما بعدها. (٤) المبدع ١ / ٢٤٧ (٥) المرجع نفسه . - ٢٢٤ - مَعْفوَّات ١١ - ١٨ ١١ - ما تولد من الدم من القيح والصديد، فإن العفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما، ولذلك قال أحمد: هو أسهل من الدم فعلى هذا يعفى منه عن أكثر مما يعفى عن مثله في الدم، لأن هذا لا نص فيه، وإنما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدم، ولأحمد قول بطهارة قيح ومدة وصديد (١). وصرح الحنابلة بأنه لا يعفى عن يسير دم أو قيح أو صديد خرج من قبل أو دبر، لأن حكمه حكم البول والغائط، وفي وجه يعفى عن ذلك (٢). ١٢ - ويعفى أثر الاستجمار بمحله، بعد الإنقاء واستيفاء العدد بلا خلاف، فعلى هذا لو تعدى محله إلى الثوب أو البدن لم يعف عنه(٣). ١٣ - ويعفى عن يسير سلس بول بعد كمال التحفظ لمشقة التحرز عنه (٤). ١٤ - ويعفى عن يسير دخان نجاسة وبخارها وغبارها ما لم تظهر له صفة في الشيء (١) المبدع ١ / ٢٤٨، والمغني ٢/ ٨٠ (٢) شرح منتهى الإرادات ١/ ١٠٣، ومطالب أولي النهى ٢٣٥/١، والإنصاف ٣٢٦/١ (٣) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١، وكشاف القناع ١٩٢/١، ومطالب أولي النهى ٢٣٥/١ (٤) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١، ومطالب أولي النهى ٢٣٦/١ الطاهر، لأنه يشق التحرز منه، وقال جماعة: ما لم يتكاثف. ١٥ - ويعفى عن يسير ماء تنجس بشيء معفو عن یسیره کدم وقیح فإنه یعفی عنه، قاله ابن حمدان في رعايتيه وعبارته: وعن يسير الماء النجس بما عفي عن يسيره من دم ونحوه، وأطلق المنقح فى التنقيح القول عن ابن حمدان بالعفو عن يسير الماء النجس ولم يقيده بما عفي عن يسير النجاسة(١). ١٦ - ويعفى عن ما في العين من نجاسة فلا يجب غسلها للتضرر به وكذا يعفى عن نجاسة داخل أذن لما فى ذلك من التضرر أيضاً وهو متجه كما قال الرحيباني (٢). ١٧ - ويعفى عن حمل كثير النجاسة في صلاة الخوف للضرورة(٣). ١٨ - ويعفى عن يسير طين شارع تحققت نجاسته لعسر التحرز منه ومثله تراب، قال في الفروع: وإن هبت ريح فأصاب شيئاً رطباً غبار نجس من طريق أو غيره فهو داخل في المسألة (٤)، وصرح الحنابلة بأن ما عفي عن (١) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١، ومطالب أولي النهى ٢٣٦/١ (٢) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١، ومطالب أولي النهى ٢٣٦/١-٢٣٧ (٣) مطالب أولي النهى ٢٣٧/١ (٤) مطالب أولي النهى ١/ ٢٣٧ - ٢٢٥ - مَعْقوَّات ١٨ - ٢١، مُعَلَّمٍ يسيره كالدم ونحوه عفي عن أثر كثيره على جسم صقيل بعد مسح، لأن الباقي بعد المسح یسیر وإن کثر محله فعفي عنه کیسیر غیرہ(١). وقالوا: یضم نجس یعفی عن يسيره متفرق بثوب واحد، بأن كان فيه بقع من دم أو قيح أو صديد فإن صار بالضم كثيراً لم تصح الصلاة فيه وإلا عفي عنه، ولا يضم متفرق في أكثر من ثوب بل يعتبر كل ثوب على حدته(٢). والمراد بالعفو في جميع ما تقدم أن الصلاة تصح معه مع الحكم بنجاسته حتى لو وقع هذا اليسير في ماء قليل نجسه (٣). أعيان المعقوات من الأنجاس: ١٩ - اختلف الفقهاء فى مسائل العفو عن النجاسات تبعاً لاختلافهم في ضوابط العفو عن النجاسات وتبعاً لاختلافهم في التقديرات التى اعتبروها للتمييز بين الكثير واليسير. ولمعرفة أعيان النجاسات المعفو عنها وموقف الفقهاء تجاه كل واحدة منها ينظر مصطلح (نجاسة، عفو ف ٧ - ١١). المعفوات في الصلاة: ٢٠ - ستر العورة شرط من شروط صحة (١) مطالب أولي النھی ٢٣٥/١ (٢) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١ (٣) المستوعب ٣٤٢/١، وانظر كشاف القناع ١٩٠/١ الصلاة فلا تصح الصلاة إلا بسترها، وقد اتفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها قصدا، واختلفوا فيما إذا انكشفت بلا قصد وفي المقدار المعفو عن انكشافه. وتفصيل ذلك في (مصطلح صلاة ف ١٢٠). المعفوات في الزكاة: ٢١ - اختلف الفقهاء في زكاة أوقاص السائمة، وتفصيل ذلك في (مصطلح أوقاص ف ٧ - ٩). وأما سائر الأموال الزكوية كالنقدين فلا يجري العفو فيها عند الجمهور فتجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه. وقال أبو حنيفة: ما زاد على النصاب عفو إلی أن یبلغ خمس نصاب ثم كل ما زاد على الخمس عفو إلى أن يبلغ خمساً آخر . والتفصيل في (زكاة ف ٧٢، وعفو ف ١٢) . مُعَلَّم انظر: بيع، صيد، مُعَلِّم - ٢٢٦ - ٠٠ مُعَلِّم ١ - ٢ مُعَلِّم التعريف: ١ - المعلم في اللغة - اسم فاعل من علّم، يقال: علّم فلانا الشيء تعليما: جعله يتعلمه(١). والمعلم من يتخذ مهنة التعليم، ومن له الحق في ممارسة إحدى المهن استقلالا، ولقد كان هذا اللقب أرفع الدرجات في نظام الصناع كالنجارين والحدادين(٢). ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ المعلم عن المعنى اللغوي من حيث إطلاقه على من يعلم الناس العلم كالحديث والفقه والفرائض وغير ذلك من العلوم. كما أطلقوه على من يعلم غيره صنعة قد (٣) برع فيها (٣). (١) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط . (٢) الصحاح للجوهري، والمعجم الوسيط، ولسان العرب (قسم المصطلحات العلمية والفنية). (٣) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٣٤٩/٢، والحطاب ٤٠٦/٥، والمدونة ٤١٩/٤، ونهاية المحتاج ٣٠٨/٥، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥/ ٢٧١، ٢٧٥، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٠ ما يتعلق بالمعلم من أحكام: يتعلق بالمعلم أحكام منها: فضل المعلم: ٢ - ورد في فضل من يعلم الناس العلم النافع بعض الأحاديث منها: ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتی النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)) (١). قيل : أراد بالخير هنا علم الدين وما به نجاة الرجل، ولم يذكر المعلم مطلقا ليعلم أن استحقاق الدعاء لأجل تعليم علم موصل إلى الخير، وفيه إشارة إلى وجه الأفضلية بأن نفع العلم متعد ونفع العبادة قاصر(٢). قال الغزالي: المعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه، والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل فتعليم العلم من وجه: عبادة لله تعالی ، ومن وجه: خلافة لله تعالى وهو من أجل خلافة الله، فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته (١) حديث: ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض .. )) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٠) من حديث أبي أمامة وقال: «هذا حدیث غریب)). (٢) المرقاة في شرح المشكاة ١/ ٢٨١، ٢٨٢ - ٢٢٧ - مُعَلِّم ٢- ٤ فهو کاخازن لأنفس خزائنه، ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه، فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى(١) . وذكر الغزالي من أحوال المعلم: حال التبصير قال: وهو أشرف الأحوال، فمن علم وعمل وعلّم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السموات فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب(٢). حق المعلم على المتعلم: ٣ - ينبغي للمتعلم أن يتواضع لمعلمه وينظر إليه بعين الاحترام ويرى كمال أهليته ورجحانه على أكثر طبقته إلى غير ذلك من الأمور. والتفصيل في مصطلح (تعلم وتعليم ف١٠) استحقاق المعلم الأجرة: ٤ - إن المعلم ينبغي له أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه فلا يطلب على إفادة العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا (١) إحياء علوم الدين ١٣/١ (٢) الإحياء ١ / ٥٥ شكورا، بل يعلم لوجه الله تعالى وطلبا للتقرب إليه ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة فمنفعتك بها تزید على منفعة صاحب الأرض فكيف تقلده منَّةً، وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى، ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب فلا تطلب الأجر إلا من الله تعالى(١) كما قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِلَاً أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). ولكن الفقهاء فصلوا القول في حكم أخذ المعلم الأجر وذلك أن المعلم إما أن يقوم بالتعليم حسْبة لوجه الله أو باشتراط أجر معين، فإن كان يقوم بعمله حسبة فيعطى من بيت المال ما یعینه علی عمله، ویسمی ما يعطاه رزقا ولا يسمى أجرا. قال ابن مفلح: واجب على الإمام أن يتعاهد المعلم والمتعلم ويرزقهما من بيت المال لأن في ذلك قواما للدين فهو أولى من الجهاد (٣). (١) الإحياء ١ / ٥٦، والمجموع للنووي ٢٨/١ (٢) سورة هود/ ٢٩ (٣) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٤٨، وحاشية ابن عابدين ٣٥/٥، والشرح الكبير مع الدسوقي ١٦/٤، ٦١، وحاشية الجمل ٥٤١/٣، ٥٤٥، وكشاف القناع ١٢/٤، ١٣ والآداب الشرعية ٢/ ٥٣ - ٢٢٨ - مُعلِّم ٤ -٥ وقد كان عمر بن الخطاب فىالله أول من جمع الأولاد في المكتب وأمر عامر بن عبد الله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم وجعل رزقه من بيت المال(١). وإن كان المعلم يقوم بالتعليم نظير أجر معلوم مشترط، ففي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح (تعلم وتعليم ف ١٥، بيت المال ف١٢، إجارة ف١٠٩ - ١١٠). أخذ الأجرة على تعليم الحرف والعلوم غير الشرعية: ٥ - أجاز الفقهاء أخذ الأجر على تعليم الحرفة والصنعة ولكنهم يختلفون في التفصيل بالنسبة لما يشترط أو يستحق من الأجر. قال الحنفية: إذا استأجر رجلا ليعلم ولده حرفة من الحرف فإن بين المدة بأن استأجر شهرا مثلا ليعلمه هذا العمل يصح العقد وينعقد على المدة حتى يستحق المعلم الأجر بتسليم النفس علّم أو لم يعلم، وإن لم يبين المدة ينعقد العقد فاسدا، ولو علمه يستحق أجر المثل وإلا فلا، فالحاصل أن فيه روايتين والمختار أنه يجوز، هكذا فى المضمرات . وإن دفع ابنه إلى رجل ليعلمه حرفة كذا (١) الفواكه الدواني ٣٥/١ ويعمل له الابن نصف عام لا يجوز، وإن علّم يجب أجر المثل، كذا في الوجيز للكردري(١). وقال المالكية: يجوز لمن له رقيق أو ولد دفعه لمن يعلمه صنعة معينة على أن تكون الأجرة عمل الغلام سنة في الصنعة التي يتعلمها لا بعمله للمعلم في صنعة غير التي يتعلمها، لكن نقل عن ابن عرفة منع الإجارة بعمله لأنه يختلف في الصبيان باعتبار البلادة والحذاقة فهو الآن مجهول. قال الدسوقي: فكأن المجيز رآه من الغرر اليسير فإن عَيَّنَا زمنا للعمل عمل به أي إن عَيَّنا زمن ابتداء السنة عمل به، وإن مات المتعلم نصف السنة فإن قيمة عمله توزع على قيمة التعليم من صعوبة وسهولة وينظر ما ينوب قيمة تعليمه إلى موته من قيمة العمل، فإن حصل للمعلم من قيمة العمل قدر قيمة تعلیمه فلا کلام له، وإن زاد له شيء بأن كان قيمة تعليمه أكثر من قيمة عمله قبل موته رجع به، فإذا كان قيمة عمله في السنة يساوي اثني عشر ومات في نصفها والحال أن تعليمه في النصف الأول يساوي ثمانية لصعوبة تعليمه في الابتداء وعمله في (١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٤٨ - ٢٢٩ - مُعَلِّم ٥ -٦ ورد النصف الأول قبل موته يساوي درهمين لكونه لم يتعلم بخلاف عمله في النصف الثاني فإنه يساوي عشرة لمقاربته للتعليم فللمعلم جهة العبد ثمانية أجرة تعليمه قبل موته وللولد عند المعلم درهمان أجرة عمله قبل موته فیتخاصمان في درهمين ويرجع المعلم بستة فيكون المعلم قد استوفى ثمانية هي ثلثا أجرة التعليم(١). واعتبر الشافعية أن أجرة تعليم الصبي حرفة تكون في ماله إن كان له مال وإلا فعلى من تجب نفقته(٢). (ر: إجارة ف ١٥١، تعلم وتعليم ف١٦). ما يعطى للمعلم زيادة على الأجرة: ٦ - ذهب المالكية إلى أن المعلم كما يستحق الأجرة المسماة له فإنه يستحق الحذاقة وهي المعروفة بالإصرافة (وهو ما يعطى للمعلم عند حفظ الصبي القرآن أو بعض سور مخصوصة). وإنما يستحق المعلم هذه الإصرافة إن اشترطت أو جرى بها عرف، ويقضى للمعلم بها على الأب إلا أن يكون اشترط عدمها، (١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٠ (٢) حاشية الجمل ١/ ٢٩٠، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٣٧٥/١ وهذا قول سحنون وهو المشهور، وقال أبو إبراهيم الأعرج إنما يقضى بها بالشرط ولا یقضی بها عند عدمه ولو جری بها عرف ولا حد فيها على المذهب، والرجوع فيها إلى حال الأب من يسر وعسر وينظر فيها أيضا إلى حال الصبي فإن كان حافظا كثرت الإصرافة بخلاف غيره، ومحلها من السور ما تقرر به العرف نحو: والضحى، وسبح، وعمّ وتبارك، فإن أخرج الأب ولده من عند المعلم قبل وصولها فإن كان الباقي إليها يسيرا لزمت الأب، وإلا لم تلزم إلا بشرط فيلزم منها بحسب ما مضى، ولا يقضى بها في مثل الأعياد وإنما تستحب، وإذا مات الأب أو الولد قبل القضاء بها سقطت كما تسقط إذا مات المعلم ولا طلب لورثته بشيء(١). وقال الشافعية: ما يُهدى للمعلم إن كانت الهدية لأجل ما يحصل منه من التعليم فالأولى عدم القبول لیکون عمله خالصا لوجه الله تعالى، وإن أهدى إليه تجببا وتوددا .(٢) لعلمه وصلاحه فالأولى القبول . وذكر ابن عابدين والحصكفي من الحنفية (١) الفواكة الدواني ١٦٤/٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ /١٦، ١٧. (٢) حاشية الجمل ٣٤٧/٥، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣، ٢٤٤ - ٢٣٠ - مُعَلِّم ٦ -٨ صورة تفيد جواز إعطاء المعلم زيادة، قال في الدر المختار: معلم طلب من الصبيان أثمان الحصر فجمعها فشري ببعضها وأخذ بعضها كان ذلك له لأنه تمليك له من الآباء، قال ابن عابدين: والدليل على أنه تمليك أنهم لا يتأملون منه أن يرد الزائد على ما يشترى به مع علمهم غالبا بأن ما يأخذه يزيد، والحاصل .. (١) أن العادة محكمة (١). وجوب تحري الحلال في الأجر: ٧ - المعلم الذي يعلم أن الأجر الذي يأخذه ثمن يعلمه يكتسبه ولي الصبي بسبب حرام من مکس أو ظلم أو غيرهما فلا یأخذ مما أتی به الصبي من تلك الجهة شيئا، اللهم إلا أن یکون یأتیه من غير تلك الجهات المحذر منها من جانب الشرع فلا بأس به مثل أن يأتيه بشيء من جهة أمه أو جدته أو غيرهما من وجه مستور بالعلم، فإن تعذرت جهة الحلال فلا يأخذ شيئا ويحذر من هذا جهده فإنه من باب أكل أموال الناس بالباطل إذ أنهم يأخذونه من أربابه بالظلم بالمصادرة والقهر وهو يأخذه على ظاهر أنه حلال في زعمه، وهذا أعظم في التحريم من الأول وإن كان كله حراماً (٢). (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢٧١/٥. (٢) المدخل ابن الحاج ٣٢٠/٢ ولا يجوز للمعلم قبول هديتهم أو يستخدمهم أو يرسلهم إلى نحو جنازة أو مولود ليقولوا شيئًا ويأخذ منهم ما يدفع لهم فإن فعل ذلك كان جرحه فى شهادته وإمامته إلا ما فضل من غذائهم مما تسمح به النفوس غالبًا وإلا ما كان من الخدمة معتادًا وخف بحيث لا يشغل الولد فيجوز(١). ما ينبغي أن يتصف به المعلم: ٨ - ينبغي للمعلم أن يكون عاملا بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر فإن خالف العمل العلم منع الرشد، وكل من تناول شيئا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به قال تعالى: ﴿أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾(٢). ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها (٣). (١) الفواكه الدواني ١٦٥/٢. (٢) سورة البقرة/ ٤٤. (٣) إحياء علوم الدين ١/ ٥٨، ٥٩. - ٢٣١ - مُعَلِّم ٨ وينبغي له أن يتخلق بالمحاسن التى ورد الشرع بها وحث عليها والخلال الحميدة والشيم المرضية التى أرشد إليها من التزهد في الدنيا والتقلل منها وعدم المبالاة بفواتها والسخاء والجود ومكارم الأخلاق وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزه عن دنيء الاكتساب وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع واجتناب الضحك والإكثار من المزاح وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية كالتنظيف بإزالة الأوساخ وتنظيف الإبط وإزالة الروائح الكريهة واجتناب الروائح المكروهة(١). وينبغي الحذر من الحسد والرياء والإعجاب واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات. وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة الإلهية، وطريقه في نفي الرياء أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه ويضر دينه ويحبط عمله ويرتكب سخط الله تعالى (١) المجموع للنووي ١/ ٢٨، وينظر تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم ص ٣٠ وما بعدها. ويفوت رضاه. وطريقه في نفي الإعجاب أن يعلم أن العلم فضل من الله تعالى ومعه عارية فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمي، فينبغي أن لا يعجب بشيء لم یخترعه ولیس مالکا له ولا علی یقین من دوامه، وطريقه في نفي الاحتقار التأدب بما أدبنا الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ أَتَّغَ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِنْدَ الَهِأَنْقَمْكُمْ﴾ (٢) فربما كان هذا الذي يراه دونه أتقى لله تعالى وأطهر قلبا وأخلص نية وأزكى عملاً(٣)، وينبغي أنه إذا فعل فعلا صحيحا جائزا في نفس الأمر ولكن ظاهره أنه حرام، أو مكروه أو مخل بالمروءة ونحو ذلك فينبغي له أن يخبر أصحابه ومن يراه يفعل ذلك بحقيقة ذلك الفعل لينتفعوا ولئلا يأثموا بظنهم الباطل ولئلا ينفروا عنه ويمتنع الانتفاع بعلمه (٤) ومن هذا قول النبي ◌َّام لمن رآه مع زوجته: ((هي صفية، أو هذه صفية)) (٥). (١) سورة النجم / ٣٢. (٢) سورة الحجرات/ ١٣ (٣) المجموع ٢٨/١. (٤) المجموع ٢٩/١ (٥) حديث: قوله حديثلم لمن رآه مع زوجته: ((هي صفية، أو هذه صفية» أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٨٢/٤) من حديث صفية. - ٢٣٢ - مُعَلِّم ٩ - ١٠ تصرف المعلم مع من يعلمهم: ٩ - قال النووي: ينبغي للمعلم أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية وتعوده الصيانة في جميع أموره الكامنة والجلية، وأول ذلك أن يحرضه بأقواله وأحواله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك تتفتح عليه أبواب المعارف وينشرح صدره وتتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف ويبارك له في حاله وعلمه ويوفق للإصابة في قوله وفعله وحکمه(١). وينبغي أن يرغبه في العلم ويذكره بفضائله وفضائل العلماء وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه علیھم. وينبغي أن يحنو عليه ويعتني بمصالحه کاعتنائه بمصالح نفسه وولده، وأن يصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في سوء أدب وجفوة تعرض منه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص. وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير ويكره له ما يكرهه لنفسه من الشر، ففي (١) المجموع للنووي ٣٠/١ الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتی یحب لأخيه ما يحب لنفسه)» وينبغي ألا يدخر عن الطلبة من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك ولا يلقي إليه شيئا لم يتأهل له لئلا يفسد عليه حاله، فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه وأنه لم يمنعه ذلك شحا بل شفقة ولطفا(٢). وينبغي أن يتفقدهم ويسأل عمن غاب منهم. ١٠ - وينبغي أن يكون باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم حريصا على هدايتهم ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه مالا يحتمل ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد على قدر درجته وبحسب فهمه وهمته فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهما محققا، ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ینحفظ له الدلیل، فإن جهل دليل بعضها (١) حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٧/١) ومسلم (٦٧/١) من حديث أنس بن مالك. (٢) المجموع للنووي ١/ ٣٠، ٣١، وينظر تذكرة السامع والمتكلم ص٤٨ - ٥١ - ٢٣٣ - مُعَلِّم ١٠ - ١١ ذكره له ویبین الدليل الضعيف لئلا يغتر به فيقول: استدلوا بكذا وهو ضعيف لكذا، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد (١). وينبغي أن يطالب الطلبة بإعادة محفوظاتهم ويسألهم عما ذکره لهم، فمن وجده حافظا أكرمه وأثنى عليه وأشاع ذلك ما لم يخف فساد حاله بإعجاب ونحوه، ومن وجده مقصرا عنفه إلا أن يخاف تنفيره ويعيده له حتى يحفظه حفظاً راسخا، وينصفهم في البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيرا ولا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله، فالحسد حرام للأجانب وهنا أشد فإنه بمنزلة الولد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها نصيب وافر فإنه مربيه وله في تعليمه وتخريجه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجميل، ويتحرى تفهیم الدروس بأيسر الطرق ویکرر ما یشکل من معانيه وألفاظه إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه بدون ذلك(٢). ١١ - وينبغي للمعلم أن لا يفعل شيئا يسكت به الطلبة، لأن في إسكات الطلبة وعدم الاستماع لأسئلتهم إخمادً للعلم لأنه قد (١) المجموع النووي ٣١/١، وينظر تذكرة السامع والمتكلم ص ٥٢ (٢) المجموع للنووي ١/ ٣٣، وينظر تذكرة السامع والمتكلم ص٥٤ يكون بعض الطلبة لم تظهر له المسألة ويريد أن یبحث فیھا حتی تتبین له، أو عنده سؤال وارد يريد أن يلقيه حتى يزيل ما عنده فيسكت إذ ذاك فيمنعه من المقصود. وينبغي أن لا يسكت أحدا إلا إذا خرج عن المقصود أو كان سؤاله وبحثه مما لا ينبغي فيسكته العالم برفق ويرشده إلى ما هو أولى في حقه من السكوت أو الكلام، فكيف يقوم على الطلبة شخص سيما إذا كان من العوام النافرين عن العلم فيؤذيهم ببذاءة لسانه وزجره بعنف فيكون ذلك سببا إلى نفور العامة أكثر سيما ومن شأنهم النفور في الغالب من العلم، لأنه حاكم عليهم، والنفوس في الغالب تنفر من الحكم عليها، فإذا رأى العوام ذلك الفعل المذموم يفعل مع الطلبة أمسكت العامة عن السؤال عما يضطرون إليه في أمر دينهم فيكون ذلك كتما للعلم واختصاصا به وشأن العالم سعة الصدر وهو أوسع من أن يضيق عن سؤال العامة وجفاء بعضهم عليه إذ أنه محل الكمال والفضائل وقد عُلم ما في سعة الخلق من الثناء في الكتاب والسنة ومناقب العلماء ما لا يأخذه حصر(١)، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ (١) المدخل لابن الحاج ٢/ ١٠٧ - ٢٣٤ - مُعَلِّم ١١ - ١٤ اٌلْقَلْبِ لَأَ نَفَضُوْ مِنْ حَوْلِكَ﴾(١). ١٢ - وينبغي له أن لا يترك الدرس لعوارض تعرض له من جنازة أو غيرها إن كان يأخذ على الدرس معلوما، فإن الدرس إذ ذاك واجب عليه، وحضور الجنازة مندوب إلیه، وفعل الواجب يتعين فإن الذمة معمورة به، ولا شيء آكد ولا أوجب من تخليص الذمة، إذ تخليصها هو المقصود ثم بعد ذلك ينظر في الواجبات والمندوبات فلو حضر الجنازة وأبطل الدرس لأجلها تعين عليه أن يسقط من المعلوم ما يخص ذلك، بل لو كان الدرس لیس له معلوم لتعین علی العالم الجلوس إلیه، إذ أنه تمحض لله تعالى، وكذلك لا يترك الدرس لأجل مريض يعوده أو ما أشبهه من التعزية والتهنئة المشروعة لأن هذا كله مندوب وإلقاء العلم متعين إن كان يأخذ عليه معلوماً، وقد يتعين عليه وإن لم يكن له معلوم (٢). ١٣ - ومعلم الصبيان ينبغي له أن يتولى تعليم الجميع بنفسه إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه وتعذر عليه فليأمر بعضهم أن يقرىء بعضا وذلك بحضرته وبين يديه ولا يخلي نظره عنهم لأنه إذا غفل قد تقع منهم مفاسد جمة لم تكن له في بال لأن عقولهم لم تتم، ومن (١) سورة آل عمران/ ١٥٩ (٢) المدخل لابن الحاج ١١٤/٢ - ١١٥ ليس له عقل إذا غفلت عنه وقتا ما فسد أمره وتلف حاله في الغالب، وينبغي له إذا وكل بعضهم ببعض أن لا يجعل صبيانا معلومین لشخص واحد منهم بل يبدل الصبيان في كل وقت على العرفاء، مرة يعطي صبيان هذا لهذا وصبيان هذا لهذا لأنه إذا كان لواحد صبيان معلومون فقد تنشأ بينهم مفاسد بسبب الود لا يشعر بها، فإذا فعل ما تقدم ذكره سلم من هذا الأمر، ويفعل هو في نفسه مثل ذلك فيأخذ صبيانهم تارة ويدفع لهم آخرين فإن كان الصبيان كلهم صغارا فلا بد من مباشرة ذلك كله بنفسه، فإن عجز عنه فليأخذ من يستنيبه من الحفاظ المأمونين شرعا بأجرة أو بغيرها (١). ١٤ - وينبغي أن يعلمهم أداب الدين كما يعلمهم القرآن فمن ذلك أنه إذا سمع الأذان أمرهم أن يتركوا كل ما هم فيه من قراءة وكتابة وغيرهما إذ ذاك ، فيعلمهم السنة في حكاية المؤذن، والدعاء بعد الأذان لأنفسهم وللمسلمين، لأن دعاءهم مرجو الإجابة سيما في هذا الوقت الشريف، ثم يعلمهم حكم الاستبراء شيئاً فشيئًا، وكذلك الوضوء والركوع، والصلاة وتوابعها، ويأخذ لهم في (١) المدخل لابن الحاج ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ - ٢٣٥ - مُعَلِّم ١٤ - ١٦ ذلك قليلاً قليلاً ولو مسألة واحدة في کل یوم أو يومين، وليحذر أن يتركهم يشتغلون بعد الأذان بغير أسباب الصلاة، بل یترکون كل ما هم فيه ويشتغلون بذلك حتى يصلوا في جماعة(١). وينبغي أن يكون وقت القراءة والتعليم معلوما حتى ينضبط الحال ولا يختل النظام، ومن تخلف عن ذلك الوقت منهم لغير ضرورة شرعية قابله بما يليق به، فرب صبي یکفیه عبوسة وجهه علیه، وآخر لا يرتدع إلا بالكلام الغليظ والتهديد، وآخر لا ينزجر إلا بالضرب والإهانة كل على قدر حاله(٢) ١٥ - وينبغي له أن لا يستقضي أحدا من الصبيان فيما يحتاج إليه إلا أن يستأذن أباه في ذلك، ويأذن له عن طيب نفس منه، ولا يستقضي اليتيم منهم في حاجة بكل حال، وليحذر أن يرسل إلى بيته أحداً من الصبيان البالغين أو المراهقين فإن ذلك ذريعة إلى وقوع ما لا ينبغي أو إلى سوء الظن بأهله، ولأن فيه خلوة الأجنبي بالمرأة الأجنبية وهو محرم، فإن سلموا من ذلك فلا يخلو من الوقيعة في أعراضهم(٣). وينبغي له أن لا يضحك مع الصبيان ولا يباسطهم لئلا يفضي ذلك إلى الوقوع في عرضه وعرضهم وإلى زوال حرمته عندهم إذ أن من شأن المؤدب أن تكون حرمته قائمة على الصبيان، بذلك مضت عادة الناس الذين يقتدى بهم فليهتد بهديهم(١). ويجب عليه أن يعدل بينهم في محل التعليم وفي التعليم وفي صفة جلوسهم عنده، ولا يجوز له تفضيل بعض على بعض في شيء من ذلك. ويجوز له ترك تعليمهم في نحو الجمع والأعياد لئلا تسأم أنفسهم بدوام التعليم (٢). وأول من شرع التخفيف عن الأولاد في التعليم عمر بن الخطاب فحه فأمر المعلم بالجلوس بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالي ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر ويستريحون بقية النهار. ثم شرع لهم الاستراحة يومي الخميس والجمعة ودعا بالخير لمن فعل ذلك(٣). ١٦ - وينبغي أن يكون الصبيان عنده بمنزلة واحدة فلا يفضل بعضهم على بعض، فابن الفقير وابن صاحب الدنيا على حد واحد في التربية والتعليم وكذلك من أعطاه ومن منعه، إذ بهذا یتبین صدق حاله فیما هو بصدده، فإن كان يعلم من أعطاه أكثر ممن لم يعطه فذلك دليل على كذبه في نيته، بل يجب أن یکون من لم يعطه أرجى عنده ممن يعطيه، (١) المدخل لابن الحاج ٣٢٥/٢، ٣٢٦ (٢) المدخل لابن الحاج ٣٢٦/٢ (٣) المدخل لابن الحاج ٣٢٨/٢ (١) المدخل لابن الحاج ٣٢٩/٢ (٢) الفواكه الدواني ١٦٥/٢ (٣) الفواكه الدواني ٣٥/١ - ٢٣٦ - مُعَلِّم ١٦ - ١٨ لأن من لم يعطه تمحض تعليمه لله تعالى بخلاف من أعطاه فإنه قد يكون مشوبا بدسيسة لا تُعلم السلامة فيه معها، والسلامة أولى ما يغتنم المرء فيغتنمها العاقل(١). (ر: تعلم وتعليم ف ٩، وطلب العلم ف ١٢ - ١٤). ضمان المعلم: ١٧ - اتفق الفقهاء على أن المعلم لو ضرب الصبي الذي يقوم بتعليمه ضربا غير معتاد فمات فإنه يضمن لمجاوزته الحد المشروع. أما لو كان الضرب معتادا فلا يضمن وذلك عند المالكية والحنابلة وكذلك عند الحنفية إذا كان بإذن وليه وإلا فيضمن، ويضمن عند الشافعية لأنه قد يستغني عن الضرب بالقول والزجر فضمنه (٢). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (تأديب ف١١، وتعلم وتعليم ف ١٣ - ١٤). الاصطياد بالمعلَّم من الجوارح: ١٨ -الاصطياد بالمعلم من الجوارح مشروع (٣) (١) المدخل لابن الحاج ٣١٨/٢، وينظر الفواكه الدواني ١٦٥/٢ (٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٦٣، والمدونة ٤١٩/٤، وجواهر الإكليل ٢٩٦/٢، ومغني المحتاج ١٩٩/٤، والمغني ٥٣٧/٥ (٣) نبيين الحقائق ٦/ ٥٠ - ٥١، وحاشية ابن عابدين ٢٩٨/٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧٥، كشاف القناع ٦/ ٢٢٢، ٢٢٥. لقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِبِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ بِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْمِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ أُسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١). ولما روى أبو ثعلبة الخشني في ثه أنه سأل رسول الله عَّم عن الصيد بالقوس والكلب المعلم، والكلب غير المعلم فقال له رسول الله دقّم: ((ما صدت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك الذي لیس معلماً فأدركت ذکاته فكل»(٢). ولأن الناس كانوا يمارسون الصيد في عهد رسول الله عليَّلَم وعهود أصحابه وتابعيهم من غير نکیر. ولأن الصيد نوع اكتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك (٣) وأما ما يشترط فى الجوارح المعلمة فينظر تفصيله في (مصطلح صيد ف ٣٨ وما بعدها). ١ (١) سورة المائدة/ ٤ (٢) حديث: أبي ثعلبة الخشني ((أنه سأل رسول الله عز بهم عن الصيد بالقوس ... » أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦١٢) ومسلم (١٥٣٢/٣) (٣) البناية شرح الهداية ٩/ ٥٧٣، وتبيين الحقائق ٦/ ٥١، وبداية المجتهد ١ /٤٥٧، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٠٣، والمنتقى ١٢٣/٣، وروضة الطالبين ٢٤٦/٣، والمجموع ٩/ ٩٣، وصحيح مسلم بشرح النووي ٧٤/١٣، والمغني لابن قدامة ٨/ ٥٤٢، والإنصاف ٤٢٧/١٠ . - ٢٣٧ - معْيَار، مُعيد، مغابنة، مُغَالاة ١ - ٢ مِعْيَار انظر: مقادير و معيد انظر: مدرس مُغَابَنَة انظر: غبن مُغَالاة التعريف: ١- المغالاة في اللغة: المبالغة في الشيء، ومجاوزة الحد فيه. يقال: غالى بالشيء: اشتراه بثمن غال، ويقال: غاليت صداق المرأة: أي أغليته، ومنه قول عمر في شه: ((ألا لا تغالوا في صدُقَات النساء(١)))، وأصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل (٢) شيء (٢) . ولا يخرج المعنى في الاصطلاح عن المعنى اللغوي (٣) الألفاظ ذات الصلة: الرخص: ٢- الرخص في اللغة: ضد الغلاء، من رخُص الشيء رُخْصاً فهو رخيص من باب قرب، يقال: أرخص الله السعر، ويتعدى (١) أثر عمر فيّه: ((ألا لا تغالوا في صدقات النساء)). أخرجه النسائي (١١٧/٥) والحاكم (١٧٧/٢)، واللفظ للحاكم، وصححه الحاكم. (٢) لسان العرب، والمصباح المنير، وترتيب القاموس، والمعجم الوسيط، والمغرب للمطرزي. (٣) حاشية الطحطاوي على الدر ١/ ٣٧٠، والمجموع ١٩٥/٥، وكشاف القناع ١٢٩/٥. - ٢٣٨ - مُغَالاة ٢ - ٣ بالهمزة وبالتضعيف. وارتخصت الشيء: اشتريته رخيصاً (١) . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن المعنى اللغوي. والصلة بين المغالاة والرُّخص هي التضاد. الأحكام المتعلقة بالمغالاة: تتعلق بالمغالاة أحكام منها: المغالاة في المهر: ٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه ليس للمهر حد أعلی مقدر (٢)، فحينما أراد عمر ناه تحديد المهور، نهى أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم، وخطب الناس فيه فقال: ((ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أکثر من شيء ساقه رسول الله عِدَّم أو سيق له إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، أكتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل کتاب الله، فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه (١) لسان العرب، والمصباح المنير. (٢) روضة الطالبين ٢٤٩/٧، وكشاف القناع ١٢٨/٥ - ١٢٩، وحاشية الدسوقي ٣٠٩/٢ ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُ واْمِنْهُ شَيْئًا﴾" فقال عمر فىّه: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له)»(٢). ومع ذلك فقد صرح المالكية بكراهة المغالاة في المهور، بمعنى ما خرجت بها عن (٣) عادة أمثالها (٣) . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه یسن تخفيف الصداق وعدم المغالاة في المهور (٤)، لقوله عزَّ لام: ((إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمهاء (٥). ولما روى ابن عباس ظيوشك أن النبي علَ بيم قال: "خيرهن أيسرهن صداقاً" (٦). (١) سورة النساء/ ٢٠ (٢) أثر عمر فيه: ((ألا لا تغالوا في صداق النساء ... )) أخرجه البيهتي (٢٣٣/٧) وأعله بالانقطاع. (٣) حاشية الدسوقي على الدردير ٣٠٩/٢. (٤) روضة الطالبين ٢٤٩/٧، وكشاف القناع ١٢٨/٥ - ١٢٩، وحاشية الدسوقي ٣٠٩/٢ (٥) حديث: ((إن من يمن المرأة .. ) أخرجه أحمد (٧٧/٦) والحاكم (١٨١/٢) من حديث عائشة، واللفظ لأحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٦) حديث: "خيرهن أيسرهن صدائًا)). رواه الطبراني في الكبير (٧٨/١١ -٧٩)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ /٢٨١)، قال: رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما جابر الجعفي وهو ضعيف وقد وثقه شعبة والثوري، وفي الآخر رجاء بن الحارث ضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجالهما ثقات. - ٢٣٩ - مُغَالاة ٣ -٥ ففي هذين الحديثين دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب ومرغوب إليه، لأن المهر إذا كان قليلاً لم يستصعب النكاح من يريده، فيكثر الزواج المرغوب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيراً، فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء - الذين هم الأکثر في الغالب - غیر مزوجین، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي عزّام(١). وقال الشافعي فخّه: والاقتصاد في الصداق أحب إلينا(٢). المغالاة في الكفن: ٤ - اتفق الفقهاء على أنه تكره المغالاة في الكفن، لما روى علي فِحثّه أن النبي عِدَّام قال: "لا تغالوا في الکفن، فإنه يُسلب سلبا سريعاً» (٣). قال ابن عابدين: المراد بالمغالاة في الكفن الزيادة على كفن المثل. وقال النووي: يستحب تحسين الكفن، قال (١) نيل الأوطار ١٦٩/٦ ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان. (٢) المجموع ٣٢٧/١٦. والأم ٥٨/٥ (٣) حديث: ((لا تغالوا في الكفن .. » رواه البيهقي (٤٠٣/٣) في سننه الكبرى، وعند أبي داود (٣/ ٢٧٠) بلفظ ((یسلبه)). أصحابنا: والمراد بتحسينه بياضه ونظافته وسبوغه و كثافته، لا كونه ثميناً، حدیث النهي عن المغالاة المتقدم. وقال القاضي حسين والبغوي: الثوب الغسیل أفضل من الجدید، ودلیله حدیث عائشة ضِرّما قالت: نظر أبو بكر فحوّه إلى ثوب كان يمرض فيه، فقال: ((اغسلوا هذا وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق: قال: الحي أحق بالجديد من الميت))، وهذا كله يدل على رخص الكفن(١). المغالاة في العبادة: ٥ - ينبغي أن يقتصد المسلم في طاعة الله، وأن يكون وسطاً بين الغلو والتفريط في عبادة الله، ولا يكلف نفسه بما لا يطيق، لأن النبي عِّم قال: ((إياكم والغلو في الدين))(٢)، ولأن النبي عِدَّم لما بلغه خبر الثلاثة الذين قال أحدهم: إني لا أتزوج النساء، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أقوم ولا أنام - خطب وقال: ((ما بال أقوام يقولون (١) حاشية ابن عابدين ٥٧٨/١ ط مصطفى الحلبي، والمنتقى شرح الموطأ ٧/٢، والمجموع شرح المهذب ١٩٥/٥ - ١٩٧، والقليوبي وعميرة ٣٤٦/١، وعون المعبود ٤٣٠/٨، وكشاف القناع ١٠٤/٢ - ١٠٥ (٢) حديث: ((إياكم والغلو في الدين)) رواه أحمد (٢١٥/١) والحاكم في مستدركه (٤٤٦/١)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. - ٢٤٠ -