Indexed OCR Text

Pages 1-20

د
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
المُؤْسُوعَةُ الفِقْهِيَّة
الجزء الثامن والثلاثون
مصحَف -مُگُوس

◌ِلَّهِ الرَّمِالرَّحِيمِ
١٠٤٠
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن
كُلِّ فِقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيْتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾.
(سورة التوبة/ آية: ١٢٢)
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
(أخرجه البخاري ومسلم)

الْعَةُالفِقْهِيَّةَ
وهيه
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص. ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

مُصْحَف ١ - ٣
مُصْحَف
التعريف:
١ - المُصحف بضم الميم، ويجوز المصْحَفُ
بكسرها، وهي لغة تميم، وهو لغة: اسم لكل
مجموعة من الصحف المكتوبة ضُمّت بين
دفتين، قال الأزهري: وإنما سمي المصحف
مصْحفًا لأنه أُصْحِفَ، أي جُعل جامعًا
للصحف المكتوبة بين الدفتين(١).
والمصحف في الاصطلاح: اسم
للمكتوب فيه كلام الله تعالى بين الدفتين.
ويصدق المصحف على ما كان حاويًا
للقرآن كله، أو كان مما يسمّى مصحفا عرفا
ولو قليلاً كحزب، على ما صرح به القليوبي،
وقال ابن حبيب: يشمل ما كان مصحفًا جامعًا
أو جزءًا أو ورقة فيها بعض سورة أو لوحًا أو
كتفا مكتوبة (٢).
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ /١٢٥، وحاشية
القليوبي على شرح المنهاج ٣٥/١
الألفاظ ذات الصلة:
القرآن:
٢ - القرآن لغة: القراءة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا
قَرَأْتَهُ فَعْ قُرْءَانَهُ﴾(١) .
وهو في الاصطلاح: اسم لكلام الله تعالى
المنزل على رسوله محمد عن ام المتعبد
بتلاوته، المكتوب في المصاحف المنقول
إلينا نقلاً متواتراً(٢).
فالفرق بينه وبين المصحف: أن
المصحف اسم للمكتوب من القرآن الكريم
المجموع بين الدفتين والجلد، والقرآن اسم
لكلام الله تعالى المكتوب فيه (٣) .
الأحكام المتعلقة بالمصحف:
تتعلق بالمصحف أحكام منها:
لمس الجنب والحائض للمصحف:
٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمحدث
حدثا أكبر أن يمسّ المصحف، روي ذلك عن
ابن عمر رضي الله عنهما، والقاسم بن محمد
(١) سورة القيامة / ١٨
(٢) البحر المحيط للزركشي ٤٤١/١، الكويت، وزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية ١٤٠٩ ه والمستصفى للغزالي ٦٤/١
القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى ١٣٥٦ هـ
(٣) بدائع الصنائع ٩،٨/٣
- ٥ -

مُصْحَف ٣ - ٥
والحسن وقتادة وعطاء والشعبى، قال ابن
قدامة: ولا نعلم مخالفا في ذلك إلا داود (١) .
وسواء في ذلك الجنابة والحيض
والنفاس، فلا يجوز لأحد من أصحاب هذه
الأحداث أن يمسّ المصحف حتی یتطهر، إلا
ما يأتي استثناؤه.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لََّ يَمَسُّهُ: إِلَّا
اَلْمُطَهَّرُونَ﴾(٢) .
وبما في كتاب النبي ◌ّپام لعمرو بن حزم
رضي الله عنه إلی أهل الیمن(٣) ، وهو قوله ((لا
يمس القرآن إلا طاهر)) (٤)، وقال ابن عمر: قال
النبي علَّم: ((لا يمس القرآن إلا طاهر))(٥) .
لمس المحدث حدثا أصغر للمصحف:
٤- ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يجوز
(١) ابن عابدين ١١٦/١، ١٩٥، والفتاوى الهندية ٣٨/١،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ١٢٥، وتفسير القرطبي
١٧/ ٢٢٥، والمغني ١ / ١٤٧، القاهرة، دار المنار ١٩٦٧ م،
وشرح منتهى الإرادات ١٠٥/١، ٧٢، القاهرة، مطبعة أنصار
السنة.
(٢) سورة الواقعة/ ٧٩
(٣) تفسير القرطبي ٢٢٥/١٧، والمغني ١٤٧/١، وشرح
المنهاج بحاشية القليوبي ١ /٣٥، ومغني المحتاج ٣٧/١
(٤) حديث: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)).
أخرجه الدارمي (١٦١/٢)، والدارقطني (١٢٢/١)
وصححه إسحاق بن راهويه كما نقل عنه ابن المنذر في
((الأوسط)) (٢ / ١٠٢)
(٥) حديث: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)).
أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣١٣/١٢)، وقال ابن حجر
في ((التلخيص)) (١/ ١٣٣) إسناده لا بأس به.
للمحدث حدثا أصغر أن يمس المصحف،
وجعله ابن قدامة مما لا يعلم فيه خلافًا عن غير
داود.
وقال القرطبي: وقيل: يجوز مسّه بغير
وضوء، وقال القليوبي من الشافعية: وحكى
ابن الصلاح قولا غريبا بعدم حرمة مسه
مطلقاً (١) .
ولا يباح للمحدث مسّ المصحف إلا إذا
أتم طهارته، فلو غسل بعض أعضاء الوضوء
لم يجز مسّ المصحف به قبل أن يتمّ وضوءه،
وفي قول عند الحنفية: يجوز مسّه بالعضو
الذي تم غسله(٢) .
مسّ الجنب والمحدث للمصحف بغير
باطن اليد:
٥ - يسوي عامة الفقهاء بين مسّ المصحف
بباطن اليد، وبين مسّه بغيرها من الأعضاء، لأن
كل شيء لاقى شيئا، فقد مسَّه إلا الحكم
وحمادًا، فقد قالا: يجوز مسّه بظاهر الید وبغير
اليد من الأعضاء، لأن آلة المسّ الید.
(١) تفسير القرطبي ٢٢٦/١٧، والدسوقي ١٢٥/١، وحاشية
ابن عابدين ١١٦/١، والفتاوى الهندية ٣٨/١، والمغني
١/ ١٤٧، وشرح المنتهى ٧٢/١، وشرح المنهاج بحاشية
القليوبي ٣٥/١
(٢) المغني ١٤٩/١، وشرح المنتهى ٧٣/١، والفتاوى الهندية
٣٩/١
- ٦ -

مُصْحَف ٥ - ٧
وفي قول عند الحنفية: يمنع مسّه بأعضاء
الطهارة ولا يمنع مسّه بغيرها، ونقل في الفتاوى
الهندية عن الزاهدي أن المنع أصح (١).
مسّ جلد المصحف وما لا كتابة فيه من
ورقه:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة إلى أنه يمتنع على غير
المتطهر مسّ جلد المصحف المتصل، والحواشي
التي لا كتابة فيها من أوراق المصحف،
والبياض بين السطور، وكذا ما فيه من
صحائف خالية من الكتابة بالكلّية، وذلك لأنها
تابعة للمكتوب وحريم له، وحريم الشيء تبع
له ويأخذ حكمه(٢).
وذهب بعض الحنفية والشافعية إلى جواز
ذلك (٣).
حمل غير المتطهر للمصحف، وتقليبه
لأوراقه و کتابته له:
٧- ذهب الحنفية والحنابلة، وهو قول الحسن
(١) المغني ١/ ١٤٧، وشرح المنتهى ٧٢/١، والفتاوى الهندية
٣٩/١، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٢٥/١
(٢) قاله ابن العربي المالكي كما في تفسير القرطبي ٢٢٦/١٧،
وانظر قاعدة: ((حريم الشيء له حكم ما هو حريم له)) في
الأشباه والنظائر الفقهية للسيوطي ص ١٢٤ القاهرة، مصطفى
الحلبي، ١٣٧٨ هـ.
(٣) حاشية ابن عابدين ١٩٥/١، والفتاوى الهندية ٣٨/١،
والدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥، والقليوبي على شرح
منهاج الطالبين ٣٥/١، وشرح منتهى الإرادات ٧٢/١
وعطاء والشعبيّ والقاسم والحكم وحمّاد، إلى
أنه لا بأس أن يحمل الجنب أو المحدث
المصحف بعلاقة، أو مع حائل غير تابع له، لأنه
لا یکون ماسًا له فلا يمنع منه كما لو حمله في
متاعه، ولأن النهي الوارد إنما هو عن المسّ ولا
مسّ هنا، قال الحنفية: فلو حمله بغلاف غير
مخيط به، أو في خريطة - وهي الكيس - أو
نحو ذلك، لم یکره.
وذهب المالكية والشافعية والأوزاعي، وهو
رواية خرّجها القاضي عن أحمد إلى أنه لا
يجوز ذلك، قال المالكية: ولا يحمله غير
الطاهر ولو على وسادة أو نحوها، ككرسي
المصحف، أو في غلاف أو بعلاقة، وكذا قال
الشافعية في الأصح عندهم: لا يجوز له حمل
ومسّ خريطة أو صندوق فيهما مصحف، أي
إن أعدّا له، ولا يمتنع مسّ أو حمل صندوقٍ
أعدّ للأمتعة وفيه مصحف.
ولو قلب غير المتطهّر أوراق المصحف
بعود في يده جاز عند كل من الحنفية والحنابلة،
ولم يجز عند المالكية على الراجح، وعند
الشافعية صحح النووي جواز ذلك لأنه ليس
بمس ولا حمل، قال: وبه قطع العراقيون من
أصحاب الشافعي.
- ٧ -

مُصْحَف ٧ - ٨
....
وقال التّتائي من المالكية: لا يجب أن
يكون الذي يكتب القرآن على طهارة لمشقة
الوضوء كل ساعة.
ونقل عن محمد بن الحسن أنه كره أن
يكتب المصحف المحدث ولو من غير مسّ
باليد، لأنه يكون ماسًا بالقلم.
وفي تقليب القارئ غير المتطهر أوراق
المصحف بكمّه أو غيره من الثياب التي هو
لابسها عند الحنفية اختلاف. قال ابن عابدين:
والمنع أولى لأن الملبوس تابع للابسه، وهو قول
الشافعية.
وقال الحنفية: لو وضع علی یده منديلا أو
نحوه من حائل ليس تابعا للمصحف ولا هو
من ملابس الماسّ فلا بأس به، ومنعه المالكية
والشافعية ولو استخدم لذلك وسادة أو
نحوها(١) .
على أنه يباح لغير المتطهر عند المانعين حمل
المصحف ومسّه للضرورة، قال الشافعية: يجوز
للمحدث حمله لخوف حرق أو غرق أو
تنجس أو خیف وقوعه فی ید کافر أو خيف
(١) حاشية ابن عابدين ١١٨،١١٧/١، والفتاوى الهندية
٣٨/١، وتفسير القرطبي ٢٢٧/١٧، وشرح المنهاج ٣٦/١،
والمغني ١ / ١٤٨، وشرح المنتهى ١ / ٧٢
ضياعه أو سرقته، ويجب عند إرادة حمله
التيمم أي حيث لا يجد الماء، وصرح بمثل ذلك
المالكية (١).
من يستثنى من تحريم مسّ المصحف على
غير طهارة:
١ - الصغير:
٨ - ذهب الحنفية وهو قول عند المالكية إلى أنه
يجوز للصغير غير المتطهر أن يمس المصحف،
قالوا: لما في منع الصبيان من مسّه إلا بالطهارة
من الحرج، لمشقة استمرارهم على الطهارة،
ولأنه لو منعوا من ذلك لأدى إلى تنفيرهم من
حفظ القرآن وتعلمه، وتعلمه فى حال الصغر
أرسخ وأثبت.
قال الحنفية: ولا بأس للكبير المتطهر أن
يدفع المصحف إلى صبي.
وذهب المالكية فى قول آخر عندهم إلى أن
الصغير لا يمسّ المصحف إلا بطهارة،
(٢)
كالبالغ (٢).
وقال الشافعية: لا يمنع الصبي المميز
(١) حاشية القليوبي ٣٥/١ - ٣٧، ومغني المحتاج ٣٧/١
والدسوقي ١٢٥/١، ١٢٦
(٢) تفسير القرطبي ٢٢٧/١٧، وابن عابدين ١١٧/١، والفتاوى
الهندية ٣٩/١، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ١/ ٣٧،
والمغني ١٤٨/١
- ٨ -

مُصْحَف ٨ - ١١
٠٠٠
المحدث ولو حدثا أكبر من مسّ ولا من حمل المصحف سواء كان كاملا أو جزءاً منه أو
اللوح الذي كتب فيه القرآن، قال بعضهم:
لوح ولا مصحف یتعلم منه، أي لا یجب منعه
من ذلك لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهرا،
بل یستحب.
ولیس ذلك للجنب، لأن رفع حدثه بيده ولا
يشق، كالوضوء، بخلاف الحائض فإن رفع
حدثها ليس بيدها، لكن المعتمد عندهم أن
قالوا: وذلك في الحمل المتعلق بالدراسة،
فإن لم يكن لغرض، أو كان لغرض آخر منع
منه جزما.
الجنب رجلا كان أو إمرأة، صغيراً كان أو بالغا
يجوز له المسّ والحمل حال التعلم والتعليم
للمشقة.
أما الصبي غير المميز فيحرم تمكينه من
ذلك لئلا ينتهکه(١).
وذهب الحنابلة فى المذهب إلى أنه لا يجوز
للصبي مسّ المصحف، أي لا يجوز لوليه
تمكينه من مسّه، وذكر القاضي رواية بالجواز
وهو وجه فى الرعاية وغيرها.
وأمّا الألواح المكتوب فيها القرآن فلا
يجوز على الصحيح من المذهب عندهم مسّ
الصبي المكتوب فى الألواح، وعنه يجوز،
وأطلقهما فى التلخيص.
وأمّا مسّ الصبي اللوح أو حمله فيجوز
على الصحيح من المذهب (٢).
ب - المتعلم والمُعلّم ونحوهما:
٩ - يرى المالكية أنه يجوز للمرأة الحائض التي
تتعلم القرآن، أو تعلّمه حال التعليم مس
(١) مغني المحتاج ٣٨/١
(٢) الإنصاف ٢٢٣/١، وكشاف القناع ١/ ١٣٤
وسواء كانت الحاجة إلى المصحف
للمطالعة، أو كانت للتذكر بنية الحفظ (١).
مسّ المحدث كتب التفسير ونحوها مما
فيه قرآن:
١٠ - اختلف الفقهاء فى حكم مسّ المحدث
كتب التفسير، فذهب بعضهم إلى حرمة ذلك،
وذهب غیرهم إلى الجواز.
والتفصيل فى مصطلح (مسّ ف ٧).
مسّ غير المتطهر المصحف المكتوب
بحروف أعجمية، وكتب ترجمة معاني
القرآن:
١١- المصحف إن كتب على لفظه العربي
بحروف غير عربية فهو مصحف وله أحكام
المصحف، وبهذا صرح الحنفية، ففى الفتاوى
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٢٦/١
- ٩ -

مُصْحَف ١١ - ١٣
الهندية وتنوير الأبصار: يكره عند أبى حنيفة
لغير المتطهر مسّ المصحف ولو مكتوباً بمثل ذلك الحنابلة.
بالفارسية، وكذا عند الصاحبين على الصحيح.
وعند الشافعية مثل ذلك، قال القليوبي:
تجوز كتابة المصحف بغير العربية لا قراءته بها،
ولها حكم المصحف فى المسّ والحمل.
أما ترجمة معاني القرآن باللغات الأعجمية
فليست قرآنا، بل هي نوع من التفسير على ما
صرح به المالكية، وعليه فلا بأس أن يمسّها
التفسير (١) .
صيانة المصحف عن الاتصال
بالنجاسات:
١٢ - يحرم تنجيس المصحف، فمن ألقى
المصحف فى النجاسات أو القاذورات متعمدا
مختارا یحکم بردته، قال الشافعية: يحرم وضع
أوراق المصحف على نجس، ومسّها بشئ نجس
ولو عضواً من أعضائه، ويجب غسل المصحف
إن تنجّس ولو أدی غسله إلی تلفه، ولو كان
(١) تفسير القرطبي ٣٦٨/٢، والدسوقي على الشرح الكبير
١٢٥/١، وحاشية ابن عابدين ١٨/١، والفتاوى الهندية
٣٩/١، والقليوبي ٣٦/١
لمحجور عليه، ويحرم كتابته بشئ نجس، وصرح
وذكر الشافعية والحنابلة أنه يحرم مسّ
المصحف بعضو نجس قياساً على مسّه مع
الحدث، أما إن كانت النجاسة على عضو ومسّه
بعضو آخر طاهر فلا يحرم، وذكر الحنابلة أيضا
أنه يحرم كتابة القرآن بحيث يتنجس ببول
حيوان أو نحو ذلك.
ویحرم کتابة المصحف فى ورق نجس أو
المحدث، عند من لا يمنع مسّ المحدث لكتب بمداد نجس (١).
دخول الخلاء بمصحف:
١٣ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يكره-
ولا يحرم - أن يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه
اسم الله تعالى أو شيء من القرآن تعظيما له،
قال القليوبي: هو مكروه وإن حرم من حيث
الحدث، وهو ظاهر كلام الحنابلة، لما ورد أن
النبي علّم: ((كان إذا دخل الخلاء وضع
خاتمه))(٢)، قال في شرح المنتهى: وجزم
بعضهم بتحريمه في المصحف، وقال صاحب
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٣٦/١، والتبيان في آداب
حملة القرآن للنووي ص١١٦، وشرح منتهى الإرادات
٧٣/١
(٢) حديث: ((كان النبي ،پام إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)).
أخرجه أبو داود (١/ ٢٥) وقال : هذا حديث منكر.
- ١٠ -

مُصْحَف ١٣ - ١٥
الإنصاف: لا شك في تحريمه قطعا من غير
حاجة.
وذهب المالكية إلى أنه يحرم دخول الخلاء
سواء أكان كنيفا أو غيره بمصحف، كامل أو
بعض مصحف، قالوا: لكن إن دخله بما فيه
بعض من الآيات لابال له - أي من حيث الكثرة
- فالحكم الكراهة لا التحريم.
قالوا: وإن خاف ضياعه جاز أن يدخل به
معه بشرط أن يكون فى سائر يمنع وصول
الرائحة إلیه، ولا يكفي وضعه فى جيبه، لأنه
ظرف متسع(١) .
جعل المصحف فى قبلة الصلاة:
١٤ - يكره عند المالكية والحنابلة جعل
المصحف فى قبلة المصلي لأنه يلهيه، قال
أحمد: كانوا يكرهون أن يجعلوا فى القبلة
شيئا حتى المصحف، لكن المكروه عند المالكية
تعمد جعله فى القبلة ليصلي إلیه، ولا یکره إن
لم يتعمده، كما لو كان ذاك موضعه الذي يعلق
فيه عادة (٢).
ولا يكره ذلك عند الحنفية إن لم يكن
(١) الفتاوى الهندية ١/ ٥٠، وابن عابدين ١١٩/١، والدسوقي
على الشرح الكبير ١٠٧/١، والقليوبي على شرح المنهاج
٣٨/١، وشرح منتهى الإرادات ٣٠/١
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٥٥/١، وشرح منتهى
الإرادات ١/ ١٩٧
جعله ليقرأ منه، قالوا: لأن الكراهة فيما يكره
استقباله فى الصلاة باعتبار التشبه بعبادها،
والمصحف لم يعبده أحد، واستقبال أهل
الكتاب مصاحفهم للقراءة منها لا لعبادتها،
ومن هنا كره أبو حنيفة القراءة فى الصلاة من
المصحف(١).
القراءة من المصحف في الصلاة
وغيرها:
١٥ - ذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس للمصلي أن
يقرأ من المصحف، فإن قرأ بالنظر فى المصحف
فسدت صلاته مطلقا، أي قليلا كان ما قرأه أو
كثيرا، إماماً كان أو منفرداً، وكذا لو كان ممن لا
يمكنه القراءة إلا منه لكونه غیر حافظ.
وقد اختلف الحنفية فى تعلیل قوله، فقيل:
لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب
الأوراق عمل كثير، وقيل: لأنه تلقّن من
المصحف، فصار كما إذا تلقن من غيره،
وصحح هذا الوجه فى الكافي تبعا لتصحيح
السرخسي، وعليه فلو لم يكن قادراً على
القراءة إلا من المصحف فصلى بلا قراءة فإنها
تجزئه.
وذهب الصاحبان إلى تجويز القراءة
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٣٨/١
- ١١ -

٠٠٠
....
مصحف ١٥ - ١٦
٠٠ ....
للمصلي من المصحف مع الكراهة لما في ذلك
من التشبه بأهل الكتاب(١) .
وذهب المالكية إلى أنه يكره للمصلي
القراءة من المصحف فى فرض أو نفل لكثرة
الشغل بذلك، لکن کراهته عندهم فى النفل إن
قرأ فى أثنائه، ولا يكره إن قرأ فى أوله، لأنه
يغتفر فى النفل ما لا يغتفر فى الفرض (٢)، قال
ابن قدامة: ورويت الكراهية فى ذلك عن ابن
المسيب والحسن ومجاهد والربيع.
وأجاز الحنابلة القراءة في المصحف فى
قیام رمضان إن لم یکن حافظاً، لما ورد عن
عائشة وها أن مولى لها اسمه ذكوان كان
يؤمها من المصحف(٣)، ويكره فى الفرض على
الإطلاق، لأن العادة أنه لا يحتاج إليه فيه،
ويكره للحافظ حتى في قيام رمضان، لأنه
يشغل عن الخشوع وعن النظر إلى موضع
السجود (٤).
وذهب الشافعية إلى أن المصلي لو قرأ في
مصحف ولو قلّب أوراقه أحيانا لم تبطل
صلاته، لأن ذلك يسير أو غير متوال لا يشعر
(٥)
بالإعراض (٥).
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٩/١
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣١٦/١
(٣) المغني ١ / ٥٧٥
(٤) شرح منتهى الإرادات ١/ ٢٤١
(٥) أسنى المطالب ١٨٣/١
أما في غير الصلاة فإن القراءة من
المصحف مستحبة لاشتغال البصر بالعبادة، وقد
ذهب بعض الفقهاء إلى تفضيل القراءة من
المصحف على القراءة عن ظهر قلب، لأنه يجمع
مع القراءة النظر في المصحف، وهو عبادة
أخرى، لكن قال النووي: إن زاد خشوعه
وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهو
أفضل في حقه (١).
اتباع رسم المصحف الإمام:
١٦ - ذهب جمهور فقهاء الأمة إلى وجوب
الاقتداء في رسم المصاحف برسم مصحف
عثمان رضي الله عنه، لكونه قد أجمع الصحابة
عليه(٢).
سئل الإمام مالك: أرأيت من استكتب
مصحفًا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث
الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك،
ولكن يكتب على الكِثْبَةِ الأولى، وروي أنه
سئل عن الحروف التي تكون في القرآن مثل
الواو والألف، أترى أن تغير من المصحف إذا
وجدت فيه كذلك؟ فقال: لا، قال الداني: يعني
(١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٥٥، والفتاوى الهندية
٣١٧/٥
(٢) المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار للداني، دمشق
١٩٤٠م، البرهان في علوم القرآن للزركشي ٣٧٩/١،
ط عيسى البابي الحلبي، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي
١٦٦/٢ وما بعدها.
- ١٢ -

مُصْحَف ١٦ - ١٧
الواو والألف الزائدتين فى الرسم المعدومتين
في اللفظ، قال: ولا مخالف لمالك في ذلك من
علماء الأمة، وقال أحمد: تحرم مخالفة
مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير
ذلك(١).
وقال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب
مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي
كتبوا به هذه المصاحف ولا يخالفهم فيه، ولا
يغير مما كتبوا شيئا، فإنهم كانوا أكثر علمًا
وأصدق لسانا وأعظم أمانة منّا، فلا ينبغي أن
(٢)
نظن بأنفسنا استدراكا عليهم
ومن هنا صرح الحنابلة وغيرهم أنه لا
ينبغي أن يقرأ في الصلاة بما يخرج عن
مصحف عثمان كقراءة ابن مسعود رضي الله
عنه وغيرها، لأن القرآن ثبت بالتواتر، وهذه لم
يثبت التواتر بها، فلا يثبت كونها قرآنا،
واختلفوا في صحة صلاته إذا قرأ بشيء منها
مما صحت به الرواية، كبعض ما روي من قراءة
ابن مسعود رضي الله عنه (٣) .
وصحح المحققون من أئمة القراءة بأن
(١) المقنع فى معرفة مرسوم المصاحف للداني (ص ٩ - ١٠) وعنه
نقله السيوطي فى الإتقان ١٦٧/٢، وشرح المنتهى ١ /٧٤
(٢) الإتقان للسيوطي ١٦٧/٢
(٣) المغني ٤٩٢/١
القراءة الصحيحة لابد أن توافق رسم مصحف
عثمان رضي الله عنه ولو احتمالا(١).
والخلاف في هذه المسألة منقول عن
عزالدين بن عبدالسلام فقد نقل عنه الزركشي
قوله: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم
الأولى باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير
الجهال. وتعقبه الزركشي بقوله: لا ينبغي إجراء
هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم،
وشيءٌ أحكمته القدماء لا يترك مراعاةً لجهل
الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله
بالحجة (٢).
ونقل عن أبي بكر الباقلاني مثل قول ابن
(٣)
عبد السلام (٣) .
آداب كتابة المصحف:
١٧ - استحب العلماء كتابة المصاحف،
وتحسين كتابتها وتجويدها، والتأنق فيها.
واستحبوا تبيين الحروف وإيضاحها
وتفخيمها، والتفريج بين السطور، وتحقيق
(١) النشر فى القراءات العشر لابن الجزري ٩/١ بيروت، دار
الكتاب العربي، مصور عن طبعة القاهرة.
(٢) البرهان في علوم القرآن ٣٧٩/١، القاهرة، دار إحياء الكتب
العربية، ١٣٧٦ هـ.
(٣) مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ عبد العظيم الزرقاني
٣٧٣/١ - ٣٧٤
- ١٣ -

مُصْحَف ١٧ - ١٩
الخط، وكان ابن سيرين يكره أن تمدّ الباء من
بسم الله الرحمن الرحيم إلی الیم حتی تکتب
السين، قال: لأن في ذلك نقصًا.
ونقلت : كراهة كتابة المصحف بخط
دقيق، وتصغير حجم المصحف عن عمر بن
الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
ویحرم أن یکتب المصحف بمداد نجس أو
في ورق أو شيء نجس.
ونقل أبو عبيد بسنده عن ابن عباس
وأبي ذر وأبي الدرداء رضي الله عنهم أنهم
كرهوا كتابته بالذهب، ونقل السيوطي عن
الغزالي أنه استحسن کتابته بالذهب، وأجاز
البرزلي والعدوي والأجهوري من المالكية
ذلك، والمشهور عند المالكية كراهة ذلك لأنه
يشغل القارئ عن التدبر(١).
إصلاح ما قد يقع في كتابة
بعض المصاحف من الخطأ:
١٨ - ينص الحنفية والشافعية على أن إصلاح
ما قد يقع في بعض المصاحف من الخطأ في
(١) الإتقان للسيوطي ٢/ ١٧٠، والفتاوى الهندية ٣٢٢/٥،
وحاشية ابن عابدين ٢٤٧/٥، والدسوقي على الشرح الكبير
١/ ٦٣، والتبيان في آداب حملة القرآن ص ١١٣
کتابتها واجب، وإن ترك إصلاحه أثم، حتى لو
کان المصحف لیس له بل كان عارية عنده،
فعليه إصلاحه ولو لم يعلم رضا صاحبه بذلك،
وقال ابن حجر: لا يجوز ذلك إلا برضا مالكه،
وقال القليوبي: محل الجواز إذا كان بخط
مناسب وإلا فلا(١).
النقط والشكل ونحوذلك في
المصاحف:
١٩- نقل عن بعض السلف من الصحابة
والتابعين كراهة إدخال شيء من النقط ونحوه،
وأمروا بتجريد المصحف من ذلك، فعن ابن
مسعود رضي الله عنه أنه قال: جردوا المصحف
ولا تخلطوه بشيء، وكره النخعي نقط
المصاحف، وكره ابن سيرين النقط والفواتح
والخواتم.
وكان المصحف العثماني خاليا من النقط
حتى إن الباء والتاء والثاء مثلا كانت بصورة
واحدة لا تتميز في الكتابة، وإنما يعرفها القارئ
بالمعنى.
والنقط كان أولا لبيان إعراب الحروف،
أي حركاتها، وهو الذي عمله أبو الأسود
(١) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ٤ /٥٠٧، وشرح
المنهاج وحاشية القليوبي عليه ١٩/٣
- ١٤ -

٠٠٠٠
مُصْحَف ١٩ - ٢١
الدؤلي، ثم استعملت علامات الشكل التي
اخترعها الخليل بن أحمد، واستخدم النقط
لتمييز الحروف المتشابهة بعضها عن بعض
كالباء والتاء والثاء.
وورد عن بعض التابعين وتابعيهم
الترخيص في ذلك، قال ربيعة بن أبي
عبدالرحمن: لا بأس بشكله، وقال مالك: لا
بأس بالنقط في المصاحف التي تتعلم فيها
العلماء، أما الأمهات فلا.
وقال ابن مجاهد والداني: لا يُشْكَل إلا ما أحدث في المصاحف إلا النقط
يُشْكِل.
وقال النووي: نقط المصحف وشكله
مستحب لأنه صيانة له من اللحن والتحريف،
قال: وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما
كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه،
وقد أمن من ذلك اليوم فلا منع(١) .
وعلى هذا استقر العمل منذ أمد طويل في
المصاحف، وأما في غيرها فالعمل على قول
ابن مجاهد والداني.
(١) المحكم فى نقط المصاحف للداني ص ٢ وما بعدها، ط١
دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد، ١٩٦٠م، وتفسير القرطبي
١/ ٦٣، ٥٩، والفتاوى الهندية ٣٢٣/٥، وابن عابدين
٢٤٧/٥، والإتقان فى علوم القرآن ٢/ ١٧١، والتبيان فى
آداب حملة القرآن ص ١١٣
التعشير والتحزيب والعلامات الأخرى
في المصاحف:
٢٠ - التعشير: أن يجعل علامة عند انتهاء كل
عشر آيات، والتخميس: أن يجعل علامة عند
انتهاء كل خمس، والتحزيب أن يجعل علامة
عند مبتدأ کل حزب.
ومن أول العلامات التي أدخلت في
المصاحف جعل ثلاث نقاط عند رؤوس الآي،
قال يحيى بن كثير: ما كانوا يعرفون شيئا مما
رءوس الآي، وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط
عند آخر الآي، ثم الفواتح والخواتم، أي
فواتح السور وخواتمها، وقد أنكره بعض
السلف (انظر: تعشير ف ٣)، ورخص فيه
غيرهم واستقر العمل على إدخال تلك
العلامات لنفعها لقراء القرآن، وأدخلت أيضًا
علامات السجدات والوقوف وأسماء السور
وعدد الأجزاء وعدد الآيات وغير ذلك، لكن
بوضع يميزها عما هو كلام الله تعالى (١) .
أخذ الأجر على كتابة المصحف:
٢١ - اختلف النقل عن السلف فى أخذ الأجرة
(١) الإتقان في علوم القرآن ١١٧/٢، وتفسير القرطبي ٦٣/١،
٥٩.
٠٠٠
- ١٥ -

مصحف ٢٢ - ٢٣
على كتابة المصحف، فقد أخرج ابن أبي داود
في كتاب المصاحف عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه كره أخذ الأجرة على كتابة المصاحف،
ومثله عن أيوب السختياني ومحمد بن
سیرین.
وأخرج عن سعيد بن جبير وابن المسيب
والحسن أنهم قالوا: لا بأس بذلك.
وإلى هذا الأخير ذهب الحنفية، ففي
الفتاوى الهندية: لو استأجر رجلاً لیکتب له
مصحفا وبيَّنَ الخطّ جاز(١).
تحلية المصاحف:
٢٢- ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز تحلية
المصاحف بالذهب والفضة سواء كانت للرجال
أو النساء لما في ذلك من تعظيم القرآن، لكن
قال المالكية: إن الذي یجوز تحلیته جلده من
خارج لا كتابته بالذهب، وأجازه بعضهم،
وأجازوا أيضًا كتابته في الحرير وتحلیته به.
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم إلى
جواز تحلية المصحف بالفضة مطلقا، وبالذهب
للنساء والصبيان، وتحريمه بالذهب في
مصاحف الرجال.
(١) الفتاوى الهندية ٤٤٩/٤، مثله فى فتاوي قاضيخان بهامش
الهندية ٣/ ٣٢٣
وذهب الحنابلة إلى كراهة تحليته بشيء من
النقدين، وهو قول أبي يوسف من الحنفية.
وذهب الشافعية في قول إلى تحريم تحلية
القرآن بالذهب، وقال ابن الزاغوني من
الحنابلة: يحرم سواء حلاّه بذهب أو فضة(١).
بيع المصحف وشراؤه:
٢٣- اختلف العلماء سلفًا وخلفًا في بيع
المصاحف وشرائها، فذهب البعض إلى كراهة
بيعها وشرائها تعظيما لها وتكريما، لما في
تداولها بالبيع والشراء من الابتذال، وهو قول
المالكية وقول الشافعية، ورويت كراهية بيعها
عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم
وسعيد بن جبير وإسحاق والنخعي، قال ابن
عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها، وورد
عن عبدالله بن شقيق أنه قال: كان أصحاب
رسول الله قيام يشددون في بيع المصاحف.
وذهب بعض السلف إلى إجازة بيعها،
منهم محمد بن الحنفية، والحسن، وعكرمة،
والشعبي، لأن البيع يقع على الورق والجلد
(١) الفتاوى الهندية ٣٢٣/٥، وابن عابدين ١ /٦٥٨، والمجموع
للنووي ٦/ ٤٢، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢٤/٢،
٢٥، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٧٣
- ١٦ -

مُصْحَف ٢٣ - ٢٥
وبدل عمل يد الكاتب، وبيع ذلك مباح، قال التصاوير، أو يستأجركَرْماً لينظر فيه
الشعبي: لا بأس ببيع المصحف، إنما يبيع الورق
وعمل یدیه.
وفرق الشافعية في الأصح - ونقلوه عن
نص الشافعي - والحنابلة في معتمدهم بين البيع
والشراء، فكرهوا البيع - وفي رواية عند
الحنابلة يحرم ويصح - وأجازوا الشراء
والاستبدال، وروي عن ابن عباس قال: اشتر
المصاحف ولا تبعها، ووجه ذلك أن في البيع
ابتذالاً بخلاف الشراء، ففيه استنقاذ المصحف
وبذل للمال في سبيل اقتنائه وذلك إكرام،
قالوا: ولا يلزم من كراهة البيع كراهة الشراء،
کشراء دور مكة ورباعها، وشراء أرض السواد،
لا یکره، ویکره للبائع (١) .
إجارة المصحف:
٢٤ - ذهب الحنفية والحنابلة وابن حبيب من
المالكية إلى عدم جواز إجارة المصحف.
أما الحنفية فعلة المنع عندهم أنه ليس في
القراءة في المصحف أكثر من النظر إليه، ولا
تجوز الإجارة لمثل ذلك، كما لا يجوز أن
يستأجر سقفاً لينظر إلى مافيه من النقوش أو
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٨/٤، وشرح المنهاج
بحاشية القليوبي ١٥٧/٢، والإتقان للسيوطي ١٧٢/٢،
والمغني ٢٦٣/٤، وشرح المنتهى ١٤٣/٢
للاستئناس من غير أن يدخله، ومن أجل ذلك
لا تجوز عندهم أيضا إجارة سائر الكتب.
وأما الحنابلة في الوجه المعتمد عندهم فقد
بنوا تحريم إجارته على تحريم بيعه، قالوا: ولما
في إجارته من الابتذال له.
وأما ابن حبيب فقد منع إجارته على
الرغم من أنه يرى جواز بيعه، لأن الأجرة تكون
کالثمن للقرآن، أما بيعه فهو ثمن للورق والجلد
والخط.
وذهب المالكية إلى جواز إجارة المصحف
للقراءة فيه، قالوا: مالم يقصد بإجارته التجارة،
وإلا كرهت.
ووجه الجواز عندهم أنه نفع مباح تجوز
الإعارة فيه، فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب
التي يجوز بيعها(١).
رهن المصحف:
٢٥ - القاعدة : أن ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا
يجوز بيعه لا يجوز رهنه، ولذا يصح رهن
المصحف عند کل من جوّز بیعه، لأنه يمكن
بيعه واستيفاء الدين من ثمنه، وأما من لم
(١) الفتاوى الهندية ٤٤٩/٤، والدسوقي على الشرح الكبير
٤ / ٢٠، والمغني ٥٠٤/٥، وشرح المنتهى ٣٥٧/٢
- ١٧ -

مُصْحَف ٢٥ - ٢٨
يجوّز بيعه فلا يجوز عنده رهنه لعدم الفائدة في
ذلك، وهو المعتمد عند الحنابلة نص عليه
أحمد (١).
وقف المصحف:
٢٦ - يجوز وقف المصاحف للقراءة فيها عند
محمد بن الحسن، استثناء من عدم جواز وقف
المنقولات، لجريان التعارف بوقف المصاحف،
وإلى قوله هذا ذهب عامة مشايخ الحنفية،
وعليه الفتوى عندهم، وهو مقتضى قول
غيرهم بجواز وقف المنقولات.
وذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز وقفها
كسائر المنقولات غير آلات الجهاد.
ثم إن وقفه على مسجد معين يجوز، ويقرأ
به في هذا المسجد خاصة، نص عليه الحنفية،
وفي قول عندهم: لا يكون مقصوراً على هذا
(٢)
المسجد بعينه (١).
إرث المصحف:
٢٧ - يورث المصحف على القول المفتى به عند
الحنفية، وهو مقتضى قواعد غيرهم من أن كل
ملوك یورث عن مالكه.
وفى قول عند الحنفية: لا يورث، وهو قول
النخعي، فلو كان للميت ولدان أحدهما
(١) المغني ٣٤٣/٤، والفتاوى الهندية ٤٣٥/٥
(٢) الفتاوى الهندية ٣٦١/٢
قارىء والآخر غير قاريء، يعطى المصحف
(١)
للقارىء (١).
القطع بسرقة المصحف:
٢٨- ذهب الحنفية، وهو قول أبي بكر
والقاضي أبي يعلى من الحنابلة إلى أن سارق
المصحف لا يقام عليه الحد، قال ابن عابدين:
لأن آخذه يتأوّل في أخذه القراءة والنظر فيه،
ولأنه لا مالية له لا عتبار المكتوب فيه وهو كلام
الله تعالی، وهو لا يجوز أخذ العوض عنه، وإنما
يقتنى المصحف لأجله، لا لأجل أوراقه أو
جلده.
ويسري ذلك عند الحنفية على ما على
المصحف من الحلية لكونه في حكم التابع له،
وللتابع حكم المتبوع، كمن سرق صبيا عليه
ثياب قيمتها أكثر من نصاب فلايقطع بها، لأنها
تابعة للصبي ولا قطع في سرقته، وفي الفتاوى
الهندية نقل عن السراج الوهاج: لا قطع في
سرقة المصحف ولو كان عليه حلية تساوي
ألف دینار.
واختار أبو الخطاب، وهو ما استظهره ابن
قدامة من كلام الإمام أحمد إلى أنه يقطع
بسرقة المصحف، لعموم آية السرقة، ولأنه
(١) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ٤٨٦/٥، والفتاوى
الهندية ٢/ ٣٦١، والإتقان للسيوطي ١٧٢/٢
- ١٨ -

مُصْحَف ٢٨ - ٣٠
متقوّم تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع بسرقته، الكافر مصحفا للقراض صح، لأنه للقراض،
ولا ملك للمضارب فیه(١).
ككتب الفقة والتاريخ وغيرها(١).
منع الكافر من تملك المصحف والتصرف
فيه:
٢٩ - لا يجوز أن يشتري الكافر مصحفا، لما في
ذلك من الإهانة، فإن اشتراه فالشراء فاسد،
واحتج الفقهاء لذلك بحديث ابن عمر: ((نهى
النبي ◌ِيَّام أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
خافة أن تناله أيديهم)) (٢).
والشافعية يرون حرمة بيع المصحف
للكافر، لكن إن باعه له ففي صحة البيع عندهم
وجهان: أظهرهما : لا يصح البيع، والثاني:
يصح ويؤمر في الحال بإزالة ملكه عنه (٣).
قال القليوبي: ولو وكل الكافر مسلماً
بشراء مصحف لم يصح لأن الملك له یقع، ولو
وكل المسلم كافرا بالشراء صح لأنه يقع
للمسلم، وكذا لو قارض مسلم كافرا فاشترى
(١) الفتاوى الهندية ١٧٧/٢، وابن عابدين ١٩٩/٣، والمغني
٢٤٧/٨
(٢) الفتاوى الهندية ١١٥/٣، والمغني ٢٩٢/٤، والقليوبي على
شرح المنهاج ١٥٦/٢
وحديث: (نهى النبي ◌ِّيّم أن يسافر ... ))
أخرج البخاري (فتح الباري ١٣٣/١٠) الشطر الأول منه،
وأخرجه مسلم (١٤٩١/٣) بتمامه.
(٣) التبيان فى آداب حملة القرآن ص ١١٣
ولا تصح هبة الكافر مصحفاً ولا الوصية
(٢)
له به (٢) .
ولا يصح وقف المصحف على كافر (٣).
ويحرم أن يعطي كافراً مصحفا عارية ليقرأ فيه
ويرده، ولا تصح الإعارة، وقال الرملي: تصح
الإعارة فيه مع الحرمة (٤) .
مَسّ الكافر المصحف، وعمله في نسخ
المصاحف وتصنيعها:
٣٠- يمنع الكافر من مسّ المصحف، كما يمنع
منه المسلم الجنب، بل الكافر أولى بالمنع، ويمنع
منه مطلقا، أي سواء اغتسل أو لم يغتسل،
وفي الفتاوى الهندية: أن أبا حنيفة قال: إن
اغتسل جاز أن يمسَّ، وحكي في البحر عن أبي
حنيفة وأبي يوسف المنع مطلقا (٥) .
ويمنع الكافر من العمل في تصنيع
المصاحف، ومن ذلك ما قال القليوبي: يمنع
الكافر من تجليد المصحف وتذهيبه، لكن
(١) القليوبي على شرح المنهاج ١٥٦/٢، ٥٧/٣
(٢) المغني ٦/ ١٠٤
(٣) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٩٩/٣
(٤) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ١٩/٣
(٥) الفتاوى الهندية ٣٢٣/٥، وابن عابدين ١١٩/١، وشرح
منتهى الإرادات ١/ ٧٤
- ١٩ -

٠٠
مُصْحَف ٣٠ - ٣٢
قال البهوتي: يجوز أن ينسخ الكافر المصاحف
دون مسٍّ أو حمل(١) .
السفر بالقرآن إلى أرض العدو:
٣١ - لا يجوز أن يخرج المسلم بالمصحف إلى
بلد العدو الكافر، سواء كان في جهاد أو غيره،
لئلا يقع في أيديهم فيهينوه أو يمسوه وهم على
كفرهم، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة، حديث ابن عمر رضي الله
عنهما مرفوعا: (( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض
العدو، مخافة أن تناله أيديهم)» (٢).
قال ابن عبد البرّ من المالكية: أجمع
الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا
والعسكر الضعيف المخوف عليه.
أما إن كان يؤمن على المصحف في ذلك
السفر من نيل العدوّ له فقد اختلف الفقهاء في
ذلك، فأجاز الحنفية السفر به، وذكروا من ذلك
صورتين:
الأولى: أن يكون الخارج به في جيش كبير
یؤمن عليه فلا کراهة حينئذ.
(١) شرح منتهى الإرادات ٧٤/١، والقليوبي على شرح المنهاج
١٩/٣، ومغني المحتاج ٣٨/١
(٢) حديث: ((لا تسافروا بالقرآن ... ))
تقدم تخريجه ف (٢٩)
الثانية: إذا دخل إليهم مسلم بأمان، وكانوا
يوفون بالعهد، جاز أن يحمل المصحف معه.
وقال المالكية: يحرم أيضا لنص الحديث ولو
في جيش آمن، لأنه قد يسقط منهم ولا يشعرون
به، فيأخذه العدو فتناله الإهانة، وقال المالكية
أيضا: ولو أن العدوّ طلب أن يرسل إليهم
مصحف ليتدبّروه، حرم إرساله إليهم خشية
إهانتهم له، فلو أرسل إليهم كتاب فيه آية أو
نحوها لم يحرم ذلك(١) ، وقد أرسل النبي
صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كتابا في ضمنه
الآية: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ
سَوَآْعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُهَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ
بِهِ، شَيْئًا﴾ الآية(٢).
استثناء المصحف من جزاء الغالِّ بحرق
متاعه:
٣٢ - إن غلّ أحد الغانمين في الجهاد شيئا من
الغنيمة فقد ذهب الأوزاعي والحنابلة - خلافا
للجمهور- إلی أنه یحرق متاعه، لکن لا يحرق
المصحف، لما روى صالح بن محمد ابن زائدة،
قال: دخلت مع مسلمة بن عبدالملك أرض
الروم، فأتي برجل قد غلَّ، فسأل سالمًا
(١) حاشية ابن عابدين ٢٢٣/٣، ٢٢٤، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ١٧٨/٢، والمغني ١٤٩/١، وشرح المنتهى ١/ ٧٣،
وفتح الباري ٦/ ١٣٤ ط السلفية، والتبيان في آداب حملة
القرآن ص ١١٣
(٢) سورة آل عمران / ٦٤
- ٢٠ -