Indexed OCR Text

Pages 321-340

شقة ٥ - ٨
د - الحاجة:
٥ - الحاجة تطلق على الافتقار، وعلى
مايفتقر إليه مع محبته(١).
واصطلاحاً: ما يفتقر إليها من حيث
التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى
الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب.
والفرق بين المشقة والحاجة أن الحاجة
وإن كانت حالة جهد فهي دون المشقة
ومرتبتها أدنى منها (٢).
الأحكام المتعلقة بالمشقة:
أولا: أوجه المشقة:
٦ - يترتب على المشقة أحكام شرعية ورخص
متعددة، تعتمد على نوع المشقة ودرجتها.
ولاتخلو جميع التكاليف في الشريعة
الإسلامية من جنس المشقة أصلاً، بل إن
التكليف ماسمي بهذا إلا لأنه طلب ما فيه
كلفة ومشقة، فلا يخلو شيء من التكاليف من
المشقة وبيان ذلك في أن أوجه المشقة أربعة.
الوجه الأول: مشقة مالا يطاق:
٧ - وهي المشقة التي لا يقدر العبد على
حملها أصلاً، فهذا النوع لم يرد التكليف به
في الشرع أصلاً، إذ لاقدرة للمكلف عليه في
(١) المفردات للراغب الأصبهاني.
(٢) الموافقات للشاطبي ١٠/٢، ١١، والأشباه
للسيوطي ص ٨٥
العادة، فلايقع التكليف به شرعاً، وإن جاز
عقلاً، فتكليف مالايطاق يسمى مشقة من
حيث كان تكلّفُ الإنسان نفسه بحمله موقعاً
في عناء وتعب لايجدي، كالمقعد إذا تكلف
القيام، والإنسان إذا تكلف الطيران فى الهواء،
وماأشبه ذلك فحين اجتمع مع المقدور عليه
الشاق الحمل إذا تحمل في نفس المشقة
سمي العمل شاقاً والتعب في تكلف حمله
مشقة(١).
الوجه الثاني: المشقة التي تطاق لكن فيها
شدة:
٨ - المشقة التى تطاق ويمكن احتمالها، لكن
فيها شدة، وهذا الوجه يكون خاصاً بالمقدور
عليه إلا أنه خارج عن المعتاد في الأعمال
العادية، بحيث يشوش على النفوس في
تصرفها ويقلقها في القيام بما فيه تلك المشقة.
إلا أن هذا الوجه على ضربين:
أحدهما: أن تكون المشقة مختصة بأعيان
الأفعال المكلف بها، بحيث لو وقعت مرة
واحدة لوجدت فيها، وهذا هو الموضع الذي
وضعت له الرخص المشهورة في اصطلاح
الفقهاء، كالصوم في المرض والسفر،
والإتمام في السفر وما أشبه ذلك.
(١) الموافقات للشاطبي ١٠٧/٢، ١١٩ - ١٢٠، ومسلم الثبوت
١٢٣/١، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/ ٧
- ٣٢١ -

مشقَّة ٨
والثاني: أن لاتكون مختصة ولكن إذا نظر
إلى كليات الأعمال والدوام عليها صارت
شاقة ولحقت المشقة العامل بها، ويوجد هذا
في النوافل وحدها إذا تحمل الإنسان منها
فوق مايحتمله على وجه مّا إلا أنه في الدوام
يتعبه(١).
ولذلك فإن الشارع لم یقصد إلى التكليف
بالشاق والإعنات فيه، والدليل على ذلك
النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيَّهِمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَاْ إِصْرَّاكَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِيَأْ﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿لَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٥)، وقوله تعالى:
﴿يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ
ضَعِيفًا﴾(٦)، وجاء في الحديث عن عائشة
رضي الله عنها أن النبي صلز: ((ما خير بين
أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثماً)(٧)،
(١) الموافقات ٢/ ١٢٠، ومسلم الثبوت ١٢٣/١، وقواعد
الأحكام ٢/ ٧
(٢) سورة الأعراف / ١٥٧
(٣) سورة البقرة / ٢٨٦
(٤) سورة البقرة / ٢٨٦
(٥) سورة الحج / ٧٨
(٦) سورة النساء / ٢٨
(٧) حديث عائشة: ((أن النبي# ماخير بين أمرين إلا اختار
=
ایسرهما»
وإنما قالت: ((مالم يكن إثماً)، لأن ترك الإثم
لامشقة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه
ذلك مما في هذا المعنى ولو كان قاصداً
للمشقة لما كان مريداً لليسر ولاللتخفيف،
ولكان مريدا للحرج والعسر وذلك باطل.
کما یستدل على ذلك بما ثبت أيضاً من
مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به ومما
علم من دين الأمة بالضرورة: كرخص السفر،
والفطر، والجمع، وتناول المحرمات في
الاضطرار(١)، فإن هذا نمط بدل قطعاً على
مطلق رفع الحرج والمشقة، وكذلك بما جاء
في النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في
الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشارع
قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثمّ
ترخيص ولاتخفيف، وهو بدل على عدم قصد
الشارع إليه (٢)، فإنه لاينازع في أن الشارع
قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما،
ولكن لاتسمى في العادة المستمرة مشقة، كما
لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش
بالتحرف وسائر الصنائع، لأنه ممكن معتاد
لا يقطع مافيه من الكلفة عن العمل في الغالب
المعتاد، وإلی هذا المعنى يرجع الفرق بين
= أخرجه البخاري (الفتح ٨٦/١٢) ومسلم (١٨١٣/٤)
واللفظ لمسلم.
(١) الموافقات للشاطبي ١٢٢/٢
(٢) الموافقات ١٢٢/٢ - ١٢٣
- ٣٢٢ -

مشَقَّة ٨ - ١١
المشقة التي لاتعد مشقة عادة، والتي تعد
مشقة، وهو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام
عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه وإلى وقوع
خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، أو حال من
أحواله فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن
لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلايعد
في العادة مشقة وإن سميت كلفة(١).
فما تضمن التكليف الثابت على العباد من
المشقة المعتادة أيضاً ليس بمقصود الطلب
للشارع من جهة نفس المشقة، بل من جهة
مافي ذلك من المصالح العائدة على
المكلف(٢).
الوجه الثالث: الزيادة في الفعل على ماجرت
به العادة:
٩ - وهو إذا كان الفعل خاصاً بالمقدور عليه،
وليس فيه من التأثير في تعب النفس خروج
عن المعتاد في الأعمال العادية، ولکن نفس
التكليف به زیادة على ماجرت به العادات قبل
التكليف شاقٌ على النفس، ولذلك أطلق عليه
لفظ التكليف، وهو في اللغة يقتضي معنى
المشقة، لأن العرب تقول: كلفته تكليفاً إذا
حملته أمراً يشق عليه وأمرته به، وتكلفت
الشيء: إذا تحملته على مشقة، وحملت
الشيء تكلفته: إذا لم تطقه إلا تكلّفاً، فمثل
(١) الموافقات ١٢٣/٢
(٢) الموافقات ١٢٣/٢-١٢٤
هذا يسمى مشقة بهذا الاعتبار، لأنه إلقاء
بالمقاليد ودخول أعمال زائدة على ما اقتضته
الحياة الدنيا(١).
الوجه الرابع: أن يكون ملزماً بما قبله:
١٠ - وهو أن يكون التكليف خاصاً بما يلزم
عما قبله، فإن التكليف إخراج المكلف عن
هوى نفسه، ومخالفة الهوى شاقة على
صاحب الهوى مطلقاً، ويلحق الإنسان بسببها
تعب وعناء، وذلك معلوم في العادات الجارية
في الخلق، وذلك أن مخالفة ماتهوی الأنفس
شاق عليها، والشارع إنما قصد بوضع
الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى
يكون عبداً لله، فإذاً مخالفة الهوى ليست من
المشقات المعتبرة في التكليف (٢).
ثانيا: القواعد الفقهية المنظمة لأحكام المشقة:
١١ - وضع الفقهاء مجموعة من القواعد
الفقهية لضبط أحكام المشقة، ومن هذه
القواعد (المشقة تجلب التيسير) يعنى أن
الصعوبة تصير سبباً للتسهيل، ويلزم التوسيع
في وقت المضايقة.
ويتفرع على هذا الأصل كثير من الأحكام
الفقهية كالقرض والحوالة والحجر وغير
(١) الموافقات ١٢١/٢
(٢) الموافقات ١٢١/٢-١٥٣
- ٣٢٣ -

مشقَّة ١١
ذلك، وماجوزه الفقهاء من الرخص
والتخفيفات في الأحكام الشرعية مستنبط من
هذه القاعدة:
وتعتبر المشقة سبباً هاماً من أسباب
الرخص، وهي تختلف بالقوة والضعف،
بحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم
وضعفها، وبحسب الأعمال، فليس للمشقة
المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص،
ولاحد محدود یطرد في جمیع الناس، ولذلك
أقام الشرع السبب مقام العلة واعتبر السفر لأنه
أقرب مظَانٌ وجود المشقة .. وليست أسباب
الرخص بداخلة تحت قانون أصلي، ولاضابط
مأخوذ باليد، بل هي إضافيّة بالنسبة إلى كل
مخاطب في نفسه(١).
والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْمُسْرَ﴾(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَاجَعَلَ عَلَيْگُمْ فِيالدِّينِ
مِنْ حَرَجْ﴾ (٣)، وقوله وَله: ((بعثت بالحنيفية
السمحاء)»(٤)، وفي لفظ آخر: ((أحب الأديان
(١) الموافقات ١٥٥/٣،٣١٤/١، ومجلة الأحكام العدلية
ص١٨، وشرح المجلة للأناسي ٥١/١، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ص ٧٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٦
(٢) سورة البقرة / ١٨٥
(٣) سورة الحج / ٧٨
(٤) حديث: ((بعثت بالحنيفية السمحاء)»
أخرجه أحمد (٢٦٦/٥) من حديث أبي أمامة.
إلى الله الحنيفية السمحة))(١).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه وغيره قوله
وَالى: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا
(٢)
معسرين))(٢).
وقالت عائشة رضي الله عنها: ((ماخير
رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم
يكن إثما)»(٣).
ويتخرج على هذه القاعدة جميع رخص
الشرع وتخفيفاته.
هذا وقد خرج عن هذه القاعدة مانص عليه
وإن کان فيه مشقة وعمت به البلوى، قال ابن
نجيم: المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع
لانص فيه وأما مع النص بخلافه فلا (٤).
وبمعنى قاعدة: المشقة تجلب التيسير قول
الشافعي رحمه الله: ((إذا ضاق الأمر اتسع)
ومعناها: إذا ظهرت مشقة في أمر يرخص فيه
ويوسع، فعكس هذه القاعدة ((إذا اتسع الأمر
ضاق)»، ومن فروع هذه القاعدة شهادة النساء
(١) حديث: ((أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة»
أخرجه أحمد (٢٣٦/١) من حديث ابن عباس، وحسن
إسناده ابن حجر في الفتح (١ /٩٤)
(٢) حديث: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين))
أخرجه البخاري (الفتح ١ /٥٢٥)
(٣) حديث عائشة: ((ماخير رسول الله ... ))
سبق تخريجه في التعليق على ف٨
(٤) غمز عيون البصائر ٢٧١/١، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص٧٧
- ٣٢٤ -

مشَقَّة ١١ - ١٣
والصبيان في الحمامات والمواضع التي
لا يحضرها الرجال دفعاً لحرج ضياع الحقوق.
ومنها قبول شهادة القابلة(١).
المشاق الموجبة للتخفيفات الشرعية:
قال العزبن عبد السلام: المشاق ضربان:
١٢ - أحدهما: مشقة لاتنفك العبادة عنها
كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد،
وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد ولاسيما
في صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة
الحر وطول النهار، وكمشقة السفر والحج
والجهاد التي لا انفكاك عنها غالباً، وكمشقة
الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، وكذلك
المشقة في رجم الزناة وإقامة الحدود على
الجناة، ولاسيما في حق الآباء والأمهات
والبنين والبنات، فإن في ذلك مشقة عظيمة
على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرقة
والمرحمة بها للسراق والزناة والجناة من
الأجانب والأقارب البنين والبنات(٢)، ولمثل
هذا قال تعالى: ﴿ وَلَ تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَقَةٌ فِى
دِينِ اَللَّهِ﴾(٣)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لو
أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٤، والأشباه للسيوطي
ص٨٣ ومجلة الأحكام العدلية ص١٨، وشرح مجلة
الأحکام للأناسي ٥١/١ وغمز عیون البصائر ٢٧٣/١
(٢) قواعد الأحكام العز بن عبدالسلام ٢/ ٧
(٣) سورة النور / ٢
يدها))(١). وهو ◌َّ أولى بتحمل هذه المشاق
من غيره؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصفه في
كتابه العزيز بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
تَّحِيمٌ﴾ (٢) فهذه المشاق كلها لا أثر لها في
إسقاط العبادات والطاعات(٣).
١٣ - الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها
العبادات غالباً وهي أنواع:
النوع الأول: مشقة عظيمة فادحة كمشقة
الخوف على النفوس والأطراف ومنافع
الأطراف، فهذه مشقة موجبة للتخفيف
والترخيص لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة
مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في
عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها(٤).
النوع الثاني: مشقة خفيفة کأدنى وجع في
إصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف،
فهذا لا أثر له ولا التفات إليه لأن تحصيل
مصالح العبادة أولى من دفع هذه المشقة التي
(٥)
لا أثر لها(٥).
النوع الثالث: مشاق واقعة بين هاتين
المشقتين مختلفة في الخفة والشدة فما دنا
(١) حديث: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت بدها))
أخرجه البخاري (الفتح ٥١٣/٦) ومسلم (١٣١٥/٣) من
حديث عائشة.
(٢) سورة التوبة / ١٢٨
(٣) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ٢/ ٧
(٤) قواعد الأحكام ٢/ ٧-٨
(٥) قواعد الأحكام ٧/٢-٨
- ٣٢٥ -

مشقَّة ١٣
منها من المشقة العلیا أوجب التخفيف، وما
دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف.
كمريض في رمضان يخاف من الصوم
زيادة مرض أو بطء البرء، فيجوز له الفطر،
وهكذا في المرض المبيح للتيمم والحمى
الخفيفة ووجع الضرس اليسير وما وقع بين
هاتین الرتبتین مختلف فیه، منهم من يلحقه
بالعليا ومنهم من يلحقه بالدنيا، وتضبط مشقة
كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف
تلك العبادة فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت
الرخصة ولذلك اعتبر في مشقة المرض
المبيح للفطر في الصوم أن يكون كزيادة مشقة
الصوم في السفر عليه في الحضر(١).
وكذلك المشاق في الحج وفي إباحة
محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها مثل
مشقة القمل الوارد فيه الرخصة، وأما أصل
الحج فلایکتفی بتر که بذلك، بل لابد من
مشقة لا يحتمل مثلها كالخوف على النفس
والمال، وعدم الزاد والراحلة، وفي إباحة ترك
القيام إلى القعود: أن يحصل به مايشوش
الخشوع وإلى الاضطجاع أشق، لأنه مناف
لتعظيم العبادات.
والمشاق في الحج ثلاثة أقسام: منها
(١) قواعد الأحكام ٨/٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم
ص٨٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨١
مايعظم فيمنع وجوب الحج، ومنها مايخف
ولايمنع الوجوب، ومنها مايتوسط فيردد فيه،
وما قرب منه إلى المشقة العليا كان أولى بمنع
الوجوب، وماقرب منه إلى المشقة الدنيا كان
أولى بأن لايمنع الوجوب.
وتختلف المشاق باختلاف العبادات في
اهتمام الشرع، فما اشتد اهتمامه به شرط في
تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم
يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة، وقد تخفف
مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتکرر مشاقه،
كيلا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع.
مثاله: ترخيص الشرع في الصلاة التي هي من
أفضل الأعمال تقام مع الخبث الذي يشق
الاحتراز منه ومع الحدث في حق المتيمم
والمستحاضة، ومن كان عذره کعذر
المستحاضة(١).
أما الصلاة فينتقل فيها القائم إلى القعود
بالمرض الذي يشوش عليه الخشوع
والأذكار، ولا يشترط فيها الضرورة ولا العجز
عن تصوير القيام اتفاقاً، ويشترط في الانتقال
من القعود إلى الاضطجاع عذراً أشق من عذر
الانتقال من القيام إلى القعود، لأن الاضطجاع
مناف لتعظيم العبادات ولاسيما والمصلي
(٢)
مناج ربه (٢).
(١) قواعد الأحكام ٨/٢-٩، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص٨١
(٢) قواعد الأحكام ٩/٢
- ٣٢٦ -

مشقَّة ١٣ - ١٥
وأما الأعذار في ترك الجماعات
والجمعات فخفيفة، لأن الجماعات سنة عند
من يقول بذلك، والجمعات بدل.
وأما الصوم فالأعذار فيه خفيفة كالسفر
والمرض الذي يشق الصوم معه لمشقة الصوم
علی المسافر، وهذان عذران خفيفان، وما كان
أشد منهما كالخوف على الأطراف والأرواح
كان أولى بجواز الفطر.
وأما التيمم: فقد جوزه الشافعى رحمه الله
تارة بأعذار خفيفة، ومنعه تارة على قول
بأعذار أثقل منها، والأعذار عنده رتب متفاوتة
في المشقة.
الرتبة الأولى: مشقة فادحة كالخوف على
النفوس والأعضاء ،ومنافع الأعضاء فيباح بها
التیمم.
الرتبة الثانية: مشقة دون هذه المشقة في
الرتبة كالخوف من حدوث المرض المخوف
فهذا ملحق بالرتبة العليا على الأصح.
الرتبة الثالثة: خوف إبطاء البرء وشدة
الضنى ففي إلحاقه بالرتبة الثانية خلاف
والأصح الإلحاق.
الرتبة الرابعة: خوف الشين إن كان باطنا لم
يكن عذراً، وإن كان ظاهراً ففيه خلاف
والمختار الإباحة، وقد جوز الشافعي التيمم
بمشاق خفيفة دون هذه المشاق
(١)
١٤ - ولا تختص المشاق بالعبادات بل تجري
في المعاملات مثاله: الغرر في البيوع وهو
أيضاً ثلاثة أقسام:
أحدها: مايعسر اجتنابة كبيع الفستق والبندق
والرمان والبطيخ في قشورها فيعفی عنه.
القسم الثاني: مالا يعسر اجتنابه فلايعفى
عنه.
القسم الثالث: ما يقع بين الرتبتين وفيه
اختلاف، منهم من يلحقه بما عظمت مشقته
لارتفاعه عما خفت مشقته، ومنهم من يلحقه
بما خفت مشقته لانحطاطه عما عظمت
مشقته، إلا أنه تارة يعظم الغرر فيه فلايعفى
عنه على الأصح كبيع الجوز الأخضر في
(٢)
قشرته(٢).
١٥ - وإذا كانت المشاق تنقسم إلى ماهو في
أعلى مراتب الشدة وإلى ما هو في أدناها،
وإلى مايتوسط بينهما، فكيف تعرف المشاق
المتوسطة المبيحة التي لاضابط لها، مع أن
الشرع قد ربط التخفيفات بالشديد والأشد
والشاق والأشق، مع أن معرفة الشديد والشاق
متعذرة لعدم الضابط؟ وأجاب العز بن عبد
السلام بقوله: لاوجه لضبط هذا وأمثاله إلا
(١) قواعد الأحكام ٩/٢ - ١٠
(٢) المرجع السابق.
- ٣٢٧ -

مشقَّة ١٥ - ١٦
بالتقریب، فإن مالايحدّ ضابطه لا يجوز تعطيله
ويجب تقريبه، فالأولى في ضابط مشاق
العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى
المشاق المعتبرة فى تلك العبادة، فإن كانت
مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة بها، ولن يعلم
التماثل إلا بالزيادة، إذ ليس في قدرة البشر
الوقوف على تساوي المشاق، فإذا زادت
إحدى المشقتين على الأخری علمنا أنهما قد
استوتا، فما اشتملت عليه المشقة الدنیا منهما
کان ثبوت التخفيف والترخيص بسبب الزيادة،
وأمثال ذلك أن التأذي بالقمل مبيح للحلق في
حق الناسك فينبغي أن يعتبر تأذيه بالأمراض
بمثل مشقة القمل(١).
كذلك سائر المشاق المبيحة للبس والطيب
والدهن وغير ذلك من المحظورات، وكذلك
ينبغي أن تقرب المشاق المبيحة للتيمم بأدنى
مشقة أبيح بمثلها التيمم، وفي هذا إشكال،
فإن مشقة الزيادة اليسيرة على ثمن المثل
ومشقة الانقطاع من سفر النزهة خفيفة لاينبغي
أن يعتبر بها الأمراض، وأما المبيح للفطر
فينبغي أن تقرب مشقته بمشقة الصيام في
الحضر، فإذا شق الصوم مشقة تربي على
مشقة الصوم فى الحضر فليجز الإفطار بذلك.
ولهذا نظائر كثيرة: منها مقادير الإغرار في
(١) قواعد الأحكام ٢/ ١٢- ١٣
المعاملات، ومنها توقان الجائع إلى الطعام
وقد حضرت الصلاة، ومنها التأذي بالرياح
الباردة فى الليلة المظلمة، كذلك التأذى
بالمشي في الوحل(١).
ضابط المشقة:
١٦ - يشترط أن تكون المشقة عامة، ووقوعها
كثيراً، فلو كان وقوعها نادراً لم تراع المشقة،
والمشقة يختلف ضابطها باختلاف أعذارها،
كما في التیمم، إذ يعدل عن الماء إذا خيف
إتلاف عضو أو بطء البرء أو شين فاحش(٢).
قال العز بن عبدالسلام: إن قيل ماضابط
الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر
على الخفيف؟ قلت: إذا اتحد الفعلان في
الشرف والشرائط والسنن والأركان - وكان
أحدهما - شاقاً فقد استويا في أجرهما
لتساويهما في جميع الوظائف وانفرد أحدهما
بتحمل المشقة لأجل الله سبحانه وتعالى،
فأثيب على تحمل المشقة لاعلى عين
المشاق، إذ لا يصح التقرب بالمشاق لأن
القرب كلها تعظیم للرب سبحانه وتعالى
وليس عين المشاق تعظيماً ولاتوقيراً، ويدل
على ذلك أن من تحمل مشقة في خدمة إنسان
فإنه یری ذلك له لأجل کونه شق علیه، وإنما
(١) قواعد الأحكام ١٣/٢
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ١٧١/٣-١٧٢
- ٣٢٨ -

مشَقَّة ١٦ - ١٧
يراه له بسبب تحمل مشقة الخدمة لأجله ...
ويختلف أجر تحمل المشاق بشدة المشاق
وخفتها(١).
وقال الشاطبي: كما أن المشقة تكون
دنيوية، كذلك تكون أخروية، فإن الأعمال إذا
كان الدخول فيها يؤدي إلى تعطيل واجب أو
فعل محرم فهو أشد مشقة - باعتبار الشرع -
من المشقة الدنيوية التي هي غير مخلة بدين،
واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس
والأعضاء وغيرها في نظر الشارع، فالمشقة
الدينية مقدمة في الاعتبار على الدنيوية، فإذا
كان كذلك فليس للشارع قصد في إدخال
المشقة من هذه الجهة (٢).
فالمشقة من حيث إنها غير مقصودة
للشارع تكون غير مطلوبة ولا العمل المؤدى
إلى المشقة الخارجة عن المعتاد مطلوبا، فقد
نشأ هنا نظر في تعارض مشقتين، فإن المكلف
إن لزم من اشتغاله بنفسه فساد ومشقة لغيره
فيلزم أيضاً من الاشتغال بغيره فساد ومشقة في
نفسه، وإذا كان كذلك تصدى النظر في وجه
اجتماع المصلحتين مع انتفاء المشقتين إن
أمكن ذلك، وإن لم يمكن فلابد من الترجيح،
فإذا كانت المشقة العامة أعظم اعتبر جانبها
(١) قواعد الأحكام ٣١/١
(٢) الموافقات للشاطبي ١٥٣/٢-١٥٤
وأهمل جانب الخاصة.
ثم إن المشقة في الأعمال المعتادة مختلفة
باختلاف تلك الأعمال فليست المشقة في
صلاة ركعتي الفجر كالمشقة في ركعتي
الصبح، ولا المشقة في الصلاة كالمشقة في
الصيام ولا المشقة في الصيام كالمشقة في
الحج، ولا المشقة في ذلك كله كالمشقة في
الجهاد، إلى غير ذلك من أعمال التكليف
ولكن كل عمل في نفسه له مشقة معتادة فيه،
توازي مشقة مثله من الأعمال العادية(١).
المواطن التي تظن فيها المشقة والأحكام
المنوطة بها:
١٧ - شرع الإسلام أنواعاً من الرخص
لظروف توجد للمكلف نوعاً من المشقة التي
تثقل كاهله، وقد ذكر العلماء أسباب التخفيف
في العبادات وغيرها التي بنيت على الأعذار،
وقد رخص الشارع لأصحابها بالتخفيف عنهم
في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها،
فكل ماتعسر أمره وشق على المكلف وضعه
خففته الشريعة ومن أهم هذه الأعذار التي
جُعلت سبباً للتخفيف عن العباد والمواطن
التي تظن فيها المشقة هي: السفر - المرض -
الحمل - الإرضاع - الشيخوخة والهرم -
(١) الموافقات ١٥٥/٢-١٥٦
- ٣٢٩ -

مشَقَّة ١٧ - ٢١
الإكراه - النسيان - الجهل - العسر وعموم
البلوى - النقص.
أ - السفر:
١٨ - السفر سبب للتخفيف، لما فيه من
مشقة، ولحاجة المسافر إلى التقلب في
حاجاته، ويعتبر السفر من أسباب المشقة في
الغالب فلذلك اعتبر نفس السفر سبباً للرخص
وأقيم مقام المشقة(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح (سفر ف ٥
وما بعدها)، ومصطلحات: (صلاة المسافر،
وصوم، وتطوع، وتیمم).
ب - المرض:
١٩ - قال القرطبي: المريض هو الذي خرج
بدنه عن حد الاعتدال والاعتياد فيضعف عن
القيام بالمطلوب(٢).
وقد خصت الشريعة المريض بحظ وافر
من التخفيف لأن المرض مظنة للعجز فخفف
عنه الشارع.
وللمریض رخص كثيرة.
وتفصيل ذلك في مصطلح (تيسير ف٣٢).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٧٥، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص / ٧٧، كشف الأسرار ٣٧٦/٤، وتيسير
التحریر ٢٥٨/٢ -٣٠٣
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢١٦/٥
ج - الشيخوخة والهرم:
٢٠ - لقد خفف الشارع عن الشيخ الهرم،
فخصه بجواز إخراج الفدية بدلاً عن الصيام
الذي عجز عن أدائه لما يلحقه من المشقة،
ولا خلاف بين الفقهاء أنه لا يلزمه الصوم،
ونقل ابن المنذر الإجماع علیه وأن له أن يفطر
إذا كان الصوم يجهده ويشق عليه مشقة
شديدة(١) .
د - جواز الفطر الحامل والمرضع في
رمضان:
٢١ - اتفق الفقهاء على أن الحامل والمرضع
لهما أن تفطرا في رمضان بشرط أن تخافا على
أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته أو
الضرر أو الهلاك والمشقة.
ونص الحنابلة على كراهة صومهما
کالمریض.
وصرح المالكية بأن الحمل مرض حقيقة ،
والرضاع في حکم المرض وليس مرضا
حقيقة(٢).
(١) مراقي الفلاح ص ٣٧٥-٣٧٦، والقوانين الفقهية ص٨٢،
والمجموع ٥٨/٦، وشرح المحلي على المنهاج ٦٤/٢،
وكشاف القناع ٣٠٩/٢، والمغني والشرح الكبير ٧٩/٣
(٢) المغني والشرح الكبير ٢/٣، وجواهر الإكليل ١٥٣/١،
وبدائع الصنائع ٩٧/٢، وكشاف القناع ٣١٣/٢، وحاشية
البجيرمي على الإقناع ٣٤٦/٢، وحاشية القليوبي على
شرح المحلي ٦٨/٢
- ٣٣٠ -

مشقَّة ٢٢ - ٢٤
هـ - الإكراه:
٢٢ - الإكراه هو حمل الغير على أمر
لا يرضاه، وذلك بتهديده بالقتل أو بقطع طرف
أو نحوهما إن لم يفعل مايطلب منه.
وقد عد الشارع الإكراه بغير حق عذراً من
الأعذار المخففة التي تسقط بها المؤاخذة في
الدنيا والآخرة، فتخفف عن المكره ماينتج عما
أکره علیه من آثار دنيوية أو أخروية بحدود.(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح (إكراه ف
١٢,٦).
ونص السيوطي على أن الفطر في رمضان
مباح بالإكراه بل يجب على الصحيح (٢).
و - النسيان:
٢٣ - النسيان هو جهل ضروري بما كان
يعلمه، لابآفة مع علمه بأمور كثيرة (٣).
وقد جعلته الشريعة عذراً وسببا مخففا في
حقوق الله تعالى من بعض الوجوه، لقوله
تعالي: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِنْ نَسِينَآ أَوْ
أَخْطَأْنَا﴾(٤) فالله سبحانه وتعالى رفع عنا إثم
الغفلة والنسيان والخطأ غير المقصود، ففي
(١) المبسوط السرخسي ٣٩/٢٤، والمهذب ٧٨/٢، والأم
٢١٠/٢، والمغني ٨/ ٢٦١، کشف الأسرار ٣٨٣/٤
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٧
(٣) كشف الأسرار البزدوي ٣٦٤/٢، ٣٦٥ ط كراتشي.
(٤) سورة البقرة / ٢٨٦
أحكام الآخرة يعذر الناس ويرفع عنهم الإثم
مطلقاً(١)، فالنسيان كما نص عليه السيوطي:
مسقط للإثم مطلقاً وذلك تخفيف من الله
سبحانه وتعالى، ويقول الرسول ومصطفى: ((تجاوز
الله عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه))(٢).
أما النسيان فيما يتعلق بحقوق العباد فلايعد
عذراً مخففاً، لأن حق الله مبناه على
المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحّة
والمطالبة، فلايكون النسيان عذراً فيها(٣).
وللتفصیل انظر مصطلح (نسيان).
ز - الجهل:
٢٤ - الجهل هو: عدم العلم بالأحكام
الشرعية أو بأسبابها.
ويعتبر الجهل عذراً مخففاً في أحكام
الآخرة، فلا إثم على من فعل المحرّم أو ترك
الواجب جاهلاً، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُثاً
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤).
والتفصيل في مصطلح: (جهل ف ٥)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٠٦
(٢) حديث: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان))
أخرجه الحاكم (١٩٨/٢) من حديث ابن عباس، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الموافقات للشاطبي ١٠٣/١، وتيسير التحرير ٤٢٦/٢
(٤) سورة الإسراء / ١٥
- ٣٣١ -

مشقَّة ٢٥ - ٢٦، مُشْكِل ١ -٢
ح - العسر وعموم البلوى:
٢٥ - يدخل في العسر الأعذار الغالبة التي
تکثر البلوی بها وتعم في الناس دون ماکان
منها نادراً.
والتفصيل في مصطلح (تيسير ف ٣٨).
ط - النقص:
٢٦ - النقص نوع من المشقة، إذ النفوس
مجبولة على حب الكمال ويناسب النقص
التخفيف في التكليفات، فمن ذلك عدم
تكليف الصبي والمجنون، ففوض أمر
أحوالهما إلى الوليّ وتربيته، وحضانته إلى
النساء رحمة به ولم يجبرهن على الحضانة،
ومنه عدم تکلیف النساء بكثير مما وجب على
الرجال كالجماعة والجمعة والشهادة والجزية
وتحمل العقل وإباحة لبس الحرير وحلي
الذهب، وعدم تكلیف العبيد بكثير مما وجب
على الأحرار لكونه على النصف من الحر في
(١)
٤٫٩٠
الحدود والعدد
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨١-٨٢، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص ٨٠
مُشْكِل
التعريف:
١- المشكل لغة: المختلط والملتبس، يقال:
أشكل الأمر: التبس واختلط، وكل مختلط
مشكل، والإشكال: الأمر الذي يوجب التباساً
في الفهم، والشكل: المثل(١).
والمشكل عند الأصوليين هو: اسم لما
يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه
لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين
سائر الأشكال(٢).
الألفاظ ذات الصلة:
أ- المتشابه:
٢- المتشابه لغة: مأخوذ من اشتبهت الأمور
وتشابهت: إذا التبست فلم تتميز ولم تظهر (٣).
وفي الاصطلاح قال الجرجاني: المتشابه ما
خفي بنفس اللفظ ولا يرجى دركه أصلا
كالمقطعات في أوائل السور (٤).
والصلة بينهما أن كلاً من المشكل
(١) تاج العروس، ولسان العرب.
(٢) كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري ١/ أص ط. دار الكتاب
العربي.
(٣) المصباح المنير.
(٤) التعريفات للجرجاني، وانظر كشف الأسرار ١/ ٥٥
- ٣٣٢ -

مُشْكِل ٢ - ٤، مَشْهُور١
والمتشابه يخفى معناه ابتداء.
٠٠
ب- المجمل:
٣- المجمل هو ما خفي المراد منه بحيث لا
يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل،
سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية، أو
لغرابة اللفظ، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى
ما هو غير معلوم (١).
والصلة بين المشكل والمجمل أن في كل
منھما نوع خفاء یحتاج إلی بیان.
الحكم الإجمالي:
٤- حكم المشكل بمعناه الأصولي: اعتقاد
الحقية فيما هو المراد ثم الإقبال على الطلب
والتأمل فيه إلى أن يبين المراد فيعمل به (٢).
والتفصيل في الملحق الأصولي.
(١) التعريفات للجرجاني.
(٢) أصول السرخسي ١٦٨/١
مَشْهُور
التعريف:
١- المشهور في اللغة: اسم مفعول لفعل
شهر، ومن معاني هذه المادة: الإبراز: يقال
شهرت الرجل بين الناس: أبرزته حتى صار
مشهورًا، ومن معانيه أيضا الإفشاء، يقال:
شهرت الحديث شهراً وشُهْرة: أفشيته(١).
وفي اصطلاح الأصوليين: المشهور من
الحديث هو ما كان رواته بعد القرن الأول في
کل عهد قوما لا یحصی عددهم، ولا يمكن
تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم
(٢)
وتباين أماكنهم(٢).
وفي اصطلاح المحدثين: هو ما لم يجمع
شروط المتواتر وله طرق محصورة بأكثر من
(٣)
اثنین(٣).
أما المشهور عند الفقهاء فللمالكية فيه
قولان:
أشهرهما: ما قوي دلیله، فالدلیل هو
المراعى عند الإمام مالك لا كثرة القائل.
(١) المصباح المنير مادة: شهر.
(٢) التوضيح بهامش التلويح ٢/ ٢
(٣) اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر للمناوي ١/ ١٤٧
- ٣٣٣ -

مَشْهُور١ -٥
وقيل: إن المشهور هو ما کثر قائله ولا بد
أن تزيد نقلته على ثلاثة(١).
والمشهور عند الشافعية ما كان من القولين
أو الأقوال للشافعي وهو المشعر بغرابة مقابله
لضعف مدركه، قال الفيومي: ومدارك الشرع
مواضع طلب الأحكام وهي حيث يستدل
بالنصوص والاجتهاد (٢).
الألفاظ ذات الصلة:
أ - المتواتر:
٢- التواتر في اللغة التتابع أو مع فترات(٣)،
والمتواتر هو اسم الفاعل.
وفي اصطلاح الأصوليين هو: خبر أقوام
بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم
بقولهم(٤)، وله عندهم تعريفات أخرى.
والعلاقة بين المشهور والمتواتر عموم
وخصوص.
ب - خبر الآحاد:
٣- هو ما لم يجمع شروط التواتر (٥).
والعلاقة بين المشهور والآحاد أن خبر
الآحاد أعم من المشهور.
(١) فتح العلي المالك ٨٣/١
(٢) مغني المحتاج ١٢/١، والمصباح المنير.
(٣) القاموس المحيط.
(٤) إرشاد الفحول ص ٤٦
(٥) شرح نخبة الفكر ١٦٩/١، وحاشية البناني على جمع
الجوامع ١٢٩/٢
ما يتعلق بالمشهور من أحكام:
أولا - دلالة الحديث المشهور عند الأصوليين:
٤- قال صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود
المحبوبي: الحديث المشهور يوجب علم
طمأنينة وهو علم تطمئن به النفس وتظنه يقينا(١).
وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصولي.
ثانيا: القول المشهور عند الفقهاء:
٥- قال القرافي: إن الحاكم إذا كان مجتهدا فلا
يجوز له أن یحکم ویفتي إلا بالراجح عنده،
وإن کان مقلدا جاز له أن یفتي بالمشهور في
مذهبه وأن یحکم به وإن لم یکن راجحا عنده
مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه
الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع
الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعاً(٢).
وقال النووي: ليس للمفتي ولا للعامل
المنتسب إلى مذهب الشافعي في مسألة
القولين أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر بل
عليه في القولين العمل بآخرهما إن علمه وإلا
فبالذي رجحه الشافعي، فإن قالهما في حالة
ولم يرجح واحداً منهما ولم يعلم أقالهما في
وقت أم في وقتین، وجهلنا السابق وجب
البحث عن أرجحهما فيعمل به(٣).
(١) التوضيح بهامش التلويح ٢/ ٣ ط. صبيح.
(٢) الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي
والإمام للقرافي ص ٢١،٢٠
(٣) المجموع ٦٨/١، ونهاية المحتاج ٤٢/١
- ٣٣٤ -

مَثُورةٍ، مَشْي ١- ٢
مشورة
مَشْي
انظر: شورى
التعريف:
١- المشي لغة: السير على القدم، سريعاً كان
أو غير سريع، يقال: مشى يمشي مشياً: إذا كان
على رجليه، سريعاً كان أو بطيئاً، فهو ماش،
(١)
والجمع مشاة(١).
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى
اللغوي:
-
الألفاظ ذات الصلة:
أ- السعي:
٢- من معاني السعي في اللغة: الإسراع في
(٢)
المشي (٢).
والسعي في الاصطلاح يطلق على معان
منها: قطع المسافة الكائنة بين الصفا والمروة
سبع مرات ذهاباً وإياباً، ومنها: الإسراع في
المشي.
قال الراغب الأصفهاني: السعي: المشي
السريع وهو دون العدو (٣).
والصلة بينهما هي أن المشي أعم من
(١) المغرب، والمصباح المنير.
(٢) المصباح المنير والمغرب.
(٣) المفردات في غريب القرآن.
- ٣٣٥ -

مَنْني ٢ - ٥
(١)
السعي(١).
ب- الرَّمَل:
٣- الرَّمل - بفتح الميم- في اللغة الهرولة(٢)،
قال صاحب النهاية: رمل يرمل رملا ورمَلانا:
إذا أسرع في المشي وهز منكبيه (٣).
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن
معناه اللغوي، لكن النووي قال: الرمل-بفتح
الراء - هو إسراع المشي مع تقارب الخطا دون
(٤)
الوثوب والعدو (٤).
والصلة بينهما هي أن الرمل أخص من
المشي.
الأحكام المتعلقة بالمشي:
تتعلق بالمشي أحكام منها:
إمكانية متابعة المشي في الخف لجواز المسح
علیه:
٤- يشترط الفقهاء لجواز المسح على الخفين
شروطاً منها:
أن يكون الخف مما يمكن متابعة المشي
فیه(٥).
(١) الكليات لأبي البقاء الكفوي ٢١٤/٢
(٢) المصباح المنير.
(٣) النهاية لابن الأثير ٢/ ٢٦٥ ولسان العرب.
(٤) تهذيب الأسماء واللغات ١٢٧/٣-١٢٨
(٥) الفتاوى الهندية ١/ ٣٢ والقوانين الفقهية ص ٤٣، وشرح
المحلي ٥٩/١، والمغني لابن قدامة ٢٩٤/١
وللتفصيل (ر: مسح على الخفين).
المشي في الصلاة:
٥- ذهب الحنفية إلى أن المأموم إذا مشى في
صلاته إلى جهة القبلة مشياً غير متدارك: بأن
مشی قدر صف، ثم وقف قدر رکن، ثم مشی
قدر صف آخر، وهكذا إلى أن مشى قدر
صفوف كثيرة لا تفسد صلاته، إلا إن خرج من
المسجد فيما إذا كانت الصلاة فيه، أو تجاوز
الصفوف فيما إذا كانت الصلاة في الصحراء،
فإن مشى مشياً متلاحقاً بأن مشى قدر صفين
دفعة واحدة، أو خرج من المسجد، أو تجاوز
الصفوف في الصحراء فسدت صلاته، وهذا
بناء على أن الفعل القليل غير مفسد ما لم
يتكرر متوالياً، وعلى أن الاختلاف في المكان
مبطل للصلاة ما لم يكن لإصلاحها،
والمسجد مكان واحد حكماً، وموضع
الصفوف في الصحراء كالمسجد، هذا إذا كان
قدامه صفوف.
أما لو كان إماماً فمشى حتى جاوز موضع
سجوده، فإن كان ذلك مقدار ما بينه وبين
الصف الذي يليه لا تفسد، وإن كان أكثر
فسدت، وإن كان منفرداً فالمعتبر موضع
سجوده، إن جاوزه فسدت وإلا فلا (١).
وهذا التفصيل كله إذا لم يكن الماشي في
(١) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ٤٥٠ وانظر الفتاوى
الهندية ١/ ١٠٣ وحاشية ابن عابدين ٤٢١/١
- ٣٣٦ -

مغني ٥ - ٦
الصلاة مستدبر القبلة، بأن مشی قدامه أو يميناً
أو يساراً أو إلى ورائه من غير تحويل أو
استدبار، وأما إذا استدبر القبلة فقد فسدت
صلاته سواء مشى قليلاً أو كثيراً أو لم يمش،
لأن استدبار القبلة لغير إصلاح الصلاة وحده
مفسد (١).
وقال بعض مشايخ الحنفية في رجل رأى
فرجة في الصف الذي أمامه مباشرة فمشى إلى
تلك الفرجة فسدها: لا تفسد صلاته، ولو
مشى إلى صف غير الذي أمامه مباشرة فسدَّ
فرجة فیه تفسد صلاته(٢).
وذهب المالكية إلى أن الصلاة لا تبطل
بمشي المصلي صفين لسترة يقرب إليها، أو
دفع مار أو لذهاب دابة أو لسد فرجة في
صف، حتى لو كان المشي بجنب أو
قهقري: بأن يرجع على ظهره، بشرط ألا
يستدبر القبلة، فيما عدا مسألة الدابة فإنه يعذر
.(٣)
إن استدبر القبلةُ
وذهب الشافعية إلى أن المشي أكثر من
خطوتين متوسطتين مبطل للصلاة إن توالت لا
إن تفرقت، أما المشي خطوتين فلا يبطل
الصلاة وإن اتسعت، كما تبطل بالوثبة الفاحشة
مطلقا.
(١) غنية المتملي ص ٤٥١، وانظر حاشية ابن عابدين ١/ ٤٢١
(٢) غنية المتملي ص ٤٥٠-٤٥١
(٣) الشرح الصغير ٣٥٤/١
واختلفوا في مسمى الخطوة هل هو نقل
رجل واحدة فقط أو نقل الرجل الأخرى إلى
محاذاتها، قال ابن أبي الشريف: كل منهما
محتمل، والثاني أقرب (١).
والذي يستفاد من مذهب الحنابلة أن
المشي الذي تقتضيه صحة صلاة المأموم مع
إمامه جائز، كما إذا كبّر فذًا خلف الإمام، ثم
تقدم عن يمينه، أو تقدم المأموم إلى صف بين
يديه، أو كانا اثنين وراء الإمام، فخرج أحدهما
من الصلاة فمشى المأموم حتى وقف عن
يمين الإمام، أو كان المأموم واحدا فكبر آخر
عن يسار الإمام أداره الإمام عن يمينه.
والعبرة عندهم في ذلك أن المشي الكثير
إن كان لضرورة كخوف أو هرب من عدو
ونحوه لم تبطل صلاته، وإن لم يكن لضرورة
بطلت صلاته(٢).
التنفل ماشياً:
٦- ذهب الشافعية والحنابلة في الجملة إلى
جواز التنقل ماشياً ولكل من المذهبين في
المسألة تفصيل:
فقال الشافعية: يجوز التنفل ماشياً، وعلى
الراحلة سائرة إلى جهة مقصده في السفر
الطويل، وكذا القصير على المذهب، ولا
(١) حاشية القليوبي ١/ ١٩٠، ومغني المحتاج ١٩٩/١
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٢٣/١-٢٢٤، المغني
٢١٥/٢-٢١٦، وكشاف القناع ٣٩٧/١-٣٩٨
- ٣٣٧ -

...
مغني ٦ -٨
يجوز في الحضر على الصحيح بل لها فيه
حكم الفريضة في كل شيء إلا القيام، وقال
الإصطخري: يجوز للراكب والماشي في
الحضر متردداً في جهة مقصده، واختار القفال
الجواز بشرط الاستقبال في جميع الصلاة (١).
وقال الحنابلة: تصح الصلاة بدون
الاستقبال لمتنفل راكب وماش في سفر غير
محرم ولا مكروه، ولو كان السفر قصيراً لقوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَزْبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ
فَثَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٢)، قال ابن عمر رضي الله
عنهما: نزلت في التطوع خاصة، ولما ورد أن
ابن عمر كان يصلي في السفر على راحلته
أينما توجهت يومىء، وذكر عبد الله أن النبي
﴿ كان يفعله(٣)، وكان ابن عمر رضي الله
عنهما يفعله، ولم يفرق بين طويل السفر
وقصيره، وألحق الماشي بالراكب لأن الصلاة
أبيحت للراكب لئلا ينقطع عن القافلة في
السفر وهو موجود في الماشي (٤).
ولا تجوز صلاة الماشي عند الحنفية
والمالكية(٥).
(١) روضة الطالبين ٢١٠/١
(٢) سورة البقرة/ ١١٥
(٣) حديث ابن عمر: ((كان يصلي في السفر على ظهر راحلته ... »
رواه البخاري (الفتح ٢ /٥٧٤)
(٤) كشاف القناع ١/ ٣٠٢
(٥) حاشية ابن عابدين ٤٦٩/١، والشرح الصغير
٢٩٨/١-٢٩٩
آداب المشي إلى صلاة الجماعة:
٧- ذهب الحنفية والحنابلة والشافعية في
الأصح إلى أنه يستحب لقاصد الجماعة أن
يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، وإن سمع
الإقامة لم يسع إليها، سواء خاف فوت تكبيرة
الإحرام أم لا(١)، لما روى أبو هريرة رضي الله
عنه عن النبي ◌َّيم أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا
تأتوها تسعون ائتوها تمشون، وعليكم السكينة،
فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٢).
وصرح المالكية بأنه يجوز الإسراع لإدراك
الصلاة مع الجماعة بلا هرولة وهي مادون
الجري، وتكره الهرولة لأنها تذهب الخشوع،
إلا أن يخاف فوات الوقت فتجب (٣).
وتفصيل ذلك ينظر في (صلاة
الجماعة ف٢٢).
المفاضلة بين المشي والركوب لقاصد
الجمعة:
٨- ذهب الفقهاء إلى أنه يستحب لمريد
حضور الجمعة المشي في ذهابه (٤) لخبر:
(١) بدائع الصنائع ٢١٨/١، والمجموع ٢٠٦/٤-٢٠٧،
وكشاف القناع ٣٢٤/١، والمغني ٤٥٣/١
(٢) حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون .. » رواه
البخاري (الفتح ٢/ ٣٩٠)، ومسلم (٤٢٠/١) من حديث
أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
(٣) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٤٤٥/١
(٤) غنية المتملي ص ٥٦٦، وحاشية الدسوقي ٣٨١/١، ونهاية
المحتاج ٣٢٥/٢، وروضة الطالبين ٤٥/٢، كشاف القناع ٤٢/٢
- ٣٣٨ -

مَشْي ٨ - ٩
«من غسّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر
وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام
فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عَمَل سنة
أجر صيامها وقيامها))(١)، ولما فيه من التواضع
لله عز وجل، لأنه عبد ذاهب لمولاه، فيطلب
منه التواضع له فيكون ذلك سبباً في إقباله
(٢)
عليه(٢).
قال البهوتي: هذا إذا لم یکن له عذر، فإن
کان له عذر فلا بأس بر کوبه ذهاباً وإياباً، لکن
الإياب لا بأس به ولو لغير عذر(٣).
وصرح المالكية بأنه لا يندب المشي في
الرجوع لأن العبادة قد انقضت (٤).
وقال الرملي من الشافعية: من رکب لعذر
أو غيره سیّر دابته بسكون کالماشي ما لم يضق
الوقت، ويشبه أن الركوب أفضل لمن يجهده
المشي لهرم أو ضعف أو بعد منزله، بحيث
يمنعه ما يناله من التعب الخشوع والخضوع
في الصلاة عاجلاً(٥).
اشتراط القدرة على المشي لوجوب الجمعة:
٩- صرح الحنفية بأن من شرائط وجوب
(١) حديث: ((من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ... ))
رواه أبو داود (٢٤٦/١)، والترمذي (٣٦٨/٢) من حديث
أوس بن أوس الثقفي واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:
((حدیث حسن)).
(٢) حاشية الدسوقي ١/ ٣٨١
(٣) كشاف القناع ٢/ ٤٢
(٤) حاشية الدسوقي ٣٨١/١
(٥) نهاية المحتاج ٣٢٦/٢
الجمعة القدرة على المشي، فلا تجب على
المريض ولا على المقعد وإن وجد من
يحمله، ولا على الأعمى وإن وجد قائداً،
وقالوا: الشيخ الكبير ملحق بالمريض فلا
تجب عليه، والمطر الشديد مسقط للجمعة
عندهم(١).
ولم ينص المالكية على هذا الشرط بهذا
اللفظ، وإنما عبروا عنه بالتمكن من أداء
الجمعة، قال ابن شاس: ويلتحق بعذر المرض
المطر الشديد على أحد القولين فيهما(٢).
واعتبر الشافعية والحنابلة المرض من
أعذار ترك الجمعة في الجملة، وقالوا: إن لم
يتضرر المريض بإتيان المسجد راكباً أو
محمولاً، أو تبرع أحد بأن يُر کبه أو یحمله، أو
يتبرع بقود أعمى لزمته الجمعة (٣).
وعند الشافعية تجب الجمعة على الأعمى
إذا وجد قائداً ولو بأجرة وله مال، وإلا فقد
أطلق الأكثرون منهم أنها لا تجب عليه، وقال
القاضي حسين: إن كان الأعمى يحسن المشي
بالعصا من غير قائد لزمه (٤).
وفي الوحل الشديد للشافعية ثلاثة أوجه:
الصحيحِ أنه عذر في ترك الجمعة
- (٥)
والجماعة(٥).
(١) الفتاوى الهندية ١٤٤/١
(٢) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٢٣٢
(٣) روضة الطالبين ٣٤/٢، ٣٦ وكشاف القناع ٤٩٥/١
(٤) روضة الطالبين ٣٦/٢
(٥) روضة الطالبين ٣٥/٢
- ٣٣٩ -

مغني ٩- ١٢
وعند الحنابلة قال ابن قدامة: لا تجب
الجمعة على من في طريقه إليها مطر يبل
الثياب، أو وحل يشق المشي إليها فيه(١).
المشي لقاصد صلاة العيد:
١٠- ذهب الفقهاء إلى أنه يستحب القاصد
العید المشي إن قدر، لما روى الحارث عن
علي رضي الله عنه: ((من السنة أن تخرج إلى
العيد ماشياً))(٢)، ولأنه أقرب للتواضع، فإن
ضعف لكبر أو مرض فله الركوب(٣).
والتفصيل في مصطلح (صلاة العيدين ف١٣).
المشي في تشييع الجنازة:
١١- ذهب الفقهاء إلى أنه يسن اتباع الجنازة
ماشياً، والمشي أفضل من الركوب.
والتفصيل في مصطلح (جنائز ف١٤).
المشي في المقابر:
١٢ - ذهب الحنفية إلى أنه لا يكره المشي في
المقابر بنعلين (٤).
وقال الحصكفي: يكره وطء القبر والمشي
(١) المغني لابن قدامة ٢/ ٣٤٠
(٢) أثر علي بن أبي طالب: ((من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً .. ))
رواه الترمذي (٢/ ٤١٠)، وقال: حديث حسن.
(٣) غنية المتملي ٥٦٦، وحاشية الزرقاني ٢/ ٧٥، وروضة
الطالبين ٥٦/٢، ومطالب أولي النهى ١/ ٧٩٧
(٤) الفتاوى الهندية ١/ ١٦٧
في طريق ظن أنه محدث، حتى إذا لم يصل
إلی قبر قريبه إلا بوطء قبر تر که.
وقال ابن عابدين نقلا عن خزانة الفتاوى:
وعن أبي حنيفة لا يوطأ القبر إلا لضرورة،
وقال بعضهم: لا بأس بأن يطأ القبر وهو يقرأ
أو يسبح أو يدعو لهم(١).
ويرى المالكية أن القبر محرم فلا ينبغي أن
يمشي عليه إذا كان مسنمًا والطريق دونه، فأما
إذا عفا فواسع (٢).
وقال صاحب التهذيب من الشافعية إنه لا
بأس بالمشي بالنعل بين القبور(٣)، وقالوا:
القبر محرم توقيراً للميت فيكره في المشهور
عندهم الجلوس عليه والاتكاء ووطؤه إلا
لحاجة بأن لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطئه (٤).
وقال النووي: يحرم ذلك أخذاً بظاهر
الحديث: «لأن يجلس أحدكم على جمرة
فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن
يجلس على قبر))(٥).
وقال الحنابلة بكراهة وطء القبور والمشي
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٦٠٦، والفتاوى الهندية ١٦٦/١
(٢) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس
٢٧٢/١٠
(٣) روضة الطالبين ١٣٦/٢
(٤) مغني المحتاج ٣٥٤/١
(٥) حديث: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة .. ))
أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) من حديث أبي هريرة.
- ٣٤٠ -