Indexed OCR Text

Pages 221-240

مَسْجد ٣٨- ٤٠
لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ
قال لعمر رضي الله عنه: ((إن شئت حبست
أصلها وتصدقت بها قال فتصدق بها عمر، إنه
لايباع ولا يوهب ولايورث))(١)، ويزول ملكه
عن العين في الصحيح عندهم(٢).
ويقول الحنابلة: إن من بنى مسجدا وأذن
للناس بالصلاة فيه إذناً عاما كان لازما ومؤبدا
لا يباع ولا يوهب ولا يورث(٣).
وتفصيل ذلك في مصطلح (وقف).
الوصية للمسجد:
٣٩ - الوصية للمسجد أجازها الفقهاء ويصرف
الموصى به في مصالحه كوقوده وعمارته،
لأنه مقصود الناس بالوصية له.
وقال الدسوقي: إن اقتضى العرف صرفها
للمجاورين كالجامع الأزهر صرف لهم
لالمرمته وحصره، ونحوهما (٤). والتفصيل في
مصطلح (وصية).
(١) حديث: ((إن شئت حبست أصلها ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٤/٥)، ومسلم
(١٢٥٥/٣)، واللفظ للبخاري.
(٢) المهذب ٤٤٨/١-٤٤٩، وشرح المحلي على المنهاج
١٠٠/٣-١٠١
(٣) منار السبيل في شرح الدليل ٢/ ٦ المكتب الإسلامي.
(٤) جواهر الإكليل ٣١٧/٢، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٤٢٦/٤، وشرح المحلي على المنهاج ١٥٩/٣،
ومنار السبيل في شرح الدليل ٢/ ٤٠، والاختيار شرح
المختار ٢٠١/٣ مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٦م
دخول الذمي المسجد:
٤٠ - يرى الحنفية أنه لابأس بدخول الذمي
المسجد الحرام أو غيره من المساجد، لما
روي ((أنه أنزل وفد ثقيف في المسجد
وكانوا كفارا وقال: إنه ليس على الأرض من
أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على
أنفسهم))(١)، وتأويل الآية أنهم لايدخلون
مستولين أو طائفين عراة كما كانت
(٢)
عادتهم .
ومنع المالكية دخول الذمي المسجد، وإن
أذن له مسلم في الدخول مالم تدع ضرورة
لدخوله كعمارة وإلا فلا(٣).
وقال الزركشي: يمكّن الكافر من دخول
المسجد واللبث فيه وإن كان جنبا، فإن الكفار
كانوا يدخلون مسجده # ولاشك أن فيهم
الجنب.
وأطلق الرافعي والنووي رحمهما الله أنه
يجوز للكافر أن يدخل مساجد غير الحرم بإذن
المسلم، فإذا لم يأذن له المسلم في ذلك
فليس له الدخول على الصحیح، فإن دخل
بغير إذن عزر إلا أن يكون جاهلا بتوقفه على
الإذن فلا يعزر (٤).
(١) حديث: ((إنه ليس على الأرض ... ))
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣/١) من
حديث الحسن البصري مرسلا.
(٢) الاختيار شرح المختار ١٢١/٣
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١٣٩/١، وجواهر
الإكليل ١/ ٢٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧٨/٢
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣١٨- ٣٢٠
- ٢٢١ -

مَسْجد ٤٠- ٤٣
ویری الحنابلة: أنه ليس للذمي دخول مساجد
الحل (وهي كل مسجد خارج نطاق حرم مكة) بغير
إذن المسلمين، وفي قول آخر لهم دخوله(١).
وقف الذمي على المسجد:
٤١ - اختلف الفقهاء في وقف الذمي على
المسجد، فذهب الجمهور إلى صحته لعموم
أدلة الوقف، ومنعه المالكية.
والتفصيل في مصطلح: (وقف).
الزكاة للمسجد:
٤٢ - ذهب الفقهاء إلى أنه لايجوز صرف
الزكاة في بناء المسجد، لانعدام التمليك.
وللتفصيل انظر مصطلح (زكاة ف ١٨١).
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن القفال
في تفسيره آية الزكاة عن بعض الفقهاء أنهم
أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه
الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون
وعمارة المساجد لأن قوله تعالى: ﴿ وَفِي
سَبِيلِاللَّهِ﴾(٢) عام في الكل (٣).
الصدقة على السائلين في المسجد:
٤٣ - قال الزركشي: لابأس أن يعطى السائل
(١) المغني لابن قدامة ٥٣٢/٨، والآداب الشرعية لابن مفلح
٤٠٦/٣-٤٠٧
(٢) سورة التوبة/ ٦٠
(٣) تفسير الرازي ١٦/ ٨٧
في المسجد شیئا لحدیث عبدالرحمن بن أبي
بكر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (﴾.
((هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال
أبوبكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل
فوجدت كسرة خبز في يد عبدالرحمن
(١)
فأخذتها منه فدفعتها إليه)»
ونقل الزركشي عن كتاب الكسب لمحمد
ابن الحسن أن المختار أنه إن كان السائل
لايتخطى رقاب الناس ولا يمر بين يدي
المصلي، ولا يسأل الناس إلحافا فلابأس
بالسؤال والإعطاء، لأن السؤال كانوا يسألون
على عهد رسول الله وَّل في المسجد حتى
یروی أن عليا رضي الله عنه تصدق بخاتمه
وهو فى الركوع(٢). فمدحه الله بقوله:
﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾(٣)، وإن
کان یتخطی رقاب الناس ویمر بين يدي
المصلي فيكره إعطاؤه، لأنه إعانة له على أذى
الناس حتى قيل: هذا فلس واحد يحتاج إلى
سبعين فلساً لكفارته(٤).
وقال ابن مفلح: قال بعض أصحابنا يكره
السؤال والتصدق في المساجد، ومرادهم -
والله أعلم - التصدق على السؤال لامطلقا،
(١) حديث: (هل منكم أحد أطعم ... ))
أخرجه أبو داود (٣٠٩/٢)، ونقل المنذري في (مختصر
السنن» (٢/ ٢٥٢) عن أبي بكر البزار أن إسناده مرسل.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٢٢١
(٣) سورة المائدة / ٥٥
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٥٣-٣٥٤
- ٢٢٢ -

مَسْجد ٤٣-٤٤
وقطع به ابن عقيل، وأكثرهم لم يذكر
الكراهة، وقد نص أحمد رحمه الله على أن من
سأل قبل خطبة الجمعة ثم جلس لها تجوز
الصدقة عليه، وكذلك إن تصدق على من لم
يسأل أو سأل الخطيب الصدقة على إنسان
جاز.
ونقل ابن مفلح عن البيهقي أن علي بن
محمد بن بدر قال: صليت يوم الجمعة فإذا
أحمد بن حنبل بقرب مني، فقام سائل فسأل
فأعطاه أحمد قطعة(١).
وكره الحنفية التخطي للسؤال فلا يمر
السائل بين يدي المصلي ولا يتخطى رقاب
الناس ولا يسأل الناس إلحافا إلا إذا كان الأمر
(٢)
لابد منه(٢).
استبدال المسجد:
٤٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز
استبدال المسجد.
قال الحنفية: لو باع كرما فيه مسجد قديم
إن كان عامرا يفسد البيع وإلا لا،ولو اشترى
دارا بطريقها ثم استحق الطريق: إن شاء
أمسكها بحصتها، وإن شاء ردها إن كان
الطريق مختلطا بها، وإن كان متميزا لزمه الدار
بحصتها، ومعنى اختلاطه كونه لم يذكر له
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٤٠٨/٣ ط. الرياض الحديثة.
(٢) الفتاوى الهندية ١٤٨/١، وحاشية ابن عابدين ١/ ٥٥٤
الحدود، وفي المنتقى: إذا لم يكن الطريق
محدودا فسد البيع، والمسجد الخاص
کالطريق المعلوم ولو كان مسجد جماعة فسد
البيع في الكل، وفي بعض النسخ ولو كان
مسجد جامع فسد في الكل، وكذا لو كان
مهدوما أو أرضا ساحة لابناء فيها بعد أن
يكون أصله مسجد جامع كذا في المجتبى،
والظاهر أن هذا متفرع على قول أبي يوسف
في المسجد: إلا إن كان من ريعه معلوم يعاد
به، ولو باع قرية وفيها مسجد واستثني
المسجد جاز البيع(١).
وفي هذا يقول المالكية: أما المسجد
فلاخلاف في عدم جواز بيعه مطلقا سواء
خرب أم لا، وإن انتقلت العمارة عن محله،
ومثل عدم جواز بيع المسجد نقضه، فلايجوز
بيع نقض المسجد بمعنى أنقاضه.
وإذا كان المسجد محفوفا بوقوف فافتقر
إلی توسعة جاز أن يبتاع منها مایوسّع به، یعنی
أن المسجد إذا كان محفوفا بوقوف وكان هذا
المسجد في حاجة إلى توسعة ولم يوجد ما
يوسعه إلا ببيع بعض تلك الأوقاف أو كلها
فإنه يجوز أن تباع لتوسعة المسجد، وعلى هذا
فإنه لا يجوز بيع الحبس ولو صار خربا إلا في
هذه المسألة، وهي ما إذا ضاق المسجد بأهله،
(١) فتح القدير ٢٢٧/٥ط. المطبعة الكبرى الأميرية ١٣١٦ هـ.
- ٢٢٣ -

مَسْجد ٤٤
أو احتاج إلى توسعة، وبجانبه عقار حبس أو
ملك فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة
المسجد، وإن أبی صاحب الحبس أو صاحب
الملك بيع ذلك فالمشهور أنهما يجبران على
بيع ذلك ويشترى بثمن الحبس مايجعل حبسا
كالأول، ومثل توسعة المسجد توسعة طريق
المسلمين ومقبرتهم.
وفي المواق: قال سحنون: لم يجز أصحابنا
بیع الحبس بحال إلا دارا بجوار مسجد احتیج
أن تضاف إليه ليتوسع بها، فأجازوا بيع ذلك
ویشتری بثمنها دار تکون حبسا، وقد أدخل
في مسجد النبي ټګ دور محبّسة كانت تلیه،
وعن مالك أن ذلك إنما يجوز في مساجد
الجوامع إن احتيج إلى ذلك لافي مساجد
الجماعات، إذ ليست الضرورة فيها
كالجوامع(١).
ويقول الشافعية: لو انهدم مسجد وتعذرت
إعادته لم يبع بحال لإمكان الصلاة فيه في
الحال، ويقول القليوبي تعليقا على قول
صاحب المنهاج (وتعذرت إعادته): أي
بنقضه، ثم إن رجي عوده حفظ نقضه وجوبا -
ولو بنقله إلى محل آخر إن خيف عليه لو بقى
- وللحاكم هدمه ونقل نقضه إلى محل أمين
إن خيف على أخذه لو لم يهدم، فإن لم يرج
عوده بني به مسجد آخر لانحو مدرسة، وكونه
بقُرْبه أولى، فإن تعذر المسجد بني به غيره.
وأما غلته التي ليس لأرباب الوظائف
وحُصره وقناديله فکنقضه وإلا فهي لأربابها،
وإن تعذرت، لعدم تقصيرهم(١).
وعند الحنابلة: إذا تعطلت منافع المسجد
بخراب أو غيره، كخشب تشعث وخيف
سقوطه، ولم يوجد ما يعمر به، فيباع ويصرف
ثمنه في مثله أو بعض مثله، نص عليه أحمد
قال: وإذا كان فى المسجد خشبات لاقيمة لها
جاز بيعها وصرف ثمنها عليه، وقال: يحول
المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه
قذرا، قال أبوبكر المعروف بالخلال: وروي
عنه أن المساجد لاتباع إنما تنقل آلتها، قال:
وبالقول الأول أقول، لإجماعهم على جواز
بيع الفَرَس الحبيس إذا لم يصلح للغزو، فإن
لم يبلغ ثمن الفرس أعين به في فرس حبیس،
لأن الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده بعينه
استبقينا الفرس - وهو الانتفاع على الدوام -
في عين أخرى واتصال الإبدال يجري مجرى
الأعيان وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع
للغرض كذبح الهدي إذا أعطب في موضعه
(١) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٣/ ١٠٤-١٠٥
دار الفكر.
(١) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي عليه ١٠٨/٣ ط. دار إحياء
الكتب العربية.
- ٢٢٤ -

مسجد ٤٤ - ٤٥
مع اختصاصه بموضع آخر، فلما تعذر
تحصيل الغرض بالكلية استوفى منه ما أمكن،
قاله ابن عقيل وغيره.
وبمجرد شراء البدل يصير وقفا، وكذا
حكم المسجد لو ضاق على أهله ولم تمكن
توسعته في موضعه، أو خربت محلته أو
استقذر موضعه، قال القاضي: يعني إذا كان
ذلك يمنع من الصلاة فيه فيباع.
ويجوز نقل آلته وحجارته لمسجد آخر
احتاج إليها، وذلك أولى من بيعه لما روي أن
عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد لما بلغه أن
بيت المال الذي في الكوفة نقب، أن انقل
المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال
في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد
مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم
(١)
يظهر خلافه فكان كالإجماع
.
بيع المسجد أو أنقاضه دون أرضه:
٤٥ - جمهور الفقهاء على أن المسجد
لايباع، وفي هذا يقول الحنفية: من اتخذ أرضه
مسجدا واستوفی شروط صحة وقفه لم یکن له
أن يرجع فيه ولا يبيعه ولايورث عنه، لأنه
تجرد عن حق العباد وصار خالصا لله تعالى،
وهذا لأن الأشياء كلها لله تعالى وإذا أسقط
(١) منار السبيل في شرح الدليل ١٨/٢-١٩
العبد ماثبت له من الحق رجع إلى أصله
فانقطع تصرفه عنه كما في الإعتاق.
ولو خرب ماحول المسجد واستغني عنه
يبقى مسجدا عند أبي يوسف لأنه إسقاط منه
فلايعود إلى ملكه، وعند محمد يعود إلى ملك
الباني (الواقف) إن کان حیا أو إلی وارثه بعد
موته، وإن لم یعرف بانیه ولا ورثته کان لهم
بيعه والاستعانة بثمنه في بناء مسجد آخر لأنه
عينه لنوع قربة، وقد انقطعت، فصار كحصير
المسجد وحشيشه إذا استغني عنه، إلا أن أبا
يوسف يقول في الحصر والحشيش إنه ينقل
إلى مسجد آخر.
ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف
عليه أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه،
ولو كان ملك رجل أخذ بالقيمة كرها، فلو
كان طريقا للعامة أدخل بعضه بشرط أن
لايضر بالطريق.
وفي كتاب الكراهية من الخلاصة عن
الفقيه أبي جعفر عن هشام عن محمد أنه
يجوز أن يجعل شيء من الطريق مسجدا، أو
يجعل شيء من المسجد طريقا للعامة، يعني
إذا احتاجوا إلى ذلك.
ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجدا
وكذا على القلب، ويحولوا الباب أو يحدثوا
له بابًا آخر، ولو اختلفوا ينظر أيهما أكثر ولاية
له ذلك.
- ٢٢٥ -

مَسْجد ٤٥ - ٤٦
ولهم أن يهدموه ويجددوه، ولیس لمن
ليس من أهل المحلة ذلك، وكذا لهم أن
يضعوا الحباب ويعلقوا القناديل ويفرشوا
الحصر كل ذلك من مال أنفسهم، وأما من
مال الوقف فلايفعل غير المتولي إلا بإذن
القاضي.
ومن كتاب التجنيس: قيم المسجد إذا أراد
أن يبني حوانيت في المسجد أو في فنائه
لا يجوز له أن يفعل، لأنه إذا جعل المسجد
سكنا تسقط حرمة المسجد، وأما الفناء فلأنه
تبع للمسجد، ولو خرب ماحول المسجد
واستغنى عنه أي استغنى عن الصلاة فيه أهل
تلك المحلة أو القرية بأن كان في قرية فخربت
وحولت مزارع يبقى مسجدا على حاله عند
أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة(١).
ويقول المالكية: لايجوز بيع المسجد مطلقا
سواء خرب أم لا ولو انتقلت العمارة عن محله،
ومثل عدم جواز بيع المسجد نقضه، فلايجوز
بيع نقض المسجد بمعنی إنقاضه.
وفي القرطبي: لايجوز نقض المسجد
ولابيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة(٢).
ويقول الشافعية: من وقف مسجدا فخرب
(١) فتح القدير ٦٤/٥
(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٣/ ١٠٤ دار الفكر،
وجواهر الإكليل ٢٠٨/٢-٢٠٩، والجامع لأحكام القرآن
للقرطبي ٧٨/٢
المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى
الملك ولم يجز التصرف فيه، لأن مازال
الملك فيه لحق الله تعالى ولا يعود إلى الملك
بالاختلال كما لو أعتق عبدا ثم زمن(١).
وإن وقف جذوعا على مسجد فتكسرت،
ففيه وجهان أحدهما: لا يجوز بيعه، والثاني:
يجوز بيعه، لأنه لا یرجی منفعته، فکان بيعه
أولى من تركه بخلاف المسجد، فإن المسجد
يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر
الموضع فیصلی فیه.
وإن وقف شيئا على مسجد فاختل المكان
حفظ الارتفاع (الغلة) ولا يصرف إلى غيره
لجواز أن يرجع كما كان(٢).
ويقول الحنابلة بتحريم بيع المسجد إلا أن
تتعطل منافعه بخراب أو غیرہ کخشب تشعث
وخیف سقوطه ولم يوجد ما یعمر به، فيباع
ويصرف ثمنه في مثله أو بعض مثله نص عليه
أحمد، قال: وإذا كان في المسجد خشبات لها
قيمة جاز بيعها وصرف ثمنها عليه(٣).
غرس الشجر في المسجد والزرع فيه وحفر
بئر فيه:
٤٦ - ذهب الحنفية إلى أنه لايجوز غرس
.-
(١) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٤٥٢/١
(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٤٥٢/١
(٣) منار السبيل ١٨/٢ المكتب الإسلامي.
- ٢٢٦ -

مَسْجد ٤٦
الأشجار في المسجد إلا إذا كان ذانزّ،
والاسطوانات لاتستقر به، فيجوز لتشرب ذلك
الماء فيحصل بها النفع، ولايحفر فيه بئر، ولو
کانت قديمة - کبئر زمزم - تر کت، ولو حفر
فتلف فيه شيء إن حفر أهل المسجد أو
غيرهم بإذنهم لا يضمن، وإن كان بغير إذنهم
ضمن أضر ذلك بأهله أو لا(١).
وحرم الحنابلة حفر البئر وغرس الشجر
بالمساجد لأن البقعة مستحقة للصلاة
فتعطيلها عدوان، فإن فعل طُمَت البئر وقلعت
الشجرة، نص عليه، قال: هذه غرست بغير
حق والذي غرسها ظالم غرس فيما لا يملك.
وتحريم حفر البئر في المسجد حيث لم
يكن فيه مصلحة، فإن كان في حفره مصلحة
ولم يحصل به ضيق لم يكره أحمد حفرها
فيه، والزرع فيه مكروه(٢).
وقال ابن قدامة: لايجوز أن يغرس في
المسجد شجرة وإن كانت النخلة في أرض
فجعلها صاحبها مسجدا والنخلة فيها فلابأس
ويجوز أن يبيعها من الجيران، وفي رواية:
لاتباع وتجعل للمسلمين وأهل الدرب
يأكلونها، وقيل: إن المسجد إذا احتاج إلى
(١) فتح القدير ٢٩٩/١
(٢) منار السبيل في شرح الدليل ٢/ ٢٠، والآداب الشرعية لابن
مفلح ٣/ ٤٠٥
ثمن ثمرة الشجرة بيعت وصرف ثمنها في
عمارته، أما إن قال صاحبها: هذه وقف على
المسجد فينبغي أن يباع ثمرها ويصرف
(١)
إليه(١).
والمالكية لا يجيزون ذلك في المسجد وإن
(٢)
وقع قلع(٢).
والشافعية قالوا بكراهة غرس الشجر
والنخل وحفر الآبار في المساجد لما فيه من
التضييق على المصلين، ولأنه ليس من فعل
السلف، والصحیح تحريمه لما فيه من تحجیر
موضع الصلاة والتضييق وجلب النجاسات
من ذرق الطيور، وقال الغزالي: لايجوز الزرع
فيه، وإن غرس غرسا يستظل به فهلك به
إنسان فلاضمان.
وقال الرافعي في كتاب الوقف: ولا ينبغي
أن يغرس في المسجد شجر لأنه يمنع
المصلين، قال في الروضة فيباب السجدات:
فإن غرس قلعه الإمام، وقال القاضي حسين
في تعليقه في الصلاة: لايجوز الغرس في
المسجد ولا الحفر فيه، لأن ذلك مما يشغل
المصلي. الرافعى
وقال في آخر كتاب الوقف: سئل أبو علي
عبد الله الحناطي عن رجل غرس شجرة في
(١) المغني لابن قدامة ٦٣٤/٥، ٦٣٥
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ٧٠-٧١
- ٢٢٧ -

......
٠٠
مَسْجد ٤٦-٤٩
المسجد كيف يصنع بثمارها؟ فقال: إن
جعلها للمسجد لم يجز أكلها من غير عوض،
ويجب صرفها إلى مصالح المسجد، ولاينبغي
أن يغرس في المساجد الأشجار لأنها تمنع
الصلاة، فإن غرسها مسبلة للأكل جاز أكلها
بلا عوض و کذا إن جهلت نیته حیث جرت
العادة به(١).
انتفاع جار المسجد بوضع خشبة على جداره:
٤٧ - للمالكية قولان في أنه هل لناظر وقف
المسجد أن يعير جار المسجد موضعا لغرز
خشبة فيه أو ليس له هذا الحق؟ أحدهما
بإعطائه هذا الحق، والآخر بمنعه من ذلك
وهو الراجح عندهم(٢).
ويشترط الحنابلة لجواز وضع تلك الخشبة
على جدار المسجد أن لاتضر بحائطه
فيضعف عن حملها، وأن لايمكن التسقيف
بدون وضعها وأن لايكون عند صاحبها غناء
بوضعها على غير جدار المسجد، وأن تكون
الحاجة داعية إلى وضع تلك الخشبة على
جداره، فمتی کان ذلك جاز وضع تلك
الخشبة على جداره، وقيل: يشترط للجواز أن
یکون له ثلاثة حیطان ولجاره حائط واحد.
فإن كان غرزها في جدار المسجد يضر
(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٤١-٣٤٢
(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للکشناوي ٥٨/٣
بحائطه فيضعفه عن حملها، أو أمكن
التسقيف بدون وضعها عليه، أو كان عنده
غناء بوضعها على غير جداره، أو لم تدع
الحاجة إلى وضعها على جداره لم يجز
وضعها عليه(١).
إغلاق المسجد في غير أوقات الصلاة:
٤٨ - ذهب جمهور الفقهاء وهو قول للحنفية
إلى أنه لابأس بإغلاق المساجد في غير
أوقات الصلاة، صيانة لها وحفظا لما فيها من
متاع، وتحرزا عن نقب بيوت الجيران منها،
وخوفا من سرقة ما فيها (٢).
وذهب الحنفية إلى أنه يكره تحريما إغلاق
باب المسجد لأنه يشبه المنع من الصلاة
والمنع من الصلاة حرام (٣) لقوله تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَّنَعَ مَسَجِدَ الَّهِ أَن يُذْكَرَفِيهَا
اسْمُهُ وَسَعَى فِىِ خَرَابِهَاآَ﴾(٤).
تعطيل المساجد:
٤٩ - قال الزركشي: إذا تعطل المسجد بتفرق
الناس عن البلد أو خرابها أو بخراب المسجد
فلايعود مملوکا ولايجوز بيعه بحال
ولاالتصرف فیه، کما لو أعتق عبدا ثم زَمن
(١) المغني لابن قدامة ٥٠٢/٤-٥٠٣
(٢) فتح القدير والعناية بهامشة ٢٩٩/١، وإعلام الساجد بأحكام
المساجد ٣٤٠، ٣٤٤، والآداب الشرعية لابن مفلح ٤٠٦/٣
(٣) فتح القدير والعناية بهامشه ٢٩٩/١
(٤) سورة البقرة/ ١١٤
- ٢٢٨ -

مسْجِد ٤٩، مسْجِد إنْراهِيم ١-٢
لا یعود مملو کا.
ثم إن خيف أن تنقضه الشياطين، نقض
وحفظ ، وإن رأى القاضي أن يبنى بنقضه
مسجدا آخر، قال القاضي وابن الصباغ
والمتولي: يجوز، وقال المتولي: الأولى أن
ينقل إلى أقرب الجهات إلیه، فإن نقل إلى
البعيد جاز، ولايصرف النقض إلى غير
المسجد كالرباطات والقناطر والآبار، كما
لا يجوز عكسه، لأن الوقف لازم، وقد دعت
الضرورة إلى تبديل المحل دون الجهة(١).
وقال القرطبي: لايجوز نقض المسجد
ولابيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة(٢).
وإذا تعطلت منافع المسجد بخراب أو غيره
کخشب تشعث وخيف سقوطه ولم يوجد
مایعمر به فيباع ويصرف ثمنه في مثله أو بعض
مثله نص عليه أحمد، قال: إذا كان في
المسجد خشبات لها قيمة جاز بيعها وصرف
ثمنها عليه، وقال يحول المسجد خوفا من
اللصوص، وإذا كان موضعه قذرا(٣).
(١) إعلام الساجد ٣٤٥
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٧٨
(٣) منار السبيل في شرح الدليل ١٨/٢
مسجد إبراهيم
التعريف:
١- مسجد إبراهيم مركب من كلمتين: مسجد
وإبراهيم، فالمسجد في اللغة: بيت الصلاة،
وموضع السجود من بدن الإنسان.
والمسجد في الاصطلاح: الأرض التي
جعلها المالك مسجداً وأذن بالصلاة فيها (١).
قال الشافعية: وإبراهيم هو نبي الله إبراهيم
(٢)
عليه السلام على الصحيح
.
وقيل: إن إبراهيم هو أحد أمراء بني العباس
وهو الذي ينسب إليه باب إبراهيم بمكة (٣).
الألفاظ ذات الصلة:
مقام إبراهيم:
٢- المقام - بفتح الميم - اسم مكان من قام
يقوم قوماً وقياماً: أي انتصب، وقال أكثر
الفقهاء والمفسرين: إن مقام إبراهيم: الحجر
الذي تعرفه الناس اليوم، يصلون عنده ركعتي
(١) لسان العرب، وقواعد الفقه للبركتي.
(٢) مغني المحتاج ٤٩٦/١، ونهاية المحتاج ٢٨٧/٣، وحاشية
القليوبي ١١٣/٢
(٣) المراجع السابقة.
- ٢٢٩ -

مسْجِد إبْرَاهِيم ٢-٥
الطواف (١).
والصلة بين مقام إبراهيم ومسجد إبراهيم
أن كلا منهما منسوب إلى نبي الله إبراهيم، غیر
أن مقام إبراهيم عند الكعبة، وتسن ركعتا
الطواف عنده، ومسجد إبراهيم عند عرفات.
الحكم الإجمالي:
يتعلق بمسجد إبراهيم أحكام منها.
أ- الوقوف بمسجد إبراهيم:
٣- قال أبو محمد الجويني من الشافعية: إن
مقدّم مسجد إبراهيم في طرف وادي عرنة لا
في عرفات، وآخره في عرفات، قال: فمن
وقف في مقدم المسجد المسمى بمصلى
إبراهيم لا يصح وقوفه، ومن وقف في آخره
(٢)
صح (٢).
ب- لقطة مسجد إبراهيم:
٤ - قال الزركشي في إعلام الساجد نقلا عن
الحاوي: إن لقطة عرفة ومصلى إبراهيم (أي
مسجد إبراهيم) فيها وجهان: أحدهما: حل
لقطتها قياساً على الحل، والثاني: أنه كالحرم
لا تحل إلا لمنشد، لأنه مجمع الحاج
وينصرف القصاد منه إلى سائر البلاد كالحرم.
وأما جمهور الفقهاء فقالوا: لا فرق بين
(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٥٤، والحاوي
للماوردي ٤٢٨/٩، والقليوبي وعميرة ١٢٣/٣
(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٧٢
لقطة الحل ولقطة الحرم.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (حرم
ف ١٩).
ج - صلاة الظهر والعصر يوم عرفة بمسجد
إبراهيم:
٥- يندب إذا قصد الحجيج عرفات للوقوف
بها أن يتوجهوا إلى مسجد إبراهيم عليه
السلام - ويسمى الآن مسجد نمرة ويصلوا
الظهر والعصر جمعا بعد خطبتين يلقيهما
الإمام(١).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (عرفات
ف ٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٧٣، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٤٣/٢، ٤٤، ومغني المحتاج ٤٩٦/١، وشرح
المنهاج للمحلي ٢/ ١١٣، كشاف القناع ٤٩١/٢
- ٢٣٠ -

المسجد الأَقْصَى ١ - ٣
المَسْجِد الأَقْصَى
التعريف:
١- المسجد الأقصى هو المسجد المعروف
في مدينة القدس، وقد بني على سفح
الجبل (١) ويسمى بيت المقدس، أي البيت
المطهر الذي يُتطهر فيه من الذنوب.
وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين
الشريفين، ومسری رحمة الله للعالمين محمد
﴿ *، وأحد المساجد الثلاثة التي لا تشد
الرحال إلا إليها، والمسجد الذي بارك الله
حوله كماجاء في القرآن الكريم (٢).
ويسمى الأقصى لبعد ما بينه وبين
المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن
أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة (٣).
أسماء المسجد الأقصى:
٢- للمسجد الأقصى أسماء عدة ذكر الزركشي
منها سبعة عشر من أهمها:
(١) مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين
البغدادي ١٢٩٦/٣
(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٧٧ - ٢٧٩، وتحفة الراكع
والساجد للجراعي ص ١٨٤- ١٨٦
(٣) تفسير القرطبي ٢١٢/١٠
الأول: مسجد إيلياء: وقيل في معناه: بيت
الله، وعن كعب الأحبار أنه كره أن يسمى
بإیلیاء، ولکن بیت الله المقدس، وقد حکی
ذلك الواسطي في فضائله.
الثاني: بيت المقدس: بفتح الميم وإسكان
القاف - أي المكان الذي يطهر فيه من
الذنوب، والمقدس: المطهر.
الثالث: البیت المقدّس : - بضم الميم وفتح
القاف والدال المشددة - أي المطهر، وتطهيره
إخلاؤه من الأصنام (١)، وغيرها من الأسماء،
وقد أوصلها الجراعي إلى اثنين وعشرين
اسماً، في كتابه تحفة الراكع والساجد (٢).
الألفاظ ذات الصلة:
أ - المسجد النبوي:
٣- المسجد النبوي هو المسجد الذي أسسه
رسول الله ولي في المدينة المنورة، وهو ثاني
الحرمين الشريفين، وثواب الصلاة فيه يربو
على الصلاة في غيره بألف صلاة إلا المسجد
الحرام، والصلة بينهما أن كلا من المسجد
الأقصى والمسجد النبوي من المساجد الثلاثة
التي لا تشد الرحال إلا إليها (٣).
(١) تحفة الراكع للجراعي ص ١٨٤، وإعلام الساجد للزركشي
ص ٢٧٨
(٢) تحفة الراكع للجراعي ص ١٨٤ - ١٨٦
(٣) تحفة الراكع والساجد ص ١٣١ - ١٣٧، وإعلام الساجد
للزركشي ص ٢٤٦.
- ٢٣١ -

المسجد الأَقْصَى ٤-٨
ب- المسجد الحرام:
٤- المسجد الحرام هو بيت الله الحرام بمكة
المكرمة، وهو أول مسجد وضع على
الأرض، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿إِنّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى
(١)
لِلْعَلَمِينَ﴾ (١).
وهو أول الحرمين وثاني القبلتين، وفضل الصلاة
فيه بمائة ألف صلاة عما سواه، والصلة أن كلا من
المسجد الأقصى والمسجد الحرام من المساجد
الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها (٢).
فضائل المسجد الأقصى ومكانته في الإسلام
وخصائصه:
للمسجد الأقصى فضائل أهمها:
أ- أنه القبلة الأولى للمسلمين:
٥- من الفضائل التي اختص بها المسجد
الأقصى، أن جعله الله تعالى أولى القبلتين،
فإلیه كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم
قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة المشرفة.
وفي ذلك دلالة على أن هذا البيت شرفه الله
وكرمه، فوجه أنظار المسلمين إليه فترة من
الزمن (٣).
(١) سورة آل عمران / ٩٦
(٢) إعلام الساجد ص ٢٩، ٨٤
(٣) تفسير القرطبي ١٤٩/٢ - ١٥٠
ب- الإسراء إليه والمعراج منه:
٦- إلى المسجد الأقصى كان إسراء النبي تَّ
قبل الهجرة، ونزل في ذلك قوله تعالى:
سُبْحَنَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَالَّذِى بَرَكْنَا
حَوْلَهُ ﴾(١).
وهذه الآية هي المعظمة لقدره بإسراء سيدنا
رسول الله ﴿ إليه قبل عروجه إلى السماء (٢).
ودخل النبي قل﴾ ومعه جبريل بيت المقدس
(٣)
فصلی فیه ر کعتین
ج- شدّ الرّحال إليه:
٧- جعل الإسلام هذا المسجد أحد ثلاثة
مساجد تشد إليها الرحال (٤)، فقال الغز: ((لا تشد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد
الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، (٥).
د- فضل الصلاة فيه:
٨- ومن خصائص المسجد الأقصى وفضله،
مضاعفة الصلاة فيه، وقد اختلفت الأحاديث
في مقدارها، قال الجراعي: ورد أن الصلاة فيه
(١) سورة الإسراء / ١
(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٨٦
(٣) تفسير القرطبي ١٠٥/١٠ - ١٠٦
(٤) إعلام الساجد ص ٢٨٨، وتحفة الراكع والساجد ص
١٨٧
(٥) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٣)، ومسلم (٢/ ٩٧٦)
- ٢٣٢ -

المسجد الأقصى ٨-١١
بخمسمائة، وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية:
(١)
إنه الصواب (١).
هـ -مباركة الأرض حوله:
٩- أخبر الله تعالى عن المسجد الأقصى أنه
بارك حوله في قوله تعالى: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ
أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلاَمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
اُلْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ، وفي
الآية تأويلان: أحدهما أنه مبارك بمن دفن
حوله من الأنبياء المصطفين الأخيار، والثاني:
بكثرة الثمار ومجاري الأنهار (٢).
و- كونه ثاني مسجد في الأرض:
١٠- أول مسجد وضع على الأرض هو
المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت
رسول الله وَّ عن أول مسجد وضع في
الأرض قال: ((المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟
قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟
قال: أربعون عاماً، ثم الأرض لك مسجداً
فحيثما أدركتك الصلاة فصل)) (٣)، وقال
البخاري في بعض طرقه: ((أينما أدركتك
(١) تحفة الراكع والساجد للجراعي ص ١٧٨ - ١٧٩، ١٨٠،
وإعلام الساجد للزركشي ص ٢٨٩
(٢) إعلام الساجد ص ٢٨٦، وتحفة الراكع والساجد ١٧٩،
وتفسير القرطبي ٢١٢/١٠
(٣) حديث: ((المسجد الحرام ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٥٨/٦)، ومسلم
(١/ ٣٧٠)
الصلاة فصل فیه، فإن الفضل فیه)).
وقد أشكل هذا الحديث على بعض
العلماء كابن الجوزي فقال: إنه معلوم أن
سليمان بن داود هو الذي بنى الأقصی کما
رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله
ابن عمرو یرفعه: أن سلیمان بن داود لما بنی
بیت المقدس سأل الله ثلاثاً: سأل الله عز وجل
حکما یصادف حکمه فأوتیه، وسأل الله عز
وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه،
وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد
الأقصی ألا یأتیه أحد لا ینھزہ (یحر که) إلا
الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته
أمه (١).
وسليمان بعد إبراهيم كما قال أهل التاريخ
بأكثر من ألف عام، وأجاب الزركشي: بأن
سليمان عليه السلام إنما كان له من المسجد
الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه
هو يعقوب بن إسحاق بعد بناء إبراهيم
الكعبة بهذا القدر (٢).
أحکامه:
١١- تتعلق بالمسجد الأقصى أحكام سبق
ذكر بعضها كمضاعفة أجر الصلاة فيه،
واستحباب شد الرحال إليه للحديث الشريف
(١) سنن النسائي ١١٢/١، وإعلام الساجد للزركشي ص ٢٩
(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٩ - ٣٠، وتحفة الراكع
والساجد ص ١٧٥
- ٢٣٣ -

المسجد الأقصى ١١
كما تقدم(١).
ومنها ما يأتي:
الأول: استحباب ختم القرآن فيه، وعن أبي
مجلّز قال: كانوا يستحبون لمن أتى المساجد
الثلاثة، أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج،
المسجد الحرام، ومسجد النبي ◌َّ، ومسجد
بیت المقدس.
كما روي أن سفيان الثوري كان يختم به
القرآن (٢).
الثاني: استحباب الإحرام بالحج والعمرة منه،
ذكره الزركشي وقال: ففي سنن أبي داود
وغيره من حديث أم سلمة قالت: قال رسول
الله وَلّ: ((من أهلٌ بحجة أو عمرة من المسجد
الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم
(٣)
من ذنبه وما تأخر)) أو ((وجبت له الجنة))
وأحرم جماعة من السلف منه، كابن عمر
ومعاذ وكعب الأحبار وغيرهم (٤).
(١) إعلام الساجد ص ٢٨٨
(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٨٨، وتحفة الراكع والساجد
للجراعي ص ١٨٧، وأثر أبي مجلز ((كانوا يستحبون .... )
أخرجه سعيد بن منصور في ((سنته)) كما عزاه الزركشي في
إعلام الساجد ص ٢٨٨
(٣) حديث: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى ... ))
أخرجه أبو داود (٣٥٦/٢)، وضعفه البخاري في ((التاريخ
الكبير» (١٦١/١)
(٤) السنن الكبرى ٣/٥، وإعلام الساجد للزركشي
ص ٢٨٩
الثالث: حكي عن بعض السلف أن السيئات
تضاعف في المسجد الأقصى، روي ذلك عن
كعب الأحبار، وذكر أبو بكر الواسطي عن
نافع قال: قال لي ابن عمر: اخرج بنا من هذا
المسجد فإن السيئات تضاعف فيه كما
تضاعف الحسنات.
وذكر الزركشي عن كعب الأحبار أنه كان
يأتي من حمص للصلاة فيه فإذا صار منه
قدرميل اشتغل بالذكر والتلاوة والعبادة حتى
يخرج عنه بقدر ميل أيضاً ويقول: السيئات
تضاعف فيه، (أي تزداد قبحاً وفحشاً لأن
المعاصي في زمان أو مكان شريف أشد
جرأة وأقل خوفاً من الله تعالى) (١).
الرابع: أنه يحذر من اليمين الفاجرة فيه،
وكذلك في المسجدين فإن عقوبتها عاجلة (٢).
الخامس: يكره استقبال بيت المقدس
واستدباره بالبول والغائط ولا يحرم قاله الشيخ
محيي الدين في الروضة من زوائده تبعا
لغيره، ولم يتعرض له الشافعي وأكثر
الأصحاب.
والتفصيل في مصطلح (قضاء الحاجة
ف ٥).
(١) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٩٠، وتحفة الراكع والساجد
ص ١٨٨
(٢) تحفة الراكع والساجد ص ١٨٩، ١٩٠، وإعلام الساجد ص
٢٩٠ - ٢٩٥،٢٩١
- ٢٣٤ -

المسجد الأَقْصَى ١١، المسْجِد الحَرَام ١
السادس: ذهب الفقهاء إلى أن إقامة صلاة
العيد في المصلى أولى منها في المسجد إلا
في مسجد مكة، قال الرافعي: وألحق
الصيدلاني به مسجد بيت المقدس (١).
السابع: استحباب الصيام فیه، فقد روي: صوم
يوم في بيت المقدس براءة من النار (٢).
الثامن: قال الزركشي، قال الدارمي: لا يجوز
الاجتهاد بمحراب بيت المقدس يمنة ولا
يسرة إلحاقاً له بمسجد المدينة (٣).
(١) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٩٧، وتحفة الراكع والساجد
ص ١٩١.
(٢) إعلام الساجد ص ٢٨٩
(٣) إعلام الساجد ص ٢٩٧
المسْجد الحَرَام
التعريف:
١- المسجد - بكسر الجيم - في اللغة: موضع
(١)
السجود من بدن الإنسان، وبيت الصلاة
.
والمسجد شرعاً هو كل موضع من الأرض
لقوله قال: ((جعلت لي الأرض طهورا
ومسجداً)) (٢)، ثم إن العرف خصص المسجد
بالمكان المهيأ للصلوات الخمس (٣).
والمسجد الحرام في الاصطلاح - كما قال
النووي - قد يراد به الكعبة فقط، وقد يراد به
المسجد حولها معها، وقد يراد به مكة كلها
مع الحرم حولها، وقد جاءت نصوص الشرع
(٤)
بهذه الأقسام (٤).
وسمي المسجد حراماً لأنه لا يحل انتهاكه
فلا يصاد عنده ولا حوله ولا يختلى ما عنده
(١) المصباح المنير.
(٢) حديث: ((جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً).
أخرجه مسلم (١/ ٣٧١) من حديث أبي هريرة.
(٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص
٢٧ -٢٨
(٤) تهذيب الأسماء واللغات ١٥٢/٤، وانظر إعلام الساجد
ص ٥٩ وما بعدها، وتفسير القرطبي ٨/ ١٠٤
- ٢٣٥ -

المسْجِد الحَرَام ١-٤
من الحشیش.
قال العلماء: وأريد بتحريم البيت سائر
الحرم (١).
الألفاظ ذات الصلة:
أ- المسجد النبوي:
٢- المسجد النبوي هو المسجد الذي بناه
رسول الله رَّر في موقعه المعروف بالمدينة
حين قدم مهاجراً إليها من مكة، وهو ثاني
الحرمين الشريفين (٢).
والصلة أن كلاً من المسجد الحرام
والمسجد النبوي من المساجد التي تشد إليها
الرحال ويضاعف فيها الأجر.
ب - المسجد الأقصى:
٣- المسجد الأقصى هو المسجد المعروف
في مدينة القدس وقد بني على سفح الجبل،
ويسمى بيت المقدس أي البيت المطهر الذي
يتطهر فيه من الذنوب.
(ر: المسجد الأقصى).
والصلة أن كلاً من المسجد الحرام
والمسجد الأقصى من المساجد التي تشد
إليها الرحال ويضاعف فيها الأجر.
بناء المسجد الحرام:
٤- أول مسجد وضع على الأرض المسجدُ
(١) المطلع على أبواب المقنع ص ١٥٨، ١٨٨، والمصباح
المنير.
(٢) إعلام الساجد ٢٢٣ وما بعدها، وتحفة الراكع والساجد
١٣١ وما بعدها.
الحرام، وهو مسجد مكة (١)، كما قال الله
تعالى: ﴿ إِنَّأَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بَبَكَّةَ
مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ﴾ (٢)، وعن أبي ذر
رضي الله عنه قال: «قلت: يارسول الله أي
مسجد وضع فى الأرض أول؟ فقال: المسجد
الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى،
قلت وكم بينهما؟ قال: أربعون عاماً)) (٣).
قال ابن الجوزي: إن المسجد الحرام كان
صغيراً ولم يكن عليه جدار إنما كانت الدور
محدقة به، وبین الدور أبواب يدخل الناس من
كل ناحية فضاق على الناس المسجد فاشترى
عمر بن الخطاب رضي الله عنه دوراً فهدمها،
ثم أحاط عليه جداراً قصيراً، ثم وسع المسجد
عثمان بن عفان رضي الله عنه واشترى من
قوم، ثم زاد ابن الزبير رضي الله عنهما في
المسجد واشتری دوراً وأدخلھا فیه، وأول من
نقل إليه أساطين الرخام وسقفه بالساج
المزخرف الوليد بن عبد الملك، ثم زاد
المنصور في شقه الشامي ثم زاد المهدي،
وكانت الكعبة في جانب فأحب أن تكون
(١) إعلام الساجد ص ٢٩، وتفسير القرطبي ٤ / ١٣٧
(٢) سورة آل عمران / ٩٦
(٣) حديث أبي ذر قلت: ((يا رسول الله أي مسجد وضع في
الأرض أول .... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٠٧/٦) ومسلم (١/ ٣٧٠).
- ٢٣٦ -

المسْجِد الحَرَ ام ٤-٧
وسطاً فاشترى من الناس الدور ووسطها (١).
ثم توالت الزیادات فیه إلى يومنا هذا .
المفاضلة بين المسجد الحرام وغيره من
المساجد:
٥- صرح الحنفية بأن أعظم المساجد حرمة
المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد
بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال
ثم مساجد الشوارع ثم مساجد البيوت (٢).
ويرى المالكية على المشهور أن مسجد
المدينة أفضل المساجد ويليه مسجد مكة
ويليه مسجد بيت المقدس (٣).
شد الرحال إلى المسجد الحرام:
٦- المسجد الحرام هو أحد المساجد الثلاثة
التي تشد إليها الرحال، وفي الحديث: ((لا تشد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،
ومسجد الرسول (8﴿ والمسجد الأقصى)) (٤).
هذا الحديث يدل على فضيلة هذه
المساجد ومزيتها لكونها مساجد الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، ولأن المسجد الحرام
(١) مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لأبي الفرج بن
الجوزي ٣٥٨/١ نشر دار الراية.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٧١ نشر دار ومكتبة
الهلال.
(٣) كفاية الطالب الرباني ٣٢/٢ - ٣٣ نشر دار المعرفة.
(٤) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٣) ومسلم (١٠١٤/٢)
من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.
قبلة الناس وإليه حجهم، ومسجد الرسول وله
أسس على التقوى والمسجد الأقصى كان قبلة
الأمم السابقة، وأولى القبلتين (١).
تحية المسجد الحرام:
٧- ذهب الحنفية إلى أن أول ما يبدأ به داخل
المسجد الحرام الطواف محرماً أو غير محرم
دون الصلاة إلا أن یکون علیه فائتة، أو خاف
فوت الوقتية ولو الوتر، أو سنة راتبة، أو فوت
الجماعة، فيقدم الصلاة في هذه الصور على
الطواف (٢).
قال المنلا علي: من دخل المسجد الحرام
لا يشتغل بتحية لأن تحية هذا المسجد
الشريف هي الطواف لمن عليه الطواف أو
أراده، بخلاف من لم يرده، أو أراد أن يجلس
فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد
إلا أن يكون الوقت مكروها (٣).
واستظهر ابن عابدين أنه لا يصلي مريد
الطواف للتحية أصلاً لا قبله ولا بعده، ولعل
وجهه اندراجها في ركعتيه (٤).
ويرى المالكية أن تحية المسجد الحرام في
(١) الفتاوى الهندية ٢٦٥/١، وكفاية الطالب الرباني ٣٣/٢ ط
دار المعرفة، وعمدة القاري ٧/ ٢٥٣ ط دار الفكر، وفتح
الباري ٦٥/٣ ط. السلفية.
(٢) فتح القدير ٢ /١٨١ ط الأميرية.
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢١٥، وحاشية
ابن عابدين ١/ ٤٥٧
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٧
- ٢٣٧ -

المسْجد الحَرَام ٧-٩
حق الآفاقي، وكذلك المكي المأمور بالطواف
الطواف، وأما المكي الذي لم يؤمر بطواف
ولم يدخله لأجل الطواف، بل للمشاهدة أو
للصلاة أو لقراءة القرآن، فتحية المسجد في
حقه الصلاة (١).
وقال الشافعية: إن تحية المسجد الصلاة
وتحية البيت الطواف، وليس الطواف تحية
المسجد (٢)، ولكن تدخل التحية في ركعتيه
وإن لم ينوها (٣).
وصرح الحنابلة بأن تحية المسجد
الحرام الصلاة وتجزىء عنها الركعتان بعد
(٤)
الطواف (٤).
ونقل ابن مسدي في ((إعلام الناسك)) عن
أحمد وغيره أنه يحيي المسجد أولاً بركعتين
ثم يقصد الطواف (٥).
فضل الصلاة في المسجد الحرام:
٨- إن صلاة فى المسجد الحرام أفضل من
مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد (٦)،
روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَل: ((صلاة في مسجدي أفضل
(١) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧
(٢) إعلام الساجد ص ١٠٧
(٣) مغني المحتاج ٢٢٣/١، ٤٨٤.
(٤) كشاف القناع ٢/ ٤٧٧
(٥) تحفة الراكع والساجد ص ٢٠٦
(٦) إعلام الساجد ١١٥، ومثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن
لابن الجوزي ٣٥٩/١، وتحفة الراكع والساجد ص ٢٩.
من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام،
وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة
ألف صلاة فيما سواه)) (١).
ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب
ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله
النووي وغيره فلو كان عليه صلاتان فصلى في
أحد المسجدين (المسجد الحرام أو المسجد
النبوي) صلاة لم تجزئ إلا عن واحدة (٢).
٩- والفقهاء متفقون على فضيلة الفرض في
المسجد الحرام على الفرض في غيره وإنما
اختلفوا في شمول هذا الفضل الفرض والنفل.
قال الفاسي المالكي: إن الفضل يختص
بالفرض وهو مشهور مذهبنا ومذهب أبي
حنيفة (٣)، ونقل ابن عابدين قول الفاسي من
غير أن يعقب عليه، ونسب العيني هذا القول
إلى الطحاوي أيضا (٤).
وذهب الشافعية في المذهب والحنابلة إلى
أن المضاعفة لا تختص بالفريضة بل تعم
النفل والفرض، قال الزركشي بعد أن ذكر
(١) حديث: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما
سواه ... ))
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥٠ - ٤٥١) وصحح إسناده البوصيري
في مصباح الزجاجة (١ / ٢٥٠) وقال أصله في الصحيحين من
حديث أبي هريرة، وفي مسلم وغيره من حديث ابن عمر.
(٢) تحفة الراكع والساجد ص ٣٠، وانظر عمدة القاري
٧/ ٢٥٧، وفتح الباري ٦٨/٣.
(٣) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ١/ ٨٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ١٨٧/٢، وعمدة القاري ٢٥٧/٧.
- ٢٣٨ -

المسْجِد الحَرَام ٩ - ١٠
مذهب الشافعية في المسألة: وهو لازم
للأصحاب من استثنائهم النفل بمكة من
الوقت المكروه لأجل زيادة الفضيلة (١).
وقال الشيخ مجد الدين الحنبلي: ظاهر
الأخبار أن النفل في البيت أفضل، قال عليه
الصلاة والسلام: ((أفضل الصلاة صلاة المرء
في بيته إلا المكتوبة)) (٢)، قال: وينبغي أن
يكون مرادهم إلا النساء لأن صلاتهن في
بيوتهن أفضل، والأخبار مشهورة في ذلك
وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم (٣).
المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه
الصلاة:
١٠- ذهب الحنفية في المشهور والمالكية
والشافعية إلى أن المضاعفة تعم جميع حرم
مكة (٤)، فقد ورد من حديث عطاء بن أبي
رباح قال: ((بينما ابن الزبير يخطبنا إذا قال: قال
رسول الله وَله: صلاة في مسجدي هذا أفضل
من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام،
وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة، قال
(١) إعلام الساجد ١٢٤، وتحفة الراكع والساجد ٢٩
(٢) حديث: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١٤/٢) من حديث زيد
ابن ثابت.
(٣) تحفة الراكع والساجد ص ٢٩ - ٣٠
(٤) حاشية ابن عابدين ١٨٨/٢، وشفاء الغرام بأخبار
البلد الحرام ١/ ٨٠، وتحفة الراكع والساجد ص
٣٠، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١١٩
عطاء فکأنه مائة ألف، قال: قلت: يا أبا محمد
هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام
وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم، فإن
الحرم كله مسجد)) (١).
وقال ابن مفلح: ظاهر كلامهم في المسجد
الحرام أنه نفس المسجد، ومع هذا فالحرم
أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل (٢).
وقال الزركشي: يتحصل في المراد
بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة
سبعة أقوال.
الأول: أنه المكان الذي يحرم على الجنب
الإقامة فيه.
الثاني: أنه مكة.
الثالث: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة
بين الحل والحرم، قاله عطاء وقد سبق مثله
عن الماوردي وغيره، وقال الروياني: فُضّل
الحرم على سائر البقاع فرخص في الصلاة
فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة وحيازة
الثواب المضاعف، وقال الزركشي: وهذا فيه
تصريح بهذا القول.
(١) حديث عطاء بن أبي رباح قال: ((بينما ابن الزبير يخطبنا ... ))
أخرجه أبو داود الطيالسي في المسند (ص ١٩٥)، وأخرج
أحمد (٥/٤) الشطر المرفوع منه فقط، وفيه في آخره:
((تفضل بمائة صلاة في هذا)) وأورده الهيثمي في مجمع
الزوائد (٦/٤) وعزاه إلى الطبراني في الكبير وقال: رجاله
رجال الصحيح.
(٢) تحفة الراكع والساجد ص ٣٠
- ٢٣٩ -

المسْجِد الحَرَام ١٠ - ١٢
الرابع: أنه الكعبة، قال الزركشي وهو
أبعدها.
الخامس: أنه الكعبة والمسجد حولها، وهو
الذي قاله النووي في استقبال القبلة.
السادس: أنه جميع الحرم وعرفة، قاله ابن
حزم.
السابع: أنه الكعبة وما في الحجر من
البيت، وهو قول صاحب البيان من أصحاب
الشافعية (١).
وحكى المحب الطبري خلاف الفقهاء في
مكان المضاعفة بالنسبة إلى الصلاة، ورجح
أن المضاعفة تختص بمسجد الجماعة (٢).
تقدم المأموم على الإمام في المسجد الحرام:
١١- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا صلى
الإمام خارج الكعبة وتحلق المقتدون حولها
جاز لمن فى غير جهته أن يكون أقرب إليها
منه، لا لمن كان في جهته، لأن التقدم والتأخر
(٣)
إنما يظهر عند اتحاد الجهة
.(
وقال الشافعية: يستحب للإمام أن يقف
خلف المقام، ويقف المأمومون مستديرين
بالكعبة، بحيث يكون الإمام أقرب إلى الكعبة
(١) إعلام الساجد ١٢٠ - ١٢١
(٢) المرجع السابق ص ١٢٠
(٣) غنية المتملي شرح منية المصلي ص ٦١٦، وتحفة الراكع
والساجد ص ١٠٣
منهم، فإن كان بعضهم أقرب إليها منه وهو في
جهة الإمام ففي صحة صلاته قولان: الجديد
بطلانها، والقديم صحتها.
وإن كان في غير جهته فطريقان: المذهب:
القطع بصحتها وهو نصه في الأم وبه قطع
الجمهور.
والثاني فيه القولان، حكاه الأصحاب عن
أبي إسحاق المروزي (١).
المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام:
١٢ - ذهب الحنفية إلى أنه لا يمنع المار
داخل المسجد الحرام، لما روي عن المطلب
ابن أبي وداعة رضي الله عنه: ((أنه رأى النبي
* يصلي مما يلي باب بني سهم والناس
یمرون بین یدیه وليس بينهما سترة» (٢)، وهو
محمول على الطائفين فيما يظهر لأن الطواف
صلاة فصار كمن بين يديه صفوف من
(٣)
المصلین
وقال المالكية: إن كان في المسجد الحرام
حرم المرور إن كان له مندوحة وصلى لسترة،
وإلا جاز، هذا إذا كان المار غير طائف، وأما
هو فلا يحرم عليه مطلقاً، ثم إن كان له سترة
(١) المجموع ٢٩٩/٤ - ٣٠٠
(٢) حديث المطلب بن أبي وداعة: ((أنه رأى النبي # يصلي مما
يلي باب بني سهم .... ))
أخرجه أبو داود (٥١٨/٢) وفي إسناده جهالة.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤٢٧/١، ١٧٢/٢
- ٢٤٠ -