Indexed OCR Text
Pages 201-220
گدك ٨ لأن الإِجارة تنتهي بمضي المدة، ولايبقى ها أثر إجماعاً (١). والفرق ۔ کما قال ابن عابدين - أن الملك قد یمتنع صاحبه عن إيجاره ویرید أن يسكنه بنفسه، أو يبيعه أو يعطله، بخلاف الموقوف المعد للإِيجار، فإنه ليس للناظر إلا أن يؤجره، فإيجاره من ذي اليد بأجرة مثله أولى من إيجاره من أجنبي، لما فيه من النظر للوقف ولذي اليد (٢). قال خير الدين الرملي: إذا استأجر أرضا ملکا لیس للمستأجر أن يستبقیھا کذلك إن أبى المالك إلا القلع، بل يكلفه على ذلك، إلا إذا كانت قيمة الأغراس أكثر من قيمة الأرض فإذن لا يكلفه عليه بل يضمن المستأجر قيمة الأرض للمالك، فتكون الأغراس والأرض للغارس، وفي العكس يضمن المالك للغارس قيمة الأغراس فتكون الأرض والأشجارله، وكذا الحكم في العارية (٣). قال الأناسي بعد نقل هذا القول: الظاهر أن هذا إذا كان المستأجر بنى أوغرس بإذن المالك، لأنه يكون غير متعد بالبناء والغرس ... وأما إذا كان البناء أو الغرس (١) الفتاوى الخيرية ١٧٣/١ (٢) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٠٠/٢ (٣) الفتاوى الخيرية ١٧٢/١ بدون إذن مالك الأرض، فليس إلا القلع أو تخيير المالك بین تكليفه به أو تملكه بقيمته مستحق القلع، إن كان القلع يضر بالأرض، لأنه متعد بالبناء والغرس (١). أما وضع الكدك المتصل اتصال قرار قصداً بتعاقد بين المستأجر وصاحب الحانوت، فإنه يثبت حق القرار للمستأجر عند بعض متأخري الحنفية، فلا يملك صاحب الحانوت إخراج المستأجر منه ولا إجارته لغيره(٢) . وكذلك الحكم عند المالكية فقد قال عليش: إن الخلو ربما يقاس عليه الجدك المتعارف في حوانيت مصر، فإن قال قائل : الخلو إنما هو في الوقف لمصلحة وهذا يكون في الملك، قيل له: إذا صح في وقف فالملك أولى لأن المالك يفعل في ملكه مايشاء، نعم بعض الجدكات بناء أو إصلاح أخشاب في الحانوت مثلاً بإذن وهذا قياسه على الخلو ظاهر، خصوصاً وقد استندوا في تأبيد الحكر للعرف، والعرف حاصل في الجدك، وبعض الجدكات أمور مستقلة في المكان غير مستمرة فيه، كما يقع في الحمامات وحوانيت القهوة بمصر، فهذه بعيدة الخلوات، فالظاهر أن (١) شرح المجلة للأناسي ٥١٥/٢-٥١٦ (٢) الفتاوى المهدية ٢٦/٥ - ٢٠١ - كَدِك ٨ - ٩ للمالك إخراجها (١). ولم يستدل على نص للشافعية والحنابلة بخصوص إقامة المستأجر الجدك في الحانوت الملك، ويفهم مما ذكروه في استئجار الأرض للبناء أو الغراس، أن البناء والغراس ملك للمستأجر، والأرض ملك لصاحبها. قال ابن رجب: غراس المستأجر وبناؤه بعد انقضاء المدة إذا لم يقلعه المالك فللمؤجر ملکه بالقيمة لأنه لايملك قلعه بدون ضمان ـر عليه (٢) نقصه، وفيه ضرر وقال النووي : استأجر للبناء أو الغراس، فإن شرط القلع صح العقد ولزم المستأجر القلع بعد المدة، وليس على المالك أرش النقصان، ولا على المستأجر تسوية الأرض، ولا أرش نقصها، لتراضيهما بالقلع، ولو شرطا الإِبقاء بعد المدة، فوجهان: أحدهما: العقد فاسد لجهالة المدة، وهذا أصح عند الإِمام والبغوي، والثاني: يصح، لأن الإِطلاق يقتضي الإِبقاء، فلا يضر شرطه، وبهذا قطع العراقیون أو جمهورهم، ويتأيد به كلام السرخسي في مسألة الزرع، فإن قلنا بالفساد، لزم المستأجر أجرة المثل للمدة ... أما إذا أطلقا، فالمذهب صحة العقد، (١) فتح العلي المالك ٢١٠/٢ ط. المكتبة التجارية. (٢) القواعد لابن رجب القاعدة ٧٧ ص ١٤٧ وقيل: وجهان، وليس بشيء، ثم ينظر بعد المدة، فإن أمكن القلع والرفع بلا نقص فعل، وإلا، فإن اختار المستأجر القلع فله ذلك، لأنه ملكه ... وإن لم يختر القلع، فهل للمؤجر أن يقلعه مجاناً؟ فيه طريقان: أحدهما القطع بالمنع، والثاني على وجهين أصحهما هذا، لأنه بناء محترم، والثاني: نعم .... ، وإذا انتهى الأمر إلى القلع، فمباشرة القلع، أو بدل مؤونته هل هي على المؤجر لأنه الذي اختاره، أم على المستأجر لأنه شغل الأرض فليفرغها؟ وجهان: أصحهما الثاني (١). وقف الكدك : ٩ - صرح الحنفية بعدم جواز وقف الكدك، قال ابن عابدين: مايسمى الآن كدكاً في حوانيت الوقف ونحوها، من رفوف مركبة في الحانوت، وأغلاق على وجه القرار، فالظاهر أنه لايصح وقفه، لعدم العرف الشائع، بخلاف وقف البناء والشجر، فإنه مما شاع وذاع في عامة البقاع (٢). ويؤخذ من عبارات المالكية صحة وقف الكدك الذي يقيمه المستأجر في الحانوت . (١) روضة الطالبين ٢١٤/٥-٢١٥، وانظر أسنى المطالب ٤٢٠/٢ (٢) حاشية ابن عابدين ٣٩١/٣ - ٢٠٢ - گدك ٩ - ١١ قال الغرقاوي المالكي: إن الذي عليه العمل ما أفتى به شهاب الدين أحمد السنهوري من صحة وقف الخلو وجرى به العمل كثيرا في الديار المصرية (١). وصرح عليش بأن الخلوربما يقاس عليه. الجدك المتعارف في حوانيت مصر (٢). ولم نجد نصاً للشافعية والحنابلة بخصوص وقف الكدك، إلا أنهم یحیزون وقف الغراس والبناء (٣)، وهذا ليس محل خلاف بين الفقهاء . بيع الكدك: ١٠ - إذا ثبت للمستأجر حق القرار في حانوت الوقف، فالكدك الذي يضعه فيه یکون ملکا له على وجه القرار، ویکون هذا المستأجر بيع ماوضعه، وينتقل حق القرار للمشتري فقد قال المهدي العباسي : فإن أحدث شيئا من ذلك بعد إذن الناظر على هذا الوجه، فحينئذ لاحاجة إلى تكلف الإسقاط في أثناء مدة إجارته أو بعدها، ولا إلى استئجار الأجنبى من الناظر، بل يكون للمستأجر المذكور بيع ماأحدثه من الأجنبي، فينتقل حق القرار للمشتري، (١) فتح العلي المالك ٢٠٩/٢ ط. المكتبة التجارية. (٢) فتح العلي المالك ٢١٠/٢ (٣) روضة الطالبين ٣١٦/٥، وكشاف القناع ٢٦٩/٤، ومطالب أولي النهى ٣٤٠/٤-٣٤١ ويكون على المشتري المذكور أجر مثل الأرض خالية عما أحدث فيها (١). وجاء في مرشد الحيران: الكدك المتصل بالأرض بناء وغراسًا أو تركيبا علي وجه القرار هو أموال متقومة، تباع وتورث، ولأصحابها حق القرار، ولهم استبقاؤها بأجر المثل (٢). هذا عند الحنفية والمالكية أيضا إذ أن المالكية يقيسون الجدك المتصل اتصال قرار على الخلو، قال عليش: بعض الجدكات بناء أو إصلاح أخشاب في الحانوت مثلاً بإذن وهذا قياسه على الخلو ظاهر (٣). والخلو يصير كالملك يجري عليه البيع والإِجارة والهبة والرهن ووفاء الدين والإِرث (٤). الشفعة في الكدك: ١١ - لاتثبت الشفعة عند الحنفية والشافعية في بيع البناء بدون الأرض (٥) إلا أنه ذكر السيد محمد أبو السعود الحنفي في حاشيته على الأشباه: لو كان الخلو بناء أو غراسًا بالأرض المحتكرة أو المملوكة يجري فيه حق الشفعة، لأنه لما اتصل بالأرض اتصال قرار التحق بالعقار، وتعقبه ابن عابدين بقوله : (١) الفتاوى المهدية ٦١/٥ ط. المطبعة الأزهرية . (٢) مرشد الحيران المادة (٧٠٧) (٣) فتح العلي المالك ٢/ ٢١٠ ط. المكتبة التجارية. (٤) فتح العلي المالك ٢٠٩/٢ (٥) تنقيح الفتاوى الحامدية ١٦٦/٢، ونهاية المحتاج ١٩٤/٥، وروضة الطالبين ٧٠/٥ - ٢٠٣ - گدك ١١، كَذِب ١ - ٢ ماذكره(السيد محمد أبو السعود) من جريان الشفعة فيه سهو ظاهر، لمخالفته المنصوص عليه في كتب المذهب (١). وعند المالكية يكون لمن اشترك في البناء في أرض الوقف المحتكرة الأخذ بالشفعة، قال العدوي عند بیان صور الخلو: أن تكون أرض محبسة فيستأجرها من الناظر ويبنى فيها دارا مثلاً على أن عليه في كل شهر لجهة الوقف ثلاثین نصف فضة، ولکن الدار تکری بستين نصف فضة مثلاً، فالمنفعة التي تقابل الثلاثين الأخرى يقال لها خلو، وإذا اشترك في البناء المذكور جماعة وأراد بعضهم بيع حصته في البناء، فلشركائه الأخذ بالشفعة (٢). (١) حاشية ابن عابدين ١٧/٤-١٨ (٢) العدوي على الخرشي ٧٩/٧ گذِب التعريف : ١ - الكذب لغة: الإخبار عن الشيء بخلاف ماهو، سواء فيه العمد والخطأ (١). ولا يخرج اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي . الألفاظ ذات الصلة : أ - التزوير: ٢ - التزوير في اللغة: تزيين الكذب، وزورت الكلام في نفسي: هيأته. وفي الاصطلاح: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ماهو عليه في الحقيقة، فهو تمویه الباطل بما يوهم أنه حق. وبين الكذب والتزوير عموم وخصوص وجهي، فالتزوير يكون في القول والفعل، والكذب لايكون إلا في القول. (ر: تزوير ف ١). والكذب قد يكون مُزينًا أو غير مُزين، (١) المصباح المنير مادة: كذب . ٢٠٤٠ - كذب ٢ - ٥ والتزوير لايكون إلا في الكذب المموه. ب - الافتراء: ٣ - الافتراء في اللغة والاصطلاح: الكذب والاختلاق، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ آفترةٌ﴾(١) أي اختلقه وكذب به على الله. والصلة بين الكذب والافتراء عموم وخصوص مطلق، فإن الكذب قد يقع على سبيل الإِفساد، وقد يكون على سبيل الإصلاح، كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، أما الافتراء فإن استعماله لا يكون إلا في الإفساد (ر: افتراء ف ١). الحكم التكليفي: ٤ - الأصل في الكذب أنه حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو من أقبح الذنوب وفواحش العيوب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَّفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّالَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. (٢) وروى ابن مسعود أن رسول الله وَله قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البريهدي إلى الجنة، وإن الرجل لیصدق حتى يكون صدیقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل (١) سورة يونس /٣٨. (٢) سورة النحل /١١٦ . لیکذب حتی یکتب عند الله كذابا)). (١) وقال عليه الصلاة والسلام: ((كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب)) (٢). وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة على ذلك (٣) . ٥ - وقد يكون الكذب مباحا أو واجبا، فالكلام وسيلة إلى المقاصد، وكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب فیه، ثم إن کان تحصیل الملز ذلك القصد مباحا كان الكذب مباحا وإن کان واجبا کان الكذب واجبا، کما أن عصمة دم المسلم واجبةٍ ، فإذا كان في الصدق سفك دم امرىء مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومحل الوجوب مالم يخش التبين ويعلم أنه يترتب عليه ضرر شديد لايحتمل. وإذا كان لايتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا (١) حديث ابن مسعود: ((إن الصدق يهدي إلى البر ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٠٧/١٠) ومسلم (٢٠١٢/٤-٢٠١٣) واللفظ للبخاري. (٢) حديث: ((كبرت خيانة أن تحدث أخاك ... )) أخرجه أبو داود (٢۵٣/٥-٢٥٤) من حدیث سفیان بن أسيد الحضرمي، وضعف إسناده النووي في الأذکار ص ٥٨٥ (٣) إحياء علوم الدين ١٥٨٢/٩، والأذكار ص ٣٣٥. - ٢٠٥ - گذِب ٥ بکذب فالكذب فیه مباح، إلا أنه ينبغي أن . يحترز منه ماأمكن، لأنه إذا فتح باب الكذب علی نفسه فیخشی أن یتداعی إلى مايستغنى عنه، وإلى مالا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حراما إلا لضرورة، والذي يدل على هذا الاستثناء ماورد عن أم كلثوم رضي الله عنها: ((أنها سمعت رسول الله ول﴾ يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا)) (١)، وورد عنها: (لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)) (٢)، فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ماعداها إذا ارتبط به مقصود صحیح له أو لغيره. فأما ماهو صحيح له فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره، أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك، فيقول مازنيت، ماسرقت، وقال رسول الله وله : ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، (١) حديث أم كلثوم: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس . .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٩٩/٥) ومسلم (٢٠١١/٤). (٢) حديث أم كلثوم: ((لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس ... )) أخرجه مسلم (٤ / ٢٠١١). فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من یبد لنا صفحته نقم علیه کتاب الله عز وجل)) (١)، وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن کان کاذبا . وأما غرض غيره فبأن يُسأل عن سر أخيه فله أن ینکره، ونحو ذلك، ولکن الحد فيه أن الكذب محذور، ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله أن یکذب، وإن كان المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، وقد يتقابل الأمران بحیث یتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى، لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة، فإن شك في كون الحاجة مهمة، فالأصل التحریم، فیرجع إليه . ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإِنسان من الكذب ما أمكنه، وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر (١) حديث: ((اجتنبوا هذه القاذورة ... )) أخرجه الحاكم وصححه (٤ /٢٤٤) من حديث ابن عمر، ووافقه الذهبي . - ٢٠٦ - گذِب ٥ -٦ الكذب، فأما إذا تعلق الغرض بغيره فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به (١). وقالت طائفة من العلماء: لايجوز الكذب في شيء مطلقا، وحملوا الكذب المراد في حديث أم كلثوم بنت عقبة على التورية والتعريض ، كمن يقول للظالم دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمین، ويعد امرأته بعطية شيء، ویرید إن قدّر الله ذلك. واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لايسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ مالیس له أو لها. تغليط الكذب على الله تعالى وعلى رسوله * : ٦ - الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ولڼ. من الكبائر التي لايقاومها شيء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأَنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٣) وعن أبي هريرة (١) إحياء علوم الدين ١٥٨٨/٩، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان الشافعي ٣٩٨/٤ طبعة البابي الحلبي.، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢٠/١-٢٢ مكتبة ابن تيمية. (٢) سورة الأنعام / ٩٣ (٣) سورة الزمر/ ٦٠ رضي الله عنه: ((أن رسول الله صل﴾ قال: من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (١). قال ابن حجر: عدّ هذين كبيرتين هو ماصرحوا به وهو ظاهر، بل قال أبو محمد الجويني: إن الكذب على النبي وَّ كفر، وقال بعض المتأخرين: وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله ورسوله کفر يخرج عن الملة ولاريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الكلام في الكذب عليهما فيما سوى ذلك (٢). قال النووي : وکما يحرم تعمد الكذب على رسول الله ◌َي فإنه يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه ولم یبین حال روايته ووضعه، فهو داخل في هذا الوعيد مندرج في جملة الكذابين على رسول الله (ێے، ويدل عليه قوله وَلجر: ((من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (٣). ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية : (١) حديث: ((من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٠٢/١) ومسلم (١٠/١) من حديث أبي هريرة. (٢) الزواجر ٩٧/١ (٣) حديث: «من حدث عني بحدیث یری أنه كذب ... )) أخرجه مسلم (٩/١) من حديث المغيرة بن شعبة. - ٢٠٧ - گذِب ٦ - ١٠ الحدیث أو ذكره أن ینظر فإن کان صحیحا أو حسنا قال: قال رسول الله وَ لل كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا فلا يقل: قال أو فعل أو أمر أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: روي عنه كذا أو جاء عنه كذا أو یروی أو یذکر أو يحكى أو يقال أو بلغنا وما أشبهه. والله أعلم (١). اليمين الكاذبة : ٧ - اليمين الكاذبة وتسمى الغموس وهي التي يحلفها الإِنسان عامدا عالما أن الأمر بخلاف ماحلف عليه ليحق بها باطلا أو يبطل حقا. وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح (أيمان ف ١٠٢ -١١٤). شهادة الزور: ٨ - شهادة الزور: هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس أو أخذ مال أو تحلیل حرام أو تحریم حلال. وتفصيل ذلك في مصطلح (شهادة الزور ف ١-٢). الكذب في المزاح: ٩ - الكذب في المزاح حرام كالكذب في (١) شرح صحيح مسلم ١/ ٥٩ غيره (١)، لقوله وَ له: ((لا يؤمن العبد الإِيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقا)) (٢)، وقوله ◌َله: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا)) (٣). الكذب في ملاعبة الصبيان : ١٠ - ينبغي الحذر من الكذب في ملاعبة الصبیان فإنه یکتب على صاحبه، وقد حذر منه رسول الله وَلفر، فقد روي عن عبد الله ابن عامر رضي الله عنه قال: ((دعتني أمي يوما ورسول الله ويعليه قاعد في بيتنا فقالت: هاتعال أعطيك، فقال رسول الله إليهم : وما أردت أن تعطيه؟ قالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله وَلي: أما إنك لو لم تعطيه شیئا کتبت علیك كذبة)) (٤)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله : ((من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة» (٥). (١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١٨/١ (٢) حديث: ((لايؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب ... )) أخرجه أحمد (٣٥٢/٢-٣٥٣) من حديث أبي هريرة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٢/١) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه منصور بن أذين ولم أر من ذكره . (٣) حديث: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا)). أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦/٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. (٤) حديث عبد الله بن عامر: ((دعتنى أمي يوماً ورسول الله رَله قاعد في بيتنا . . .)) أخرجه أبو داود (٢٦٥/٥)، وفي إسناده جهالة الراوي عن عبد الله بن عامر، كذا في مختصر السنن للمنذري (٢٨١/٧) (٥) حديث أبي هريرة: ((من قال لصبي تعال هاك ثم لم= - ٢٠٨ - گذِب ١١ - ١٢ الكذب في الرؤيا: ١١ - حذر الشارع من الكذب في الرؤيا ونهى عنه، فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله : ((إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِي عينه مالم تر، أو يقول على رسول الله وَّر مالم يقل)) (١)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من تحلم كاذباً كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتین ولن یعقد بينهما)) (٢) قال القرطبي : إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد یکون أشد مفسدة منه، إذ قد تکون شهادة في قتل أو حدٍّ أو أخذ مال، لأن الكذب في المنام کذب على الله أنه أراه مالم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَغْنَةُ اَللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ (٣)، وإنما كان = يعطه ... )) أخرجه أحمد (١٥٢/٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٤٢): رواه أحمد من رواية الزهرى عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه . (١) حديث: ((إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه .. .)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٥٤٠) من حدیث واثلة بن الأسقع. (٢) حديث: ((من تحلم كاذباً كلف يوم القيامة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٢٧/١٢) والترمذي (٥٣٨/٤) من حديث ابن عباس، واللفظ للترمذي . الكذب في المنام كذبا على الله لحديث: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) (١)، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى (٢). قال القرطبي : قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حکمها؟ قلنا: لايلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف عليه السلام عندما قال للساقي : إنك ترد على عملك الذي كنت علیه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر وكان خبازا: وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطیرمن رأسك، قال الخباز: والله مارأيت شيئا، قال: رأيت أو لم تر قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣). لأنه نبي وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته (٤). من انتسب إلى غير أبيه : ١٢ - إن من الكبائر التي حذر منها الشارع لما يترتب عليها من المفاسد وتغيير ماشرع الله (١) حديث: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢/ ٣٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري . (٢) فتح الباري ١٢/ ٣٧٤ (٣) سورة يوسف /٤١ (٤) تفسير القرطبي ١٩٣/٩ (٣) سورة هود /١٨ - ٢٠٩ - گذِب ١٢ - ١٤ تعالی أن ينتسب المرء إلی غیر أبيه، أو يدعي ابنا لیس ابنه وهو یعلم أنه کاذب فیما ادعاه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَله قال: «لاترغبوا عن آباٹکم فمن رغب عن أبيه فهو كفر)) (١)، والكفر المذكور في الحديث له تأويلان ذكرهما النووي : أحدهما: أنه في حق المستحل، والثاني: أنه كفر النعمة والإِحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرج عن ملة الإِسلام (٢). وكذلك الحكم لمن ينفي نسب ابنه وهو يعلم كذبه لما روي عن رسول الله والفر أنه قال: ((أيما امرأة أدخلت علی قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته، وأیما رجل جحد ولده وهو ينظر إلیه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة)) (٣). وتفصيل ذلك في مصطلح (نسب، استلحاق ف ٢). (١) حديث أبي هريرة: ((لاترغبوا عن آبائكم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٤/١٢) ومسلم (٨٠/١). (٢) شرح صحيح مسلم ٢٥١،٢٤٩/١ (٣) حديث: ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ... )) أخرجه أبو داود (٢ /٦٩٥-٦٩٦) من حديث أبي هريرة، وأشار ابن حجر إلى إعلاله بجهالة أحد رواته، كذا في الفتح (٥٤/١٢). الكذب في البیع والغش فیه : ١٣ - من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب فمن قال: اشتريت هذه السلعة بعشرة وأربح فیھا کذا، وکان كاذبا فهو فاسق، وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه، فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان شريكا له في الإِثم وعصى بسكوته . وتفصيل ذلك في مصطلح (غش ف ٥). غش الوالي رعيته وکذبه علیھم : ١٤ - غش الوالي رعيته وكذبه عليهم من الكبائر، فمن قلده الله شيئا من أمر المسلمين واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم، وجب عليه أن ينصح لهم وألا پغشهم، وأن يكون صادقا معهم، وإلا استحق ماأعده الله له من العذاب الأليم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الله وَله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولايزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) (١)، وعن معقل ابن يسار قال: ((إن رسول الله وَ ل﴾ قال: لايسترعي الله عبدا رعية يموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة)) (٢). (١) حديث أبي هريرة: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولايزكيهم ... )) أخرجه مسلم (١٠٢/١-١٠٣). (٢) حديث معقل بن يسار: ((لايسترعي الله عبداً رعية ... )) = - ٢١٠ - گذِب ١٤ - ١٦ وعنه رضي الله عنه ((سمعت رسول الله ** يقول: ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة)) (١)، قال القاضي عياض: إذا خان الأمیر فیما اوتمن علیه فلم ینصح فيما قلده إما بتضییعه تعریفهم مایلزمهم من دینهم، وأخذهم به، وإما بالقيام بما یتعین علیه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل متصد بإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم، وقد نبه ێ أُن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة. والله أعلم (٢). التحدث بكل ماسمع : ١٥ - نهى الشارع أن يحدث المرء بكل ماسمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)) (٣)، قال النووي : = أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٧/١٣)، ومسلم (١٢٥/١) واللفظ لمسلم. (١) حديث: ((مامن أمير يلى أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم ... )) أخرجه مسلم (١٢٦/١). (٢) شرح صحيح مسلم ٣٤٩/١ (٣) حديث: ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ماسمع)» أخرجه مسلم (١ /١٠). والآثار في هذا الباب كثيرة، وفي هذا الزجر عن التحدث بكل ماسمع الإِنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ماسمع فقد كذب لإِخباره بما لم يكن، ومذهب أهل الحق أن الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ماهو عليه، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في کونه إثما (١) . الاستغناء عن الكذب بالمعاريض: ١٦ - نقل عن بعض السلف: أن في المعاريض مندوحة عن الكذب، قال عمر رضي الله عنه: أما في المعاريض مايكفي الرجل عن الكذب، وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإِنسان إلى الكذب، فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون. ومثال التعريض: ما روي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت امرأته: ماجئت به مما أتى به العمال إلى أهلهم؟ وما كان قد أتاها بشيء، فقال: كان عندي ضاغط، قالت: کنت أمینا عند رسول الله ◌َ ﴿ وعند أبي بكر (١) شرح صحيح مسلم ٦٠/١ - ٢١١ - گذِب ١٦ رضي الله عنه، فبعث عمر معك ضاغطا. وقامت بذلك بين نسائها، واشتكت عمر، فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال: بعثت معك ضاغطا؟ قال: لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك، فضحك عمر رضي الله عنه وأعطاه شيئا، فقال: أرضها به، ومعنى قوله: (ضاغطا) يعني رقيبا، وأراد به الله سبحانه وتعالى. وکان النخعی لایقول لابنته: أشتري لك سکرا، بل يقول: أرأيت لو اشتريت لك سکرا؟ فإنه ربما لایتفق له ذلك، وكان إبراهیم إذا طلبه من یکره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية: قولي له: اطلبه في المسجد، ولا تقولي: ليس هنا کیلا یکون كذبا . وهذا كله في موضع الحاجة، فأما في غير موضع الحاجة فلا، لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو مكروه على الجملة، كما روى عبدالله بن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فخرجت وعلىّ ثوب، فجعل الناس يقولون: هذا كساكه أمير المؤمنين؟ فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيرا، فقال لي أبي: يابني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك، لأن فيه تقريرا لهم على ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة، وهذا غرض · باطل لافائدة فيه. وتباح المعاریض لغرض خفیف کتطييب قلب الغیر بالمزاح، كما روي عن الحسن قال: ((أتت عجوز إلى النبي بَله فقال لها ول#: لايدخل الجنة عجوز، فبكت فقال: إنك لست بعجوز يومئذ)) (١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنشَأْتَهُنَ إِنشَاءُ (٨) فَعَلْنَهُنَ أَبْكَارًا﴾ (٢)، وقال زيد بن أسلم: ((إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى رسول الله (صلمنه فقالت: إن زوجي يدعوك، قال: ومن هو؟ أهو الذي بعينه بياض؟ قالت: والله مابعينه بیاض، فقال: بلى، إن بعينه بياضا، فقالت: لا والله، فقال ◌َله: مامن أحد إلا وبعينه بياض)) (٣) وأراد به البياض المحيط بالحدقة. وحديث أنس بن مالك: أن رجلاً استحمل رسول الله وسلم فقال: إني حاملك علی ولد الناقة، فقال: يارسول الله ما أصنع (١) حديث: ((لايدخل الجنة عجوز ... )) قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١٢٥/٣ بهامش الإحياء): أخرجه الترمذي في الشمائل مرسلاً، وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف. (٢) سورة الواقعة / ٣٥-٢٦ (٣) حديث زيد بن أسلم: ((مامن أحد إلا وبعينه بياض ... )) عزاه العراقي في تخريج الإحياء (١٢٦/٣) - بهامش الإِحياء) إلى كتاب الفكاهة والمزاح للزبير بن بكار، وإلى ابن أبي الدنيا من حديث عبدة بن سهم الفهري . - ٢١٢ - كَذِب ١٦، كِراء، كِرَاء الْعَقبِ ١ بولد الناقة؟ فقال رسول الله وَله: ((وهل تلد الإِبل إلا النوق؟)) (١)، وکان یمزح به (٢). کِراء انظر: إجارة (١) حديث أنس بن مالك: ((أن رجلا استحمل رسول الله ..... 越 أخرجه الترمذي (٤ /٣٥٧) وقال: حديث حسن صحيح. (٢) إحياء علوم الدين ١٥٧٤/٩، ١٥٩٣ كِراء العَقِب التعريف : ١- الكراء - بالمد - الأجرة، وهو في الأصل مصدر من كاريته من باب قاتل، والفاعل مكار على النقص والجمع مكارون، ومكارين، مثل: قاضون وقاضين، وأكريته الدار وغيرها إكراء فاكتراه بمعنى آجرته فاستأجر، والكريّ على فعيل مُكري الدواب (١) .. والعقب في الأصل مجىء الشيء بعقب الشيء الآخر أي متأخرا عنه، ومنه قولهم في الليل والنهار: المتعاقبان، أي يأتي كل منهما عقب صاحبه، والعُقْبَة: النوبة والجمع عُقَبٌ، مثل غرفة وغرف وتعاقبوا على الراحلة رکب کل واحد عقبة (٢). وكراء العقب عند الفقهاء: أن يؤجر دابة لرجلين ليركب هذا أياما وذا أياما أخر، أو ليركب هذا مسافة معلومة من الطريق وذا (١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. (٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. - ٢١٣ - ٠٠ .... كِرَاء الْعَقِب ١ - ٢ مسافة معلومة أخرى، وسميت هذه الإِجارة بهذا الاسم، لأن كلا منهما يعقب صاحبه ویرکب موضعه (١). الحكم التكليفي: ٢ - قال جمهور الفقهاء: يجوز كراء العقب وله صورتان : الأولى: أن يؤجر دابته لرجلین لیرکب هذا أياما وذا أياما معلومة بالتناوب، أو ليركب أحدهما مسافة معلومة كنصف الطريق أو ربعه مثلا ويركب الآخر مسافة معلومة أخرى مالم تكن هناك عادة، فإن كانت هناك عادة مضبوطة بزمان أو مسافة اتبعت . والثانية : أن يؤجرها شخصا لیرکبها بعض الطريق مضبوطا - كما سبق - بزمان أو مسافة معلومتين ويركب المؤجر البعض الآخر تناوبا مع عدم شرط البداءة بالمؤجر - كما هو نص الشافعية - سواء أشرطاها للمستأجر أم أطلقا أو قالا ليركب أحدنا، وسواء وردت الإِجارة على العين أم في الذمة، لثبوت الاستحقاق حالا، والتأخير الواقع من ضرورة القسمة (٢). أما إذا اشترطا - في الصورة الثانية - أن (١) جواهر الإكليل ١٩٤/٢، ومغني المحتاج ٣٣٩/٢، والمغني لابن قدامة ٥١٩/٥ (٢) فتح القدير ١٢٧/٢، جواهر الإكليل ١٩٤/٢، مغني المحتاج ٣٣٩/٢، المغني لابن قدامة ٥١٩/٥ يركبها المؤجر أولا فإن العقد باطل في إجارة العين، لتأخير حق المكتري وتعلق الإِجارة بالمستقبل . وإن استأجرا دابة علی أن یرکب أحدهما بعض الطريق ويركب الثاني البعض الآخر دون تحديد هذا البعض فإن كانت هناك عادة مضبوطة بزمان مثل أن يركب هذا ليلا ويمشي نهارا، أو یرکب الآخر نهارا ويمشي ليلا، أو بمسافة مثل أن يركب أحدهما بفراسخ معلومة ويركب الآخر بفراسخ معلومة أخرى اتبعت هذه العادة فيقتسمان الركوب بالتراضي على الوجه المعتاد أو المبين، فإن تنازعا في الابتداء أقرع بينهما. والزمان المحسوب في المناوبة زمن السير دون زمن النزول حتى لو نزل أحدهما للاستراحة أو لعلف الدابة لم يحسب زمن النزول، لأن نفس الزمان غير مقصود وإنما المقصود قطع المسافة (١). ولو استأجر اثنان دابة لاتحملهما معا حمل الاستئجار على التعاقب ويقتسمان بالزمان أو المسافة فإن تنازعا في البداءة أقرع بينهما . وإن كانت تحملهما معا ركباها جميعا . ولو استأجر دابة ليركبها بعض الطريق متواليا صح، وكذا لو أطلق، أو استأجر (١) مغني المحتاج ٣٣٩/٢، المغني لابن قدامة ٥١٩/٥ - ٢١٤ - کِرَاءِ الْعَقِب ٢ نصف الدابة إلى موضع كذا صحت الإِجارة مشاعة کبیع المشاع ويأخذ حصته بالزمان أو المسافة كما سبق فإن تنازعا في البداءة أقرع بینهما كما مر. وإن اتفقا على أن يركب يوما ويمشي يوما جاز، وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أيام أو مازاد ونقص جاز كذلك . فإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما، لأن فيه ضررا على كل واحد منهما، الماشي لدوام المشي عليه، وعلى الدابة لدوام الركوب علیها، ولأنه إذا ركب بعد شدة تعبه كان أثقل على الدابة . وإن اکتری اثنان جملا يركبانه عقبة وعقبة جاز ويكون كراؤهما طول الطريق والاستيفاء بینهما على ما يتفقان علیه، وإن تشاحا قسم بينهما لكل واحد منهما فراسخ معلومة أو لأحدهما اللیل وللآخر النهار، وإن کان بذلك عرف رجع إليه، وإن اختلفا في البادىء منهما أقرع بينهما . ب قال ابن قدامة: ويحتمل أن لا يصح كراؤهما إلا أن يتفقا على ركوب معلوم لكل واحد منهما، لأنه عقد على مجهول بالنسبة إلى کل واحد منهما فلم يصح كما لو اشتريا عبدین علی أن لكل واحد منهما عبدا معينا منهما (١). ومقابل الأصح لدى الشافعية أوجه: أصحها المنع، أي منع كراء العقب بصورتيه، لأنها إجارة أزمان منقطعة . والثاني: يصح كراء العقب في الصورة التي تؤجر الدابة فيها لرجلين، لاتصال زمن الإِجارة فيها دون الصورة الأخرى وهي التي يتعاقب في ركوب الدابة المؤجر والمستأجر. والثالث: تصح في الصورتین إن كانت في الذمة . قال الإِمام المزني: لا يجوز اكتراء العُقبة إلا مضمونا، لأنه يتأخر حق أحدهما عن العقد فلم يجز كما لو أكراه ظَهْراً في مدة تتأخر عن العقد. ولا يصح في هذا الوجه إن كانت معينة (٢) . وهذا التفصيل الذي سبق إنما هو عند الشافعية والحنابلة. وجاء في نصوص الحنفية ما يفيد جواز كراء العقب، ففي باب الحج عند الكلام عن الراحلة مانصه: وإن أمكنه أن يكتري عقبة أي ما يتعاقب عليه في الركوب فرسخا بفرسخ أو منزلا بمنزل فلا حج عليه، لعدم (١) مغني المحتاج ٣٣٩/٢، المغني لابن قدامة ٥١٩/٥ (٢) مغني المحتاج ٣٣٩/٢ - ٢١٥ - ١٫٠ كِرَاء الْعَقِب ٢ ، كرامة ١ - ٢ الراحلة إذ ذاك في جميع السفر لأن المفروض هو الحج راكبا لا ماشيا والراكب عقبة لا يركب في كل الطريق بل يركب في البعض ويمشي في البعض الآخر (١). وهذا يدل على أن كراء العقب في أصله جائز عندهم ولا سيما الصورة التي يكتري فبها الاثنان راحلة یتعاقبان علیھا یرکب أحدهما مرحلة والآخر مرحلة أخرى لنصّهم على هذه الصورة (٢) . ونصّ المالكية على أنه يجوز عقبة الأجير، قالوا في شرح هذه العبارة التي وردت في مختصر خليل: أي يجوز للمكري اشتراط ركوب الأجير الميل السادس على الدابة مع المكتري أو بدله ويمشيه المكتري لأنه أمر معروف. ويجوز للمستأجر أن يشترط على الجمال أنه بعد كل خمسة أميال يركب خدام المستأجر المیل السادس أو بما جری علیه العرف أو بما يتفقان علیه من مسافة قليلة أو كثيرة مما يدل على أن كراء العقب في الأصل جائز عندهم (٣) . (١) بدائع الصنائع ١٢٢/٢ وما بعدها، الهداية وشروحها، فتح القدير والعناية ١٢٧/٢ (٢) المصدرين السابقين . (٣) انظر جواهر الإكليل ١٩٤/٢، وحاشية الخرشي ٣٨/٧، شرح الزرقاني ٧/ ٤٠ والعُقْبة عند المالكية هي: رأس ستّة أميال . کرامة التعريف : ١- الكرامة لغة: مصدر كرم، يقال: كرم الرجل كرامة: عز (١) . وفي الاصطلاح: تطلق على عدة معان: فتطلق أولا: بمعنى : ظهور أمر خارق للعادة على يد شخص ظاهر الصلاح غير مقارن لدعوى النبوة والرسالة . وتطلق ثانيا: بمعنى: الإِعزاز والتفضيل والتشريف، وتطلق ثالثا: بمعنى: إكرام الضيف (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - المعجزة: ٢ - المعجزة في اللغة: هي ما يعجز الخصم عند التحدي . واصطلاحا: هي أمر خارق للعادة مقرون بدعوی النبوة قصد به إظهار صدق من ادّعی (١) لسان العرب. (٢) التعريفات للجرجاني . - ٢١٦ - کرامة ٢ - ٥ النبوة مع عجز المنكرين عن الإِتيان بمثله (١) . وعلى هذا فالمعجزة أخص من الكرامة . ب - الإِرهاص: ٣ - الإِرهاص: ما يظهر من الخوارق قبل ظهور النبي (٢). والكرامة أعم منه . ج - الاستدراج: ٤ - الاستدراج: ما يظهر من خارق للعادة علی ید کافٍ أو فاسق (٣). والصلة بين الاستدراج والكرامة الضدية من حيث المقصود. الأحكام المتعلقة بالكرامة : الكرامة بمعنى التشريف والإعزاز: ٥ - الكرامة بمعنى التشريف والإِعزاز، منزلة جعلها الله لبني آدم وفضّلهم بها على كثير من خلقه، قال عزّ من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَدَمَ وَّلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْتَهُمْ مِنَ الطِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْعَلَڪَثِرِ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٤)، قال ابن كثير في (١) القاموس المحيط، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحید ص ٨٠ (٢) التعريفات للجرجاني، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد ص ٨٠ (٣) الإقناع للشربيني ٦٩١/١، والتعريفات للجرجاني. (٤) سورة الإسراء / ٧٠ تفسير الآية: أي: لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات، بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير ما في الكون لهم، وفضلناهم على من خلقنا من سائر الحيوانات، وأصناف المخلوقات من الجن، والبهائم والوحش والطير(١)، وقد حافظ الإِسلام على هذه المنزلة لبني آدم وجعله مبدأ الحكم، وأساس المعاملة، وأحاطه بسياج من التشريعات، فلا يحل لأحد إهدار كرامة أحد بالاعتداء عليها: بالقتل، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾(٢) أو بهتك عرضه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ اَلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَدَّةُ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا﴾ (٣)، أو بالسخرية منه والاستهزاء به، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْقَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ غَيْراً مِنْهُنٍّ وَلَا ثَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُوا بِالْأَلْقَبِّ﴾ (٤)، ونهى عن المثلة في حیاته، وبعد مماته، ولو كان من الأعداء أثناء الحرب، وبعد (١) تفسير ابن كثير في الآية ٧٠ من سورة الإسراء. (٢) سورة المائدة / ٣٢ (٣) سورة النور / ٤ (٤) سورة الحجرات / ١١ - ٢١٧ - کرامة ٥ -٨ انتهائها، وفي الحديث: ((لاتغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا)) (١). (ر: جهاد ف ٣١). إكرام الضيف: ٦ - رغب الإِسلام في كرامة الضيف وعدّها من أمارات صدق الإيمان، فقد ورد عن النبي ﴿﴾ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (٢). كرامة العلماء وكبار السنّ، وحملة القرآن، وأهل الفضل : ٧ - حث الإسلام على توقير العلماء وكبار السن وحملة القرآن، وأهل الفضل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وفي الحديث: ((إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) (٤)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له (١) حديث: ((لاتغلوا، ولاتغدروا، ولاتمثلوا)) أخرجه مسلم (١٣٥٧/٣) من حديث بريدة . (٢) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٣٢/١٠) ومسلم (٦٨/١) من حديث أبي هريرة . (٣) سورة الزمر / ٩ (٤) حديث: ((إن من إجلال الله ... )) أخرجه أبو داود (١٢٤/٥) من حديث أبي موسى الأشعري، وحسنه النووي في رياض الصالحين ص ١٨٤ من یکرمه عند سنه)) (١). الكرامة بمعنی ظهور أمر خارق للعادة على يد غير نبي: ٨ - ذهب جمهور علماء أهل السنة إلى جواز ظهور أمر خارق للعادة علی ید مؤمن ظاهر الصلاح إكراما من الله له، وإلى وقوعها فعلاً، ویسمی وليًّا. والسوليّ في هذا المقام: هو العارف بالله تعالى وبصفاته حسب الإمكان، والمواظب على الطاعة المجتنب للمعاصي، بمعنى أنه لا يرتكب معصية بدون توبة، وليس المراد أنه لا يقع منه معصية بالكلية، لأنه لا عصمة إلا للأنبياء (ر: ولاية). واستدلوا على جوازها بأنه لايلزم على فرض وقوعها محال، وکل ماکان کذلك فهو جائز. واستدلوا على وقوعها بما جاء في القرآن الكريم في قصة مريم قال عز من قائل : وَكَفَّلَهَا ذَكَرِيًّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا ذَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّه ◌َزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، قال البيضاوي في تفسير الآية: هذا دليل جواز الكرامة (١) حديث: ((ما أكرم شاب شيخا لسنه .. )) أخرجه الترمذي (٤ /٣٧٢) من حديث أنس بن مالك، وقال: ((حديث غريب)). (٢) سورة آل عمران / ٣٧ . - ٢١٨ - کرامة ٨ للأولياء، وفي حاشية الشيخ زادة على تفسير البيضاوي: لأن حصول الرزق عندها على الوجه المذكور لاشك أنه أمر خارق للعادة ظهر على يد من لايدعي النبوة، وليس معجزة لنبي، لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولو كان ذلك معجزة له لكان عالما بحاله، ولم يشتبه أمره عليه ولم يقل لمريم: ﴿أَلَكٍ هَذَا﴾ وأيضا قوله تعالى بعد هذه الآية: هُنَالِكَ دَعَانَكَرِبَّارَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِنْ لَُّنكَ ذُرِيَّةً لَتِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ﴾(١)، مُشْعِرٌ بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء - قيل: أنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء - لما سألها عن تلك الأشياء غير العادية، وذكرت له: أن ذلك من عند الله، هنالك طمع في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة العاقر الشيخة، بناء على أنه كان يائسا من الولد بسبب شيخوخته وشبخوخة زوجته وعقمها، فلو لم يعتقد مارآه في حق مريم من الخوارق وأن ذلك العلم لم يحصل له إلا بإخبار مريم - لو لم يعتقد ذلك كله لما كانت رؤية تلك الخوارق في مريم سببا لطمعه بولادة العاقر، والشيخ الكبير - وإذا ثبت ذلك: ثبت أن (١) سورة آل عمران /٣٨ تلك الخوارق ماكانت معجزة لزكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولا لنبي غيره، لعدم وجوده، فتعيّن أنها كرامة لمريم فثبت المطلوب (١). كما استدلوا على وقوعها بقصة أهل الكهف التي وردت في سورة الكهف (٢)، فإنهم كانوا فتية سبعة من أشراف الروم خافوا على إيمانهم من ملكهم فخرجوا من المدينة، ودخلوا غارا فلبثوا فيه بلا طعام ولا شراب ثلثمائة وتسع سنین بلا آفة، ولا شك أن هذا شيء خارق للعادة ظهر على يد من لم يدع النبوة، ولا الرسالة. وكذلك بقصة الذي كان عنده علم من . الکتاب في زمن سلیمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: فقد أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرْف سليمان إليه مع بعد المسافة بين اليمن والشام فرأى سليمان العرش مستقراً عنده بلمحة طرف العين، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَمُعِلٌ مِنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَّدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّاً عِنْدَهُ قَالَ هَاذَا مِن فَضْلِرَبٍِ﴾ (٣). وكذلك بما وقع للصحابة من كرامات في (١) تفسير البيضاوي وحاشية الشيخ زادة في تفسير الآيات ٣٧، ٣٣،٣٨ من سورة آل عمران . (٢) سورة الكهف من الآية ٩- إلى الآية ٢٢ من السورة. (٣) سورة النمل / ٤٠ - ٢١٩ - کرامة ٨ حياتهم وبعد موتهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجّه عمر جيشا، ورأس عليهم رجلا يدعى: سارية، فبينا عمر رضي الله عنه يخطب جعل ينادي: ياسارية: الجبل ثلاث مرات، ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنین هُزمنا فبینا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي: ياسارية إلى الجبل ثلاث مرات فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله تعالى، وكانت المسافة بين المدينة حيث كان يخطب عمر وبين مكان الجيش مسيرة شهر. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه: ((أن رجلين خرجا من عند النبي وَّ في ليلة مظلمة وإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا فتفرق النور معهما))، وفي رواية: «أن الرجلين هما عباد ابن بشر وأسيد بن حضير)) (١). ووقعت للصحابة كرامات بعد موتهم، روى أبو نعيم في الحلية: أن رسول الله وَلآل قال في حنظلة رضي الله عنه: وقد استشهد في أحد: ((إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا أهله ماشأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله ريآله: لذلك غسلته (١) حديث أنس: ((أن رجلين من أصحاب النبي لم﴿ خرجا من عند النبي ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٥/٧) والرواية التي صرحت باسميهما عزاها ابن حجر إلى أحمد والحاكم . الملائكة)) (١). ولا تزال تقع الكرامات لصلحاء المؤمنين، لأن الله جلت قدرته وعد أن ينصرهم ويعينهم، ويؤيدهم، جاء في الحديث القدسي: ((وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته کنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)) (٢)، وهذا كناية عن نصرة الله للعبد الصالح وتأييده، وإعانته، حتى كأنه سبحانه: يُنزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها (٣)، ولذا جاء في رواية: ((فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي یمشي)» (٤)، ومن كانت هذه صلته بالله فلا یستبعد أن يكرمه بظهور مالا يطيقه غيره على یدیه تکریما له. وأنكر أبو إسحاق الإِسفراييني، وأبو عبدالله الحليمي حصول ما يخرق العادة (١) حديث: ((إن صاحبكم تغسله الملائكة .. )). أخرجه الحاكم (٢٠٤/٣-٢٠٥) وصححه. (٢) حديث: ((ومايزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤١) من حديث أبي هريرة. (٣) فتح الباري ٣٤١/١١ (٤) رواية: ((فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)) أورده ابن حجر في الفتح (١١ /٣٤٤) نقلاً عن الطوفي ولم يعزها إلي أي مصدر . - ٢٢٠ -