Indexed OCR Text
Pages 161-180
گبائر ١٥ - ١٦
شهادته في مثل الحد الذي أقيم عليه .
وذهب الشعبي والحسن ومجاهد وعكرمة
ومسروق وشريح والحنفية إلى أنه لا تقبل
شهادة القاذف وإن تاب إذا کانت توبته بعد
الحد، وقالوا: إن الاستثناء في الآية عائد إلى
أقرب مذكور، وهو الفسق، ولا يرجع إلى ما
قبله، وهو عدم قبول الشهادة، لأنه مقترن
بالتأبيد، ولأن المنع من قبول الشهادة جعل
من تمام عقوبة القاذف، ولهذا لا يترتب المنع
- عندهم - إلا بعد الحد، وما كان من الحدود
ولوازمها لا يسقط بالتوبة، فلو قذف ولم يحد
لم ترد شهادته (١)، وتفصيله في مصطلح
(قذف ف ٢١).
تکفیر الصغائر باجتناب الکباثر:
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء وجماعة أهل
التفسير إلى أن الصغائر تكفّر باجتناب
الكبائر، لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَِّرَ مَا
نُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِذْكُم
مُّدْخَلَا كَرِيمًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ
يَجْتَغِبُونَ كَبَابِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلََّ اللَُّمْ إِنَّ
(١) بداية المجتهد ٢ / ٤٦٢، وإعلام الموقعين ١/ ١٠٤ - ١٠٩،
والفروع لابن مفلح ٥٦٨/٦، ورحمة الأمة ٢ / ٢٣٥، والمحرر
بحاشية ابن مفلح ٢٥١/٢ - ٢٥٦، والمبسوط للسرخسي
١٢٥/١٦ - ١٢٩ وقد أطال السرخسي وابن مفلح وابن القيم
في مناقشات القولین
(٢) سورة النساء/ ٣١
رَبَّكَ وَبِعُ الْمَغْفِرَةِ)) (١).
كما استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله وَلفي قال: ((الصلوات
الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت
الكبائر)» (٢).
وذهب الأصوليون - كما قال القرطبي - إلى
أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر
باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة
الظن وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة بقوله تعالى:
﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (٣)، قالوا
ولا ذنب عندنا یغفر واجباً باجتناب ذنب
آخر، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب
الكبائر ومتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعا
لکانت له في حکم المباح الذي نقطع بأنه لا
تباعة عليه، وذلك نقص لعرى الشريعة، كما
استدلوا بحديث: ((من اقتطع حق امرىء
مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم
علیه الجنة))، فقال له رجل: وإن كان شيئا
يسيرا يا رسول الله؟ قال: ((وإن قضيباً من
أراك)) (٤) فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير
(١) سورة النجم/٣٢
(٢) حديث أبي هريرة: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى
الجمعة ... ))
أخرجه مسلم (٢٠٩/١)
(٣) سورة النساء / ١١٦
(٤) حديث: ((من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه ... ))
أخرجه مسلم (١٢٢/١) من حديث أبي أمامة.
- ١٦١ -
:
گبائر ١٦ - ١٧
كما جاء على الكثير.
قال القرطبي : إن الله تعالى يغفر الصغائر
باجتناب الكبائر لكن بضميمة أخرى إلى
الاجتناب، وهي إقامة الفرائض (١).
واختلف هل شرط التكفير للصغائر عدم
ملابسته لشيء من الكبائر أو لا يشترط؟
حكى ابن عطية وغيره عن الجمهور
الاشتراط، لظاهر حديث: ((الصلوات
الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت
الكبائر))(!) واختار بعض المحققين أنه لا
يشترط، قالوا: والشرط في الحديث بمعني
الاستثناء، والتقدير: مكفرات ما بينهما إلا
الكبائر.
ويساعد ذلك مطلق الأحاديث المصرحة
بالتكفير من غير شرط (٣).
تكفير الحج للكبائر:
١٧ - روى عباس بن مرداس رضي الله عنه
((أن رسول الله و ليزر دعا لأمته عشية عرفة
بالمغفرة فأجيب: إنى قد غفرت لهم ما خلا
الظالم فإني آخذ للمظلوم منه، قال: أي
(١) تفسير القرطبي ١٥٨/٥، وفتح الباري ٤٢٣/١٠، والمحلى
لابن حزم ٣٩٣/٩، والبحر المحيط للزركشي ٢٧٨/٤
(٢) حديث: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ... ))
تقدم تخريجه ف ١٦
(٣) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٨، وتفسير القرطبي ١٥٨/٥
رب، إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة
وغفرت للظالم، فلم يجب عشیته، فلما أصبح
بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما
سأل ... ))(١)، وروى ابن المبارك أن النبي
** قال: ((إن الله عز وجل غفر لأهل
عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات،
فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ قال: «هذا
لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة))،
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كثر
خير الله وطاب (٢)، قال ابن عابدين: وتمامِه
في الفتح وساق فيه أحاديث أخر، والحاصل
أُن حدیث ابن ماجه ۔ وإن ضعف ۔ فله
شواهد تصححه، والآية أيضا تؤيده، ومما
یشهد له أیضا حديث: ((من حج فلم يرفث
ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) (٣)، وقوله والآل
(١) حديث عباس بن مرداس: ((أن رسول اللّهِ وَ لقر دعا لأمته عشية
عرفة بالمغفرة ... ))
أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢/٢) وضعف إسناده البوصيري في
مصباح الزجاجة (٢ /١٤٠)
وقال البيهقي : له شواهد كثيرة ذكرناها في كتاب الشعب، فإن
صِح بشواهده ففيه الحجة، وإلا فقد قال تعالى: ﴿ويغفر ما
دون ذلك لمن يشاء﴾ وظلم بعضهم بعضا دون الشرك (ابن
عابدین ٢ / ٦٢٣)
(٢) حديث: ((إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ... ))
عزاه المنذريّ في الترغيب (١٥٧/٢) إلى ابن المبارك، وقال ابن
حجر في قوة الحجاج (ص ٢٩): إن ثبت سنده إلى عبد الله
ابن المبارك فهو على شرط الصحيح.
(٣) حديث: ((من حج ولم يرفث ولم يفسق ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٣٨٢) ومسلم (٩٨٣/٢)
من حديث أبي هريرة.
- ١٦٢ -
كبائر ١٧
لعمرو بن العاص: ((أما علمت أن الإِسلام
يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان
قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)) (١).
لكن ذكر الأکمل في شرح المشارق في هذا
الحديث أن الحربي تحبط ذنوبه كلها بالإِسلام
والهجرة والحج حتى لو قتل وأخذ المال وأحرزه
بدار الحرب ثم أسلم لم يؤاخذ بشيء من
ذلك، وعلى هذا كان الإِسلام كافيا في
تحصيل مراده ولكن ذكر لي الهجرة والحج
تأكيدا في بشارته وترغيبا في مبايعته فإن الهجرة
والحج لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بمحو
الكبائر وإنما يكفران الصغائر، ويجوز أن يقال
والكبائر التي ليست من حقوق أحد کإسلام
الذمي، وكذا ذكر الإمام الطيبي في شرحه
وقال: إن الشارحین اتفقوا عليه، وهكذا ذکر
النووي والقرطبي في شرح مسلم.
قال ابن عابدين: وفي شرح اللباب:
ومشى الطيبي على أن الحج يهدم الكبائر
والمظالم، ووقع منازعة غريبة بين أمير بادشاه
من الحنفية حيث مال إلى قول الطيبي، وبين
الشيخ ابن حجر المكي من الشافعية وقد مال
إلی قول الجمهور، وكتبت رسالة في بیان هذه
المسألة، وظاهر كلام الفتح الميل إلى تكفير
المظالم أيضا، وعليه مشى الإِمام السرخسي في
(١) حديث: ((أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله ... ))
أخرجه مسلم (١١٢/١)
شرح السير الكبير، وإليه ذهب القرطبي .
وقال عياض: هو محمول بالنسبة إلى
المظالم على من تاب وعجز عن وفائها،
والحاصل أن تأخیر الدین وغيره، وتأخير نحو
الصلاة والزكاة من حقوقه تعالى، فيسقط إثم
التأخير فقط عما مضی دون الأصل ودون
التأخير المستقبل، ونقله عن الترمذي
واللقاني، واستظهر ابن عابدين سقوط الدين
أيضا عند العجز كما قال عياض لكن تقييد
عياض بالتوبة والعجز غير ظاهر، لأن التوبة
مكفرة بنفسها، وهي إنما تسقط حق الله
تعالى لا حق العبد، فتعيّن كون المسقط هو
الحج كما اقتضته الأحاديث (١).
قال ابن نجيم: والصحيح أن الحج لا
یکفر الكبائر، ولیس مراد القائل بأنه يكفرها
أنه يسقط عنه قضاء ما لزمه من العبادات
وتركه والمظالم والدین، وإنما مراده أنه یکفر
إثم تأخير ذلك، فإذا فرغ منه طولب بقضاء
ما لزمه، فإن لم يفعل مع قدرته فقد ارتكب
الآن الكبيرة الأخرى (٢)، والمسألة ظنية، فلا
يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى،.
فضلاً عن حقوق العباد (٣).
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٢٢ - ٦٢٣
(٢) رسالة الصغائر والكبائر لابن نجيم بشرح السيواسي ٥٤
(٣) حاشية ابن عابدين (٢ / ٦٢٤) نقلا عن البحر الرائق.
- ١٦٣ -
گبائر ١٨، گپِد
شفاعته لي لأهل الكبائر وعدم خلودهم في
النار.
١٨ - للنبي ) من الشفاعات الخاصة به
شفاعته في قوم استوجبوا النار بأعمالهم،
فيشفع فيهم، فلا يدخلونها، هذا مذهب
أهل السنة .
وقد جزم السيوطي في الخصائص بأن هذه
الشفاعة من خصائصه وَ ير، وجزم القاضي
وابن السبكي بعدم اختصاصه وَلي بها،
وأشار العزبن عبد السلام إلى أنه يشاركه فيه
وَل الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام
والمؤمنون .
وهذه الشفاعة هي غير الشفاعة العامة أو
العظمى لفصل القضاء بين الناس بعد
المحشر، فتلك تعم جميع الخلق، وهي متفق
عليها بين الأمة أنها من خصائصه (١).
قال الأشعري : أجمع المسلمون أن الرسول
اللّه وَلّ شفاعة ... وهي للمذنبين المرتكبين
الكبائر (٢).
واستدلوا لشفاعته پے في أهل الكبائر بما
روى أنس رضى الله عنه أن النبي وَ الر قال:
((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (٣).
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١٦٥ - ١٦٧، ولوامع الأنوار
· للسفاريني ٢ / ٢١٨
(٢) الإبانة للأشعري ٢٩٤
=
(٣) حديث أنس: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ... ))
قال ابن أبي العز: تواترت الأحاديث في
شفاعته * في أهل الكبائر، وقد خفي علم
ذلك عن الخوارج والمعتزلة (١).
والتفصيل في مصطلح (شفاعة ف ٦)
گپِد
انظر: أطعمة
= أخرجه الترمذي (٦٢٥/٤) وقال: حديث حسن صحيح .
(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص ١٦٥
- ١٦٤ -
کبر ١ - ٣
کِبْر
التعريف:
١ - الكِبر بکسر الکاف وسکون الباء عند
أهل اللغة: العظمة (١)، وكبر الشيء.
معظمه (٢)، قال تعالى: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ
مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) أي: تحمل
معظمه .
واصطلاحا: عرفه الغزالي بأنه الخلق
الذي في النفس، وهو الاسترواح والركون إلى
رؤية النفس فوق المتكبر عليه.
وعرفه ابن القيم بأنه خلق باطن يصدر
عن أعمال هي ثمرته، فیظهر على الجوارح،
وذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر
عليه، يعني یری نفسه فوق الغير في صفات
الكمال .
وهو في سنة الرسول وَله: عدم قبولِ الحق
(١) الصحاح لإسماعيل بن حماد الجوهري.
(٢) المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم لأبي البقاء
العكبري مادة: كبر، تحقيق ياسين السواس، طبع جامعة أم
القرى.
(٣) سورة النور / ١١
ترفعاً، واحتقار الناس، فعن عبد الله بن .
مسعود رضي الله عنه أن النبي ﴿ قال:
((الكْبْرِ بَطَر الحق وَغَمْطُ الناس)) (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الکبریاء :
٢ - قال الراغب الأصفهاني: الكبرياء هي
الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير
الله، قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيُ اَلْحَكِيمُ﴾ (٢)، وفي
الحديث: ((قال الله: الكبرياءُ رِدائي،
والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما
قذفته في النار))(٣) بينما يرى أبو هلال
العسكري أن الكبرياء هي العز والملك،
وليست من الكبر في شيء، قال تعالى:
﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَُّ فِ اَلْأَرْضِ﴾ (٤)،
يعني: الملك والسلطان والعزة (٥).
ب - العُجْب:
٣ - العُجْب بالشيء الزهو وكثرة السرور به،
(١) حديث: ((الکبر بطر الحق وغمط الناس))
أخرجه مسلم (١ / ٩٣)، وانظر إحياء علوم الدين ٣/ ١٦٣
ومختصر منهاج القاصدين ص ٢٤٦ .
(٢) سورة الجاثية / ٣٨
(٣) حديث: ((قال الله: الكبرياء ردائي ... ))
أخرجه أبو داود (٤ / ٣٥٠ - ٣٥١) من حديث أبي هريرة،
وأصله في صحيح مسلم (٤/ ٢٠٢٣)
(٤) سورة يونس / ٧٨
(٥) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٢٤١. والمفردات
للراغب الأصفهانی وجامع البيان للطبري ١ / ٢٢٨
- ١٦٥ -
کېر ٣-٥
وفلان معجب بنفسه: إذا كان مسروراً
بخصالها، وليس العُجب من الکبر في شيء،
قال علي بن عيسى: العجب عقد النفس
على فضيلة لها ينبغي أن یتعجب منها وليست
هي لها (١)، ولكنه يدعو إلي الکبر لأنه أحد
أسبابه (٢).
ويرى ابن حجر الهيتمي : أن العُجب هو
استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان
إضافتها إلى الله تعالى (٣)، ویذکر أبو حامد
الغزالي ۔ ویوافقه ابن قيم الجوزية - في ذلك
فرقاً بين الكبر والعجب فيقول: العُجب لا
يستدعي غير المعجب، حتى لو قدّر أن يُخلق
الإِنسان وحده تصور أن يكون معجباً، ولا
يتصور أن یکون متكبراً إلا أن یکون معه
غيره، وهو یری نفسه فوقه (٤)
.
ج - اجْر:
٤ - الجُبر هو التعاظم مع القهر، والجبروت
أبلغ من الجبر، لأن الواو والتاء للمبالغة،
كالملك والملكوت (٥)، قال النووي : الجبروت
هو الكبر والتعظم والارتفاع والقهر، والجبار
(١) الفروق في اللغة ص ٢٤٣
(٢) مختصر منهاج القاصدین ص ٢٥٤
(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ص ٧٤
(٤) إحياء علوم الدين ٣/ ٣٢٣، ومختصر منهاج القاصدين
ص ٢٤٧
(٥) الفروق في اللغة ٢٤٢
هو المتكبر الشرس سيء الخلق (١)، ويقال
أيضا للقاهرِ غيرَه: جبّار، كما قال تعالى:
﴿أَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم
◌ِبَّارٍ﴾ (٢)، ونقل ابن كثير عن أبي عمران
الجوني وقتادة أنهما قالا: آيةُ الجبابرة القتلُ
بغير حق (٣).
ويقول الراغب الأصفهاني: الجبار هو من
يُجبر نقيصته بادعاء منزلةٍ من التعالي لا
يستحقها(٤)، كقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَّحُواْ
وَنَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥).
والكبر أعم من الجبر.
الحكم التكليفي :
٥ - اتفق العلماء على أن الكبر من الكبائر،
ذكر ذلك الذهبي (٦).
وذكر القرطبى في تفسير قوله تعالى:
يَضْرِفِى بِأَنْكُلِمِنَ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن
(٧)، قال: من ضرب بنعله من
ـتهن
الرجال، إن فعل ذلك تعجباً حَرُمَ، فإن
(١) تحرير التنبيه لیحیی بن شرف النووي ص ٣٥٥ و ٣٥٩ تحقيق
محمد رضوان وفايز الداية، طبع دار الفكر ١٤١٠ هـ،
دمشق .
(٢) سورة قّ / ٤٥
(٣) تفسير ابن كثير ٤ / ٧٩ طبع. دار إحياء التراث العربي،
بیروت .
(٤) المفردات، مادة: جبر.
(٥) سورة إبراهيم / ١٥
(٦) الكبائر للذهبي ص ٧٦
(٧) سورة النور / ٣١
-١٦٦ -
کېر ه
العُجْب كبيرة (١)، وذلك لقوله الجر: ((لا
يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من
كبر)) (٢)، وقوله ◌َلفي: ((مثقال ذرة» يشمل
القلیل والکثیر منه، فلا يرخص بالکبر مهما
کان قليلاً، قال الشوكاني : والحدیث یدل
علی أن الکبر مانع من دخول الجنة وإن بلغ
من القلة إلى الغاية (٣).
وإذا كان الكبر هو الصفة النفسية، وهي
قصد الاستعلاء على الغير في مكرمة من
المكارم، فإن هذا الكبر- أي: التكبر- إما أن
يُحتاج إليه، أو لا يُحتاج إليه.
فإن احتیج إلیه کان محموداً، کالتكبر على
الظلمة، وعلي أعداء الله من الكفار
المحاربين، ونحوهم، ولذلك جاز الاختيال
في الحرب إرهاباً للعدو (٤).
وإن لم يحتج إليه، فإنه إما أن ترافقه نية
التكبر، أو لاترافقه نية التكبر، فإن رافقته نية
التکېر فهو كبيرة من الكبائر.
وإن لم ترافقه نية التكبر، فإن الفعل إما
أن یکون من شعار المتکبرین، أو لا يكون
(١) الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
١٢/ ٢٣٨ طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت .
(٢) حديث: ((لا يدخل الجنة ... ))
أخرجه مسلم (١ / ٩٣) من حديث ابن مسعود.
(٣) نيل الأوطار لمحمد بن علي الشوكاني ٢ / ١٠٩ طبع. دار الجيل،
بیروت .
(٤) الروض المربع بحاشية ابن القاسم العاصمي ٥١٥٠/١
من شعار المتكبرين.
فإن كان من شعار المتكبرين كتصغير
الخد، والاختيال في المشي، وإسبال الإزار،
ونحو ذلك، كان مكروهاً.
وإن لم يكن من شعار المتكبرين، كالأكل
متکثًا، وتشمیر الأكمام، ونحو ذلك لم یکن به
بأس، قال في الفتاوى الهندية: والحاصل أن
کل ما کان على وجه التکبر یکره، وإن فعل
لحاجة أو ضرورة لا - أي: لا يكره ۔ (١)،
وعلى هذا فإن من لبس الثياب الجميلة
الرفيعة من غير نية التكبر فلا إثم عليه، قال
الشوكاني: وهذا مما لا خلاف فيه فيما
أعلم (٢) ، بل إن لبس رفيع الثياب من غير
نية التکبر، بل بنية أن یکون له وقع في قلوب
سامعيه وهو يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن
المنكر كان مثاباً، قال الشوكاني: إن الأعمال
بالنيات، فلبس المنخفض من الثياب
تواضعاً وكسراً لسورة النفس التي لا يؤمن
عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من
المقاصد الصالحة الموجبة للمثوبة من الله،
وليسُ الغالي من الثياب عند الأمن على
النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٥٩ طبع. دار إحياء التراث العربي،
الطبعة الثالثة بيروت ١٤٠٠ هـ .
(٢) نيل الأوطار ٢ / ١٠٩، وانظر: الفتاوى البزازية لابن البزاز
الكردري ٦ / ٣٦٨ مطبوعة بهامش الفتاوى الهندية، والفتاوى
الهندية ٥/ ٣٣٦
- ١٦٧ -
کېر ٥-٦
لقصدٍ التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية
من أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا
يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات لا شك أنه من
الموجبات للأجر، لكنه لابد من تقیید ذلك بما
يحل لبسه شرعا (١).
مظاهر الكبر:
٦ - الكبر صفة نفسية في الإنسان، لها مظاهر
أكثر من أن تحصى (٢)، ومن هذه المظاهر:
أ - تصعير الوجه: وهو يعني: ميل
العنق، والإِشاحة بالوجه عن النظر كبراً (٣)،
وهو من صفات المتكبرين، ولذلك نهى الله
تعالى عنه بقوله جل شأنه: ﴿وَلاَ تُصَعِرْ خَذَّكَ
لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًّاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ
مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ (٤).
ب- الاختيال في المشي: وهو يعني
التبختر والتعالي في المشية، وهو محرم بقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ
الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لْجِبَالَ طُولًاً (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ
كَانَ سَيِّئُهُ عِندَرَيِّكَ مَكْرُوهَا﴾ (٥)، وبقوله
گها: «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه،
مرجلٌ شعرَه، إذ خسف الله به، فهو
(١) نيل الأوطار ٢ / ١١٠
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ٣٢٣
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني.
(٤) سورة لقمان / ١٨
(٥) سورة الإسراء / ٣٧ - ٣٨
يتجلجل إلى يوم القيامة)) (١).
وكما يكون الاختيال باللباس الفاخر
يكون أيضا بفرش البيوت، وبركوب
السيارات الفاخرة، قال في الفتاوى الهندية :
إرخاء السترعلى الباب مكروه لأنه زينة
وتكبر (٢).
ورخص بالاختيال في الحرب على ما
تقدم .
جـ- الترفع عن مجالسة من هو أدنى منه:
كما ترفع المشركون عن مجالسة الفقراء من
أصحاب رسول الله ێے: سلمان وصُھیب
وبلال وخباب، ونحوهم رضي الله عنهم
أجمعين، حيث قالوا لرسول الله ويليه: لو
طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا
مجلسك، فقد روی سعد بن أبي وقاص رضي
الله عنه قال: ((كنا مع النبي ◌َّل ستة نفر،
فقال المشركون للنبي وَله: الطُرُد هؤلاء لا
يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود
ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست
أسميها، فوقع في نفس رسول الله وَلتيه ما
شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله
عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
(١) حديث: ((بينما رجل يمشى في حلة تعجبه نفسه ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٥٨) ومسلم
(١٦٥٣/٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري .
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٥٩
- ١٦٨ -
کْر ٦
بِالْغَدَوْةِوَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهٌَ﴾ (١).
ويدخل في الترفع عن المجالسة الترفع
عن الزيارة، لأن من ترفع عن مجالسة شخص
تکبراً ترفع عن زيارته (٢).
د - الترفع عن السلام أو مصافحة من هو
أدنى منه منزلة في المال أو الجاه أو نحو ذلك،
احتقاراً له.
هـ ـ أن يمشي ويمشي أتباعه خلفه:
یکړه للرجل أن يمشي ومعه أتباعه من جند أو
تلاميذ أو أنصار يمشون خلفه، إذا أراد
بذلك التكبر (٣).
و- الركوب ومعه أتباعه: يكره للرجل
الركوب ومعه رجاله يمشون إذا أراد به
التكبر (٤).
ز- حُبَّه القيام له: والقيام على ضربين:
الأول: قيام على رأسه وهو قاعد، فهذا
منهي عنه، قال رَله: ((من سرّه أن يتمثل له
. الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)) (٥)،
(١) حديث سعد بن أبي وقاص: ((كنا مع النبي {﴿ ستة نفر .. ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٨٧٨)
والآية من سورة الأنعام / ٥٢
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص ٢٣٢
(٣) إحياء علوم الدين ٣/ ٣٣٢
(٤) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٦٠
(٥) حديث: ((من سره أن يتمثل له الرجال قياماً ... ))
أخرجه الترمذي (٥/ ٩١) من حديث أبي أمامة، وقال:
حديث حسن .
وهذه عادة الأعاجم والمتكبرين.
الثاني: قيام عند مجىء الإِنسان، فقد
کان السلف لایکادون يفعلونه، قال أنس:
(لم يكن شخص أحب إليهم - أي إلى
الصحابة - من رسول الله وَلاير، قال: وكانوا
إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته
لذلك)» (١).
وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين
والإِمام العادل وفضلاء الناس، وقد صار
هذا كالشعار بين الأفاضل، فإذا تركه
الإِنسان في حق من يصلح أن يفعل في حقه
لم يأمن أن ينسبه إلى الإهانة والتقصير في حقه
فیوجب ذلك حقداً، واستحباب هذا في حق
القائم لا یمنع الذي يقام له أن یکره ذلك،
ويرى أنه ليس بأهل لذلك (٢).
ح - التميّز في الطعام: ذكر في الفتاوى
الهندية أنه يكره للرجل أن يأكل وسط الخبز
ويدع حواشيه لغيره، لأن فيه تكبرا (٣)،
ويكره أن يأكل الخبز الحوّاري - أي:
الأبيض - ويطعم مماليكه خَشكار- أي:
الأسمر - (٤) .
(١) حديث: ((لم يكن شخص أحب إليهم ... ))
أخرجه الترمذي (٥/ ٩٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب
من هذا الوجه .
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص ٢٣٠
(٣) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٣٦
(٤) الفتاوى الهندية ٣٣٩/٥
- ١٦٩ -
کېر ٦ -٧
......
ط - الأكل متكئا: اتفقوا على تحريم
الأكل متكئا تكبراً، فإن كان لغير التكبر فقد
اختلفوا في کراهته، فکرهه بعضهم، لأنه من
فعل المتكبرين، وأصله مأخوذ من ملوك
العجم، إلا أن یکون بالمرء مانع لا یتمکن
معه من الأکل إلا متكئا فیباح له ذلك،
وأباحه البعض الآخر، وقد نقل عن بعض
السلف جواز الأكل متكئا، بينما ينقل
إبراهيم النخعي عن السلف أنهم كانوا
یکرهون أن یأکلوا تكأة،ولکنه جعل علة ذلك
مخافة أن تعظم بطونهم (١)، والأصل في ذلك
قوله ول#: ((إني لا آكل متكئا)) (٢).
ي - لبس جلود الحيوانات الكاسرة: يحرم
لبس جلود الحيوانات الكاسرة كالنمور
والسباغ تكبرا(٣)، وإذا حرم لبسها فإنه يحرم
فرشها تكبراً في البيوت التي يستقبل فيها
الضيوف، ولكن لا بأس أن يجعل منها مصلى
أو مِيْثَرَةُ السرج (٤) .
مزي
ك - إطالة الثوب إلى أسفل من الكعبين:
اتفقوا على تحريم إطالة الثوب إلى أسفل من
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٣٧، ونيل الأوطار ٤٤/٩ - ٤٥
(٢) حديث: ((إنى لا آكل متكئا)»
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٥٤٠) من حديث
أبي جحيفة .
(٣) حاشية ابن القاسم العاصمي على الروض المربع ١ / ٥١٥
الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ .
(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٣. وفى المصباح: وثُر الشيء - بالضم -
وثارةً: لَنَ وسهل ومنه (مِثَةُ) السرج .
الكعبين اختيالا وتكبرا، لقوله { #1: ((من جر
ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (١)،
واتفقوا على إباحة إطالة الثوب إلى أسفل من
الكعبين للحاجة، كما إذا كان بساقيه
حموشة (٢) - أي دقة ورقة - فلا يكره ما لم
يقصد التدليس.
واختلفوا في إطالتها إلى أسفل من
الکعبین من غير كبر ولا اختيال ولا حاجة :
فذهب الجمهور إلى الكراهة التنزيهية (٣).
ل - مسح العرق وماء الوضوء بالخرقة:
كره الحنفية أن يحمل الشخص خرقة خاصة
ليمسح بها عرقه أو ينشف بها ماء الوضوء عن
أعضائه أو يتمخط بها، إن أراد بذلك
التكبر، أما إذا لم يرد بها التكبر فلا كراهة في
ذلك (٤).
علاج الكبر:
٧ - قال ابن قيم الجوزية: إن الكبر من
(١) حديث: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٥٤) ومسلم
(٣/ ١٦٥٢) من حديث عبد الله بن عمر .
(٢) شرح منتهى الإرادات للبهوتي ١ / ١٤٩ طبع. دار الفكر،
والروض المربع ١ / ٥١٦
(٣) المغني لابن قدامة ١ / ٥٨٥ الطبعة الثالثة، والفتاوى الهندية
٥/ ٣٣٣، ونيل الأوطار ٢ / ١١٢، وعون الباري لصديق بن
حسن بن علي الحسيني القنوجي، طبع. قطر عام ١٤٠٤ هـ .
(٤) الهداية شرح بداية المبتدي لعلي المرغيناني ٤ / ٨٣ طبع المكتبة.
الإسلامية، والفتاوى البزازية ٦ / ٣٦٩، والفتاوى الهندية
٣٣٣/٥
= ١٧٠ -
کېر ٧
الهلحات، ومداواته فرض عين، ولك في
معالجته مقامان :
الأول: في استئصال أصله وقطع
شجرته، وذلك بأن یعرف الإنسان نفسه،
ویعرف ربه، فإنه إن عرف نفسه حق
المعرفة، علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه
أن ينظر في أصل وجوده بعد العدم من
تراب، ثم من نطفة خرجت من مخرج البول،
ثم من علقة، ثم من مضغة، فقد صار شيئاً
مذكوراً بعد أن كان جماداً لا يسمع ولا يبصر
ولا يحس ولا يتحرك، فقد ابتدأ بموته قبل
حياته، وبضعفه قبل قوته، وبفقره قبل
غناه، وقد أشار الله تعالى إلى هذه بقوله :
﴿مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ (٨) مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ.
(١٦) ثُمَّ أَلسَّبِيلَ يَتَرَهُ ﴾﴾(١) وبقوله:
فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (٢) فأحياه بعد
الموت، وأحسن تصويره، وأخرجه إلى الدنيا
فأشبعه وأرواه، وكساه وهداه وقواه، فمن
هذه بدايته فأي وجه لکبره وفخره؟ !! .
على أنه لو دام له الوجود على اختياره لکان
لطغيانه طريق، بل قد سلط عليه الأخلاط
المتضادة، والأمراض الهائلة، بينما بنيانه قد
تم، إذ هو قد هوی وتهدم، لا يملك لنفسه
(١) سورة عبس / ١٨ - ٢٠
(٢) سورة الإنسان / ٢
ضراً ولا نفعاً، بينما هو يذكر الشيء فينساه،.
ويستلذ الشيء فيرديه، ويروم الشيء فلا
يناله، ثم لا يأمن أن يسلب حياته بغتة.
هذا أوسط حاله، وذاك أول أمره، وأما
آخر أمره: فالموت الذي یعیده جماداً كما
كان، ثم يلقى في التراب فيصير جيفةً منتنةٌ،
وتبلی أعضاؤه، وتنخر عظامه، ویأکل الدود
أجزاءه، ويعود تراباً يُعمل منه الکیزان،
ویعمر منه البنیان، ثم بعد طول البلى تجمع
أجزاؤه المتفرقة ويساق إلى الحساب.
والثاني: من اعتراه الكبر من جهة
النسب، فلیعلم أن هذا تعزز بكمال غيره،
ثم يعلم أباه وجده، فإن أباه القريب نطفة
قذرة، وأباه البعيد تراب.
ومن اعتراه الکبر بالجمال فلينظر إلى باطنه
نظر العقلاء، ولا ينظر إلى ظاهره نظر
البهائم .
ومن اعتراه من جهة القوة، فليعلم أنه لو
آلمه عرق عاد أعجز من كل عاجز، وإن
شوكة دخلت في رجله لأعجزته، وبقّة لو
دخلت في أذنه لأقلقته.
ومن تكبر بالغنى، فإذا تأمل خلقاً من
اليهود وحدهم أغنى منه، فأف لشرف تسبقه
به اليهود، ويستلبه السارقُ في لحظة، فيعود
صاحبه ذليلاً.
- ١٧١ -
کِبْر ٧، کِتَاب ١
ومن تكبر بسبب العلم، فليعلم أن حجة
الله على العالم آكد من حجته على الجاهل،
وليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده،
فإن خطره أعظم من خطر غيره، كما أن قدره
أعظم من قدر غيره.
وليعلم أيضا: أن الكِبْر لا يليق إلا بالله
تعالى، وأنه إذا تكبر صار ممقوتاً عند الله
بغيضاً عنده، وقد أحب الله تعالى منه أن
یتواضع، وکذلك کل سبب يعالجه بنقيضه،
ويستعمل التواضع (١).
(١) مختصر منهاج القاصدين ٢٥١ وما بعدها.
كِتَاب
التعريف :
١ - الكتاب في اللغة مصدر كتب، يقال:
کتب الشيء یکتبه گنْبًا وكتابا وكتابة، ويطلق
على عدة معان منها:
أ - أنه اسم لما كتب مجموعا، قاله الأزهري .
ب- يطلق على ما یکتبه الشخص ويرسله
إلى غيره .
ج - يطلق على المكتوب وعلى ما کتب فيه.
د - يطلق على المنزل من عند الله تعالى،
فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل.
هـ - يطلق على الصحف المجموعة (١).
وفي اصطلاح الفقهاء: الكتاب هو الذي
يشتمل على المسائل سواء كانت قليلة أو كثيرة
من فنّ أو فنون (٢) .
وعند الأصوليين الكتاب هو القرآن
الكريم، قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) الكليات للكفوي ٢/ ٣٨٦
- ١٧٢ -
كِتَاب ١ - ٤
تَبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ (١)، والفقهاء يستعملون
هذا المعنى فيقولون في الاستدلال: ودليله
الكتاب والسنة (٢)، والكتاب عند الحنفية
يطلق على مختصر الإِمام القدوري .
والكتاب الحكمي عند الفقهاء ما یکتب
فيه شهادة الشهود على غائب بلا حكم
لیحکم المكتوب إليه من القضاة به ویسمی
كتاب القاضي إلى القاضي (٣) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السجل:
٢ - من معاني السجل لغة: كتاب العهد
ونحوه، وکتاب القاضي، والجمع سجلات،
وأسجلت للرجل إسجالا: کتبت له كتابا،
وسجل القاضي : قضی وحکم وأثبت حکمه
في السجل (٤).
وفي الاصطلاح يطلق السجل علی کتاب
القاضي الذي فيه حكمه، قال الحصكفي :
هذا في عرفهم وفي عرفنا: كتاب كبير تضبط
فیه وقائع الناس.
وعلى ذلك فالسجل أخص من الكتاب
لأنه يطلق على كتاب مخصوص (٥).
(١) سورة النحل / ٨٩
(٢) انظر: البحر المحيط ١/ ٤٤١
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
(٤) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٥) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ٣٥١، ومغني
المحتاج ٤ / ٣٨٩
ب - الدفتر:
٣ - الدفتر لغة: جريدة الحساب، والدفتر
جماعة الصحف المضمومة، والدفتر واحد
الدفاتر وهي الكراريس، وهو عربي، قال ابن
درید: ولا یعرف له اشتقاق (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٢) .
والصلة بين الدفتر والكتاب عموم
وخصوص مطلق والدفتر أعم من الكتاب،
والفرق بينهما أن الكتاب يفيد أنه مكتوب،
ولا يفيد الدفتر ذلك، تقول: عندي دفتر
بياض ولا تقول: عندي كتاب بياض (٣).
ج - الرسالة :
٤ - في اللغة: رسالة ۔ بکسر الراء - اسم من
الرَسَالة - بفتح الراء - يقال رسِلَ رَسَلاً
ورسالة من باب تعب. يقال أرسلت رسولا :
بعثته برسالة یؤدیها (٤) .
والفقهاء يستعملونها تارة بمعنى
الرسول (٥)، وتارة بمعنى الكتاب (٦).
وعلى هذا فبين الكتاب والرسالة عموم
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) قواعد الفقه للبركتي، والمدونة ٤ / ٤٢١
(٣) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٢٤١
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٧٥، والمحلي على المنهاج ٤ / ٢٢٦
(٦) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٤٢٨
- ١٧٣ -
....
كِتَاب ٤ - ٦
وخصوص نسبي .
ما يتعلق بالكتاب من أحكام:
تتعلق بالكتاب أحكام تختلف باختلاف
استعمالاته کما يلي:
أولا : الکتاب بمعنی الرسالة : أي إرسال
کتاب إلى الغیر بشأن أمر من الأمور أو طلب
شيء، ويأتي ذلك في مواضع متعددة من
أبواب الفقه منها:
كتاب القاضي إلى القاضي :
٥ - ذهب الفقهاء إلى جواز كتابة القاضي إلى
القاضي بما ثبت لدیه من البينات وغيرها،
واختلفوا في الشروط واللزوم.
والتفصيل في مصطلح (قضاء ف ٤٩،
٥٢، ٥٣).
کتاب الزوج لزوجته بالطلاق:
٦ - إذا کتب الزوج إلى زوجته كتابا بطلاقها،
فإن كتب إليها: يافلانة أنت طالقٍ، أو
كتب: هي طالق طلقت في الحال سواء
وصل إليها الكتاب أو لم يصل، وهذا
باتفاق (١)، لكن قال المالكية والشافعية إذا
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩، والشرح الكبير على حاشية الدسوقي
٢/ ٣٨٤، والخرشي ٤ / ٤٩، ومغني المحتاج
٢٨٤/٣ - ٢٨٥، وأسنى المطالب ٣/ ٢٧٧، والمغني
٧/ ٢٤١
كتب لزوجته ناويا الطلاق حين الكتابة وقع
الطلاق، لأن الكتابة طريق في إفهام المراد
كالعبارة وقد اقترنت بالنية، فإن لم ينولم
تطلق، لأن الكتابة تحتمل الفسخ والحكاية
وتجربة القلم والمداد وغيرها، وأضاف
الشافعية أنه إذا قرأ ما كتبه حال الكتابة أو
بعدها فصريح فإن قال قرأته حاكيا ما كتبته
بلا نية طلاق صدق بيمينه .
وقال ابن رشد من المالكية: إن كتب
مستشیرا أو مترددا وأخرج الكتاب عازما على
الطلاق أو لا نية له وقع الطلاق لحمله على
أنه نوى الطلاق، وإن کتب الطلاق غیر عازم
علیه، بل كتبه مترددا أو مستشيرا ولم يخرجه،
أو أخرجه مترددا فلا يقع الطلاق إلا إذا وصل
الكتاب إلى الزوجة، وإن لم يصل لا يقع
الطلاق (١).
وإن کان الطلاق معلقا فقد ذهب جمهور
الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أن
الزوج لو علق الطلاق على شرط الوصول
إلیھا، بأن کتب: إذا وصل كتابي إليك فأنت
طالق، لا يقع الطلاق حتى يصل إليها
الكتاب لأنه علق الوقوع بشرط الوصول فلا
یقع قبله كما لو علقه بشرط آخر (٢).
(١) الدسوقي ٢/ ٣٨٤، والخرشي ٤ / ٤٩
(٢) بدائع الصنائع ٣/ ١٠٩، ومغني المحتاج ٣/ ٢٨٥، والمغني
٧ /٢٤١
- ١٧٤
کِتاب ٦ - ٧
والحكم كذلك عند المالكية إذا كانت أداة
الشرط (إن) لأن (إن) صريحة في الشرط فلا
تطلق إلا عند وصول الكتاب إليها، أما إذا
كانت أداة الشرط (إذا) فقد اختلف المالكية
في وقت وقوع الطلاق، فذهب الدردير
والدسوقي والخرشي إلى وقوع الطلاق في
الحال مثل قوله لها في كتابه: أنت طالق وهذا
بناء على أنّ أداة الشرط (إذا) لمجرد الظرفية
فينجز الطلاق كمن أجل الطلاق بمستقبل.
ونقل الدسوقي عن مصطفى الرماصي أنه
إذا کتب: إذا وصل لك كتابي ففي توقفه على
الوصول خلاف، وقوي القول بتوقفه على
الوصول، لتضمن (إذا) معنى الشرط (١).
واعتبر الشيخ عليش في منح الجليل أن
عدم التنجيز وتوقف وقوع الطلاق على وصول
الكتاب ظاهر مشهور (٢).
تَحْو ما في كتاب الطلاق:
٧ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه
إن انمحى ما في كتاب الطلاق المعلق على
الوصول أو انطمس ما فيه لعرَق أو غيره
بحيث لا يمكن قراءة ما فيه لم يقع الطلاق
وإن وصل الكتاب، لأن الشرط وصول
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣٨٤/٢، والخرشي
٤ / ٤٩
(٢) منح الجلیل ٢/ ٢٣٨
الكتاب ولم يوجد لأن الكتاب عبارة عما فيه
الكتابة (١) .
وإن ذهب موضع الطلاق فقط وانمحق
ووصل باقيه لم يقع الطلاق، لأنه لم يبلغها
جميع الكتاب ولا ما هو المقصود الأصلي منه،
وهذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة (٢).
وقال الحنفية: إن محا ذكر الطلاق منه
وأنفذ الكتاب وقد بقي منه كلام یسمی کتابا
ورسالة وقع الطلاق لوجود الشرط وهو وصول
الکتاب إلیھا (٣)
وإن انمحى ما في الكتاب سوى ما فيه
ذكر الطلاق، أو تخرق بعض ما فيه الكتابة
سوى ما فيه ذكر الطلاق، ومثل ذلك: مالو
ذهبت سوابقه ولواحقه كالبسملة والحمدلة
وبقيت مقاصده، ووصل الكتاب فإنها تطلق
لوصول المقصود، وهذا عند الشافعية
والحنابلة (٤).
وقال بعض الحنفية: إذا محا ما سوى كتابة
الطلاق وأنفذه فوصل إليها لا يقع، بناء على
أن الرسالة المتضمنة لمجرد الطلاق لا تكون
كتابا، ذكر ذلك الكمال بن الهمام في فتح
(١) بدائع الصنائع ٣/ ١٠٩، ومغني المحتاج ٣/ ٢٨٥، والمغني
٧/ ٢٤١
(٢) مغني المحتاج ٣/ ٢٨٥، والمغني ٧/ ٢٤١
د
(٣) بدائع الصنائع ٣/ ١٠٩
(٤) مغني المحتاج ٣/ ٢٨٥، وأسنى المطالب ٣/ ٢٧٨، والمغني
٢٤١/٧
- ١٧٥ -
.........
.........
کِتاب ٧ -٨
القدير ثم قال: وفيه نظر (١).
٨ - وللمذاهب فروع مختلفة في وقوع الطلاق
بالکتاب بیانها فيما يلي:
قال الحنفية: كتب في قرطاس: إذا أتاك
كتابي هذا فأنت طالق، ثم نسخه في کتاب
آخر، أو أمر غيره بنسخه ولم يُمْلِه علیه،
فأتاها الكتابان طلقت طلقتین قضاء، إن أقر
أنهما كتاباه أو برهنت، وفي الديانة تقع واحدة
بأيهما أتاها ويبطل الآخر.
ولو استكتب من آخر كتابا بطلاقها وقرأه
على الزوج، فأخذه الزوج وختمه وعنونه
وبعث به إليها، فأتاها وقع إن أقر الزوج أنه
کتابه .
وكذلك الحكم لو قال للرجل ابعث به
إليها، أو قال له: اكتب نسخة وابعث بها
إلیھا .
وإن أنكر ولم يقر أنه كتابه ولم تقم بينة على
أنه کتابه، لكنه وصف الأمر على وجهه لا
تطلق قضاء ولا ديانة .
ركذا كل كتاب لم يكتبه بخطه ولم يمله
بنفسه لا يقع الطلاق ما لم يقر أنه كتابه (٢).
ومن کانت له امرأة تدعی زینب ثم تزوج
في بلدة أخرى امرأة تدعى عائشة، فبلغ
(١) فتح القدير ٣ / ٤٠٤- نشر. دار إحياء التراث.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٩
زينب فخاف منها، فكتب إليها: كل امرأة
لي غيرك وغير عائشة طالق، ثم مما قوله :
وغير عائشة، وبعث الكتاب إلى زينب لم
تطلق عائشة، قال ابن عابدين: وينبغي أن
يشهد على كتابة ما محاه لئلا يظهر الحال،
فيحكم عليه القاضي بطلاق عائشة (١).
وقال الحنفية: لو کتب إلى امرأته بطلاقها
ثم أنكر الكتاب وقامت عليه البينة أنه كتبه
بيده فرق بينهما في القضاء أما فيما بينه وبين
الله تعالى إن كان لم ينو الطلاق فهی امرأته،
ولو کتب إلیھا: أما بعد: أنت طالق إن شاء
الله تعالى، إن كان موصولا بكتابته لا
تطلق، وإن كتب الطلاق ثم فتر فترة، ثم
کتب: إن شاء الله، فإن الطلاق يقع، لأن
المكتوب إلى الغائب كالملفوظ، كذا في
الفتاوى الكبرى للخاصي والخلاصة (٢).
وقال الشافعية: لو كتب: إذا بلغك
نصف كتابي هذا، فبلغها كله طلقت، فإن
ادعت وصول كتابه بالطلاق، فأنكر صدق
بيمينه، فإن أقامت بينة بأنه خطه لم تسمع
إلا برؤية الشاهد بكتابه وحفظه عنده لوقت
الشهادة .
وإن كتب: إذا قرأت كتابي فأنت طالق
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٤٢٩
(٢) فتح القدير ٣ / ٤٠٤- نشر. دار إحياء التراث.
- ١٧٦ -
کِتَاب ٨
وهي قارئة، فقرأته طلقت لوجود المعلق
عليه .
قال الشربيني الخطيب: وعبارة النووي
تقتضي أمرين أحدهما: اشتراط اللفظ به إذ
القراءة تعطي ذلك، لكن نقل الإِمام الاتفاق
على أنها لو طالعت الكتاب وفهمت ما فيه
طلقت وإن لم تتلفظ بشيء.
والشرط الثاني: اشتراط قراءة جميع
الكتاب، والظاهر الاكتفاء بقراءة المقاصد
كما بحثه الأذرعي فحكم قراءة بعض الکتاب
کوصول بعضه، وإن قُرِىء علیھا الکتاب
فلا تطلق في الأصح لعدم قراءتها مع إمكانها
القراءة، ومقابل الأصح أنها تطلق، لأن
المقصود اطلاعها على ما في الكتاب وقد
وجد، وإذا كانت لا تعرف القراءة، والزوج
یعلم ذلك، فقرىء علیها طلقت، لأن
القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع على
ما في الكتاب، وقد وجد بخلاف القارئة، أما
إذا لم يعلم الزوج حالها فإنها لا تطلق على
الأقرب في الروضة وأصلها .
ولو علق بوصول الكتاب، ثم علق
بوصول الطلاق، ووصل، طلقت
طلقتين (١)
وقال الحنابلة: إذا كتب لزوجته: إذا أتاك
طلاقي فأنت طالق، ثم كتب إليها: إذا أتاك
كتابي فأنت طالق فأتاها الكتاب طلقت
طلقتين لوجود الصفتين في مجيء الکتاب،
فإن قال: أردت إذا أتاك كتابي فأنت طالق
بذلك الطلاق الذي علقته دین، وهل يقبل
في الحكم؟ يخرج على روایتین (١).
وإذا كتب لزوجته أنت طالق ثم استمد
(أي أخذ المداد من الدواة بالقلم) فكتب:
إذا أتاك كتابي، أو علقه بشرط أو استثناء،
وكان في حال كتابته للطلاق مريدا للشرط لم
يقع طلاقه في الحال، لأنه لم ينو الطلاق في
الحال، بل نواه في وقت آخر، وإن کان نوی
الطلاق في الحال غير معلق بشرط طلقت
للحال، وإن لم ينو شيئا وقلنا: إن المُطْلَق
يقع به الطلاق نظرنا، فإن كان استمداداً
لحاجة أو عادة، لم يقع الطلاق قبل وجود
الشرط، لأنه لو قال: أنت طالق، ثم أدركه
النفس أو شيء یسکته فسکت لذلك، ثم
أتى بشرط تعلق به فالكتابة أولى.
وإن استمد لغير حاجة ولا عادة وقع
الطلاق، کما لو سکت بعد قوله: أنت طالق
لغير حاجة ثم ذكر شرطا.
وإن قال: إنني کتبته مریدا للشرط فقیاس
قول أصحابنا أنها لا تطلق قبل الشرط، إلا
(١) مغني المحتاج ٣/ ٢٨٥
(١) المغني ٧ / ٢٤١
- ١٧٧ -
كِتَاب ٨ - ١٠
أنه يُديّن وهل يقبل في الحكم؟ على
وجهین (١).
واشترط الحنابلة الشهادة لإثبات كتاب
الطلاق، جاء في المغني: ولا یثبت الکتاب
بالطلاق إلا بشاهدین عدلین أن هذا کتابه،
قال أحمد في رواية حرب في امرأة أتاها كتاب
زوجها بخطه وخاتمه بالطلاق: لا تتزوج حتى
یشهد عندها شهود عدول، قيل له: فإن
شهد حامل الكتاب؟ قال: لا، إلا
شاهدان، فلم يقبل قول حامل الكتاب
وحده حتى يشهد معه غيره، لأن الكتب
المثبتة للحقوق لا تثبت إلا بشاهدین ککتاب
القاضي، وظاهر كلام أحمد أن الكتاب يثبت
عندها بشهادتهما بين يديها وإن لم يشهدا به
عند الحاكم، لأن أثره في حقها في العدة
وجواز التزويج بعد انقضائها.
وهذا معنی يختص به، لا يثبت به حق
على الغير، فاكتفى فيه بسماعها للشهادة.
ولو شهد شاهدان أن هذا خط فلان لم
يقبل، لأن الخط يشبه به ويزور، ولهذا لم
يقبله الحاكم، ولو اكتفى بمعرفة الخط
لا کتفی بمعرفتها له من غير شهادة.
قال ابن قدامة: وذكر القاضي: أنه لا
يصح شهادة الشاهدين حتى يشاهداه
یکتبه، ثم لا يغيب عنهما حتى يؤديا
الشهادة .
قال ابن قدامة: والصحیح أن هذا ليس
بشرط، فإن كتاب القاضي لا يشترط فيه
ذلك فهذا أولى، وقد یکون صاحب الکتاب
لا یعرف الكتابة، وإنما يستنیب فيها، وقد
يستنيب فيها من يعرفها، بل متى أتاها
بکتاب وقرأه علیها وقال: هذا كتابي كان لهما
أن یشهدا به (١).
الكتاب الذي يعتبر إيجابا أو قبولا في العقود:
٩ - جاء في الهداية وشروحها في باب البيع:
الكتاب كالخطاب، وكذا الإِرسال، حتى
اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة،
فصورة الكتاب بأن يكتب: أما بعد: فقد
بعت عبدي منك بكذا، فلما بلغه الكتاب
وفهم ما فيه قال: قبلت، وكان ذلك في
المجلس انعقد (٢).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (عقد
ف ١٣) .
رد جواب الکتاب:
١٠ - روى أبو جعفر عن ابن عباس رضي
الله عنهما مرفوعا : إني لأری لرد جواب الکتاب
عليّ حقا كما أرى رد جواب السلام، قال
(١) المغني ٧ / ٢٤١، ٢٤٢
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٦١ - ٤٦٢ نشر دار إحياء التراث العربى.
(١) المغني ٧ / ٢٤٠
- ١٧٨ -
كِتَاب ١٠ - ١١
الشيخ تقي الدين: وهو المحفوظ عن ابن
عباس يعنى موقوفا، قال ابن مفلح: ويتوجه
القول به استحبابا، ویتوجه في الوجوب ما في
المكافأة على الهدية ورد جواب كلمة طيبة
ونحو ذلك.
أما إن أفضى ترك ذلك إلى سوء ظن
وإيقاع عداوة ونحو ذلك توجه الوجوب .
ولا بد من رد جواب ما قصده الكاتب،
وإلا كان الرد كعدمه شرعا وعرفا .
وقال القرطبي : إذا ورد على إنسان کتاب
التحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب، لأن
الكتاب من الغائب كالسلام من
الحاضر (١).
كيفية البدء في الكتاب:
١١ - يستحب ابتداء الكتاب والرسالة ببسم
الله الرحمن الرحيم، اقتداء بالكتب السماوية
التي أشرفها القرآن الكريم، لما قاله العلامة
أبو بكر التونسي من إجماع علماء كل ملة على
أن الله سبحانه افتتح جمیع کتبه ببسم الله
الرحمن الرحيم ويشهد له خبر: ((بسم الله
الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب)) (٢)، وعملا
بخبر: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله
الآداب الشرعية ١ / ٣٨٥، والقرطبي ١٣ / ١٩٣
(١)
حديث: ((بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب))
(٢)
أورده النفراوي في الفواكه الدواني (١ / ٢) ولم يعزه إلى أي مصدر
ولم نهتد إلى من أخرجه .
فهو أقطع)) (١)، أي قليل البركة أو
مقطوعها (٢).
قال القرطبي (٣): اتفقوا على كتب بسم
الله الرحمن الرحيم في أول الکتب والرسائل
وعلى ختمها، لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا
جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيما كتاب لم
یکن مختوما فهو أغلف.
وبعد البسملة في الكتاب المرسل إلى الغير
یکتب إلی فلان، ولا یکتب لفلان، قال ابن
مفلح: قال أبو جعفر الدارمي أحمد بن
سعيد: كتب إلىّ أبو عبد الله أحمد بن
حنبل: لأبى جعفر أكرمه الله من أحمد بن
حنبل، قال: نکتب: إلی أبي فلان ولا
نکتب: لأبي فلان، قال: ليس له معنى إذا
کتب لأبي فلان، وقال المروزي : كان أبو عبد
الله یکتب عنوان الكتاب: إلى أبي فلان
وقال: هو أصوب من أن يكتب لأبي
فلان (٤).
قال أبو جعفر: فأما ابتداء الإنسان بنفسه
(١) حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع))
أخرجه السبكي في طبقات الشافعية (١٢/١) من حديث
أبي هريرة، وذكر الخطيب في تاريخ بغداد (٥ / ٧٧) تضعيف
أحد رواته
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٢/١،٤٦٥
(٣) القرطبي ١٣ / ١٩٣ وما بعدها.
(٤) الآداب الشرعية ١ / ٣٨٦، ٣٨٧
٠ ١٧٩ -
كِتَاب ١١ - ١٢
وکتبه من فلان إلی فلان ففيه اختلاف بین
العلماء في العنوان وصدر الكتاب، فأكثرهم
یری أن یبتدىء بنفسه، لأن ذلك عنده هو
السنة، كما روى محمد بن سيرين أن العلاء
ابن الحضرمي رضي الله عنه کتب إلى رسول
الله ﴾ فبدأ بنفسه قال أبو جعفر: وعن نافع
أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول لغلمانه
وولده: إذا کتبتم إلی فلان فلا تبدأوا بي وكان
إذا کتب إلى الأمراء بدأ بنفسه، وروي عن
النبي : ((إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه
إلا إلى والد أو والدة، وإمام يخاف
عقوبته)) (١)، وقال الربيع بن أنس: ما كان
أحد أعظم حرمة من رسول الله ێے، وكان
أصحابه یکتبون إليه فيبدأون بأنفسهم (٢).
وفي القرطبي قال ابن سيرين: قال النبي
**: ((إن أهل فارس إذا كتبوا بدأوا
بعظمائهم، فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه)) (٣)،
(١) حديث: ((إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه ... ))
أخرجه ابن مفلح في الآداب الشرعية (١ / ٣٨٩) ولم يعزه إلى
أي مصدر، ولم نهتد إلى من أخرجه بتمامه، وقوله: ((إذا كتب
أحدكم فليبدأ بنفسه)) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع
الزوائد (٩٩/٨) وقال: ((فيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو
متروك)) .
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٣٨٨ - ٣٩٠، والقرطبي ١٣ / ١٩٢
(٣) حديث: ((إن أهل فارس إذا كتبوا بدأوا بعظمائهم ... ))
أورده القرطبي في تفسيره (١٣ / ١٩٢) ولم يعزه إلى أي مصدر،
ولم نهتد إلى من أخرجه، وأورد ابن عراق في تنزيه الشريعة
(٢ / ٢٩٥) بلفظ: ((إن العجم يبدأون بكبارهم إذا كتبوا إليهم
فإذا كتب أحدكم إلى أخيه فليبدأ بنفسه)) وعزاه إلى العقيلي في
الضعفاء، وقال: فيه محمد بن عبدالرحمن القشيري مجهول،=
قال أبو اللیٹ في کتاب البستان: ولو بدأ
بالمكتوب إليه جاز، لأن الأمة قد اجتمعت
عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك،أو نسخ
ماکان من قبل.
فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب
إليه ثم بنفسه لأن البداية بنفسه تعد منه
استخفافا بالمكتوب إليه إلا أن يكتب إلى
غلام من غلمانه (١).
ثانیا : الکتاب بمعنی الوثیقة والعهد :
١٢ - أمر الله سبحانه وتعالى بتوثيق
المعاملات التى تجرى بين الناس في قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّىَ فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، وقد وثق النبي
* فباع وكتب ومن ذلك: ((هذا ما اشترى
العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله
* اشترى منه عبداً أو أمة لا داءً ولا غائلة
ولاخِبْثَةَ، بيع المسلم من المسلم)) (٣).
وأمر النبي ويه بالكتاب في الصلح فيما
بينه وبين المشركين (٤)
= وحديثه منكر ولا يتابع عليه .
(١) القرطبي ١٣ / ١٩٢ - ١٩٣
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢
(٣) حديث: ((كتاب النبيل: هذا ما اشترى العداء بن
خالد ... )
أخرجه الترمذي (٣/ ٥١١) وحسنه.
(٤) المبسوط ٣٠/ ١٦٨ - ١٦٩، والتبصرة بهامش فتح العلي
١ / ٢٧، والبهجة على التحفة ١ / ١١
- ١٨٠ -