Indexed OCR Text

Pages 321-340

قضاء ٦١ - ٦٣
للمسلمين ووكيلهم، وخطأ الوكيل في حق
موكله عليه، ولأن خطأ القاضي يكثر لكثرة
تصرفاته وحكوماته .
والرواية الثانية: هي على عاقلته مخففة
مؤجلة .
وإذا حكم القاضي بمال بموجب شهادة
اثنین ثم بان أنه لا تقبل شهادتهما فينقض
الحکم ویرد المال إن کان قائما وعوضه إن كان
تالفاً، فإن تعذر ذلك فعلى القاضي ضمانه،
ثم يرجع على المشهود له، وعن أحمد رواية
أخری: لا ینقض حکمه إذا كان الشاهدان
فاسقين ويغرم الشهود المال (١).
وقالوا : إن بان خطأ القاضي في حکمه -
في إتلاف - بمخالفة دليل قاطع لا يحتمل
التأويل ضمن القاضي ما تلف بسببه (٢).
انتهاء ولاية القاضي :
٦٢ - تنتهي ولاية القاضي بعزله عند من یری
صحة عزله، أو اعتزاله القضاء من تلقاء
نفسه، أو بموته.
واتفق الفقهاء على أن القاضي لا ينعزل
بعزل الإِمام ولا بموته، وعلل الحنفية ذلك
بأن القاضي يخرج من القضاء بكل ما يخرج
به الوكيل عن الوكالة، لا يختلفان إلا في شيء
(١) المغني لابن قدامة ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٧
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٥٠٢ .
واحد وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل
الوكيل، والخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل
قضاته وولاته، ووجه الفرق: أن الوكيل
يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه وقد
بطلت أهلية الولاية فينعزل الوكيل، والقاضي
لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه، بل بولاية
المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الخليفة بمنزلة
الرسول عنهم لهذا لم تلحقه العهدة، وولاية
المسلمين - بعد موت الخليفة - باقية، فيبقى
القاضي على ولايته .
وعلل المالكية والشافعية والحنابلة ذلك
بأن القاضي ليس نائباً عن الإِمام فلا ينعزل
بموته، ولأن الإِمام يستنيب القضاة في حقوق
المسلمين فلم ينعزلوا، ولأن الخلفاء رضي الله
عنهم ولّوا حكاماً في زمنهم فلم ينعزلوا
بموتهم، ولأن في عزله بموت الإِمام ضرراً على
المسلمين، فإن البلدان تتعطل من الحكام،
وتقف أحكام الناس، وفيه ضرر عظيم (١) .
عزل القاضى :
٦٣ - لا يختلف الفقهاء في أن لولي الأمر أن
يعزل القاضي إذا ظهر منه خلل كفسق أو
مرض يمنعه من القضاء، أو اختل فيه بعض
(١) بدائع الصنائع ٧/ ١٦، وروضة القضاة ١/ ٣٢، وحاشية
الدسوقي ١٣٣٠/٤، ٠١٣٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٣، والمغني
٩/ ١٠٣، وكشاف القناع ٦/ ٢٥٣
- ٣٢١ -

قضاء ٦٣
شروطه، لكنهم يختلفون في حكم عزله
للقاضي دون موجب، فيرى الحنفية والمالكية
والشافعية وهو قول الحنابلة في أحد الوجهین
أن الإِمام إذا عزل القاضي وقع العزل، لكن
الأولی عدم عزله إلا لعذر، فلو عزله دون عذر
فإنه يتعرض لإِثم عظیم، واستدلوا على جواز
العزل بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه
قال: ((لأعزلن أبا مريم، وأولين رجلا إذا رآه
الفاجر فرقه)) (١)، فعزله عن قضاء البصرة،
وولی کعب بن سوار مکانه، وولي علي رضي
الله عنه أبا الأسود ثم عزله، وقد ذكر
الكاساني أن عزل الإِمام للقاضي ليس بعزل
له حقيقة، بل بعزل العامة لما ذكر من أن
توليته بتولية العامة، والعامة ولوه الاستبدال
دلالة لتعلق مصلحتهم بذلك، فكانت
ولايته منهم معنى في العزل أيضا فهو الفرق
بين العزل والموت، ولا يملك القاضي عزل
نائبه المأذون له في تعیینه لأنه نائب الإِمام،
فلا ينعزل بعزله ما لم يكن الإِمام قد أذن له
باستبدال من يشاء فيملك عزله، ويكون
ذلك عزلاً من الخليفة لا من القاضي.
« وذهب الشافعية إلى أنه إذا ظهر منه خلل
فللإِمام عزله، قال في الوسيط: ويكفي فيه
(١) أثر عمر ((الأعزلن أبا مريم ... ))
أخرجه البيهقي (١٠ / ١٠٨)
غلبة الظن، وإن لم يظهر خلل نظر إن لم
يكن من يصلح للقضاء، لم يجز عزله، ولو
عزله لم ينعزل، وإن كان هناك صالح نظر
إن كان أفضل منه جاز عزله وانعزل
المفضول بالعزل، وإن کان مثله أو دونه،
فإن كان في العزله به مصلحة من تسكين فتنة
ونحوها، فللإِمام عزله به، وإن لم يكن فيه
مصلحة لم يجز، فلو عزله نفذ على الأصح
مراعاة لطاعة السلطان، ومتى كان العزل في
محل النظر، واحتمل أن يكون فيه مصلحة،
فلا اعتراض على الإِمام فيه، ويحكم بنفوذه،
وفي بعض الشروح أن تولية قاض بعد قاض
هل هي عزل للأول؟ وجهان وليكونا مبنيين
على أنه هل يجوز أن يكون في بلد
قاضيان (١)
والوجه الثاني عند الحنابلة أن القاضي لا
ینعزل بعزل الإمام دون موجب لأن عقده کان
مصلحة المسلمين فلا يملك عزله مع سداد
حاله، ونقل القاضي أبو يعلى من الحنابلة
القول بأن الإمام ليس له عزل القاضي ما كان
مقيما على الشرائط لأنه بالولاية يصير ناظراً
(١) بدائع الصنائع ٧/ ١٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٣، ١٣٤،
١٣٧، ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٣، وأدب القضاء لابن أبي الدم
الحموي ص ٩٣، ٩٤، وأدب القاضي للماوردي ١ / ١٨٠،
والمغني لابن قدامة ٩/ ١٠٠، ١٠٣، وكشاف القناع
٦ / ٢٩٣، ٢٩٤، وروضة الطالبين ١١/ ١٢٦
- ٣٢٢ -

قضاء ٦٣ - ٦٤
للمسلمين على سبيل المصلحة لا عن
الإِمام، ويفارق الموكل، فإن له عزل وكيله
لأنه ينظر في حق موكله خاصة (١).
وهل ينعزل القاضي إذا كثرت الشكوى
عليه؟
اختلف العلماء في ذلك إلى ثلاثة
مذاهب :
الأول: وجوب عزله إلا إذا كان متعينا
للقضاء، وهو ما قال به العز بن
عبد السلام (٢).
الثاني: جواز عزله، فإذا حصل ظن
غالب للإِمام بصحة الشکاوی جاز له عزله
وهو رأي الشافعية (٣).
واستدلوا على ذلك بما روي أن النبي
وَله: ((عزل إماما يصلي بقوم بصق في القبلة
وقال: لا يصلي لكم)) (٤).
وجه الاستدلال به هو أنه إذا جاز عزل
إمام الصلاة لخلل جاز عزل القاضي من باب
أولى.
الثالث: التفصيل، وهو رأي المالكية،
إن اشتهر بالعدالة، قال مطرف: لا يجب
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٩
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٨١
(٣) المرجع السابق.
(٤) حديث: ((أن رسول الله عزل إماما ... ))
أخرجه أبو داود (١ / ٣٢٤) من حديث السائب بن خلاد،
وصححه ابن حبان (٤ / ٥١٦)
على الإمام عزله وإن وجد عوضا منه فإن في
عزله إفساداً للناس على قضاتهم، وقال
أصبغ : أحب إليّ أن يعزله وإن كان مشهورا
بالعدالة والرضا إذا وجد منه بدلا، لأن في
ذلك إصلاحا للناس، يعني لما ظهر من
استيلاء القضاة وقهرهم ففي ذلك كف لهم.
وإن کان غیر مشهور فلیعزله إذا وجد بدلا
منه وتضافر عليه الشكية، وإن لم يجد بدلا
منه كشف عن حاله وصحة الشكاوى عليه
بواسطة رجال ثقات يستفسرون عن ذلك من
أهل بلده فإن صدّقوا ذلك عزله، وإن قال
أهل بلده: ما نعلم منه إلا خيراً أبقاه ونظر
في أحكامه الصادرة فما وافق السنة أمضاه،
وما خالف ردَّه وأوّل ذلك بأنه صدر عنه خطأ
لا جورا (١) .
إنکار کونه قاضیا :
٦٤ - وذلك إما أن يقع من القاضي نفسه أو
من الإِمام .
فإن وقع من القاضي ولم يكن تعمده
الغرض من الأغراض أو لحكمة في إخفاء
شخصيته فقد نقل الخطيب الشربيني عن
البحر أنه ينعزل عن القضاء، وإن وقع
الإِنكار من الإِمام لم ينعزل (٢).
(١) تبصرة الحكام ١ / ٦٢
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٨٠
- ٣٢٣ -

قضاء ٦٥ - ٦٧
طروء ما يوجب العزل :
٦٥ - إذا طرأ على القاضي من الأحوال ما
يفقده صفة من الصفات التي لو كان عليها
قبل تعيينه لم يصح أن يتولى الحكم - كالجنون
والخرس والفسق - فهل تبطل ولايته؟ أم لابد
من عزل الإِمام له؟ .
للحنفية والمالكية في ذلك قولان: قول
ينعزل بمجرد طروء ما يوجب العزل وهو
الأصح عند الشافعية.
وقول آخر: لا ينعزل حتى يعزله الإِمام
وهو قول للشافعية أيضا.
وذهب الحنابلة إلى أن ما يمنع التولية
ابتداء كالجنون والفسق يمنعها دواماً.
واستثنى الشافعية من ذلك الأعمى الذي
عاد بصره وقالوا: لا ينعزل لأنه تبين بعودة
بصره أنه لم ينعزل.
وأما غير الأعمى فقد اختلفوا فيه إلى
قولين: الأصح منهما لم تعد ولايته بلا تولية
كالوكالة، لأن الشيء إذا بطل لم ينقلب إلى
الصحة بنفسه .
والقول الثاني: تعود من غير استئناف
تولية .
وقطع السرخسي بعودها في صورة
الإغماء (١).
(١) روضة القضاة ١ / ١٤٨، وبدائع الصنائع ٧ / ١٧١٦،=
نفاذ العزل :
٦٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الإِمام إذا
عزل القاضي فأحكامه نافذة، وقضاياه
ماضية حتى يعلم بالعزل، فعلمه بذلك
شرط لصحة عزله - عند من يقول بجواز
عزله - وذلك لتعلق قضايا الناس وأحكامه به
وما تدعو إليه الضرورة من وجوب نفاذ
أحكامه حتى يصله علم العزل، ولعظم
الضرر في نقض أقضيته (١).
عزل القاضي نفسه :
٦٧ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القاضي
ينعزل إذا عزل نفسه عن القضاء، لأنه وکیل
والوكالة تبطل بعزل الوكيل، وقيد صاحب
الرعاية من الحنابلة ذلك بما إذا كان القاضي
لم يلزم بقبول القضاء (٢).
ويرى المالكية أن القاضي إذا عزل نفسه
اختياراً لا عجزاً ولا لعذر فالظاهر عند
البعض أنه يمكّن من ذلك، لكن ينبغي أن
= وتبصرة الحكام ١ / ٧٨، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٧٣،
ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٠، ٣٨١، والروضة ١١ / ١٢٦، وشرح
منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٥
(١) روضة القضاة ١ / ٣٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٣، ١٣٤،
ونبصرة الحكام ١/ ٧٨، والروضة ١١ / ١٢٦، ومغني المحتاج
٤ / ٣٨٢، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٣، وشرح منتهى الإرادات
٣ /٤٦٤
(٢) روضة القضاة ١ / ١٤٩ وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات
٣/ ٤٦٤، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٤
- ٣٢٤ -

.....
٠٠
قضاء ٦٧ - ٦٨
يلتفت في عزله نفسه إلى النظر فيما إذا كان قد
تعلق لأحد حق بقضائه حتی لا یکون انعزاله
ضرراً لمن التزم القضاء بينه وبين خصمه
فیمنع من ذلك (١).
وقال الماوردي من الشافعية: لا يعتزل
القاضي القضاء إلا لعذر ولو عزل القاضي
نفسه إن تعين عليه لم ينعزل؟ وإن لم يتعين
علیه هل ينعزل فیه وجهان: أُصحھما نعم،
قال النووي: للقاضي أن يعزل نفسه
كالوكيل، ونقل عن الإقناع للماوردي: أنه
إذا عزل نفسه لا ينعزل إلا بعلم من
قلده(٢) .
ما يترتب على موت القاضي وعزله واعتزاله :
٦٨ - تترتب على موت القاضي وعزله واعتزاله
الأمور التالية :
أ - انتهاء ولايته، فلا يجوز له إذا بلغه
الخبر- عند من يقول بصحة عزله - أن ينظر
في شيء من أمور القضاء وكذلك إذا عزل
نفسه، أما أحكامه التي صدرت أثناء ولايته
فهي صحيحة نافذة إذا كانت موثقة في
سجل أو قامت عليها بينة (٣).
(١) تبصرة الحكام ١ / ٧٨ .
(٢) أدب القاضي للماوردي ١ / ١٨٠، أدب القضاء لابن أبي الدم
ص ٩٣، ٩٤، وروضة الطالبين ١١ / ١٢٧
(٣) روضة القضاة للسمناني ١ / ٣٢، ١٥٣، وشرح أدب القاضي
للخصاف ٣/ ١٥٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٢، وشرح منتهى
الإرادات ٣/ ٤٦٤
ب - انعزال كل مأذون له في شغل معين
كبيع على ميت أو غائب وسماع شهادة في
حادثة معينة .
وأما من استخلفه في القضاء ففيه ثلاثة
أوجه، أحدها: ينعزل كالوكيل، والثاني:
لا، للحاجة، وأصحها: ينعزل إن لم يكن
القاضي مأذونا له في الاستخلاف، لأن
الاستخلاف في هذا حاجته، وقد زالت بزوال
ولايته، وإن كان مأذونا له فيه لم ينعزل (١).
ج - نص الشافعية على أن القوّام على
الأيتام والأوقاف لا ينعزلون بموت القاضي
وانعزاله لئلا تتعطل مصالح المسلمين وهو
المذهب خلافا للغزالي الذي جعلهم
كالخلفاء (٢).
د - في حالة عزله أو استقالته لا يقبل قوله
إنني كنت قد حكمت لفلان بكذا إلا إذا
قامت بذلك بينة، والصحيح أنه لا تقبل
شهادته بذلك مع آخر لأنه يشهد على فعل
نفسه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية
والشافعية، أما الحنابلة فیرون قبول قوله لأن
القاضي أخبر بما حكم به وهو غير متهم
فيجب قبوله كحال ولايته (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٢٤، وحاشية الدسوقي ٤/ ١٣٣،
وتبصرة الحكام ١ / ٤٣، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٤،
ومغني المحتاج ٤/ ٣٨٣
(٢) روضة الطالبين ١١ / ١٢٧
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٥ / ٤٦٣، وروضة القضاة ١ / ١٥٥،=
- ٣٢٥ -

قضاء ٦٨ - ٧٠
هـ - أن يقوم القاضي الذي عزل أو اعتزل
بتسلیم ما تحت يده من سجلات ومحاضر
وصكوك وودائع وأموال للأيتام، لأن ذلك
کان في يده بحكم عمله، فلزم تسليمها
للقاضي المعين بدلا عنه (١).
ثانيا: المقضي به :
٦٩ - يتعين على القاضي أن يحكم بما في
كتاب الله تعالى من الأحكام التي لم تنسخ،
فإن لم يجد فبسنة رسول الله محمد بَّر، فإن
لم يجد قضى بالإِجماع، فإن لم يجد شيئا من
ذلك، فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد
قاسه على ما يشبهه من الأحكام واجتهد رأيه
وتحری الصواب ثم قضی برأيه، وإن لم يكن
من أهل الاجتهاد فعليه أن يستفتي في ذلك
فيأخذ بفتوى المفتي (٢)، ولا يقضي بغير
علم، ولا يستحيي من السؤال لئلا يلحقه
الوعيد المذكور في قوله تع الى: ((القضاة ثلاثة:
قاضيان في النار وقاض في الجنة ... )) (٣).
وتفصيل ذلك في (الملحق الأصولي).
= وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٣، وتبصرة الحكام لابن فرحون
١ / ٧٧، والروضة للنووي ١١ / ١٢٧، ١٢٨، وشرح منتهى
الإرادات ٣ / ٤٨٠، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٠١، ١٠٢
(١) شرح أدب القاضي لابن مازه ١ / ٢٥٨ وما بعدها، وفتح القدير
٥/ ٤٦٢، وروضة القضاة ١ / ١١٢،١١١
(٢) معين الحكام ص ٢٨، ٢٩، وتبصرة الحكام ١ / ٥٦، ٥٧،
پالمغني لابن قدامة ٩/ ٥٠
(٣) تقدم تخريجه ف / ١٦
وأما ما يقع القضاء به من الأمور كالبينة
وعلم القاضي والإِقرار واليمين فتنظر في
مصطلحاتها ومصطلح (إثبات ف ٤ وما
بعدها) .
ثالثا: المقضي له :
٧٠ - لا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه ولو
رضي خصمه بذلك، فإن حكم على نفسه
فیکون کالإِقرار منه بما ادعی خصمه علیه،
ولا يحكم لشريكه في المشترك (١).
ويجوز أن يحكم للإِمام الذي قلده، أو
یحکم عليه، فقد قلد علي بن أبي طالب رضي
الله عنه شريحاً وخاصم عنده، لأن القاضي
نائب عن جماعة المسلمين وليس نائبا عن
الإمام .
ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له،
لأن مبنى القضاء على الشهادة، ولا يصح
شاهداً لمن لا تقبل شهادته له، فلا يصح
قاضيا له لمكان التهمة، ويجوز أن يقضي
عليهم لأنه لو شهد عليهم لجاز فكذا
القضاء، ولا ينفذ قضاؤه لوالده وإن علا ولا
لولده وإن سفل وهو ما ذهب إليه الحنفية
والشافعية والحنابلة، وخالف أبو يوسف من
الحنفية والمزني وأبو ثور من الشافعية وأبو بكر
(١) تبصرة الحكام ١ / ٨٢، ومعين الحكام ص ٣٩، ومغني المحتاج
٤/ ٣٩٣ .
- ٣٢٦ -

قضاء ٧٠ - ٧١
من الحنابلة فقالوا: ينفذ حكمه لأنه حكم
لغيره فأشبه الأجانب، واتفق الفقهاء على أنه
يحكم لعدوه ولا يحكم عليه فيما عدا الماوردي
من الشافعية فقد جوزه.
ويرى الشافعية أن وصيَّ اليتيم إذا وُلِّي
القضاء فالمشهور أنه لا يقضي له كولده، وقال
القفال: يقضي له، لأن كل قاض ولي
الأيتام، وهذا هو الصحيح عند متأخري
الأصحاب وعليه العمل.
وقال الحنفية : لا يجوز قضاؤه لامرأته وأمها
وإن كانتا قد ماتتا إذا كانت امرأته ترث من
ذلك شيئا، ولا لأجيره الخاص ومن يتعيش
بنفقته .
وفي قضاء القاضي لأقاربه الذين لا تجوز
شهادته لهم أربعة أقوال عند المالكية: المنع
لمحمد ومطرف، والجواز لأصبغ، في حالة ما
إذا كان القاضي من أهل القيام بالحق،
واستثنى من الجواز الزوجة وولده الصغير
ویتیمه الذي يلي ماله، وعند ابن يونس لا
يحكم لعمه إلا أن يكون مبرزاً في العدالة،
والرابع التفرقة، فإن قال: ثبت عندي لم يجز،
وإن حضر الشهود وكانت الشهادة ظاهرة
جاز إلا لزوجته وولده الصغير ويتيمه، وعند
ابن يونس كذلك لا ينبغي للقاضي أن یحکم
بين أحد من عشيرته وبين خصمه (١).
رابعا: المقضي فيه :
٧١ - وهو جميع الحقوق، وهي أربعة أقسام:
حق الله تعالى المحض كحد الزنى أو الخمر،
وحق العبد المحض، وهو ظاهر، وما فيه
الحقان وغلب فيه حق الله تعالى كحد القذف
أو السرقة، أو غلب فيه حق العبد
كالقصاص والتعزير، فيكون للقاضي النظر
في تلك الحقوق، وقال بعض الفقهاء:
للقاضي النظر في جميع الأشياء إلا في قبض
الخراج، وقال القاضي ابن سهل: يختص
القاضي بوجوه لا يشاركه فيها غيره من الحكام
وهي النظر في الوصايا والأحباس والترشيد
والتحجير والتسفيه والقسم والمواريث والنظر
للأيتام، والنظر في أموال الغائب والنظر في
الأنساب والجراحات وما أشبهها والإِثبات
والتسجيل (٢)، ولا يخل ذلك بأن للإِمام حق
تقييد القاضي زمانا أو مكانا أو موضوعا كما
سبق في (سلطة القاضي واختصاصه
ف ٢٦) .
(١) تبصرة الحكام ١ / ٦٥ ط. دار الكتب العلمية. وأدب القضاء
لابن أبي الدم ص ١٩٥، والروضة ١١ / ١٤٥، ١٤٦، والمغني
لابن قدامة ٩/ ١٠٧، وكشاف القناع ٦/ ٣٢٠، ومعين
الحكام ص ٣٩، ومجلة الأحكام العدلية المادة ١٨٠٨
(٢) ابن عابدين ٣٥٣/٥، ومعين الحكام ص ٤٠، وتبصرة
الحكام ٦٦/١.
- ٣٢٧ -

قضاء ٧٢ - ٧٣
خامسا: المقضي عليه :
٧٢ - المقضي عليه هو كل من توجه عليه
الحق بحكم القاضي، وقد اتفق الفقهاء على
أن الحاضر في البلد أو القريب منه إذا لم يمنع
من الحضور لا يقضى عليه في غيابه، لأنه
أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله
كحاضر مجلس الحاكم.
والتفصیل في (دعوی ف ٥٩ - ٦١) .
واختلفوا في جواز القضاء على الغائب
فقال جمهور الفقهاء بجوازه بشروط، ومنعه
الحنفية، وهذا في الجملة، وللمذاهب في
ذلك تفصیل نذكره فيما يلي :
أ - القضاء على الغائب في الحقوق المالية :
٧٣ - قال الحنفية: لا يقضى على غائب ولا
له إلا بحضور نائبه حقيقة أو شرعاً (١).
قال ابن عابدين: لا يقضى على غائب
أي بالبيئة، سواء أكان غائبا وقت الشهادة أم
بعدها وبعد التزكية، وسواء أكان غائبا عن
المجلس أم عن البلد.
أما إذا أقر عند القاضي فيقضي عليه وهو
غائب، لأن له أن يطعن في البيّنة دون
الإِقرار، ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة،
وإذا أنفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي
(١) الدر المختار بهامش رد المحتار ٤ / ٣٣٥، ٣٣٦
حقه عيناً كان أو دينا أو عقاراً إلا أنه في الدين
یسلم إلیه جنس حقه إذا وجد في يد من
يكون مقرًّا بأنه مال الغائب المقر، ولا يبيع في
ذلك العرض والعقار، لأن البيع قضاء على
الغائب فلا يجوز (١).
ومثله ماورد في مجلة الأحكام العدلية من
أنه يشترط حضور الخصمين حين
الحكم ... ولكن لو ادعى واحد على الآخر
شيئاً فأقر به المدعى عليه، ثم غاب عن
المجلس قبل الحكم كان للحاكم أن يحكم
في غيابه بناءً على إقراره (٢).
واستثنوا من عدم جواز الحكم على
الغائب ما إذا كان نائبه حاضراً فيقوم مقام
الغائب، والنائب إما أن يكون حقيقة كوكيله
ووصيه ومتولي الوقف ونحو ذلك كأحد الورثة
فينتصب خصماً عن الباقين وكذا أحد
الشريكين في الدين كما ذكره الحصكفي (٣).
وکما یصح الحكم على الغائب في حضور
نائبه حقيقة يصح في حضور نائبه شرعا
کوصي نصبه القاضي، أو حكماً بأن یکون ما
يدعى على الغائب سبباً لما يدعى على
الحاضر، كما إذا برهن على ذي اليد أنه
اشترى الدار من فلان الغائب فحكم الحاكم
(١) رد المحتار ٤ / ٣٣٥، ٣٣٦
(٢) المادة (١٨٣٠)
(٣) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٤ / ٣٣٦
- ٣٢٨ -

قضاء ٧٣
على ذي اليد الحاضر كان ذلك حكماً على
الغائب أيضا (١).
وصرحوا بأن للحاكم أن يحكم على
المدعى عليه بالبينة التي أقيمت في مواجهة
وكيله إذا حضر بعد ذلك مجلس الحكم
بنفسه، وكذا لو كان الأمر بالعكس (٢).
وأجاز المالكية الحكم على الغائب البعيد
جداً بعد سماع البيئة وتزكيتها، وذلك بيمين
القضاء من المدعي، أما قريب الغيبة
فكالحاضر عندهم، قال الدردير: وقریب
الغيبة كاليومين والثلاثة مع الأمن حكمه
كالحاضر في سماع الدعوى عليه والبينة،
والغائب البعيد جداً يقضى عليه في كل شيء
بعد سماع البينة وتزكيتها بيمين القضاء من
المدعي : أن حقه هذا ثابت على المدعى عليه
وأنه ما أبرأه، ولا وكل الغائب من يقضيه
عنه، ولا أحاله به على أحد في الكل ولا
البعض (٣) .
والعشرة الأيام مع الأمن واليومان مع
الخوف كذلك، أي يقضى عليه فيها مع
يمين القضاء فى غير استحقاق العقار، وأما
في دعوى استحقاق العقار فلا یقضی به بل
تؤخر الدعوى حتى يقدم لقوة المشاحة في
(١) الدر المختار بهامش رد المحتار ٤/ ٣٣٦، ٣٣٧
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٨٣١)
(٣) الشرح الصغير ٤ / ٢٣١
العقار، ويمين القضاء واجبة في المذهب
عندهم لا يتم الحكم إلا بها (١).
وقال الشافعية: القضاء على الغائب جائز
إن كان للمدعي بينة وادعى جحوده، فإن
قال: ھو۔ أي الغائب - مقرّ لم تسمع بینته،
وإن أطلق فالأصح أنها تسمع لأنه قد لا
يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى إثبات حقه
فتجعل غیبته کسکوته، والثاني لا تسمع لأن
البيئة إنما يحتاج إليها عند الجحود.
ويجب على القاضي أن يحلفه بعد البينة:
أن الحق ثابت في ذمته، وقیل یستحب، ولو.
ادعى وكيل على غائب فلا تحلیف على
الوكيل بل يحكم بالبينة ويعطى المال المدعى
به إن کان للمدعى عليه هناك مال (٢).
ثم قالوا: الغائب الذي تسمع البينة عليه
ويحكم عليه من هو بمسافة بعيدة، وهي التي
لا یرجع منها مبکرا إلى موضعه ليلاً، وقيل:
مسافة قصر، وأما من هو بمسافة قريبة
فكحاضر لا تسمع بينته عليه ولا يحكم عليه
بغير حضوره إلا لتواريه أو تعززه، وعجز
القاضي عن إحضاره فيحكم عليه بغير
حضوره (٣).
وصرح الحنابلة بأنه من ادعى حقا على
(١) نفس المرجع ٤/ ٢٣٣
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٠٦ - ٤٠٨
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤١٤، ٤١٥
- ٣٢٩ -

قضاء ٧٣ - ٧٤
غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع
البينة والحكم بها عليه فعلى الحاكم إجابته إذا
كملت الشرائط وذلك في حقوق الآدميين
لحديث زوجة أبي سفيان قالت: يارسول الله
إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من
النفقة ما يكفيني وولدي فقال: «خذي ما
يكفيك وولدك بالمعروف)) (١)، فقضى لها ولم
يكن أبو سفيان حاضراً (٢).
وقالوا: إن قدم الغائب قبل الحكم وقف
الحكم على حضوره، فإن خرج الشهود لم
يحكم عليه، ولا يلزم المدعي أن يحلف مع
بينته الثابتة أن حقه باق، والاحتياط تحلیفه،
وإذا قضى على الغائب بعين سلمت إلى
المدعي، وإن قضی علیه بدین ووجد له مال
وفى منه، قال ابن قدامة : ويحتمل أن لا يدفع
إليه شيء حتى يقيم كفيلا أنه متى حضر
خصمه وأبطل دعواه فعليه ضمان ما أخذه (٣)
ب - القضاء على الغائب في الحدود
والقصاص:
-
٧٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز
(١) حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٥٠٧)، ومسلم
(٣/ ١٣٣٨) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
(٢) كشاف القناع ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٥، والمغني لابن قدامة
٩/ ١٠٩
(٣) المغني ٩/ ١١٠، ١١١، وكشاف القناع ٦/ ٣٥٤
الحكم على الغائب في الحدود على الرغم من
قول بعضهم بجواز ذلك في غير الحدود.
وعلل الحنفية عدم جواز القضاء على
الغائب في الحدود والقصاص بأنهما لا يثبتان
إلا بالإِقرار أو الشهادة، ولا عبرة بالإِقرار
خارج مجلس القضاء، ولا تجوز الشهادة على
الغائب في الحدود والقصاص، حتى إن
الطرفین ۔ أبا حنيفة ومحمدا ۔ اشترطا حضور
الشهود في استيفاء بعض الحدود والبداية
منهم أيضاً كحد الرجم احتياطًا في درء الحد،
فإذا غاب الشهود أو غاب أحدهم سقط
الحد في ظاهر الرواية، ولأن الشهود إذا بدأوا
بالرجم ربما استعظموا فعله فحملهم ذلك
على الرجوع عن الشهادة فيسقط الحد عن
المشهود علیه (١).
وأجاز الشافعية في الأظهر عندهم القضاء
على غائب في قصاص وحد قذف لأنه حق
آدمي فأشبه المال، ومنعوه في حد لله تعالى أو
تعزير له، لأن حق الله تعالى مبني على
المسامحة والدرء، لاستغنائه تعالى، بخلاف
حق الآدمي (٢).
القول الثاني عندهم المنع مطلقاً، لأن
ذلك یسعی في دفعه ولا يوسع بابه، والقول
(١) البدائع ٧ / ٥٨، وابن عابدين ٣/ ١٤٥، ١٤٦، وفتح القدير
٤/ ١٢٣
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤١٥
- ٣٣٠ -

قضاء ٧٤ - ٧٨
الثالث الجواز مطلقاً كالأموال وما اجتمع فيه
حق لله تعالى ولآدمي (١).
أما الحنابلة فقالوا: لا يقضى على الغائب
في حق الله تعالى كالزنا والسرقة لكن يقضى
في السرقة بالمال فقط لأنه حق آدمي (٢) .
سادسا: الحكم :
٧٥ - الحكم: هو عبارة عن قطع الحاكم
المخاصمة وحسمه إياها (٣). وعرفه المالكية
بأنه: فصل الخصومة (٤)، وفي تعريف آخر:
الإِعلام على وجه الإلزام (٥).
وعرفه الحنابلة بأنه: إنشاء للإِلزام
الشرعي وفصل الخصومات (٦).
اشتراط سبق الدعوى للحكم :
٧٦ - يشترط لصحة الحكم أن تتقدمه دعوى
صحيحة خاصة فيما يتعلق بحقوق
الناس (٧)، قال الحنفية: إن الحكم القولي
يحتاج إلى الدعوى، والحكم الفعلي لا
يحتاج، وقيل: إن الفعلي لا یکون حكما،
(١) نفس المرجع
(٢) المغني لابن قدامة ٩/ ١١٠، ١١١، وكشاف القناع
٣٥٤/٦
(٣) المادة (١٧٨٦) من المجلة.
(٤) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لعلي بن
خلف المنوفي ٤ / ١٠٩ مطبعة المدني ١٩٨٩ .
(٥) الشرح الصغير ٤ / ١٨٧
(٦) كشاف القناع ٦ / ٢٨٥
(٧) المادة (١٨٢٩) من المجلة.
بدليل ثبوت خيار البلوغ للصغير والصغيرة
بتزويج القاضي على الأصح.
ولا تشترط الدعوى والخصومة في القضاء
الضمني، فإذا شهدا على خصم بحق وذکرا
اسمه واسم أبيه وجده، وقضى بذلك الحق
كان قضاء بنسبه ضمناً، وإن لم يكن في
حادثة النسب (١).
سيرة القاضي في الأحكام:
٧٧ - يلزم القاضي أن لا يحكم في القضية
حتى لا يبقى له شك في فهمه لموضوعها،
فإذا أشكل عليه أمر تركه، وقال بعضهم : لا
بأس أن يأمر فيه بصلح، فإذا تبين له وجه
الحكم فلا يعدل إلى الصلح ويقضي بما يجب
عليه القضاء به، فإن خشي من تفاقم الأمر
بإنفاذ الحكم بين المتخاصمين أو كانا من
أهل الفضل أو بينهما رحم أقامهما وأمرهما
بالصلح، قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: ردوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى
بصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث
الضغائن (٢).
استشارة الفقهاء :
٧٨ - يرى الفقهاء أنه عند اختلاف وجوه
(١) ابن عابدين ٥/ ٤٢٤
(٢) تبصرة الحكام ١/ ٣٧ - ٣٩، ومعين الحكام ص ٢١، وبدائع
الصنائع ٧ / ١٣
- ٣٣١ -

قضاء ٧٨
النظر وتعارض الأدلة في حکم، یندب.
للقاضي أن يشاور الفقهاء لقوله تعالى:
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمِِّ﴾ (١) ، قال الحسن
البصري: كان النبي ◌َلّ مستغنيا عنها،
ولکن أراد أن تصير سنة للحكام، وروي «ما
رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول
الله وَلَه)) (٢)، وقد شاور أبو بكر رضي الله
عنه الناس في ميراث الجدة، وشاور عمر
رضي الله عنه في دية الجنين، وشاور الصحابة
رضي الله عنهم في حدّ الخمر، وروي أنّ عمر
رضي الله عنه كان يكون عنده جماعة من
أصحاب رسول الله منهم عثمان وعلي
وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي
الله عنهم، إذا نزل به الأمر شاورهم فيه،
ونقل ابن قدامة أنه لا مخالف في استحباب
ذلك وإذا كان الحكم معلوماً بنص أو إجماع
" أو قياس جلي لم يحتج القاضي إلى رأي غيره .
قال القاضي حسين من الشافعية: إذا
أشكل الحكم فالمشاورة واجبة وإلا
فمستحبة .
ولا ينبغي أن يشاورهم بحضرة الناس،
لأن ذلك يذهب بمهابة المجلس والناس
(١) سورة آل عمران / ١٥٩
(٢) حديث: ((ما رأيت أحداً أكثر مشاورة .. ))
أخرجه ابن حبان من قول الزهري وهو منقطع.
(الإحسان ١١ / ٢١٧)
يتهمونه بالجهل، ولكن يقيم الناس عن
المجلس ثم يشاورهم، وإذا كان القاضي
يدخله حصر بإجلاسهم عنده ويعجزه
الكلام بين أيديهم فلا يجلسهم، بل يبعث
إليهم ويسألهم إذا أشكل عليه شيء من
أحكام الحوادث (١).
والأمر الذي يؤمر بالمشاورة فيه هو النوازل
الحادثة التي لم يتقدم فيها قول لمتبوع، أو ما
اختلف فيه العلماء من مسائل الاجتهاد،
ليتنبه بمذاكرتهم ومناظرتهم على ما يجوز أن
يخفى عليه، حتى يستوضح بهم طريق
الاجتهاد، فيحكم باجتهاده دون
اجتهادهم، فإن لم یشاور وحکم نفذ حکمه
إذا لم يخالف فيه نصا أو إجماعا أو قياساً جليًا
غير محتمل.
ويشترط فيمن يشاوره القاضي : أن يكون
أمينا عالماً بالكتاب والسنة، والآثار، وأقاويل
الناس والقیاس ولسان العرب، کما نص عليه
الإِمام الشافعي .
وعلى هذا فكل من صح أن يفتي في
الشرع جاز أن يشاوره القاضي في الأحكام
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩١، وتبصرة الحكام ١ / ٣٧، ٣٨،
وبدائع الصنائع ٧/ ١١، ١٢، وشرح منتهى الإرادات
٣/ ٤٧٠، والشرح الصغير ٤ / ١٩٥، والمغني لابن قدامة
٩ / ٥١، وروضة القضاة للسمناني ١/ ١٠٧، والمبسوط
١٦ / ٧٩
- ٣٣٢ -

قضاء ٧٨ - ٨٠
فتعتبر فيه شروط المفتي ولا تعتبر فيه شروط
القاضي (١).
ولمعرفة الشروط المعتبرة في المفتي ينظر
مصطلح (فتوى ف ١١ - ٢٠) .
صيغة الحكم :
٧٩ - لا يشترط جمهور الفقهاء ألفاظا
مخصوصة وصیغا معینة للحکم بل کل ما دل
على الإِلزام فهو حكم، كقوله: ملكت
المدعي الدار المحدودة، أو فسخت هذا
العقد، أو أبطلته أو رددته، ونحو ذلك من
الألفاظ الدالة على نفي أو إثبات بعد حصول
ما يجب في شأن الحكم من تقدم دعوى
صحيحة (٢).
وذهب شمس الإِسلام محمود الأوزجندي
من الحنفية إلى أنه لابد أن يقول القاضي:
قضيت أو حكمت أو أنفذت عليك
القضاء، لكن الصحيح عند الحنفية هو ما
يقول به جمهور الفقهاء وأن قول القاضي:
حكمت أو قضيت ليس بشرط (٣)
وذهب الشافعية إلى أن صيغة الحكم
الصحيح: حكمت أو قضيت بكذا، أو
(١) أدب القاضي للماوردي ١/ ٢٦١ - ٢٦٤
(٢) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٢٧، والشرح الصغير ٤ / ٢٢٧،
والدسوقي ٤ / ١٥٦، ١٥٧، وكشاف القناع ٦/ ٣٢٢،
والمغني ٩/ ٧٥
(٣) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٢٧
أنفذت الحكم به، أو ألزمت الخصم به (١).
واختلف الفقهاء فيما إذا قال القاضي :
ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا وكذا، هل
يكون حكما؟ فذهب المالكية في أحد القولين
والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أنه لا
يعد حكماً، لأنه ليس بإلزام، والحكم إلزام .
وذهب أبو عاصم العامري وهو اختيار
شمس الأئمة الحلواني واختيار الصدر
الشهيد - من الحنفية - وفي الخانية وعليه
الفتوى إلى أن القاضي إذا قال: ثبت
عندي، یکفي، وکذا: ظھر عندي أو صح
عندي، أو قال: علمت، فهذا كله
حكم (٢) .
وقال المالكية: إذا سئل القاضي عن
حكم فأفتى بأنه لايجوز أو لا يصح فلا يكون
إفتاؤه حكما يرفع الخلاف، لأن الإِفتاء إخبار
بالحكم لا إلزام، أما إذا حكم بفسخ أو
إمضاء فيكون حكما (٣).
سجل الحكم :
٨٠ - إذا انتهى القاضي من نظر الدعوى
وأصدر حکمه، فيسن له أن یکتب حکمه في
سجل من نسختین یبین فیه ما وقع بين ذي
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٥/ ٣٥٠
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢٧، ومعين الحكام ص ٥٠
. (٣) الشرح الصغير ٤ / ٢٢٧، والدسوقي ٤ / ١٥٧
- ٣٣٣ -

قضاء ٨٠ - ٨٢
الحق وخصمه، ومستند الدعوى من الأدلة
وما حكم به القاضي فيها، وتسلم إحدى
النسخ للمحكوم له والأخرى تحفظ بديوان
الحكم مختومة مكتوبا عليها اسم كل من
الخصمین، وذلك دون طلب (١)، فإن طلب
الخصم أن يسجل له الحكم، فيجب على
القاضي إجابته (٢)، وتفصيل أحكام السجل
وما يتعلق به ينظر في مصطلح (سجل ف ٨
وما بعدها).
أنواع الحكم :
٨١ - يتحقق الحكم إما بقول يصدر عن
القاضي بعد نظر الدعوى كقوله: ألزمت أو
قضیت بکذا، وإما بفعل يصدر منه کتزویج
اليتيمة الصغيرة، وذلك عند من يقول بأن
فعل القاضي حكم، إذ يرى بعض الفقهاء
أن أفعال القاضي من قبيل أعمال التوثيق لأنه
لا یشترط سبق دعوى.
وإذا أصدر القاضي حكمه فهو إما أن
يحكم بصحة التصرف في العين موضوع
النزاع أو يحكم بالموجب، وقد يكون قضاؤه
بالاستحقاق أو بالترك، وقد يكون الحكم
قصديا أو تضمنيا، وتفصيل هذه الأنواع فيما
يلي :
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٥١، والمادة / ١٨٢٧ من
مجلة الأحكام العدلية
(٢) المغني ٩/ ٧٥
أ - الحكم بالصحة وبالموجب:
٨٢ - عرف سراج الدين البلقيني الشافعي
الحكم بالصحة بأنه: عبارة عن قضاء من له
ذلك في أمر قابل لقضائه ثبت عنده وجوده
بشرائطه الممكن ثبوتها أن ذلك الأمر صدر
من أهله في محله على وجهه المعتبر عنده في
ذلك شرعا، ومعنی صحته، کونه بحیث
تترتب آثاره علیه .
والحكم بالصحة يستدعي ثلاثة أشياء :
أهلية التصرف، وصحة صيغته، وكون
تصرفه في محله، ولذلك اشترط فيه ثبوت
الملك والحيازة .
وعرف البلقيني الحكم بالموجب بأنه:
قضاء المتولي بأمر ثبت عنده بالإلزام، بما
يترتب على ذلك الأمر خاصًّا أو عامًا على
الوجه المعتبر عنده في ذلك شرعا .
والحكم بالموجب يستدعي شيئين: أهلية
التصرف، وصحة صيغته فيحكم
بموجبهما (١)
.
وتوجد فروق بين الحكم بالصحة والحكم
بالموجب مختلف فيها بين الفقهاء، منها: أن
الحكم بالصحة منصب إلى نفاذ العقد
الصادر من بيع أو وقف ونحوهما، والحكم
(١) تبصرة الحكام ١/ ١٠٢ - ١٠٤، ومعين الحكام ص ٤٩،
٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٥ .
- ٣٣٤ -

قضاء ٨٢
بالموجب منصب إلی ثبوت صدور ذلك
الشيء، والحكم على من صدر منه بموجب
ما صدر منه، ولا يستدعي ثبوت أنه مالك
مثلا إلى حين البيع أو الوقف ولا بقية ما ذكر
فیما یعتبر في الحكم بالصحة، وقد توسع
بعض الفقهاء - مع اختلاف بينهم - في
تعداد تلك الفروق وإيراد الأمثلة عليها،
ولمزيد من التفصيل يرجع إلى مصادرهم (١).
والحكم بالصحة أعلى درجات الحكم
عند الحنفية والمالكية (٢)، أما إذا كان الحكم
بالموجب مستوفيا لما يعتبر في الحكم بالصحة
كان أقوى لوجود الإلزام فيه وتضمنه الحكم
بالصحة، وقد يتضمن الحكم بالموجب
الحكم بالصحة، مثال ذلك: إذا شهدت
عنده الشهود بأن هذا وقف وذكروا المصرف
على وجه معين، فحكم القاضي بموجب
شهادتهم، كان ذلك الحكم متضمنا للحكم
بالصحة والحكم بالموجب.
وعند المالكية لا يجوز للقاضي أن يحكم
بالموجب إلا بعد أن يستوفي الشروط المطلوبة
في الحكم بالصحة (٣)، ویری ابن عابدين
أن المراد بالموجب الذي لا يصح به الحكم هو
(١) التبصرة ١ / ١٠٦، ومعين الحكام ص ٥٠، ٥١، وشرح
منتهى الإرادات ٣/ ٤٧٥، ٤٧٦
(٢) التبصرة ١ / ١٠٣، ومعين الحكام ص ٤٩
(٣) التبصرة ١ / ١٠٨، ١٠٩، ومعين الحكام ص ٥٣، ٥٤ .
ما ليس من مقتضيات العقد فالبيع الصحيح
مقتضاه خروج المبيع عن ملك البائع،
ودخوله في ملك المشتري، واستحقاق
التسليم والتسلم في كل من الثمن والمثمن
ونحو ذلك، فإن هذه وإن كانت من موجباته
لكنها مقتضيات لازمة له، فيكون الحكم به
حكما بها بخلاف ثبوت الشفعة فيه للخليط
أو للجار مثلا، فإن العقد لايقتضي ذلك أي
لا يستلزمه، فكم من بيع لا تطلب فيه
الشفعة، فهذا يسمى موجب البيع، ولا
یسمی مقتضى (١).
وقد ذهب الشافعية إلى أن الحكم أنواع
ستة :
الحكم بصحة العقد كالبيع مثلاً،
والحكم بموجبه، والحكم بموجب ما ثبت
عنده، والحكم بموجب ما قامت به البينة
عنده، والحكم بموجب ما أشهد به على
نفسه، والحكم بثبوت ما شهدت به البينة،
وأدنى هذه الأنواع الأخير، لأنه لا يزيد على
أن يكون حكما بتعديل البيئة، وفائدته عدم
احتياج حاكم آخر إلى النظر فيها، وأعلاها
الحكم بالصحة أو بالموجب وليس أحدهما
أعلى من الآخر، بل يختلف ذلك باختلاف
الأشياء ففي شيء منها يكون الحكم بالصحة
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٩٧.
- ٣٣٥ -

قضاء ٨٢ - ٨٣
أعلى من الحكم بالموجب. وفي شيء يكون
الأمر بالعكس، وفي الغالب أن الحكم
بالصحة يستلزم الحكم بالموجب وعكسه،
ولیس ذلك دائما فقد یتجرد کل منهما عن
الآخر، مثال تجرد الصحة: البيع بشرط
الخيار، فإنه صحيح ولم يترتب عليه أثره،
فیحکم فيه بالصحة ولا يحكم فيه بالموجب.
ومثال تجرد الموجب: الخلع على نحو خمر فإنه
فاسد ویترتب علیه أثره من البینونة ولزوم مھر
المثل فيحكم فيه بالموجب دون الصحة،
وكذا الربا والسرقة ونحوهما يحكم فيه بالموجب
دون الصحة (١).
وقال الحنابلة: الحكم بالصحة يستلزم
ثبوت الملك والحيازة قطعا، والحكم
بالموجَب ـ بفتح الجيم - حكم بموجب
الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها كالإِقرار،
فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة
العقد المدعى به من نحو بيع أو إجارة يكون
الحكم فيها بالموجب حكم بالصحة لأنها من
موجبه كسائر آثاره فيكون الحكم بالموجب
حينئذ أقوى مطلقا لسعته وتناوله الصحة
وآثارها، والدعوى غير المشتملة على ذلك أي
ما يقتضي صحة العقد المدعى به کان ادعی
أنه باعه العين فقط يكون الحكم فيها
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٤، ٣٩٥
بالموجب ليس حكما بالصحة إذ موجب
الدعوى حينئذ حصول صورة بيع بینهما دون
أن تشتمل على ما يقتضي صحة البيع حيث
لم يذكر أن العين كانت ملكا للبائع ولم تقم
به بينة، وصحة العقد تتوقف على ذلك (١).
ب - قضاء الاستحقاق والترك :
٨٣ - المدعي إما أن يظهر محقا في دعواه أو
مبطلا، فإذا ظهر محقا يقضى له بقضاء
الاستحقاق، وإذا ظهر مبطلا يقضى بقضاء
الترك.
فالأول: هو إلزام القاضي المحكوم به على
المحكوم عليه بکلام، کقوله: حكمت أو
ألزمت فأعط الذي ادعى به عليك لهذا
المدعي أو سلمه أو ادفع الدين الذي ادعى
به علیك.
ويقال لهذا القضاء: قضاء إلزام وقضاء
استحقاق وقضاء ملك، وهو یکون في حالة
ظهور حق المدعى عند المدعي عليه .
الثاني: هو منع القاضي المدعي عن
المنازعة بكلام، كقوله: ليس لك حق، وأنت
ممنوع عن المنازعة مع المدعى عليه، ويقال
لهذا القضاء: قضاء الترك.
والفرق بين قضاء الاستحقاق وقضاء
الترك على وجهين :
(١) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٤٧٥، وكشاف القناع ٦/ ٣٢٣
- ٣٣٦ -

قضاء ٨٣ -٨٥
الوجه الأول: أن المقضي عليه بقضاء
الاستحقاق في حادثة لا يكون مقضيا له أبدا
في تلك الحادثة.
أما المقضي عليه بقضاء الترك في حادثة
فيجوز أن يقضى له إذا أثبت دعواه بالبينة في
تلك الحادثة، مثاله: إذا ادعى أحد المالَ
الذي في يد آخر قائلا: إنه مالي وأنكر المدعى
عليه وحلف اليمين بالطلب، وحكم على
المدعي بقضاء الترك، فإذا أقام بعد ذلك
البينة على دعواه یحکم له.
الوجه الثاني: إذا ادعی شخص ثالث
بأن المحكوم به هو ماله فتسمع دعواه في
قضاء الترك، ولا تسمع في قضاء الاستحقاق
ما لم يدع تلقي الملك من جهة المقضي له
فحينئذ تسمع (١).
ج - القضاء القولي والقضاء الفعلي:
٨٤ - ما يصدره القاضي في حدود ولايته
وضمن اختصاصه إما أن يكون قوليا بألفاظ
تدل على الإلزام، کألزمت وقضیت أو ثبت
عندي۔۔ عند من یقول بأن الثبوت حکم - أو
تدل على الترك، كمنعت المدعي من
التعرض للمدعى عليه ويكون الحكم القولي
قصديا، ويدخل الضمني تبعا كمن يدعي
(١) المادة / ١٧٨٦ من مجلة الأحكام العدلية وشرحها / علي حيدر
٤/ ٥٢١،٥١٩
على كفيل بالمال مقر بالكفالة منكر للدين،
فبرهن علی الکفیل بالدین وقضی علیه بها،
كان قضاء عليه قصداً، وعلى الأصيل
الغائب ضمنا، ويشترط للقولي سبق
الدعوى.
أو يكون فعلا: وفعل القاضي على
وجھین :
أولاً: ما لا یکون موضعا للحكم كما لو
أذنته مكلفة بتزويجها فزوجها، ففعله لیس
بحکم لأنه وکیل عنها.
ثانيا: ما يكون محلاً للحكم كتزويج
صغيرة لا ولي لها، فعند البعض أنه حکم،
وقال آخرون: الأوجه أنه ليس بحكم لانتفاء
شرطه أي من الدعوى الصحيحة، ولا
يشترط سبق الدعوى في الحكم الفعلي عند
من يقول به (١).
أثر الحكم في تحويل الشيء عن صفته:
٨٥ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد
وأبو يوسف وزفر من الحنفية إلى أن قضاء
القاضي المستوفي لشروطه، لا يزيل الشيء
عن صفته، فلا يحل الحرام للمحكوم له إذا
كان كاذباً في دعواه ولا يحرم الحلال، لأن
(١) ابن عابدين ٥ /٤٢٤.٤٢٣. وكشاف القناع ٦/ ٣٢٢
- ٣٣٧ -

قضاء ٨٥ - ٨٦
القاضي يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر،
فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة
لم يحصل بحكمه الحل باطنا، سواء أكان
المحكوم به مالاً، أم غيره، لقوله صلى الله
عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون
إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته
من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع فمن
قضیت له بحق أخیه شیئاً، فلا یأخذه، فإنما
أقطع له قطعة من النار)) (١)، فإذا كان
المحكوم به نكاحاً لم يحل للمحكوم له
الاستمتاع بالمرأة، وعليها الامتناع ما أمكن،
فإن أکرهت فلا إثم عليها، والإِثم عليه (٢).
وذهب أبو حنيفة إلى أن حكم القاضي
ينفذ ظاهراً وباطنا لكن بشرط أن تكون
الدعوى بسبب معين كالنكاح والبيع
والإِجارة، فإذا كان الحكم مبنيًّا على شهادة
زور فهو محل قابل للنفاذ في العقود وفي
الفسوخ كالإِقالة والطلاق إذا لم يكن القاضي
عالما بکون الشهود شهود زور، لقول علي
رضي الله عنه لتلك المرأة: ((شاهداك
(١) حديث: ((إنما أنا بشر .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٥٧) ومسلم
(٣/ ١٣٣٧) من حديث أم سلمة واللفظ للبخاري .
(٢) القوانين الفقهية ص ١٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٥٦،
والشرح الصغير ٤ / ٢٢٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٧، والروضة
١٥٢/١١، ١٥٣، والمغني ٩ / ٥٨، ٥٩، وشرح منتهى
الإرادات ٣ / ٥٠٠، وشرح المجلة لعلي حيدر ٤ / ٥٢٠
زوجاك» (١)
أما في الأمور غير القابلة للإنشاء بسبب
كالأملاك المرسلة أي المطلقة عن ذكر سبب
الملك والإِرث والنسب فلا تنفذ باطنا، وفي
رواية عن أبي حنيفة أن الحکم لا ينفذ باطنا
في دعاوى الهبة والصدقة والبيع بأقل من
القيمة الحقيقية إذا كان مبنى الحكم شهادة
زور، وكذلك لا ينفذ عنده باطنا إذا كان
المحل غير قابل للنفاذ كما إذا ادعى زوجية
امرأة في عصمة آخر أو عدته، وأثبت ذلك
بشهود زور (٢).
أثر الحكم في المجتهدات:
٨٦ - ذهب المالكية والحنابلة وبعض
الشافعية والحنفية - إلا في مسائل استثنوها -
إلى أن قضاء القاضي في المجتهدات بما غلب
على ظنه وأدى إليه اجتهاده ينفذ ظاهراً
وباطناً، ويرفع الخلاف فيصير المقضي به هو
حكم الله تعالى باطنا وظاهراً، وذلك مثل
قضاء القاضي بشفعة الجوار إذا كان مذهب
المقضي له لا يجيزها فينفذ ظاهراً وباطنا ويحل
للأخير الأخذ بهذه الشفعة، وذهب
(١) أثر على: ((شاهداك زوجاك)).
أورده ابن قدامة في المغني (٩ / ٥٩) ولم نهتد إليه في المراجع التي
بین أيدينا .
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٩٢، وشرح مجلة الأحكام العدلية لعلى حيدر
٤ / ٦٠٥، ٦٠٦، وابن عابدين ٥/ ٤٠٥
- ٣٣٨ -

قضاء ٨٦ - ٨٧
أبو إسحاق الإسفراييني وامختاره الغزالي من
الشافعية إلى أنه لا ينفذ في الباطن، وقال
بعض الشافعية: إن كان المحكوم له عالماً
بالدليل لم ينفذ القضاء في حقه باطنا ولا يحل
له أخذه بشفعة الجوار، وإن کان عامیا نفذ
في حقه باطنا وكان له الأخذ بها (١).
نقض الحكم :
٨٧ - إذا حكم القاضي في مسألة باجتهاده
لخلوها عن نص أو لم يكن مجمعا على
حکمها، لم ينقض حکمه باجتهاد ثان یقارب
ظنه الأول ويناقضه، وإنما ينقض حكمه
الواقع على خلاف نص الكتاب أو السنة
المتواترة أو الإجماع، أو القياس الجلي، على
خلاف بين الفقهاء في ذلك وتفصيل ما
ينقض فيه القاضي حكم نفسه أو حكم غيره
ينظر في مصطلح (نقض)(١).
(١) ابن أبي الدم ص ١٦٩، ١٧٠، وروضة القضاة ١/ ٣٢٣،
وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٥٠١، والشرح الصغير ٤/ ٢٢٠
(١) ابن أبي الدم ص ١٦٤، وتبصرة الحكام ١/ ٧٠، ومعين
الحكام ص ٣٢، والمغني ٩/ ٥٦
- ٣٣٩ -

٠ ٢٠٠