Indexed OCR Text
Pages 281-300
قَصَّة ٣ ٠٠٠ رائي شيء من سائر ألوان ما تراه الحائض. فقد علمت أن القصة مجاز عن الانقطاع، وأن تفسيرها بأنها شيء كالخيط ذكره بصيغة ((يقال)) الدالة على التمريض، ويدل على أن المراد بها الانقطاع، - وهو المذهب - آخر الحديث: (حديث عائشة رضي الله عنها) وهو قوله: ((تريد بذلك الطهر من الحيض)) (١)، فثبت بذلك أن دليلهم موافق لعباراتهم كما لا يخفى (٢). وقال المالكية: علامة الطهر جفوف أو قَصة - وهي أبلغ - فتنتظرها معتادتها لآخر الوقت المختار، بخلاف معتادة الجفوف، فلا تنتظر ما تأخرَ منهما كالمبتدأة، أي أن علامة الطهر أي انقطاع الحيض أمران: الجفوف، أي خروج الخرقة خالية من أثر الدم وإن كانت مبتلة من رطوبة الفرج، والقصة وهي ماء أبيض كالمني أو الجير المبلول، والقصة أبلغ: أي أدلَّ على براءة الرحم من الحيض، فمن اعتادتها أو اعتادتهما معاً طهرت بمجرد رؤيتها فلا تنتظر الجفوف، وإذا رأته ابتداء انتظرتها لآخر المختار، بحيث توقع الصلاة في آخره، وأما معتادة الجفوف فقط، فمتى رأته أو رأت القَصة طهرت، ولا تنتظر الآخر (١) حديث: عائشة: تقدم تخريجه ف ١ (٢) البحر الرائق ٢٠٢/١ -٢٠٣، وحاشية ابن عابدين ١٩٢/١. منهما، وكذا المبتدأة التي لم تعتد شيئا، هذا هو الراجح، ومقتضى أبلغية القصة أنها إن رأت الجفوف أولاً انتظرت القصة (١). وقال النووي: علامة انقطاع الحيض ووجود الطهر: أن ینقطع خروج الدم وخروج الصفرة والكدرة، فإذا انقطع طهرت سواء أخرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا (٢). وقال الزركشي من الحنابلة: إذا كانت للمرأة عادة، كأن كانت تحيض عشرة أيام مثلا من كل شهر فرأت الطهر قبل انقضائها، فإن رأته بعد مضي ستة أيام ونحو ذلك فهي طاهر، لظاهر ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها للنسوة: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)) وهذه قد رأت القصّة البيضاء (٣). (١) الشرح الصغير ٢١٤/١. (٢) المجموع ٥٤٣/٢. (٣) شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٤٤٦/١ . وحديث ((لا تعجلن ... )). تقدم تخريجه ف / ١ . - ٢٨١ - قضاء ١ قضاء التعريف : ١ - من معاني القضاء في اللغة: الحكم، قال أهل الحجاز: القاضي معناه في اللغة: القاطع للأمور المحْكِم لها. وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض إذا حكم وفصل . ويأتي في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، فمن ذلك: يطلق على الخلق والصنع، كقوله تعالى: ﴿ فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ﴾ (١) أي خلقهن وصنعهن، وعلى العمل كقوله تعالى: ﴿ فَأَقْضِ مَآ أَنَتَ قَاضٌٍ﴾ (٢) معناه فاعمل ما أنت عامل . وعلى الحتم والأمر كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأْإِلَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ (٣) أي أمر ربك وحتم. وعلى الأداء تقول: قضيت ديني أي أديته (١) سورة فصلت / ١٢ . (٢) سورة طه / ٧٢. (٣) سورة الإسراء / ٢٣ . ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ (١) أي أدیتموها . وعلى الإِبلاغ كقوله تعالى: ﴿وَقَّضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (٢)، أي أبلغناه ذلك. وعلى العهد والوصية ومنه قوله تعالى: وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِ اَلْكِنَبِ﴾(٢) أي عهدنا وأوصينا. وعلى الإِتمام كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ (٤) أي أتممنا عليه الموت. وعلى بلوغ الشيء ونواله تقول: قضيت وطري أي بلغته ونلته، وقضيت حاجتي كذلك (٥). والقضاء المقترن بالقدر: هو عبارة عن الحكم الكلي الإِلهي في أعيان الموجودات على ماهي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد (٦). والقضاء في الاصطلاح: عرفه الحنفية بأنه: فصل الخصومات وقطع المنازعات، وزاد ابن عابدين: على وجه خاص، حتى لا يدخل فيه نحو الصلح بين الخصمين (٧). (١) سورة النساء / ١٠٣ . (٢) سورة الحجر / ٦٦. (٣) سورة الإسراء / ٤. (٤) سورة سبأ / ١٤ . (٥) لسان العرب، والمصباح المنير. (٦) القواعد الفقهية للبركتي ص ٣٣١، وانظر في تعريف القضاء والقدر حاشية الجمل على شرح المنهج ٥/ ٣٣٥ . (٧) ابن عابدين ٥ / ٣٥٢، والفتاوى الهندية ٣/ ٢١١ . - ٢٨٢ - قضاء ١ - ٥ وعرفه المالكية بأنه: الإِخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام (١). وعرفه الشافعية بأنه: إلزام من له إلزام بحكم الشرع (٢) . وعرفه الحنابلة بأنه: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات (٣). ٢ - وقد استعمل الفقهاء لفظ (القضاء) في غير ما تقدم في العبادات، للدلالة على فعلها خارج وقتها المحدود شرعا وينظر ما يتعلق بذلك في مصطلحات، (صوم ف ٨٦ - ٨٩، وحج ف ١٢٣، وقضاء الفوائت). كما استعملوا عبارة (قضاء الدين) للدلالة على سداد الدين والوفاء به (٤)، انظر مصطلحي: (دين ف ٧٠، وأداء ف ٢٩). واستعملوا عبارة (قضاء الحاجة) للدلالة على آداب التخلي. انظر مصطلح: (استتار ف ٧، وقضاء الحاجة). الألفاظ ذات الصلة : أ - الفتوى: ٣ - الفتوى والفُتْوَى والفُتيا في اللغة: ما أفتى (١) الشرح الصغير ٤ / ١٨٦، وتبصرة الحكام لابن فرحون ١٢/١ (٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥/ ٣٣٤ . (٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٥٩، وكشاف القناع ٦ / ٢٨٥. (٤) ابن عابدين ٣ / ١٣٨. به الفقیه (١). وفي الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي للسائل عنه . فالقضاء يكون على وجه الإلزام، والفتوى من غير إلزام، فهما يجتمعان في إظهار حكم الشرع في الواقعة، ويمتاز القضاء عن الفتوى بالإلزام (٢) . ب۔۔ التحكيم: ٤ - التحكيم في اللغة: مصدر حكمه في الأمر والشيء أي: جعله حكما، وفوض الحكم إليه. وفي الاصطلاح: تولية الخصمين حاكما یحکم بينهما. والفرق بينه وبين القضاء: أن القضاء من . الولايات العامة، والتحكيم تولية خاصة من الخصمين، فهو فرع من فروع القضاء لكنه أدنى درجة منه (٣). ٢ 3 ج - الحسبة : ٥ - الحسبة في اللغة: اسم من الاحتساب ومن معانيها: الأجر، وحسن التدبير والنظر، (١) لسان العرب . (٢) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٤٥٦، وكشاف القناع ٦/ ٢٩٩ (٣) ابن عابدين ٥ / ٤٢٨ . - ٢٨٣ - قضاء ٥ - ٧ ومنه قولهم: فلان حسن الحسبة في الأمر إذا کان حسن التدبير له. وفي الاصطلاح: عرفها جمهور الفقهاء بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله (١). والصلة بين الحسبة والقضاء: أنهما يتفقان في أن لكل من المحتسب والقاضي نظر أنواع مخصوصة من الدعاوى وهي التي تتعلق بمنكر ظاهر من بخس أو تطفيف الكيل أو الوزن، وغش البيع أو تدليس فيه أو في ثمنه، والمطل في أداء الدين مع مكنة الوفاء. وتقصر الحسبة عن القضاء بالنسبة لسماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات، وكذلك ما يدخله التجاحد والتناكر، فلا يجوز للمحتسب النظر فيها، إذ ليس له أن يسمع بينة على إثبات الحق أو يحلّف يمينا على نفيه . وتزيد الحسبة عن القضاء في أن المحتسب ينظر في وجوه ما يعرض له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يحضره خصم يستعديه بخلاف القاضي، كما أن للمحتسب بما له من قوة السلطة والرهبة فيها يتعلق بالمنكرات أن يظهر الغلظة والقوة، ولا (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٦٨ . يعتبر ذلك منه تجوزا ولا خرقا لولايته، أما القضاء فهو موضوع للمناصفة، فهو بالوقار والأناة أخص (١). د - ولاية المظالم : ٦ - المظالم في اللغة: جمع مظلمة، يقال: ظَلَمَه يظْلِمُهُ ظُلما وظَلما ومَظْلمة، ويقال: تظلم فلان إلى الحاكم من فلان فظلَّمَه تظليما أي أنصفه من ظالمه وأعانه علیه (٢). وفي الاصطلاح: قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، ووالي المظالم له من النظر ما للقضاة وهو أوسع منهم مجالا، وأعلى رتبة، إذ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، وهي ولاية ممتزجة من سطوة السلطة، ونصفة -القضاء (٣). الحكم التكليفي: ٧ - القضاء مشروع وثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيِّنَ (١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٦٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٢ . (٢) لسان العرب. (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٥٨، وتبصرة الحكام ١ / ١٢. - ٢٨٤ - قضاء ٧ - ٩ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْتَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ﴾ (٢). وأما السنة: فما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي بم لي أنه قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر)) (٣)، وقد تولاه النبي بَّل وبعث عليا إلى اليمن قاضیا (٤)، وبعث معاذا قاضيا (٥)، كما تولاه الخلفاء الراشدون من بعده وبعثوا القضاة إلى الأمصار. وأما الإِجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاة والحكم بين الناس. ٨ - والأصل في القضاء أنه من فروض الكفاية، فإذا قام به الصالح له سقط الفرض فيه عن الباقين، وإن امتنع كل الصالحين له أثموا . أما كونه فرضا فلقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا (١) سورة ص / ٢٦ . (٢) سورة المائدة / ٤٩ . (٣) حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٣١٨) ومسلم (٣/ ١٣٤٣) من حديث عمرو بن العاص . (٤) حديث ((أن النبي (﴿ل بعث عليا إلى اليمن قاضياً)) أخرجه أبو داود (٤ / ١١) . (٥) حديث ((أن النبي # بعث معاذاً قاضياً .. )) أخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٧)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولیس إسناده عندي بمتصل . الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ﴾(١)، ولأن طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق وقل من ينصف من نفسه، ولا يقدر الإِمام على فصل الخصومات بنفسه، فدعت الحاجة إلى تولية القضاة . وأما كونه على الكفاية فلأنه أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر وهما على الكفاية. والقضاء من القرب العظيمة، ففيه نصرة المظلوم وأداء الحق إلى مستحقه ورد الظالم عن ظلمه، والإصلاح بين الناس، وتخليص بعضهم من بعض وقطع المنازعات التي هي مادة الفساد. ٩ - والقضاء تعتريه الأحكام الخمسة: فيجب على من يصلح للقضاء إذا طلب له، لكنه لا يتعين عليه إلا إذا لم يوجد من يصلح له من أهل البلد سواه ففي هذه الحالة یکون فرض عين عليه، ولو امتنع عن القبول يأثم كما في سائر فروض الأعيان. ويرى المالكية أنه يجب قبول القضاء على من يخاف فتنة على نفسه أو على غيره إن لم يتول، أو من يخاف ضياع الحق له أو لغيره إن امتنع . أما إذا كان في البلد عدد يصلح للقضاء فإن عرض على أحدهم فالأفضل له القبول (١) سورة النساء / ١٣٥ . - ٢٨٥ - قضاء ٩ - ١١ ..... في أحد قولين عند الحنفية اقتداء بالأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، والقول الثاني عند الحنفية: الأفضل تركه. ویندب له القبول كذلك إذا كان في البلد من يصلح ولکنه هو أفضل من غيره. وعند المالكية يستحب له القبول إذا كان عالماً فقيراً ليسد خلته من بيت المال، أو كان عالما خامل الذكر لينتشر علمه وینتفع به . وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن القيام بالقضاء يكون مباحاً إذا كان القادر عليه من أهل العدالة، والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، قال الشافعية: وسئل بلا طلب، فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته وله أن يمتنع، لأنه قد يقوم به غيره. ويرى الحنفية أن الدخول فى القضاء مختاراً رخصة طمعا في إقامة العدل، والترك عزيمة فلعله لا یوفق له . ويكون مكروها إذا كان القصد منه تحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، أو كان غنيًّا عن أخذ الرزق على القضاء، وكان مشهوراً لا يحتاج أن يشهر نفسه وعلمه بالقضاء، أو كان غيره أصلح منه للقضاء. ويحرم على الشخص تولي القضاء إذا كان جاهلا ليس له أهلية القضاء، أو هو من أهل العلم لكنه عاجز عن إقامة وظائفه، أو كان متلبساً بما يوجب فسقه، أو كان قصده الانتقام من أعدائه، أو أخذ الرشوة وما أشبه ذلك من المقاصد (١). وعند الحنفية يكره تحريما تقلد القضاء لمن يخاف الحيف فيه، بأن يظن أنه قد يجور في الحكم، أو يرى في نفسه العجز عن سماع دعاوي كل الخصوم، وهذا إذا لم يتعين عليه، فإن تعين عليه أو أمن الخوف فلا یکره (٢). ١٠ - ويجب على الإِمام أن ينصب القضاة في البلدان، لأن الإِمام هو المستخلف على الأمة والقائم بأمرها، والمتكلم بمصلحتها،. والمسئول عنها، فتقليد القضاة من جهته يتعين عليه لدخوله في عموم ولايته، ولأن التقليد لا يصح إلا من قبله (٣). حكمة القضاء : ١١ - الحكمة من القضاء: رفع التهارج ورد (١) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ١ / ١٣٤، فتح القدير ٥/ ٤٥٩، الفتاوى الهندية ٣/ ٣١٠، بدائع الصنائع للكاساني ٧ / ٣ - ٤، أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص ٨٢، ٨٣، حاشية الجمل على شرح المنهج ٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦، مغني المحتاج ٤ / ٣٧٣، حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٠ - ١٣١، تبصرة الحكام ١ / ١٢، المغني لابن قدامة ٩ /٣٤ - ٣٧، كشاف القناع ٦ / ٢٨٦ - ٢٨٨. (٢) ابن عابدين ٥ / ٣٦٧. (٣) كشاف القناع ٦ / ٢٨٦، ٢٨٨، وأدب القاضي للماوردي ١ / ١٣٧، وابن أبي الدم ص ٨٩، وتبصرة الحكام ١ / ٢١، وروضة القضاة١ / ٧٣، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٨ . - ٢٨٦ - قضاء ١١ - ١٣ النوائب، وقمع الظالم ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، وفيه وضع الشيء في محله، لیکف الظالم عن ظلمه (١). طلب القضاء : ١٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره. للإِنسان طلب القضاء والسعي في تحصيله، لما روى أنس رضي الله عنه عن النبي وَليز أنه قال: ((من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده)) (٢)، لكن بعض الفقهاء يقيّد الكراهة هنا بوجود من هو أفضل من طالب القضاء ممن هو قادر على القيام به ويرضى بأن يتولاه، وقيل: بل يحرم عليه الطلب إن كان غيره أصلح للقضاء، وكان الأصلح يقبل التولية . فإن تعين شخص للقضاء بأن لم يصلح غيره لزمه طلبه إن لم يعرض عليه، وذلك لحاجة الناس إليه، ومحل وجوب الطلب إذا ظن الإِجابة فإن تحقق أو غلب على ظنه عدمها لم يلزمه، ويندب الطلب إن كان خاملا يرجو به نشر العلم أو محتاجاً للرزق، (١) معين الحكام ص ٧، تبصرة الحكام ١ / ١٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٥/ ٣٥٥ . (٢) حديث: ((من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء ... )) أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٥) وأعله المناوي في فيض القدير (٦ / ٢١) بجهالة راوٍ في إسناده وضعف آخر. أو إذا كانت الحقوق مضاعة لجور أو عجز، أو فسدت الأحكام بتولية جاهل، فيقصد بالطلب تدارك ذلك، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه يوسف صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب، فقال: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآَيِنِ اٌلْأَرْضِ﴾ (١)، وإنما طلب ذلك شفقة على خلق الله لا منفعة نفسه . ويحرم طلب القضاء إذا كان فيه مباشر قد توافرت فيه أهلية القضاء والطالب يروم عزله ولو كان الطالب أهلاً للقضاء، لما فيه من إيذاء القائم به، فإن لم يكن فيه مباشر أهل لم يحرم طلبه، كما يحرم الطلب لجاهل وطالب دنيا (٢). بذل المال لتولي القضاء : ١٣ - اتفق الفقهاء على أنه يحرم بذل المال لینصب قاضیا، وأن ذلك يدخل في عموم نهي الرسول وَل عن الرشوة. وقيّد الحنفية والمالكية والشافعية الحرمة بما إذا كان طالب القضاء لا يستحق التولية لفقده شروط التولية أو بعضها، أو لم يكن القضاء متعينا عليه . (١) سورة يوسف / ٥٥ . (٢) كشاف القناع ٦ / ٢٨٨، والمغني ٩/ ٣٦ ط. الثالثة للمنار. وابن عابدين ٥ / ٣٦٦، ومغني المحتاج ٤/ ٣٧٣، ٣٧٤، والروضة ٩٣/١١، وحاشية الدسوقي ٤/ ١٣٠، ١٣١، وتبصرة الحكام ١ / ١٦، ١٧ . - ٢٨٧ - قضاء ١٣ - ١٥ وكره الشافعية بذل المال إذا كان طلبه مکروها . وذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى جواز بذل المال إذا كان القضاء واجبا على الباذل لتعين فرضه عليه عند انفراده بشروط القضاء، وزاد الشافعية وجها آخر للإِباحة، وهو ما إذا کان مستحبا له الطلب لیزیل جور غيره أو تقصيره (١). الإِجبار على القضاء: ١٤ - إذا تعين القضاء على من هو أهل له، فهل يجبر على القبول لو امتنع؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب المالكية والحنابلة والحنفية في أحد الوجهين والشافعية في الأصح إلى أن للإِمام إجبار أحد المتأهلين إذا لم یوجد عنه عوض، وعلل الشافعية ذلك بأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه صاحب الطعام إذا منعه المضطر (٢). والوجه الآخر عند الحنفية وهو مقابل الأصح عند الشافعیة یذهب إلى أن من تعین عليه يفترض عليه القبول، فإن امتنع لا يجبر (٣). (١) المراجع السابقة، وأدب القاضي للماوردي ١٥١/١، ١٥٢. (٢) ابن عابدين ٥ / ٣٨٦، وروضة القضاة ١/ ٨٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، ٣٧٣، والجمل على المنهج ٥/ ٣٣٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٠، ١٣١، وتبصرة الحكام ١ / ١٢، والكافي لابن قدامة ٣ / ٤٣١ من منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، ومنار السبيل ٢ / ٤٥٣ - المكتب الإسلامي . (٣) المراجع السابقة . وقد أراد عثمان رضي الله عنه تولیة ابن عمر رضي الله عنهما القضاء، فقال لعثمان: أوَ تعافيني يا أمير المؤمنين؟ قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ فقال: إنى سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالعدل فبالحري أن ينقلب منه كفافاً))، وفى رواية: ((فأعفاه وقال: لا تجبرن أحداً)) (١). ونقل عن الإِمام أحمد ما يدل على أنه إذا لم يوجد غيره وأبى الولاية أنه لا يأثم، وحمل كلام الإِمام أحمد على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره، فإن أحمد قال: لابد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس ؟ (٢). الترغيب في القضاء: ١٥ - مكانة القضاء من الدين عظيمة، وبالقيام به قامت السموات والأرض وهو من جملة ما كلف به الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿يَدَاوُ دُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَمْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (٣)، وقال (١) حديث أن عثمان أراد تولية ابن عمر القضاء . . أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٣) وقال: ((حديث غريب، وليس إسناده عندي بمتصل)». والرواية ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ١٩٣) وعزاها لأحمد، والذي في المسند (١ / ٦٦): ((فأعفاه وقال لا تخبر بهذا أحداً)). (٢) المغني ٩ / ٣٦. (٣) سورة ص / ٢٦ . - ٢٨٨ - قضاء ١٥ - ١٦ تعالى مخاطبا خاتم رسله عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (١) ، فولاية القضاء رتبة دينية ونصبة شرعية، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه، والواجب اتخاذ ولاية القضاء ديناً وقربة فإنها من أفضل القربات إذا وفيت حقها، و((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢)، وجعلها النبى وَّل من النعم التي يباح الحسد عليها فقد جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي وَلّ: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (٣)، وقال ◌َله: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حکمهم وأهليهم وما ولوا)) (٤)، فكذلك كان العدل بين الناس من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر قال تعالى: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ (١) سورة المائدة / ٤٩ . (٢) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٩) ومسلم (٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري . (٣) حديث: ((لا حسد إلا في اثنتين .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٥)، ومسلم (١ / ٥٥٩) من حديث ابن مسعود . (٤) حديث: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور ... )) أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٨) . فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ اٌلْمُقْسِطِينَ﴾(١)، فأي شيء أشرف من محبة اللّه تعالى. ولعلو رتبته وعظيم فضله جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، قال رسول اللّه وَالر: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)) (٢) وإنما أجر على اجتهاده وبذل وسعه لا على خطئه (٣). الترهيب من القضاء: ١٦ - كان كثير من السلف الصالح يحجم عن تولي القضاء ويمتنع عنه أشد الامتناع حتى لو أوذي في نفسه، وذلك خشية من عظيم خطره كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة والتي ورد فيها الوعيد والتخويف لمن تولى القضاء ولم يؤد الحق فيه، كحديث: ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان)) (٤)، وحديث: ((من ولي القضاء أو جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين)) (٥)، (١) سورة المائدة / ٤٢. (٢) حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد . .)) تقدم فقرة (٧). (٣) كشاف القناع ٦/ ٢٨٦، وتبصرة الحكام ١ / ١٣، ١٤، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٥٧، ومعين الحكام ٧، ٨ . (٤) حديث: ((إن الله مع القاضي ما لم يجر ... )) أخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٩) من حديث عبد الله بن أبي أوفى وقال: حديث حسن غريب. (٥) حديث: ((من ولي القضاء أو جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين»- - ٢٨٩ - قضاء ١٦ وحديث: ((القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة)) (١). ويرى بعض العلماء أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد إنما هي فى حق قضاة الجور والجهال الذين يُدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم، وأما قوله الحجر: «من ولي القضاء فقد ذبح بغیر سکین)) فقد قال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق إذ جعله ذبيح الحق امتحاناً، لتعظم له المثوبة امتناناً، فالقاضي لما استسلم لحكم الله وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم حتى قادهم إلى أمر الحق وكلمة العدل، وكفهم عن دواعي الهوى والعناد، جعل ذبيح الحق لله وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة، فالتحذير الوارد من الشرع إنما هو عن الظلم لا عن القضاء، = أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٥) من حديث أبي هريرة، وقال: «حدیث حسن غریب » . (١) حديث: ((القضاة ثلاثة .. )) أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٤) والحاكم (٩٠٤) من حديث بريدة، واللفظ للترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله تعالى: وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا﴾(١)، فالأحاديث السابقة بجملتها، بعضها مرغب وبعضها مرهب، والمرغب منها محمول على الصالح للقضاء المطيق لحمل عبئه، والقيام بواجبه، والمرهب منها محمول على العاجز عنه، وعلى ذلك يحمل دخول من دخل فيه من العلماء، وامتناع من امتنع عنه، فقد تقلده بعد المصطفى صلوات الله عليه وسلامه الخلفاء الراشدون، سادات الإِسلام وقضوا بين الناس بالحق، ودخولهم فيه دلیل علی علو قدره، ووفور أجره، فإن من بعدهم تبع لهم، وَوَلِيَهُ بعدهم أئمة المسلمين من أكابر التابعين وتابعيهم، ومن كره الدخول فيه من العلماء مع فضلهم وصلاحيتهم وورعهم محمول كرههم على مبالغة في حفظ النفس، وسلوك لطريق السلامة، ولعلهم رأوا من أنفسهم فتوراً أو خافوا من الاشتغال به الإقلال من تحصيل العلوم (٢). وممن امتنع عن تولي القضاء بعد أن طلب له سفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي (٣). (١) سورة الجن / ١٥. (٢) معين الحكام ص ٨، المغني ٩ / ٣٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، وتبصرة الحكام لابن فرحون ١ / ١٣، ١٤. (٣) كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص ٦٢ . - ٢٩٠ - قضاء ١٧ - ١٨ أركان القضاء وأحكامها: ١٧ - أركان القضاء كما يلي: (١) أولا: القاضي. ثانيا: المقضي به . ثالثا: المقضي له. رابعا: المقضي فيه . خامسا: المقضي عليه . سادسا: الحكم. وتفصیل حکم کل رکن منها فيما يلي : أولا: القاضي : للقاضي أحكام كثيرة، منها ما يتعلق - بشروط أهليته للقضاء، وأحكام انعقاد ولايته وعزله واعتزاله، ومنها ما يتصل بآداب مهنته، ومسئوليته، إلى غير ذلك من الأحكام التي ستبین تفصيلا فيما يلي: أ - أهلية القاضي: ١٨ - يشترط الفقهاء لصحة تولية القاضي شروطا معينة، ويتفقون فيما بينهم على اشتراط كون القاضي مسلماً، عاقلاً، بالغاً، حرًّا (٢). ويختلفون فيما عدا ذلك من الشروط على (١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٥٤، تبصرة الحكام ١/ ٣، كشاف القناع ٦ / ٢٨٥، أسنى المطالب ٤ / ٢٧٧ . (٢) تبصرة الحكام لابن فرحون ١/ ٧، وابن عابدين ٥/ ٣٥٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٥، وكشاف القناع ٦ / ٢٨٥ . الوجه الآتي : يرى الحنفية أن من يصح توليته القضاء هو من يكون أهلا لأداء الشهادة على المسلمين، وشروط الشهادة هي: الإِسلام والعقل والبلوغ والحرية، والبصر، والنطق، والسلامة عن حد القذف، فلا يجوز تقليد الكافر والمجنون والصبي والعبد والأعمى والأخرس والمحدود في القذف، لأن القضاء من باب الولاية، بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات وهي الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى. وأما الذكورة فليست من شروط جواز التقليد في الجملة، لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي في الحدود والقصاص، لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة (١). وأما اشتراط علم القاضي بالحلال والحرام وسائر الأحكام فقد اختلف فقهاء الحنفية في ذلك، فیری فریق أن هذا ليس بشرط لجواز التقلید، بل هو شرط ندب واستحباب، لأنه یمکن أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، لكن مع هذا لا ينبغي أن (١) بدائع الصناع للكاساني ٧/ ٣، وابن عابدين ٥/ ٣٥٤. - ٢٩١ - قضاء ١٨ يُقَلّد الجاهل بالأحكام، لأن الجاهل قد يقضي بالباطل من حيث لا يشعر (١). ويرى فريق آخر أنه يشترط في القاضي أن يكون عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، وقد ثبت ذلك بالنص والمعقول، أما النص : فما روي عن النبي وَلي أنه لما بعث معاذاً إلى الیمن قال له: «کیف تقضي؟ قال: أقضي بما في کتاب الله: قال: فإن لم یکن في کتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله وَلغيره، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله وَ ل﴿، قال: أجتهد رأيى، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله وَل ◌ٍ)) (٢). وأما المعقول: فإن القاضي مأمور بالقضاء بالحق قال تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِىِ الْأَرْضِ فَأَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣)، وإنما يمكنه القضاء بالحق إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، لأن الحوادث ممدودة، والنصوص معدودة، فلا يجد القاضي في كل حادثة نصاً يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من النصوص، وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالما بالاجتهاد (٤) (١) بدائع الصنائع للكاساني ٧ / ٣ . (٢) حديث: ((لما بعث رسول الله صل﴿ معاذاً إلى اليمن .... )) سبق تخريجه ف ٧ . (٣) سورة ص / ٢٦ . (٤) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ١ / ١٢٦ . أما العدالة فليست بشرط لجواز التقليد لكنها شرط كمال فيجوز تقلید الفاسق وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز فيها حد الشرع، لأنه من أهل الشهادة فيكون من أهل القضاء (١). ويرى المالكية أن شروط تولية القاضي أربعة : أولها: أن يكون عدلاً، والعدالة تستلزم الإِسلام، والبلوغ والعقل والحرية وعدم الفسق . ثانيها: أن يكون ذكراً. ثالثها: أن يكون فطناً، والفطنة جودة الذهن وقوة إدراكه لمعاني الكلام. رابعها: أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية التي وُلِيَ للقضاء بها ولو مقلداً لمجتهد على المعتمد، خلافا خلیل حیث اشترط أن يكون مجتهدا إن وجد وإلا فأمثل مقلد (٢). ويجب عندهم أن يكون القاضي سميعاً بصيراً متكلما فلا يجوز تولية الأعمى والأبكم والأصم. واتصافه بتلك الصفات ابتداء ودواماً. واجب لكنها ليست شرطا في صحة التولية إذ ینفذ حکمه إن وقع صوابا مع فقد إحدى تلك الصفات، وفي فقد صفتین خلاف، أما (١) بدائع الصنائع ٧/ ٣، وابن عابدين ٥ / ٣٥٥. (٢) الدسوقي ٤ / ١٢٩، الشرح الصغير ٤ / ١٨٧. - ٢٩٢ - قضاء ١٨ - ١٩ في فقد الصفات الثلاث فلا ينفذ حکمه (١). وذهب الشافعية إلى أن الشرائط المعتبرة في القاضي عشرة: الإِسلام والحرية والذكورة والتكليف والعدالة والبصر والسمع والنطق والاجتهاد والكفاية اللائقة بالقضاء، وفسرها بعضهم بالقوة على تنفيذ الحق بنفسه فلا يولى مغفل ومختل نظر بكبر أو مرض أو نحو ذلك (٢). واشتراط العدالة عند الشافعية يقتضي أن الفاسق لا تصح ولایته، ولا ینفذ حکمه، ولا يقبل قوله لأنه لا تقبل شهادته فعدم قبول حكمه أولى، وإذا ولي الفاسق فالمذهب أنه لا ینفذ حکمه وقد حکی الغزالي أنه لابد من تنفيذ أحكامه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس (٣). أما الكتابة فالأصح عدم اشتراطها. والاجتهاد هو العلم بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وأقوال العلماء ولسان العرب . وتفصيل ذلك في مصطلح (اجتهاد ف ٥). (١) الشرح الصغير للدردير ٤ / ١٩١، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٠، وتبصرة الحكام ١ / ٢٣ - ٢٤ ، وحاشية الدسوقي ٤/ ١٣٠ . (٢) أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص ٧٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٥ . (٣) أدب القاضي للحموي ص ٧١، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٧. أما الحنابلة فيشترطون كون القاضى بالغًا عاقلا ذكراً حرًّا مسلما عدلا سميعاً بصيراً متكلما مجتهداً، ولا يشترط كونه كاتبا لأنه پ# كان أمّيا وهو سيد الحكام. وشروط القضاء عند الحنابلة تعتبر حسب الإِمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام الإمام أحمد، فیولی عند عدم الأمثل أنفع الفاسِقَيْن وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، وإلا لتعطلت الأحكام واختل النظام (١). حكم تقليد المفضول: ١٩ - اتفق الفقهاء على أنه ينبغي لمن له ولاية التقليد أن يختار للقضاء أفضل من يجد علماً ودينا ومن هو أقدر وأولى لعفته وقوته، لأن الإِمام ينظر للمسلمين، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم لأن الأفضل أثبت وأمكن. واختلفوا في جواز تعيين المفضول مع وجود من هو أفضل منه، ففي قول للمالكية أن تولية المقلد مع وجود المجتهد باطل، والقول الآخر أنها صحيحة وعليه العمل في زمن الإِمام مالك وغيره من المجتهدين، وفيه خلاف عند الشافعية حكاه القاضي حسين (١) أدب القضاء للحموي ص ٨٠، شرح منتهى الإرادات ٤٦٤/٣، المغني ٩/ ٣٩، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٤، كشاف القناع ٦ / ٢٩٦ . - ٢٩٣ - قضاء ١٩ - ٢١ وإمام الحرمين، قال الإِمام: فيه خلاف بين الأصوليين، والأكثرون قالوا: يجوز، وهو المختار، قال الماوردي : إن عدل عن الأفضل إلى المقصر انعقدت ولايته لأن الزيادة على كمال الشروط غير معتبرة. أما الحنابلة فقالوا: تصح تولية مفضول مع وجود أفضل منه لأن المفضول من الصحابة كان يولى مع وجود الفاضل، مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد، وقيد بعض الحنابلة صحة التولية بما إذا قصد بها مصلحة . ولم نقف على نص صريح للحنفية لكن مقتضى المذهب يجيز تولية المفضول إذ يجوز أن يكون القاضي عاميا وكذلك يجوز تقليد الفاسق (١). حكم تقليد المرأة القضاء: ٢٠ - سبق بيان اشتراط جمهور الفقهاء أن یکون القاضي ذكراً، وقد استدل الجمهور على عدم جواز تولية المرأة بقوله وَل: ((لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)) (٢)، ولأن القاضي (١) فتح القدير ٥/ ٤٥٧، وابن عابدين ٥/ ٣٥٦، وروضة القضاة ١/ ٥٢ - ٥٩، وشرح أدب القاضي لابن مازة ١ / ١٢٩، وكفاية الطالب الرباني ٤ / ١١٢، وأدب القاضي للماوردي ١ / ١٤٤، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٨٤ - ٨٥، وكشاف القناع ٦ /٢٨٦ - ٢٨٨، والإنصاف ١٥٨/١١ . (٢) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». يحضر محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي ومشاورة العلماء، والنساء لسن أهلا لذلك وقد نبه الله تعالی إلی نسیانهن بقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُنَّككِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَىَّ﴾ (١) وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز أن تلي النساء القضاء فيما يجوز أن تقبل شهادتهن فيه وحدهن أو مع الرجال، لأن في الشهادة . معنى الولاية، ولا يجوز في الحدود والقصاص لأن شهادتهن لا تقبل في ذلك، وحكي عن ابن جرير الطبري أنه أجاز تقلد المرأة القضاء مطلقا، وعلل جواز ولايتها بجواز فتياها (٢). وقد ذهب بعض الشافعية إلى أنه لو ولّى سلطان ذو شوكة امرأة القضاء نفذ قضاؤها (٣). حكم تقليد الفاسق : ٢١ - العدالة من الشروط التي يشترطها جمهور الفقهاء فيمن يتقلد القضاء كما تقدم، وهي : أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة عفيفا عن المحارم، متوقّيًا للمائم، بعيداً من الريب، مأمونا في الرضا والغضب، = أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٥٣) من حديث أبي بكرة . (١) سورة البقرة / ٢٨٢. (٢) المغني ٩/ ٣٩، وأدب القاضي للماوردي ١/ ٦٢٥ - ٦٢٨، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٩٥، وروضة القضاة للسمناني ١ / ٥٣، وفتح القدير ٥/ ٤٨٥ . (٣) مغني المحتاج ٤ / ٣٧٧ . - ٢٩٤ - قضاء ٢١ - ٢٢ وتفصيل الكلام عن العدالة ينظر في مصطلح (شهادة ف ٢٢، وعدل ف ١، ١٦). فلا يجوز عند الجمهور تولیة فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ (١) فأمر بالتبين عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون القاضي ممن لا يقبل قوله ويجب التبین عند حكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً فلئلا يكون قاضيا أولى. قال القاضي عياض : وفي الفاسق خلاف بین أصحابنا هل یرد ماحكم به وإن وافق الحق، وهو الصحيح، أو يمضى إذا وافق الحق ؟. وقال النووي : الوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوکة وإن كان جاهلا أو فاسقاً، لئلا تتعطل مصالح الناس. وذهب الحنفية في الأصح عندهم إلى أن الفاسق يجوز تقلده القضاء، لأنه عندهم من أهل الشهادة فيكون أهلا للقضاء، لكنه لا ينبغي تقليده ويأثم مقلده، قال ابن عابدين: والوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوکة وإن كان جاهلا فاسقاً وهو (١) سورة الحجرات / ٦. ظاهر المذهب وحينئذ فیحکم بفتوى غيره. قال ابن الهمام: قال بعض المشايخ: إذا قلد الفاسق ابتداء یصح، ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق، لأن المقلد اعتمد عدالته، فلم يكن راضيا بتقليده دونها، وذكر الخصاف أن العدالة شرط الأولوية، فالأولى أن يكون عدلا، لكن لو تقلد الفاسق ينفذ قضاؤه (١) حكم تقليد الكافر: ٢٢ - الإِسلام هو أحد الشروط التي يشترطها الفقهاء فيمن يقلد القضاء، فلا يجوز تولية الكافر لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢)، سواء أكانت توليته للقضاء بين المسلمين أم بين أهل دينه، لكن أبا حنيفة أجاز تقليده القضاء بين أهل دينه، لجواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولأنه لما جازت ولايتهم في المناكح جازت في الأحكام . واعتباراً بالعرف الجاري في تقليدهم قال الشربيني: أما جريان العادة بنصب حاكم من أهل الذمة عليهم فقال الماوردي (١) المغني ٩/ ٤٠، أدب القاضي للماوردي ١/ ٦٣٤، والروضة ١١٠ / ٩٧، وابن عابدين ٥ / ٣٥٥، ٣٥٦، وفتح القدير ٥ / ٤٥٥، وأدب القاضي للصدر الشهيد ١ / ١٢٩، وتبصرة الحكام ١ / ٢٤، والشرح الصغير ٤ / ١٨٧. (٢) سورة النساء / ١٤١. - ٢٩٥ - قضاء ٢٢ - ٢٣ والرویاني: إنما هي زعامة وریاسة، لا تقلید حکم وقضاء، ولا يلزمهم حکمه بإلزامه بل بالتزامهم ولا یلزمون بالتحاکم عنده (١). ولاية تقليد القضاء: ٢٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الذي يملك ولاية تقليد القضاء هو الإِمام أو نائبه، لأن ولاية القضاء من المصالح العامة فلا يجوز إلا من جهته كعقد الذمة، ولأن الإِمام صاحب الأمر والنهي، فلا یفتات عليه فيما هو أحق به، ويجوز للإِمام أن يفوض إلى شخص تولية القضاة، وليس لمن فوضه الإمام في ذلك اختیار نفسه ولا والده وولده، وقيل: يجوز إذا كانا صالحين للولاية لأنهما يدخلان في عموم الإذن مع أهليتها . وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه، أو تعذر الوصول إليه فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الحنفية إلى أنه يجب على أهل البلد أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه والياً فيولي قاضياً، أو يكون هو الذي يقضي بينهم. ويرى المالكية أنه إذا تعذر وجود الإِمام أو الاتصال به، يتم عقد التولية من ذوي الرأي (١) ابن عابدين ٥ / ٣٥٥، ٤٢٨، أدب القاضي للماوردي ١/ ٦٦١ - ٦٦٣، الشرح الصغير ٤ /١٨٧، وشرح منتهى الإِرادات ٣ / ٤٦٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٥ . وأهل العلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء، ويكون عقدهم نيابة عنه للضرورة الداعية إليه . وقال الشافعية: إذا خلا البلد من قاض، فقلد أهله على أنفسهم قاضياً منهم كان تقليدهم له باطلا إن كان في العصر إمام، ويجوز في هذه الحالة أن ينظر بينهم متوسطا مع التراضي - لا ملزماً - وإن خلا العصر من إمام فإن کان یرجی أن یتجدد إمام بعد زمان قریب کان تقليد القاضي باطلا، وإن لم يرج تجديد إمام قريب وأمكنهم أن يتحاكموا إلى قاضي أقرب البلاد إليهم كان تقليدهم للقاضي باطلا، ويكون تقليدهم للقاضي جائزا إذا اجتمع على التقليد جميع أهل الاختیار منهم، وأمكنهم نصره وتقویة یده إذا لم يمكنهم التحاكم إلى غيره، فإن قلده بعضهم نظر في باقيهم إن ظهر الرضا منهم صح التقلید وصاروا کالمجتمعین علیه، وإن ظهر منهم الإِنكار بطل التقليد، فإن كان للبلد جانبان فرضي بتقليده أحد الجانبين دون الآخر صح تقليده في ذلك الجانب وبطل في الجانب الآخر لأن تميز الجانبين كتميز البلدين، فإذا صحت ولايته نفذت أحكامه ولزمت طوعاً وجبراً لانعقاد ولايته. وذهب الحنابلة إلى أنه إذا خلا البلد من - ٢٩٦ - "مے. قضاء ٢٣ - ٢٥ قاض، فاجتمع أهل البلد وقلدوا قاضياً عليهم، فإن كان الإِمام مفقوداً صح ونفذت أحکامه علیهم، وإن كان موجوداً لم يصح، فإن لم یکن فتجدد بعد ذلك، لم يستدم هذا القاضي النظر إلا بعد إذنه، ولا ينقض ما تقدم من حکمه (١). وإذا أراد ولي الأمر تولیة قاض فإن كان له خبرة بالناس ويعرف من يصلح للقضاء ولاه، وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس، واسترشدهم على من يصلح، فإذا عرف عدالته ولاه، ویکتب له عهداً بما ولاه يأمره فيه بتقوى الله، والتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم، وتصفح أحوال الشهود وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى، وحفظ أموالهم وأموال الوقوف، وغير ذلك مما يحتاج إلى مراعاته، لأن النبي ◌َل كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن (٢)، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري في توليته القضاء (٣). (١) فتح القدير ٥/ ٤٦١، وابن عابدين ٥/ ٣٦٩، وروضة القضاة ١/ ٦١، وتبصرة الحكام ١/ ٢١، وأدب القاضي للماوردي ١/ ١٣٩ - ١٤١ ط. بغداد ١٩٧١ م، والمغني ٩/ ١٠٦، وكشاف القناع ٦/ ٢٨٨ . (٢) حديث: ((إن النبي * كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن .)) أخرجه النسائي (٨ / ٥٨ - ٥٩) ونقل ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧ - ١٨) تصحيحه عن جماعة من العلماء. (٣) كشاف القناع ٦ / ٢٨٦، ٢٨٨، وأدب القاضي للماوردي ١/ ١٣٧، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٨٩، تبصرة الحكام ١ / ٢١، وروضة القضاة ١/ ٧٣، والمغني لابن قدامة ٩/ ٣٨ . اشتراط عدالة المولي : ٢٤ - يرى الحنفية والحنابلة أنه لا تشترط عدالة المولي (بكسر اللام) لأن ولاية الإِمامة الکبری تصح من کل برّ وفاجر فتصح ولايته كالعدل، ولأنها لو اعتبرت في المولى أفضى إلى تعذرها بالكلية فيما إذا كان غير عدل، لكن إذا كان المولى يمنعه عن القضاء بالحق فيحرم (١) . ونقل عن الإِمام مالك ما يدل على أنه لا ينبغي للقاضي إذا ولاه أمیر غیر عدل أن يلي القضاء (٢). وقال العز بن عبد السلام: إذا استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعاً للمفاسد الشاملة (٣). ب - صفة عقد القضاء: ٢٥ - إذا كان المولي والمولّى حاضرين فالعبرة باللفظ وفي حالة الغيبة تقوم الكتابة مقام اللفظ (٤) . (١) فتح القدير ٥ / ٤٦١، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥/ ٣٦٨، وكشاف القناع ٦ / ٢٨٨. (٢) تبصرة الحكام ١ / ٢١. (٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام العز بن عبد السلام ١ / ٧٣ - دار الكتب العلمية بيروت. (٤) كشاف القناع ٦ / ٢٨٦، ٢٨٨، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٩٠، وتبصرة الحكام ١/ ٢١، وروضة القضاة ١/ ٧٣. - ٢٩٧ - قضاء ٢٥ - ٢٧ والألفاظ التي تنعقد بها الولاية صريح وكناية، فالصريح: وليتك، وقلدتك، واستخلفتك واستنبتك، وهذا ما اتفق عليه الفقهاء، زاد الحنابلة: رددت إليك وفوضت إلیك وجعلت إلیك الحكم. والكناية نحو: اعتمدت علیك، وعولت علیك، ورددت إلیك وجعلت إليك وفوضت إلیك ووكلت إلیك وأسندت إليك، وقال بعضهم: وعهدت إليك، وتحتاج الكناية إلى أن يقترن بها ما ينفي عنها الاحتمال مثل: احکم فیما اعتمدت علیك فيه، وشبه ذلك (١). وتمام العقد معتبر بقبول القاضي، فإن كان حاضراً كان قبوله بالقول على الفور، وإن كان غائباً جاز قبوله على التراخي، ويجوز قبوله بالقول مع التراخي، واختلف في صحة القبول بالشروع في النظر، فَجوّزه بعضهم، وجعله كالنطق، ولم يجزه آخرون حتى ينطق بالقبول، لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية، فلم ينعقد القبول بالشروع (٢). ج - سلطة القاضي واختصاصه: ٢٦ - للإِمام أن يولي القاضي عموم النظر في (١) معين الحكام ص ١٤، وتبصرة الحكام ١ / ٢١، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٩١، وكشاف القناع ٦ / ٢٨٩ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٥، ٦٦، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٩٢، الأحكام السلطانية لأبي یعلی ص ٤٨، وتبصرة الحكام ١/ ٢٢ . عموم العمل بأن يوليه سائر الأحكام بسائر البلاد . ويجوز أن يوليه عموم النظر في خصوص العمل، فيقلده النظر في جميع الأحكام في بلد بعینه، فینفذ حکمه فیمن سکنه ومن أتی إلیه من غیر سكانه. ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل فيقول مثلا: جعلت إليك الحكم في المداينات خاصة في جميع ولايتي، أو يجعل حکمه في قدر من المال نحو أن يقول: احكم في المائة فما دونها. ويجوز أن يوليه خصوص النظر في خصوص العمل كأن يوليه قضاء الأنكحة في مدينة بعينها أو شطر منها (١). الولاية العامة : ٢٧ - إن كانت ولاية القاضي عامة مطلقة التصرف في جميع ما تضمنته فنظره يشتمل على عشرة أحكام : أحدها: فصل المنازعات، وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحا عن تراض أو إجبارا بحكم بات. الثاني: استيفاء الحقوق من الممتنع منها، وإيصالها إلى مستحقها بعد ثبوت (١) أدب القاضي للماوردي ١ / ١٧٩، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٢، والمغني ٩ / ١٠٥. - ٢٩٨ - قضاء ٢٧ - ٢٨ استحقاقها . الثالث: ثبوت الولاية على من كان ممنوعاً من التصرف، لجنون أو صغر، والحجر على من یری الحجر عليه لسفه أو فلس، حفظا للأموال علی مستحقها . الرابع: النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وقبض غلتها، وصرفها في سبلها، فإن كان عليها مستحق للنظر رعاه، وإن لم يكن تولاه. الخامس: تنفيذ الوصايا على شرط الموصي فيما أباحه الشرع، فإن كانت لمعينين نفذها بالإِقباض، وإن كانت لغير معينين كان تنفيذها إلى اجتهاد النظر. السادس: تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدم الأولياء. السابع: إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كانت من حقوق الله تعالى تفرّد باستيفائه من غير مطالب، إذا ثبت بالإِقرار أو البينة، وإن كانت من حقوق الآدميين وقفت على طلب مستحقيها . الثامن: النظر في مصالح عمله، من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها وإن لم يحضر خصم. التاسع : تصفح شهوده وأمنائه، واختبار النائبین عنه من خلفائه . العاشر: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والشريف والمشروف ولا يتبع هواه في الحكم (١). الولاية الخاصة : ٢٨ - إذا كانت ولاية القاضي خاصة فهي مقصورة النظر على ما تضمنته، كمن جعل له القضاء في بعض ما تقدم من الأحكام، أو في الحكم بالإقرار دون البينة، أو في الدیون دون قضايا النكاح، أو في مقدار من المال، فيصح التقليد، ولا يجوز أن يتعداه لأنها ولاية، فصحت عموماً وخصوصا كالوكالة، وعلى ذلك فالقضاء يقبل التقييد والتعليق ويتخصص بالزمان والمكان والخصومة، فلو أمر- ولي الأمر- بعدم سماع الدعوى عند الإِنكار بعد خمس عشرة سنة لم تسمع، ولو سمعها القاضي لم ينفذ حکمه، ولو جعل ولاية القاضي مقصورة على الحكم بين شخصین استمرت ولايته عليهما باقية ما كان التشاجر بينهما باقيا، فإذا بتّ الحكم بينهما زالت ولايته (٢)، ويجوز أن يحدد عمل القاضي بيوم أو أيام معينة في الأسبوع، كأن (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٧ - ٦٩. (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٧ - ٦٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٩ - ٥٢، وابن عابدين ٥ / ٤١٩، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٩٤ . - ٢٩٩ - قضاء ٢٨ - ٢٩ يقلد النظر في يوم السبت خاصة فيجوز له النظر فيه بين جميع الخصوم، فإذا خرج يوم السبت لم تزل ولايته لبقائها على أمثاله من الأيام، وإن كان ممنوعا من النظر فيما عداه (١). د - تقييد القاضي بمذهب معين: ٢٩ - إذا قلّد الإِمام قاضيا وشرط عليه ألا يحكم إلا بمذهب بعينه، فلا يخلو ذلك أن یکون شرطًا في عقد التولية، كأن يشترط عليه أن لايحكم إلا بمذهب أبي حنيفة مثلاً، أو يكون أمراً كقوله : احكم بمذهب الشافعي، أو نهیاً کقوله: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة، وقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك، فذهب الحنفية إلى أن القاضي يحكم بمذهبه لا مذهب غيره، إذ يشترط عندهم لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأي القاضي - أي لمذهبه - مجتهداً كان أو مقلداً، فلو قضی بخلافه لا ینفذ لکن الکاساني قال: إنه إذا كان مجتهدًا ينبغي أن يصح ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير، لكن إذا قیده السلطان بصحیح مذهبه تقید بلا خلاف، لكونه معزولا عن غیر ما قیده به، (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٠، والأحكام السلطانية لأبي یعلی ص ٥٤ . وهذا هو ما ذهب إليه متأخرو الحنفية (١). وقال المالكية: إن اشترط الإِمام ذلك الشرط في جميع الأحكام فالعقد باطل والشرط باطل، سواء قارن الشرط عقد الولاية أو تقدمه ثم وقع العقد، أما إذا كان الشرط خاصًّا في حكم بعينه فلا يخلو الشرط أن يكون أمراً أو نهياً، فإن كان أمراً مثل أن يقول: وليتك على أن تقتص من المسلم بالكافر فیفسد العقد والشرط، وإن كان نهياً فهو على ضربين: أحدهما: أن ینهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر مثلا، ولا يقضي فيه بقود ولا بإسقاطه، فهو جائز لأنه قصر ولایته على ما عداه، وأخرجه من نظره. الثاني: أن ینهاه عن الحكم فيه، وینهاه عن القضاء في القصاص، فيصح العقد، ويخرج المستثنى عن ولايته فلا يحكم فيه بشيء، قال ابن فرحون: ومن الفقهاء من يقول: تثبت ولایته عموماً ويحكم فيه بما نهاه عنه بمقتضى اجتهاده، كل هذا إذا كان شرطا في الولاية، فأما لو أخرجه مخرج الأمر والنهي فقال: وليتك القضاء على أن تحكم بمذهب مالك فالولاية صحيحة والشرط باطل، ويجب أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده، سواء وافق شرطه أو خالفه، وأضاف ابن (١) ابن عابدين ٥ /٤٠٧، والمادة / ١٨١٠ من مجلة الأحكام العدلية . - ٣٠٠ -