Indexed OCR Text
Pages 161-180
قرية ٢ - ٤ الألفاظ ذات الصلة : أ - المصر: ٢ - المصر في اللغة: اسم لكل بلد محصور أي محدود تقام فيها الدور والأسواق والمدارس وغيرها من المرافق العامة، ويُقسم فيها الفيء والصدقات . واختلفوا في معناها الاصطلاحي، فعن أبي حنيفة رحمه الله : أن المصر بلدة كبيرة فيها سك وأسواق، ولها رساتيق وفيها وال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمه وعلمه أو علم غيره، والناس يرجعون في الحوادث إليه . قال الكرخي : إن المصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام . وقال القليوبي: المصر العمارة المجتمعة الذي فيه حاكم شرعي وشرطي وأسواق للمعاملات . والمصر أعظم من القرية (١). ب - البلد: ٣ - البلد في اللغة: اسم للمكان المختط المحدود المتأنس باجتماع قطانه وإقامتهم (١) لسان العرب، المصباح المنير، غريب القرآن، المعجم الوسيط مادة (مصر) بدائع الصنائع ٢٥٩/١، الفواكه الدواني ٣٠٥/١، حاشية القليوبي وعميرة ١٢٥/٣، مغني المحتاج ٤١٩/٢ . فيه، ويستوطن فيه جماعات ويسمى المكان الواسع من الأرض بلداً . والبلد أكبر من القرية (١). الأحكام المتعلقة بالقرية : أ - في صلاة الجمعة : ٤ - اختلف الفقهاء في حكم وجوب الجمعة على أهل القرى فذهب الحنفية إلى أنه لا . تجب الجمعة على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها لقول النبي مَله: ((لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع)) (٢)، ولما روي عن علي رضي الله عنه: ((لا جمعة ولا تشریق إلا في مصر جامع)) (٣)، ولأن النبي صَ ل ◌ّ كان يقيم الجمعة في المدينة وماروي عنه أنه أقامها في القرى التي حولها، وكذا الصحابة رضي الله عنهم فتحوا البلاد وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار، ولأن الظهر فريضة فلا يترك إلا بنص قاطع والنص ورد بترك الجمعة إلا في الأمصار ولهذا لا تؤدى الجمعة في البراري، ولأن الجمعة من أعظم الشعائر فتختص (١) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط، المفردات في غريب القرآن مادة: (بلد)،، وحاشية القليوبي ١٢٥/٣. (٢) حديث: ((لاجمعة ولا تشريق ... )) أورده الزيلعي في نصب الراية (١٩٥/٢) ومال. ((غريب مرفوعاً، وإنما وجدناه موقوفاً على علي)). (٣) قول علي: ((لاجمعة ولا تشريق ... )) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٨/٣). - ١٦١ - قرية ٤ بمكان إظهار الشعائر وهو المصر (١). وذهب المالكية إلى وجوب الجمعة على أهل القرية بشرط أن يوجد فيها عدد تتقرى بهم القرية من أهل الجمعة، يمكنهم الإِقامة آمنین مستغنين عن غيرهم في الدفاع عن أنفسهم وعن قريتهم، ولم يحددوا ذلك بعدد معين بل قالوا: إن ذلك العدد يختلف بالنسبة إلى الجهات والأوطان في كثرة الأمن والخوف، ففي الجهات الآمنة تتقرى القرية بالنفر اليسير بخلاف غيرها مما يتوقع فيه الخوف، إلا أنهم اتفقوا في المذهب على أنها لا تجب على الثلاثة والأربعة وعلى أنها تنعقد بما دون الأربعين، قال المواق بعدما استعرض أقوال علماء المالكية في عدد الذين تتقری بهم القرية: وقد حصل من هذا صحة ماصدرت مني بها فتيا وهي : أن من شرط إقامة الجمعة أن تکون القرية بها ثلاثون رجلا فإن حضروا فبها ونعمت، وإلا صلوا ظهرا فإن صلوا جمعة أجزاتهم ، إن كانوا اثني عشر رجلا فأكثر، فأجزت الصلاة مراعاة لقول ابن العربي وغيره - في هذا المجال - (٢). وذهب الشافعية إلى أن أهل القرية إن كان فيهم جمع تصح به الجمعة وجبت عليهم (١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٢٥٩/١. (٢) مواهب الجليل ١٦١/٢ وما بعدها، التاج والإكليل لمختصر خليل بالهامش ٢/ ١٦١ . الجمعة لأن القرية في هذه الحالة كالمدينة، وكذا إن بلغهم صوت من مؤذن يؤذن في البلدة المجاورة بصورة عادية في الأوقات الهادئة لقول النبي وقال: ((الجمعة على من سمع النداء)) (١). ولو سمع أهل القرية النداء من بلدین مجاورين فعليهم حضور الأكثر جماعة فإن استويا فمراعاة الأقرب أولى كنظيره في الجماعة، وقيل: الأولى مراعاة الأبعد لكثرة الأجر بسبب المشي الزائد . أما إذا لم يوجد في القرية الجمع المذكور ولم يبلغهم نداء الأذان من بلد مجاور فلا جمعة علیهم، قالوا: حتی لو کانت قریتان أو قری متقاربة يبلغ بعضها نداء بعض، وكل واحدة منها ينقص أهلها عن أربعين لم تجب الجمعة علیھم ولم تصح منهم باجتماعهم في إحدى قراهم، لأنهم غير متوطنين في محل الجمعة (٢). أما الحنابلة فذهبوا إلى أن أهل القرية لا يخلون من حالين: إما أن يكون بينهم وبين (١) حديث: ((الجمعة على من سمع النداء)). أخرجه أبو داود (٦٤٠/١) من حديث عبد الله بن عمرو، وأشار إلى إعلاله بالوقف، وقال ابن حجر في الفتح (٣٨٥/٢) يؤيده قوله ﴿ لابن أم مكتوم: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب . (٢) مغني المحتاج ٢٧٨/١، المجموع للنووي ٤٨٦/٤ وما بعدها . - ١٦٢ - قرية ٤ المصر أکثر من فرسخ أو لا؟ فإن کان بينهم وبين المصر أكثر من فرسخ لم يجب عليهم السعي إلى المصر، وحالهم معتبر بأنفسهم فإن كانوا أربعين واجتمعت فيهم شرائط الجمعة، فعليهم إقامة الجمعة وهم مخيرون بين السعي إلى المصر وبين إقامتها في قریتهم، والأفضل إقامتها في قریتهم لأنه إذا سعى بعضهم أخل على الباقين الجمعة، وإذا أقاموها في قریتهم حضرها جمیعهم، ولأن إقامتها بموضعهم تکثیر لجماعات المسلمين . وإن كانوا ممن لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم فهم مخیرون بین السعي إلیھا وبین أن يصلُّوا ظهرا، والأفضل السعي إليها لينالوا فضل الساعي إلى الجمعة ويخرجوا من الخلاف . والحال الثاني: أن یکون بین قریتهم وبین المصر فرسخ فما دون فینظر فیھم فإن كانوا أقل من أربعين - من أهل الجمعة - فعليهم السعي إلى الجمعة لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. وإن كانوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وكان موضع الجمعة القريب منهم قرية أخرى لم يلزمهم السعي إليها وصلُّوا في مکانهم إذ ليست إحدى القريتين بأولى من الأخرى، وإن أحبوا السعي إليها جاز ولكن الأفضل أن يصلُّوا في مكانهم، فإن سعی بعضهم فنقص عدد الباقين لزمهم السعي لئلا يؤدي ذلك إلى ترك الجمعة . وإن كان موضع الجمعة القريب مصرا فهم مخيّرون أيضا بين السعي إلى المصر وبين إقامة الجمعة في قريتهم . وعن أحمد أن السعي إلى المصر يلزمهم إلا أن يكون لهم عذر فيصلّوا جمعة في قريتهم والأول أصح لأن أهل القرى يقيمون الجمع في بلاد الإسلام وإن كانوا قريبين من المصر من غیر نکیر . وإذا كان أهل المصر دون الأربعين فجاءهم أهل القرية فأقاموا الجمعة في المصر لم يصح، لأن أهل القرية غير مستوطنين في المصر وأهل المصر لا تنعقد بهم الجمعة لقلتهم . وإن كان أهل القرية ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم لزم أهل المصر السعي إلیهم، إذا كان بينهم أقل من فرسخ کما يلزم أهل القرية السعي إلى المصر إذا أقيمت به، وكان أهل القرية أقل من أربعين . أما إن كان في كل واحد من المصر والقرية (١) سورة الجمعة /٩ . - ١٦٣ - قرية ٤ - ٥ دون الأربعين لم تجز إقامة الجمعة في واحد منهما (١). ب - في السفر: ٥ - قال جمهور الفقهاء: إن من سافر من قرية لها سور فأول سفره الذي يجوز له الأخذ برخص السفر- من قصر الصلاة الرباعية وجمع بين الصلوات وغير ذلك - هو مجاوزة سورها المختص بها وإن تعدد السور أو كان في داخله مزارع وبساتين وخراب، لأن مافي داخل السور معدود من نفس القرية محسوب من موضع الإِقامة، ومثل السور الخندق، أو الحاجز الترابي الذي يحوطه أهل القرى بقراهم فإن لم يكن للقرية سور أو نحوه أو لها سور غير خاص بها، كأن جمع معها قرية أخرى أو أكثر ولو مع التقارب، فأول سفره مجاوزة العمران بأن يخرج من بيوت قريته ونجعلها وراء ظهره، لأن الضرب في الأرض المذكور في قوله تعالى ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُوأمِنَ الصَّلَوَةِ﴾(٢) الآية، یتحقق بذلك قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي (١) المغني لابن قدامة ٣٦١/٢ وما بعدها . (٢) سورة النساء / ١٠١. يخرج منها . قال الشافعية: ولا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع المتصلة بالقرية لأنها ليست من القرية، ولأنها لا تتخذ للإِقامة عادة . وقال المالكية: يشترط مجاوزة البساتين المسكونة المتصلة أو مافي حكمها كالبساتين التي یرتفق أهلها بالمرافق المتصلة من أخذ نار وطبخ وخبز وما يحتاج إلى شرائه، وأما المزارع والبساتين المنفصلة حقيقة وحكما فلا يشترط مجاوزتها . والقريتان المتصلتان - قال المالكية : ومثلهما المتقاربتان بحيث يرتفق أهل كل واحد منهما بأهل الأخرى - يشترط مجاوزتهما لأنهما في حكم القرية الواحدة . وأما المنفصلتان - قال الشافعية: ولو كان الانفصال يسيرا - فلا يشترط تجاوزهما بل يكفي لتحقق سفره مجاوزة قريته فقط، قال المالكية: ومثل المنفصلتين المتعاديتان بحيث لا يرتفق أهل إحداهما بالأخرى بسبب العداوة التي بينهما فلا يشترط مجاوزتهما . وينتهي سفر المسافر إذا رجع إلى قريته ببلوغه مااشترط مجاورته ابتداء (١). (١) حاشية ابن عابدين ٥٢٥/١، الفواكه الدواني ٢٩٨/١، · المجموع للنووي ٣٤٦/٤ وما بعدها، مغني المحتاج ١/ ٢٦٤، المغني لابن قدامة ٢٥٩/٢ . - ١٦٤ - قَزَع ١ - ٢ قَزَع التعريف : ١ - من معاني القَزَع - بفتح القاف والزاي - في اللغة: قطع من السحاب رقيقة واحدها قزعة، وصغار الإِبل، وأن يُحلق الرأس ويُترك شعر متفرق في مواضع فذلك الشعر قزع (١). وفي الاصطلاح: قال ابن عابدين: القزع: هو أن يحلق بعض الرأس ويترك البعض قِطَعًا مقدار ثلاثة أصابع كذا في الغرائب. وقال النووي : القزع حلق بعض الرأس مطلقا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه (٢) . الحكم التكليفي: ٢ - اتفق الفقهاء على كراهة القزع(٣)، لأن (١) القاموس المحيط، والمغرب للمطرزي، والنهاية لابن الأثير، والصحاح . (٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣٤٧/١٣ ط. دار القلم، وانظر فتح الباري ١٠/ ٣٦٥، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٤ ط. دار القلم، وحاشية ابن عابدين ٢٦١/٥ . (٣) ابن عابدين ٢٦١/٥، القوانين الفقهية ص ٤٤٩ نشر الدار= النبي ◌َّ نهى عن القزع وقال: ((احلقوه كله أو اترکوە کله» (١). واختلف في علة النهي فقيل: لكونه يشوه الخلقة، وقيل: لأنه زي الشيطان، وقيل لأنه زي اليهود، وقد جاء هذا فى رواية " لأبي داود (٢)، وقيل زي أهل الشر والدعارة (٣) قال النووي : أجمعوا علی کراهیته إذا كان في مواضع متفرقة إلا للمداواة أو نحوها، وهي كراهة تنزيه ولا فرق بين الرجل والمرأة، وكرهه مالك في الجارية والغلام، وقيل في رواية لهم: لا بأس به في القصة، والقفا للغلام والجارية قال: ومذهبنا كراهته مطلقا (٤) . والقصة بضم القاف وتشديد الصاد المهملة: شعر الصدغين (٥). = العربية للكتاب، وأسنى المطالب ٥٥١/١، والمغني ١ /٩٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣٥٠/٣ - ٣٥١ . (١) حديث: نهى النبي ◌َله عن القزع وقال: ((احلقوه كله أو اتركوه کله» . أخرجه أبو داود (٤١١/٤).وأصله في البخاري (فتح الباري ٣٦٣/١٠ - ٣٦٤) ومسلم (١٦٧٥/٣). (٢) فتح الباري ٣٦٥/١٠ . وحديث: ((أن القزع من زي اليهود)). أخرجه أبو داود (٤١٢/٤) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده راوية مجهولة كما في الميزان للذهبي (٦١٠/٤) . (٣) عمدة القاري ٥٨/٢٢° . (٤) فتح الباري ١٠/ ٣٦٥ . (٥) عمدة القاري ٥٨/٢٢ . - ١٦٥ - قَسامة ١ - ٤ قَسامة التعريف : ١ - من معاني القسامة في اللغة: الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم . ومن معانيها الهدنة: تكون بين العدو والمسلمين . ومن معانيها: الحسن (١). والقسامة في الاصطلاح عند الحنفية: هي أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها: بالله ماقتلناه ولا علمنا له قاتلا (٢). وقال المالکیة ۔ کما ذکر ابن عرفة۔۔ إن القسامة هي حلف خمسین یمینا أو جزءا منها على إثبات الدم (٣). وهي عند الشافعية: اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم (٤) . (١) المصباح المنير، وترتيب القاموس المحيط. (٢) بدائع الصنائع ٢٨٦/٧، وتكملة فتح القدير ٣٨٤/٨. (٣) مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٢٧٣/٦، والقوانين الفقهية ص ٢٢٨. (٤) مغني المحتاج ١٠٩/٤ . وعند الحنابلة: هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل (١). الألفاظ ذات الصلة : أ - اليمين : ٢ - من معاني اليمين لغة: القوة، والقسم، والبركة (٢). واصطلاحا: توكيد حكم بذكر معظّم علی وجه مخصوص (٣) . والصلة بين اليمين وبين القسامة: أن اليمين أعم . ب - اللوث : ٣ - اللوث قرينة تثير الظن وتوقع في القلب صدق المدعى (٤). والصلة بين اللوث وبين القسامة أن اللوث شرط في القسامة . حكم القسامة : ٤ - اختلف الفقهاء في حكم القسامة : فذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة وأنه يثبت بها القصاص أو الدیة إذا لم تقترن الدعوى ببيِّنة أو إقرار، ووجد اللوث . (١) المغني والشرح الكبير ٢/١٠، والفروع لابن مفلح ٤٦/٦. (٢) القاموس المحيط. (٣) مطالب أولي النهي ٣٥٧/٦، ٣٥٨. (٤) روضة الطالبين ١٠/١٠. - ١٦٦ - قَسامة ٤ ودلیل مشروعیتھا: «ماروي عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة خرجا إلی خیبر من جهد أصابهم، فأتى محيِّصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ماقتلناه، ثمّ أقبل حتی قدم على قومه فذكر لهم ذلك ثمّ أقبل هو وأخوه حُويِّصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيِّصة لیتکلم وهو الذي کان بخیبر، فقال رسول الله وقتل﴾ لمحيِّصة: كبر كبر (یرید السنّ) فتكلم حويُّصة ثم تكلم محيِّصة فقال رسول الله وَالثّ: إمّا أن يُدُوا صاحبكم وإمّا أن يؤذنوا بحرب، فكتب رسول الله أَئله إليهم في ذلك، فكتبوا إنا والله ماقتلناه، فقال رسول الله مَله لحويصة ومحيصة وعيد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا : ليسوا بمسلمين، فوداه رسول اللّه مَ له من عنده، فبعث إليهم رسول الله مَليل مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، فقال سهل : فلقد رگّضتني منها ناقةحمراء))(١). (١) حديث: سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٢٩/١٢) ومسلم (١٢٩١/٣-١٢٩٢) واللفظ لمسلم. وبما ورد عن أبي سلمة عن رجل من أصحاب رسول الله وَ ليل من الأنصار ((أن رسول الله آل﴾ أقر القسامة على ماكانت عليه في الجاهلية، وزاد في رواية : وقضی بها رسول اللّه ◌َ لّ بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعوه على اليهود))(١). وذهب الحكم بن عيينة، وأبو قلابة، وإبراهيم بن علية، وسليمان بن يسار، ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه، إلى عدم الأخذ بالقسامة، وعدم وجوب العمل بها، لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها . ومن هذه الأصول: أن لا يحلف أحد إلا على ماعلم قطعا أو شاهد حسا، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القاتل، بل قد يكونون في بلد، والقاتل في بلد آخر (٢)، واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي بِّ قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لأَدَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه)) (٣). (١) حديث: ((رجل من الأنصار ... )) أخرجه مسلم (١٢٩٥/٣). (٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٢٣٥/١٢ . (٣) حديث: أن النبي 18 قال: ((لو يعطي الناس بدعواهم ... ) أخرجه مسلم (١٣٣٦/٣) من حديث ابن عباس. - ١٦٧ - قَسامة ٥ - ٩ حكمة مشروعية القسامة : ٥ - شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإِسلام أو يطل، وكيلا يفلت مجرم من العقاب، قال علي لعمر رضي الله عنهما فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: يا أمير المؤمنين لا یطل دم امریء مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال (١). فالشريعة الإِسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه، لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظا للدماء (٢). شروط القسامة : الشرط الأول: أن يكون هناك لوث : ٦ - سبق تعريف اللوث في الألفاظ ذات الصلة، وهو شرط عند الجمهور (٣). والتفصيل في مصطلح (لوث) . الشرط الثاني : أن يكون المدعى عليه مكلفا : ٧ - يشترط أن يكون المتهم بالقتل مكلفا حتى تصح الدعوى بالقسامة حيث (١) المغني والشرح الكبير ٩/١٠. (٢) بداية المجتهد ٤٢٨/٢. (٣) مغني المحتاج ١١١/٤، وروضة الطالبين ١٠/١٠، والمغني والشرح الكبير ٨،٧/١٠، وشرح الخرشي ٥١/٨، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧/ ٣٧٠ . لاقسامة على الصبي والمجنون، هذا عند الشافعية والحنابلة (١). أما غيرهم فعلى عدم اشتراطه، وأن المكلف وغيره سواء في القسامة . الشرط الثالث: أن يكون المدعي مكلفا: ٨ - يشترط لصحة الدعوى أن يكون المدعي مکلفا، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، بل يدعي لهما الولي أو يوقف إلى كمالهما، ولو كان صبيا أو مجنونا وقت القتل كاملا مكلفا عند الدعوى سمعت، لأنه قد يعلم الحال بالتسامع، وله أن يحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني، أو بسماع ممن يثق به (٢). الشرط الرابع : أن يكون المدعى عليه معينا: ٩ - قال جمهورالفقهاء: إنه لو كانت الدعوى على أهل مدينة، أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة بغير أعيانها لا تجب القسامة (٣)، فإن ادعى القتل على شخص أو جماعة معينين، فهي مسموعة، إذا ذكرهم للقاضي وطلب إحضارهم أجابه إلى طلبه، وإن ذكر جماعة لا يتصور اجتماعهم على (١) منتهي الإِرادات ٣٣٣/٣، ومطالب أولي النهى ١٤٨/٦، والوجيز في الفقه للغزالي ٢ /١٥٩، وروضة الطالبين ٤/١٠. (٢) الوجيز في الفقه للغزالي ١٥٩/٢، ومغني المحتاج ١١٠/٤. (٣) المغني والشرح الكبير ٥،٤/١٠، وشرح الخرشي ٨/ ٥٥. - ١٦٨ - قَسامة ٩ - ١١ القتل لا يبالى بقوله، فإنه دعوی محال . ولو قال: قتل أبي أحد هذين، أو واحد من هؤلاء العشرة، وطلب من القاضي أن يسألهم، ويحلف كل واحد منهم فهل يجيبه؟ وجهان:أصحهما لا، ولو قال في دعواه على حاضرين قتله أحدهم، أو قتله هذا أو هذا، وطلب تحليفهم لم يحلفهم القاضي على الأصح، لإِبهام المدعى عليه، فلا تسمع هذه الدعوى (١)، وذلك مثل لو ادعى وديعة، أو دينا على أحد الرجلين أو الرجال، لم يسمع . وقال الحنفية: إن تعيين المدعى عليه لا يشترط للقسامة، بل إنه إذا عين المدعى عليه فقد اختلفوا، ففي ظاهر الرواية: لا تسقط القسامَةِ، كما لو لم يعين، لأن الشارع أوجب القسامة ابتداء على أهل المحلة، فتعيينه واحدا منهم لا ینافي ماشرعه الشارع، فتثبت القسامة والدية على أهل المحلة . وفي رواية عن أبي يوسف في غير رواية الأصول: أن القسامة والدية تسقط عن الباقين من أهل المحلة، ويكلف الولي بالبينة، وإلا حلف المدعى عليه يمينا واحدا (٢). (١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٣٦٨/٧، والوجيز في الفقه للغزالي ٢ /١٥٨. (٢) ابن عابدين ٤٠٣/٥، وتكملة فتح القدير ٣٨٨/٨. الشرط الخامس: ألا تتناقض دعوى المدعى : ١٠ - يشترط لوجوب القسامة ألا تتناقض دعوى المدعين، فإن قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمدا، وقالوا: بل قتله خطأ، أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، ولا یجابون لذلك، لأنهم كذبوا أنفسهم (١) . وأضاف الشافعية: أنه لو ادعى على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعى على آخر أنه شريكه، أو أنه القاتل منفردا لم تسمع الدعوى الثانية لمناقضتها الدعوى الأولى وتكذيبها، ولو ادعی عمدا ووصفه بغيره من خطأ أو شبه عمد أو عكسه بطل الوصف، ولم يبطل أصل دعوى القتل في الأظهر، لأنه قد يظن ماليس بعمد عمداً، أو عكسه فیعتمد تفسيره (٢) . الشرط السادس: أن يكون أولياء القتيل ذکورا مکلفین : ١١ - عند المالكية: إن كانت الدعوى بالقتل (١) شرح الخرشي ٥١/٨، والأنوار لأعمال الأبرار ٥٨/٢، والمغني والشرح الكبير ٤/١٠، وكشاف القناع ٧٣/٦. (٢) مغني المحتاج ١١٠/٤-١١١، والوجيز في الفقه للغزالي ١٥٩/٢. - ١٦٩ - قَسامة ١١ - ١٣ عمدا، فیشترط فيمن يحلف الأيمان أن يكون ذكرا مكلفا، وأما النساء فلا يحلفن في العمد، وأما إن كانت الدعوى بالقتل خطأ، فإن الذي يحلف أيمان القسامة هو من يرث المقتول ذكورا كانوا أو إناثا (١). وعند الشافعية لو كان للقتيل ورثة وزعت الأيمان بحسب الإِرث، وجبر المنكسر، ولا فرق في ذلك بين الذكور والإناث (٢). وذهب الحنابلة إلى أنه يشترط أن يكون أولياء القتيل ذكورا مكلفين، ولا يقدح غيبة بعضهم أو نكوله، فللذكر الحاضر المكلف أن يحلف بقسطه ويأخذ نصيبه من الدية، وكذلك لمن قدم من الخارج، أو كلف أن يحلف بقسط نصيبه ويأخذ قدر نصيبه من الدية، ودليلهم في هذا قول النبي مَّ : ((يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم)) (٣)، ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته، وإنما يثبت المال ضمنا، فجرى ذلك مجرى (١) حاشية الدسوقي ٢٩٣/٤- ٢٩٥ (٢) مغني المحتاج ١١٥/٤-١١٦. (٣) حديث: ((يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٣١/١٢) من حديث أنس بمعناه . رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها، فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان مقصودها المال (١). الشرط السابع: وصف القتل في دعوى القسامة : ١٢ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون دعوى القسامة مفصلة (٢). الشرط الثامن: أن يكون بالقتيل أثر قتل : ١٣ - اشترط بعض الفقهاء أن يكون في القتيل أثر قتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية، لأنه إذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف أنفه فلا يجب به شيء . وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، قال الحنفية: فإذا وجد والدم يخرج من فمه أو أنفه أو دبره أو ذكره لا شيء فيه، لأن الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب، وإنما بسبب القيء أو الرعاف ونحوهما، فلا يعرف كونه قتيلا . (١) المغني لابن قدامة ٢٤/١٠، كشاف القناع ٧٢/٦-٧٩. (٢) شرح الخرشي ٥١/٨، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٢٧٠/٦، ونهاية المحتاج ٣٦٩/٧ - ٣٧٠، والأنوار لأعمال الأبرار ٤٥٦/٢، وحاشية البجيرمي ١٣٧/٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٠٣/٥، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/ ٣٥. - ١٧٠ - قَسامة ١٣ - ١٤ وإن كان الدم يخرج من عينه، أو أذنه ففيه القسامة والدية، لأن الدم لا يخرج من هذه المواضع عادة فكان خروجه بسبب القتل، وعلى هذا لا يشترط الحنفية اللوث، وإنما يكفي أن توجد الجثة في محلة وبها أثر القتل، واعتبر المالكية وجود أثر القتل سببا من أسباب اللوث . وذهب الشافعية والحنابلة - وهو المذهب - إلى أنه لا يشترط في القسامة ظهور دم ولا جرح، لأن النبي وَلّه لم يسأل الأنصار هل بقتيلهم أثر أم لا؟ ولأن القتل يحصل بالخنق وعصر البيضة ونحوهما، وعند الشافعية إذا ظهر أثره قام مقام الدم، فلو لم یوجد أثر أصلا فلا قسامة على الصحيح في الروضة وأصلها، وإن قال في المهمات: إن المذهب المنصوص وقول الجمهور بثبوت القسامة (١). الشرط التاسع: أن يوجد القتيل في محل ملوكٍ لأحد أو في يد أحد: ١٤ - ذهب الحنفية إلى أنه يشترط في القسامة أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لأحد أو في يد أحد، فإن لم یکن ملکا لأحد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامة (١) بدائع الصنائع ٤٧٣٩/١٠، وبداية المجتهد ٤٣١/٢، ومغني المحتاج ١١١/٤، والفواكه الدواني ٢٤٩/٢، والمغني والشرح الكبير ٢٠/١٠، وكشاف القناع ٧٠/٦. فيه ولا دية، وإن كان التصرف في المكان لعامة المسلمين لا لواحد منهم ولا لجماعة يحصون لا تجب القسامة وتجب الدية . وإنما كان كذلك لأن القسامة إنما تجب بترك الحفظ اللازم (١). وعلى ذلك لو وجد القتيل في فلاة من الأرض ليس بملك لأحد فإنه لاقسامة فيه ولا دية إذا كان بحيث لا يسمع الصوت من الأمصار ولا من قریة، فإن كان بحیث يسمع تجب القسامة على أقرب المواضع إليه . وذهب المالكية والشافعية والقاضي من الحنابلة إلى أن وجود المقتول في قرية قوم أو دراهم إذا کان یخالطهم غيرهم فيها لا يعتبر لوثا يوجب القسامة، وأما إن لم یکن يدخل قريتهم سواهم، ووجد قتيل من غيرهم فيها، فإنه يكون لوثا يوجب القسامة، كما في قضية عبد الله بن سهل رضي الله عنه، فإنه عليه الصلاة والسلام جعل فيه القسامة لابني عمه حويصة ومحيصة وأخيه عبد الرحمن، لأن خيبر ماكان يخالط اليهود فيها غيرهم (٢). ونص أحمد في رواية منها أنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به (١) بدائع الصنائع ٢٨٩/٧. (٢) حاشية الدسوقى ٢٩٢/٤، والفواكه الدواني ٢/ ٢٥٠، وروضة الطالبين ١٠ /١٠. - ١٧١ - قَسامة ١٤ - ١٧ القتيل غير العدو. لأن النبي ويلي لم يسأل الأنصار هل كان في خيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها (١). الشرط العاشر: إنكار المدعى عليه : ١٥ - ذهب إلى هذا الشرط الحنفية، لأن اليمين وظيفة المنكر، قال عليه الصلاة والسلام: ((واليمين على من أنكر)) (٢) فجعل جنس اليمين على المنكر، فينفى وجوبها على غير المنكر (٣). الشرط الحادى عشر: الإِسلام: ١٦ - وهو شرط عند المالكية في المقتول (٤) فلا تصح القسامة إذا كان ذميا، فإذا قلنا بعدم القسامة في القتيل الكافر، فإن ثبت أن المسلم قتله بشاهدين فإنه يغرم ديته في العمد من ماله، ومع العاقلة في القتل الخطأ، وإن لم یوجد إلا شاهد، فإن وليه يحلف یمینا واحدة ويأخذ ديته، ويضرب الجاني مائة في العمد ويحبس سنة . أما جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية (١) المغني مع الشرح الكبير ٨/١٠. (٢) حديث: ((واليمين على من أنكر)) . أخرجه البيهقي(٢٥٢/١٠)،من حديث ابن عباس وذكره ابن حجر في التلخيص (٣٩/٤) وأعله بالإِرسال وتضعيف أحد رواته . (٣) بدائع الصنائع ٢٨٨/٧ . (٤) القوانين الفقهية ص ٣٧٨، وشرح الخرشي ٥٩/٨، وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٤، والفواكه الدواني ٢٥٤/٢ . والحنابلة، فقد أثبتوا القسامة لغير المسلم إذا كان ذميا، لأن لهم ماللمسلمين، وعليهم ماعلیهم إلا مانص عليه بدلیل، ولأن دم الذمي مصون في دار الإِسلام لذمته (١)، وقد قال رسول الله وَله: ((من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن کنت خصمه خصمته یوم (٢) القيامة )) (1) كيفية القسامة : ١٧ - اختلف العلماء في كيفية القسامة على مذهبین: المذهب الأول: لجمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة وربيعة، والليث، وأبي الزناد فقالوا: إن الأيمان في القسامة توجه إلى المدعين، فيكلفون حلفها لیثبت مدعاهم ویحکم لهم به، فإن نكلوا عنها وجهت الأيمان إلى المدعی علیھم، فيحلف أولياء القتيل خمسين يمينا، ويستحب أن يستظهر الحالف ألفاظ اليمين حتى تكون اليمين مؤكدة فيقول: والله الذي لا إله إلا هو الذي يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور. (١) بدائع الصنائع ٤٧٤٢/١٠، والقليوبي وعميرة ٦٣/٤، والأم للشافعي ٩٨/٦، والمغني والشرح الكبير ٣١/١٠ -٣٢. (٢) حديث: ((من آذى ذميا فأنا خصمه ... )) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٨٠/٨) من حديث عبدالله ابن مسعود واستنكره. - ١٧٢ - قَسامة ١٧ ويشترط أن تكون اليمين باتة قاطعه في ارتكاب المتهم الجريمة بنفسه أو بالاشتراك مع غيره، وأن یبین ماإذا كان الجاني قد تعمد القتل أم لا فيقول: والله إن فلانا ابن فلان قتل فلانا منفردا بقتله ماشركه غيره . ويشترط عند بعض المالكية (١) أن تكون الأيمان متوالية، فلا تفرق على أيام أو أوقات، لأن للموالاة أثرا في الزجر والردع . ولا يشترط عند الشافعيه على المذهب والحنابلة موالاتها، لأن الأيمان من جنس الحجج، والحجج يجوز تفريقها كما لو شهد الشهود متفرقین، فإن حلفوا ثبت مدعاهم، وحكم لهم إما بالقصاص أو الدية على الخلاف في موجب القسامة، فإذا لم يحلف المدعون حلف المدعی علیه خمسین یمینا وبرىء، فيقول: والله ماقتلته ولا شاركت في قتله ولا تسببت في موته . فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه برىء المتهمون، وكانت دية القتيل في بيت المال عند الحنابلة خلافا المالكية والشافعية (٢)، وإن نكل المدعى علیهم عن اليمين ردت الأيمان عند الشافعية (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٩٣/٤. (٢) بداية المجتهد ٤٣٠/٢، وحاشية الدسوقي ٢٨٩/٤، ومغني المحتاج ١١٦/٤، والمغني والشرح الكبير ٣٠/١٠. على المدعين (١)، فإن حلفوا عوقب المدعى عليهم، وإن لم يحلفوا لا شيء لهم . وعند المالكية (٢) من نكل من المدعى عليهم حبس حتى يحلف أو يموت في السجن، وقيل: يجلد مائة ويحبس عاما، ولا يحبس عليها عند الحنابلة كسائر الأيمان . واستدل الجمهور لمذهبهم هذا بما روى . سهل بن ابي حثمة «انه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه قالوا: والله ماقتلناه، ثم أقبل حتى قدم على رسول الله ير فذكر له ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حویصة ۔ وهو أكبر منه - وعبد الرحمن ابن سهل أخو المقتول فذهب محيصة يتكلم - وهو الذي كان بخيبر- فقال رسول الله وله المحيصة كبر كبر، يريد السن، فتكلم حویصة، ثم تكلم محمصة، فقال رسول الله وَالى: ((إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب)) فكتب رسول الله وَئية إليهم في ذلك، فكتبوا إنا والله ماقتلناه، فقال رسول اللّهِ وَله، الحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: (١) مغني المحتاج ١١٦/٤. (٢) القوانين الفقهية لابن حزي ص ٢٢٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٩٦/٤، والمغني والشرح الكبير ٢٢/١٠. - ١٧٣ - قَسامة ١٧ ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم))؟ قالوا لا، قال: ((فتحلف لكم يهود)»، قالوا ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله وَل18 من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء))(١). فقد وجه النبي ◌ّ ﴾ اليمين أولا إلى المدعين حينما سألهم قائلا: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فلو لم تکن اليمين مشروعة في حقهم ابتداء ماوجهها الرسول لز إليهم . المذهب الثاني: للحنفية والشعبي والثوري والنخعي، فقد قالوا بتوجيه تلك الأيمان إلى المدعى عليهم ابتداء، فإن حلفوا لزم أهل المحلة الدية، وهذا مروي من قضاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه، ((عن سعيد بن عبيدعن بشير بن يسار زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا وقالوا للذي وجد فيهم قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ماقتلنا ولا علمنا قاتلا، فانطلقوا إلى النبي وَ ليه فقالوا يارسول الله انطلقنا إلى خيبر (١) حديث سهل بن أبي حثمة . تقدم تخريجه ف/٤ . فوجدنا أحدنا قتيلا، فقال: ((الكبر الكبر، فقال لهم تأتوني بالبينة على من قتله))؟ قالوا مالنا بينة، قال: ((فيحلفون))، قالوا لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله وَالقر أن يطلّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة))(١). دل هذا الحديث على أن أول مايطلب في دعوى القسامة کغيرها من سائر الدعاوى هو البيئة من جهة المدعي، فإن لم يكن ثم بينة للمدعى وجهت الأيمان الخمسون الخاصة بدعوی القسامة إلى المدعی علیھم، کما نص الحدیث علی ذلك، فإن حلفوا برئوا وانتهت الخصومة، ولكن الأنصار أولياء الدم لم يقبلوا أن يحلف لهم اليهود لكفرهم وجرأتهم على الكذب، فأعطى رسول الله وَ ليل ديته لأهله من عنده کیلا يهدر دم مسلم . وقال الحنفية: إذا نكل من وجبت عليه القسامة من أهل المحلة حبس حتى يقرّ أو يحلف، وكذا إن نكل جميع المحلفين، لأن اليمين في القسامة مقصودة بنفسها، وليست وسيلة لتحصيل غيرها، بمعنى أن اليمين في القسامة يجمع بينها وبين الدية ، فإذا حلف المحلّفون لم تسقط الدية عنهم، بخلاف اليمين في دعوى الأموال، فإذا حلف المدعى عليه في دعوى المال برىء وسقط المال الذي (١) حديث سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخارى (فتح الباري ٢٢٩/١٢ ط. السلفية). - ١٧٤ - قَسامة ١٧ - ١٨ أراده المدعي ، لهذا فإن من نکل حبس حتی يقر أو يحلف . والحبس عند النكول إنما يكون في دعوى القتل العمد، أما في الخطأ فيقضى بالدية على عاقلتهم ولا يحبسون، لأن موجب القتل الخطأ المال فيقضى به عند النكول . ودليلهم في هذا ماروي عن الحارث بن الأزمع أنه قال لسيدنا عمر رضي الله عنه : أنبذل أيماننا وأموالنا؟ فقال نعم (١). من توجه إليهم القسامة : ١٨ - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن أيمان القسامة توجه إلى الرجال الأحرار البالغين العقلاء من عشيرة المقتول الوارثين له، كما لا خلاف بينهم في عدم توجهها إلى الصبيان والمجانين . وإنما الخلاف بينهم في توجيهها إلى النساء أو غير الوارثين من العصبة . وقد فرق المالكية بين كون القتل عمدا، وبين كونه خطأ، واشترطوا في القتل العمد الذكورة والعصوبة والعدد (٢) . ومعنى ذلك أن يحلف ورثة المجني عليه إذا طلبوا القصاص أو الدية، وتوزع الأيمان (١) المبسوط السرخسي١١١/٠٠، وحاشية ابن عابدين ٤٠٣/٥. (٢) شرح الخرشي ٨ / ٥٦-٥٧ . على العصبة، ولا يحلف في العمد أقل من رجلين، لأن النساء لا يحلفن في العمد لعدم شهادتهن فیه فإن انفردن عن رجلین صار المقتول كمن لا وراث له، فترد الأيمان على المدعى عليه . ويحلف النساء مع الرجال إذا كان القتل خطأ بخلاف العمد، لانفراد الرجال به، وتوزع الأيمان على قدر مواریثهم، فإن لم يوجد في الخطأ إلا امرأة واحدة، فإنها تحلف الأيمان كلها وتأخذ حظها من الدية، ويسقط ماعلى الجاني من الدية لتعذر الحلف من جهة بيت المال . وإذا کسرت الیمین یکمل على ذي الأكثر من الكسور ولو أقلهم نصيبا من غيره، كابن وبنت على الابن ثلاثة وثلاثون يمينا وثلث وعلى البنت ستة عشر وثلثان فيجبر كسر الیمین علی البنت لأن کسر یمینها أکثر من كسر يمين الابن،وإن كانت البنت أقل نصيبا فتحلف سبعة عشر يمينا فإن تساوت الکسور جبر کل واحد کسره، کثلاثة بنين فعلی کل واحد منهم ستة عشر وثلثان فتكمل على كل، فيحلف كل منهم سبعة عشر يمينا . جاء في المدونه: قلت: وإنما يحلف ولاة الدم في الخطأ على قدر مواریثهم من الميت في قول مالك، قال: نعم، قلت: فهل يقسم - ١٧٥ - قَسامة ١٨ النساء في قتل العمد في قول مالك؟ قال: لا، قلت: فهل يقسم النساء في القتل الخطأ في قول مالك؟قال : نعم (١). وقال الشافعية: يحلف كل وارث بالغ عاقل، رجلا كان أو امرأة في دعوى القسامة بالقتل، عمدا کان أو خطأ أو شبه عمد، لأن القسامة عندهم يمين في الدعوى، فتشرع في حق النساء كسائر الدعاوى . قال الشافعي: فإذا كان للقتيل وارثان فامتنع أحدهما من القسامة لم يمنع ذلك الآخر من أن يقسم خمسين يمينا، ويستحق نصيبه من الميراث (٢)، وتوزع الأيمان على الورثة بقدر حصصهم من الدية على فرائض الله تعالى . فإذا كان المقتول بلا وارث سقطت القسامة والدية، إلا إذا ادعى أحد المسلمين القتل على معين، فإن للإِمام أن ينصبه للحلف في القسامة في هذه الحالة، ويستحق بيت المال الدية، وإن نكل فقد اختلف الشافعية على وجهين، وجه يسقط القسامة والدية، والوجه الآخر يوجب حبسه حتى يقر أو يحلف (٣). (١) المدونة الكبرى ٤١٨/٦، والشرح الصغير ٤١٨/٤. (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٨٢، والأم للشافعي ١٠١/٦. (٣) مغني المحتاج ١١٨/٤، وحاشية البجيرمي ١٣٧/٤. وقال الحنابلة: إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم النساء، وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون، أو كان فيهم حاضرون وغائبون لا تثبت القسامة حتى يحضر الغائب، وكذا لا تثبت حتى يبلغ الصبي، لأن الحق لا يثبت إلا ببينة كاملة، والبينة أيمان الأولياء كلهم، والأيمان لا تدخلها النيابة (١). وذهب القاضي من الحنابلة إلى أن القتل إذا كان عمداً لا يحلف الكبير حتى يبلغ الصغير، ولا الحاضر حتى يحضر الغائب، لأن الواجب بالعمد هو القصاص، ومن شرطه عندهم مطالبة جميع أولياء المقتول به . أما إذا كان القتل غير عمد، فأجاز قسامة الكبير الحاضر دون اشتراط بلوغ الصغير، وحضور الغائب، لأن ما يجب بقسامتهم هو الدية، فيستحق كل منهم قسطه منها . وعلى ذلك يحلف أولياء المجني عليه - وهم ورثته - ، وتوزع الأيمان كسهام التركة، ويبدأ بالذكور، وترد القسامة على المدعى عليه إن لم يكن للمقتول إلا النساء، وكذا إذا نكل المدعي فيحلف المدعى عليه وتبرأ ذمته من الدية، فإن لم يحلف وجبت الدية عليه، وإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بأيمان المدعى (١) المغني والشرح الكبير ٢٥/١٠. - ١٧٦ - قَسامة ١٨ علیهم وجبت الدیة علی بیت المال، قياسا على من قتل في زحام ولم يعرف قاتله كقتيل في الطواف أو في جمعة (١). والحنفية يوجبون القسامة على المدعى عليه دون المدعي، وبناء عليه يختار الولي خمسين رجلا من المحلة التي وجد فيها القتيل ويحلّفهم، وله أن يختار الصالحين أو الفسقة، کما يحق له اختيار الشبان والشيوخ، ویکون الاختيار من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، وفي ظاهر الرواية تكون الدية على عواقلهم، أي عواقل كل من في المحلة . وقد اختلفوا على قولين فيما لو خصّ الولي قاتلا معينا من أهل المحلة (٢). القول الأول: يوجب القسامة على خمسين من أهل المحلة، لأن القسامة لا تسقط عنهم إذا لم تكن للولي بينة تدين القاتل المخصص، قال السرخسي: وإن ادعى أهل القتيل على بعض أهل المحلة الذين وجد القتيل بين أظهرهم فقالوا: قتله فلان عمدا أو خطأ، لم يبطل هذا حقه، وفيه القسامة والدية، لأنهم ذكروا ماكان معلوما لنا بطريق الظاهر، وهو أن القاتل واحد من أهل المحلة، ولكنّا لا نعلم ذلك حقيقة (٣). (١) منتهى الإرادات ٣٣٥/٣. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢٢٧-٢٢٨. (٣) المبسوط ١١٤/٢٦، وحاشية ابن عابدين ٦٣٤/٦. القول الثاني: رواه ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنه أسقط القسامة عن أهل المحلة، لأن دعوى الوليّ علی واحد منهم بعينه، يكون إبراء لأهل المحلة عن القسامة في القتيل الذي لا يعرف قاتله، فإذا زعم الولي أنه یعرف القاتل منهم بعينه، صار مبرثا لهم عن القسامة وذلك صحیح منه، فإن أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل، فقد أثبت عليه القتل بالحجة، فيقضى عليه بموجبه، وإن أقام شاهدين من أهل المحلة عليه بذلك لا تقبل شهادتهما، لأن أهل المحلة خصوم في هذه الحادثة مابقيت القسامة (١). وتسقط القسامة عن المحلة التي وجد فيها القتيل إذا ادعى الولي القتل على رجل آخر من غير المحلة التي وجد فيها القتيل، ولا تسمع الدعوى إن لم تكن للولي بينة، للتناقض بين الإِبراء والاتهام، وإذا اتهمت المحلة قاتلا معينا فيها أو في غيرها كلفت بإحضار البينة، فإن أحضرت البينة ووافق الولي حكم عليه بالقصاص في العمد، والدية في الخطأ، قال الكاساني: ولو ادعى أهل تلك المحلة على رجل منهم أو من غيرهم تصح دعواهم، فإن أقاموا البينة على ذلك (١) المبسوط ١١٤/٢٦-١١٥، وبدائع الصنائع ٤٧٥٧/١٠ والاختيار ٥٦/٥. - ١٧٧ - قَسامة ١٨ الرجل يجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ إن وافقهم الأولياء في الدعوى على ذلك الرجل، وإن لم يوافقوهم في الدعوى عليه لا يجب عليه شيء، لأن الأولیاء قد أبرأوه حیث أنكروا وجود القتل منه، ولا يجب على أهل المحلة أيضا شيء ، لأنهم أثبتوا القتل على غيرهم، وإن لم يقم لهم البينة وحلف ذلك الرجل، تجب القسامة على أهل المحلة (١). وإذا وجد قتيل في محلة وكان أهلها مسلمين وبينهم ذمي، فلا تجب القسامة عليه لأن تدبير الملك والمحافظة عليه من قبل المسلمين، ولا يزاحمهم الذمي، لأنه تابع، فكان حكمه حكم النساء، أما إذا كان القتيل في قرية لأهل الذمة، فقد وجبت القسامة والدیة علیهم، لأنهم مسئولون عن تدبير ملكهم . أما إذا كان هذا الحادث في زماننا هذا، فإنها تجب على المسلم والذمي، لأن الحنفية يوجبون القسامة على جميع من في المحلة التي اشترك فيها المسلمون والذميون، فتجب القسامة والدية عليهم بالتساوي، إلا أن المسلمين تتحمل عواقلهم الدية، والذمي تجب الدية في ماله إن لم تكن له عاقلة . وقد استدل السرخسي على هذا الحكم بقصة الرجل المقتول من قبل اليهود في خيبر، إذ أن الرسول * أوجب القسامة عليهم، قال السرخسي: إذا وجد القتيل في قرية أصلها لقوم شتى، فيهم المسلم والكافر، فالقسامة على أهل القرية المسلم منهم والكافر فيه سواء، لأن الرسول ◌َل ـ أوجب القسامة على أهل القرية (خيبر) وكانوا من اليهود، ثم يعرض عليهم الدیة، فما أصاب المسلمين من ذلك فعلى عواقلهم، وما أصاب أهل الذمة، فإن كانت لهم معاقل فعليهم وإلا ففي أموالهم (١)، وتجب القسامة على الأحرار البالغين، لأنهم أهل النصرة، أما الصبي والمجنون فلا قسامة عليهما، لأن الصبي ليس من أهل النصرة، وقول المجنون ليس صحيحا، فلا قسامة عليهما، كذلك المرأة لا تشترك في القسامة والدية إذا كان القتيل في غير ملكها، وعليها القسامة والدية على عاقلتها إذا كان القتيل في ملکها، وهذا عن أبي حنيفة ومحمد، لأنها مسئولة عن تدبیر ملکها، لأن سبب وجوب الدية على المالك هو الملك مع أهلية القسامة، وقد وجدا في حقها، أما الملك فثابت لها، وأما الأهلية فلأن القسامة يمين (١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٥٨. (١) المبسوط السرخسي ٢٦ / ١١١. - ١٧٨ - قَسامة ١٨ - ١٩ وأنها من أهل اليمين، ألا ترى أنها تستحلف في سائر الحقوق، ومعنى النصرة يراعى وجوده. في الجملة لا في كل فرد، كالمشقة في السفر (١). أما بالنسبة للحاضر والغائب: فإنهم سواء في القسامة على ظاهر الرواية، خلافا لأبي يوسف الذي يرى أن القسامة على الحاضر فقط دون الغائب، لأنه ليس مسئولا عن تدبير المحلة أثناء غيابه (٢) . الأحكام المترتبة على القسامة : ١٩ - لا خلاف بين الفقهاء في حجية القسامة، ووجوب الدية على عواقل المدعى عليهم إذا كان القتل خطأ، وإنما الخلاف بينهم فيما يجب بها إذا كان القتل المدعى به عمدا . فذهب المالكية والشافعي في القديم والحنابلة إلى وجوب القود، وبه قال الزهري وربيعة وأبو ثور وغيرهم (٣). ويرى الحنفية والشافعية في الجدید وجوب الدية وعدم وجوب القصاص، وهذا مروي عن بعض صحابة رسول الله (وَلچر، كأبي بكر (١) بدائع الصنائع ٤٧٥٦/١٠ . (٢) المبسوط السرخسي ١١١/٢٦ . (٣) المدونة الكبرى ٦/ ٤١٦، وشرح الخرشي ٨ / ٩٨، ونهاية . المحتاج ٧/ ٣٧٦ . وعمر وغيرهم رضي الله عنهم، وبه قال الأوزاعي والثوري (١). واستدل القائلون على وجوب القود بالقسامة بأدلة منها ماجاء في قصة عبد الله ابن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه وذكروا الحديث وفيه: ((فقال رسول الله اله الحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا)) (٢). ومما يؤيد هذا مارواه أبو سلمة عن أناس من أصحاب رسول الله # أن القسامة کانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله على ماكانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله وَل بين أناس من الأنصار من بني حارثة في قتيل ادعوه على اليهود (٣)، فإضافة قسامة الجاهلية إلى الدم دليل على أنه كان يحكم بها بالقصاص . وأما أدلة القائلين بعدم القود بالقسامة، فما روي عن ابن أبي ليلى بن عبدالله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة: ((أنه أخبره (١) نهاية المحتاج ٧ / ٣٧٦، والأم للشافعي ٦ / ٩٧، والمبسوط ٢٦ / ١١١ وما بعدها . (٢) حديث عبد الله بن سهل. تقدم ف٤. (٣) حديث: ((أن القسامة كانت في الجاهلية)). أخرجه البيهقي (٨/ ١٢٢) بهذا اللفظ وهو في صحيح مسلم (٣/ ١٢٩٥) دون قوله ((قسامة الدم)). - ١٧٩ - قَسامة ١٩ عن رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله ابن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ماقتلناه فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه، وعبدالرحمن بن سهل فذهب محيصة لیتکلم وهو الذي کان بخیبر فقال رسول الله وَلّ المحيصة: ((كبر كبر)) - يريد السن - فتکلم حویصة، ثم تكلم محيصة فقال رسول اللّهِ وَلّ: ((إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب)) فكتب رسول الله وآلية إليهم في ذلك فكتبوا إنا والله ماقتلناه، فقال رسول الله وَله لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبکم))؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لکم یهود؟ قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله آلۉ من عنده، فبعث إليهم رسول الله وَل# مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء))(١). وروي عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبرز سريره يوما (١) حديث: ((أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر)). تقدم تخريجه ف٤. للناس، ثم أذن لهم، فدخلوا، فقال: ما · تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول القسامة القود بها حق، وقد أقاد بها الخلفاء (١)، قال لي: ما تقول ياأبا قلابة، ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنی ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسین منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، قلت: فوالله ما قتل رسول الله وَله أحدا قط إلا في إحدى ثلاث خصال : رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإِسلام ... الخ . الحديث (٢). وقال الكاساني : ولنا ما روي عن زياد بن أبى مريم أنه قال: ((جاء رجل إلى النبى اَلـ فقال يا رسول الله : إني وجدت أخي قتيلا في بنى فلان، فقال عليه الصلاة والسلام: «اجمع منهم خمسین فيحلفون بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا»، فقال: يا رسول الله لیس لي من أخي إلا هذا؟ فقال: ((بل لك مائة (١) المراد بالخلفاء معاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان ذکر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري ٢ / ٢٤٠ (٢) المبسوط للسرخسي ٢٦ / ١٠٩ وحديث أبي قلابة أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٣٠) . - ١٨٠ -