Indexed OCR Text

Pages 261-280

قَبْض ١٠ - ١١
واشترط الشافعية بالإضافة إلى ذلك نَقْلَه
وتحويله.
ودليل جمهور الفقهاء على أنّ قبض
المقدّرات من المنقولات إنما يكون بتوفيتها
بالوحدة القياسية العرفية المراعاة فيها من
الکیل أو الوزن أو الذرع أو العدّ فهو ما روي
عن النبي ◌َّسير أنه ((نهى عن بيع الطعام حتي
يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاعٍ
المشتري)) (١)، وقوله وَله: ((من ابتاع طعاماً
فلا یبعه حتی یکتاله)) (٢)، فدلّ ذلك على أنه
لا يحصل فيه القبض إلاّ بالکیل، فتعیّن فيما
يقدّر بالكيل الكيلُ، وقيس عليه
الباقي (٣).
١١ - وقال الحنفية: قبض المنقول يكون
بالتناول باليد أو بالتخلية على وجه
التمكين (٤).
= فتح العزيز ٤٤٨/٨، قواعد الأحكام العز بن عبد السلام
٨٢/٢، ١٧١ ط. التجارية بمصر، والشرح الكبير للدردير
١٤٤/٣، كشاف القناع ٢٠١/٣، ٢٧٢ .
(١) حديث: ((نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٥٠) من حديث جابر، وأشار ابن حجر
في التلخيص (٢٧/٣) إلى تضعيف إسناده، ثم خرجه عن
صحابة آخرين، ونقل عن البيهقي أنه قواه بطرقه .
(٢) حديث: ((من ابتاع طعاما فلا یبعه حتی یکتاله» أخرجه مسلم
(٣/ ١١٦٠) من حديث ابن عباس.
(٣) مغني المحتاج ٧٣/٢، المغني لابن قدامة ١١١/٤ ط. دار
المنار، وكشاف القناع ٢٠١/٣ .
(٤) لسان الحكام لابن الشحنة ص ٣١١، وشرح المجلة للأتاسي
٢٠٠/٢ وما بعدها، ومجلة الأحكام العدلية م ٢٧٢، ٢٧٣،
٢٧٤، ٢٧٥.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: ((تسليم
العروض يكون بإعطائها ليد المشتري أو
بوضعها عنده أو بإعطاء الإذن له بالقبض مع
إراءتها له)) (١).
وجاء في الفتاوى الهندية : رجلٌ باع مكیلاً
في بيت مكايلةً أو موزوناً موازنة، وقال:
خليتُ بينك وبينهُ، ودَفَعَ إليه المفتاح، ولم
يكله ولم يزنه، صار المشتري قابضاً.
وتسليم المبيع هو أن يخلي بين المبيع وبين
المشتري على وجه يتمكن المشتري من قبضه
بغير حائل، وكذا التسليم في جانب
الثمن (٢).
واستدل الحنفية على اعتبار التخلية مع
التمكين في المنقولات قبضاً بأنّ تسليم الشيء
في اللغة معناه جعله سالماً خالصاً لا يشاركه
فيه غيره، وهذا يحصل بالتخلية، وبأنّ مَنْ
وجب علیه التسلیم لابدّ وأن یکون له سبيل
للخروج من عهدة ما وجب عليه، والذي في
وسعه هو التخلیةُ ورفع الموانع، أما الإِقباض
فليس في وسعه، لأنّ القبض بالبراجم فعل
اختياري للقابض، فلو تعلّق وجوب التسليم
به لتعذر عليه الوفاء بالواجب، وهذا لا
(١) مجلة الأحكام العدلية م ٢٧٤ .
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١٦.
- ٢٦١ -
:

....
قَبْض ١١ - ١٣
يجوز (١).
وقد وافق أحمد في رواية عنه الحنفية على
اعتبار التخلية في المنقول قبضاً، وذلك
لحصول الاستيلاء بالتخلية، إذ هو المقصود
بالقبض، وقد حصل بها (٢).
تقسيم القبض من حيث المشروعية :
١٢ - قسّم العزّ بن عبد السلام والقرافي
القبض كتصرف من تصرفات المكلفين من
حيث مشروعيته والإِذن فيه إلى ثلاثة
أُضرب (٣) .
(الضرب الأول) قبضٌ بمجرد إذن الشرع
دون إذن المستحِقّ، وهو أنواع:
منها: قبض ولاة الأمور والحكام الأعيانَ
المغصوبة من الغاصب، وقبضهم أموال
المصالح والزكاة وحقوق بيت المال، وقبضهم
أموال الغائبين والمحبوسين الذين لا يتمكنون
من حفظ أموالهم، وقبضهم أموال المجانين
والمحجور عليهم بسفه ونحوهم .
ومنها: قبضُ من طيّرت الريح ثوباً، ثم
(١) بدائع الصنائع ٥/ ٢٤٤ .
(٢) المغني ١١١/٤ ط، المنار، الإفصاح لابن هبيرة ص ٢٢٤
ط. الطباخ بحلب.
(٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٧١/٢ ط. المكتبة التجارية
بمصر، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٤٥٥ وما بعدها.
(بعنایة طه عبد الرؤوف سعد).
ألقته في حجره أو داره، ومنها: قبض المضطر
من طعام الأجانب بغير إذنهم لما يدفع به
ضرورته، ومنها: قبض الإِنسان حقه إذا ظفر
به بجنسه.
(والضرب الثاني) قبض ما يتوقف جواز
قبضه على إذن مستحقه، كقبض المبيع بإذن
البائع، وقبض المستام، والقبض بالبيع
الفاسد، وقبض الرهون والهبات والصدقات
والعواري والودائع، وقبض جميع الأمانات.
(والضرب الثالث) قبض بغير إذن من
الشرع ولا من المستحق، وهذا قد يكون مع
العلم بتحريمه، كقبض المغصوب، فيأثم
الغاصب، ويضمن ما قبضه بغير حق ولا
إذن، وقد يكون بغير علم، كمن قبض
مالاً يعتقد أنه ماله، فإذا هو لغيره، قال
القرافي: فلا يقال إنّ الشرع إذن له في
قبضه، بل عفا عنه بإسقاط الإِثم (١)، وعلى
ذلك فلا إثم عليه، ولا إباحة فيه، وهو في
ضمانه .
القبض الحكمي :
١٣ - القبض الحكمي عند الفقهاء يُقام
مقامَ القبض الحقيقي، وإن لم يكن متحققا
حسّا في الواقع، وذلك لضرورات ومسوغات
(١) شرح تنقيح الفصول ص ٤٥٦.
- ٢٦٢ -

قَبْض ١٣
تقتضي اعتباره تقديراً وحكماً، وترتيب أحكام
القبض الحقيقي عليه، وذلك في حالات
ثلاث :
الحالة الأولى: عند إقباض المنقولات
بالتخلية مع التمكين في مذهب الحنفية، ولو
لم يقبضها الطرف الآخر حقيقةً، حیث إنهم
يعدّون تناولها باليد قبضاً حقيقياً، والقبض
بالتخلية قبضاً حكمياً، بمعنى أنّ الأحكام
المترتبة عليه كأحكام القبض الحقيقي (١).
الحالة الثانية: إذا وَجَبَ الإِقباض
واتحدت يدُ القابض والمقبض وقع القبضُ
بالنّة (٢)، قال القرافي: ومن الإِقباض أن
يكون للمديون حقّ في يد ربّ الدين، فيأمرهُ
بقبضه من یده لنفسه، فهو إقباض بمجرد
الإِذن، ويصير قبضهُ له بالنيّة، كقبض الأب
من نفسه لنفسه مالَ ولده إذا اشتراه منه (٣).
الحالة الثالثة: اعتبار الدائن قابضا حكماً
وتقديراً للدين إذا كانت ذمته مشغولة
بمثله (٤) للمدين، وذلك لأن المال الثابت في
(١) بدائع الصنائع ٢٤٤/٥، وم ٤٦٢،٢٦٣ من مجلة الأحكام
العدلية، ورد المحتار ٥٦١/٤، ودرر الحكام شرح مجلة
الأحكام العدلية لعلي حيدر ٢١٧/٢ .
(٢) تنقيح الفصول وشرحه للقرافي ص ٤٥٦، وانظر قواعد الأحكام
العز بن عبد السلام ٧٢/٢ (ط. المكتبة التجارية الكبرى
بمصر).
(٣) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٤٥٦ .
(٤) أي بمثله في الجنس والصفة ووقت الأداء.
الذمة إذا استحقّ المدين قبضَ مثله من دائنه
بعقدٍ جدید أو بأحد موجبات الدين، فإنه
يعتبر مقبوضاً حكماً من قبل ذلك المدين ..
وشواهد ذلك من نصوص الفقهاء عديدة،
منها :
أ - اقتضاء أحد النقدين من الآخر:
قال ابن قدامة: ويجوز اقتضاء أحد
النقدين من الآخر، ويكون صرفاً بعين وذمة
في قول أكثر أهل العلم (١)، وقال الأبى
المالكي: لأنّ المطلوب في الصرف المناجزةُ،
وصرفُ ما في الذمة أسرعُ مناجزةً من صرف
المعيّنات، لأنّ صرف ما في الذمة ينقضي
بنفس الإِيجاب والقبول والقبض من جهةٍ
واحدة، وصرفُ المعيّنات لا ينقضي إلا
بقبضهما معاً، فهو معرّض للعدول، فصرف
ما في الذمة أولى بالجواز (٢).
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر
رضي الله عنهما قال: ((كنت أبيع الإِبل
بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع
بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه،
وأعطي هذه من هذه، فأتيتُ رسول الله وَيه
فسألته عن ذلك، فقال: لا بأس أن
(١) المغني لابن قدامة ٥٤/٤ (ط. مكتبة الرياض الحديثة).
(٢) شرح الأبي على صحيح مسلم ٢٦٤/٤ .
- ٢٦٣ -

قبض ١٣
تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما
شيء)) (١).
قال الشوكاني: فیه دلیل علی جواز
الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره،
وظاهره أنهما غير حاضرين جميعا، بل الحاضر
أحدهما وهو غير اللازم، فدلّ على أنّ ما في
الذمة كالحاضر (٢).
ب - المقاصّة:
إذا انشغلت ذمة الدائن بمثل ماله على
المدين في الجنس والصفة ووقت الأداء، برئت
ذمة المدين مقابلة بالمثل من غير حاجة إلى
تقابض بينهما، ويسقط الدینان إذا كانا
متساويين في المقدار، لأنّ ما في الذمة يعتبر
مقوضاً حكماً، فإن تفاوتا في القدر، سقط
من الأكثر بقدر الأقل، وبقيت الزيادة، فتقع
المقاصّة في القدر المشترك، ويبقى أحدهما
مدینا للآخر بما زاد (٣). (ر: مقاصة)
ج - تطارح الدینین صرفاً:
ذهب الحنفية والمالكية والسبكي من
الشافعية وابن تيمية من الحنابلة إلى أنه لو
(١) حديث ابن عمر: (كنت أبيع الإِبل بالبقيع .. )) أخرجه أبو داود
(٦٥١/٣)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٢٥/٣) إعلاله
بالوقف عن جماعة من العلماء.
(٢) نيل الأوطار ١٥٧/٥
(٣) مرشد الحيران م ٢٢٤ - ٢٢٦، ٢٣٠، ٢٣١
كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه
دراهم، فاصطرفا بما في ذمتيهما، فإنه يصح
ذلك الصرف، ويسقط الدينان من غير
حاجة إلى التقابض الحقيقي - مع أن
التقابض في الصرف شرط لصحته بإجماع
الفقهاء - وذلك لوجود التقابض الحكمي
الذي يقوم مقام التقابض الحسيِّ، قالوا:
لأنّ الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، غير أنّ
المالكية اشترطوا أن يكون الدينان قد حلّاً
معاً، فأقاموا حلول الأجلين في ذلك مقام
الناجز بالناجز، أي اليد باليد (١).
قال ابن تیمیة: فإنّ كلّ منهما اشترى ما
في ذمته، وهو مقبوض له بما في ذمة الآخر،
فهو كما لو كان لكلّ منهما عند الآخر وديعةٌ
فاشتراها بودیعته عند الآخر .
وخالف في ذلك الشافعية والحنابلة،
ونصّوا على عدم جواز صرف ما في الذمة إذا
لم يحضر أحدهما أو كلاهما النقد الوارد عليه
عقد الصرف، لأنه يكون من بيع الدين
بالدین (٢).
(١) رد المحتار ٢٣٩/٤ (بولاق ١٢٧٢ هـ)، والزرقاني على خليل
٥/ ٢٣٢، ومواهب الجليل ٣١٠/٤، والاختيارات الفقهية من
فتاوى ابن تيمية ص ١٢٨، وطبقات الشافعية لابن السبكي
٢٣١/١٠، والأبي على مسلم ٤/ ٢٦٤ .
(٢) الأم ٣٣/٣، تكملة المجموع للسبكي ١٠٧/١٠، شرح
منتهى الإرادات ٢٠٠/٢، المبدع ١٥٦/٤، ٥٣/٤ المغني =
- ٢٦٤ -

قَبْض ١٣ - ١٤
د- جعل الدين الذي على المسلم إليه رأس
مال السلم :
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز جعل
الدين الذي على المسلم إليه رأس مال
السلم، لأن ذلك افتراق عن دین بدین وهو
منهي عنه (١).
وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه إذا
کان لرجل في ذمة آخر ديناراً، فجعله سلماً في
طعام إلى أجل، فإنه يصح السلم من غير
حاجة إلى قبض حقيقي لرأس مال السلم -
مع اتفاق الفقهاء على وجوب تسليم رأس
المال معجلاً لصحة السلم - وذلك لوجود
القبض الحكمي لرأس مال السلم، وهو ما
في ذمة المدين المسلم إليه، فكأن الدائن بعد
عقد السلم قبضه منه ثم ردّه إليه، فصار
معجلاً حكما فارتفع المانع الشرعي .
قال ابن القيم: لو أسلم إليه في كُرّ حنطةٍ
بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه
= ٥٣/٤ (ط. مكتبة الرياض الحديثة)، كشاف القناع ٢٥٧/٣
(مط. الحكومة بمكة المكرمة)، ونظرية العقد لابن تيمية
ص ٢٣٥ .
(١) رد المحتار ٢٠٩/٤ بولاق ١٢٧٢ هـ، وتبيين الحقائق
٤ / ١٤٠، ونهاية المحتاج ١٨٠/٤، وفتح العزيز ٢١٢/٩،
وبدائع الصنائع ٣١٥٥/٧ مط. الإمام ، وشرح منتهى
الإرادات ٢٢١/٢، المغني ٣٢٩/٤ ط، مكتبة الرياض
الحديثة.
دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكي
الإِجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله
شيخنا، واختار جوازه، وهو الصواب (١).
شروط صحة القبض:
الشرط الأول: أن يكون الشخص أهلاً
للقبض:
١٤ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة
القبض صدوره من أهل له، غير أنهم
اختلفوا فيمن يكون أهلاً له على ثلاثة أقوال:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط
في صحة القبض صدوره من جائز التصرف،
وهو البالغ العاقل غير المحجور عليه (٢).
وذهب الحنفية إلى أنّ أهلية الشخص
للقبض هي نفسها أهلية التصرفات القولية
والعقود، فيشترط لصحة القبض أن يكون
القابض عاقلاً، فلا يصحّ قبض المجنون
والصبي الذي لا يعقل (٣)، أما البلوغ،
فيشترط لصحة القبض في بعض التصرفات
دون بعض، وتصرفاتُ الصبي المميز غير
البالغ ثلاثة أنواع :
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (بعناية طه عبد الرؤوف سعد) ٩/٢.
(٢) مغني المحتاج ١٢٨/٢، والمجموع للنووي ١٥٧/٩، وکشاف
القناع ٢٥٤/٤ (مط. السنة المحمدية)، والمغني ٣٢٩/٤
(ط. دار المنار)
(٣) بدائع الصنائع ١٢٦/٦
- ٢٦٥ -

قَبْض ١٤ - ١٦
النوع الأول: التصرفات النافعة نفعاً
محضاً. كما إذا وُهِب الصبيُّ، أو تصدّق أحد
عليه، أو أوصى له، وفي هذه الحالة لايشترط
لصحة قبضه بلوغه إذا كان يعقل
استحساناً (١).
النوع الثاني: التصرفات الضارّة ضرراً
محضاً كتبرعاته وكفالته بالنفس أو بالمال، وفي
هذه الحالة لا تصح تصرفاته، وما ينشأ عنها
من قبوض لاشتراط البلوغ في صحتها (٢).
النوع الثالث: التصرفات الدائرة بين
النفع والضرر، كبيعه وشرائه وإجارته
واستئجاره ونكاحه وما شاكل ذلك، وهذه
التصرفات وما ينشأ عنها من قبوض يتوقف
نفاذها على إجازة ولي الصغير، فإن أجازها
نفذت، وإن ردّها بطلت (٣) .
وذهب المالكية إلى أنه لا يشترط لصحة
القبض صدوره ممن يتمتع بأهلية المعاملة،
بل تكفي الصفة الإِنسانية مناطاً لاعتباره
أهلاً للقبض، فيصح قبض الصغير
والمحجور، ويكون قبضاً تاما (٤) .
(١) البدائع ١٢٦/٦، ١٤١، جامع أحكام الصغار (بهامش جامع
الفصولين) ١٨١/١، كشف الأسرار على أصول البزدوي
١٣٧٤/٤، شرح المجلة للأناسي ٣٦٤/٣، ٥٣٠
(٢) أصول البزدوي مع كشف الأسرار ٤ /١٣٧٥ وما بعدها، وشرح
المجلة للأناسي ٥٣٠/٣، وانظر م ٩٦٧ من مجلة الأحكام
العدلية .
(٣) المراجع السابقة.
(٤) البهجة شرح التحفة ٢٠١/١ .
الشرط الثاني: صدور القبض ممن له ولايته :
١٥ - القبض نوعان: قبضٌ بطريق
الأصالة، وقبض بطريق النيابة .
أ - أما القبض بطريق الأصالة: فهو أن
يقبض الشخص بنفسه لنفسه، ولا خلاف
بين الفقهاء في أنّ ولایة هذا القبض تكون لمن
ثبتت له أهلية القبض (١).
ب - وأما القبض بطريق النيابة: فولايته
تثبت إمّا بتولية المالك، وإمّا بتولية الشارع.
الحالة الأولى: ولاية النائب في القبض بتولية
المالك :
١٦ - اتفق الفقهاء على ثبوت ولاية الوكيل
بالقبض، لأنّ منْ ملك التصرف في شيء
أصالة ملك التوكيل فيه، والقبض مما يحتمل
النيابة، فكان قبض الوكيل بمنزلة قبض
الموكل ولا فرق، ولابدّ أن يكون كلّ من
الوكيل والموكل أهلاً للقبض (٢).
وقال الحنفية: للوكيل بالقبض أن يوكل
غيره إن کان موكله قد وكله بوكالة عامة، بأن
(١) بدائع الصنائع ١٢٦/٦، الأم ١٢٤/٣، ٤٨٢ (بولاق)،
القوانين الفقهية ص ٣٩٩ (ط. دار العلم للملايين)، وشرح
ميارة على التحفة ٢ / ١٤٣، وقواعد الأحكام ١٥٩/٢ (ط.
المكتبة التجارية الكبرى)
(٢) البدائع ١٥٢/٥، ١٢٦/٦، ١٤١، شرح المجلة للأتاسي".
٤١٣/٤،١٣٥/٣ وما بعدها، والشرح الكبير للدردير
٣٧٧/٣، ٢٤٤، والبهجة شرح التحفة ٢٣٣/٢، وشرح
تنقيح الفصول للقرافي ص ٤٥٥، والتسهيل لابن جزي
٩٧/١، وتفسیر البحر المحيط لأبي حيان ٣٥٥/٢
- ٢٦٦ -

قَبْض ١٦ - ١٧
.....
قال له وقت التوكيل بالقبض: اصنع ما
شئت، أو ما صنعت من شيء فهو جائز
عليّ، أو نحو ذلك، أما إذا كانت الوكالة
خاصة، بأن لم يقل ذلك عند التوكيل
بالقبض، فليس للوكيل أن يوكل غيره
بالقبض، وإن فعل فلا تكون لمن وكله هذه
الولاية، لأنّ الوكيل إنما يتصرف بحدود
تفویض الموكل، فیملك قدر ما فوض إليه لا
أكثر (١).
وقال الشافعية: يصح الشراء والقبض
للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه، لأنه
لا يجوز أن یکون وکیلاً لغيره في قبض حق
نفسه (٢) .
ونصّ الحنابلة على أنّ المدين بطعام إذا
دفع للدائن دراهم وقال له: اشتر لي بهذه
الدراهم مثل الطعام الذي لك عليّ، واقبضه
لي، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح
القبض لكل منهما، لأنه وكله في الشراء
والقبض، ثم الاستيفاء من نفسه لنفسه،
فصار كما لو كان له ودیعة من جنس الدين
عند الدائن وأذن له في قبضها عن دينه (٣)
وفي هذا المقام تعرّض الفقهاء لأحكام
(١) بدائع الصنائع ٢٥/٦.
(٢) المهذب ٣٠٩/١.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢٢٣/٢، وكشاف القناع ٢٩٥/٣،
٢٩٦ ط. مكة المكرمة.
ثلاث مسائل :
المسألة الأولى: ولاية الوكيل بالبيع في قبض
الثمن وإقباض المبيع :
١٧ - اختلف الفقهاء في ولاية الوكيل بالبيع
في أن يقبض الثمن من المشتري ويسلّم
المبيع إليه، على أربعة أقوال:
(أحدها) للحنفية: وهو أن للوكيل بالبيع
أن يقبض الثمن ويسلّم المبيع للمشتري،
لأن في الوكالة بالبيع إذناًبالقبض والإِقباض
دلالة (١).
(والثاني) للمالكية: وهو أن للوكيل بالبيع
أن يقبض الثمن ويسلم المبيع مالم يكن هناك
عرف بأنّ الوكيل بالبيع لا يفعل ذلك (٢).
(والثالث) للشافعية في الأصح عندهم :
وهو أنه إذا كان القبض شرطا لصحة العقد
كالصرف والسلم، فللوكيل عندئذ ولاية
القبض والإِقباض، أما إذا لم يكن شرطاً كما
في البيع المطلق، فيملك الوكيل بالبيع قبض
الثمن الحالّ وتسليم المبيع بعده إن لم يمنعه
الموكل من ذلك، لأن ذلك من حقوق العقد
ومقتضياته، فكان الإذن في البيع إذناً فيه
دلالة .
(١) انظر م ٩٤٩، ٩٥٠ من مرشد الجيران، وم ١٥٠٣ من مجلة
الأحكام العدلية .
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣٨١/٣، شرح
ميارة على تحفة ابن عاصم ١٣٨/١، والبهجة شرح التحفة
٢١٣/١.
- ٢٦٧ -

قَبْض ١٧ - ١٩
فإن نهاه الموكل عن قبض الثمن أو تسليم
المبيع، أو كان الثمن مؤجلا، فليس للوكيل
شيء من ذلك (١).
(والرابع) للحنابلة: وهو أنّ للوكيل بالبيع
تسليم المبيع، لأنّ إطلاق الوكالة بالبيع
يقتضي التسلیم، لكونه من تمامه، بخلاف
قبض الثمن، فلیس للوكيل أن يقبضه، لأن
البائع قد يوكل بالبيع من لا يأتمنه على
الثمن (٢).
واستثنى ابن القيم من الحكم بسلب
ولاية قبض الثمن من الوكيل بالبيع ما إذا
كانت العادة الجارية قبض الوكيل بالبيع
أثمان المبيعات، فقال: ولو وكّل غائباً أو
حاضراً في بيع شيء، والعرف قبض ثمنه،
ملك ذلك (٣) .
المسألة الثانية: ولاية الوكيل بالخصومة في
قبض الحقّ.
١٨ - اختلف الفقهاء في ولاية الوكيل
بالخصومة وإثبات الحق في قبضه على قولين
(أحدهما) لجمهور الفقهاء من الشافعية
والحنابلة وزفر وهو القول المفتى به عند
الحنفية وبه أخذت مجلة الأحكام العدلية :
(١) روضة الطالبين ٣٠٧/٤، ٣٠٩، ومغني المحتاج ٢/ ٢٢٥،
وفتح العزيز للرافعي ٣٢/١١_٣٥.
(٢) كشاف القناع ٤٠٠/٣ وما بعدها (مط. السنة المحمدية).
والمغني ٩٢/٥ وما بعدها (ط. دار المنار).
(٣) إعلام الموقعين ٣٩٣/٢ (تحقيق محمد عبد الحميد).
وهو أنّ الوكيل بالخصومة لا يكون وكيلاً
بالقبض، ولا تثبت له ولايته، لأن المطلوب
من الوكيل بالخصومة تثبيت الحقّ، وليس كلّ
من یُرتضی لتثبيت حقٍ یوتمن علیه، فقد یوثَّق
على الخصومة من لا يوثَّق على المال. وأيضا
فلأن الإِذن في تثبيت الحق ليس إذناً في قبضه
من جهة النطق ولا من جهة العرف، إذ
الإِثباتُ لا يتضمّن القبض، وليس القبض
من لوازمه أو متعلقاته، بخلاف مسألة الوكيل
بالبيع، فإنّ تسليم المبيع وقبض الثمن من
حقوق العقد ومقتضياته، وقد أقامه الموكل
مقام نفسه فيها (١).
(والثاني) لأبي حنيفة وصاحبيه: وهو أنّ
للوكيل بالخصومة أن یقبض الحق بعد إثباته،
لأنه لما وكله بالخصومة في مال، فقد ائتمنه
على قبضه، لأنّ الخصومة فيه لا تنتهي إلّ
بالقبض، فكان التوكيل بها توكيلا
بالقبض (٢).
المسألة الثالثة: ولاية العدل في قبض
المرهون :
١٩ - إذا اتفق الراهن والمرتهن على أن يجعل
(١) المهذب ٣٥٨/١، وكشاف القناع ٤٠٢/٣ (مط. السنة
المحمدية)، والمغني لابن قدامة ٩١/٥ (ط. دار المنار)،
وبدائع الصنائع ٢٥/٦، ورد المحتار ٥٢٩/٥ (ط. مصطفى
الحلبي)، وشرح المجلة للأناسي ٥١٥/٤ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٥، رد المحتار ٥/ ٥٢٩ (ط. مصطفى
البابي الحلبي).
- ٢٦٨ -

قَبْض ١٩ - ٢٠
المرهون في يد عدل (١)، فهل يكون للعدل
ولاية قبضه؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
(أحدهما) لجمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والمالكية والحنابلة وهو أنّ للعدل
أن يقبض المرهون، ويكون قبضه بمنزلة
قبض المرتهن، ولا فرق، لأن كلاً من الراهن
والمرتهن قد لا يثق بصاحبه، فاحتيج إلى
العدل ، وكما يتولى العدلُ الحفظ فإنه يتولى
القبض، وبهذا قال الحسن والشعبي وعمرو
ابن دینار والثوري وإسحاق وأبو ثور وعبد الله
ابن المبارك.
ولأن العدل نائب عن صاحب الحقّ،
فكان قبضه بمنزلة قبض الوكيل في سائر
العقود .
ثم إنّ مما يدلُّ على أنّ يد العدل کید
المرتهن، وأنه وكيله بالقبض: أنّ للمرتهن
متى شاء أن يفسخ الرهن ويبطل يد العدل
ویردّه إلی الراهن، ولیس للراهن إبطال ید
العدل، فدلّ ذلك على أنّ العدل وكيل
للمرتهن (٢).
(١) العدل: هو من رضي الراهن والمرتهن في أن یکون المرهون بيده،
وقد سمي بذلك لعدالته في نظرهما. انظر الدر المختار ٦ / ٥٠٢
مع حاشية رد المحتار عليه، وجاء في م ٧٠٥ من مجلة الأحكام
العدلية «العدل هو الذي ائتمنه الراهن والمرتهن وسلماه وأودعاه
الرهن».
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٣٧، ١٤١ وما بعدها، ورد المختار =
(والثاني) لابن شبرمة والأوزاعي وابن أبي
ليلى وقتادة والحكم والحارث العكلي: وهو أنه
ليس للعدل أن يقبضه، وإن قبضه فلا
يكون القبض معتبرا، قال القرطبي : ورأوا
ذلك تعبداً (١).
الحالة الثانية: ولاية النائب في القبض بتولية
الشارع :
٢٠ - ولاية النائب في القبض بتولية الشارع
هي ولاية من يلي مال المحجور في قبض ما
يستحقه المحجور، وهذه الولاية ليست بتولية
المستحقّ، لانتفاء أهليته، وإنما هي بتولية
الشارع باتفاق الفقهاء (٢).
وقد روى الشافعي والبيهقي عن عثمان
ابن عفان رضي الله عنه أنه يرى أنّ الوالد
یحوز لولده إذا كانوا صغارا (٣).
وقال الحنفية: ومن ذلك ولاية من يعول
٥٠٣/٦، (ط. الحلبي) وشرح المجلة للأناسي ٣ / ١٩٨ وما
=
بعدها، والأم ٣ / ١٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٣، وحاشية
العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٢١٦، والتسهيل لابن
جزي ٩٧/١، وتفسير القرطبي ص ١٢١٨ (ط. الشعب)،
والمغني ٤ / ٣٥١ (ط. دار المنار)، وكشاف القناع ٣/ ٢٨٣
(مط. السنة المحمدية)
(١) تفسير القرطبي ص ١٢١٨ (ط. دار الشعب)، وبدائع
الصنائع ٦/ ١٣٧، المغني ٤ / ٣٥١، بداية المجتهد
٢٣٠/٢، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب
٥/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٢، ١٢٦/٦، والأم ٣/ ١٢٤، ٢٨٤
ط بولاق، وقواعد الأحكام العز بن عبد السلام ٢ / ٨٠ مط.
الحسينية، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه
١٠٧/٤، والمغني ٥ / ٦٠١ ط. دار المنار.
(٣) الأم ٣ / ٢٨٤، سنن البيهقي ٦ / ١٧٠.
- ٢٦٩ -

قبض ٢٠ - ٢٢
الصغیر ویکفله في قبض ما یوهب إليه،
سواء أكان الواهب هو أو غيره، وسواء أكان
قريبا أم غير قريب (١).
وقال ابن جزي : ويجوز للمحجور
وصيّه، ويجوز الوالد لولده الحرّ الصغير ما
وهبه له هو ما عدا الدنانير والدراهم، وما
وهبه له غيره مطلقا (٢).
٢١ - ويلحق بهذه الحالة في الحكم ولاية
الشخص في قبض اللقطة، ومال اللقيط،
والثوب الذي ألقته الريح في داره، وحقّه إذا
ظفر به، وولاية الحاكم في قبض أموال
الغائبين والمحبوسين الذين لايقدرون على
حفظها لتحفظ لهم، وولايته في قبض المال
المودع إذا مات المودع والمودَع وورثة المودع
غائبون، وولايته في قبض أموال المصالح
العامة والزكوات، وكذا ولاية المضطر أن
يقبض من طعام الأجانب بغير إذنهم ما يدفَعُ
به ضرورته (٣).
ومما يتعلق بولاية القبض للغير ما يأتي:
ولاية قبض المهر:
٢٢ - فقهاء المذاهب الأربعة على أن الزوجة
إذا كانت صغيرة فولاية قبض مهرها لمن ينظر
(١) مرشد الحيران م (٨٤).
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٧٤ ط. الدار العربية للكتاب.
(٣) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ٢/ ٧١ (ط. المكتبة
التجارية الكبري)، وشرح تنقيح الفصول ص ٤٥٥ وما
بعدها، والذخيرة للقرافي ١٥٢/١.
في مالها من الأولياء، سواء أكانت بكراً أم
ثيباً، ومتى قبضه برئت ذمة الزوج منه،
فليس للزوجة مطالبته به ثانيةً ولو بعد
البلوغ، بل تأخذه ممن قبضه من زوجها، لأن
الزوج قد دفعه لمن له الولاية شرعاً في قبضه،
فيكون هذا الدفع صحيحاً معتبراً تبرأ به
ذمته، ومتی برئت ذمة شخص من دین، فلا
يعود مديناً به، إذ الساقط لايعود.
أمّا إذا كانت الزوجة بالغة رشيدة: فإمّا
أن تكون ثيباً وإمّا أن تكون بكراً، فإن كانت
ثيباً، فقد اتفق الفقهاء على أنّ لها أن تقبض
مهرها بنفسها بدون معارضة لها من أحد،
لأن الولاية على أموالها ثابتة لها في هذه الحالة،
فإن شاءت تولّت هي قبض المهر بنفسها،
وإن شاءت وكلت من تختاره في قبض مهرها،
وليس لأحد قبضه إلاّ بتوكيل صريح
منها (١).
أما إذا كانت بكراً، فقد اختلف الفقهاء
في ذلك على قولين :
(أحدهما) للشافعية والمالكية والحنابلة :
وهو أنه ليس لأحد أن یقبض مهرها، بل
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٤٠.، رد المحتار ٣/ ١٦١ (ط.
الحلبي)، والمهذب ٢ / ٥٨، وروضة الطالبين ٧/ ٣٣٠،
والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٢٨،
وكشاف القناع ١٠٩/٥، ١١٦ (مط. السنة المحمدية)،
والمغني ٦/ ٧٣٥ وما بعدها (ط. دار المنار).
- ٢٧٠ -

قبض ٢٢ - ٢٤
تقبضه هي بنفسها، أو توكل من يقبضه لها،
لأنها رشیدة تلی مالها، فليس لغیرها أن یقبض
صداقها أو أي عوض ملکه بغير إذنها،
کثمن مبيعها وأجرة دارها ونحو ذلك (١).
(والثاني) للحنفية: وهو أنّ لوليها أن
يقبض مهرها إذا لم يحصل منها نهي صريح
عن قبضه. فإن نهته فلا يملك القبض، ولا
يبرأ الزوج إن سلمه له، والفرق بين البكر
والثیب أنّ البکر تستحيي من قبض صداقها
بخلاف الثيب، فيقوم ولّها مقامها، ولأنّ
العادة جارية على ذلك، فكان مأذونا
بالقبض من جهتها بدلالة العرف - بخلاف
الثيب - والإِذن العرفي كالإِذن اللفظي (٢).
ولاية عيال المعير في قبض العارية عند ردّها:
٢٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المستعير
ینقضي التزامه برد العارية، ویبرأ من ضمانها
إذا سلّمها لصاحبها أو وكيله بقبضها.
غير أنّ المستعير لو قام بردّها إلى أحد من
عيال المعير كزوجته وولده ونحوهم فقد
اختلف الفقهاء في براءة ذمته على قولين :
(١) الأم ٥ / ٦٥، والروضة للنووي ٧/ ٣٣٠، والشرح الكبير
للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٢٨، والمغني ٦ / ٧٣٥
وما بعدها.
(٢) رد المحتار ٣ / ١٦١ (ط. الحلبي)، بدائع الصنائع ٢/ ٢٤٠،
الحموي على الأشباه والنظائر ٢ / ٣١٩، ومجمع الضمانات
للبغدادي ص ٣٤٠.
(أحدهما) للشافعية: وهو أنه لا تبرأ ذمة
المستعير بردّ العارية وتسليمها إلى زوجة المعير
أو ولده .. ولو ضاعت العارية بعد قبضهما
فالمعير بالخيار: إن شاء ضمّن المستعير، وإن
شاء غرّم الزوجة أو الولد، فإن غّم المستعير،
رجع عليهما، وإن غرّمهما، لم يرجعا على
المستعير(١).
(والثاني) للحنابلة: وهو أن المستعير إذا ردّ.
العارية إلى عيال المعير الذين لا عادة لهم
بقبض ماله لم يبرأ من الضمان، لأنه لم يردّها
إلى مالكها ولا نائبه في قبضها، فكأنه سلّمها
الأجنبي، فلا يبرأ، أما إذا ردّها إلى من
جرت عادته بالرّ إليه كزوجة متصرفة في ماله
وخازن إذا ردّ إلیھما ماجرت عادتهما بقبضه،
فيصح الرّ وينقضي التزام المستعير وتبرأ ذمته
من الضمان، لأنه مأذون في ذلك عرفاً، أشبه
ما لو أذن له فيه نطقاً (٢).
الشرط الثالث: الإذن :
٢٤ - اختلف الفقهاء في اشتراط الإِذن
لصحة القبض على ثلاثة مذاهب:
فذهب الحنفية والشافعية إلى التفریق بین
ما إذا كان للمقبوض منه الحق في حبسه
كالمرهون في يد الراهن، والموهوب في يد
(١) روضة الطالبين للنووي ٤ / ٤٤٦، وأسنى المطالب ٢/ ٣٢٩
(٢) كشاف القناع ٤ / ٨٠، ٨١، مط. الحكومة بمكة المكرمة،
والمغني ٥ / ٢٢٤ ط. مكتبة الرياض الحديثة.
- ٢٧١ -

قبض ٢٤ - ٢٦
الواهب، والمبيع في ید البائع بثمن حالً قبل
نقد الثمن، وبين ما إذا لم يكن له الحقّ في
حبسه كالمبيع في يد البائع بعد نقد المشتري
ثمنه، أو قبله إن كان الثمن مؤجلا،
فذهبوا في الحالة الأولى إلى أنه يشترط في
صحة القبض أن يكون بإذن من له الحقّ في
حبسه، وذهبوا في الحالة الثانية إلى أنه لا
یشترط، وصححوا القبض بدون إذنه (١).
وعللوا اشتراط الإِذن في الأولى بأنّ من
كان له الحقّ في حبس الشيء، فلا يجوز
إسقاط حقه بغير إذنه، بخلاف من لم يكن
له الحقّ في حبسه، وتعلق حقّ الغیر به،
واستحقّ قبضه، فله أن يقبضه سواء أذن
المقبوض منه أم لم يأذن.
وذهب المالكية إلى أنه يشترط الإِذن
لصحة القبض في الرهن، ولا يشترط في سائر
العطايا كالهبة والصدقة والوقف، لبقاء ملك
الراهن في الرهن دونها (٢).
وذهب الحنابلة إلي أنه يشترط الإِذن
لصحة القبض في الرهن وفي العطايا كالهبة
والصدقة. فإن تعدى المرتهن أو الموهوب أو
المتصدق عليه فقبضه بغير إذن الراهن أو
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٢٣ وما بعدها، ٦ / ١٣٨، ورد المختار
٤ / ٥٦٢ ط. الحلبي، وروضة الطالبين ٥١٧/٣، ٠٣٧٦/٥
ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٠،٧٣
(٢) المنتقى للباجي ١٠٠/٦، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٤٣،
والشرح الكبير للدردير ٤ /١٠١
الواهب أو المتصدق، فسد القبض، ولم
تترتب علیه أحكامه (١).
نوعا الإذن :
٢٥ - الإِذن عند الفقهاء نوعان: صريح،
ودلالة، أمّا الصريح، فنحو أن يقول:
اقبض، أو أذنت لك بالقبض، أو رضيت
به، وما يجري هذا المجرى، وأمّا الدلالة،
فنحو أن يقبض الموهوب الهبة بحضرة
الواهب فیسکت ولا ینهاه، وکسکوت البائع
حين يرى المشتري يقبض المبيع، وكسكوت
الراهن عند قبض المرتهن العين المرهونة
أمامه (٢) .
الرجوع في الإذن :
٢٦ - حيثما اشترط الإِذن لصحة القبض فقد
نصّ الشافعية والحنابلة على أنّ لمن أذن
بالقبض الرجوع في الإِذن قبل القبض، فإن
رجع قبله بطل الإِذن، وإن رجع عن الإِذن
بعد القبض لم يؤثر رجوعه (٣).
أمّا بطلان الإِذن برجوعه قبل القبض،
(١) كشاف القناع ٣ / ٢٧٢، ٢٥٣/٤ مط. السنة المحمدية.
والمغني ٤ / ٣٣٢ ط. دار المنار
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٥٤ وما بعدها، لسان الحكام
لابن الشحنة ص ٣٢١، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ مط. السنة
المحمدية ، والمغني ٤ / ٣٣٢ط. دار المنار.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٧٦، مغني المحتاج ٢ / ٤٠١، والمهذب
١/ ٣١٣، والمغني ٣٣٢/٤ط. دار المنار، وكشاف القناع
٢٥٣/٤ (مط. السنة المحمدية)
- ٢٧٢ -

قبض ٢٦ - ٢٩
فلقوّة حقّه في العين ببقاء يده عليها، ولأنه لمّاً
کان له أن لا یأذن بقبضها، کان له أن يرجع
عن إذنه قبل حصول القبض، وأمّا عدم تأثير
رجوعه على صحة الإذن بعد القبض، فلأنّ
من سعى في نقض ما تمّ من قبله فسعيه
مردود عليه .
اشتراط بقاء أهلية الآذن حتى يحصل
القبض:
٢٧ - نصّ الشافعية على بطلان الإِذن
بالقبض إذا جنّ الآذن أو أغمي عليه أو
حجر عليه قبل القبض (١).
ووافقهم الحنابلة على أنه لو مات الآذن أو
المأذون له قبل القبض، بطل الإِذن
بالقبض (٢).
الشرط الرابع: أن يكون المقبوض غير
مشغول بحقّ غیرہ:
٢٨ - اختلف الفقهاء في اشتراط كون
المقبوض غير مشغول بحق غيره على ثلاثة
أقوال :
(أحدها) للحنفية والشافعية وهو أنه
يشترط لصحة القبض أن يكون المقبوض غير
مشغولٍ بحقِّ غيره، فلو كان المبيع داراً
(١) المهذب ١/ ٣١٣
(٢) روضة الطالبين ٥/ ٣٧٦، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ (مط.
السنة المحمدية)
مشغولةٌ بمتاع للبائع، فلا يصح القبض
حتى يسلّمها فارغة (١).
(والثاني) المالكية: وهو أنه لا يشترط في
صحة القبض أن يكون المقبوض غير مشغول
بحقّ غيره إلاّ في دار السكنى، فيشترط
لصحة قبضها إخلاؤها (٢).
(والثالث) للحنابلة: وهو أنه لا يشترط
ذلك، ويصح قبض الشيء المشغول بحقّ
غيره، فلو خلی البائع بين المشتري وبین الدار
المباعة، وفيها متاع للبائع صحّ القبض، لأن
اتصالها بملك البائع لا يمنع
صحة القبض (٣).
الشرط الخامس: أن يكون المقبوض منفصلاً
متميزا :
٢٩ - هذا الشرط قال به الحنفية، وهو أن
يكون المقبوض منفصلاً متميزاً عن حق
الغير، فإن كان متصلاً به اتصالَ الأجزاء،
فلا يصح القبض.
وعلى هذا: فلو رهن أو وهب الأرض
بدون البناء أو بدون الزرع والشجر، أو الزرع
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ١٧، ورد المحتار ٤ / ٥٦٢، ٦٩٠/٥ ط.
الحلبي، وبدائع الصنائع ٦ / ١٢٥، ١٤٠، ومجمع الضمانات
للبغدادي ص ٢١٩، ٢٣٨، وفتح العزيز ٨ / ٤٤٢،
والمجموع شرح المهذب ٩/ ٢٧٦، ومغني المحتاج٢ / ٧٢
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ١٤٥، ومنح الجليل ٢ / ٦٨٩
(٣) المغني ٤ / ٣٣٣ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣/ ٢٠٢ مط.
أنصار السنة المحمدية .
- ٢٧٣ -

قبض ٢٩ - ٣٠
والشجر بدون الأرض، أو الشجر بدون
الثمر، أو الثمر بدون الشجر، فلا يصح
القبض ولو سلّم الكلّ، لأن المرهون أو
الموهوب المراد قبضه متصل بغيره اتصال
الأجزاء، وهذا يمنع من صحة القبض (١).
وسبب اشتراطهم هذا الشرط أنّ اتصال
الشيء بحقّ الغير يمنع من التمكن منه
ويحول دونه، ومن أجل ذلك لا يصح قبضه
وهو بهذه الحال (٢).
الشرط السادس: أن لا يكون المقبوض
حصة شائعة :
٣٠ - اختلف الفقهاء في اشتراط عدم
الشيوع لصحة القبض على قولين:
أحدهما المالكية والشافعية والحنابلة : وهو
أنه يصحّ قبض الحصة الشائعة، لأنّ الشيوع
لا ينافي صحة القبض، إذ لو كان القبض
غير متحقق في الحصة الشائعة لعدم تمكّن
كل واحدٍ من الشريكين من التصرف في
حصته، لكان كلّ شريكين في ملك شائع
غیر قابضین له، ولو کانا غیر قابضین له لكان
مهملا لايدَ لأحد عليه، وهذا أمر ينكره
الشرع والعيان، أما الشرع، فلأنه جعل
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٥، ١٤٠ وما بعدها، والفتاوى الهندية
١٧/٣
(٢) رد المحتار ٦ / ٤٧٩ ط. الحلبي.
تصرفهما فيه تصرف ذي الملك في ملكه، وأما
العيان، فلكونه عند كل واحد منهما مدةٌ
يتفقان عليها، أو عندهما معاً ينتفعان به
ويستغلانه (١).
غير أن جمهور الفقهاء مع اتفاقهم على
صحة قبض الحصة الشائعة، وعدم منافاة
الشيوع لصحة القبض اختلفوا في كيفية
قبض الحصة الشائعة :
أ - فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ
قبض الحصة الشائعة يكون بقبض الكلّ.
فإذا قبضه کان ماعدا حصته أمانة في يده
لشريكه، لأنّ قبض الشيء يعني وضع اليد
عليه والتمكن منه، وفي قبضه للكلّ وضع
لیده على حصته وتمکن منها .
قالوا: ولا يشترط لذلك إذن الشريك إذا
كان الشيء مما يقبض بالتخلية. أما إذا كان
مما يقبض بالنقل والتحويل، فيشترط إذن
الشريك، لأن قبضه بنقله، ونقله لا يتأتى
إلا بنقل حصة شریکه مع حصته، والتصرّف
في مال الغير بدون إذنه لا يجوز .
فإن أبى الشريك الإِذن، فلمستحقّ
قبضه أن یوکل شریکه في قبض حصته،
(١) الأم ٣ / ١٢٥، ١٦٩ (ط بولاق)، وفتح العزيز ٨ / ٤٥٩،
وشرح التاودي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٧٨، ٢ / ٢٣٤،
والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٣٥، والمغني ٤ / ٣٣٣، ٥/ ٥٩٦
ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣/ ٢٠٢، ٤ /٢٥٧ مط. السنة
المحمدية .
- ٢٧٤ -

٠ ١٥
قَبْض ٣٠ - ٣١
فیصح القبض، فإن لم یوگّله قبض له
الحاكم، أو نصّب من يقبض لهما، فينقله
ليحصل القبض، لأنه لا ضرر على الشريك
في ذلك، ویتمّ به عقد شريكه (١).
ب - وقال المالكية: قبض الحصة الشائعة
یکون بوضع يده عليها كما كان صاحبها
يضع يده عليها مع شريكه، إلاّ في المرهون
الذي يكون الشريك فيه الراهن، فيشترط
قبض الکّ کیلا تجتمع ید الراهن وید
المرتهن معاً، سواء أذن الشريك الراهن أو لم
يأذن، فلو وهب رجل نصف داره، وهو
ساکن فيها، فدخل الموهوب له فساکنه فیها،
وصار حائزا بالسكنى والارتفاق بمنافع الدار،
والواهب معه في ذلك على حسب ما يفعله
الشريكان في السكنى، فذلك قبض تام،
وكذلك کلّ من وُهِب جزءا من مال أو دارٍ،
وتولی احتیاز ذلك مع واهبه، وشاركه في
الاغتلال والارتفاق، فهو قبض (٢).
لكن لو رهن شخص نصف داره شائعا لم
يتمّ القبض إلّ بقبض المرتهن جميعها لئلا
تجول يدُ الراهن فيها (٣)، أما لو كان النصف
غير المرهون لغير الراهن فيحصل القبض
(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، وكشاف القناع ٣/ ٢٠٢، ٤/ ٢٥٧
(٢) شرح ميارة على تحفة ابن عاصم ٢ / ١٤٦
(٣) شرح التاودي على التحفة ١ / ١٧٨، وشرح ميارة على التحفة
١١٦/١
بحلوله في حصة الراهن مع الشريك في
السكنی والارتفاق (١).
والثاني للحنفية، وهو أنه يشترط في صحة
القبض ألّ يكون المقبوض حصة شائعةً،
وذلك لأنّ معنی القبض إثبات اليد والتمكن
من التصرف في الشيء المقبوض، وتحقّق ذلك
في الجزء الشائع وحده لا یتصور، فإن سكنی
بعض الدار شائعاً وليس بعض الثوب شائعاً
محال، وإن قابضه لا يتمكن من التصرف فيه
ولو حاز الكلّ، نظراً لتعلّق حقّ الشريك
به (٢) .
ما يحل محل القبض:
الشيء المستحق قبضه بالعقد، إمّا أن
یکون بید الشخص قبل أن يستحقه بالعقد،
وإمّا أن یکون بيد صاحبه.
الحالة الأولى:
٣١ - إن كان المقبوض بيد الشخص قبل أن
يستحق قبضه بالعقد، كما لو باع شيئاً أو
وهبه أو رهنه عند غاصب أو مستعیر أو مودع
أو مستأجر أو غيره، فهل ينوب القبض
السابق على العقد عن القبض الذي يقتضيه
ذلك العقد ويقومُ مقامه أم لا؟
(١) لباب اللباب لابن راشد القفصي ص ١٧٠، وشرح ميارة على
التحفة ١ / ١١٦ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ١٢٠/٦، ١٣٨.
- ٢٧٥ -

قبض ٣١
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
(القول الأول) المالكية والحنابلة: وهو أنه
ينوب القبض السابق مناب القبض المستحقّ
بالعقد مطلقاً سواء أكانت يده علیه ید ضمان
أم يد أمانة، وسواء أكان القبض المستحق
قبض أمانة أم قبض ضمان، ولا يشترط الإِذن
ولا مضيّ زمان يتأتى فيه القبض (١).
أما نيابته مناب القبض المستحق بالعقد،
فلأنّ استدامة القبض قبض حقيقةً، لوجود
الحيازة مع التمكن من التصرف، فقد وجد
القبض المستحق، ولا دليل على أنه ينبغي
وقوعه ابتداء بعد العقد.
وأما عدم اشتراط كون القبضين متماثلين
أو كون القبض السابق أقوى، بما ينشأ عنه
من ضمان اليد، حتى ينوب عن القبض
المستحق بالعقد، فلأنّ المراد بالقبض في
العقد: إثبات اليد والتمكن من التصرف في
المقبوض، فإذا وجد هذا الأمر، وجد
القبض، أما ما ينشأ عنه من كون المقبوض
مضمونا أو أمانة في يد القابض، فليس
لذلك أيّة علاقة أو تأثير في حقيقة القبض.
وأمّا عدم الحاجة للإِذن، فلأنّ إقراره له في
(١) شرح ميارة على التحفة ١١١/١، المحرر للمجد بن تيمية ٣٧٤/١،
ونظرية العقد لابن تيمية ص ٢٣٦، كشاف القناع ٣/ ٢٤٩،
٢٧٣، ٤ / ٢٥٣ (مط. أنصار السنة المحمدية)، المغني
٣٣٤/٤ وما بعدها، ٥٩٤/٥ ط. دار المنار .
يده بمنزلة إذنه في القبض، كما أنّ إجراءه
العقد مع کون المال في یده یکشف عن رضاه
بالقبض، فاستغني عن الإِذن المشترط في
الابتداء، إذ يغتفر في الدوام مالا يغتفر في
الابتداء .
وأمّا عدم الحاجة إلى مضيّ زمان یتأتی فیه
القبض، فلأن مضيّ هذا الزمان ليس من
توابع القبض، ولیس له مدخل في حقيقته،
نعم لو كان القبض متأخراً عن العقد
لاعتبر مضيّ الزمان الذي يمكن فيه القبض،
لضرورة امتناع حصول القبض بدونه، أمّا
مع كونه سابقاً للعقد فلا.
(القول الثاني) للحنفية: وهو أنّ الأصل
في ذلك أنّ القبض الموجود وقت العقد، إذا
کان مثل المستحقّ بالعقد، فإنه ینوب منابه،
يعني أن يكون كلاهما قبض أمانة أو قبض
ضمان، لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق
التناوب، لأن المتماثلین غیران ینوب کل واحد
منهما مناب صاحبه ويسدّ مسدّه، وقد وجد
القبض المحتاج إليه .
أمّا إذا اختلف القبضان، بأن كان
أحدهما قبض أمانةٍ، والآخر قبضَ ضمانٍ،
فينظر: إن كان القبض السابق أقوى من
المستحقّ، بأن كان السابق قبض ضمان
والمستحقّ قبض أمانة، فينوب عنه، لأنّ به
يوجد القبض المستحقّ وزيادة، وإن كان
- ٢٧٦ -
---..... .-

قَبْض ٣١
دونه، فلا ينوب عنه، وذلك لانعدام القبض
المحتاج إليه، إذ لم يوجد فيه إلّ بعض
المستحقّ، فلا ینوب عن کله.
وبيان ذلك: أن الشيء إذا كان في يد
المشتري بغصب أو مقبوضاً بعقد فاسد،
فاشتراه من المالك بعقد صحيح، فينوب
القبض الأول عن الثاني، حتى لو هلك
الشيء قبل أن يذهب المشتري إلى بيته،
ويصل إليه، أو يتمكن من أخذه، كان
الهلاك علیه، لتماثل القبضین من حیث کون
كل منهما يوجب كون المقبوض مضموناً
بنفسه .
وكذا لو كان الشيء فی یده ودیعة أو عاريةً
فوهبه منه مالکه، فلا يحتاج إلى قبض آخر،
وينوب القبض الأول عن الثاني، لتماثلهما من
حیث کونهما أمانة .
ولو کان الشيء في يده بغصب أو بعقد
فاسد، فوهبه المالك منه، فكذلك ینوب
ذلك عن قبض الهبة، لوجود المستحقّ
بالعقد، وهو أصل القبض، وزيادة ضمان .
أما إذا كان المبيع في يد المشتري بعارية أو
وديعة أو رهن، فلا ينوب القبض الأول عن
الثاني، ولا يصير المشتري قابضا بمجرد
العقد، لأنّ القبض السابق قبض أمانةٍ، فلا
يقوم مقام قبض الضمان في البيع، لعدم
وجود القبض المحتاج إليه (١).
(القول الثالث) للشافعية: وهو أنه ینوب
القبض السابق مناب القبض المستحقّ
بالعقد، سواء أكانت يد القابض السابقة
بجهة ضمان أم بجهة أمانة، وسواء أكان
القبض المستحق قبض أمانة أم قبض
ضمان، غير أنه يشترط لصحة ذلك أمران:
أحدهما: الإِذن من صاحبه في الأظهر إن
کان له في الأصل الحقّ في حبسه، کالمرهون،
والمبيع إذا كان الثمن حالاً، ولم يوفّه، أما إذا
لم يكن له هذا الحقّ كالمبيع بثمن مؤجلٍ، أو
حالٍ بعد نقد ثمنه، فلا يشترط عند ذلك
الإذن .
وسبب اشتراط الإِذن من مستحقّ حبسه
في الأصل، هو عدم جواز إسقاط حقّه بغير
إذنه، كما لو كانت العین في يده.
والثاني: مضيّ زمان يتأتى فيه القبض،
إذا كان الشيء غائبا عن مجلس العقد، لأنه
لو لم يكن في يده، لاحتاج إلى مضي هذا
الزمان ليحوزه ويتمكن منه، ولأنّا جعلنا دوام
اليد كابتداء القبض، فلا أقلّ من مضيّ زمان
يتصور فيه ابتداء القبض، ولكن لا يشترط
ذهابه ومصيره إلیه فعلاً.
(١) مجمع الضمانات للبغدادي ص ٢١٧، بدائع الصنائع
.
٢٤٨/٥، ٦/ ١٢٦ وما بعدها، الفتاوى الهندية ٣/ ٢٢ وما
بعدها .
- ٢٧٧ -

قبض ٣١ - ٣٢
ويعتبر ابتداء زمان إمكان القبض، من
وقت الإِذن فيه، لا من وقت العقد (١).
الحالة الثانية :
٣٢ - إذا کان الشيء بيد صاحبه، کالمبيع في
ید بائعه، أو الموهوب في ید واهبه، فقد فرّق
الفقهاء - في قضية ما ينوب مناب القبض -
بين حالة المبيع في يد البائع، وبين حالة
الموهوب في يد الواهب، وبيان ذلك:
أ - أنّ المبيع إذا كان بيد البائع، فللفقهاء
في ذلك ثلاثة أقوال:
(أحدها) للحنفية: وهو أن ینوب مناب
قبض المبيع من يد بائعه، أن يتصرّف فيه
المشتري بإتلافٍ أو تعييب أو تغييرٍ صورةٍ أو
استعمال، لأن القبض یکون بإثبات اليد
والتمكين من التصرف، والإتلاف والتعييب
وتغيير الصورة والاستعمال تصرّف فيه حقيقةً،
فكان قبضاً من باب أولى، لأن التمکین من
التصرف دون حقيقة التصرف، كما أنّ
صدور هذه التصرفات من المشتري ينطوي
علی إثبات الید فعلا، إذ لا يتصور صدورها
منه مع تخلف هذا المعني، فكانت تلك
التصرفات بمنزلة القبض ضرورة .
ومثل ذلك في الحكم ما لو فعل البائع
(١) المجموع شرح المهذب ٩/ ٢٨١، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨،
وفتح العزیز للرافعي ١٠ / ٦٥- ٧١
شيئا من ذلك بأمر المشتري، لأن فعله بأمر
المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه .
ولو أعار المشتري المبيع أو أودعه أجنبياً،
صار بذلك قابضاً لأنه بالإِعارة والإِيداع أثبت
ید النيابة لغيره فیه، فصار قابضاً، وكذا لو
وهبه أجنبياً، فقبضه الموهوب.
أما إذا أعاره المشتري للبائع، أو أودعه
إياه، أو آجره إياه لم یکن شيء من ذلك
قبضاً، لأن هذه التصرفات لاتصحٌ
من المشتري، لأن يد الحبس بطريق
الأصالة ثابتة للبائع، فلا يتصور إثبات ید
النیابة له بهذه التصرفات، فلم تصحّ،
والتحقت بالعدم (١).
(والثاني) للشافعية: وهو أنّ المشتري إذا
أتلف المبيع حساً أو شرعاً قبل قبضه، كان
إتلافه قبضاً إن علم أنه يتلف المبيع، أمّا إذا
لم يعلم فوجهان، والأصح اعتباره قبضاً.
وإذا أتلفت الزوجة الصداق، وهو بيد
الزوج، صارت بذلك قابضة، وبرىء
الزوج (٢).
(والثالث) للحنابلة: وهو أنّ المشتري إذا
أتلف المبيع، وهو في يد البائع، فیعتبر ذلك
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٦ وما بعدها، ورد المحتار ٤ / ٥٦١ ط.
الحلبي .
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٦٦ وما بعدها، وروضة الطالبين ٣/ ٤٩٩
وما بعدها و ٧ / ٢٥١ .
- ٢٧٨ -

قبض ٣٢ - ٣٤
قبضاً له، ويستقرّ عليه الثمن، لأنه ماله وقد
أتلفه، سواء أكان الإِتلاف عن عمد أم
خطأ، ويكون على المشتري أن ينقد الثمن
للبائع إن لم یکن دفعه، وإن کان دفعه، فلا
رجوع له به (١).
(ب) أما إذا كانت العين الموهوبة بيد
الواهب، فقال الشافعية: لا يعتبر إتلاف
الموهوب للعين الموهوبة قبضاً، لعدم
استحقاقه القبض بدون إذن الواهب (٢).
وقال الحنابلة: إذا أتلف المتهب
الموهوب، وهو في ید الواهب، فإن كان ذلك
بإذن الواهب، اعتبر قبضاً وإلاّ فلا (٣).
اشتراط القبض في العقود وآثاره:
٣٣ - دلّت النصوص والقواعد العامة في
الشريعة على اشتراط القبض في كثير من
العقود، وإن كان ذلك الاشتراط مختلفاً في
مداه بين عقد وآخر، وبين رأي فقيه أو
مذهب وبين رأي غيره من الفقهاء
والمجتهدين.
فتارةً يكون القبض شرطاً في صحة
العقد، بحيث يبطل العقد إذا تفرّق
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٩١، وكشاف القناع ٣/ ٢٣١
مط. الحكومة بمكة المكرمة .
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٧٧.
(٣) كشاف القناع ٢٣١/٣ مط. الحكومة بمكة المكرمة، وشرح
منتهى الإرادات ٢ / ١٩١ .
العاقدان قبله، وتارة يكون شرطاً في انتقال
ملكية محلّ العقد واستقرارها، كما أنه أحياناً
یکون شرطاً في لزوم العقد، بحيث يكون
جائزا قبله.
وبیان ذلك فيما يأتي :
أ- العقود التي يشترط القبض فيها لنقل
الملكية :
٠
العقود التي يشترط - في الجملة - القبض
لنقل ملكية محلّ العقد فيها خمسة:
(أولا) الهبة :
٣٤ - اختلف الفقهاء في اشتراط القبض
لنقل ملكية العين الموهوبة إلى الموهوب على
قولین :
(أحدهما) للحنفية والشافعية والحنابلة: وهو
أنه يشترط القبض لانتقال الملكية إلى
الموهوب، وأن الهبة لا يملكها الموهوب إلّ
بقبضها.
واشترط الشافعية إذن الواهب في
القبض (١).
(الثاني) للمالكية وابن أبي ليلى: وهو أنه
(١) تكملة ردّ المحتار ٤٢٤/٨، ٤٧٠ ط. الحلبي، والأشباه
والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٣، وانظر م ٨٠، ٨٢، ٨٣ من
مرشد الحيران، وروضة الطالبين ٣٧٥/٥، ومغني المحتاج
٤٠٠/٢، والأم ٢٧٤/٣ بولاق، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص ٣١٩، والمحرر لمجد الدين بن تيمية ١ / ٣٧٤، والقواعد
لابن رجب ص ٧١ .
- ٢٧٩ -

قَبْض ٣٤ - ٣٥
لا يشترط القبض لانتقال الملكية إلى الموهوب
بل تثبت له بالعقد وعلى الواهب إقباضه
وفاءً بالعقد، لقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ﴾ (١) حتى إنّ المالكية نصّوا على
إجبار الواهب على تسليم الموهوب إن
امتنع (٢).
واستدلوا على عدم اشتراط القبض في
الهبة بالقياس على البيع، حيث إنّ المشتري
يملك ما اشتراه بالعقد، ولو لم يقبضه.
كما استدلوا بما روي عن النبي وَلّ أنه
((أهدى إلى النجاشي أواقا من مسك، ثم قال
لأم سَلَمة : إنی لا أراه إلا قد مات، ولا أرى
الهدية التي أهدیت إلیه إلا ستردّ، فإذا ردت
إليّ، فهو لكِ أم لكم، فكان كما قال)) (٣)
فدلّ ذلك على أنّ الهدية لا تملك إلا
بالقبض.
وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: ((إن أبا بكر الصديق نحلها جاد
عشرين وسقاً من ماله بالغابة، فلما حضرته
الوفاة، قال: والله يابُنية ما من الناس أحد
أحبُّ إليّ غنىّ بعدي منكِ، ولا أعزَّ عليّ فقرا
(١) سورة المائدة / ١.
(٢) الشرح الكبير ١٠١/٤،
(٣) حديث: ((أن النبي : أهدى إلى النجاشي أواقاً من
مسك ... )) أخرجه الحاكم (١٨٨/٢) وقال الذهبي: منكر،
ومسلم الزنجي ضعيف .
بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد
عشرين وسقاً، فلو كنت جَدَدْتيه واحتَزْتِيه
کان لك ذلك، وإنما هو الیوم مال وارث،
وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه علی کتاب
الله تعالى، قالت عائشة: ياأبت، والله لو
کان کذا وكذا لترکته، وإنما هي أسماء، فمن
الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت
خارجة، أراها جارية)) (١)، قالوا: فلولا
توقف الملك في الموهوب على القبض لما قال
إنه مال وارث.
وبما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أنه قضى في الأنحال: ((أنّ ما قبض منها
فهو جائز، وما لم يقبض فهو میراث)) (٢)،
وروي مثل ذلك عن عثمان وابن عمر وابن
عباس وأنس وعائشة رضي الله عنهم (٣)، ولا
يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان إجماعاً،
ولأن انتفاء العوض في الهبة يضعف من سببية
العقد لإضافة الملك للموهوب، فمن أجل
ذلك يتأخر الملك إلى أن يتقوى العقد
بالقبض (٤) .
(ثانيا) الوقف :
٣٥ - اختلف الفقهاء في اشتراط القبض
(١) أثر عائشة أخرجه مالك في الموطأ ٢ / ٧٥٢.
(٢) أثر عمر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٧٠/٦).
(٣) روى ذلك عنهم البيهقي في السنن الكبرى (١٧٠/٦)
(٤) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري
٦٩/٢.
- ٢٨٠ -