Indexed OCR Text

Pages 41-60

فَتْوی ٣١ - ٣٢
وفهم لمبنى الحكم، وذلك أدعى إلى الطاعة
والامتثال، وفي کثیر من فتاوي النبی آلآل ذکر
الحِكْم . (١) كحديث ابن عباس رضي الله
عنهما قال: نهى رسول الله وهو أن تزوج المرأة
على العمة والخالة وقال: ((إنكن إذا فعلتن
ذلك قطعتن أرحامكن؟ (٢) وقوله في وضع
الجوائح: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ
أحدكم مال أخيه ؟)) (٣) وقال الصيمري : لا
يذكر الحجة إن أفتى عاميًا، ويذكرها إن
أفتى فقيها، وإن تعلقت الفتوى بقضاء
قاض فيومىء فيها إلى طريق الاجتهاد ويلوّح
بالنكتة، وكذا إن أفتى فيما غلط فيه غيره
فیبین وجه الاستدلال.
وقال الماوردي: لا يذكر الحجة لئلا يخرج
من الفتوى إلى التصنيف (٤) .
د - لا يقول في الفتيا: هذا حكم الله ورسوله
إلا بنص قاطع، أما الأمور الاجتهادية
فیتجنب فيها ذلك حديث: ((وإذا حاصرت
أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله
فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري
(١) إعلام الموقعين ٤ / ١٦٠، ٢٥٩.
(٢) حديث ابن عباس قال: ((نهى رسول الله ولا﴿ أن تزوج المرأة على
العمة والخالة ... »
أخرجه ابن حبان (٩/ ٤٢٦ - الإحسان).
(٣) حديث: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٩٨) من حديث أنس
ابن مالك .
(٤) المجموع للنووي ١ / ٥٢ .
أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟)) (١).
وهذا على قول من يجعل الصواب في قول ،
أحد المختلفين، أما من يقول: كل مجتهد
مصیب فيجوز أن يقول: هذا حكم الله،
وهو مذهب مرجوح . (٢)
هـ - ينبغي أن تكون الفتيا بكلام موجز
واضح مستوف لما يحتاج إليه المستفتي مما
يتعلق بسؤاله، ويتجنب الإطناب فيما لا أثر
له، لأن المقام مقام تحديد، لا مقام وعظ أو
تعليم أو تصنيف (٣).
قال القرافي: إلا في نازلة عظيمة تتعلق
بولاة الأمور، ولها صلة بالمصالح العامة،
فيحسن الإِطناب بالحث والإِيضاح
والاستدلال، وبيان الحكم والعواقب،
ليحصل الامتثال التامّ (٤) .
وإن کان لکلامہ قبول ويحرص الناس على
الاطلاع عليه، فلا بأس بالإِطالة واستيفاء
جوانب المسألة .
الإِفتاء بالإِشارة :
٣٢ - تجوز الفتيا بالإِشارة إن كانت مفهمة
للمراد (٥) وقد ثبت عن النبي وَ لّ أنه أفتى
(١) حديث: ((إذا حاصرت أهل حصن ... ))
أخرجه مسلم (٣ / ١٣٥٨) من حديث بريدة .
(٢) إعلام الموقعين ٤/ ١٧٥، ١ / ٣٩، ٤٤
(٣) صفة الفتوي لابن حمدان ص ٦٠ .
(٤) الإِحكام للقرافي ص ٣٦٤، وانظر مجموع النووي ١ / ٤٩ .
(٥) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠٢، وشرح المحلي على منهاج =
- ٤١ -

فَتْوی ٣٢ - ٣٤
بالإشارة في مواضع، منها: حديث ابن
عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي ◌َّ سئل
يوم النحر عن التقديم والتأخير؟ فأومأ بيده أن
لا حرج))(١) وقال وَ لّ: ((إن الله لا يعذّب
بدمع العین ولا بحزن القلب، ولکن یعذب
بهذا، - وأشار إلى لسانه - أو يرحم)) (٢).
الإِفتاء بالكتابة :
٣٣ - تجوز الفتيا كتابة، ولكن فيها خطورة
من حيث إمكان التبديل والتغيير فيها ونسبة
ذلك إلى المفتي، ولذا ينبغي أن يتحرز في
كتابتها بحيث لايمكن فيها الإِضافة
والتزوير (٣) ..
أخذ الرزق على الفتيا:
٣٤ - الأولى للمفتي أن يكون متبرعاً بعمله
ولا يأخذ عليه شيئا.
وإن تفرغ للإفتاء فله أن يأخذ علیه رزقا
من بيت المال على الصحيح عند الشافعية،
وهو مذهب الحنابلة، واشترط الفريقان لجواز
ذلك شرطین :
= الطالبين ٣/ ٣٢٧، والموافقات ٤ / ٢٤٧.
(١) حديث ابن عباس: ((أنه سئل يوم النحر عن التقديم
والتأخير ... »
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٨١) .
(٢) حديث: ((إن الله لا يعذب بدمع العين ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ١٧٥) من حديث
ابن عمر .
(٣) المجموع للنووي ١ / ٤٧، ٤٩، ٥٠، وصفة الفتوى لابن
حمدان ص ٦٣ .
الأول: أن لا يكون له کفایة.
والثاني: أن لا یتعین علیه، فإن تعین علیه،
بأن لم يكن بالبلد عالم يقوم مقامه، أو كان له
كفاية لم يجز (١) وقال ابن القيم: إن لم يكن
محتاجاً ففيه وجهان، لتردده بین القیاس على
عامل الزكاة أو على العامل في مال
اليتيم (٢) .
وألحق الخطيب البغدادي والصّيمري
بذلك: أن يحتاج أهل بلد إلى من يتفرغ
لفتاوبهم، ويجعلوا له رزقا من أموالهم،
فیجوز، ولا يصلح ذلك إن کان له رزق من
بيت المال، قال الخطيب: وعلى الإِمام أن
يفرض لمن نصب نفسه للفتوى في الأحكام
مايغنيه عن الاحتراف، ويكون ذلك من
بیت المال، ثم روی بإسناده أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أعطى كل رجل ممن
هذه صفته مائة دينار في السنة (٣) .
وأما الأجرة، فلا يجوز أخذها من أعيان
المستفتين على الأصح عند الشافعية، وهو
مذهب الحنفية والحنابلة، قال الحنابلة: لأن
الفتيا عمل يختص فاعله أن يكون من أهل
القربة، ولأنه منصب تبليغ عن الله ورسوله،
فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال له: لا
(١) المجموع للنووي ١ / ٤٦، وشرح المنتهي ٣ / ٤٦٢.
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٤٣٢.
(٣) المجموع ١ / ٤٦ .
- ٤٢ -

فَتْوَی ٣٤ - ٣٦
أعلمك الإِسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا
بأجرة، قالوا: فهذا حرام قطعا، وعليه رد
العوض، ولا يملكه، قالوا: ويلزمه الإِجابة
مجاناً لله بلفظه أو خطه إن طلب المستفتي
الجواب كتابة، لكن لا يلزمه الورق والحبر.
وأجاز الحنفية وبعض الشافعية أخذ
المفتي الأجرة على الكتابة، لأنه کالنسخ (١).
وقال المالكية: يجوز للمفتي أخذ الأجرة
على الفتوى إن لم تتعين عليه (٢).
أخذ المفتى الهدية :
٣٥ - الأصل أنه يجوز للمفتي أخذ الهدية من
الناس بخلاف القاضي، والأولى له أن
يأخذها ويكافىء عليها، اقتداء بالنبي مَّد
فإنه ((كان يقبل الهدية ويثيب عليها))(٣) وهذا
إن كانت بغير سبب الفتيا، لأنه إنما يهدى
إليه لعلمه، بخلاف القاضي.
وإن كانت بسبب الفتيا فالأولى عدم
القبول، ليكون إفتاؤه خالصاً لله، وهذا إن
کان إفتائه لا يختلف بین من يُهدیه ومن لا
يُهدیه، وإن کان يهدیه لتكون سببا إلى أن
یفتیه بما لا يفتي به غيره من الرخص قال ابن
(١) حاشية ابن عابدين ٣١١/٤، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٣٢،
وشرح المنتهى ٣ / ٤٦٢ .
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٢٠.
(٣) حديث أن النبي # ((كان يقبل الهدية ويثيب عليها ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢١٠) من حديث عائشة .
القيم: لا يجوز له قبوها، وقال ابن عابدين:
إن كانت سببا لیرخّص له بوجه صحيح
فأخذُها مكروه كراهة شديدة، وإن کان بوجه
باطل فهو رجل فاجر، يبدّل أحكام الله،
ويشترى بها ثمنا قليلا (١).
وفي الشرح الكبير للمالكية : يجوز للمفتي
قبول الهدية ممن لا يرجو منه جاهاً ولا عوناً
على خصم (٢).
الخطأ في الفتيا:
٣٦ - إذا أخطأ المفتي، فإن كان خطؤه لعدم
أهليته، أو کان أهلاً لكنه لم یبذل جهده بل
تعجّل، يكون آثما، لحديث ((إن الله لا
يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور
العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى
إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوسا جھَّالاً،
فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا)) (٣).
أما إن كان أهلا واجتهد فأخطأ فلا إثم
علیه، بل له أجر اجتهاده، قياسا على ما ورد
في خطأ القاضي، وهو قول النبيّ ◌َلتر: ((إذا
حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران،
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣١١، وشرح المنتهي ٣/ ٤٧١،
وإعلام الموقعين ٤ / ٢٣٢ .
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤٠.
(٣) حديث: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ... ))
تقدم تخريجه ف ٨ .
- ٤٣ -

٣٦ - ٣٨
فتوى
وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر
واحد)) (١).
رجوع المفتي عن فتياه:
٣٧ - إذا تبيّن للمفتي أنه أخطأ في الفتيا
وجب عليه الرجوع عن الخطأ إذا أفتى في
واقعة أخرى مماثلة، لكتاب عمر رضي الله
عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: ((ولا
یمنعنك قضاء قضیت فيه اليوم، فراجعت فيه
رأيك، فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه
الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء،
ومراجعة الحق خير من التمادي في
الباطل)) (٢).
ثم إن كان المستفتي لم يعمل بالفتيا الأولى
لزم المفتي إعلامه برجوعه، لأن العامي يعمل
بها لأنها قول المفتي، وإذا رجع عنها فليست
قولاً له في تلك الحال.
وإن كان قد عمل بها قال النووي : يلزمه
إعلامه حيث يجب النقض (٣) . أي إذا
خالف قاطعا من نص أو إجماع، لأن ما رجع
عنه قد اعتقد بطلانه.
٣٨ - وإن رجع المفتي عن فتياه، أو تبين
(١) حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٣١٨) ومسلم
(٣/ ١٣٤٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) إعلام الموقعين ١ / ٨٦ .
(٣) المجموع للنووي ١ / ٤٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٠٤.
خطؤه، فليس للمستفتي أن يستند في
المستقبل إليها في واقعة أخرى مماثلة.
وأما ما فعله ومضى فله أحوال:
أ - إن تبيّن أن المفتي خالف نص كتاب أو
سنة صحيحة لا معارض لها أو خالف
الإجماع، أو القياس الجلي، ينقض ما عمل،
فإن كان بيعاً فسخاه، وإن كان نكاحاً وجب
علیه فراقها، وإن کان استحل بها مالاً وجب
عليه إعادته إلى أربابه.
ب - إن كانت فتياه الأولى عن اجتهاد، ثم
تغير اجتهاده، فلا يلزم المستفتي نقض ما
عمل، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد،
والفتيا في هذا نظير القضاء، لما ورد أن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه أعطى الإخوة لأم
الثلث، وحرم الإِخوة الأشقاء، ثم وقعت
واقعة أخرى فأراد أن يحكم بمثل ذلك، فقال
له بعض الأشقاء: هب أن أبانا كان حماراً،
أليست أمّنا واحدة؟ فشرّك بينهم في الثلث،
فقيل له في نقض الأولى فقال: تلك على ما
قضينا وهذه على ما نقضي، واستثنى بعض
الفقهاء من الشافعية وبعض الحنابلة
النكاح، فرأوا أنه لابد أن يفارقها (١).
(١) المجموع النووي ١ / ٤٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٠٤، وشرح
المنتهى ٣/ ٥٠٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠١،
١٠٢، قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد) .
- ٤٤ -

......
٠٠.
فَتْوَى ٣٩ - ٤٠
ضمان ما يتلف بناء على الخطأ في الفتوى:
٣٩ - إن أتلف المستفتي بناء على الفتيا شيئا،
كأن قتل في شيء ظنه المفتى ردة، أو قطع في
سرقة لا قطع فيها، أو جَلَد بشرب لا يجب
فیہ الحد۔ کمن شرب مکرها - فمات، فقد
اختلف الفقهاء في وجوب االضمان على المفتي
على أقوال:
الأول : قول المالكية، على ما نقله الدسوقي
عن الحطاب: أن من أتلف بفتواه شيئا وثبين
خطؤه فیها، فإن كان مجتهداً فلا ضمان
علیه، وإن كان مقلداً ضمن إن انتصب
وتولى بنفسه فعل ما أفتى فيه، وإلا كانت
فتواه غروراً قوليا لا ضمان فيه، ویزجر.
فأما إن كان جاهلاً لم يتقدم له اشتغال
بالعلم أدّب (١).
الثاني: وهو المشهور عند الشافعية عكس
هذا، قال النووي: عن أبي إسحاق
الإِسفرایینی: إن المفتي يضمن إن كان أهلاً
للفتوى فبان خطؤه وأنه خالف القاطع، ولا
يضمن إن لم يكن أهلاً لأن المستفتي قصّر-
أي بسؤاله من ليس أهلاً - كذا حكاه ابن
الصلاح وسکت عليه، واستشكله النووي،
ومال إلى أنه ينبغي تخريجه على قولي الغرور في
بابي الغصب والنكاح، أو يقطع بعدم
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٠
الضمان إذ لا إلجاء في الفتوى ولا إلزام.
وذهب ابن حمدان من الحنابلة إلى مثل
قول أبي إسحاق (١).
الثالث: ذهب الحنابلة إلى إنه إن كان أهلاً
لم يجب عليه الضمان وإلا ضمن، وقاسه ابن
القيم على ما ورد في المتطبب الجاهل، وهو
قول النبي وَله: ((من تطبّب ولم يعلم منه
طب فهو ضامن)) (٢)، ولكونه غر المستفتي
بتصدره للفتوى وهو ليس لها بأهل (٣) .
الإِمام وشئون الفتوى:
٤٠ - على الإِمام نصب المفتين في المناطق
المتباعدة إن ظهرت الحاجة ولم يوجد متبرعون
بالفتیا کما تقدم، ولا ینصب إلا من كان
لذلك أهلاً وعلیه الکفایة من بیت المال لمن
يتفرغ لذلك.
وينبغي أن ينظر في أحوال المفتين: فيمنع
من یتصدر لذلك ولیس بأهل، أو إذا كان
ممن يسيء، قال الحنفية: يُحْجَر على المفتي
الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس،
ومرادهم بالماجن: من يعلّم الحيل الباطلة،
(١) المجموع ١/ ٤٥، وروضة الطالبين ١١ / ١٠٧، وإعلام
الموقعين ٤ / ٢٢٥ .
(٢) حديث: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)).
أخرجه أبو داود (٤/ ٧١٠) والحاكم (٤/ ٢١٣) من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبي .
(٣) شرح المنتهى ٣/ ٥٠٢، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٢٦ .
- ٤٥ -

فَتْوَى ٤٠ - ٤٢
کمن یعلّم الزوجة أن ترتد لتبین من زوجها،
أو يعلّم ما تسقط به الزكاة، وكذا من يفتي
عن جهل (١).
وقال الخطيب البغدادي: ينبغي للإِمام
أن يتصفّح أحوال المفتين، فمن صلح للفتیا
أقرّه، ومن لا يصلح منَعَه ونهاه وتواعده
بالعقوبة إن عاد، قال: وطريق الإِمام إلى
معرفة من يصلح للفتيا أن يسأل عنه علماء
وقته، ويعتمد إخبار الموثوق بهم (٢).
وقال ابن القيم: من أفتی ولیس بأهلِ
فهو آثم عاصٍ، ومن أقرهم من ولاة الأمور
فهو آثم أيضا، ونقل عن ابن الجوزي قوله:
يلزمُ وليّ الأمر منعهم، فهو بمنزلة من يدلُّ
الركب ولا يعلم الطريق، وبمنزلة من يرشد
الناس إلى القبلة وهو أعمى ، بل أسوأ حالاً،
وإذا تعيّن على ولي الأمر منع من لم يحسن
الطبَّ من مداواة المرضى فكيف بمن لم
يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدین (٣) .
حكم الاستفتاء:
٤١ - استفتاء العامّي الذي لا يعلم حكم
الحادثة واجب عليه، لوجوب العمل حسب
حكم الشرع، ولأنه إذا أقدم على العمل من
(١) ابن عابدين على الدر المختار ٥ / ٩٣ .
(٢) المجموع للنووي ١ / ٤١ .
(٣) إعلام الموقعين ٤ / ٢١٧ .
غير علم فقد يرتكب الحرام، أو يترك في
العبادة ما لابد منه، قال الغزالي: العامي
يجب عليه سؤال العلماء، لأن الإجماع منعقد
على أن العامّي مكلف بالأحكام، وتكليفه
طلب رتبة الاجتهاد محال، لأنه يؤدي إلى
انقطاع الحرث والنسل، وتعطل الحرف
والصنائع، وإذا استحال هذا لم يبق إلا
سؤال العلماء ووجوب اتباعهم (١) .
وقال النووي: من نزلت به حادثة يجب
عليه علم حكمها، أي وجب عليه الاستفتاء
عنها، فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب
علیه الرحیل إلی من یفتیه وإن بعدت داره،
وقد رحل خلائق من السلف في المسألة
الواحدة الليالي والأيام (٢).
من لم يجد من يفتيه في واقعته:
٤٢ - إذا لم يجد المكلف من يفتيه في واقعته
يسقط عنه التکلیف بالعمل إذا لم یکن له به
علم، لا من اجتهاد معتبر ولا من تقلید،
لأنه یکون من باب التکلیف بما لايطاق،
ولأن شرط التكليف العلم به، وقياساً على
المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة وتكافأت
فلم یمکنهالترجيح، ویکون حکمه حکم ما
قبل ورود الشرع، وكمن لم تبلغه الدعوة (٣) .
(١) المستصفى للغزالي ٢ / ١٢٤ القاهرة، المكتبة التجارية،
١٣٥٦ هـ .
(٢) المجموع للنووي ١ / ٥٤ وانظر الموافقات للشاطبي ٤ / ٢٦١.
(٣) الموافقات ٤/ ٢٩١، والمجموع للنووي ١/ ٥٨
- ٤٦ -

فَتْوَى ٤٢ - ٤٤
وقال ابن القيم: في المسألة قول آخر، أنه
يخرّج حكمها على الخلاف في مسألة تعارض
الأدلة، وفيها الأقوال: أنه يأخذ بالأشد، أو
بالأخف، أو يتخير. ثم قال: والصواب أن
عليه أن يتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله
ويتقي الله، قال: وقد نصب الله تعالى على
الحق أمارات كثيرة، ولم يسوّ بین ما يحبه وما
یسخطه من کل وجه، بحيث لا یتمیز هذا
من هذا، والفطر السليمة تميل إلى الحق
وتؤثره، فإن قُدّر ارتفاع ذلك كله يسقط عنه
التكليف في هذه الواقعة وإن كان مكلَّفاً
بالنسبة إلى غيرها (١).
معرفة المستفتي حال من يستفتيه :
٤٣ - يجب على المستفتي إن وقعت له حادثة
أن يسأل متصفا بالعلم والعدالة .
قال ابن عابدين نقلا عن الكمال بن
الهمام: الاتفاق على حل استفتاء من عرف
من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه
منتصبا والناس یستفتونه معظمین له، وعلى
امتناعه من الاستفتاء إن ظن عدم أحدهما
أي عدم الاجتهاد أو العدالة (٢) .
وقال النووي: يسأل المستفتي منْ عرف
علمه وعدالته، فإن لم يعرف العلم بحث عنه
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٢١٩.
(٢) رد المحتار ٤ / ٣٠١.
بسؤال الناس، وإن لم يعرف العدالة فقد ذكر
الغزالي فيه احتمالين، أحدهما: أن الحكم
كذلك، وأشبههما: الاكتفاء، لأن الغالب
من حال العلماء العدالة، بخلاف البحث
عن العلم فليس الغالب من الناس
العلم (١).
وقال النووي: يجب على المستفتي قطعاً
البحث الذى يعرف به أهلية من يستفتيه
للإفتاء إذا لم یکن عارفاً بأهلیته، فلا يجوز له
استفتاء من انتسب إلى العلم، وانتصب
للتدريس والإِقراء، وغير ذلك من مناصب
العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك، ويجوز
استفتاء من استفاض كونه أهلاً للفتوى،
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: إنما يعتمد
قوله: أنا أهل للفتوى، لا شهرته بذلك، ولا
يكتفى بالاستفاضة ولا بالتواتر، والصحيح
هو الأول (٢) .
تخير المستفتي من يفتیه :
٤٤ - إن وجد المستفتي أكثر من عالم، وكلهم
عدل وأهل للفتيا، فقد ذهب جمهور الفقهاء
إلى أن المستفتي بالخيار بينهم يسأل منهم من
يشاء ويعمل بقوله، ولا يجب عليه أن يجتهد
في أعیانهم ليعلم أفضلهم علماً فيسأله، بل
(١) روضة الطالبين ١١/ ١٠٣.
(٢) المجموع ١ / ٥٤ .
- ٤٧ -

فَتْوَى ٤٤ - ٤٥
له أن يسأل الأفضل إن شاء، وإن شاء سأل
المفضول مع وجود الفاضل، واحتجوا لذلك
بعموم قول الله تعالى: ﴿فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُتُمْ لَاتَعْلَمُونَ ﴾ (١)، وبأن الأولین كانوا
يسألون الصحابة مع وجود أفاضلهم
وأكابرهم وتمكنهم من سؤالهم.
وقال القفال وابن سريج والاسفراييني من
الشافعية: ليس له إلا سؤال الأعلم والأخذ
بقوله (٣) .
ما يلزم المستفتي إن اختلفت عليه أجوبة
المفتين :
٤٥ - إن سأل المستفتي أكثر من مفت،
فاتفقت أجوبتهم، فعليه العمل بذلك إن
اطمأن إلى فتواهم.
وإن اختلفوا، فللفقهاء في ذلك
طريقان :
فذهب جمهور الفقهاء: الحنفية،
والمالكية، وبعض الحنابلة، وابن سريج
والسمعاني والغزالي من الشافعية إلى أن
العامّيّ لیس مخيّراً بین أقوالهم یأخذ بما شاء
ويترك ما شاء، بل عليه العمل بنوع من
الترجيح، ثم ذهب الأكثرون منهم إلى أن
(١) سورة النحل / ٤٣ .
(٢) روضة الطالبين للنووي ١١ / ١٠٤، والمجموع ١ /٥٤،
والبحر المحيط ٦ / ٣١١، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٦١.
الترجيح يكون باعتقاد المستفتي في الذين
أفتوه أيهم أعلم، فيأخذ بقوله، ويترك قول
من عداه.
قال الغزالي: الترجيح بالأعلمية واجب،
لأن الخطأ ممكن بالغفلة عن دليل قاطع،
وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع،
والغلط أبعد عن الأعلم لا محالة، كالمريض
إذا اختلف عليه طبيبان، فإن خالف
أفضلهما عدّ مقصراً، ويعلم أفضل الطبيبين
أو العالمين بتواتر الأخبار، وبإذعان المفضول
له، وبالتسامع والقرائن دون البحث عن
نفس العلم، والعامّيّ أهل لذلك، فلا
ینبغی له أن يخالف الأفضل بالتشھی . أهـ
وقال الشاطبي : لا يتخير، لأن في التخيير
إسقاط التكليف، ومتى خيرنا المقّدين في
اتباع مذاهب العلماء لم يبق لهم مرجع إلا
اتباع الشهوات والهوى في الاختيار، ولأن
مبنى الشريعة على قول واحد، هو حكم الله
في ذلك الأمر أهـ، وقياساً على المفتي: فإنه
لا يحل له أن يأخذ بأي الرأيين المختلفين دون
نظر في الترجيح إجماعاً كما تقدم.
وقال الغزالي: إن تساوى المفتيان في
اعتقاد المستفتي، وعجز عن الترجيح تخيّر،
لأن هذا موضع ضرورة، وقال ابن القيم
وصاحب المحصول: عليه الترجيح
- ٤٨ -

فَتْوَى ٤٥ - ٤٧
بالأمارات، فإن الحق والباطل لا يستويان في
الفطر السليمة .
وذهب البعض إلى أن الترجيح يكون
بالأخذ بالأشد احتياطاً، وقال الكعبي :
یأخذ بالأشد فيما كان في حقوق العباد، أما
في حق الله تعالی فیأخذ بالأيسر.
والأصح والأظهر عند الشافعية وبعض
الحنابلة: أن تخير العامّيّ بين الأقوال المختلفة
للمفتين جائز، لأن فرض العامّيّ التقليد،
وهو حاصل بتقليده لأيّ المفتيين شاء (١).
أدب المستفتي مع المفتي :
٤٦ - ينبغي للمستفتي حفظ الأدب مع
المفتي، وأن يجلّه ويعظمه لعلمه ولأنه
مرشد له (٢). ولا ينبغى أن يسأله عند همّ أو
ضجر أو نحو ذلك مما يشغل القلب (٣).
واختلف الفقهاء هل للمستفتي أن
يطالب المفتي بالحجة والدليل، فقال ابن
السمعاني : له ذلك لأجل احتياطه لنفسه،
ویلزم العالم أن یذکر له الدلیل إن كان
مقطوعاً به، لإشرافه على العلم بصحته، ولا
(١) شرح المنتهى البهوتي الحنبلي ٣ / ٤٥٨، وابن عابدين
٤ / ٣٠٣، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٥٤، ٢٦٤، والمجموع
للنووي ١/ ٥٦، والبحر المحيط للزركشي ٦ / ٣١٨، ١١٣،
والمستصفى للغزالي ٢ / ١٢٥، والموافقات ٤/ ١٣٠، ١٣٣،
٢٩٢.
(٢) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٧، والمجموع ١ / ٥٧.
(٣) شرح المنتهى ٣/ ٤٥٧.
يلزمه إن لم يكن مقطوعاً بصحته، لافتقاره إلى
اجتهاد يقصر عنه فهم العامّي .
وقال الشافعية وشارح المنتهى من
الحنابلة: ينبغي للعامّي أن لا يطالب المفتي
بالدليل، قال الخطيب: فإن أحب أن
تسكن نفسه لسماع الحجة طلبها في مجلس
آخر، أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتيا
مجردة (١).
ويكره كثرة السؤال، والسؤال عما لا ينفع
في الدين، والسؤال عما لم يقع، وأن يسأل
عن صعاب المسائل، وعن الحكمة في
المسائل التعبدية، ويكره أن يبلغ بالسؤال
حدَّ التعمّق والتكلف، وأن يسأل علی سبیل
التعنت والإِفحام وطلب الغلبة في
الخصام (٢)، لما في الحديث: ((إن أُبغض
الرجال إلى الله الألدَّ الْخَصِمُ)) (٣).
هل يلزم المستفتي العمل بقول المفتي ؟
٤٧ - لا يجب على المستفتي العمل بقول
المفتي لمجرّد إفتائه، وهذا هو الأصل، ولكن
قد يجب في أحوال، منها:
أ - أن لا يجد إلا مفتياً واحداً، فيلزمه العمل
بقوله .
(١) المجموع ١ / ٥٧، وشرح المنتهى ٣ / ٤٥٧.
(٢) الموافقات للشاطبي ٤/ ٣١٩ - ٣٢١.
(٣) حديث: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ١٠٦) ومسلم (٤/ ٢٠٥٤)
من حديث عائشة .
- ٤٩ -

فَتْوَى ٤٧ - ٤٨
وكذا إن اتفق قول من وجده منهم، أو
حكم بقول المفتي حاكم (١).
ب- أن يفتیه بقول مجمع علیه، لعدم جواز
مخالفة الإجماع (٢).
ج- أن يكون الذي أفتاه هو الأعلم
الأوثق (٣).
د - إذا استفتى المتنازعان في حقّ فقيها،
والتزما العمل بفتياه، فيجب عليهما العمل
بما أفتاهما.
فلو ارتفعا إلى قاضٍ بعد ذلك فحكم
بينهما بغير ما أفتاهما به الفقيه لزمهما فتيا الفقيه
في الباطن، وحكم الحاكم في الظاهر، قاله
السمعاني، وقيل: يلزمهما حكم الحاكم في
الظاهر والباطن (٤) .
هـ - إذا استفتى فقيها فأفتاه فعمل بفتواه لزمه
ذلك، فلو استفتى آخر فأفتاه بغير فتوى
الأول لم يجز الرجوع إليه في ذلك الحكم،
نقل الإجماع على ذلك الهندي وابن
الحاجب (٥) .
حكم المستفتي إن لم يطمئن قلبه إلى الفتيا:
٤٨ - قال ابن القيم: المستفتي لا تخلصه
(١) المجموع ١/ ٥٦، وشرح المنتهي ٣ / ٤٥٨، والبحر المحيط
٣١٦/٦ .
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣١٦.
(٣) المجموع ١ / ٥٦.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٣١٥ - ٣١٦.
(٥) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٨.
فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في
الباطن بخلاف ما أفتاه، کما لا ينفعه قضاء
القاضي بذلك، لحديث: ((من قضيت له
بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له قطعة
من النار فلا يأخذها)) (١)، والمفتي والقاضي
في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى
الفقیه تبیح له ما سأل عنه، سواء تردّد أو
حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو
لشگّه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه بجهل
المفتي، أو بمحاباته له في فتواه، أو لأنه
معروف بالفتوى بالحيل والرَّخص المخالفة
للسنة، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من
الثقة بفتواه وسکون النفس إليها، فإن كان
عدم الثقة والطمأنينة، لأجل المفتي يسأل
ثانيا وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم
يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها،
والواجب تقوى الله بحسب
الاستطاعة (٢). أهـ .
(١) حديث: ((من قضيت له بحق أخيه شيئا ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٨٨/٥) من حديث
أم سلمة .
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٢٥٤ .
- ٥٠ -

فُتُوَّةِ ١ - ٤
فتوة
التعريف :
١ - من معاني الفتوة في اللغة: الحرية
والكرم (١)، قال الجوهري: الفتى السخي
الكريم، يقال هو فتى بيّ الفتوة (٢).
وجاء في المعجم الوسيط: الفتوة:
الشباب بين طوري المراهقة والرجولة
والنجدة، ومسلك أو نظام ينمي خلق
(٣)
الشجاعة والنجدة في الفتى
وفي الاصطلاح عرفها ابن قيم الجوزية
بأنها استعمال الأخلاق الكريمة مع
الخَلْقِ (٤) .
وقيل: الفتوة اجتناب المحارم واستعجال
المكارم، قال القرطبي : وهذا القول حسن
جداً، لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في
الفتوة (٥) .
(١) أساس البلاغة للزمخشري مادة (فتى).
(٢) لسان العرب.
(٣) المعجم الوسيط.
(٤) مدارج السالكين ٢ / ٣٤٠
(٥) تفسير القرطبي ١٠/ ٣٦٤
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المروءة:
٢ - المروءة هي: استعمال ما يجمل العبد
ویُزینه وترك ما يدنسه ويشينه (١).
قال ابن القيم: والفرق بين الفتوة والمروءة
أن المروءة أعم منها.
فالفتوة نوع من أنواع المروءة (٣).
ب - الشجاعة :
٣ - حقيقة الشجاعة: ثبات الجأش وذهاب
الرعب وزوال هيبة الخصم أو استصغاره عند
لقائه، ولابد أن يتقدم هذا رأي ثاقب، ونظر
صائب، وحيلة في التدبير، وخداع في
الممارسة، فقد قال : ((الحرب
خدعة)) (٣) .
والفتوة مسلك يؤدي إلى الشجاعة.
الحكم الإجمالي:
٤۔۔ الفتوة۔۔ كما قال ابن القيم - استعمال
الأخلاق الكريمة مع الخلق (٤)، والخلق
الحسن صفة المرسلين، وأفضل أعمال
الصديقين وهو على التحقيق شطر الدین،
(١) مدارج السالكين ٢ / ٣٥٢
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٣٤٠
(٣) المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٢٦٥، ٢٦٧
وحديث: ((الحرب خدعة)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ١۵٨) من حديث جابر
ابن عبد الله .
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٣٤٠.
٠٫
- ٥١ -

فتُوَّة ٤ -٥
وثمرة مجاهدة المتقين، ورياضة
المتعبدين (١)، فقد قال الله تعالى لنبيه وحبيبه
مثنياً عليه ومظهراً نعمته لديه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى
-خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وقال وَّ((إنما بعثت لأتمم
مكارم الأخلاق)) (٣). وقد أتم النبي ◌َّ-
مكارم الأخلاق وحث على الرسوخ فيها (٤).
وقال: ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة
الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق
حسن)) (٥).
درجات الفتوة :
٥ - من درجات الفتوة: ترك الخصومة،
والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية. أما ترك
الخصومة فهو: ألا يخاصم بلسانه، ولا ينوي
الخصومة بقلبه، ولا يُخطرها على باله، هذا في
حق نفسه، وأما في حق ربه: فالفتوة أن
يخاصم بالله وفي الله، ويحاكم إلى الله، وأما
التغافل عن الزلة فهو أنه إذا رأی من أحد زلة
(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٤٧ .
(٢) سورة القلم / ٤
(٣) حديث: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
أخرجه الحاكم (٢ / ٦١٣)، والبيهقي (١٠ /١٩٢) من
حديث أبي هريرة واللفظ للبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على
شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وانظر إحياء علوم الدين ٢ / ٤٨.
(٤) الأدب المفرد للبخاري ١ / ٣٧١.
(٥) حديث: ((اتق الله حيثما كنت ... ))
أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٥) من حديث أبي ذر وقال حديث
حسن صحيح.
انظر تحفة الأحوذي ٦/ ١٢٢، وتفسير القرطبي ١٨ / ٢٢٨.
أظهر أنه لم يرها، لئلا يعرض صاحبها
للوحشة، ويريحه من تحمل العذر.
وأما نسيان الأذية فهو بأن تنسی أذية من
نالك بأذی ليصفو قلبك له ولا تستوحش
منه .
قال ابن قيم الجوزية: وهنا نسيان آخر
أيضاً وهو من الفتوة، وهو نسیان إحسانك
إلى من أحسنت إليه حتى كأنه لم يصدر
منك، وهذا النسيان أکمل من الأول (١).
ومن درجاتها كذلك: أن تقرب من
یقصیك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من
من يجني عليك، سماحة لا كظماً، ومودة لا
مصابرة .
وهذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب، فإن
الأولى تتضمن ترك المقابلة والتغافل، وهذه
تتضمن الإِحسان إلى من أساء إليك،
ومعاملته بضد ما عاملك به، فیکون
الإِحسان والإِساءة بينك وبينه خطتين:
فخطتك الإِحسان، وخطته الإِساءة.
ومعنی الاعتذار إلی من یجني علیك أنك
تنزل نفسك منزلة الجانى لا المجني عليه
والجاني خليق بالعذر (٢).
وللتفصيل (ر: مروءة) .
(١) مدراج السالكين ٢/ ٣٤٤، ٣٤٥.
(٢) مدراج السالكين ٢ / ٣٤٥، ٣٤٦
- ٥٢ -
- --

فُتَّبًا، فجر، فجور، فُحْشُ القول ١
فُتْیا
انظر : فتوى
فجر
انظر: الصلوات الخمس المفروضة
فجور
انظر: فسق
فُحْشُ القول
التعريف :
١ - الفحش لغة: ما عظم قبحه من الأفعال
والأقوال. (١)
وفي الاصطلاح قال العيني وغيره:
الفحش كل ما خرج عن مقداره حتى
يستقبح، ويدخل فيه القول والفعل
والصفة، يقال: فلان طويل فاحش الطول
إذا أفرط في طوله، ولكن استعماله في القول
أکثر (٢) .
وقال الغزالي: الفحش: هو التعبير عن
الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر
ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل
الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها
فیه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل یکنون
عنها، ويدلون عليها بالرموز، فیذکرون ما
يقاربها ويتعلق بها. (٣).
(١) المفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) عمدة القاري ٢٢ / ١١٦، وفتح الباري ١ / ٤٥٣.
(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ١١٨ وانظر بريقة محمودية في شرح طريقة
محمدية ٣/ ٢٠٢ ط الحلبي.
- ٥٣ -

فُحْشُ القول ١ - ٦
والباعث على الفحش إما قصد الإِيذاء،
وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق
وأهل الخبث واللؤم ، ومن عادتهم
السب (١)، وإضافة (فحش) إلى (القول)
هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - اللغو:
٢ - اللغو هو الباطل الذي لايتصل بفعل
صحیح، ولا یکون لقائله فيه فائدة وربما
كان وبالاً عليه، كأن يتكلم الرجل بما لا
يعنيه من أمور الناس فيفشي أسرارهم،
ويهتك أستارهم (٢).
والصلة بين فحش القول واللغو أن كلا
منهما من آفات اللسان.
ب - السب:
٣ - السب: الشتم قال الدسوقي: هو كل
كلام قبيح (٣)، وفحش القول أعم من
السب.
ج - الرفث:
٤ - من معاني الرفث في اللغة: اللغو من
الکلام یقال: رفث في كلامه یرفث إذا تكلم
بالقبيح، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١١٩ وبريقة محمودية ٣/ ٢٠٢.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٣ / ٤٠١.
(٣) الدسوقي ٤ / ٣٠٩.
ما يتعلق به، فالرفث باللسان ذكر المجامعة
وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس،
وبالعين الغمز، وبالفرج الجماع.
وفى الاصطلاح الرفث: الجماع أو الكلام
الفاحش أو ذكر الجماع بحضرة النساء (١).
وبين الرفث وفحش القول عموم
وخصوص من وجه .
الحکم الإجمالي:
٥ - الفحش في القول مذموم ومنهي عنه في
الجملة (٢)، قال النبي ◌َّلهم: ((إياكم
والفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا
المتفحش)) (٣). وقال ◌َله: ((ليس المؤمن
بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا
البذيء)) (٤).
غيبة المعلن بالفسق أو الفحش :
٦ - تجوز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش مع
(١) تاج العروس وتفسير الرازي وابن كثير في تفسير آية: ﴿فلا رفث
ولا فسوق﴾، وفتح القدير ٢/ ١٤١ .
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ١١٧، ١١٨، والآداب الشرعية لابن
مفلح ١ / ١١ وبريقة محمودية في شرح طريقة محمدية
٢٠٢/٣.
(٣) حديث: ((إياكم والفحش ... )).
أخرجه أحمد (٢ / ١٩١) والحاكم (١ / ١٢) من حديث أبي
هريرة، واللفظ لأحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: ((ليس المؤمن بالطعان ... ))
أخرجه الترمذي (٤ / ٣٥٠) من حديث ابن مسعود، وقال:
«حدیث حسن غریب».
- ٥٤ -

فحش القول ٦، فحوى الخطاب، فحوى الدلالة، فَخْذ ١ - ٢
جواز مداراته اتقاء شره ما لم يؤد ذلك إلى
المداهنة في دين الله (١).
وللتفصيل (ر: غيبة) .
فَخْذ
فحوى الخطاب
انظر : مفهوم
فحوى
الدلالة
انظر: مفهوم
٠
(١) فتح الباري ١٠ / ٤٥٤، وعمدة القاري ٢٢ / ١١٧، ١١٨.
التعريف :
١ - الفخذ في اللغة ۔ بکسر الخاء وتسکینها ۔
قطعة من أعضاء الجسم، وهي ما فوق الركبة
إلى الورك، أو هي وصل ما بين الساق
والورك، والفخذ مؤنثة والجمع أفخاذ.
والفخذ أيضاً اسم دون القبيلة وفوق
البطن، وهو بهذا المعنى مذكر، لأنه بمعنى
النفر (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
ما يتعلق بالفخذ من أحكام:
وردت أحكام الفخذ في عدة مواطن منها :
أ - العورة :
٢ - اتفق الفقهاء على أن فخذ المرأة الحرة
عورة، واختلفوا في اعتبار فخذ الرجل عورة.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن فخذ الرجل
عورة، ويجب سترها، سواء في الصلاة أو في
خارجها .
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
- ٥٥ -

فَخْذ ٢ - ٤
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
رضي الله عنهم قال: قال رسول الله ويلات:
((إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظرن
إلى شيء من عورته، فإن ما أسفل من سرته
إلی رکیتیه من عورته» (١)، فإذا کشف الرجل
فخذه بطلت صلاته عند الجمهور إلا
المالكية، فيقولون بعدم بطلان الصلاة
بكشف الفخذ أو الفخذين.
وذهب جماعة من العلماء ومن بينهم عطاء
وداود، ومحمد بن جرير وأبو سعيد
الإصطخري من الشافعية - وهو رواية عن
أحمد - إلى أن الفخذ ليس من العورة (٢) .
لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: کان
رسول اللّه ◌َلي مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن
فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر رضي
الله عنه فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث
ثم استأذن عمر رضي الله عنه فأذن له وهو
كذلك، ثم استأذن عثمان رضي الله عنه،
فجلس رسول الله وَ﴾ وسوى ثيابه ..
الحديث وفي آخره فقال ◌َله: ((ألا أستحي
من رجل تستحي منه الملائكة)) (٣).
(١) حديث: ((إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره ... ))
أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في
تعلیقه عليه (١١ / ٤١) .
(٢) البدائع ١ / ١١٦، جواهر الإكليل ١ / ٤١، المجموع للنووي
٣/ ١١٦٧، المغني لابن قدامة ١ / ٥٧٧.
(٣) حديث عائشة: ((كان رسول الله صل﴿ مضطجعاً في بيتي ... ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٨٦٦) .
والتفصيل في مصطلح (عورة) .
ب - المفاخذة:
٣ - يحرم على الرجل مفاخذة المرأة الأجنبية،
ويجب فيها التعزير، وقد اتفق الفقهاء على أنه
لا يترتب على المفاخذة أحکام الوطء والجماع،
من وجوب الغسل، وإفطار الصائم،
ووجوب الكفارة فيه، وقطع التتابع في صوم
كفارة الظهار مثلا، وإفساد الاعتكاف،
والحج والعمرة به، وصيرورة البنت ثيباً به،
ووجوب الصداق به، وكذا العدة والرجعة
والاستبراء وتحليل المطلقة ثلاثا للذي طلقها،
وسقوط الإِيلاء عن المُلى، وثبوت برّ من
حلف أن يطأ وحنث من حلف أن لا يطأ،
وثبوت إحصان الزوجین به، ووجوب حد
الزنا، وغير ذلك من المسائل الشرعية التي
يشترط لثبوت أحكامها حصول الوطء، وهو
تغييب حشفة أو قدرها من الذكر في الفرج،
فلا يثبت شيء من هذا الأحكام بالمفاخذة ولا
بالمضاجعة، ولا بمقدمات الوطء
الأخرى (١).
ج - في القصاص:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة
(١) البدائع ٧/ ٣٧، ٤١ والقوانين الفقهية ص ٣٤، ١١٧،
١٢٣، ١٣٥، ٢٠٣، ٢٠٦، ٢١٠ مغني المحتاج ٣/ ١٤٧،
١٧٧، ١٧٨، ٢٢٤، ٣٤٩، ٣٥٩، و٤ / ١٤٤، المغني
لابن قدامة ٨/ ١٦١، ١٦٥، ١٨١، ١٨٩، و٢٠٤/١،
و ٧/ ٢٧٣، ٣٢٤، ٣٥٦ .
- ٥٦ -

فخذ ٤، فَخْر ١ - ٢
إلى وجوب القصاص في قطع الرّجل من
أصل الفخذ وهو الورك، لانضباطه
وإمكان المماثلة به .
ونقل عن بعض الشافعية: عدم وجوب
القصاص فيها إذا لم يمكن القصاص إلا
بإجافة .
واتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في کسر
عظم الفخذ، لعدم الوثوق بالمماثلة، لأن
الكسر لا يدخل تحت الضبط وقد ينتج عن
القصاص به زيادة عقوبة الجاني وهو معصوم
الدم، إلا في قدر جنايته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُمبِهِ ﴾(١)،وقال
عز من قائل: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
وصرح الشافعية والحنابلة في وجه: أن
للمجني عليه قطع أقرب مفصل إلى أسفل
الفخذ وهو مفصل الركبة، لأن فيه استيفاء
بعض الحق، وله۔ عند ذلك ـ حكومة
الباقي، لأنه لم يأخذ عوضاً عنها، وهذا إذا
قطعت رجله بسب الکسر (٣).
والتفصيل في مصطلحات: (قصاص،
قود، عظم) .
(١) سورة النحل / ١٢٦ .
(٢) سورة البقرة / ١٩٤ .
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٥٤، والبدائع ٧/ ٢٩٨، وجواهر
الإكليل ٢ / ٢٦٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧، ٢٨، والمغني لابن
قدامة ٧ / ٧.٧، ٧٠٩ .
فَخْر
التعريف :
١ - الفخر في اللغة: مصدر فخَر، والاسم
الفخار بالفتح، وهو المباهاة بالمكارم والمناقب
من حسب ونسب وغير ذلك، إما في المتكلم
أو في آبائه (١).
وفي الاصطلاح: قال الجرجاني: الفخر
التطاول على الناس بتعديد المناقب (٢) وقال
صاحب دستور العلماء الفحر: الاستعظام
على الناس بتعديد المناقب (٣).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العُجب:
٢ - العُجب في اللغة: الزهو والكبر (٤).
وفي الاصطلاح: تصور شخص
استحقاق رتبة لا يكون مستحقا لها (٥) .
والعلاقة بين الفخر والعجب عموم
وخصوص، والفخر أعم.
(١) المصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجاني.
(٣) دستور العلماء ٣ / ١٧ .
(٤) القاموس المحيط.
(٥) دستور العلماء ٢ / ٣٠٠، والتعريفات للجرجاني.
- ٥٧ -

فَخْر ٣ - ٤
ب - الكِبر:
٣ - الكِبْر في اللغة: اسم من كبُر الأمر
والذنب كُبُرا إذا عظم، والكِبر: العظمة،
والكبرياء مثله (١).
وفي الاصطلاح قال صاحب دستور
العلماء: الكبر الرفعة والشرف، والعظمة ومنه
الكبرياء (٢).
وقال ابن حجر: الكبر الحالة التي يختص
بها الإِنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن یری
نفسه أكبر من غيره (٣) .
والفخر يعتبر ثمرة الكبر (٤).
الحکم الإجمالي :
٤ - الفخر من الأمور المنهي عنها شرعا في
الجملة، وقد ورد النهي عنه في أحاديث
كثيرة :
منها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله عز
وجل قد أذهب عنكم عُبِّيّة الجاهلية وفخرها
بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو
آدم وآدم من تراب، لیدعن رجال فخرهم
بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو
لیکونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع
(١) المصباح المنير.
(٢) دستور العلماء ٣/ ١١٦.
(٣) فتح الباري ١٠ / ٤٨٩
(٤) إحياء علوم الدين ٣/ ٣٥٢، ط المكتبة التجارية الكبرى.
بأنفها النّتن)) (١).
قال الخطابي: معناه أن الناس رجلان :
مؤمن تقي فهو الخير الفاضل، وإن لم يكن
حسيبا في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن
كان في أهله شريفا رفيعاً.
وقيل: معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي
فإذن لا ينبغي له أن یتکبر على أحد، أو فاجر
شقي فهو ذليل عند الله والذليل لايستحق
التكبر، فالتكبر منفي بكل حال (٢).
ومنها حديث أبي مالك الأشعري رضي الله
تعالى عنه أن النبي ◌َّله قال: ((أربع في أمتي
من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في
الأحساب، والطعن في الأنساب،
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) (٣).
قال الأبي: يعني الفخر بها مع احتقار
الغير، لأن مُطْلَقه معتبر بدليل طلب الكفاءة
في النكاح (٤) .
وقد عد العلماء، كالغزالي وابن قدامة
(١) حديث: ((أن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبِّة الجاهلية ... ))
أخرجه أبو داود (٥/ ٣٤٠) والترمذي (٥/ ٧٣٤) من حديث
أبي هريرة والسیاق لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن
غريب .
(٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ١٠ / ٤٥٥، ط مطبعة
الاعتماد، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ١٤ / ٢١، ٢٢، ط
دار الفكر ١٩٧٩ م .
(٣) حديث أبي مالك الأشعري: ((أربع في أمتي من أمر
الجاهلية ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٦٤٤) .
(٤) شرح الأبي على صحيح مسلم ٣/ ٧٣، ط دار الكتب
العلمية .
- ٥٨ -

فَخْر ٤، فِدَاء ١ - ٢
الفخر من درجات الكبر(١) وقد استثنى
العلماء من الفخر المذموم الفخر والخيلاء في
الحرب، ونصوا على استحباب الفخر
والخيلاء في الحرب لإِرهاب العدو (٢) . وكان
أبو دجانة رضي الله تعالى عنه يتبختر في
الحرب، فقال النبي ويله: ((إن هذه لمشية
يبغضها الله إلا في هذا الموطن)) (٣).
والتفصيل في مصطلح ( كبر) .
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٥١، ومختصر منهاج القاصدين ٢٣٨،
ط. المكتب الإسلامي ١٣٩٤ هـ .
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٤٦٩ .
(٣) حديث: ((إن هذه لمشية يبغضها الله ... )).
أخرجه ابن إسحاق، كما في السيرة النبوية لابن هشام
(٣/ ٧١) .
فِدَاء
التعريف :-
١ - الفداء - بكسر الفاء والمد، وبالفتح
والكسر مع القصر - في اللغة: فكاك الأسير،
يقال: فداه يفديه، وفادى الأسير: استنقذه
من الأسر، وفدت وافتدت وفادت المرأة نفسها
من زوجها: بذلت له مالا ليطلقها، وقال ابن
بري نقلا عن الوزير ابن المعري: يقال:
فدى: إذا أعطى مالا وأخذ رجلا، وأفدى:
إذا أعطى رجلا وأخذ مالا، وفادى: إذا
أعطى رجلا وأخذ رجلا، والفداء والفدية
والفَدى كله بمعنى، وقال بعضهم: الفدية
اسم للمال الذي يُقتدى به الأسير،
ونحوه (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ) الفدية :
٢ - الفدية: مايقي به الإنسان نفسه من مال
(١) لسان العرب، ومتن اللغة، والمصباح المنير.
- ٥٩ -

فدَاء ٢ - ٤
يبذله في عبادة قصر فيها، ككفارة اليمين،
وكفارة الصوم، (١) نحو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ
مِّنِ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾ (٢).
والفدية أعم من الفداء
ب - الفكاك:
٣ - الفكاك: ۔ بالفتح وقد یکسر - من
فككت الشيء فانفك. وفك الشيء:
خلصه، يقال: فك الرهن یفکه فكا،
والأسير: خلصه ، وكل شيء أطلقته فقد
فککته (٣) .
وبين الفداء والفكاك عموم وخصوص
وجهي .
الأحكام المتعلقة بالفداء:
فداء أسرى المسلمين :
٤ - الأصل أنه إذا وقع مسلم في أيدي
المشركين أسيرا لزم المسلمين النهوض
لتخليصه من یدهم، وإن لم يدخلوا دارنا
باتفاق الفقهاء، لأنهم أجمعوا على أنه يجب
على المسلمين وجوب عين النهوض لدفع
المشركين إذا دخلوا بلدا للمسلمين، وحرمة
المسلم أعظم من حرمة الدار، هذا إن رُجي
(١) المفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) سورة البقرة / ١٩٦ .
(٣) القاموس المحيط .
إمكان تخليصه، (١) فإن تعذر تخليصه
بالقتال وجب فداؤه من بيت المال عند الحنفية
والمالكية والحنابلة، لما روى سعيد رضي الله
عنه أن رسول الله وسلم قال: ((إن على
المسلمین في فيئهم أن یفادوا أسیرهم، ویؤدوا
عن غارمهم (٢))، ولأن بيت المال موضوع
لمصالح المسلمين، وهذا من أهمّها، فإن
تعذر فداؤه من بيت المال، بأن لم يكن فيه
مال، أو تعذر الوصول إليه، فمن مال
المسلمين على قدر وسعهم، ويتولى الإِمام
جبایته، والأسیر کأحدهم، وهو فرض
كفاية، (٢) لحديث: ((أطعموا الجائع
وعودواالمريض وفكوا العاني)) (٤).
وقال الشافعية: إذا اضطررنا لبذل مال
لفداء أسرى يعذبونهم أو الإِحاطتهم بنا،
(١) المنهج ١٩٢/٥، ومغني المحتاج ٢٢٠/٤، والتاج
والإِكليل على هامش مواهب الجليل ١٩٠/٣، والسير
الكبير ٢٠٧/١ .
(٢) حديث: ((إن على المسلمين في فيئهم ... ))
أخرجه سعيد بن منصور (٣١٧/٢) من حديث
حبان بن أبي جبلة مرسلا .
(٣) كشاف القناع ٥٣،٣٣/٣، ٥٤، ٥٥، ومغني المحتاج
٢١٢/٤، والبحر الرائق ٩٠/٥، وفتح القدير ٢١٩/٥
وابن عابدين جـ ٢٢٩/٣، والسير الكبير ١٦٦٠/٤،
وحاشية الدسوقي ١٧٤/٢، والتاج والإكليل على هامش
مواهب الجليل ٣٨٧/٣ .
(٤) حديث: ((أطعموا الجائع .... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٢/١٠) من حديث
أبي موسى الأشعري .
- ٦٠ -
-