Indexed OCR Text
Pages 321-340
غنيمة ٣٨ - ٣٩، غوث، غَيبة ١ - ٢ ولو كان احتش حشيشا وباعه جاز ذلك، وکان الثمن طیبا له، وكذلك لو كان يستقي الماء على ظهره أو دابته فيبيعه، لأن الحشيش والماء مباح ليس من الغنيمة في شيء، فإذا لم يأخذ حكم الغنيمة بأخذه كان هو المنفرد بإحرازه، فيكون مملوكا له، بخلاف مالو قطع خشبا أو حطبا فباعه من تاجر في العسكر، فإن الأمير يأخذ الثمن منه فيجعله في الغنيمة، لأن الحطب والخشب مال مملوك، فيكون كسائر الأموال.(١) استيلاء الكفار على أموال المسلمين: ٣٩ - اختلف الفقهاء في حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين، هل يملكونها في ذلك، سواء أحرزوها بدارهم أم لا؟ على أقوال تنظر في مصطلح (استيلاء ف١٥). غَوْث انظر : استغاثة. (١) شرح السير الكبير ٤ / ١١٧٤ غَيْبة التعريف : ١ - الغَيبة - بالفتح - مصدر غاب . ومعناها في اللغة: البعد، يقال: غاب الشيء يغيب غيبا وغيبة وغيابا أي بَعد، وتستعمل بمعنى التواري، يقال: غابت الشمس إذا توارت عن العين . والغيبة - بالکسر - ذکر شخص بما یکره من العیوب وهو حق .(١) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . الأحكام المتعلقة بالغيبة : غيبة الولي في النكاح : ٢ - لايصح النكاح بغير ولي عند الجمهور ، وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها - وإن لم يعقد عليها ولي - عند الحنفية في ظاهر الرواية . (٢) (١) المصباح المنير، لسان العرب، والمفردات للراغب الأصفهاني. (٢) ابن عابدين ٢٩٦/٢، ٢٩٧، والشرح الصغير للدردير ٢٥٣/٢، ومغني المحتاج ١٤٧/٣، وكشاف القناع ٤٩/٥، والمغني ٤٤٨/٦. -٣٢١ - ۔۔ غیبة ٢ ويراعى في النكاح ولاية الأقرب فالأقرب، واختلفوا فيما إذا غاب الأقرب. فقال الحنفية - عدا زفر - والحنابلة : إنه إذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة جاز لمن هو أبعد منه أن يزوج دون السلطان، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((السلطان ولي من لا ولي له))(١)، وهذه لها ولي ، كما قال البهوتي، ولأن هذه ولاية نظرية ، وليس من النظر التفويض إلى من لا ينتفع برأيه، لأن التفويض إلى الأقرب ليس لكونه أقرب، بل لأن في الأقربية زيادة مظنة للحكمة، وهي الشفقة الباعثة على زيادة إتقان الرأي للمولية، فحيث لا ينتفع برأيه أصلا سلبت إلى الأبعد كما قال الحنفية، فإذا غاب الأب مثلا زوّجها الجد، وهو مقدم على السلطان ، كما إذا مات الأقرب. (٢) وقال زفر: لا يجوز أن يزوجها الأبعد في غياب الأقرب، لأن ولاية الأقرب قائمة ، لأنها ثبتت حقا له صيانة للقرابة، فلا تبطل بغيبته . (١) حديث: ((السلطان ولي من لا ولي له)) أخرجه الترمذي (٣٩٩/٣) من حديث عائشة وقال : حديث حسن . (٢) الهداية مع الفتح ٤١٥/٢، كشاف القناع ٥٥/٥ ، ومغني المحتاج ١٥٧/٣. وحد الغيبة المنقطعة عند الحنفية هو أن يكون في بلد لا تصل اليها القوافل في السنة إلا مرة واحدة ، وهو اختيار القدوري، وقيل: أدنى مدة السفر، لأنه لانهاية لأقصاه، وقيل: إذا كان بحال يفوت الخاطب الكفء باستطلاع رأي الولي.(١) وذهب الحنابلة إلى أن الغيبة المنقطعة هي مالا تقطع إلا بكلفة ومشقة، قال البهوتي نقلا عن الموفق: وهذا أقرب إلى الصواب ، فإن التحديد بابه التوقيف ولا توقيف، وتكون الغيبة المنقطعة فوق مسافة القصر، لأن من دون ذلك في حكم الحاضر. (٢) وقالوا: إن كان الأقرب أسيرا أو محبوسا في مسافة قريبة لا يمكن مراجعته أو تتعذر فزوّج الأبعد صح، لأنه صار کالبعید، کما یصح إذا كان الأقرب غائبا لا يعلم محله أقريب هو أم بعيد؟ أو علم أنه قريب المسافة ولم يعلم مكانه. (٣) أما المالكية فقد نصوا على أن الولي المجبر الأقرب إذا كان غائبا غيبة بعيدة زوّج الحاكم ابنة الغائب المجبرة ، دون غيره من الأولياء ،ولا يجوز تزويجها في (١) فتح القدير مع الهداية ٤١٦/٢. (٢) كشاف القناع ٥٥/٥. (٣) نفس المرجع. -٣٢٢- غيبة ٢ غيبة قريبة، لا للحاكم ولا لغيره من الأولياء بغير إذن الولى المجبر وبدون تفويضه، حتى إنهم قالوا : يفسخ النكاح أبدا إذا زوّج الحاكم أو غيره من الأولياء، ولو أجازه المجبر بعد علمه ، ولو ولدت الأولاد . (١) وهذا - أي تحتم الفسخ - إذا كانت النفقة جارية عليها، ولم يخش عليها الفساد ، وكانت الطريق مأمونة، ولم يتبين إضراره بها بغيبته بأن قصد تر کھامن غیر زواج، فإن تبین ذلك کتب له الحاكم : إما أن تحضر تزوجها أو توكل وکیلا یزوجها، وإلا زوجناها عليك، فإن لم يفعل زوجها الحاكم عليه، ولا فسخ، سواء كانت بالغة أو لا. (٢) وحد الغيبة القريبة عند المالكية مسافة عشرة أيام ذهابا، وحد البعيدة ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر على اختلاف القولين. أما الغيبة المتوسطة بين هذين الحدين، فالظاهر أن ماقارب الشيء یعطی حکمه كما قال الدسوقي، ثم قال: ويبقى الكلام في النصف ، والظاهر أنه يحتاط فيه ، ويلحق بالغيبة القريبة (١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٢٩/٢. (٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٢٩/٢. فيفسخ . (١) وهذا كله في غياب الولي المجبر. أما غيبة الولي غير المجبر الأقرب، فحدها الثلاث فما فوقها، فإذا غاب غيبة مسافتها من بلد المرأة ثلاثة أيام ونحوها، ودعت لكفء ، وأثبتت ماتدعيه من الغيبة والمسافة والكفاءة ، فإن الحاكم يزوجها لا الأبعد ، فلو زوجها في هذه الحالة الأبعد صح . (٢) وقال الشافعية: لو غاب الولي الأقرب نسبا أو ولاء إلى مرحلتين ولا وكيل له بالبلد، أو دون مسافة القصر، زوّج سلطان بلد الزوجة أو نائبه، لا سلطان غير بلدها ، ولا الأبعد على الأصح، لأن الغائب ولي، والتزويج حق له، فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه الحاكم، وقيل: يزوج الأبعد كالجنون ، قال الشيخان : والأولى للقاضي أن يأذن للأبعد أن يزوج، أو يستأذنه فيزوج القاضي للخروج من الخلاف، أما فيما دون المرحلتين فلا يزوج إلا بإذن الولي الأقرب في الأصح ، لقصر المسافة، فيراجع ليحضر أو يوكل كما لو كان مقيما ، ومقابل الأصح: يزوج، لئلا تتضرر بفوات الكفء الراغب كالمسافة (١) نفس المرجع . . (٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٢٣٠/٢. -٣٢٣- غَيبة ٢ - ٤ الطويلة ، وعلى القول الأول لو تعذر الوصول إليه لفتنة أو خوف جاز للسلطان أن يزوج بغير إذنه، ولو زوجها الحاكم لغیبة ولیھا ثم قدم وقال: کنت زوجتها في الغيبة، قدّم نكاح الحاكم. (١). التفريق لغيبة الزوج عن زوجته : ٣ - غيبة الزوج عن زوجته لا تخلو عن حالين: الأولى: أن تكون غيبة قصيرة غير منقطعة بحیث یعرف خبره ويأتي كتابه ، فهذا ليس لامرأته أن تطلب التفريق إذا لم يتعذر الإنفاق عليها من مال الزوج باتفاق الفقهاء. الثانية: الغيبة الطويلة التي ينقطع فيها خبره ، بأن لم يدر موضعه وحياته وموته. واختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الغيبة فيما يتعلق بجواز التفريق بين الزوجين: فذهب الحنفية والشافعية في الجديد عندهم إلى عدم جواز التفريق بينهما حتى يتحقق موته أو يمضي من الزمن مالا يعيش إلى مثله (١) المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ١٥٧/٣. غالبا .(١) أما المالكية والحنابلة فقد قسموا حالات الغيبة إلى أقسام وبينوا لكل قسم حکمه. والتفصيل في : (طلاق ف ٨٧ وما بعدها ، ومفقود) أثر غيبة الزوج في نفقة زوجته : ٤ - اختلف الفقهاء في فرض القاضي لزوجة الغائب النفقة أو عدم فرضها ، وذلك على التفصيل الآتي: ففي مذهب الحنفية قولان لأبي حنيفة، الأول: للقاضي فرض النفقة لها عليه إذا طلبتها، والثاني: ليس له ذلك لعدم جواز القضاء على الغائب، هذا إذا كان القاضي عالما بالزوجية، أو كان للغائب مال عند آخر من جنس النفقة وهو مقر بالمال والزوجية ، فإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد ذهب أبو يوسف إلى عدم جواز القضاء عليه بها، لأن البينة لاتقام على غائب، وأجاز زفر ذلك . وقيد بعض فقهاء الحنفية الغياب في هذه الحالة لفرض النفقة عليه بما إذا كان مدة سفر، أي خمسة عشر يوما، قال (١) الهداية مع فتح القدير ٣٧٣/٥، ومغني المحتاج ٢٧/٣، ٣٩٧. -٣٢٤- غَيبة ٤ ابن عابدين: وهو قید حسن يجب حفظه، فإنه فيما دونها يسهل إحضاره ومراجعته، ونقل عن القهستاني أن القاضي يفرض نفقة عرس الغائب عن البلد سواء أكان بينهما مدة سفر أم لا، وذكر مثله عن الحموي على الأشباه، حتى لو ذهب إلى القرية وتركها في البلد فللقاضي أن يفرض لها النفقة. (١) وقال المالكية: للزوجة مطالبة زوجها عند إرادة السفر بنفقة المستقبل الذي أراد الغيبة فيه قبل سفره لمدة غيابه عنها، أو يقيم لها كفيلا يدفعها لها ، وإذا سافر الزوج ولم یدفع نفقة المستقبل ولم یقم لها كفيلا بها، ورفعت أمرها للحاكم وطلبت نفقتها فرض الحاكم لها النفقة في مال الزوج الغائب، ولو وديعة عند غيره ، وكذا في دينه الثابت على مدينه ، وبيعت داره في نفقتها بعد حلفها باستحقاقها للنفقة في مال زوجها الغائب. (٢) وعند الشافعية: أن موجب النفقة التمكين، ويحصل بالفعل أو أن تبعث إليه تعرض نفسها، وتخبره: أني مسلّمة (١) حاشية ابن عابدين ٦٦٥/٢، والبدائع ٢٦/٤، والزيلعي ٥٩/٣. (٢) الشرح الصغير للدردير ٧٤٧/٢، وجواهر الإكليل ٤٠٦/١. نفسي إليك، فلو غاب عن بلدها قبل عرضها إليه ورفعت الأمر إلى الحاكم مظهرة له التسليم، كتب الحاكم لحاكم بلده ليعلمه الحال فيجيء الزوج لها يتسلمها أو يوكل من يجيء يسلمها له أو يحملها إليه، فإن لم يفعل شيئا من الأمرين مع إمكان المجيء أو التوكيل، ومضى زمن إمكان وصوله لها، فرض القاضي لها النفقة في ماله من حين إمكان وصوله، وجعل كالمتسلم لها، لأن المانع منه، أما إذا لم يمكنه ذلك فلا یفرض عليه شيئا لأنه غير معرض . وهذا كله إذا علم مكان الزوج، فإن جهل ذلك كتب الحاكم إلى الحكام الذين ترد عليهم القوافل من بلده عادة لينادى باسمه، فإن لم يظهر أعطاها القاضي نفقتها من ماله الحاضر، وأخذ منها كفيلا بما يصرف لها، لاحتمال موته أو طلاقه، أما إذا غاب بعد عرضها عليه وامتناعه من تسلمها فإن النفقة تقرر عليه، ولا تسقط بغیبته. (١) وقال الحنابلة: إن غاب الزوج مدة ولم ينفق فعليه نفقة مامضى، سواء تركها لعذر أو غيره ، فرضها حاكم أو لم يفرضها حاكم ، لما روي عن ابن عمر (١) مغني المحتاج ٤٣٦/٣. -٣٢٥- غيبة ٤ - ٧ رضي الله عنهما: ((أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا))(١) قال ابن المنذر: هو ثابت عن عمر رضي الله عنه، ولأنه حق لها وجب عليه بحكم العوض فرجعت به عليه کالدین ، وقال: هذه نفقة وجبت بالکتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ماوجب بهذه الحجج إلا بمثلها، والكسوة والسكنى كالنفقة، وإذا أنفقت الزوجة في غيبته من ماله فبان الزوج ميتا رجع عليها الوارث بما أنفقته منذ مات، لأن وجوب النفقة ارتفع بموت الزوج ، فلا تستحق ماقبضته من النفقة بعد موته، وإن فارقها الزوج بائنا في غيبته فأنفقت من ماله رجع الزوج عليها بما بعد الفرقة. (٢) التوكيل أثناء الغيبة : ٥ - ذهب الفقهاء إلى جواز توكيل الغائب غيره في العقود والتصرفات التي يملك الموكل إبرامها ، كما أجازوا الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق وإيفائها (١) أثر عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد. ٠ أخرجه الشافعي في مسنده (٦٥/٢ - ترتيبه) وعنه البيهقي في السنن (٤٦٩/٧). (٢) كشاف القناع ٤٦٩/٥ ، ٤٧٠. واستيفائها، لأن الحاجة داعية إليه ، والشخص قد لا يحسن المعاملة أو لا يمكنه الخروج إلى السوق ، أو لا يتفرغ للقيام بالعمل بنفسه . ٦ - واختلفوا في توكيل الغائب غيره في الحدود والقصاص . فذهب المالكية والحنابلة وأبو حنيفة ومحمد وهو وجه عند الشافعية إلى أنه يجوز التر کیل بإثبات الحدود من الغائب، وكذا في القصاص ، لأن خصومة الوكيل تقوم مقام خصومة الموكل . (١) وقال أبو يوسف - وهو وجه عند الشافعية - إنه لايجوز التوكيل بإثبات الحدود والقصاص لأنها نيابة ، فيتحرز عنها في هذا الباب كالشهادة على الشهادة . (٢) ٧ - واختلفوا كذلك في استيفاء الحدود والقصاص بواسطة الوكيل : فيرى المالكية والشافعية في الصحيح عندهم ، وهو المنصوص عن أحمد، أنه يصح التوكيل في استيفاء حق لآدمي أو لله، كقود وحد زنا وشرب - ولو في غيبة الموكل - كسائر الحقوق والخصومات، قال (١) حاشية الزرقاني ٢١/٨، وجواهر الإكليل ١٢٥/٢، وفتح القدير ١٩٧/٤، وحاشية الجمل ٤٠٤/٣ ، والمغني لابن قدامة ٨٩/٥. (٢) الاختيار ١٥٧/٢، وحاشية الجمل ٤٠٤/٣ -٣٢٦- غَيبة ٧ - ٩ ابن قدامة: كل ماجاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته، کالحدود وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد ، والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم وكيله بعفوه ، والأصل عدمه فلا يؤثر، ألا ترى أن قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ . (١) وذهب الحنفية، وهو قول عند الشافعية والحنابلة، إلى أنه لا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف إلا بحضرة الموكل، لأنها عقوبة تندرىء بالشبهات، ولو استوفاه الوكيل مع غيبة الموكل كان مع احتمال أنه عفا ، أو أن المقذوف قد صدق القاذف أو أكذب شهوده فلا يمكن تدار که. (٢) ولتفصيل المسألة ينظر مصطلح : (وكالة). غيبة الشفيع : ٨ - ذهب الفقهاء إلى أن غيبة مستحق الشفعة لاتسقط حقه في المطالبة (١) جواهر الإكليل ١٢٥/٢، وحاشية الجمل ٠٤٠٤/٣ ومغني المحتاج ٢٢١/٢، والمغني لابن قدامة ٨٨/٥ ، ٠٨٩ (٢) فتح القدير ١٩٧/٤، والمراجع السابقة . بالشفعة. وجمهور الفقهاء على أن المطالبة بالشفعة على الفور ساعة ما يعلم الشفيع بالبيع. (١) لقوله صلى الله عليه وسلم: )) (٢) ((الشفعة لمن واثبها)) ٩ - واستثنوا من هذا الحكم حالات ، منها : إذا كان مستحق الشفعة غائبا: فقال الحنفية: إذا كان بعضهم غائبا يقضى بالشفعة بين الحاضرين في الجميع، ولا ينتظر لحضور الغائب لاحتمال عدم طلبه فلا يؤخر بالشك، وكذا لو كان الشريك غائبا فطلب الحاضر، يقضى له بالشفعة كلها، ثم إذا حضر وطلب قضي له بها، فإن کان مثل الأول کان کانا شریکین أو جارين قضي له بنصفه، ولو كان الغائب فوقه كأن يكون الأول جارا والثاني شريكا فيقضى للغائب الذي حضر بالكل، وتبطل شفعة الأول. (٣) وإن كان دونه، كأن كان الأول شریکا والذي حضر جارا منعه ، وذلك لأن الشفعة للجار تثبت (١) تبيين الحقائق ٢٤٢/٥، ومغني المحتاج ٣٠٧/٢، وكشاف القناع ٤ / ١٤٠. (٢) حديث: ((الشفعة لمن واثبها)). قال ابن حجر في الدراية (٢٠٣/٢): لم أجده، وإنما ذكره عبد الرزاق من قول شريح ، وكذا ذكره قاسم بن ثابت في أواخر غريب الحديث ، وفي المعنى ما أخرجه ابن ماجه واليزار وابن عدي من حديث ابن عمر رفعه: ((الشفعة كحل العقال))، وإسناده ضعيف . (٣) حاشية رد المحتار مع الدر المختار ١٤١/٥. -٣٢٧- غيبة ٩ - ١٠ عندهم في حالة عدم الشريك. (١) وقال الآبي من المالكية: إن أخذ الحاضر جميع ما يشفع فيه هو وشريكه الغائب، ثم حضر الغائب فلمن حضر بعد غيبته من الشفعاء حصته من المشفوع فيه من الحاضر إن أحب ذلك. ثم اختلفوا في العهدة، أي ضمان ثمن حصة من حضر بعد غيبته إن ظهر فيها عيب أو استحقت: ففي رأي أن العهدة على الشفيع الذي حضر ابتداء وأخذ الجميع ، لأن الذي حضر بعد غيبته إنما أخذ حصته منه لا من المشتري، ولأنّ الذي حضر لو أسقط شفعته فلا ترجع للمشتري، بل تبقى لمن هي بيده وهو الحاضر ابتداء. وفي رأي آخر : العهدة على المشتري فقط ، لأن الشفيع الأول إنما أخذ من المشتري حصة الغائب نيابة عنه. (٢) وقال الشافعية: إن كان الشفيع غائبا عن بلد المشتري غيبة حائلة بينه وبين مباشرة الطلب، فليوكل في طلبها إن قدر على التوكيل فيه، لأنه الممكن، (١) نفس المرجع . (٢) جواهر الإكليل ١٦٢/٢. ويعذر الغائب في تأخير الحضور، وإلا بأن عجز عن التوكيل فليشهد على الطلب لها عدلين أو عدلا وامرأتين ، فإن ترك المقدور عليه منهما بطل حقه في الأظهر. وفي فتاوى البغوي أنه لو كان الشفيع غائبا فحضر عند قاضي بلد الغيبة، وأثبت الشفعة، وحكم له بها، ولم يتوجه إلى بلد البيع أن الشفعة لاتبطل لأنها تقررت بحكم القاضي. (١) ومثله ماذهب إليه الحنابلة، إلا أنهم لم يذكروا مسألة التوكيل إلا في قيام العذر به. (٢) كفالة النفس في غيبة المكفول : ١٠ - ذهب الفقهاء إلى صحة الكفالة بالنفس ولو كان المكفول به غائبا، فإذا قال: أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه أو بوجهه كان كفيلا به . واستدلوا على صحته بقوله تعالى: ﴿قال لن أُرْسِلَه معكم حتى تُؤْتُونِ مَوْثقاً من الله لَتَأْتُنَّني به إلا أن يُحَـاَطَ بکم﴾(٢) (١) مغني المحتاج ٣٠٧/٢، ٣٠٨. (٢) كشاف القناع ١٤٣/٤. (٣) سورة يوسف / ٦٦. -٣٢٨- غيبة ١٠ - ١٢ وهذا أيضا قول شريح والثوري والليث، (١) کما ذكره ابن قدامة. وحكم الكفالة بالنفس هو وجوب إحضار المكفول به لأي وقت كان قد شرط تسليمه، فيلزم إحضاره على الكفيل بطلب المكفول له في ذلك الوقت ، كما قال الحنفية ، وأضافوا: فإن أحضره فيها وإلا يجبر على إحضاره. (٢) والتفصيل في مصطلح : (كفالة). القضاء على شخص في غيبته : ١١ - اختلف الفقهاء في جواز القضاء على الغائب ، فقال جمهور الفقهاء بجوازه بشروط ، ومنعه الحنفية ، وهذا في الجملة . وتفصيل ذلك في مصطلح : (قضاء). نصب الوكيل عن شخص في غيبته: ١٢ - إذا امتنع المدعى عليه عن الحضور وإرسال وكيل إلى المحكمة فهل ينصب له وكيل مسخر ينكر على الغائب، فيحكم علیه بعد ذلك، أو یحکم علیه دون نصب المسخر ؟ للفقهاء في ذلك تفصيل : قال الحنفية: إذا امتنع المدعى عليه عن الحضور وإرسال وكيل إلى المحكمة بعد دعوته من غير عذر شرعي، يحضر إليها جبرا، فإذا لم يمكن إحضاره يدعى إلى المحكمة بطلب المدعي ثلاث مرات في أيام متفاوتة، فإن أبى المجيء أفهمه الحاكم بأنه سينصب له وكيلا ويسمع دعوى المدعي وبينته، فإن امتنع بعد ذلك عن الحضور وإرسال وكيل نصب الحاكم له وكيلا يحافظ على حقوقه، وسمع الدعوى والبينة في مواجهته، ويحكم عليه، ثم يبلغ الحكم الغيابي له على الوجه المذكور، فإذا حضر المحكوم عليه غيابا إلى المحكمة وتشبث بدعوى صالحة لدفع دعوى المدعي فتسمع دعواه ، وتفصل على الوجه الموجب ، وإن لم يتشبث بدفع الدعوى، أو تشبث ولم يكن تشبثه صالحا للدفع ينفذ الحكم الواقع. والمعتمد عندهم أن القضاء على المسخر لايجوز إلا لضرورة . (١) وقال المالكية: للقاضي الحكم على الغائب، فإن كانت الغيبة قريبة كاليومين والثلاثة مع الأمن، فإن القاضي يكتب (١) المغني لابن قدامة ٦١٤/٤. (٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (٦٤٢) والدسوقي مع الشرح الكبير ٣٤٤/٣، ومغني المحتاج ٢٠٣/٢ وما بعدها . (١) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٨٣٣، ١٨٣٤، ١٨٣٥) والدر المختار ٣٣٩/٤. -٣٢٩- غَيبة ١٢ ، غيبة ١ - ٢ إليه: إما تقدم أو وكل، فإن لم يقدم ولا وكل حكم عليه، والغيبة البعيدة يقضي عليه بيمين القضاء من المدعى مع تسمية الشهود، ليجد الغائب له مدفعا عند قدومه، لأنه بات على حجته إذا قدم، والغيبة المتوسطة في هذا كالبعيدة. (١) والأصح عند الشافعية أنه لا يلزم القاضي نصب مسخر ينكر على الغائب عند الدعوى عليه، لأنه قد يكون مقرا ، فيكون إنكار المسخر كذبا ، ومقتضى هذا أنه لا يجوز نصبه، لكن ذكر بعضهم أن القاضي مخير بين النصب وعدمه. ومقابل الأصح أنه يلزم القاضي نصبه، لتكون البينة على إنكار منكر. (٢) وقال الحنابلة: إن اختبأ المدعى عليه بعث الحاكم من ينادي على بابه ثلاثا أنه إن لم يحضر سمّر بابه وختم عليه ، ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على إعذاره ، فإن لم يحضر سمر وختم منزله بطلب من المدعي، فإن لم يحضر بعث الحاكم من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل أنه إن لم يحضر مع فلان أقام عنه وكيلا وحكم عليه ، فإن لم يحضر أقام عنه وكيلا وسمع البينة عليه، وحكم عليه كما يحكم على الغائب . (٣) (١) الشرح الكبير ١٦٢/٤. (٢) مغني المحتاج ٤٠٧/٤. (٣) المغني مع الشرح الكبير ٤١٢/١١، ٤١٣. غِيبة التعريف : ١ - الغيبة - بكسر العين - في اللغة اسم مأخوذ من اغتابه اغتيابا: إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حق، فإن كان ذلك باطلا فهو الغيبة في بهت. (١) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن (٢) المعنى اللغوي. الألفاظ ذات الصلة: أ - البهتان: ٢ - البهتان في اللغة: القذف بالباطل وافتراء الكذب، وهو اسم مأخوذ من بهته بهتأ من باب نفع. (٣) وفي الاصطلاح: ذكرك أخاك بما ليس فيه. (٤) والفرق بين الغيبة والبهتان هو: أن (١) المصباح المنير . (٢) التعريفات للجرجاني ص ١٤٣ ط. الحلبي. (٣) المصباح المنير ، والصحاح. (٤) التعريفات للجرجاني / ١٤٣ط الحلبي. - ٣٣٠- غيبة ٢ - ٦ الغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره، والبهتان وصفه بما ليس فيه، سواء أكان ذلك في غيبته أم في وجوده.(١) ب - الحسد: ٣ - الحسد في اللغة: تمني زوال النعمة عن الغير. (٢) ومن معانيه في الاصطلاح: تمني زوال نعمة الغير، سواء تمناها لنفسه أو لا، بأن تمنى انتقالها عن غيره لغيره. (٣) والصلة بين الحسد والغيبة: أن الحسد من الأسباب الباعثة على الغيبة، وذلك أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ویکرمونه، فیرید زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فیه. (٤) ج - الحقد: ٤ - الحقد معناه: الانطواء على العداوة والبغضاء. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن (١) جامع البيان ١٣٧/٢٦ ط الحلبي، وشرح صحيح مسلم ١٤٢/١٦ (٢) الصحاح، والقاموس، واللسان، والمصباح. (٣) إحياء علوم الدين ١٤٤/٣ ط الحلبي (٤) إحياء علوم الدين ١٤٤/٣ ط الحلبي المعنى اللغوي. (١) والصلة هي أن الحقد من البواعث العظيمة على الغيبة. (٢) د - الشتم: ٥ - الشتم في اللغة: السب. وفي الاصطلاح: وصف الغير بما فيه نقصاً وازدراءً. والفرق بين الغيبة والشتم هو: أن الغيبة ذكر الشخص في غيبته بما يكره، والشتم أن يذكر ذلك في وجهه وفي حال حضوره. (٣) هـ - النميمة: ٦ - النميمة في اللغة: السعي للإيقاع في الفتنة والوحشة. (٤) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. والصلة بين النميمة والغيبة أن في كل منها إيقاع الضرر بالغير. (١) المصباح المنير والتعريفات للجرجاني/ ١٢١ ط العربي ، وإحياء علوم الدين ١٥٧/٣ ط الحلبي (٢) إحياء علوم الدين ١٤٣/٣ ط الحلبي. (٣) الصحاح، والتعريفات الجرجاني ١١٠، ١٤٣ ط الحلبي. (٤) المصباح، والقاموس. -٣٣١- غيبة ٧ - ٨ الحكم التكليفي: ٧ - الغيبة حرام باتفاق الفقهاء، وذهب بعض المفسرين والفقهاء إلى أنها من الكبائر. قال القرطبي: (١) لاخلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أُيُحبُ أحدكم أن يأكل لحم أخيه مَبْتَاً فَكّرِ هْتُمُوه﴾(٢) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ))(٣)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ((يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لاتغتابوا المسلمين)) (٤)، وبقوله صلى الله عليه (١) أحكام القرآن للقرطبي ٣٣٦/١٦، ٣٣٧، والزواجر ٧/٢ (٢) سورة الحجرات / ١٢ (٣) حديث: ((لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار ... )) أخرجه أبو داود (١٦٤/٥) من حديث أنس بن مالك، وصححه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٠١٣٩/٣ بهامش الإحياء) (٤) حديث: ((يامعشر من آمن بلسانه ... )) أخرجه أبو داود (١٩٤/٥) من حديث أبي برزة الأسلمي، وذكر المنذري في مختصره (٢١٤/٧) أن في إسناده راوياً مجهولاً، وذكره في الترغيب والترهيب (١٩٨/٣) وقال: رواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء . وسلم: ((إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق )»(١) وبما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه))(٢) قال القرافي: حرمت أي الغيبة لما فيها من مفسدة إفساد الأعراض. (٣) ونص الشافعية على أن الغيبة إن كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم فهي كبيرة، وإلا فصغيرة. (٤) ماتكون به الغيبة: ٨ - الغيبة تكون بالقول وتكون بغيره، قال الغزالي: الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز ٠ (١) حديث: ((إن من أكبر الكبائر استطالة المرء ... )) أخرجه أبو داود (١٩٣/٥) من حديث أبي هريرة . (٢) حديث أبي هريرة: ((أتدرون ما الغيبة ... )) أخرجه مسلم (٢٠٠١/٤) (٣) الفروق للقرافي ٢٠٥/٤، ٢٠٩ (٤) مغني المحتاج ٤٢٧/٤ -٣٣٢- غيبة ٨ - ٩ والهمز والكتابة والحركة وكل مايفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، وهو حرام، (١) فمن ذلك قول عائشة رضي الله عنها: دخلت علينا امرأة، فلما ولت أومأتُ بيدي: أنها قصيرة، فقال عليه السلام: ((اغتبتيها)).(٢) الأسباب الباعثة على الغيبة: ٩ - ذكر الغزالي في الإحياء أن الأسباب الباعثة على الغيبة أحد عشر سببا، ثم ذكر أن ثمانية من تلك الأسباب تطرد في حق العامة، وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة. ٠٦ أما الثمانية التي تطرد في حق العامة فهي: الأول: أن يشفي الغيظ . الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام. الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته. (١) إحياء علوم الدين ١٤٢/٣ - ١٤٣ (٢) حديث عائشة: ((دخلت علينا امرأة ... )) عزاه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١٤٢/٣ بهامش الإحياء) إلى ابن أبي الدنيا وابن مردويه وقال: من رواية حسان بن مخارق عنها ، وحسان وثقه ابن حيان، وباقيهم ثقات . الرابع: أن ينسب إلى شيء، فيريد أن يتبرأ منه، فيذكر الشخص الذى فعله. الخامس: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره. السادس: الحسد، وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه. السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة. الثامن: السخرية والاستهزاء استحقارا للغير، فإن ذلك قد يجرى في الحضور ويجرى أيضا في الغيبة. وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة، فهي أغمضها وأدقها، وهي: الأول: أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين، فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان، فإنه قد یکون به صادقاً، ویکون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه، فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه، فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري. الثاني: الرحمة، وهو أن يغتم بسبب -٣٣٣- غيبة ٩ ما يبتلى به غيره، فيقول: مسكين فلان قد غمّني أمره، فيصير بذلك مغتاباً، فيكون غمه ورحمته خيرا وكذا تعجبه، ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لايدري، وهو ذکر اسمه لیبطل به ثواب اغتمامه وترحمه. الثالث: الغضب لله تعالى، فإنه قد یغضب علی منکر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه، فيظهر غضبه ویذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهره على غيره، أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء. فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام ، فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا في ذكر الاسم وهو خطأ، بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لاترخص الغيبة في سواها، (١) فقد ورد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ((أن رجلا مرّ على قوم، فسلم عليهم فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله، فقال أهل المجلس: بئس واللّه ماقلت، أما والله لننبئنه، قم يافلان - رجلا منهم - فأخبره، قال: فأدرکه رسولهم فأخبره بما قال، فانصرف الرجل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله مررت بمجلس من المسلمين فيهم فلان، فسلمت عليهم فردوا السلام، فلما جاوزتهم أدركني رجل منهم فأخبرني أن فلانا قال: والله إني لأبغض هذا الرجل في اللّه، فادعه فسله على ما يبغضني؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما أخبره الرجل فاعترف بذلك، وقال: قد قلت له ذلك يارسول اللّه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم تبغضه؟ قال: أنا جاره وأنا به خابر، والله ما رأيتُه يصلي صلاة قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر، قال الرجل: سله يارسول الله هل رآني قط أخرتُها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو أسأت الركوع والسجود فيها؟ فسأله رسول الله صلی الله علیه وسلم عن ذلك، فقال: لا، ثم قال: والله مارأيتُه يصوم قط إلا هذا الشهرّ الذي يصومه البر والفاجر، قال: فسله يارسول الله، هل رآني قط أفطرتُ فيه أو انتقصت من حقه شيئا؟ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ثم قال: والله مارأيتُه يعطي سائلا قط، ولا رأيته ينفق من ماله شيئا في شيء من سبيل الله بخير، إلا (١) إحياء علوم الدين ١٤٣/٣ - ١٤٥ ط الحلبي، ومختصر منهاج القاصدين ١٧١/ ١٧٢ نشر مكتبة دار البيان. -٣٣٤- غيبة ٩ - ١٠ هذه الصدقة التي يؤديها البر والفاجر، قال: فسله یارسول الله، هل کتمت من الزكاة شيئا قط، أو ماكست فيها طالبها؟ قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قم، إن أدري لعله خير منك)».(١) أمور تباح فيها الغيبة: ١٠ - الأصل في الغيبة التحريم للأدلة الثابتة في ذلك، ومع هذا فقد ذكر النووي وغيره من العلماء أمورا ستة تباح فيها الغيبة لما فيها من المصلحة ، ولأن المجوز في ذلك غرض شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وتلك الأمور هي: الأول : التظلم. يجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكر أن فلانا ظلمني وفعل بي كذا وأخذ لي كذا ونحو ذلك. (٢) (١) حديث أبي الطفيل ((أن رجلا مر على قوم فسلم عليهم ... )) : أخرجه أحمد (٤٥٥/٥) وصحح إسناده العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١٤٥/٣ - بهامش الإحياء) (٢) الأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتاب العربي، والجامع لأحكام القرآن ٣٣٩/١٦ ط الكتب المصرية، وفتح الباري ٤٧٢/١٠ ط الرياض، ومختصر منهاج القاصدین ١٧٣ نشر دار البيان الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصي إلى الصواب . وبيانه أن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده إزالة المنكر، فإن لم بقصد ذلك كان حراما .(١) الثالث: الاستفتاء: وبيانه أن يقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا، فهل له ذلك أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم عني؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج أو زوجة تفعل كذا ونحو ذلك، فإنه يحصل له الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز (٢)، لحديث هند رضي الله عنها وقولها: (( يارسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح .. ))(٣) الحديث. ولم ينهها رسول الله صلی الله علیه وسلم. (١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٦/ ١٤٢ ط المصرية ، والأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتاب العربي، ورفع الريبة للشوكاني ص ١٣ ط السلفية، والجامع لأحكام القرآن ٣٣٩/١٦ط الكتب المصرية، وفتح الباري ١٠/ ٤٧٢ ط الرياض، ومختصر منهاج القاصدين ١٧٣ نشر دار البيان. (٢) الأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتب المصرية، رفع الريبة ١٣ ط السلفية ، فتح الباري ١٠/ ٤٧٢ ط الرياض، شرح صحيح مسلم ١٤٢/١٦ ط المصرية . (٣) حديث هند: ((إن أبا سفيان رجل شحيح ... )). أخرجه البخاري ( فتح الباري ٥٠٧/٩) ومسلم (١٣٣٨/٣) -٣٣٥- غيبة ١٠ - ١١ الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه خمسة كما ذكر النووي. أولا: جرح المجروحين من الرواة والشهود ، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صونا للشريعة. ثانيا: الإخبار بغيبة عند المشاورة في مصاهرة ونحوها. ثالثا: إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو نحو ذلك، تذكر للمشتري إذا لم يعلمه، نصيحة له، لالقصد الإيذاء والإفساد. رابعا: إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علما، وخفت عليه ضرره، فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدا النصيحة. خامسا: أن يكون له ولاية لا يقوم لها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه، فيذكره لمن له عليه ولاية ليستبدل به غيره أو يعرف حاله، فلا يغتر به ويلزمه الاستقامة.(١) الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون (١) رفع الريبة ص ١٤،١٣ ط السلفية، والأذكار للنووي ٣٠٣٠ ط الكتاب العربي، وشرح مسلم للنووي ١٦/ ١٤٢، ١٤٣ ط المصرية. لجوازه سبب آخر. (١) السادس: التعريف .. فإذا كان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع ونحوها جاز تعريفه به، ويحرم ذکره به تنقصا، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. (٢) كيفية منع الغيبة: ١١ - ذكر الغزالي أن مساوىء الأخلاق كلها إنما تعالج بالعلم والعمل، وأن علاج كل علة بمضادة سببها، ثم ذكرأن علاج كف اللسان عن الغيبة يكون على وجهين: أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل. أما علاجه على الجملة: فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله سبحانه وتعالى لغيبته، وذلك للأخبار الواردة في هذا المقام، وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة، فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلا عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه، وهو مع ذلك متعرض (١) الأذكار للنووي ٣٠٤ ط الكتب المصرية ، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٤٣/١٦ ط المصرية، وفتح الباري ٤٧٢/١٠ ط الرياض، ورفع الريبة ١٤ ط السلفية، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢٧٦/١ ط الرياض. (٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٤٣/١٦ ط المصرية، والأذكار للنووي ص ٣٠٤ ط الكتاب العربي، ورفع الريبة ص ١٤ ط السلفية، وفتح الباري ٤٧٢/١٠ ط الرياض. -٣٣٦ - غيبة ١١ - ١٢ لمقت الله عز وجل، ومشبّه عنده بآكل الميتة، وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله، وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد))(١) وروي أن رجلا قال للحسن: بلغني أنك تغتابني؟ فقال: مابلغ من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي، فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفامن ذلك. وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه، فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، وذكر قوله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن شغله عیبه عن عيوب الناس»(٢) ومهما وجد العبد عيبا فينبغي أن يستحيي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره، بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه، وهذا إن كان ذلك عيباً يتعلق بفعله واختياره، وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق، فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها ، قال رجل (١) حديث: ((ما النار في الييس بأسرع من الغيبة ... )) قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: (١٤٥/٣ - بهامش الإحياء) لم أجد له أصلا. (٢) حديث: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ... )) عزاه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١٤٥/٣) إلى البزار من حديث أنس وضعف إسناده . لحكيم: ياقبيح الوجه! قال: ماكان خلق وجهي إلي فأحسنه، وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم الذنوب، بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم العيوب. وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب، فينبعي أن لايرضى لغيره مالا يرضاه لنفسه. وأما علاجه على التفصيل: فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة فيقطعه، فإن علاج كل علة إنما يكون بقطع سببها .(١) كفارة الغيبة: ١٢ - ذكر النووي والغزالي أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله تعالى يشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يقلع عن المعصية في الحال ، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم أن لايعود إليها، والتوبة من (١) إحياء علوم الدين ١٤٥/٣ - ١٤٧، ومختصر منهاج القاصدين ١٧١ - ١٧٢ -٣٣٧- غيبة ١٢ حقوق الآدميين يشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو رد الظلامة إلى صاحبها، أو طلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حق آدمي، ولابد من استحلاله من اغتابه. وقد ذكر الشافعية وجهين في كونه هل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أولابد أن يبين له مااغتاب به؟ أحدهما : يشترط بيانه فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح، كما لوأبرأه عن مال مجهول. والثاني: لا يشترط لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه بخلاف المال، والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا فقد تعذر تحصيل البراءة منها، لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات، وهو قول الحسن في الاقتصار على الاستغفار دون الاستحلال. والدليل على ذلك ماروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه، سلم: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له )) (١)، وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثنى عليه وتدعو له بخير، وصحح الغزالي قول عطاء في جواب من سأله عن التوبة من الغيبة، وهو: أن تمشي إلى صاحبك، فتقول له: كذبت فيما قلتُ وظلمتُك وأسأت ، فإن شئتَ أخذت بحقك، وإن شئت عفوت . وأما قول القائل: العرض لا عوض له، فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال، فكلام ضعيف، إذ قد وجب في العرض حد القذف وتثبت المطالبة به، بل في الحديث الصحيح ماروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لايكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذت من سيئات صاحبه فحمل عليه))(٢)، وقالت عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لأخرى إنها طويلة الذيل: قد اغتبتيها (١) حديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له ... )) عزاه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١٥٠/٣) إلى ابن أبي الدنيا في الصمت والحارث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس ، وضعف إسناده . (٢) حديث: ((من كان له مظلمة لأخيه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠١/٥) من حديث أبي هريرة. -٣٣٨- غيبة ١٢ ، غيرة ١ - ٢ فاستحليها. فإذن لابد من الاستحلال إن قدر عليه، فإن كان غائبا أو ميتا فينبغي أن يكثر الاستغفار والدعاء ويكثر من الحسنات.(١) وذكر النووي في الأذكار أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرىء المغتاب منها، ولا يجب عليه ذلك، لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحبابا مؤكدا ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله سبحانه وتعالى، وقال: إن الصواب هو الحث على الإبراء من الغيبة. (٢) (١) الأذكار للنووي ٣٠٨ ط دار الكتاب العربي، إحياء علوم الدين ١٥٠/٣ ط الحلبي ، ومختصر منهاج القاصدين ص ١٧٣ ، ١٧٤ نشر دار البيان. (٢) الأذكار للنووي ص ٣٠٨، ٣٠٩ ط دار الكتاب العربي. غَيْرة التعريف: ١ - الغيرة في اللغة: مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، يقال: غار الرجل على امرأته من فلان، وهي عليه من فلانة يغار غيرة وغياراً: أنف من الحمية وكره شركة الغير في حقه بها، أو في حقها به. (١) واصطلاحا: لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . الحكم الإجمالي: ٢ - الغيرة من الغرائز البشرية التي أودعها الله في الإنسان تَبْرز كلما أحسّ شركة الغیر في حقه بلا اختيار منه، أو يرى المؤمن تنتهك حرمات الله. (٢) وتختلف أحكام الغيرة باختلاف المغار عليه. (١) لسان العرب وتاج العروس، وفتح الباري ٣٢٠/٩ (٢) فتح الباري٣٢٠/٩ -٣٣٩- غيرة ٣ - ٤ الغيرة على حرمات الله تعالى: ٣ - الغيرة والحمية من هتك حرمات الله مشروعة ، والمؤمنون مأمورون بإنكار المنكر بكل مايملكونه(١)، ففي الحديث الصحيح: ((من رأى منكم منكرا فلْيُغَيِّرْهُ بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))(٢) وعاب الله جلّ شأنه بني إسرائيل ولعنهم لأنهم كانوا لايتناهون عن المنكر، فقال عزّ من قائل: ﴿لُعِنَ الذين كَفَروا من بني إسرائيل على لسان داودَ وعيسى ابن مريمَ ذلك بما عَصَوا وكانوا يَعْتدون كانوا لايَتَناهَوْن عن منكرٍ فَعَلُوه لَبِئْسَ ما كانوا يَفْعلون﴾(٣) وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ماانتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فینتقم لله بها)»(٤). وأشد الآدميين غيرة على حرمات الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنه كان (١) إحياء علوم الدين ١٧١/٣ ط الاستقامة بالقاهرة، وفتح الباري ٣٢٠/٩ - ٣٢١ (٢) حديث: ((من رأى منكم منكرا ... )) أخرجه مسلم (٧٩/١) من حديث أبي سعيد الخدري . (٣) سورة المائدة / ٧٨ - ٧٩ (٤) حديث عائشة: ((ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٦٦/٦) ومسلم (١٨١٤/٤) یغار لله ولدينه. الغيرة على حقوق الآدميين: ٤ - الغيرة على حقوق الآدميين التي أقرها الشرع مشروعة، ومنها غيرة الرجل على زوجته أو محارمه، وتركها مذموم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُتعجبونَ من غَيرة سعدٍ؟ لأَنَا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ مني)» وفي رواية: ((إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني)).(١) وإنما شرعت الغيرة - لحفظ الأنساب - وهو من مقاصد الشريعة، ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب، لذا قيل: كل أ مة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها. (٢) واعتبر الشارع من قُتِل في سبيل الدفاع عن عرضه شهيداً، ففي الحديث: ((من قُتل دون أهله فهو شهيد)) (٣)، ومن لايغار على أهله ومحارمه يسمى (١) حديث: ((أتعجبون من غيرة سعد ٠٠٠)) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٧٤/١٢) ومسلم (١١٣٦/٢) من حديث المغيرة بن شعبة، والرواية الأخرى لمسلم. (٢) إحياء علوم الدين ١٦٨/٣ (٣) حديث: ((من قتل دون أهله فهو شهيد» أخرجه الترمذي (٣٠/٤) من حديث سعيد بن زيد، وقال: حديث حسن صحيح. - ٣٤٠-