Indexed OCR Text

Pages 281-300

غنى ٦ - ٧
مفاخرا مرائيا لقي الله تعالى وهو عليه
غضبان))(١)
ويحرم طلب الغنى إذا كان الطريق إليه
حراما كالربا والرشوة وغير ذلك.
قال ابن كثير في تفسير قوله
تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَأْكُلُوا
أموالكم بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً
عن تراضٍ منكم﴾(٢) الاستثناء منقطع،
كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة
في اكتساب الأموال. (٣)
الغنى المحمود وفضله:
يكون الغنى محمودا إذا تحقق فيه
ما يأتى:
٧ - أولا: أن تكون السبل المؤدية إلى
كسب المال مشروعة وجائزة، والله سبحانه
وتعالى يدعو إلى الكسب الحلال الطيب،
يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس كُلُوا مما
في الأرضِ حلالاً طَيّبا﴾(٤)، يقول
القرطبي: وذلك بخلوه من الربا والحرام
والسحت. (٥) ويقول النبي صلى الله عليه
(١) حديث: ((من طلب الدنيا حلالا مكاثرا .. ))
أخرجه أبو نعيم في الحلية (١١٠/٣) من حديث أبي
هريرة، وضعف إسناده العراقي (٢١٧/٣ - بهامش
الإحياء).
(٢) سورة النساء/٢٩
(٣) مختصر تفسير ابن كثير ٣٧٨/١.
(٤) سورة البقرة / ١٦٨.
(٥) القرطبي ٠٨/٢
وسلم: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل
إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به
المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرُّسُل كلوا من
الطيباتِ واعمَلُوا صالِحا إني بما تعملون
عليم﴾(١)، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا
كُلوا من طيبات مارَزَقْناكم﴾(٢)، ثم ذكر
الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد
يديه إلى السماء: ياربِّ، يارب،
ومطعَمُه حرام، ومَشْرَبُه حرام، ومَلْبَسه
حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب
لذلك؟»(٣)
ونهى الله سبحانه وتعالى عن أكل
أموال الناس بالباطل، فقال عز وجل:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطلِ إلا أن تكون تجارةً عن
تَرَاضٍ منكم﴾ (٤)
والباطل يشمل ماكان غير مشروع،
كالغش والرشوة والغصب والقمار
والاستغلال والربا ، وما جرى مجرى ذلك.
ويقول القرطبي في قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطلِ وتُدِلُوا بها إلى
(١) سورة المؤمنون / ٥١.
(٢) سورة البقرة / ١٧٢.
(٣) القرطبي ٢١٥/٢، ومختصر تفسير ابن كثير ١٤٩/١،
١٥٠، وأسهل المدارك ٣٤٦/٣.
وحديث: ((أيها الناس ، إن الله طيب ... ))
أخرجه مسلم (٧٠٣/٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) سورة النساء / ٢٩.
- ٢٨١ -

غنى ٧ - ٩
الْحُكّامِ﴾(١): يدخل في هذا القمار والخداع
والغصوب وجحد الحقوق ومالا تطيب به
نفس مالكه(٢).
٨ - ثانيا: مما يجعل الغنى محمودا أن
يؤدى شكر الله في هذه النعمة، وشكر
الله في النعمة كما يقول الفقهاء هو:
صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به
عليه إلى ماخلق لأجله. (٣) وقال الحليمي:
شكر الله تعالى على نعمه واجب شرعا
من حيث الجملة. (٤) قال تعالى:
﴿فاذكرونى أُذُكُرُكم واشكروا لى ولا
تَكْفرون﴾(٥) ، وقال تعالى: ﴿كلوا من رزق
ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربُّ
غفورٌ﴾(٦)
·· وفي الآداب الشرعية لابن مفلح:
الشكر زينة الغنى، والعفاف زينة
الفقر، (٧) ويكون ذلك بإنفاق المال في
الأمور المشروعة، وعدم إنفاقه فيما حرمه
الله، يقول ابن جزيّ: الحقوق في الغنى
هي: أداء الواجبات، والتطوُّع بالمندوبات،
والشكر لله تعالى، وعدم الطغيان
(١) سورة البقرة / ١٨٨.
(٢) القرطبي ٣٣٨/٢.
(٣) مغني المحتاج ٥،٤/١، والحطاب ٥/١.
(٤) المنهاج في شعب الإيمان ٥٤٥/٢، ٥٥٥.
(٥) سورة البقرة / ١٥٢.
(٦) سورة سبأ / ١٥.
(٧) الآداب الشرعية ٣٢٥/٣.
بالمال.(١) ويقول ابن كثير: حب المال تارة
يكون للفخر والخيلاء، والتكبر على
الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا
مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات
وصلة الأرحام والقرابات، ووجوه البر
والطاعات، فهذا ممدوح محمود
شرعا . (٢).
٩ - وقد اختلف الناس في المفاضلة بين
الفقر والغنى، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن
الغنى أفضل، قالوا: لأن الغَنِىّ يقدر على
أعمال صالحة لايقدر عليها الفقير،
كالصدقة والعتق وبناء المساجد(٣)،
واحتجوا بأن الغنى نعمة، والفقر بؤس
ونقمة ومحنة، ولا يخفى على عاقل أن
النعمة أفضل من النقمة والمحنة، والدليل
على ذلك أن الله تعالى سمّى المال فضلا،
فقال عز وجل: ﴿وابتغُوا من فَضْلٍ
الله﴾(٤) وقال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح
أن تبتغوا فضلا من ربِّكم﴾(٥)، وما هو
فضل الله فهو أعلى الدرجات، وسمى
الله تعالى المال خيرا، فقال تعالى: ﴿إنْ
تَرَكَ خيراً الوصيةُ للوالدين﴾(٦)، وهذا
(١) القوانين الفقهية ص ٤٢٧ - ٤٢٨ ط دار الكتاب
العربي.
(٢) مختصر ابن كثير ٢٧٠/١.
(٣) القوانين الفقهية ص ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٤) سورة الجمعة / ١٠.
(٥) سورة البقرة /١٩٨.
(٦) سورة البقرة / ١٨٠.
-٢٨٢ -

غنى ٩ - ١١
اللفظ يدل على أنه خير من عنده، وقال
تعالى: ﴿ولقد آتينا داودَ مِنّا فَضْلًا﴾(١)،
يعنى الملك والمال، وفي الحديث الشريف،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اليد
العليا خير من اليد السفلى)»(٢) وقوله
صلى الله عليه وسلم: ((إنك إن تذر ورثتك
أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون
الناس))(٣) .
ما يتعلق بالغنى من أحكام:
١٠ - يتعلق بالغنى أحكام من حيث
الإعطاء، سواء أكان واجبا كالزكاة
والكفارة والنفقة الواجبة، أو كان الإعطاء
مستحبا كالتبرعات، أو كان الإعطاء
حراما كالإنفاق في المحرمات.
كما يتعلق بالغنى أحكام من حيث
الأخذ، فيحرم على الغني الأخذ من الزكاة
المفروضة والكفارات، بينما يحل له الأخذ
من التبرعات وغير ذلك.
ويتعلق بالغنى كذلك أحكام من حيث
(١) سورة سبأ / ١٠.
(٢) حديث: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)»
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٣٥/٣)
ومسلم (٧١٧/٢) من حديث حكيم بن حزام.
(٣) حديث: ((إنك إن تذر ورثتك ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٢٦٩/٧)، ومسلم (١٢٥١/٣) من حديث سعد
ابن أبي وقاص، وانظر المبسوط ٢٥١/٣٠ - ٢٥٢،
وفتح الباري ٢٧٤/١١ - ٢٧٥
العلاقة مع الغير، كاعتبار غنى الزوج في
الكفاءة في النكاح، وغير ذلك من
التصرفات التي تتعلق بالغِنى.
وبيان ذلك فيما يأتى:
أثر الغنى في أداء الدين:
١١ - من كان عليه دين حالٌّ وكان غنيا
قادرا على الوفاء، وجب عليه أداؤه عند
طلبه، فإن ماطل كان آثما ظالما، لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْل الغنيّ
ظلمٌ))(١) وللحاكم أن يلزمه بالأداء بعد
طلب الغرماء، فإن امتنع حبسه القاضي
لظلمه بتأخير الحق من غير ضرورة، وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَيُّ
الواجد يُحِل عَرْضَه وعقوبته))(٢)، والحبس
عقوبة، فإن امتنع بعد ذلك وكان له مال
ظاهر وهو من جنس الدين وفَّى القاضي
منه غرماءه، وإن كان المال من غير جنسه
باع القاضي عليه هذا المال، أو أكرهه
على البيع لأداء الدين، لما روي أن النبي
صلى الله عليه وسلم ((باع على معاذ
(١) حديث: ((مطل الغني ظلم))
أخرجه البخاري ( فتح الباري ٦١/٥)، ومسلم
(١١٩٧/٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته))
أخرجه أبو داود (٤٥/٤ - ٤٦) من حديث الشريد بن
سويد، وحسنه ابن حجر في الفتح (٦٢/٥).
-٢٨٣ -

غنى ١١ - ١٢
ماله، وقضى ديونه)) (١)، وكذلك روي أن
عمر رضي الله تعالى عنه باع مال أُسَيْفع
(٢)
وقسمه بين غرمائه.
أثر الغنى في تحريم السؤال:
١٢ - بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم
من تحل له المسألة، فقال لقبيصة بن
المخارق: ((ياقبيصة، إن المسألة لاتحل إلا
لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له
المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل
أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له
المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، (أو
قال: سدادا من عيش)، ورجل أصابته
فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من
قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له
المسألة، حتى يصيب قواماً من عيش (أو
قال: سدادا من عيش) فما سواهن من
المسألة - ياقبيصة - سحتا يأكلها
صاحبها سحتاً))(٣)
قال ابن قدامة: فمد إباحة المسألة إلى
(١) حديث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم باع على معاذ
ماله)»
أخرجه الحاكم (٢٧٣/٣) من حديث كعب بن مالك،
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) الاختيار ٨٩/٢ - ٩٠، والبدائع ١٧٣/٧،
والدسوقي٢٧٨/٣ - ٢٧٩، والمواق بهامش
الخطاب٤٨/٥، ومغني المحتاج ١٥٧/٢،
والمغني ٤٨٤/٤. ٤٨٥، وكشاف القناع ٤١٨/٣، ٤٢٠.
(٣) حديث: ((ياقبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... ))
أخرجه مسلم (٧٢٢/٢).
وجود إصابة القوام أو السداد، ولأن
الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها، فمن
كان محتاجا فهو فقير يدخل في
عموم النص، ومن استغنى دخل في
عموم النصوص المحرمة للسؤال.(١)
ويتفق الفقهاء على أن الغَنِيِّ يحرم
عليه سؤال الصدقة، ولكنهم يختلفون
في تقدير الغِنى الذى يحرم معه
السؤال.
يقول الكاساني: الغِنى الذى يحرم به
السؤال هو: أن يكون للإنسان سداد
عيش، بأن كان له قوت يومه، (٢) لما روي
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «من سأل وعنده مايغنيه فإنما
يستكثر من النار، فقالوا: يارسول الله
وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه
ويعشيه))(٣)
وذكر الحطاب نقلا عن التمهيد
في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سأل
وله قيمة أوقية فقد ألحف)) (٤) الحديث
فيه أن السؤال مكروه لمن له أوقية من
(١) المغني ٦٦٢/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٤٩/٢.
(٣) حديث: ((من سأل وعنده ما يعنيه ... ))
أخرجه أبو داود (٢٨١/٢) من حديث سهل بن الحنظلية.
(٤) حديث: ((من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف)»
أخرجه أبو داود (٢٧٩/٢) من حديث أبي سعيد الخدري
-٢٨٤ -

غنى ١٢
فضة.(١)
وفرق بعض المالكية بين الغنى بالنسبة
إلى سؤال صدقة التطوع، وبين سؤال
الزكاة الواجبة، فقالوا: غير المحتاج مَنْ
عنده قوت يومه بالنسبة إلى طلب صدقة
التطوع، أو قوت سنة بالنسبة إلى سؤال
الزكاة الواجبة، فمن كان عنده ذلك حرم
عليه الأخذ مطلقا، أي سواء كان ما يأخذه
من المتصدق واجبا عليه كالزكاة، أو كان
تطوعا . (٢)
وفي نهاية المحتاج: يكره التعرض
لأخذ صدقة التطوع وإن لم يكفه ماله أو
كسبه إلا يوما وليلة، وسؤال الغَنِيّ حرام
إن وجد مايكفيه هو ومن يمونه يومهم
وليلتهم، وسترته، وآنية يحتاجون إليها،
والأوجه جواز سؤال مايحتاج إليه بعد يوم
وليلة إن كان السؤال عند نفاد ذلك غير
متيسر، وإلا امتنع ، وقيد بعضهم غاية
ذلك بسنة، ونازع الأذرعي في التحديد
بها، ثم قال في النهاية: ومعلوم أن سؤال
مااعتيد سؤاله - من قلم وسواك - من
الأصدقاء ونحوهم مما لا يشك في رضا
باذله وإن علم غنى آخذه لاحرمة فيه ولو
على الغَني، لاعتياد المسامحة به، ثم قال
أيضاً في النهاية: وفي شرح مسلم
وغيره: متى أذل نفسه أو ألح في
السؤال أو آذى المسئول حرم اتفاقا وإن
كان محتاجا، كما أفتى به ابن
الصلاح.(١)
وفي شرح المنهاج نقلا عن الحاوى:
الغنيُّ بمال أو بصنعة سؤاله حرام،
وما يأخذه حرام عليه. (٢)
وفي الفروع من كتب الحنابلة: من أبيح
له أخذ شيء أبيح له سؤاله، وعن الإمام
أحمد: يحرم السؤال لا الأخذ على من له
قوت يومه غداء وعشاء، ذكر ابن عقيل
أنه اختاره جماعة، ويكون هذا هو الغنى
الذى يمنع السؤال، وعن أحمد: غداء أو
عشاء، وعنه: إذا كان عنده خمسون
درهما، ذكر هذه الروايات الخلال، وذكر
ابن الجوزي في المنهاج: إن علم أنه يجد
من يسأله كل يوم لم يجز أن يسأل أكثر
من قوت يوم وليلة، وإن خاف أن لا يجد
من يعطيه أو خاف أن يعجز عن السؤال
أبيح له السؤال أكثر من ذلك، ولا يجوز
له في الجملة أن يسأل فوق مايكفيه
لسنة، وعلى هذا ينزل الحديث في الغِنى
بخمسين درهما، فإنها تكفي المنفرد
المقتصد لسنته. (٣)
(١) الخطاب ٣٤٧/٢، ٣٤٨.
(٢) الخطاب ٣٤٨/٢.
(١) نهاية المحتاج ١٦٩/٦، ١٧٠.
(٢) القليوبي ٢٠٤/٣.
(٣) الفروع ٥٩٤/٢، ٥٩٥، كشاف القناع ٢٧٣/٢.
-٢٨٥ -

غنى ١٣ - ١٤
الحجر على الغنيّ بسبب إسرافه
و تبذيره:
١٣ - من المقرر شرعا أن الحفاظ على
المال من مقاصد الشريعة، ومن الحفاظ
عليه عدم الإسراف والتبذير فيه، كصرفه
فيما ليس فيه نفع، أو فيما فيه معصية
وضرر، كالصرف في شراء الخمر، وآلات
اللهو والقمار، وما شابه ذلك، ومن
يفعل ذلك فهو سفيه يستحق الحجر عليه
عند جمهور الفقهاء ، كما يحجر على
الصبي في ماله، لأنه لا يحسن التصرف
فيه.
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن إيتاء
السفهاء أموالهم، يقول الله تعالى ﴿ولا
تُؤْتوا السفهاءَ أموالكم التي جَعَلَ اللهُ
لكم قياما﴾(١) وهي وإن كانت أموال
اليتامى إلا أن الله سبحانه وتعالى
أضافها إلى الأولياء لأنهم قوامها
ومدبروها، فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن
أن يؤتوها اليتامى حتى يبلغوا الرشد
فقال تعالى ﴿فإنْ آنَسْتُم منهم رُشدا
فادفعوا إليهم أموالهم﴾(٢)، أي إن
أبصرتم وعلمتم منهم حفظا لأموالهم
وصلاحهم في تدبير معايشهم فادفعوها
إليهم.
(١) سورة النساء / ٥.
(٢) سورة النساء / ٦.
قال ابن قدامه: قال أكثر أهل
العلم: الرشد الصلاح في المال،
والإنسان إذا كان ينفق ماله في
المعاصي كشراء الخمر وآلات اللهو،
أويتوصل به إلى الفساد، فهو غير
رشيد، لتبذيره ماله وتضييعه إياه في غير
فائدة.
ولهذا فإنه يحجر على السفيه حفاظا
على ماله، وكذلك فإن الصغير المحجور
عليه إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه
ودفع إليه ماله ثم عاد إلى السفه
أعيد عليه الحجر عند جمهور الفقهاء:
المالكية والشافعية والحنابلة وأبي
يوسف ومحمد من الحنفية. وذلك في
الجملة.(١)
وينظر تفصيل ذلك في (حجرف ١١،
١٢، ١٣)
الغنى الذى تتعلق به الزكاة:
١٤ - الغنى الذى تتعلق به الزكاة
نوعان: غنى تجب به الزكاة، وغنى مانع
من أخذ الزكاة.
والغنى المعتبر في إيجاب الزكاة هو
كون المال الذى تجب فيه الزكاة فاضلا عن
(١) البدائع ١٦٩/٧ - ١٧٠، والاختيار ٩٦/٢، وجواهر
الإكليل ٩٨/٢، ومغني المحتاج ١٧٠/٢، والمهذب
٣٣٨/١، والمغني ٥٠٥/٤، ٥١٨، وكشاف القناع
٤٤٥/٣
-٢٨٦ -

غنى ١٤ - ١٥
الحاجة الأصلية لأن به يتحقق معنى
(١)
الغنی.(١)
وتفصيل ذلك في (زكاة ف ٢٨، ٣١)
والغنى أيضا هو الأصل في المنع من
أخذ الزكاة، فلا يجوزأن تعطى الزكاة
الغني، لقول الله تعالى: ﴿إنما الصدقاتُ
للفقراء والمساكين﴾(٢)، وقول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((لاحظ فيها لغني، ولا
(٣)
لقوي مكتسب))
وقد اختلف الفقهاء في الغنى المانع من
أخذ الزكاة على مذاهب، والتفصيل في
(زكاة ف ١٥٩).
أثر الغنى في أداء الكفارات:
١٥ - للغنى أثر في أداء الكفارات،
سواء أكانت الكفارة عن ظهار، أم قتل،
أم إفطار في نهار رمضان، أم حنث في
يمين، وسواء أكان الواجب في الأداء على
التعيين في أنواع الكفارة كما في كفارة
الظهار والقتل، أم كان الواجب على
(١) البدائع ١١/٢، ١٥، ٤٨، والدسوقي ١/ ٤٩٢، ٤٩٤،
والخطاب ٣٤٦/٢ وما بعدها ، وحاشية الجمل ٤ / ٩٧،
ومغني المحتاج ١٠٦/٣، وكشاف القناع٢٧٢/٢ ،
والمغني ٦٦١/٢
(٢) سورة التوبة / ٦٠
(٣) حديث: ((لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))
أخرجه أبو داود (٢٨٥/٢) من حديث رجلين من
الصحابة، ونقل ابن حجر في التلخيص ١٠٨/٣ عن أحمد
أنه قال: ما أجوده من حديث.
التخيير في أنواعها كما في كفارة
اليمين.
والغنى المعتبر في أداء الكفارة عند
جمهور الفقهاء هو: أن يكون عند
الإنسان ما يؤدي به النوع الذي وجب عليه
من أنواع الكفارة فاضلا عن كفايته
وكفاية من يمونه، وغير ذلك من حوائجه
الأصلية، لأن ما استغرقته حاجة الإنسان
كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل.
وذهب المالكية إلى أن القدرة تعتبر
بملك ما يكفر به، ولوكان محتاجا إليه
لعلاج مرض، وسكن لافضل فيه على
مايسكنه، فإنه يبيعه ويكفر به، وكذلك
تعتبر القدرة بما يملكه من كتب فقه وحديث
محتاج لها، وللمراجعة فيها، فيباع ذلك
ويكفر بثمنه ، قال العدوي في كفارة
الظهار: ولا يترك له قوته، ولا النفقة
الواجبة عليه، لإتيانه بمنكر من
القول.(١)
واختلف الفقهاء في وقت اعتبار الغنى
بالنسبة لأداء الكفارة، هل هو وقت
الوجوب، أو وقت الأداء؟ فعند الحنفية
والمالكية وهو الأظهر عند الشافعية:
المعتبر وقت الأداء، لأنها عبادة لها بدل
(١) البدائع ٩٧/٥ إلى ١١٢، والدسوقي ٢/ ٤٥٠، والمواق
١٢٧/٤، وحاشية العدوي على هامش الخرشي
١١٦/٤، ومغني المحتاج ٣٦٤/٣ - ٣٦٧، والمهذب
١١٥/٢ - ١١٦، وكشاف القناع ٣٧٧/٥ - ٣٧٨
-٢٨٧ -

غنى ١٥ - ١٧
من غير جنسها، فاعتبر حال أدائها، وعند
الحنابلة، وفي قول للشافعية: المعتبر وقت
الوجوب، ولا يعطى من الكفارات لغنيّ
يمنع من أخذ الزكاة.(١)
وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح
(كفارة).
أثر الغنى في النفقة الواجبة
للزوجة:
١٦ - ذهب الفقهاء إلى أن النفقة الواجبة
للزوجة تختلف باليسار والإعسار،
والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿لیُنْفِقْ
ذو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومن قُدِرَ عليه رزقَه
فَلْيُنْفِقْ مِمَا آتَاه الَّلَهُ﴾(٢) وقوله تعالى:
(أُسْكَنوهنّ من حيثُ سَكَنْتُمْ من
وُجْدِكَمْ﴾(٣)
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي من ماله
ما يكفيك وولدَك بالمعروف)) (٤).
لكن الفقهاء يختلفون: هل العبرة في
(١) بدائع الصنائع ٩٧/٥، ٤٧/٢، والخطاب ٤٣٢/٢،
والمدونة ١٢٠/٢ - ١٢١، ومغني المحتاج ٣٦٥/٣،
ونهاية المحتاج ١٩٨/٣ - ١٩٩، والمغني ١٣٢/٣،
وكشاف القناع ٢٧٣/٢.
(٢) سورة الطلاق / ٧
(٣) سورة الطلاق/ ٦
(٤) حديث: « خذي من مال ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ /٥٠٧) ومسلم
(١٣٣٨/٣) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.
الإنفاق بيسار الزوج فقط، أم العبرة
بيسار الزوج والزوجة معا؟
فعند المالكية والحنابلة والخصاف من
الحنفية تكون العبرة في النفقة بحال الزوج
والزوجة معا في اليسار والإعسار،
ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم
لهند: ((خذي من ماله مايكفيك وولدك
بالمعروف)»، فاعتبر حالها، فإن النفقة تجب
بطريق الكفاية، والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية
الموسرات، فلا معنى للزيادة .
وذهب الشافعية والكرخي من الحنفية
إلى أن العبرة في النفقة تكون بحال
الزوج، لقوله تعالى ﴿ليُنْفِقْ ذو سَعَةٍ
مِن سَعَتِه ومن قُدِرَ عليهَ رِزْقُه فلينفق
مما آتاهَ الله﴾(١) ففرق بين الموسر
والمعسر.
واليسار المعتبر في النفقة الواجبة
للزوجة هو القدرة على النفقة بالمال أو
بالكسب. (٢)
وفي ذلك تفصيل ينظر في (نفقة).
اعتبار الغنى في نفقة الأقارب:
١٧ - ذهب الحنفية والمالكية إلى اشتراط
: (١) سورة الطلاق / ٧
(٢) الهداية ٣٩/٢ - ٤٠، والاختيار ٤/٤، والبدائع
٢٤/٤، وجواهر الإكليل ٤٠٢/١، والمهذب ١٦٢/٢،
ومغني المحتاج ٤٢٦/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢٤٣/٣
- ٢٤٤، والمغني ٥٦٣/٧ وما بعدها.
-٢٨٨ -

غنى ١٧ - ١٨
الغنى واليسار فيمن تجب عليه نفقة
الأقارب، واستثنى الحنفية الأب في
وجوب نفقة أولاده الصغار الفقراء عليه،
فقالوا: تجب نفقتهم عليه وإن كان معسرا
ما دام قادراً على الكسب.
وحد الغنى عند الحنفية ملك نصاب
الزكاة زائدا عن حاجته الأصلية وحاجات
عياله في قول أبي يوسف، وقال محمد:
إذا كان له نفقة شهر وعنده فضل عن نفقة
شهر له ولعياله، أجبر على نفقة ذي الرحم
المحرم، وأما من لاشيء له وهو یکتسب
كل يوم درهما ويكتفي منه بجزء منه،
فإنه يرفع لنفسه ولعياله مايتسع به،
وينفق فضله على من تجب نفقته عليه،
وقول محمد هو الأوفق كما قال
الكاساني.
وأطلق المالكية اشتراط اليسار دون
تحديد، ونصوا على أنه لايجب على الولد
المعسر لوالديه تكسب لينفق عليهما ولو
قدر على التكسب. (١)
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه
لاتجب نفقة القريب إلا على موسرأو
مكتسب يفضل عن حاجته ماينفق على
قريبه، وأما من لا يفضل عن نفقته شيء
(١) الاختيار ١٢/٤، والبدائع ٣٠/٤ وما بعدها، وجواهر
الإكليل ٤٠٦/١، والشرح الصغير ٥٢٥/١ - ٥٢٦ ط
الحلبي.
فلا تجب عليه، لما روى جابر رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ
بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله،
فإن كان فيها فضل فعلى ذي قرابته)»(١)
فإن لم يكن فضل غير ما ينفق على زوجته
لم يلزمه نفقة القريب، لحديث جابر رضي
الله عنه ، ولأن نفقة القريب مواساة ونفقة
الزوجة عوض، فقدمت على المواساة، ولأن
نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة
القريب، كنفقة نفسه .
وقالوا إنه يلزم کسوبا - إذا لم يكن له
مال - كسبها في الأصح، لقوله صلى الله
عليه وسلم: (( كفى بالمرء إثما أن يحبس
عمن يملك قوته)) (٢) ولأن القدرة بالكسب
كالقدرة بالمال.(٣)
اعتبار الغنى فيمن يتحمل الدية:
١٨ - يشترط فيمن يتحمل الدية من
العاقلة أن يكون غنيا قادرا على دفع
مايتقرر عليه من الدية.
(١) حديث: ((إذا كان أحدكم فقيرا ... ))
أخرجه أبو داود (٢٦٦/٤) من حديث جابر بن عبد الله،
وأصله في صحيح مسلم (٦٩٣/٢).
(٢) حديث: ((كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته))
أخرجه مسلم (٦٩٢/٢) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) المهذب ١٦٧/٢، ومغني المحتاج ٤٤٨/٣، والمغني
٥٨٤/٧، وكشاف القناع ٥/ ٤٨١، وشرح منتهى الإرادات
٢٥٥/٣
-٢٨٩ -

غنى ١٨ - ١٩
وقد اختلف الفقهاء في تقدير الغنى
الذى يوجب التحمل:
فذهب المالكية إلى عدم التحديد، وإنما
قالوا: يضرب على كل شخص من العاقلة
بحسب غناه، بحيث لا يجحف بماله، فلا
يساوي ما يجعل على قليل المال ما يجعل
على كثيره. وذلك على قدر طاقة الناس
في يسرهم، ولم يحد مالك في ذلك
حدا.
وحدد الشافعية الغنيّ الذى يتحمل في
الدية بأنه من يملك آخر السنة فاضلا عن
حاجته عشرين دينارا ذهبا أو قدرها،
اعتبارا بالزكاة .
وقال الحنابلة: لا يتحمل الدية فقير،
وهو من لايملك نصابا عند حلول الحول
فاضلا عنه. (١)
أثر الغنى في دفع الضرر :
١٩ - تبرع الغني بجزء من ماله
مستحب، سواء أكان ذلك عن طريق
الصدقة المطلقة، أم الوصية، أم الوقف،
أم ماشابه ذلك.
إلا أن التبرع قد يجب على الأغنياء،
وذلك إذا كان لدفع حاجة المضطرين. فقد
(١) منح الجليل ٤٢٧/٤، وجواهر الإكليل ٢٧١/٢،
وحاشية الجمل ٩٥/٥، ومغني المحتاج ٩٩/٤، وشرح
منتهى الإرادات ٣٢٨/٣
ذكر الفقهاء أن من فروض الكفاية على
الأغنياء دفع ضرر المسلم، ككسوة
العاري، وإطعام الجائع، وفك الأسير،
وذلك إذا لم يندفع الضرر بزكاة ولا بيت
مال ونحوهما، وإذا فعل واحد ذلك سقط
الفرض عن الباقين، فإن امتنعوا أثموا
جميعا،(١) قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (( ما آمن بي من بات شبعان وجاره
جائع إلى جنبه وهو يعلم))(٢)
وإذا امتنع الغني عن دفع حاجة المضطر
إلى الطعام أو الشراب، كان من حق
المضطر أخذ مايسد رمقه من صاحبه
قهرا.
قال المالكية: إذا كان عند الشخص من
الطعام والشراب زيادة على مايمسك
صحته حالا ومآلا إلى محل يوجد فيه
الطعام، وكان معه مضطر، فإنه يجب
عليه مواساته بذلك الزائد، فإن منع ولم
يدفع حتى مات ضمن ديته .
والغنى المعتبر هنا في الأصح عند
الشافعية هو الزيادة على كفاية سنة
للغني ولمن يمونهم، لكن يكفي في وجوب
(١) الاختيار ١٧٥/٤، والبدائع ١٨٨/٦، وابن عابدين
٢٨٣،٢١٥/٥، ٢٨٤، والدسوقي ١٧٤/٢، وحاشية
الجمل ١٨٣/٥، ومغني المحتاج ٢١٢/٤، ٣٠٨، ٣٠٩
و١٢٠/٣، وكشاف القناع ١٩٨/٦، ٢٠٠.
(٢) حديث: ((ما آمن بي من بات شبعان .. )»
أورده المنذري في الترغيب (٣٣٤/٣) وقال: رواه
الطبراني والبزار، وإسناده حسن.
- ٢٩٠-

غنى ١٩ - ٢٠
المواساة أن يكون له نحو وظائف يتحصل
منها ما يكفيه عادة جميع السّنة،
ويتحصل عنده زيادة على ذلك مايمكن منه
المواساة . قال الشافعية: هذا في المحتاج
غير المضطر، أما المضطر فإنه يجب
إطعامه ولو كان من معه الطعام يحتاجه
في ثاني الحال على الأصح، للضرورة
الناجزة .
ولم يحدد الحنابلة تقديرا للغنى، لكنهم
قالوا: من كان معه طعام وكان مضطرا
إليه ولو في المستقبل، بأن كان خائفا أن
يضطر إليه، فهو أحق به، وقالوا: إذا
اشتدت المخمصة في سنة مجاعة
وأصابت الضرورة خلقا كثيرا، وكان عند
بعض الناس قدر کفایته و کفایة عیاله، لم
يلزمه بذله للمضطرين، وليس لهم أخذه
منه، لأن الضرر لايزال بالضرر، وكذلك
إذا كانوا في سفر ومعه قدر كفايته من
غير فضلة لم يلزمه بذل مامعه للمضطر (١)
اعتبار الغنى في صدقة التطوع:
٢٠ - الغنى المعتبر في صدقة التطوع هو
أن يكون عند الإنسان فائض عن كفايته
وكفاية من يمونه، فيتصدق منه، فإن
(١) ابن عابدين ٢١٥/٥، ٢٨٣، والاختيار ١٧٥/٤،
والدسوقي ١١٢/٢، ١٧٤، ومغني المحتاج ٢١٢/٤.
٣٠٨ - ٣٠٩، والمغني ٦٠٢/٨ - ٦٠٣، وكشاف القناع
١٩٨/٦ - ٢٠٠.
تصدق الإنسان بما ینقص مؤنته أو مؤنة
من یمونه كان آثما، فقد روى أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يارسول
الله، عندي دينار، قال: أنفقه على
نفسك، قال: عندي آخر، قال: أُنفقْه على
ولدك، قال عندي آخر. قال: أنفقه على
أهلك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على
خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم
به))(١) وقال صلى الله عليه وسلم:
((كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك
قوته»(٢)
وتحل صدقة التطوع للأغنياء كما تحل
للفقراء.
والمراد بالغني هنا من منع من أخذ
الزكاة لغناه، فيحل له الأخذ من صدقة
التطوع، إلا انه يستحب له التنزه عنها
والتعفف، فلا يأخذها ولا يتعرض لها،
فإن أظهر الفاقة وأخذها حرم عليه
ذلك. (٣)
(١) حديث: ((أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
عندی دینار .. »
أخرجه الشافعي في المسند (٦٤/٢ - ترتيبه) والحاكم
(٤١٥/١) وصححه، ووافقه الذهبي، واللفظ للشافعي.
(٢) حديث: ((كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته))
تقدم ف ١٧
(٣) حاشية ابن عابدين ٧١،٦٧/٢، وبدائع الصنائع ٤٧/٢
و١٣٣/٦، ٢٢١، والحطاب ٣٤٧/٢، والفواكه الدواني
٢١٦/٢، ٢٢٣، والمهذب ١٨٢/١، ومغني المحتاج
١٢٠/٣، ١٢٢، وكشاف القناع ٢٩٥/٢، ٢٩٨،
والكافي ٣٤٢/١، والمغني ٦٥٩/٢
- ٢٩١ -

غنى ٢١ - ٢٢
اعتبار الغنى في الأضحية:
٢١ - الأضحية سواء أكانت سنّة كما
يقول جمهور الفقهاء، أم واجبة كما
يقول أبو حنيفة، يشترط فيها الغنى
بالنسبة للمُضَحّي، وذلك لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «من كان له سعة ولم
يضح فلا يقربن مصلانا))(١) والسعة هي
الغنى.
وقد اختلف الفقهاء في الغنى المعتبر
بالنسبة للأضحية.
فعند الحنفية هو أن يكون في ملك
الإنسان مائتا درهم أو عشرون دينارا أو
شيء تبلغ قيمته ذلك، سوى مسكنه
وحوائجه الأصلية ودیونه.
ولم يحدد المالكية تقدير الغنى وإنما
قالوا: يشترط أن لايحتاج لثمنها في
الأمور الضرورية في عامه، فإن احتاج له
فيه فلا تُسَن له.
وقال الشافعية: يشترط أن تكون
الأضحية فاضلة عن حاجة المضحی وحاجة
من يمونه وكسوة فصله يوم العيد وأيام
التشريق فإنه وقتها.
وقال الحنابلة: يكره ترك الأضحية
لقادر عليها، ومن عدم ما يضحي به
(١) حديث: ((من كان له سعة ولم يضح .. ))
أخرجه ابن ماجه (١٠٤٤/٢) والحاكم (٢٣٢/٤) من
حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
اقترض وضحى مع القدرة على الوفاء (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح (أضحية ف
٥٩٫١٦)
أثر الغنى بالنسبة للوصية:
٢٢ . ذهب الفقهاء إلى أن من كان غنيا
فإنه يستحب له الوصية بجزء من ماله،
أما الفقير فلا يستحب له أن يوصي. (٢)
لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إنْ تَرَكَ
خيرا﴾(٣) وقال النبي صلى الله عليه وسلم
لسعد بن أبي وقاص: ((إنك إن تذر
ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة
یتکففون الناس)) (٤).
وذهب الحنفية إلى أن قليل المال الذي
له ورثة فقراء لا يستحب له أن يوصي،
وروى عن أحمد أنه إذا ترك دون الألف
لا تستحب الوصية، قال ابن قدامة: والذي
يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل
عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من
الوصية بقوله: ((إن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة)» ولأن إعطاء القريب
(١) البدائع ٦٤/٥، وجواهر الإكليل ٢١٩/١، وأسهل
المدارك ٤١/٢، ومغني المحتاج ٢٨٣/٤، والمغني
٦١٧/٨، وكشاف القناع ٢١/٣.
(٢) البدائع ٣٣٠/٧ - ٣٣١، والمهذب ٤٥٦/١ والمغني
٣،٢/٦.
(٣) سورة البقرة / ١٨٠.
(٤) حديث: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء .. )) تقدم ف٩
-٢٩٢-

غنى ٢٢ - ٢٣
المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى
لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم
كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من
الوصية به لغيرهم، فعند هذا يختلف
الحال باختلاف الورثة، فلا يتقيد بقدر من
المال.(١)
اعتبار الغنى في الكفاءة في
النكاح:
٢٣ - للفقهاء اتجاهان في اعتبار الغنى
في الكفاءة في النكاح:
أ - الاتجاه الأول: هو أن الغنى معتبر
في النكاح في حق الزوج، فلا يكون
الفقير كفئاً للغنية، لأن التفاخر بالمال أكثر
من التفاخر بغيره عادة، ولأن للنكاح تعلقا
لازماً بالمهر والنفقة، وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((الحسب: المال)»(٢)
وقال: ((إن أحساب أهل الدنيا الذي
يذهبون إليه هذا المال))(٣) وقال لفاطمة
بنت قيس حين أخبرته أن معاوية
خطبها: ((أما معاوية فصعلوك لامال
(١) المغني ٣/٦.
(٢) حديث: ((الحسب: المال)»
أخرجه الترمذي (٣٩٠/٥) من حديث سمرة بن جندب،
وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) حديث: ((إن أحساب أهل الدنيا .. ))
أخرجه النسائي (٦٤/٦) والحاكم (١٦٣/٢) من حديث
بريدة ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
له)»(١)، ولأن على الموسرة ضررا في
إعسار زوجها، ولهذا ملكت الفسخ
بإخلاله بالنفقة فكذلك إذا كان مقارنا،
ولأن ذلك معدود نقصا في عرف
الناس.
وهذا مذهب الحنفية، وهو قول عند
الشافعية، قال الأذرعي عنه إنه المذهب
المنصوص الأرجح دليلا ونقلا، وهو كذلك
قول عند المالكية، ورواية عند الحنابلة
ذكرها ابن قدامة، في حين أن أكثر
كتب الحنابلة لم يرو غيرها في
المذهب. (٢)
ب - والاتجاه الثاني: هو عدم اعتبار
الغِنى في الكفاءة، لأن المال ظل زائل،
وهو يروح ويغدو، ولا يفتخر به أهل
المروءات والبصائر. وهذا قول للمالكية،
وعلى هذا القول: إنه ليس للأم الاعتراض
على الأب إذا زوج ابنته من رجل فقير،
خلافا لمن قال - باعتبار الغنى - بأن لها
الاعتراض، وعدم اعتبار الغنى هو الأصح
عند الشافعية كما قال النووي والشربيني
الخطيب، وهو الرواية الثانية عند الحنابلة
(١) حديث فاطمة بنت قيس: ((أما معاوية فصعلوك ... ))
أخرجه مسلم (١١١٤/٢).
(٢) البدائع ٣١٩/٢، ومنح الجليل ٤٦/٢، والقوانين الفقهية
٢٠٢، ومغني المحتاج ١٦٧/٣، والمهذب ٢/ ٤٠، وشرح
. منتهى الإرادات ٢٧/٣، والمغني ٠٤٨٤/٦ .
-٢٩٣-

غنى ٢٣ ، غناء ١
ذكرها ابن قدامة.(١)
والغنى المعتبر في الكفاءة هو القدرة
على مهر مثلها والنفقة، ولا تعتبر الزيادة
على ذلك، حتى إن الزوج إذا كان قادرا
على مهر مثلها ونفقتها يكون كفئاً لها،
وإن كان لايساويها في المال، ومن لا يملك
مهرا ولا نفقة فلا يكون كفئاً للغنية، ولا
تعتبر المساواة في الغنى، لأن الغنى
لاثبات له، لأن المال غادٍ ورائح، وهذا
ماروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد
في ظاهر الروايات، وهو موافق لما ذكره
القائلون باعتبار الغنى في الكفاءة من
المالكية والحنابلة، وعند أبي حنيفة
ومحمد في غير رواية الأصول: أن
تساوي الزوج والزوجة في الغنى شرط
تحقق الكفاءة، لأن التفاخر يقع في الغنى
عادة.(٢)
(١) منح الجليل ٤٦/٢، ومغني المحتاج ١٦٧/٣، والمغني
٤٨٥/٦
(٢) البدائع ٣١٩/٢، والقوانين الفقهية/ ٢٠٢، والمهذب
٤٠/٢، ومغني المحتاج ١٦٧/٣، والمغني ٤٨٤/٦.
غناء
التعريف:
١ - الغناء - بالكسر والمد - لغة اسم
من التغني، وله معان منها: ماطرب به
من الصوت، والسماع، ورفع الصوت،
والتطريب، والترنم بالكلام الموزون وغيره
ويكون مصحوبا بالموسيقى وغير
مصحوب، والغَناء بالفتح: النفع، والغنى
بالكسر: اليسار. (١)
والغناء اصطلاحا: يطلق على رفع
الصوت بالشعر وما قاربه من
الرجز على نحو مخصوص عند بعض
الفقهاء.
وعرفه آخرون بأنه : رفع الصوت
المتوالي بالشعر وغيره على الترتيب
المرعي الخاص في الموسيقى، ليدرج فيه
البسيط المسمى بالاستبداء، أو الساذج
فإنه صوت مجرد من غير شعر ولا رجز،
لكنه على ترتيب خاص مضبوط من أهل
(١) لسان العرب والقاموس المحيط والمعجم الوسيط ومختار
الصحاح
-٢٩٤ -

غناء ١ - ٣
الخبرة، (١) ولذلك نقل الجاحظ عن غيره:
أن النغم فضل بقي من النطق لم يقدر
اللسان على استخراجه، فاستخرج
بالألحان على الترجيع،(٢) لا على
التقطيع، (٣) فلما ظهر عشقته النفوس،
وحنت إليه الروح، ألا ترى إلى أهل
الصناعات كلها، إذا خافوا الملالة والفتور
على أبدانهم ترنموا بالألحان واستراحت
إليها أنفسهم، وليس من أحد - كائنا من
كان - إلا وهو يطرب من صوت نفسه،
ويعجبه طنين رأسه، (٤) وقد ذكر مايقارب
هذا لفظا ومعنى الإمام الغزالي (٥)،
وغيره (٦)، مما يدل على أن الغناء كما يقع
بالشعر والألحان والآلات يقع ساذجا
بصوت مجرد عن الجميع، لكنه على نمط
خاص .
الألفاظ ذات الصلة:
أ - التغيير :
٢ - التغبير هو في حقيقة الأمر ضرب
من الغناء يذكّر بالغابرة وهي الآخرة،
(١) الإمتاع بأحكام السماع للأدفوي ورقة ١٧ . وهو مخطوط
بالمكتبة الوطنية بتونس، فرح الأسماع برخص السماع
للتونسي ص ٤٩ تحقيق محمد الشريف الرحموني. الدار
العربية للكتاب بتونس ١٩٨٥.
(٢) يقال: رجع في صوته إذا ردده في حلقه.
(٣) التقطيع: تحليل الأجزاء (النوتة)
(٤) الحيوان ١٩١/٤ وما بعدها ، تحقيق عبد السلام هارون.
(٥) إحياء علوم الدين ٢٧٥/٢، دار المعرفة.
(٦) فرح الأسماع برخص السماع ص١٤/ ١٧
ويزهّد في الحاضرة وهي الدنيا، والمغبّرة
قوم يغبرون بذكر الله تعالى بدعاء
وتضرع، وقد أطلق عليهم هذا الاسم
لتزهيدهم الناس في هذه الدنيا الفانية
وترغيبهم في الباقية وهي الآخرة، وهو من
«غبر)) الذى يستعمل للباقي كما
يستعمل للماضي.
وقال الشافعي: أرى الزنادقة وضعوا
هذا التغيير ليصدوا عن ذكر الله وقراءة
القرآن.(١)
والصلة أن التغيير نوع من الغناء.
ب - الحداء:
٣ - الحداء بضم الحاء وكسرها ضرب
من الغناء للإبل إذا سمعته أسرعت.(٢)
قال ابن قدامة: الحداء هو الإنشاد
الذى تساق به الإبل - وقد ورد عن أبي
قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم ((كان في سفر،
وكان غلام يحدو بهن يقال له: أنجشة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رويدك
يا أنجشة سوقك بالقوارير)) قال أبو قلابة:
يعنى النساء. (٣)
(١) لسان العرب.
(٢) المصباح المنير والصحاح والقاموس المحيط.
(٣) حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان في
سفر ... »
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٩٣/١٠ - ٥٩٤) ومسلم
(١٨١١/٤) واللفظ للبخاري.
-٢٩٥-

غناء ٣ - ٧
والحداء نوع من الغناء.
ج - النصب:
٤ - من معاني النصب: (بفتح النون
وسكون المهملة) الترنم بالشعر، وهو نوع
من أغاني العرب فيه تخطيط يشبه الحداء،
وقيل: هو الذى أحكم من النشيد وأقيم
لحنه ووزنه، (٢) فعن السائب بن يزيد قال:
کان رباح - وهو ابن المغترف - یحسن
النصب (٣)، وفي حديث نائل مولى
عثمان: فقلنا لرباح: لونصبت لنا نصب
العرب.
وقال ابن قدامة: النصب نشيد الأعراب
لابأس به كسائر أنواع الإنشاد مالم يخرج
إلى حد الغناء. (٤)
والصلة أن النصب ضرب من الغناء .
حكم الغناء:
٥ - اختلف الفقهاء في حكم الغناء:
فمنهم من قال بكراهته كراهة تنزيه،
ومنهم من قال بتحريمه، ومنهم من قال
بالإباحة، ومنهم من فصل بين القليل
(١) المغني مع الشرح الكبير ٤٤/١٢، وانظر أيضا: الإمتاع
بأحكام السماع للأدفوى ورقة ١٧ و١٨
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٦٢/٥، والصحاح.
(٣) أثر السائب بن يزيد: كان رباح - وهو ابن المغترف -
یحسن النصب.
أخرجه البيهقي في السنن (٢٢٤/١٠)
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٤٤/١٢
والكثير،، ومنهم من لاحظ جنس المغني
ففرق بين غناء الرجال وغناء النساء،
ومنهم من ميز بين البسيط الساذج وبين
المقارن لأنواع من الآلات.
وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح:
(استماع ف١٥ - ٢٢) و(معازف).
وهناك مسائل تتعلق بالغناء منها:
أ - احتراف الغناء:
٦ - ذهب الحنفية والحنابلة وهو مايفهم
من مذهب المالكية إلى أن اتخاذ الغناء
حرفة يرتزق منها حرام.
وذهب الإمام الشافعي في الأم إلى أن
المرأة أو الرجل يغنى، فيتخذ الغناء
صناعة يؤتى عليه ويأتى له، ويكون
منسوبا إليه مشهورا بِه معروفا، لاتجوز
شهادة واحد منهما، وذلك أنه من اللهو
المكروه الذى يشبه الباطل، وأن من صنع
هذا كان منسوبا إلى السفه وسقاطة
المروءة، ومن رضي بهذا لنفسه كان
مستخفا وإن لم يكن محرما بيّن
(١).
التحریم.
ب - الإجارة على الغناء:
٧ - من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة
(١) الأم ٢٠٩/٦، المغني مع الشرح الكبير ٤٣/١٢، فتح
القدير ٣٤/٦، ٣٥ ، البيان والتحصيل ٥٤٥/١٨ .
-٢٩٦ -

غناء ٧ - ١٠
المعقود عليها مباحة شرعا(١)، وبناء على
ذلك فإن الاستئجار للغناء المحرم والنوح
لايجوز، لأنه استئجار على معصية،
والمعصية لا تستحق بالعقد. أما
الاستئجار لكتابة الغناء والنوح فهو جائز
عند الحنفية، لأن الممنوع إنما هو نفس
الغناء والنوح - على القول بذلك - لا
كتابتهما. (٢)
ج - الوصية بإقامة لهو بعرس :
٨ - من أوصى بإقامة لهو بعرس فإن
الوصية تنفذ إذا كان اللهو مرخصا فيه
وبآلات مرخص في استعمالها، ولا تنفذ
إذا داخله مالا يجوز. (٣)
د - مروءة المغني وشهادته:
٩ - احتراف الغناء وكثرة استماعه مما
يقدح في مروءة المرء مغنيا ومستمعا،
بحیث یعرضه إلى رد شهادته، (٤) ونقل
الحطاب أن الغناء إن كان بغير آلة فهو
(١) بداية المجتهد ٢٤١/٢، القوانين الفقهية ص ٢٧٥،
بدائع الصنائع ١٨٩/٤، والشرح الكبير مع
الدسوقي ٢١/٤ .
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٣٤/٦، ومواهب الجليل
٤٢٤/٥، والبدائع ١٨٩/٤
(٣) البيان والتحصيل ١٣٩/١٣ - ١٤٠
(٤) الأم ٢٠٩/٦، المدونة ١٥٣/٥، مواهب الجليل
١٥٣/٦، جواهر الإكليل ٢٣٣/٢، المغني مع الشرح
الكبير ٤٣/١٢
مكروه، ولا يقدح في الشهادة بالمرة
الواحدة، بل لابد من تكرره مثلما نص
عليه ابن عبد الحكم لأنه حينئذ يكون
قادحا في المروءة، وفي المدونة: ترد
شهادة المغني والمغنية والنائح والنائحة إذا
عرفوا بذلك، (١) ونقل عن المازري: إذا
كان الغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار
کالعود والطنبور فممنوع، و کذلك المزمار،
والظاهر عن بعض العلماء أن ذلك يلحق
بالمحرمات ، ونص محمد بن عبد الحكم
على أن سماع العود ترد به الشهادة، إلا
إن كان ذلك في عرس أو صنيع ليس معه
شراب يسكر فإنه لايمنع من قبول
الشهادة، وقيد الحنفية رد شهادة المغني
بأن يغني للناس بأجرة.(٢)
و - الوقف على المغني:
١٠ - نص الحنابلة على أن الوقف
لايصح على جهة المغاني، ويصح على
معين متصف بذلك ويستحقه لو زال ذلك
الوصف، (٣) ويلغو شرط الواقف مادام
كذلك، وسائر المذاهب على عدم صح
الوقف على جهة المعصية.
(راجع مصطلح: وقف).
(١) المدونة ١٥٣/٥
(٢) ابن عابدين ٣٨١/٤ - ٣٨٢، مواهب الجليل ١٥٣/٦،
وجواهر الإكليل ٢٣٣/٢
(٣) شرح منتهى الإرادات ٤٩٤/٢
-٢٩٧-

غناء ١١، غَنَم ١ - ٢
التغنى بالقرآن الكريم :
١١ - ذهب جمهور الفقهاء: إلى عدم
جواز تلاوة القرآن الكريم أو الاستماع إليه
بالترجيع والتلحين المفرط.
أمّا تحسين الصوت بقراءة القرآن من
غير مخالفة لأصول القراءة فهو مستحب
واستماعه حسن، لقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «زينوا القرآن
بأصواتكم»(١)
وتفصيل ذلك في (استماع ف ٧) .
(١) حديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم))
أخرجه أبو داود (١٥٥/٢) من حديث البراء بن عازب.
وأخرجه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عباس كما
في الفتح لابن حجر (٥١٩/١٣)، وحسن ابن حجر
إسناده.
غَنَم
التعريف:
١ - الغَنَم لغة: اسم جنس يطلق على
الضأن والمعز، وقد تجمع على («أغنام)»
على معنى قطعانات من الغنم، ولا واحد
للغنم من لفظها . (١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن
المعنى اللغوي، قال الحصكفي: الغنم
مشتق من الغنيمة، لأنه ليس لها آلة
الدفاع، فكانت غنيمة لكل طالب. (٢)
الأحكام المتعلقة بالغنم:
أ - الصلاة في مرابض الغنم:
٢ - يري جمهور الفقهاء إباحة الصلاة
فى مرابض الغنم إذا أمنت النجاسة،(٣)
فقد روي جابر بن سمرة - رضي الله عنه
- أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه
(١) المصباح المنير.
(٢) الدر المختار ورد المحتار ١٨/٢
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقى الفلاح ص ١٩٦ -
١٩٧ ورد المحتار ٢٥٤/١، المجموع ١٦٠/٢ - ٠١٦١
وروضة الطالبين ٢٧٨/١ - ٢٧٩، والمغنى
٦٧/٢.
-٢٩٨ -

غَنَّم ٢ - ٣
وسلم: ((أصلي فى مرابض الغنم؟
قال: نعم. قال: أصلي فى مبارك الإبل؟
قال: لا))(١)
وعند الحنفية إنما تباح الصلاة في
مرابض الغنم إذا كانت فوق السجادة في
حالة الضرورة، أو إذا كان أصحاب الغنم
ينظفون المرابض، فأبيحت الصلاة فيها
لذلك، (٢) وقالوا: لاتكره الصلاة في
مرابض الغنم إذا كان بعيدا من
النجاسة. (٣)
وقال الشافعية: إذا صلى فى أعطان
الإبل أو مراح الغنم وماسٌ شيئا من
أبوالها أو أبعارها أو غيرها من
النجاسات بطلت صلاته ، وإن بسط شيئا
طاهرا وصلى عليه أو صلى فى موضع
طاهر منه صحت صلاته، لكن تكره فى
أعطان الإبل ولاتكره فى مرابض الغنم،
وليست الكراهة بسبب النجاسة، فإنهما
سواء فى نجاسة البول والبعر، وإنما سبب
كراهة أعطان الإبل هو مايخاف من
نفارها، بخلاف الغنم فإنها ذات
سکینة. (٤)
(١) حديث : جابر بن سمرة: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله
عليه وسلم«أصلي في مرابض الغنم ..... ))
أخرجه مسلم (٢٧٥/١)
(٢) مراقى الفلاح ص ١٩٧
(٣) رد المحتار ٢٥٤/١
(٤) المجموع ١٦١/٣
وأجاز المالكية الصلاة - ولو من غير
فرش - بمريض غنم وبقر لطهارة زيلها (١)
وللتفصيل (ر: صلاة ف ١٠٥)
ب - زكاة الغنم:
٣ - زكاة الغنم واجبة بالسنة
والإجماع. أما السنة فما رواه أنس رضي
الله عنه أن أبا بكر الصديق رضى الله
عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى
البحرين: هذه فريضة الصدقة التي فرض
رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن
سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها،
ومن سئل فوقها فلا يعط ... ((وفي
صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين
إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على
عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا
زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها
ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل
مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة
من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة
إلا أن يشاء ربها))(٢)
وأجمع العلماء على وجوب الزكاة
(١) الشرح الصغير ٢٦٨/١
(٢) حديث أنس : أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب.
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١٧/٣، ٣١٨).
-٢٩٩ -

غَنَم ٣ - ٥
فيها . (١
وللتفصیل (ر: زکاة ف ٥٧ وما
بعدها )
ج - سرقة الغنم:
٤ - اتفق الفقهاء على وجوب القطع على
من سرق الغنم من الأبنية المغلقة الأبواب
المتصلة بالعمارة . (٢)
واختلفوا في سرقة الغنم من المرعى:
فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لاقطع
في الغنم الراعية في حال رعيها، سواء
كان معها راع أو لا. (٣)
ويرى الشافعية وجوب القطع على من
يسرق الغنم من المرعى، إذا كان الراعى
على نشر من الأرض يراها جميعا ويبلغها
صوته. (٤)
أما الحنابلة فلا يشترطون بلوغ
الصوت، ویکتفون بالنظر، حيث قالوا :
وحرز الغنم في المرعى بالراعى ونظره
(١) العناية ٥٣/٣، ٥٥، وحاشية العدوي على شرح الرسالة
٣٨١/١ - ٣٨٢ ط الحلبي، والمجموع ٣٣٨/٥ المغني
٥٩٧/٢
(٢) فتح القدير ٢٤٦/٤ ط الأميرية ، والفتاوى الهندية
٢٦٨ ط الحلبي، وروضة الطالبين ١٢٧/١٠، وكشاف
القناع ١٣٧/٦.
(٣) فتح القدير ٢٤٦/٤، وحاشية العدوي على شرح الرسالة
٢٦٧/٢ - ٢٦٨
(٤) روضة الطالبين ١٢٨/١٠، وأسنى المطالب ١٤٤/٤
إليها إذا كان الراعى يراها في الغالب،
لأن العادة حرزها بذلك(١)
وللتفصيل في أحوال حرز الغنم وسائر
المواشي في الأبنية وغير الأبنية ر: (سرقة
ف ٣٧)
د - السلم في الغنم:
٥ - يشترط لجواز السلم في الغنم عند
القائلين بجوازه في الحيوان - وهم
المالكية والشافعية والحنابلة - ذكر
الأنوثة والذكورة والسن واللون
(٢)
والنوع. (٢)
ويرى الحنفية عدم جواز السلم في
الحيوان وغيره من العدديات المتفاوتة،
لأنه لايمكن ضبطها بالوصف، إذ يبقى بعد
بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها
جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة
للتفاوت الفاحش بين حيوان
وحيوان. (٣)
والتفصيل في مصطلح ر:( سلم ف٢٠
وما بعدها).
(١) كشاف القناع ١٣٧/٦.
(٢) الدسوقي ٢٠٨/٣، والمنتقي ٢٩٣/٤، وروضة الطالبين
٢٠/٤، والمغني ٣١٢/٤، ٣١٣:
(٣) بدائع الصنائع ٢٠٩/٥، والمبسوط السرخسي
١٣١/١١.
- ٣٠٠-