Indexed OCR Text

Pages 221-240

غش ٧ - ٩
فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن
شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع
تمر)).(١)
ولا يعتبر أبو حنيفة التصرية عيبا
مثبتا للخيار بدليل أنه لو لم تكن مصراة
فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك
ردها، ويرجع على البائع بأرشها. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (تصرية
ف٣ وما بعدها)
ثانيا - الغش المسبب للغبن:
٨ - الغش يؤثر كثيرا في المعاوضات
المالية بصورة الغبن، فيحصل النقص في
ثمن المبيع أو بدل المعقود عليه في سائر
العقود .
وقد ذهب الفقهاء إلى أن الغبن اليسير
- وهو ما يحتمل غالبا، أو يدخل تحت
تقويم المقومين - لايثبت خيارا
للمغبون. (٣)
أما الغبن الفاحش فاختلف الفقهاء فى
أثره على العقد وثبوت الخيار
(١) حديث: ((لاتصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري٣٦١/٤) ومسلم
(١١٥٥/٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري
(٢) رد المحتار ٩٦/٤، الزرقاني ١٣٤/٥، وأسنى
المطالب ١٦١/٢، والمغني لابن قدامة ١٤٩/٤
(٣) تبيين الحقائق ٢٧٢/٤، وانظر في ضابط الغبن اليسير
والفاحش البدائع ٣٠/٦، ومواهب الجليل ٤/ ٠٤٧٢
ومغني المحتاج ٢٢٤/٢، والمغني لابن قدامة ٥٨٤/٣
للمغبون. (١)
والتفصيل في مصطلح: (غرر) و(غبن)
و(خيار الغبن ف ٣ وما بعدها)
التعامل بالنقد المغشوش:
٩ - أجاز جمهور الفقهاء إنفاق المغشوش
من النقود إذا اصطلحوا عليه وظهر غشه،
ولهم في المسألة التفصيل التالي:
ذهب الحنفية إلى أن الشراء بالدراهم
المغشوشة جائز، وذلك فيما إذا كان الغش
فيها غالبا والفضة مغلوبة، سواء أكان
بالوزن أو العدد حسب تعامل الناس لها
كالفلوس الرائجة.
وكذلك إذا كانت الفضة فيها غالبة أو .
متساوية مع الغش، إلا أنها هنا إذا
قوبلت بجنسها جاز التعامل بها وزنا
لاعددا، لأن الفضة وزنية في الأصل
والغالب له حكم الكل، أما في صور
التساوي فالحكم بالفساد عند تعارض
جهتي الجواز والفساد أحوط، كما علله
الكاساني. (٢)
أما عند المالكية فقد نقل الخطاب عن
العتبية أن العامة إذا اصطلحت على سكة
(١) الدر المختار بهامش رد المحتار ١٥٩/٤، ومواهب الجليل
٤ / ٤٧٠، وروضة الطالبين ٣/ ٤٧٠، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٣ /١٤٠
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائح ١٩٧/٥، ١٩٨
-٢٢١ -

غش ٩ - ١٠
وإن كانت مغشوشة فلا تقطع (أي لاتمنع
من التداول) لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف
رءوس أموال الناس، ثم ذكر الفتوى على
قطع الدراهم الزائفة التى يزاد في غشها
حتى صارت نحاسا. وكذا الذهب المحلاة
لعدم ضبطها في الغش. (١)
وقال الشافعية: يكره للإمام ضرب
المغشوش لخبر: ((من غشنا فليس منا))(٢)
ولئلا يغش بها بعض الناس بعضا ، فإن
علم معيارها صحت المعاملة بها معينة
وفي الذمة اتفاقا، وإن كان مجهولا ففيه
أربعة أوجه: أصحها الصحة مطلقا كبيع
الغالية والمعجونات، ولأن المقصود
. رواجها وهي رائجة، ولحاجة المعاملة بها،
والثاني: لا يصح مطلقا كاللبن المخلوط
بالماء، والثالث : إن كان الغش مغلوبا
صح التعامل بها، وإن كان غالبا لم
يصح، والرابع: يصح التعامل بها في
(٣)
العين دون الذمة.
وللحنابلة في المغشوش من النقود
روايتان: أظهرهما الجواز، قال ابن
قدامة: نقل صالح عن أحمد في درهم
يقال لها المسيبية عامتها نحاس إلا شيئا
(١) مواهب الجليل ٣٤٢/٤
(٢) حديث: ((من غشنا فليس منا))
سبق تخريجه ف/ ٥
(٣) مغني المحتاج ٣٩٠/١
فيها فضة، فقال: إذا كان شيئا اصطلحوا
عليه - مثل الفلوس - واصطلحوا عليها
فأرجو أن لا يكون بها بأس.
والثانية: التحريم: نقل حنبل في دراهم
مخلوطة يشترى بها ويباع فلا يجوز أن
يبتاع بها أحد، كل ماوقع عليه اسم الغش
فالشراء به والبیع حرام .
قال ابن قدامة: والأولى أن يحمل كلام
أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر
غشه واصطلح عليه، فإن المعاملة به
جائزة، إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على
جنسين لاغرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما
كما لو كانا متميزين. (١)
وللتفصيل ينظر مصطلح: ( فلوس).
صرف المغشوش بجنسه أو بالذهب
والفضة:
١٠ - ذهب الحنفية إلى أن ماغلب ذهبه
أو فضته حكمه حكم النقود الخالصة، فلا
يجوز صرف بعضه ببعض، ولا بالخالصة
إلا متساويا وزنا مع التقابض.
وما غلب غشه على الذهب أو الفضة
فحكمه حكم العروض، يصح بيعه
بالخالص إن كان الخالص أكثر مما في
(١) المغني ٤ /٥٧، ٥٨ ط الرياض .
-٢٢٢ -

غش ١٠ - ١١
المغشوش، وكذلك حكم متساوى الغش
والفضة، فیصرف فضة كل واحد منهما
إلى غش الآخر وبالعكس. (١)
ويجوز عند المالكية بيع نقد مغشوش
بمثله ولو لم يتساو غشهما، ويؤخذ من
كلامهم جواز بيع المغشوش بصنفه الخالص
أيضا إذا كان يجرى بين الناس. (٢)
أما الشافعية فالغش المخالط في
الموزون ممنوع عندهم مطلقا، قليلا كان أم
كثيرا، فلا تباع فضة خالصة بمغشوشة،
ولا فضة مغشوشة بفضة مغشوشة، ومثله
الذهب.(٣)
وأجاز الحنابلة بيع الأثمان المغشوشة
بالمغشوشة إذا كان الغش فيهما متساويا
ومعلوم المقدار ، ولا يجوز عندهم إذا كان
الغش في الثمن أو المثمن متفاوتا أو غير
معلوم المقدار، كما لايجوز بيع الأثمان
المغشوشة بأثمان خالصة من
جنسها . (٤)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (صرف ف
٤١ - ٤٤)
(١) رد المحتار ٢٤٠/٤، ٢٤١، وبدائع الصنائع ٢٢٠/٥
(٢) جواهر الإكليل ١٦/٢
(٣) تكملة المجموع للسبكي ٣٩٨/١٠، ٤٠٩، والمهذب
٢٨١/١
(٤) كشاف القناع ٢٦١/٣، ٢٦٢، والمغني ٤٨/٤ وما
بعدها.
الغش في المكيال والميزان:
١١ - لقد عظم الله تعالى أمر الكيل
والوزن، وأمر بالوفاء فيهما، ونهى عن
الغش بالبخس والتطفيف فيهما، وذلك
في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿أُوْقُوا
الكيلَ، ولاتكونوا من الْمُخْسِرِين وزِنُوا
بالقِسْطاسِ المستقيم ولا تَبْخَسُوا الناسَ
أشياءَهم ولا تَعْثَوا في الأرض
مفسدين﴾(١) ، وتوعد المطففين بالويل
وهددهم بعذاب يوم القيامة في قوله
تعالى: ﴿ويلٌ للمطففين الذين إذا اكْتَالُوا
على الناس يَسْتَوْفُون وإذا كالوهم أو
وَزَنُوهم يُخْسِرون ألا يَظُنّ أولئك أنهم
مبعوثون ليوم عظيم ﴾. (٢)
وذكره الذهبي في الكبائر وقال: وذلك
ضرب من السرقة والخيانة وأكل المال
بالباطل. (٣)
وقد ذكر الفقهاء فى وظائف المحتسب
أن مما هو عمدة نظره المنع من التطفيف
والبخس في المكاييل والموازين
والصنجات، وأن يطبع عليها طابعه، وله
الأدب عليه والمعاقبة فيه، فإن زوّر قوم
على طابعه كان الزور فيه كالمبهرج على
(١) سورة الشعراء/ ١٨١ - ١٨٣
(٢) سورة المطففين / ١ - ٥
(٣) الكبائر للذهبي ص ١٦٢.
-٢٢٣ -

غش ١١ - ١٢
طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير
بغش كان الإنكار عليه والتأديب مستحقاً
من وجهين: أحدهما في حق السلطنة من
جهة التزوير، والثاني من جهة الشرع في
الغش، وهو أغلظ المنكرين، وإن سلم
التزوير من غش تفرد بالإنكار لحق
.. (١)
السلطنة خاصة.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح:
(تطفيف ف٣، ٤) و(حسبة ف ٣٤).
الغش في المرابحة:
١٢ - ذهب الشافعية في الأظهر عندهم
والحنابلة إلى أنه لو باع شيئا مرابحة
فقال: هو عليّ بمائة بعتك بها وبربح
عشرة، ثم علم أن رأس ماله تسعون،
فالبيع صحيح، وللمشترى الرجوع على
البائع بمازاد على رأس المال وهو عشرة
وحظها من الربح - وهو درهم - فيبقى
على المشترى بتسعة وتسعين. (٢)
وقريب منه ماقاله أبو يوسف من
الحنفية بأنه إذا اشتراه بعشرة دراهم وباعه
(١) الأحكام السلطانية للماوردى ص ٢٢١ - ٢٢٤،
والأحكام السلطانية لأبى يعلى ص ٢٩٩، ومعالم القرية
في أحكام الحسبة ص ٨٦، والحسبة في الإسلام لابن
تيمية ص ١٣
(٢) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤/ ٢٦٠، ومغني
المحتاج ٧٩/٢
بربح خمسة، ثم ظهر أن البائع اشتراه
بثمانية فإنه يحط قدر الخيانة من الأصل
وهو الخمس - أي درهمان وما قابله من
الربح - وهو درهم، فيأخذ الثوب باثنى
عشر درهما .(١)
وقد علّل الشافعية حط الزيادة وربحها
بقولهم: لأنه تمليك باعتماد الثمن الأول
فتحط الزيادة عنه .
والقول الثاني عند الشافعية: لا يحط
شىء، لأنه قد سمی عوضا وعقد به.
وبناء على الخط فهل للمشترى خيار؟
الأظهر عند الشافعية أنه لاخيار
للمشترى ولا للبائع، سواء أكان المبيع
باقيا أم تالفا، أما المشترى فلأنه إذا
رضي بالأكثر فبالأقل من باب أولى،
وأما البائع فلتدليسه.(٢)
وهذا ظاهر كلام الخرقي، كما قال ابن
قدامة (٣).
والمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير
بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من
الربح، وبين تركه، لأنه لا يأمن الخيانة في
هذا الثمن أيضا . (٤)
(١) حاشية رد المحتار ١٥٥/٤، ١٥٦
(٢) مغني المحتاج ٧٩/٢
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٢٦٠/٤
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٢٦٠/٤
-٢٢٤-

غش ١٢ - ١٥
وقال المالكية: إن كذب البائع في
إخباره، كأن يخبره أنه اشتراه بخمسين
وقد كان اشتراه بأربعين - سواء أكان
عمدا أم خطأ - لزم البيع المشترى إن حط
البائع الزائد المكذوب، وإلا خير بين
التماسك والرد، وإذا غش بأن اشتراه
بثمانية مثلا ويرقم عليها عشرة، ثم
يبيعها مرابحة فالمشتري مخير بين أن
يتماسك بجميع الثمن الذى نقده - وهو
الثمانية وربحها - أو يردها على البائع
ویرجع بثمنه.(١)
وقال أبو حنيفة: إن ظهرت خيانة البائع
في مرابحة أخذه المشترى بكل ثمنه أو
رده لفوات الرضا. (٢)
وللغش في المرابحة صور وأحكام ينظر
تفصيلها في مصطلح: (مرابحة)
الغش في التولية:
١٣ - إذا ظهرت الخيانة في التولية في
صفة الثمن بأن اشترى شيئا نسيئة، ثم
باعه تولية على الثمن الأول، ولم يبين أنه
اشتراه نسيئة، فذهب الحنفية والمالكية
والشافعية إلى أن للمشترى الخيار في رد
المبيع وأخذه إن كان قائما ، وإذا هلك أو
(١) الشرح الكبير بهامش الدسوقي ١٦٨/٤، ١٦٩
(٢) رد المحتار ١٥٥/٤
استهلك فلا خيار له ويلزمه جميع الثمن
حالا مع تفصيل في ذلك.
وعند الحنابلة في المذهب يأخذ المشتري
المبيع بالثمن مؤجلا بالأجل الذى اشتراه
البائع إليه، ولا خيار له .
وإن ظهرت الخيانة في قدر الثمن،
فذهب الحنفية والشافعية في الأظهر
والحنابلة إلى أنه يحط قدر الخيانة، ويلزم
العقد بالثمن الباقي دون خيار.
وعند المالكية: إن حط البائع الزائد يلزم
المشتري البيع، وإلا يخير بين أن يرد
السلعة أو يأخذها بجميع الثمن. (١)
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح:
(تولية ف ١٨، ١٩)
الغش في الوضيعة:
١٤ - حكم الغش والخيانة في الوضيعة
يشبه حكم الغش في المرابحة، لأنها في
الحقيقة ربح المشتري. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (وضيعة)
غش الزوج أو الزوجة في النكاح:
١٥ - إذا غش أحد الزوجين الآخر
(١) بدائع الصنائع ٢٢٥/٥، ٢٢٦، والبناية ٤٩٤/٦،
والخرشي ١٧٩/٥ وحاشية الدسوقي ١٦٥/٣، ومغني
المحتاج ٧٩/٢، وروضة الطالبين ٥٢٥/٣، وكشاف
القناع ٢٣١/٣
(٢) رد المحتار ١٥٢/٤، ومغني المحتاج ٧٦/٢، وكشاف
القناع ٢٣٠/٣
-٢٢٥ -

غش ١٥ - ١٦
بكتمان عيب فيه ينافي الاستمتاع أو
کمال الاستمتاع، یثبت للمتضرر منهما
خيار الفسخ عند جمهور الفقهاء في
الجملة. (١)
والتفصيل في مصطلح : (طلاق ف
٩٣ وما بعدها)
غش ولاة الأمور لرعيتهم:
١٦ - المراد بأولى الأمر الأمراء والحكام
وكل من تقلد شيئا من أمر المسلمين، وقد
حمله كثير من العلماء على ما يعم الأمراء
والعلماء. (٢)
وقد ورد في التحذير من غشهم للرعية
أحاديث، منها، مارواه معقل بن يسار
رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((لا يسترعي الله عبداً
رعية يموت حين يموت وهو غاشّ لها إلا
حرّم الله عليه الجنة))(٣)، وفي رواية:
((مامن والٍ يلي رَعِيّةً من المسلمين فيموت
وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه
(١) رد المحتار ٥٩٣/٢، والزرقاني ٢٣٥/٣، وحاشية
القليوبي ٢٦١/٣، والمغني لابن قدامة ٦ / ٦٥٠
(٢) تفسير الطبري ٨ / ٤٩٥، وتفسير روح المعاني ٦٥/٥ في
تفسير قوله تعالى: ﴿وأولى الأمر منكم﴾.
(٣) حديث: ((لا يسترعي الله عبدا رعية يموت حين يموت ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري١٢٧/١٣)
ومسلم (١/ ١٢٥) واللفظ لمسلم
الجنة))(١)
وظاهر الحديث أن الراعي والوالي
الغاش محروم من الجنة أبدا، لكن النووي
قال في معنى: ((حرم الله عليه الجنة)) فيه
تأويلان: أحدهما: أنه محمول على
المستحل، والثاني: حرم عليه دخولها مع
الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا
المنع. (٢) وقال ابن حجر: الأولى أنه
محمول على غير المستحل، وإنما أريد به
الزجر والتغليظ، والمراد أنه لا يدخل الجنة
في وقت دون وقت، لأن الله إنما ولآّه على
عباده ليديم لهم النصيحة - لاليغشهم -
حتى يموت على ذلك، فلما قلب القضية
استحق أن يعاقب. (٣)
ونقل النووي عن القاضي عياض قوله:
معناه بيّن في التحذير من غش المسلمين
لمن قلده الله شيئا من أمرهم واسترعاه
عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو
دنياهم، فإذا خان فيما اؤتمن عليه فلم
ينصح فيما قلده: إما بتضييعه تعريفهم
مايلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما
بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم،
(١) حديث: ((مامن وال يلي رعية من المسلمين .... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري١٢٧/١٣)
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٦٥/٢، ١٦٦
(٣) فتح الباري ١٢٨/١٣، ١٢٩
-٢٢٦ -

غش ١٦ - ١٨
والذب عنها لكل متصد لإدخاله داخلة
فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم
أو تضييع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم
ومجاهدة عدوهم أو ترك سيرة العدل فيهم
فقد غشّهم . (١)
١٧ - وقد عد الذهبي غش الولاة من
الكبائر (٢)، ومن المقرر أن مرتكب
الكبيرة فاسق، والفسق مناف للعدالة .
ويختلف أثر فسق الولاة حسب نوعية
الولاية ومدى سلطتهم على الرعية.
ففي الإمامة الكبرى اشترط جمهور
الفقهاء العدالة، فلا يجوز تقليد الفاسق،
لكن الجمهور على عدم اشتراط العدالة
في دوام الإمامة، فلا ينعزل السلطان
بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق، ولا يجب
الخروج عليه، ويجب وعظه ودعوته إلى
الصلاح، بل إن بعضهم قالوا بحرمة
الخروج على الإمام الجائر تحرزاً عن الفتنة،
وتقديما لأخف المفسدتين، إلا أن يقوم عليه
إمام عَدَّل فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك
(٣)
القائم. (٣)
وتختلف هذه الأحكام في سائر
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٦٥/٢، ١٦٦
(٢) کتاب الكبائر ص ٦٧
(٣) حاشية رد المحتار ٣٦٨/١، وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير ٢٩٩/٤، والأحكام السلطانية للماوردي
ص(١٧) والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤
الولايات كالقضاء والإمارة ونحوهما
حسب اختلاف طبيعتها.
وينظر التفصيل في مصطلحات
(الإمامة الكبرى ف ١٢) و(عزل)
و(قضاء).
الغش في المشورة والنصيحة:
١٨ - ينبغي على المستشار أن يشير إلى
مافيه رشد المستشير وخيره، فإن أشار
عليه بغير صواب فقد غشه في مشورته،
وخانه بکتمان مصلحته، وذلك لما روى
أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((من استشاره أخوه
المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد
خانه)). (١)
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((المستشار مؤتمن)) (٢) ، أي
الذى طلب منه المشورة والرأي فيما فيه
المصلحة أمين فيما يسأل من الأمور،
(١) حديث: ((من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد
فقد خانه»
أخرجه أحمد (٣٢١/٢)
(٢) حديث: ((المستشار مؤتمن))
أخرجه الترمذي (٥٨٥/٤) وقال: حديث حسن صحيح
غريب.
-٢٢٧ -

!
غش ١٨ - ١٩ ، غصب ١
فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان
مصلحته.(١)
التعزير على الغش :
١٩ - الغاش يؤدب بالتعزير بما يراه
الحاكم زاجرا ومؤدباً له، فالمقرر عند
الفقهاء أن عقوبة المعصية التي لاحد فيها
ولا كفارة التعزير، ولا يمنع التعزير عن
الحكم بالرد وفسخ العقد المبني على
الغش إذا تحققت شروط الرد .
ونقل الحطاب عن ابن رشد قوله: مما
لا اختلاف فيه أن الواجب على من غش
أخاه المسلم أو غره أو دلس له بعيب أن
يؤدب على ذلك مع الحكم عليه بالرد،
(٢)
لأنهما حقان مختلفان.
(١) فيض القدير للمناوي ٢٦٨/٦، وعون المعبود ٣٦/١٤،
وفتح الباري ٣٤٠/١٣
(٢) مواهب الجليل ٤٤٩/٤
غَصْب
التعريف :
١ - الغصب لغة : هو أخذ الشيء ظلما
وقهرا، والاغتصاب مثله، يقال: غصبه
منه وغصبه علیه بمعنى واحد.(١)
واصطلاحا عرفه أبو حنيفة وأبو يوسف
بأنه: إزاله يد المالك عن ماله المتقوم على
سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال. (٢)
وعرفه المالكية بأنه: أخذ مال قهرا
تعديا بلا حرابة. (٣)
وعرفه الشافعية بأنه: الاستيلاء على
حق الغير عدوانا، أي بغير حق . (٤)
وعرفه الحنابلة بأنه: الاستيلاء على
مال الغير قهرا بغير حق. (٥)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير
(٢) بدائع الصنائع ١٤٣/٧
(٣) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي ٤٤٢/٢، ٤٥٩،
الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٥٨١/٣ - ٠٥٨٣
٦٠٧، ط. دار المعارف .
(٤) السراج الوهاج للغمراوي شرح المنهاج ص ٢٦٦
(٥) الشرح الكبير مع المغني ٣٧٤/٥، ط دار الكتاب
العربي.
-٢٢٨ -

غصب ٢ - ٧
الألفاظ ذات الصلة:
أ - التعدي :
٢ - التعدي هو: مجاوزة الحد والحق،
فهو أعم من الغصب.(١)
ب - الإتلاف:
٣ - الإتلاف هو: إخراج الشيء من أن
يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه
عادة. (٢)
والقدر المشترك بين الإتلاف والغصب
هو تفويت المنفعة على المالك.
ويختلفان في أن الغصب لا يتحقق إلا
بزوال يد المالك أو تقصير يده.
أما الإتلاف فقد يتحقق مع بقاء اليد.
كما يختلفان في الآثار من حيث
المشروعية أو ترتب الضمان. (٣)
ج - الاختلاس:
٤ - الاختلاس لغة: أخذ الشيء مخادعة
عن غفلة .
واصطلاحا: أخذ الشيء بحضرة صاحبه
جهرا مع الهرب به، سواء جاء المختلس
جهارا أو سرا.
(١) المغرب والمصباح المنير.
(٢) البدائع ١٦٤/٧
(٣) تكملة فتح القدير ٣٦١/٧
والصلة أن في كل منهما أخذ مال
الغير بغير حق، لكن الوسيلة فيهما
تختلف.(١)
د - السرقة:
٥ - السرقة: هي أخذ مال الغير من حرز
مثله على وجه الخفية والاستتار، وهي
توجب الحد.
والصلة أن الغصب أخذ مال الغير
علانية دون استخفاء، بخلاف السرقة
فإنها تكون خفية واستتارا.(٢)
هـ - الحرابة:
٦ - الحرابة: أخذ المال على وجه القهر
بحيث يتعذر معه الغوث أو النجدة
وحكمها يختلف عن حكم الغصب
في الجملة، لأن المحارب يقتل أو يصلب
أو يقطع من خلاف أو ينفى من الأرض،
ولا يفعل بالغاصب شيء من ذلك. (٣)
الحكم التكليفي:
٧ - الغصب حرام إذا فعله الغاصب عن
علم، لأنه معصية، وقد ثبت تحريمه
(١) لسان العرب والمصباح المنير، القليوبي ٢٦/٣، الشرح
الصغير ٤٧٦/٤
(٢) مغني المحتاج ١٥٨/٤
(٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٥٨٢/٣
-٢٢٩ -

غصب ٧ - ٨
بالقرآن والسنة والإجماع.(١)
أما القرآن الكريم: فقول الله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَأكُلُوا أموالكم
بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن
تراضٍ منكم﴾ (٢)
وأما السنة الشريفة: فمنها قوله صلى
الله عليه وسلم: ((إنّ دماءكم وأموالكم
وأعراضَكم حرامٌ عليكم، كحُرْمةِ يومِكم
هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا)) (
.(٤)
وقوله: ((لا يحلّ مالُ امرىءٍ إلا بطيبِ
نفسه)»
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون
على تحريم الغصب، وإن لم يبلغ المغصوب
نصاب سرقة.
ما يتحقق به الغصب :
٨ - في بيان ما يتحقق به الغصب
اتجاهان:
(١) المغني ٢٢٠/٥، كشاف القناع ٨٣/٤، المهذب
٣٦٧/١، والبدائع ١٤٨/٧
(٢) سورة النساء/٢٩
(٣) حديث: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام
عليكم٠٠٠)»
أخرجه البخاري ( فتح الباري ١٥٨/١) ومسلم
(١٣٠٥/٣ - ١٣٠٦) من حديث أبي بكرة، واللفظ
المذكور لمسلم.
(٤) حديث: ((لا يحل مال امرىء إلا بطيب نفسه)).
أخرجه أحمد (٧٢/٥) من حديث أبي حرة الرقاشي عن
عمه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٢/٤) وقال:
رواه أبو يعلى، وأبو حرة وثقه أبو داود ، وضعفه ابن معين.
الأول: للمالكية والشافعية والحنابلة
ومحمد وزفر من الحنفية: وهو أن
الغصب يتحقق بمجرد الاستيلاء، أي
إثبات يد العدوان على الشيء المغصوب،
بمعنى إثبات اليد على مال الغير بغير
إذنه، ولا يشترط إزالة يد المالك.
وليس المقصود من الاستيلاء،
الاستيلاء الحسي بالفعل، وإنما يكفي
الحيلولة بين المال وبين صاحبه، ولو أبقاه
موضعه الذي وضعه فیه.(١)
والثاني: لأبي حنيفة وأبي يوسف،
وبرأيهما يفتى في المذهب: وهو أن
الغصب إزالة يد المالك عن ماله المتقوم
على سبيل المجاهرة والمغالبة، بفعل في
المال، أي أن الغصب لا يتحقق إلا بأمرين
اثنين هما: إثبات يد الغاصب ( وهو أخذ
المال) وإزالة يد المالك، أي بالنقل
والتحويل.
والمراد باليد: القدرة على التصرف،
وعدم اليد: عدم القدرة على
التصرف. (٢)
(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٤٤٢/٣
والشرح الصغير ٥٨٣/٣ ومغني المحتاج ٢٧٥/٢ وكشاف
القناع/ ٨٣
(٢) البدائع ١٤٣/٧، تكملة الفتح ٣٦٨/٧ ط مصطفى
محمد، تبيين الحقائق٢٢٤/٥
- ٢٣٠ -

غصب ٩ - ١٠
ما يتحقق فيه الغصب:
٩ - ما يتحقق فيه الغصب منه ماهو
متفق عليه، ومنه ماهو مختلف فيه.
أما المتفق عليه فهو المال المنقول
المتقوم المعصوم المملوك لصاحبه غير
المباح، فما يملكه المسلم أو الذمي من
غير الخمر والخنزير والصلبان، كالأمتعة
الشخصية والكتب والحلي والدواب
والسيارات، يتصور فيه الغصب.
وأما المختلف في تحقق الغصب فيه،
فهو مايأتي:
أ - العقار:
١٠ - العقار هو: كل مالا يمكن نقله
وتحويله من مكان إلى آخر كالأرض
والدار.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكية
والشافعية والحنابلة ومحمد وزفر من
الحنفية إلى أنه يتصور غصب العقار من
الأراضي والدور، ويجب ضمانها على
غاصبها، لأنه يكفي عندهم لتوافر معنى
الغصب إثبات يد الغاصب على الشيء
بالسكنى ووضع الأمتعة وغيرها، ويترتب
عليه ضمنا بالضرورة إزالة يد المالك،
لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد
في حالة واحدة .(١)
واستدلوا بقوله صلی الله عليه وسلم:
«من ظَلَم قيدَ شبرٍ من الأرض طُوّقه من
سبع أرَضين)) (٢) فإنه يدل على تحقق
الغصب في العقار، قال ابن حجر: وفي
الحديث إمكان غصب الأرض.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن
الغصب لا يتحقق إلا فيما ينقل ويحول،
لأن حقيقة الغصب في رأيهما - وهو
إزالة يد المالك بالنقل - لا تتحقق إلا فيه
دون غيره.
وأما العقار كالأرض والدار فلا يتصور
وجود معنى الغصب فيه، لعدم إمكان
نقله وتحويله، فمن غصب عقارا فهلك في
يده بآفة سماوية، كغلبة سيل أو حريق أو
صاعقة، لم يضمنه عندهما، لعدم تحقق
الغصب بإزالة اليد، لأن العقار في محله
لم ينقل، فصار كما لو حال بين المالك
وبين متاعه، فتلف المتاع، فلا يضمن
عندهما، أما لو كان الهلاك بفعل
الغاصب كأن هدمه، فيضمنه، لأن
الغصب إذا لم يتحقق في العقار، فيعتبر
(١) الشرح الكبير مع الدسوقي ٤٤٣/٣، بداية
المجتهد ٣١١/٢، مغني المحتاج ٢٧٥/٢ وما بعدها،
المغني ٢٢٣/٥، كشاف القناع ٨٣/٤ وما بعدها.
(٢) حديث: ((من ظلم قيد شبر من الأرض ... ))
فتح الباري (١٠٣/٥، ١٠٥) ومسلم (١٢٣٢/٣)
من حديث عائشة.
-٢٣١ -

غصب ١٠ - ١٣
الإتلاف ، والإتلاف مضمون على
المتلف.(١)
وذكر في المبسوط: والأصح أن يقال:
جحود الوديعة لو كانت عقارا بمنزلة
الغصب، فلا يكون موجبا للضمان في
العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف
رحمهما الله.
ب - العين المؤجرة :
١١ - اختلف الفقهاء في غصب العين
المؤجرة.
فذهب بعضهم إلى أنه إذا غصبت
العين المؤجرة ثبت الخيار للمستأجر في
فسخ الإجارة لذهاب محل استيفاء
المنفعة، أو عدم الفسخ.
وفصل آخرون في الحكم.
وللتفصيل ينظر مصطلح ( إجارة ف
٥٤)
ج - زوائد المغصوب وغلته
ومنافعه:
١٢ - اختلف الفقهاء في تحقق غصب
(١) البدائع ١٤٥/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق ٢٢٤/٥،
تكملة فتح القدير ٣٦٨/٧ ط مصطفى محمد، اللباب
شرح الكتاب١٨٩/٢
زوائد المغصوب وغلته ومنافعه أو عدم
تحققه، فذهب فريق منهم إلى وقوع ذلك،
وخالفه آخرون، وتوسط فریق ثالث ورتبوا
على ذلك خلافهم في الضمان وسيأتي
تفصيل ذلك .
غصب غير المتقوم:
١٣ - قال الشافعية والحنابلة: (١)
لاتضمن الخمر والخنزير، سواء أكان
متلفها مسلما أم ذميا، وسواء أكانت
لمسلم أم لذمي إذ لاقيمة لها، كالدم
والميتة وسائر الأعيان النجسة، وما حرم
الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه، لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم حرم بيع
الخمر، وأمر بإراقتها، فما لا يحل بيعه
ولاتملكه، لاضمان فيه.
لكن إذا كانت خمر الذمي مازالت
باقية عند الغاصب، يجب ردها عليه،
لأنه يقر على شربها.
فإن غصبها من مسلم لم يلزم عند
الحنابلة ردها، ويجب إراقتها، لأنه لا يقر
على اقتنائها، ويحرم ردها إلى المسلم إذا
(١) مغني المحتاج ٢٩١,٢٨٥/٢، فتح العزيز شرح
الوجيز ٢٥٨/١١، المهذب٣٧٤/١ المغني ٢٥٦/٥،
كشاف القناع ٨٤/٤ وما بعدها، الميزان الكبرى
للشعراني ٢ /٩٠
-٢٣٢ -

غصب ١٣
لم يكن صانع خل (خلاًلا)، لأنه إعانة له
على ما يحرم عليه .
وفصّل الشافعية في الأمر ، فقالوا:
ترد الخمر المحترمة - وهي التي عصرت
بقصد الخلية، أو بغير قصد الخمرية وهو
المعتمد - المغصوبة من مسلم إليه، ولا
ترد الخمر غير المحترمة، بل تراق.
ولوغصب عصيرا، فتخمر ، ثم تخلل،
فالأصح عند الشافعية أن الخل للمالك،
وعلى الغاصب أرش مانقص من قيمة
العصير إن كان الخل أنقص قيمة من
العصير، لحصوله في يده، وقال الحنابلة:
إنه يجب عليه مثل العصير.
ولو غصب شخص جلد ميتة فديغه،
فالأصح عند الشافعية أيضا أن الجلد
للمغصوب منه، كالخمر التي تخلّلت، فإذا
تلفا بیده ضمنهما.
وعند الحنابلة: لا يلزم الغاصب رد جلد
الميتة ولو دبغه، لأنه لا يطهر بدبغه
عندهم، ولا قيمة له ، لأنه لا يصح بيعه.
وذهب الحنفية(١) إلى أنه لايضمن
الغاصب خمر المسلم أو خنزيره إذا غصبه
وهلك في يده، أو استهلكه، أو خلل
الخمر، سواء أكان الغاصب مسلما أم
(١) البدائع ١٤٧/٧ وما بعدها، الدر المختار٥/ ١٤٧ -
١٤٩، تكملة فتح القدير ٣٩٦/٧ - ٤٠٥ ، تبيين
الحقائق ٥/ ٣٣٣، اللباب شرح الكتاب ١٩٥/٢
ذميا، لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق
المسلم، ويجب إراقتها، وكذا الخنزير غير
متقوم.
لكن لو قام الغاصب بتخليل خمر
المسلم، ثم استهلكها يضمن خلا مثلها لا
خمرا، لأنه وجد منه سبب الضمان ، وهو
إتلاف خل مملوك للمغصوب منه ،
فيضمن، ولصاحب الخمر أن يأخذ الخل
بغير شيء، وكذلك يضمن الغاصب جلد
الميتة إذا دبغه الغاصب، ويأخذ جلد الميتة
ويرد عليه مازاد الدباغ فيه إن دبغها بما
له قيمة، وكذلك إذا خلل الخمر بما له
قيمة.
ويضمن المسلم أو الذمي خمر الذمي أو
خنزيره إذا استهلكه، لأن كلا منهما مال
عند أهل الذمة، فالخمر عندهم كالخل
عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا،
ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون، (١) وبه
یقرّون على بيعهما.
لكن تجب على المسلم قيمة الخمر لا رد
مثلها، وإن كانت الخمر من المثليات، لأن
المسلم ممنوع من تملكها، وغير المسلم
(١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث
قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم
كأموالنا، وأمرنا بتركهم وما يدينون (نصب
الراية ٣٦٩/٤، تكملة الفتح ٣٩٨/٧)
- ٢٣٣-

غصب ١٣ - ١٥
يجوز له تسلیم المثل، لأنه يجوز له تملك
الخمر وتمليكها بالبيع وغيره.
أما الميتة والدم ولو لذمي، فلا يضمنان
بالغصب، لأنهما ليسا بمال، ولا يدين أحد
من أهل الأديان تمولهما.
وكذلك يضمن المسلم قيمة صليب
غصبه من نصراني، فهلك في يده ، لأنه
مقر على ذلك .
ومذهب المالكية (١) كمذهب الحنفية
فيما ذكر ، فإنهم قالوا: لا تضمن خمر
المسلم أو خنزيره، ولا آلات الملاهي
والأصنام، لقوله صلى الله عليه وسلم:
((إن الله تعالى ورسوله حرم بيع الخمر
والميتة والخنزير والأصنام)). (٢) ولأنه
لاقيمة لها، وما لاقيمة له لا يضمن.
لكن يضمن الغاصب خمر الذمي
لتعديه عليه، ولأنها مال محترم عند غير
المسلمين يتمولونها.
وإذا تخللت الخمر وكانت لمسلم، خيّر
صاحبها بين أخذها خلاً، أو مثل عصيرها
إن علم قدرها، وإلا فقيمتها. أما خمر
غير المسلم إذا تخللت فيخير صاحبها بين
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٠٤/٢، ٤٤٧/٢٣،
الشرح الصغير ٥٩٣.٥٩٢/٣
(٢) حديث: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٢٤/٤) ومسلم
(١٢٠٧/٣) من حديث جابر بن عبدالله.
أخذ قيمتها يوم الغصب، أو أخذ الخل،
على المفتى به عند المالكية.
وإن كان المغصوب جلد ميتة دبغ أو لم
يدبغ ، أو كلبا مأذونا في اتخاذه مثل
كلب صيد أو ماشية أو حراسة فأتلفه
الغاصب، فإنه يغرم القيمة ، ولو لم يجز
بيع الجلد أو الكلب، وأما الكلب غير
المأذون فيه، فلا قيمة له.
آثار الغصب :
للغصب آثار تتعلق بكل من الشيء
المغصوب والغاصب والمالك المغصوب
منه.
أولا - ما يلزم الغاصب :
١٤ - يلزم الغاصب الإثم إذا علم أنه
مال الغير، ورد العين المغصوبة مادامت
قائمة، وضمانها إذا هلكت. (١)
أ - الإثم والتعزير:
١٥ - يستحق الغاصب المؤاخذة في
الآخرة ، إذا فعل الغصب عالما أن
المغصوب مال الغير ، لأن ذلك معصية،
(١) الدر المختار ١٢٦/٥، القوانين الفقهية ص ٣٣٠، مغني
المحتاج ٢٧٧/٢، المهذب ١/ ٣٦٧، المغني ٢٥٩/٥ وما
بعدها.
- ٢٣٤ -

غصب ١٥ - ١٦
وارتكاب المعصية عمدا موجب للمؤاخذة،
لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث
المتقدم: ((من ظلم قيد شبر من الأرض ،
طوّقه من سبع أرضين))(١)
وصرح الحنفية والمالكية والشافعية(٢)
بأنه يؤدب بالضرب والسجن غاصب مميز،
صغيرا أو كبيرا، رعاية لحق الله تعالى،
ولو عفا عنه المغصوب منه، باحتهاد
الحاكم، لدفع الفساد وإصلاح حاله
وزجرا له ولأمثاله.
أما غير المميز، من صغير ومجنون،
فلا يعزر.
فإن حدث الغصب والشخص جاهل
يكون المال لغيره، بأن ظن أن الشيء
ملكه فلا إثم ولا مؤاخذة عليه، لأنه
خطأ لامؤاخذة عليه شرعا، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((إن الله تجاوز عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(٣)،
وعليه رد العين مادامت قائمة، والغرم إذا
صارت هالكة.
(١) حديث: ((من ظلم قيد شبر من أرض طوقه .. ))
تقدم ف ١٠
(٢) الشرح الكبير ٤٤٢/٢، الشرح الصغير ٠٥٨٣/٣ القوانين
الفقهية ص ٣٣٠ ومغني المحتاج ٢٧٧/٤
(٣) حديث: ((إن الله تجاوز عن أمتي ... ))
أخرجه ابن ماجه (٦٥٩/١) من حديث أبي ذر الغفاري،
وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٥٣/١)
ب - رد العين المغصوبة:
١٦ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجب على
الغاصب رد العين المغصوبة إلى صاحبها
حال قيامها ووجودها بذاتها(١)، لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما
أخذت حتى تؤدى))(٢) وقوله
أيضا: ((لا يأخذن أحدكم متاعَ أخيه لاعبا
ولا جادا، ومن أخذ عصا أخيه
فلیردها )». (٣)
وترد العين المغصوبة إلى مكان الغصب
لتفاوت القیم باختلاف الأماکن.
ومؤنة الرد على الغاصب، لأنها من
ضرورات الرد، فإذا وجب عليه الرد ،
وجب عليه ماهو من ضروراته، كما في
رد العارية.
قال الكاساني: الأصل أن المالك يصير
(١) البدائع ١٤٨/٧، والدر المختار ١٢٨/٥، وتكملة
الفتح ٣٦٧/٧، والشرح الصغير ٥٨٢/٣ وما بعدها،
والقوانين الفقهية ص ٣٢٩، والمهذب ٣١٧/١، والميزان
للشعراني ٨٨/٢، وكشاف القناع ٧٨/٤، ط بيروت.
(٢) حديث: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)).
" أخرجه الترمذي (٥٥٧/٣) من حديث سمرة بن جندب
يرويه عنه الحسن البصري، وقال ابن حجر في
التلخيص (٥٣/٣): الحسن مختلف في سماعه عن
سمرة.
(٣) حديث: ((لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا ... ))
أخرجه أبو داود (٢٧٣/٥) والترمذي (٤٦٢/٤) من
حديث يزيد بن سعيد الكندي ، واللفظ لأبي داود ، وقال
الترمذي: حديث حسن.
-٢٣٥ -

غصب ١٦ - ١٨
مستردا للمغصوب بإثبات یده علیه، لأنه
صار الشيء مغصوبا بتفويت يده عنه،
فإذا أثبت يده عليه فقد أعاده إلى يده،
وزالت يد الغاصب عنه، إلا أن يغصبه
مرة أخرى.(١)
ويبرأ الغاصب من الضمان بالرد، سواء
علم المالك بحدوث الرد أم لم يعلم، لأن
إثبات اليد على الشيء أمر حسي، لا
يختلف بالعلم أو الجهل بحدوثه.
فإن کان المغصوب قد فات ، کأن هلك
أو فقد أو هرب، رد الغاصب إلى
المغصوب منه مثله إن كان له مثل، بأن
كان مكيلا أو موزونا أو معدودا من
الطعام والدنانير والدراهم وغير ذلك، أو
قيمته إن لم يكن له مثل، كالعروض
والحيوان والعقار.
ثانيا - حقوق المغصوب منه:
١٧ - للمالك المغصوب منه حقوق تقابل
ما يلزم الغاصب من الأحكام السابقة،
وهذه الحقوق هي: رد عين المغصوب
والثمار والغلة ، والتضمين، وحقه في
الهدم والقلع لما أحدثه الغاصب في ملكه،
(١) بدائع الصنائع ١٥٠/٧
والجمع بين أخذ القيمة والغلة.
أ - رد أو استرداد عين المغصوب
وزوائده وغلته ومنافعه:
١٨ - ذهب الفقهاء إلى أن من حق
المغصوب منه أن يرد إليه الغاصب عين.
ماله الذى غصبه إذا كان باقيا بحاله،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((على
اليد ماأخذت حتى تؤدى)) (١) وقوله:
(( لا يأخذنَ أحدُكم متاعَ أخيه لاعبا أو
جادا، فإذا أخذ أحدكم عصا أخيه
فليردها))(٢)، ولأن رد عين المغصوب هو
الموجب الأصلي للغصب، ولأن حق
المغصوب منه معلق بعين ماله وماليته ،
ولا يتحقق ذلك إلا برده ، والواجب الرد
في المكان الذي غصبه ، لتفاوت القيم
بتفاوت الأماكن. (٣)
وأما زوائد المغصوب ففيه التفصيل
الآتي:
ذهب الشافعية والحنابلة ومحمد من
(١) حديث: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي))
تقدم تخريجه ف / ١٦
(٢) حديث: ((لا يأخذن أحدكم متاع أخيه .... ))
تقدم تخريجه ف / ١٦
(٣) تكملة فتح القدير ٣٦٧/٧، والشرح الصغير ٥٩٠/٣،
والقوانين الفقهية ص ٣٢٩، والمهذب ٣٦٧/١، والمغني
والشرح الكبير ٣٧٤/٥، ٤٢٣
-٢٣٦ -

غصب ١٨
الحنفية إلى أن زوائد المغصوب في يد
الغاصب تضمن، سواء أكانت
متصلة كالسّمن ونحوه، أم منفصلة
كثمرة الشجرة وولد الحيوان، متى تلف
شيء منها في يد الغاصب، لتحقق إثبات
اليد العادية (الضامنة) لأنه بإمساك
الأصل تسبب في إثبات يده على هذه
الزوائد، وإثبات يده على الأصل
محظور.(١)
ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما
الله تعالى أن زوائد المغصوب لا تضمن
إذا هلكت بلا تعد، وإنما هي أمانة في
يد الغاصب لاتضمن إلا بالتعدي أو
بالتقصير، سواء أكانت منفصلة كالولد
واللبن والثمرة، أم متصلة كالسّمن
والجمال، لأن الغصب في رأيهما هو
إثبات يد الغاصب على مال الغير على
وجه يزيل يد المالك، كما تقدم بيانه ، ويد
المالك لم تكن ثابتة على هذه الزيادة حتى
يزيلها الغاصب، والمراد أن عنصر ((إزالة
يد المالك )) لم يتحقق هنا، كما لم يتحقق
في غصب العقار.
فإن تعدى الغاصب على الزيادة، بأن
(١) المهذب ١/ ٣٧٠، المغني والشرح الكبير ٣٩٩/٥ وما
بعدها .
أتلفها أو أكلها أو باعها، أو طلبها
مالكها فمنعها عنه، ضمنها، لأنه
بالتعدي أو المنع صار غاصبا.(١)
وفصّل المالكية في الأرجح عندهم في
نوع الزيادة، فقالوا: إذا كانت الزيادة
التي بفعل الله متصلة كالسّمن والكبر ،
فلا تكون مضمونة على الغاصب، وأما
إذا كانت الزيادة منفصلة ، ولو نشأت من
غير استعمال الغاصب كاللبن والصوف
وثمر الشجر ، فهي مضمونة على
الغاصب إن تلفت أو استهلكت، ویجب
ردها مع المغصوب الأصلي على
صاحبها . (٢)
أما منافع المغصوب ففيه التفصيل
الآتي:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن
الغاصب يضمن منفعة المغصوب، وعليه
أجر المثل، سواء استوفى المنافع أم تركها
تذهب، وسواء أكان المغصوب عقارا
كالدار، أم منقولا كالكتاب والحلي
ونحوهما، لأن المنفعة مال متقوم، فوجب
(١) البدائع ١٤٣/٧، ١٦٠، الدر المختار ورد المختار
١٤٣/٥، تكملة الفتح ٣٨٨/٧، اللباب شرح الكتاب
١٩٤/٢
(٢) بداية المجتهد ٣١٣/٢، الشرح الصغير ٥٩٦/٣، الشرح
الكبير للدردير ٤٤٨/٣، شرح الرسالة لابن أبي زيد
القيرواني ٢٢٠/٢
-٢٣٧ -

غصب ١٨ - ١٩
ضمانه كالعين المغصوبة ذاتها . (١)
وذهب متقدمو الحنفية إلى أن الغاصب
لا يضمن منافع ماغصبه من ركوب الدابة،
وسكنى الدار ، سواء استوفاها أو
عطلها، لأن المنفعة ليست بمال عندهم،
ولأن المنفعة الحادثة على يد الغاصب لم
تكن موجودة في يد المالك، فلم يتحقق
فيها معنى الغصب ، لعدم إزالة يد المالك
عنها.
وأوجب متأخرو الحنفية ضمان
أجر المثل في ثلاثة مواضع - والفتوى
على رأيهم - وهي: أن يكون المغصوب
وقفا، أو ليتيم ، أو معدا للاستغلال، بأن
بناه صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض. (٢)
وإن نقص المغصوب- أى ذاته -
باستعمال الغاصب غرم النقصان،
لاستهلاكه بعض أجزاء العين المغصوبة.
وأما غلة المغصوب: فلا تطيب في
رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب، لأنه
لا يحل له الانتفاع بملك الغير، وقال
(١) مغني المحتاج ٢٨٦/٢، المهذب ٣٦٧/١، فتح العزيز
شرح الوجيز ٢٦٣/١١، المغني ٢٧٠/٥، القواعد لابن
رجب ص ٢١٢
(٢) البدائع ٧/ ١٤٥، الدر المختار ورد المختار ١٤٤/٥ وما
بعدها، تكملة الفتح ٣٩٤/٧، اللباب شرح
الكتاب١٩٥/٢، ونقل المحاسني في شرح المجلة للمادتين
٤٥٩، ٤٧١ فتوى المتأخرين بزيادة ضمار بيت المال على
الثلاثة المذكورة
أبو يوسف وزفر: تطيب له. (١)
وقال المالكية: للمغصوب منه غلة
مغصوب مستعمل إذا استعمله
الغاصب أو أكراه، سواء كان عبدا أو
دابة أو أرضا أو غير ذلك على
المشهور، فإذا لم يستعمل فلا شيء عليه
ولو فوت على ربه استعماله، إلا إذا
نشأ من غير استعمال كلبن وصوف
و ثمر. (٢)
ب - الضمان :
١٩- ذهب الفقهاء إلى أنه إذا تلف
المغصوب في يد الغاصب أو نقص أو
أتلفه، أو حدث عیب مفسد فيه، أو صنع
شيء منه حتى سمي باسم آخر، كخياطة
القماش، وصياغة الفضة حليا، وصناعة
النحاس قدرا، وجب على الغاصب
ضمانه، وحق للمالك المغصوب منه
تضمينه، (٣) بأن يدفع له مثله إن كان من
(١) المراجع السابقة.
(٢) الشرح الصغير ٥٩٥/٣، ٥٩٦
(٣) تكملة الفتح ٣٦٣/٧، تبيين الحقائق ٣٣٣/٥، والدر
المختار ورد المختار ١٣٠/٥ اللباب ١٨٨/٢، وبداية
المجتهد ٣١٢/٢، وشرح الرسالة ٢١٧/٢، والقوانين
الفقهية ص ٣٣٠، ومغني المحتاج ٢٨٤،٢٨١/٢،
وكشاف القناع ١١٦/٤ وما بعدها، والمغني والشرح
الكبير ٣٧٦/٥ وما بعدها.
-٢٣٨-

غصب ١٩ - ٢٠
المثليات،(١) وهي المكيلات كالحبوب،
والموزونات كالأقطان والحديد، والذرعيات
كالأقمشة، والعدديات المتقاربة كالجوز
واللوز، لأن الواجب الأصلي في
الضمانات هو المثل، لقوله تعالى: ﴿فمن
اعتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عليه بمثل ما
اعتدى عليكم﴾(٢) ولأن المثل أعدل، لما
فيه من مراعاة الجنس والمالية، فكان أدفع
للضرر وأقرب إلى الأصل، فالمثل أقرب
إلى الشيء من القيمة، وهو مماثل له
صورة ومعنى، فكان الإلزام به أعدل وأتم
لجبران الضرر، والواجب في الضمان
الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان
تعويضا للضرر، ولما روي عن عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: مارأيت
صانعة طعام مثل صفية: أهدت إلى النبي
صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما
ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي
صلى الله عليه وسلم عن كفارته؟ فقال:
((إناء كإناء، وطعام كطعام)). (٢)
(١) المال المثلي هو ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت
يعتد به ، أو هو ماتماثلت آحاده أو أجزاؤه ، بحيث يمكن
أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به كالحبوب
والنقود والأدهان
(٢) سورة البقرة / ١٩٤
(٣) حديث عائشة: ((مارأيت صانعة طعام مثل صفية ... ))
أخرجه النسائي (٧١/٧) وحس إسناده ابن حجر في
الفتح (٢٥/٥).
٢٠ - فإن لم يقدر الغاصب على المثل أو
كان المال قيميا (١) كالأرض والدار
والثوب والحيوان، وجب عليه ضمان
القيمة، وذلك في ثلاث حالات: (٢)
الأولى: إذا كان الشيء غير مثلي،
كالحيوانات والدور والمصوغات، فلكل
واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى
باختلاف الصفات المميزة لكل واحد.
الثانية : إذا كان الشيء خليطاً مما
هو مثلي بغير جنسه كالحنطة مع
الشعير.
الثالثة: إذا كان الشيء مثليا تعذر
وجود مثله، والتعذر إما حقيقي حسي،
كانقطاع وجود المثل في السوق بعد
البحث عنه وإن وجد في البيوت، أو
حكمي، كأن لم يوجد إلا بأكثر من ثمن
المثل، أو شرعي بالنسبة للضامن، كالخمر
بالنسبة للمسلم، يجب عليه للذمي عند
الحنفية والمالكية ضمان القيمة وإن كانت
الخمر من المثليات، لأنه يحرم على المسلم
تملكها.
(١) المال القيمي: هو ماليس له مثل في الأسواق، أو يوجد مع
التفاوت المعتد به في القيمة ، أو هو ماتفاوتت أفراده، فلا
يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور والأراضي
والأشجار وأفراد الحيوان والمفروشات والمخطوطات والحلي
ونحوها.
(٢) الدر المختار ورد المختار لابن عابدين ١٢٩/٥
-٢٣٩ -

غصب ٢١
ج - الهدم والقلع:
٢١ - اتفق الفقهاء على أن الغاصب يلزم
برد المغصوب إلى صاحبه كما أخذه، كما
يلزم بإزالة ما أحدث فيه من بناء ، أو زرع
أو غرس، لقوله صلى الله عليه وسلم:
((ليس لعرق ظالم حق)) (١) وللمالك
المطالبة بهدم البناء الذى بناه الغاصب
على المغصوب، وقلع الشجر الذي غرسه
أو الزرع الذي زرعه بلا إذن المالك.
غير أن فقهاء المذاهب فصلوا في الأمر
كما يلي:
فذهب الحنفية إلى أن من غصب ساجة
(خشبة عظيمة تستعمل في أبواب الدور
وبنائها) فبنى عليها أو حولها، وكانت
قيمة البناء أكثر من قيمتها، زال ملك
مالكها عنها، ولزم الغاصب قيمتها،
لصيرورتها شيئا آخر، وفي القلع ضرر
ظاهر لصاحب البناء (الغاصب) من غير
فائدة تعود للمالك، وضرر المالك ينجبر
بالضمان، ولا ضرر في الإسلام، أما إذا
كانت قيمة الساجة أكثر من البناء، فلم
يزل ملك مالكها، لأنه ((يرتكب أخف
الضررين وأهون الشرين)».
(١) حديث: ((ليس لعرق ظالم حق ... )).
أخرجه الترمذي (٦٥٣/٣) من حديث سعيد بن زيد ،
وخرج الحديث ابن حجر في الفتح (١٩/٥) وقال عن
طرقه: في أسانيدها مقال، لكن يتقوى بعضها ببعض.
وعقب قاضي زادة على هذه التفرقة،
فقال: لافرق في المعنى بين أن تكون قيمة
البناء أكثر من قيمة الساحة وبين
العكس، لأن ضرر المالك مجبور بالقيمة ،
وضرر الغاصب ضرر محض، ولاريب أن
الضرر المجبور دون الضرر المحض، فلا
يرتكب الضرر الأعلى عند إمكان العمل
بالضرر الأدنى، فيعمل بقاعدة: ((الضرر
الأشد يزال بالأخف )» في مسألة الساجة،
أي أنه يعوض المالك، وتزول ملكيته عن
الساجة .
وأما مسألة الساحة فهي .. لو غصب
غاصب أرضا فغرس فيها، أو بنى فيها،
وكانت قيمة الأرض( الساحة) أكثر،
أجبر الغاصب على قلع الغرس، وهدم
البناء، ورد الأرض فارغة إلى صاحبها
كما كانت ، لأن الأرض لاتغصب حقيقة
عندهم، فيبقى فيها حق المالك كما كان،
والغاصب جعلها مشغولة، فيؤمر
بتفريغها، إذ ((ليس لعرق ظالم حق» كما
تقدم، فإن كانت قيمة البناء أكثر،
فللغاصب أن يضمن للمالك قيمة الأرض
ويأخذها.
وإذا كانت الأرض تنقص بقلع الغرس
منها أو هدم البناء ، فللمالك أن يضمن
للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعا
- ٢٤٠ -