Indexed OCR Text
Pages 1-20
وزارة الأوقاف والشئون الإسْلامية المُؤْسُوعَةَ الفِقْهِيَّة الجزء التاسع والعشرون طَلاق - عدديّات ٠ : ◌ِلَّهِ الرَّمِالرَّحِيمِ وَمَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّفِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوَّمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾. (سورة التوبة آية : ١٢٢) ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِى الدِّين)» (أخرجه البخاري ومسلم) المُرْسُوعَةِ الْفِقِيَة إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ج. م.ع حقوق الطبع محفوظة للوزارة ص. ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت طلاق ١ - ٢ طَلَاق التعريف : ١ - الطلاق فى اللغة: الحلُّ ورفع القيد، وهو اسم مصدره التطليق، ويستعمل استعمال المصدر، وأصله : طلقت المرأة تطلق فهى طالق بدون هاء، وروى بالهاء (طالقة) إذا بانت من زوجها، ويرادفه الإطلاق، يقال : طلّقت وأطلقت بمعنى سرّحت، وقيل : الطلاق للمرأة إذا طلقت، والإِطلاق لغيرها إذا سرّح، فيقال : طلّقت المرأة، وأطلقت الأسير، وقد اعتمد الفقهاء هذا الفرق، فقالُوا : بلفظ الطلاق يكون صريحا، وبلفظ الإطلاق يكون كناية . وجمع طالق طُلّق، وطالقة تجمع على طوالق، وإذا أكثر الزوج الطلاق كان مطلاقا ومطليقا، وطلقة (١). والطلاق فى عرف الفقهاء هو : رفع قيد النكاح فى الحال أو المآل بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه (٢). (١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب، والقاموس، والدر المختار ٢٢٦/٣ . (٢) الدر المختار ٢٢٦/٣ - ٢٢٧، وانظر الشرح الكبير ٣٤٧/٢، والمغنى ٢٩٦/٧، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣. والمراد بالنكاح هنا : النكاح الصحيح خاصة، فلو كان فاسدا لم يصح فيه الطلاق، ولكن يكون متاركة أو فسخا . والأصل فى الطلاق أنه ملك الزوج وحده، وقد يقوم به غيره بإنابته، كما فى الوكالة والتفويض، أو بدون إنابة، كالقاضى فى بعض الأحوال، قال الشربينى ((فى تعريف الطلاق نقلا عن التهذيب : تصرف مملوك للزوج يحدثه بلا سبب، فيقطع النكاح (١). الألفاظ ذات الصلة : الفسخ : ٢ - الفسخ فى اللغة: النقض والإِزالة (٢). وفى الاصطلاح : حل رابطة العقد (٣)، وبه تنهدم آثار العقد وأحكامه التى نشأت عنه . وبهذا يقارب الطلاق، إلا أنه يخالفه فى أن الفسخ نقض للعقد المنشىء لهذه الآثار، أما الطلاق فلا ينقض العقد، ولكن يُنهى آثاره فقط . (١) مغنى المحتاج ٢٧٩/٣ (٢) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والقاموس، والمغرب . (٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم فى هامش حاشية الحموى علیه ١٩٥/٢. - ٥ - طلاق ٣ - ٥ المتاركة : ٣ - المتاركة فى اللغة : الرحيل والمفارقة مطلقا، ثم استعملت للإسقاط فى المعانى، يقال : ترك حقه إذا أسقطه (١). وفى الاصطلاح : ترك الرجل المرأة المعقود عليها بعقد فاسد قبل الدخول أو بعده، والترك بعد الدخول لا يكون إلا بالقول عند أكثر الفقهاء، كقوله لها : خلّيت سبيلك، أو تركتك، وکذلك قبل الدخول فى الأصح. والمتارکة توافق الطلاق من وجه وتخالفه من وجه، توافقه فى حق إنهاء آثار النكاح، وفى أنها حق الرجل وحده، وتخالفه فى أنها لا تحسب عليه واحدة، وأنها تختص بالعقد الفاسد، والوطء بشبهة، أما الطلاق فمخصوص بالعقد الصحيح (٢). الخلع : ٤ - الخلع فى اللغة : النزع، وخالعت المرأة زوجها مخالعة واختلعت منه إذا افتدت منه وطلقها على الفدية، والمصدر الخَلعِ، والخُلع اسم (٣). وهو فى الاصطلاح : إزالة ملك النكاح (١) المصباح المنير، ومختار الصحاح . (٢) ابن عابدين على الدر المختار ١٣٤/٣. (٣) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب . بلفظ الخلع، أو ما فی معناه مقابل عوض تلتزم به الزوجة أو غيرها للزوج (١). وقد ذهب الحنفية فى المفتى به، والمالكية، والشافعية فى الجديد، والحنابلة فى رواية : إلى أن الخلع طلاق . وذهب الشافعى فى القديم ، والحنابلة فى أشهر ما يروى عن أحمد إلى أنه فسخ (٢). التفريق : ٥ - التفريق فى اللغة : مصدر فرّق، وفعله الثلاثى فرق، يقال : فرقت بين الحق والباطل، أى فصلت بينهما، وهو فى المعانى بالتخفيف، يقال : فرقت بين الكلامين، وبالتشديد فى الأعيان، يقال : فرّقت بين العبدين، قاله ابن الأعرابى والخطابى . وقال غيرهما : هما بمعنى واحد، والتشديد للمبالغة (٣). والتفريق فى اصطلاح الفقهاء : إنهاء العلاقة الزوجية بين الزوجين بحكم القاضى (١) الدر المختار ٨٦٠/٢، وبداية المجتهد ٧٢/٢، ومنح الجليل ١٨٢/٢، ومغنى المحتاج ٢٦٢/٢، والدسوقى على الشرح الكبير ٣٤٧/٢ . (٢) بدائع الصنائع ١٥٢/٣، والدسوقى ٣٥١/٢، وبداية المجتهد ٧٥/٢، والمغنى مع الشرح الكبير ١٨٠/٨ - ١٨١، والإقناع ٥٤/٣، ومغنى المحتاج ٢٦٨/٣، وروضة الطالبين ٣٧٥/٧ . (٣) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب. -٦- طلاق ٥ - ٨ بناء على طلب أحدهما لسبب، كالشقاق والضرر وعدم الإِنفاق .. أو بدون طلب من أحد حفظا لحق الشرع، كما إذا ارتد أحد الزوجين. وما يقع بتفريق القاضى : طلاق بائن فى أحوال، وفسخ فی أحوال أخرى، وهو طلاق رجعى فى بعض الأحوال (١). الإيلاء : ٦ - الإِيلاء فى اللغة الحلف، من آلى يؤلى إيلاء، يجمع على ألايا (٢). وفى الاصطلاح : حلف الزوج على ترك قرب زوجته مدة مخصوصة (٣) وقد حدد القرآن الكريم ذلك بأربعة أشهر فى قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِمْ تَرَبِّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾(٤) فإذا انقضت الأشهر الأربعة بغير قرب منه لها طلقت منه بطلقة بائنة عند الحنفية، واستحقت الطلاق منه عند المالكية والشافعية والحنابلة، حیث ترفعه الزوجة للقاضى ليخيِّره بين القرب والفراق، فإن قربها انحل الإِيلاء، وإن رفض فرّق القاضى بينهما بطلقة (٥) . (١) ابن عابدين ٣٩٦/٢، والزرقانى ٢٤٢/٥. (٢) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب. (٣) اللباب على القدورى ٢٤٠/٢، والسدر المختار ٢٤٥/٢ ط. أولى . (٤) الآية / ٢٢٦ / من سورة البقرة . (٥) المغنى ٤٩٨/٧، ومعنى المحتاج ٣٤٨/٣. اللِّمان : ٧ - اللّعن فى اللغة: الطرد والإبعاد من الخير، والمسبة، يقال : لعنه لعنا، ولاعنه ملاعنة، ولعانا، وتلاعنوا، إذا لعن بعضهم بعضا (١). وفى اصطلاح الفقهاء: عرّفه الكمال بن الهمام: بأنه اسم لما يجرى بين الزوجين من الشهادات بالألفاظ المعروفة (٢). وقد سمی باللعان لما فی قول الزوج فی الأيمان : إن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وذلك وفقا لقوله سبحانه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنَفْسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّسِه لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣). والتحريم بعد اللعان بين المتلاعنين يكون على التأبيد، أما الطلاق فليس بالضرورة کذلك الظِّهار : ٨ - الظهار قول الرجل لامرأته: ((أنت علىَّ (١) المصباح المنير، ومختار الصحاح . (٢) فتح القدير ٢٤٧/٣ . (٣) الآية / ٦ - ٧ من سورة النور . - ٧ - ..... طلاق ٨ - ٩ .. ..... كظهر أمى))، وكان عند العرب ضربا من الطلاق (١). وفى الاصطلاح : تشبيه المسلم زوجته أو جزءا شائعا منها بمحرم عليه على التأبيد (٢) كأمه وأخته، بخلاف زوجة الغير، فإن حرمتها مؤقتة، ويسمى الظهار بذلك لما غلب على المظاهرین من التشبيه بظهر المحرم، كقوله لزوجته : ((أنت علىّ کظهر أمی» وإن کان الظهار لیس مخصوصا بالتشبيه بالظهر . ولا تفريق بين الزوجين فى الظهار، ولكن يحرم به الوطء ودواعيه حتى يكفّر المظاهر، فإن كفّر حلّت له زوجته بالعقد الأول . الحكم التكليفى للطلاق : ٩ - اتفق الفقهاء على أصل مشروعية الطلاق، واستدلُوا على ذلك بأدلة، منها : ١ - قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤). (١) المغرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح . (٢) تنوير الأبصار للتمرتاشى فى هامش ابن عابدين ٥٧٦/٢ ط . أولى . (٣) الآية / ٢٢٩ من سورة البقرة . (٤) الآية / ١ من سورة الطلاق . ٣ - قول الرسول - وَله -: ((ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق)) (١). ٤ - حديث عمر أن رسول الله وَل طلَّق حفصة ثم راجعها (٢). ٥ -حديث ابن عمر، أنه طلق زوجته فی حيضها، فأمره النبى - رَال ـ ـ بارتجاعها ثم طلاقها بعد طهرها، إن شاء (٣). ٦ - إجماع المسلمين من زمن النبى - * - على مشروعيته - لكن الفقهاء اختلفوا فى الحكم الأصلى للطلاق : فذهب الجمهور إلى أن الأصل فى الطلاق الإِباحة، وقد يخرج عنها فى أحوال . وذهب آخرون إلى أن الأصل فیه الحظر، ويخرج عن الحظر فى أحوال . وعلى كلٍ فالفقهاء متفقون فى النهاية على أنه تعتريه الأحکام؛ فیکون مباحا أو مندوبا أو واجبا، (١) حديث: ((ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق)). أخرجه أبو داود (٢ / ٦٣١) من حدیث محارب بن دثار مرسلا، ثم ذكره (٢ / ٦٣١ -٦٣٢) من حديث ابن عمر موصولا بلفظ مقارب، ورجح غير واحد من العلماء إرساله كما فى التلخيص لابن حجر (٢٠٥/٣) . (٢) حديث عمر أن رسول اللّه وَله ((طلق حفصة ثم راجعها ... )) . أخرجه أبو داود (٧١٢/٢) والحاكم (١٩٧/٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (٣) حديث ابن عمر ((أنه طلق زوجته فى حيضها ... )) أخرجه البخارى فتح البارى (٣٤٥/٩) ومسلم (١٠٩٤/٢) . - ٨ - طلاق ٩ - ١٠ كما يكون مكروها أو حراما (١)، وذلك بحسب الظروف والأحوال التى ترافقه، بحسب ما يلى : - ١ - فيكون واجبا كالمُولى إذا أبى الفيئة إلى زوجته بعد التربَّصَ، على مذهب الجمهور، أما الحنفية: فإنهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدة حكما، وكطلاق الحَگمیْن فی الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بين الزوجين ورأيا الطلاق، عند من يقول بالتفريق لذلك . ٢ ۔ ویکون مندوبا إلیه إذا فرطت الزوجة فى حقوق الله الواجبة عليها - مثل الصلاة ونحوها ۔ وكذلك یندب الطلاق للزوج إذا طلبت زوجته ذلك للشقاق . ٣ ۔ ویکون مباحا عند الحاجة إليه لدفع سوء خلق المرأة وسوء عشرتها، أو لأنه لا يحبها . ٤ - ويكون مكروها إذا لم يكن ثمة مِنْ داع إليه مما تقدم، وقيل: هو حرام فى هذه الحال، لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه . ٥ - ويكون حراما وهو الطلاق فى الحيض، أو فى طهر جامعها فيه، وهو (١) الدر المختار ٢٢٧/٣ - ٢٢٨، وانظر المغنى ٢٩٦/٧، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣ . الطلاق البدعی، وسوف یأتی بيانه .. قال الدردير: واعلم أن الطلاق من حيث هو جائز، وقد تعتريه الأحكام الأربعة : من حرمة وكراهة، ووجوب وندب (١). حكمة تشريع الطلاق : ١٠ - لقد نبّه الإِسلام الرجال والنساء إلى حُسن اختيار الشريك والشريكة فى الزواج عند الخِطبة، فقال النبى - وَل ـ ـ («تخيّروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم)) (٢). وقال: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسی حسنهن أن يُردیهن، ولا تَزَوجوهنَّ لأموالهن فلعل أموالهن أن تطغیھن ولكن تزوجوهنَّ على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين، أفضل)) (٣) وقال: ((تنكح المرأة لأربع : لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين (١) الدر المختار ٢٢٧/٣ -٢٢٩، والشرح الكبير ٣٦١/٢، ومغنى المحتاج ٣٠٧/٣، والمغنى ٢٩٦/٧ - ٢٩٧. (٢) حديث: ((تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء ... )). أخرجه ابن ماجة (٦٣٣/١) من حديث عائشة، وأورده ابن حجر فى الفتح (١٢٥/٩) وأشار إلى أن فيه مقالا، ثم عزاہ إلی ابی نعیم من حدیث عمر، ثم قال: ويقوى أحد الإسنادین بالآخر . (٣) حديث: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن ... )). أخرجه ابن ماجة (٥٩٧/١) من حديث عبدالله بن عمرو، وفى إسناده راو ضعيف كما فى ترجمته فى الميزان للذهبى (٢/ ٥٦٢) . -٩- ٠٠ طلاق ١٠ تربت يداك)) (١) وقال للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأة : ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن یؤدم بینکما)) (٢). وقال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإنی مکاثر بكم الأمم)) (٣)، وقال لأولياء النساء : ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد)) (٤) . إلا أن ذلك کله۔ علی أهميته - قد لايضمن استمرار السعادة والاستقرار بين الزوجين، فربما قصّر أحد الزوجين فى الأخذ بما تقدم ، وربما أخذا به ، ولكن جدَّ فى حياة الزوجين الهانئين ما يثير بينهما القلاقل والشقاق، كمرض أحدهما أو عجزه ... وربما كان ذلك بسبب عناصر خارجة عن الزوجين أصلا، كالأهل والجیران وما إلى ذلك، وربما كان سبب (١) حديث: ((تنكح المرأة لأربع ... )). أخرجه البخارى فتح البارى (١٣٢/٩) ومسلم (١٠٨٦/٢) من حديث أبى هريرة . (٢) حديث: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» أخرجه الترمذى (٣٨٨/٣) وقال: حديث حسن . (٣) حديث: ((تزوجوا الودود الولود ... )). أورده الهیثمی فی مجمع الزوائد (٢۵٨/٤) من حديث أنس، وقال: رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط، وإسناده حسن . (٤) حديث: ((إذا جاءكم من ترضون دينه ... )). أخرجه الترمذى (٣٨٦/٣) من حديث أبى حاتم المزنى، وقال: حديث حسن غريب . ذلك انصراف القلب وتغيره، فيبدأ بنصح الزوجين وإرشادهما إلى الصبر والاحتمال، وبخاصة إذا كان التقصير من الزوجة، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ (١). · إلا أن مثل هذا الصبر قد لا يتيسر للزوجين أو لا يستطيعانه، فربما كانت أسباب الشقاق فوق الاحتمال، أو كانا فى حالة نفسية لاتساعدهما على الصبر، وفى هذه الحال: إما أن يأمر الشرع بالإِبقاء على الزوجية مع استمرار الشقاق الذى قد يتضاعف وينتج عنه فتنة، أو جريمة، أو تقصير فى حقوق الله تعالى، أو على الأقل تفويت الحكمة التى من أجلها شرع النكاح، وهى المودة والألفة والنسل الصالح، وإما أن يأذن بالطلاق والفراق، وهو ما اتجه إليه التشريع الإِسلامى، وبذلك علم أن الطلاق قد يتمحض طريقا لإنهاء الشقاق والخلاف بين الزوجين؛ ليستأنف الزوجان بعده حياتهما منفردين أو مرتبطين بروابط زوجية أخرى، حيث يجد كل منهما من يألفه ويحتمله، قال تعالى : ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ (١) الآية ١٩ من سورة النساء. - ١٠ - ٣" طلاق ١٠ - ١١ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (١)، ولهذا قال الفقهاء: بوجوب الطلاق فى أحوال، وبندبه فى أحوال أخرى - كما تقدم - على ما فيه من الضرر ، وذلك تقديما للضرر الأخف على الضرر الأشد، وفقا للقاعدة الفقهية الكلية ((يختار أهون الشرين)) (٢). والقاعدة الفقهية القائلة: ((الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)) (٣) ويستأنس فى ذلك بما ورد عن ابن عباس أن زوجة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبى - مَل# - فقالت له: ((يا رسول اللّه : ثابت بن قيس ما أعتب عليه فى خلق ولا دين، ولكننى أكره الكفر فى الإِسلام، قال رسول اللّه بَله: ((أتردين عليه حديقته؟)) قالت : نعم قال رسول الله وَ الر: ((اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)) (٤). من له حق الطلاق : ١١ - الطلاق: نوع من أنواع الْفَرْق وهو ملك للزوج وحده، ذلك أن الرجل يملك مفارقة زوجته إذا وجد مايدعوه إلى ذلك بعبارته وإرادته المنفردة، كما تملك الزوجة (١) الآية ١٣٠ من سورة النساء. (٢) المادة ٢٩ من مجلة الأحكام العدلية . (٣) المادة ٢٧ من مجلة الأحكام العدلية . (٤) حديث: ((أتردين عليه حديقته .. )). أخرجه البخارى فتح البارى (٣٩٥/٩). طلب إنهاء علاقتها الزوجية إذا وجد ما يبرر ذلك، كإعسار الزوج بالنفقة، وغيبة الزوج، وما إلى ذلك من أسباب اختلف الفقهاء فيها توسعة وتضييقا، ولكن ذلك لا يكون بعبارتها، وإنما بقضاء القاضى، إلا أن يُفَوِّضها الزوج بالطلاق، فإنها فى هذه الحال تملكه بقولها أيضا . فإذا اتفق الزوجان على الفراق، جاز ذلك، وهو يتم من غير حاجة إلى قضاء، وكذلك القاضى، فإنّ له التفريق بين الزوجين إذا قام من الأسباب ما يدعوه لذلك، حمایة لحق الله تعالی، کما فی ردة أحد الزوجين المسلمين - والعياذ بالله تعالى - أو إسلام أحد الزوجين المجوسيين وامتناع الآخر عن الإِسلام وغير ذلك .. إلا أن ذلك كله لا يسمى طلاقا سوى الأول الذى يكون بإرادة الزوج الخاصة وعبارته (١). والدليل على أن الطلاق هذا حق الزوج خاصة قول النبى - اجملخر -: ((إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» (٢). ثم إن الرجل المطلق لا يسأل عن سبب (١) ابن عابدين ٢٤٢/٣. (٢) حديث: ((إنما الطلاق لمن أخذ الساق)). أخرجه ابن ماجة (٦٧٢/١) من حديث ابن عباس، وضعف إسناده البوصيرى فى مصباح الزجاجة (٣٥٨/١) . - ١١ - طلاق ١١ - ١٢ الطلاق عند إقدامه علیه، وذلك لأسباب كثيرة منها : ١ - حفظ أسرار الأسرة . ٢ - حفظ كرامة الزوجة وسمعتها. ٣ - العجز عن إثبات الكثير من تلك الأسباب، لأن غالب أسباب الشقاق بين الزوجين تكون خفية يصعب إثباتها، فإذا کلفناه بذلك نكون قد کلفناه بما یعجز عنه أو يحرجه، وهو ممنوع فى الشريعة الإِسلامية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّيِنِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). ٤ - ثم إن فى إقدام الزوج على الطلاق وتحمله الأعباء المالية المترتبة عليه، من مهر مؤجل، ونفقة ومتعة - عند من يقول بوجوبها - وأجرة حضانة للأولاد .. لقرينة كافية على قيام أسباب مشروعة تدعوه للطلاق . ٥ - ولكون الطلاق مباحا أصلا عند الجمهور كما تقدم، إباحة مطلقة عن أى شرط أو قيد . محل الطلاق : ١٢ - اتفق الفقهاء على أن محل الطلاق الزوجة فى زوجية صحيحة، حصل فيها (١) الآية ٧٨ من سورة الحج . دخول أم لا، فلو كان الزواج باطلا أو فاسدا، فطلقها، لم تطلق، لأن الطلاق أثر من آثار الزواج الصحيح خاصة (١). وهل يعد لفظ الطلاق فى النكاح الفاسد متارکة ؟ والجواب : نعم، لکن لا ینقص به العدد، لأنه ليس طلاقا، قال ابن عابدين : طلق المنكوحة فاسدا ثلاثا، له تزوجها بلا محلل .. لكون الطلاق لا يتحقق فى الفاسد، ولذا كان غير منقص للعدد، بل متاركة (٢). ومن باب أولى أن الطلاق لا يقع بعد الوطء بشبهة، لانعدام الزوجية أصلا . وذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة - إلى وقوع الطلاق على المعتدة من طلاق رجعى، حتى لو قال الرجل لزوجته المدخول بها : أنت طالق، ثم قال لها فى عدتها : أنت طالق، ثانية، كانتا طلقتين، ما لم يرد تأکید الأولى، فإن أراد تأکید الأولى لم تقع الثانية، ما لم تكن قرائن الحال تمنع صحة إرادة التأكيد، وذلك لأن الطلاق الرجعى لا يُنهى العلاقة بين الزوجين قبل انقضاء العدة، بدلالة جواز رجوعه إليها فى (١) ابن عابدين ١٣٤/٣، والشرح الكبير ٣٧٠/٢. (٢) ابن عابدين ١٣٤/٣. - ١٢ - طلاق ١٢ - ١٣ العدة بالعقد الأول دون عقد جديد (١). أما المطلقة بائنا والمفسوخ زواجها إذا طلقها فى عدتها، فقد اختلفوا فيها : فذهب الجمهور إلى عدم وقوع الطلاق على المعتدة من طلاق بائن سواء أكانت البينونة صغری أم كبرى، وكذلك المفسوخ زواجها، وذلك لانقضاء النكاح بالبينونة والفسخ (٢). وذهب الحنفية إلى أن المبانة بينونة صغری فی عدتها زوجة من وجه بدلالة جواز عودها إلى زوجها بعقد جديد أثناء العدة، ولا يجوز زواجها من غيره قبل انقضاء العدة، ولهذا فإنها محل لصحة الطلاق عندهم، وعلى هذا فلو طلق رجل زوجته المدخول بها بائنا مرة واحدة، ثم طلقها أخرى فى عدتها كانتا اثنتين، هذا ما لم يقصد تأكيد الأولى، فإن قصد تأكيد الأولى لم تقع الثانية كما تقدم فى المعتدة من طلاق رجعى . وأما المفسوخ زواجها فلم ير الحنفية وقوع الطلاق فى عدتها إذا كان سبب (١) ابن عابدين ٢٣٠/٣، والدسوقى ٣٧٨/٢، ومغنى المحتاج ٢٩٣/٣، والإنصاف ١٥٢/٩ والمغنى ٢٩٢/٧، وكشاف القناع ٤٢٨/٥. (٢) مغنى المحتاج ٢٩٢/٣، ٢٩٧، والمغنى ٢٦١/٧ - ٢٦٢، والشرح الكبير ٣٥٦/٢ . الفسخ حرمة مؤبدة، کتقبيلها ابن زوجها بشهوة، فإن كانت الحرمة غير مؤبدة كانت محلا للطلاق فى أحوال، وغیر محل له فی أحوال أخری، ذكر ذلك ابن عابدين فقال : ومحله المنكوحة ، أى ولو معتدة عن طلاق رجعی أو بائن غیر ثلاث فی حرة وثنتین فی أمة، أو عن فسخ بتفريق لإِباء أحدهما عن الإِسلام أو بارتداد أحدهما .. بخلاف عدة الفسخ بحرمة مؤبدة كتقبيل ابن الزوج، أو غير مؤبدة، كالفسخ بخيار عتق، وبلوغ، وعدم كفاءة، ونقصان مهر، وسبى أحدهما، ومهاجرته، فلا يقع الطلاق فيها كما حرره فى البحر عن الفتح (١). ركن الطلاق : ١٣ - ركن سائر التصرفات الشرعية القولية عند الحنفية : الصيغة التى يعبر بها عنه . أما جمهور الفقهاء : فإنهم يتوسعون فى معنى الركن، ويدخلون فيه ما يسميه الحنفية أطراف التصرف. والطلاق بالاتفاق من التصرفات الشرعية القولية، فركن الطلاق فى مذهب الحنفية هو: الصيغة التى يعبر بها عنه . وعند المالكية : للطلاق أربعة أركان، هى : أهل، وقصد، ومحل، ولفظ . (١) ابن عابدين ٢٣٠/٣، ٣١٢، ٣١٤. - ١٣ - طلاق ١٣ - ١٦ ٠٠٠٠٠٠٠. وعند الشافعية : أركان خمسة : مطلِّق، وصیغة ، ومحل، وولاية، وقصد . والأصل فى الصيغة التى يعبر بها عن الطلاق الكلام، وقد ينوب عنه الكتابة أو الإِشارة، ولا ينعقد الطلاق بغير ذلك، فلو نوى الطلاق دون لفظ أو كتابة أو إشارة لم يكن مطلِّقا، وكذلك إذا أمر زوجته بحلق شعرها بقصد الطلاق، لا يكون مطلِّقا أيضا (١) شروط الطلاق : ١٤ - يشترط لصحة الطلاق لدى الفقهاء شروط موزعة على أطراف الطلاق الثلاثة، فبعضها يتعلق بالمُطلِّق، وبعضها بالمطَلّقة، وبعضها بالصيغة، وذلك على الوجه التالى : الشروط المتعلقة بالمطْلِّق : يشترط فى المطلق ليقع طلاقه على زوجته صحيحا شروط، هى : الشرط الأول ۔ أن یکون زوجا : ١٥ - والزوج : هو من بينه وبين المطلقة عقد زواج صحيح . (١) ابن عابدين ٢٣٠/٣، والدسوقى ٣٦٥/٢، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣ . الشرط الثانى - البلوغ: ١٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق الصغير ممَيِّزاً أو غير ممَيِّز، مراهقا أو غير مراهق، أُذن له بذلك أم لا، أُجيز بعد ذلك من الولی أم لا، علی سواء، ذلك لأن الطلاق ضرر محض، فلا يملكه الصغیر ولا يملكه وليه (١)، ولقول النبى - وَلـ ـ «رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) (٢) . وخالف الحنابلة فى الصبى الذى يعقل الطلاق، فقالوا : إن طلاقه واقع على أكثر الروايات عن أحمد. أما من لا يعقل فوافقوا الجمهور فی أنه لا يقع طلاقه. قال فی المغنى : وأما الصبى الذى لا يعقل فلا خلاف فى أنه لا طلاق له، وأما الذى يعقل الطلاق، ويعلم أن زوجته تبین منه به وتحرم عليه : فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع، اختارها أبو بكر والخرقى وابن حامد .. وروى أبو طالب عن أحمد : لا يجوز طلاقه حتى يحتلم، وهو قول (١) الدر المختار ٢٣٠/٣، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣، والشرح الكبير ٣٦٥/٢ . (٢) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )). أخرجه أحمد (١٠٠/٦ - ١٠١) والحاكم (٥٩/٢) من حديث عائشة، وصححه. ووافقه الذهبي . - ١٤ - طلاق ١٦ - ١٧ النخعى، والزهرى .. وروى أبو الحارث عن أحمد : إذا عقل الطلاق جاز طلاقه ما بین عشر إلی اثنتی عشرة، وهذا يدل على أنه لا يقع لدون العشر، وهو اختيار أبى بكر، لأن العشر حد الضرب على الصلاة والصيام وصحة الوصية، فكذلك هذا، وعن : إذا أحصى الصلاة سعيد بن المسيب وصام رمضان جاز طلاقه، وقال عطاء : إذا بلغ أن يصيب النساء، وعن الحسن : إذا عقل وحفظ الصلاة وصام رمضان، وقال إسحاق: إذا جاوز اثنتى عشرة (١). الشرط الثالث - العقل : ١٧ - ذهب الفقهاء (٢) إلى عدم صحة طلاق المجنون (٣) والمعتوه (٤) لفقدان أهلية الأداء فى الأول، ونقصانها فى (١) المغنى ٣١٢/٧ - ٣١٥. (٢) الدر المختار ٢٣٠/٣ و٢٤٣ و٢٣٥، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣، والمغنى ٣١١/٧، والشرح الكبير ٣٦٥/٢. (٣) عرف ابن عابدين الجنون نقلا عن التلويح فقال: قال فى التلويح: الجنون اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة، المدركة للعواقب، بأن لاتظهر آثارها وتتعطل أفعالها، إما لنقصان .. جبل عليه دماغه فى أصل الخلقة، وإما لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه بحيث يفرح ويفزع من غير مايصلح سببا (ابن عابدين ٢٤٣/٣) . (٤) عرف ابن عابدين المعتوه بقوله: هو القليل الفهم، المختلط الكلام، الفاسد التدبير، لكن لايضرب ولا يشتم بخلاف المجنون (ابن عابدين ٢٤٣/٣) . الثانى، فألحقوهما بالصغير غير البالغ، فلم يقع طلاقهما لما تقدم من الأدلة . وهذا فى الجنون الدائم المطبق، أما الجنون المتقطع (١)، فإن حكم طلاق المبتلى به منوط بحاله عند الطلاق، فإن طلق وهو مجنون لم يقع، وإن طلق فى إفاقته وقع لكمال أهليته . وقد ألحق الفقهاء بالمجنون النائم (٢)، والمغمى عليه (٣)، والمبرسم (٤)، والمدهوش (٥)، وذلك لانعدام أهلية الأداء لديهم ولحديث النبى - وَّل ـ ـ ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) (٦) وحديث : ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) (٧). (١) الجنون المتقطع هو الذى يغيب فترة عن صاحبه ثم يعود إليه، سواء كان ذلك بنظام أولا . (٢) النوم حالة طبيعية معروفة تغيب فيها القوى الواعية فى الإنسان لفترة محدودة . (٣) الإغماء هو غياب القوى الواعية فى الإِنسان لفترة مؤقتة بسبب آفة لحقت به، فهو کالنوم فی مدته، وکالجنون فی كونه آفة (ابن عابدين ٢٤٣/٣) . (٤) مبرسم كما قال ابن عابدين من البرسام، ونقل عن البحر أنه: ورم حار يعرض للحجاب الذى بين الكبد والأمعاء ثم يتصل بالدماغ . (ابن عابدين ٢٤٣/٣). (٥) المدهوش هو من غلب الخلل فى أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته بسبب غضب اعتراه . (ابن عابدين ٢٤٤/٣) . (٦) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )). سبق تخريجه فقرة ١٦ . (٧) حديث: ((لاطلاق ولاعتاق في إغلاق)). أخرجه أحمد (٢٧٦/٦) والحاكم (١٩٨/٢) من حديث= - ١٥ - طلاق ١٨ - ١٩ ١٨ - وأما السكران، فإن كان غير متعدٍّ بسكره، كما إذا سكر مضطرا، أو مكرها أو بقصد العلاج الضرورى إذا تعين بقول طبیب مسلم ثقة، أو لم يعلم أنه مسكر، لم يقع طلاقه بالاتفاق، لفقدان العقل لديه کالمجنون دون تعد، هذا إذا غاب عقله أو اختلت تصرفاته، وإلا وقع طلاقه . وإن كان متعدیا بسكره، كان شرب الخمرة طائعا بدون حاجة، وقع طلاقه عند الجمهور رغم غياب عقله بالسكر، وذلك عقابا له، وهو مذهب سعيد، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبى، والنخعى، وغيرهم . وذكر الحنابلة عن أحمد روايتين : الأولى : بوقوع طلاقه کالجمهور، اختارها أبو بكر الخلال والقاضى. والثانية : بعدم وقوع طلاقه، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وهو قول عند الحنفية أيضا اختاره الطحاوى والکرخی ، وقول عند الشافعية، وقد روی ذلك عن عثمان - رضی الله تعالی عنه - وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، وغيرهم . وقد استدل لمذهب الجمهور بأن = عائشة، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبى بإعلاله لضعف أحد رواته . الصحابة جعلوا السكران كالصاحى فى الحد بالقذف . كما استدل لعدم وقوع طلاقه بأنه فاقد العقل کالمجنون والنائم، وبأنه لا فرق بين زوال العقل بمعصية أو غيرها، بدليل أن من كَسَرَ ساقيه جاز له أن يصلى قاعدا، وأنّ امرأة لو ضربت بطن نفسها فنفست، سقطت عنها الصلاة (١). الشرط الرابع - القصد والاختيار : ١٩ - المراد به هنا : قصد اللفظ الموجب للطلاق من غير إجبار . وقد اتفق الفقهاء على صحة طلاق الهازل، وهو: من قصد اللفظ، ولم يرد به ما يدل عليه حقيقة أو مجازا، وذلك لحديث النبی -ڑ ۔ : «ثلاث چدهن چِدّ، وهزلهن جِدّ : النكاح والطلاق والرجعة)) (٢) ولأن الطلاق ذو خطر كبير باعتبار أن محله المرأة، وهى إنسان، والإِنسان أكرم مخلوقات الله تعالى، فلا ينبغى أن يجرى (١) رد المحتار ٢٣٩/٣ - ٢٤٠، حاشية الدسوقى ٣٦٥/٢، مغنى المحتاج ٢٧٩/٣، المغنى ١١٤/٧ - ١١٥ ط . دار المنار . (٢) حديث: ((ثلاث جدهن جد ... )) أخرجه الترمذى (٤٨١/٣) من حديث أبى هريرة، ونقل الزيلعى فى نصب الراية (٢٩٢/٣) عن ابن القطان تعلیله له بجهالة أحد رواته . -١٦ - طلاق ١٩ - ٢١ فى أمره الهزل، ولأن الهازل قاصد للفظ الذى ربط الشارع به وقوع الطلاق، فيقع الطلاق بوجوده مطلقا . أما المخطىء، والمكره، والغضبان، والسفيه، والمريض، فقد اختلف الفقهاء فى صحة طلاقهم على التفصيل التالى . أ - المخطىء : ٢٠ - المخطىء هنا : من لم يقصد التلفظ بالطلاق أصلا، وإنما قصد لفظاً آخر، فسبق لسانه إلى الطلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته : ياجميلة، فإذا به يقول لها خطأ : ياطالق وهو غير الهازل، لأن الهازل قاصد للفظ الطلاق، إلا أنه غير قاصد للفرقة به . وقد اختلف الفقهاء فى حكم طلاق المخطىء . فذهب الجمهور (١) إلى عدم وقوع طلاقه قضاء وديانة، هذا إذا ثبت خطؤه بقرائن الأحوال، فإذا لم يثبت خطؤه وقع الطلاق قضاء، ولم يقع ديانة، وذلك لحديث النبى - وَّل ـ: ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢) (١) الدر المختار (٢٣٠/٣) ومغنى المحتاج (٢٨٧/٣) والشرح الكبير (٣٦٦/٢). (٢) حديث: ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان ... )) = ولا يقاس حاله على الهازل، لأن الهازل ثبت وقوع طلاقه على خلاف القياس بالحدیث الشریف المتقدم، وما کان کذلك فلا يقاس غيره عليه . وذهب الحنفية إلى أن طلاق المخطىء واقع قضاء، ثبت خطؤه أم لا، ولا يقع ديانة، وذلك لخطورة محل الطلاق، وهو المرأة، ولأن فى عدم إيقاع طلاقه فتح باب الادعاء بذلك بغير حق للتخلص من وقوع الطلاق وهو خطير، وذريعة يجب سدها . ب - المكره : ٢١ - الإِكراه هنا معناه : حمل الزوج على الطلاق بأداة مرهبة . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المكره إذا كان الإِكراه شديدا، كالقتل، والقطع، والضرب المبرح، وما إلى ذلك، وذلك لحديث النبى وَطار: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) (١) وللحديث المتقدم : ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢) ولأنه منعدم الإِرادة = أخرجه ابن ماجة (٦٥٩/١) والحاكم (١٩٨/٢) من حديث ابن عباس واللفظ لابن ماجة، وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي . (١) حديث: ((لاطلاق ولا عتاق ... )) تقدم تخريجه ف ١٧ . (٢) حديث: ((إن الله وضع عن أمتى ... )) تقدم تخريجه ف ٢٠ . - ١٧ - طلاق ٢١ - ٢٢ والقصد، فكان كالمجنون والنائم، فإذا كان الإِکراه ضعيفا، أو ثبت عدم تأثر المكره به، وقع طلاقه لوجود الاختيار. وذهب الحنفية إلى وقوع طلاق المكره مطلقا، لأنه مختار له بدفع غيره عنه به، فوقع الطلاق لوجود الاختيار . وهذا كله فى الإكراه بغير حق، فلو أکره على الطلاق بحق، كالمولى إذا انقضت مدة الإِيلاء بدون فىء فأجبره القاضى على الطلاق فطلّق، فإنه يقع بالإجماع (١) ج - الغضبان : ٢٢ - الغضب : حالة من الاضطراب العصبى، وعدم التوازن الفكرى، تحل بالإِنسان إذا عدا عليه أحد بالكلام أو غيره . والغضب لا أثر له فى صحة تصرفات الإِنسان القولية، ومنها الطلاق، إلا أن يصل الغضب إلى درجة الدهش، فإن وصل إليها لم يقع طلاقه، لأنه يصبح کالمغمى عليه. والمدهوش هو : من غلب الخلل فى أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته بسبب غضب اعتراه . وقسم ابن القيم الغضب أقساما ثلاثة نقلها عنه ابن عابدين وعلق عليها فقال : (١) الدر المختار ٢٣٠/٣، ومغنى المحتاج ٢٨٩/٣، والدسوقى ٣٦٧/٢ والمغنى ١١٨/٧. طلاق الغضبان ثلاثة أقسام : أحدها : أن يحصل له مبادىء الغضب بحيث لا يتغير عقله، ويعلم ما يقول ويقصده، وهذا لا إشكال فيه . الثانى : أن يبلغ النهاية، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا ريب أنه لا ينفذ شىء من أقواله . الثالث : من توسط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون، فهذا محل النظر والأدلة تدل على عدم نفوذ أقواله . ثم قال ابن عابدين : والذى يظهر لى أن كلا من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول، بل يكتفى فیه بغلبة الهذيان واختلاط الجد بالهزل كما هو المفتى به فى السكران .. ثم قال : فالذى ينبغى التعويل عليه فى المدهوش ونحوه : إناطة الحكم بغلبة الخلل فى أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، فما دام فى حال غلبة الخلل فى الأقوال والأفعال لا تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإِرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبى العاقل (١). (١) رد المحتار على الدر المختار ٢٤٣/٣، والدسوقى ٣٦٦/٢، وكشاف القناع ٢٣٥/٥، وحاشية الجمل ٤ / ٣٢٤، وإغاثة اللهفان فى طلاق الغضبان لابن القيم ص ٣٨ ومابعدها . - ١٨ - . طلاق ٢٣ - ٢٥ د - السفيه : ٢٣ - السفه: خفة فى العقل تدعو إلى التصرف بالمال على غير وفق العقل والشرع (١). وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع طلاق السفيه، لأنه مكلف مالك لمحل الطلاق، ولأن السفه موجب للحجر فی المال خاصة، وهذا تصرف فى النفس، وهو غير متهم فى حق نفسه، فإن نشأ عن طلاق السفيه آثار مالية كالمهر فهى تبع لا أصل . وخالف عطاء، وقال بعدم وقوع طلاق السفيه (٢). هـ - المريض : ٢٤ - المرض إذا أطلق فى عرف الفقهاء انصرف إلى مرض الموت غالبا، إلا أن ينص فيه على غيره . وقد اتفق الفقهاء على صحة طلاق المريض مطلقا، سواء أكان مرض موت أم مرضا عاديا، مادام لا أثر له فى القوى العقلية، فإن أثّر فيها دخل فى باب الجنون والعَتَه وغير ذلك مما تقدم . إلا أن المريض مرض موت بخاصة إذا (١) الموسوعة الفقهية جـ ٢٥ مصطلح (سفه). (٢) الدر المختار ٢٣٨/٣، والمغنى ٣١٥/٧، ومغنى المحتاج ٢٧٩/٣، والدسوقى ٣٦٥/٢. طلق زوجته المدخول بها فى مرضه بغير طلب منها أو رضًا طلاقا بائنا، ثم مات وهى فى عدتها من طلاقه هذا، فإنه يعد فَارًّاً من إرثها حكما، وترث منه رغم وقوع الطلاق عليها عند جمهور الفقهاء . وقيد الحنفية ذلك بما إذا لم تطلب الطلاق البائن، فإذا طلبت هذا الطلاق فلا ترث . وخالف الشافعية؛ وقالوا بعدم إرث البائنة، أما المعتدة من طلاق رجعى فترث بالاتفاق . أما المريض بغير مرض الموت، وكذلك غير المريض فلا يتأتى فى طلاقهما الفرار من الإرث (١) . الشروط المتعلقة بالمطلقة : يشترط فى المطلقة ليقع الطلاق عليها شروط، هى: الشرط الأول: قيام الزوجية حقيقة أو حكما : ٢٥ - وذلك بأن تكون المطلقة زوجة للمطلّق، أو معتدة من طلاقه الرجعى، فإذا کانت معتدة من طلاق بائن أو فسخ، فقد (١) ابن عابدين ٥٢١/٢، ٥٢٢، ٥٢٣، والدسوقى ٣٥٢/٢ - ٣٥٣، وحاشية الجمل ٣٣٦/٤، ومغنى المحتاج ٢٩٤/٣، والمغنى ٣٢٩/٦ - ٣٣٤. - ١٩ - طلاق ٢٥ - ٢٦ تقدم الاختلاف فيه عند الكلام على محل الطلاق . هذا فى الطلاق المنجز، فإذا علق طلاقها بشرط، كأن قال: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، فإن كانت عند التعليق زوجة صح الطلاق، وإن كانت معتدة عند التعليق ففيه الخلاف المتقدم فى الطلاق المنجّز. فإن كانت عند التعليق أجنبية ثم تزوجها، ثم حصل الشرط المعلق عليه، فإن أضاف التعليق إلی النكاح۔۔ کان قال للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها - طلقت عند الحنفية والمالكية خلافا للشافعية . وإن أضافه إلى غير النكاح، بأن قال للأجنبية: إن دخلت دار فلان فانت طالق، ثم تزوجها، ثم دخلت، لم تطلق بالاتفاق . وكذلك إن دخلت الدار قبل الزواج، فإنها لا تطلق من باب أولى . فإذا علق طلاق الأجنبية على غير النكاح، ونوى فيه النكاح، مثل أن يقول لها: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار المحلوف علیھا، طلقت عند المالكية للنية، ولم تطلق عند الجمهور لعدم الإضافة للنكاح لفظا (١). (١) الدر المختار ٣٤٤/٣ - ٣٤٥، ومغنى المحتاج ٢٩٢/٣، والشرح الكبير ٣٧٠/٢ . الشرط الثانى : تعيين المطلقة بالإِشارة أو بالصفة أو بالنيّة . ٢٦ - اتفق الفقهاء على اشتراط تعيين المطلقة، وطرق التعيين ثلاثة: الإِشارة، والوصف، والنّيَّة، فأيها قدم جاز، فإذا تعارض الثلاثة ففيه التفصيل التالى : اتفق الفقهاء على أنه إذا عيّن المطلقة بالإشارة والصفة والنّة وقع الطلاق على المعينة، كأن قال لزوجته التى اسمها عمرة مشيرًا إليها: ياعمرة، أنت طالق، قاصدا طلاقها، فإنها تطلق بالاتفاق، لتمام التعيين بذلك . فإن أشار إلى واحدة من نسائه المتعددات دون أن يصفها بوصف ، ولم ينو غيرها، وقال لها: أنت طالق، وقع الطلاق عليها بالاتفاق أيضا، لأن الإِشارة كافية للتعيين، وکذلك إذا وصفها بوصفها دون إشارة ودون قصد غيرها، فإنها تطلق أيضا، کما إذا قال: سلمی طالق. فإن نوی واحدة من نسائه، ولم يشر إليها ولم يصفها ، كما إذا قال: إحدی نسائی طالق، ونوى واحدة منهن، فإنها تطلق دون غيرها، وكذلك لو قال: امرأتى طالق، وليس له غير زوجة واحدة، فإنها تطلق . فإن أشار إلى واحدة من نسائه، - ٢٠ -