Indexed OCR Text
Pages 121-140
صيد ١٨ ٠ وحشى أو ظبى ؟ فإنه يؤكل . وكذا إن تعدد مصيده ونوى الجميع . وإن لم ینو الجمیع فما نواه یؤکل إن صاده أولاً قبل غيره، فإن صاد غير المنوى قبل المنوى لم يؤكل واحد منهما إلا بذكاة، أما المنوى فلتشاغله ابتداء بغير المنوى عنه، وأما غير المنوي فلعدم نية اصطياده (١). فإن لم یکن له نية فی واحد، ولا فى الجميع، لم يؤكل شىء، كما نقله الصاوى عن الأجهوری (٢). ولایؤکل المصید إن تردد - بأن ظن أو شك أو توهم - فی حرمته، کخنزير فإذا هو حلال كظبي، لعدم الجزم بالنية (٣). ونقل الصاوی عن جد الأجهوری أنه لو نوی واحدا بعينه لم يؤكل إلا هو إن عُرف، وإن نوی واحدا لابعینه لم یؤکل إلا الأول، ولو شك فى أوّلِيَّته لم يؤكل شىء (٤) . وقال الشافعية: لو أرسل سهما مثلا لاختبار قدرته، أو إلی غرض، فاعترضه صید فقتله حرم فى الأصح المنصوص، لأنه لم يقصد صيدا معينا (٥) وفى القول الثانى عندهم: لايحرم، نظرا (١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوى ١٦٤/٢. (٢) حاشية الصاوى على الشرح الصغير ١٦٤/٢ . (٣) الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوى ١٦٥/٢. (٤) حاشية الصاوى بذيل الشرح الصغير ١٦٤/٢. (٥) مغنى المحتاج ٢٧٧/٤ . إلی قصد الفعل، دون مورده (١). وإذا أرسله على مالايؤكل، كخنزير، فأصاب صيدا، فإنه لا يؤكل على الأصح كذلك، وكذا لو أرسل الکلب حیث لا صيد، فاعترضه صيد، فقتله لم يحل، وذلك لعدم قصد الا صطياد حين الإِرسال . أما إذا رمی صیدا ظنه حجرا، أو حيوانا لا یؤکل، فأصاب صیدا حل، وکذا إذا رمی سرب ظباء، ونحوها من الوحوش، فأصاب واحدة من ذلك السرب حلت، أما فى الأولى؛ فلأنه قتله بفعله، ولا اعتبار بظنه، وأما فى الثانية؛ فلأنه قصد السرب، وهذه الواحدة منه . وإن قصد واحدة من السرب، فأصاب غيرها منه حلت فى الأصح المنصوص، سواء أكان هذا الغير على سمت الأولى أم لا، لوجود قصد الصيد . ومقابل الأصح: المنع، نظرا إلى أنها غير المقصودة . ولو قصد، وأخطأ فى الظن والإِصابة معا، کمن رمی صیدا ظنه حجرا، أو خنزيرا ظنه صيدا فأصاب صيدًا غيره حرم ، لأنه قصد محرما، فلا يستفيد الحل (٢). (١) نفس المرجع. (٢) مغنى المحتاج ٢٧٧/٤، وشرح المحلى على المنهاج مع حاشیتی القليوبى وعميرة ٢٤٦/٤. -١٢١ - صَيْد ١٨ - ٢٠ ... وقال الحنابلة: إن أرسل کلبه أو سهمه إلی هدف فقتل صیدا، أو أرسله یرید الصيد ولا یری صيدا، أو قصد إنسانا أو حجرا، أو رمی عبثا غیر قاصدصیدا، أو رمی حجرا يظنه صيدا، أو شك فيه أو غلب على ظنه أنه لیس بصید، أو ظنه آدمیا أو بهيمة فأصاب صيدا لم يحلّ فى جميع هذه الصور، لأن قصد الصيد شرط، ولم يوجد . ولو رمی صیدا فأصاب غيره، أو رمی صيدا فقتل جماعة حلّ الجميع، لأنه أرسله علی صید فحل ماصاده . وكذا إذا أرسل سهمه على صید فأعانته الريح فقتله، ولولاها ماوصل السهم حلّ، لأنه قتله بسهمه ورمیه، أشبه مالو وقع سهمه على حجر فرده على الصيد فقتله . ولأن الإِرسال له حكم الحل، والريح لايمكن الاحتراز عنها، فسقط اعتبارها . والجارح بمنزلة السهم، فلو أرسله على صید فأصاب غيره، أو علی صید فصاد عددا حلّ الجميع (١). ١٩ - الشرط الثامن: أن يكون الصائد بصيرا، وهذا الشرط ذكره الشافعية، حیث نصوا على أنه يحرم صيد الأعمى برمی سهم (١) كشاف القناع عن متن الإقناع ٢٢٤/٦، ٢٢٥، والمغني لابن قدامة ٥٤٥/٨. أو إرسال كلب وغيره من الجوارح في الأصح، لعدم صحة قصده، فأشبه استرسال الكلب بنفسه . ومقابل الأصح: يحل صيده، كذبحه (١). قال الرملى: ومحل الخلاف ما إذا دلّه بصير على الصيد فأرسل، أما إذا لم يدله أحد فلا يحل قطعا، نعم لو أحس البصير بصيد فى ظلمة، أومن وراء شجرة أو نحوهما فرماه حل بالإجماع، فكأن وجهه أن هذا مبصر بالقوة، فلا یعد عرفا رمیه عبثا (٢) ثانیا: مايشترط فى المصید: يشترط فى المصيد الشروط التالية : ٢٠ - الشرط الأول: يشترط فى المصيد أن يكون حيوانا مأكول اللحم أى جائز الأكل، وهذا عند جميع الفقهاء إذا كان الصيد لأجل الأكل . أما مطلق الصيد فاختلفوا فيه : فذهب الحنفية والمالكية إلى عدم اشتراط أن يكون الصيد مأكول اللحم، بل يجوز .. عندهم صيد مايؤكل لحمه ومالا يؤكل لحمه (١) مغني المحتاج للشربينى الخطيب ٢٦٧/٤، وحاشية البجيرمى على المنهج ٢٨٧/٤، ٢٨٨. (٢) نهاية المحتاج ١٠٧/٨، وانظر مطالب أولى النهى ٢٤٢/٦. - ١٢٢ - صيد ٢٠ - ٢١ لمنفعة جلده أو شعره أو ریشه، أو لدفع شره، وكل مشروع (١) . ويقول الآبى الأزهرى من المالكية : الاصطياد المتعلق بنحو خنزيرمن كل محرم يجوز بنية قتله، ولا يعد من العبث، وأما بنية الفرجة عليه فلا يجوز . كما يجوز ذكاة مالا يؤكل لحمه من الحيوان کخیل وبغل وحمار إن أيس منه (٢). أما الشافعية والحنابلة فلا یجیزون صید أو ذكاة غير مأكول اللحم، ولهذا ذكروا فى تعريفهم الصيد بمعنى المصید: بأنه حيوان مقتنص حلال متوحش طبعا غير مملوك ولا مقدور عليه (٣) . وأجاز المالكية ذبح غير مأكول اللحم للإراحة لا للتطهير . ولم يجز الشافعية، قتل أو ذبح غير مأکول اللحم حتى للإِراحة، فصيده يعتبر ميتة عندهم (٤) . ٢١ - الشرط الثانى: أن یکون المصید حيوانا متوحشا ممتنعا عن الآدمى بقوائمه أو (١) الدر المختار بهامش رد المحتار ٣٠٥/٥. (٢) جواهر الإكليل ٢١٣/١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقى علیه ١٠٨/٢. (٣) انظر البجيرمى على الخطيب ٢٤٨/٤، وحاشية الباجوري على ابن قاسم ٢٩٢/٢. (٤) الشرح الصغير ١٩/١، ٣٢١. والبجيرمى على الخطيب ٢٤٨/٤، بجناحيه، والمراد بالتوحش: التوحش بأصل الخلقة والطبيعة، أى: لا يمكن أخذه إلا بحيلة فخرج بالممتنع: مثل الدجاج والبط، لأنهما لايقدران على الفرار من جهتهما، وبالمتوحش: مثل الحمام، وبقوله طبعا: مايتوحش من الأهليات، فإنها لاتحل بالاصطياد وتحل بذكاة الضرورة بشروطها . ودخل فيه مثل الظبى، لأنه حيوان منوحش فى أصل الطبيعة، لا يمكن أخذه إلا بحيلة، وإن ألف بعد الاصطياد (١). وكون المصيد حيوانا متوحشا ممتنعا بالطبع محل اتفاق بين الفقهاء فى الجملة، وإن كانوا مختلفين في بعض الفروع، منها: أ - إذا ندّ بعير أو شرد بقر أو غنم، بحيث لا يقدر صاحبه على ذكاته في الحلق واللبة، ألحق بالصيد (أي الحيوان المتوحش الممتنع) وكذلك ماوقع منها في قلیب أو بئر فلم يقدر على إخراجه ولا تذکیته، وكذا ماصال على صاحبه فلم يتمكن من ذبحه، كل ذلك حكمه حكم الصيد يحل بالعقر والجرح بسهم أونحوه مما يسيل به دمه فى أى موضع قدر عليه، وهذا عند جمهور الفقهاء: (الحنفية والشافعية، والحنابلة) وروى ذلك (١) ابن عابدين ٢٩٧/٥ . - ١٢٣ - صَيْد ٢١ عن علی وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وعائشة - رضى الله عنهم -، وبه قال مسروق والأسود والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق والشعبي والحكم وحماد والثورى (١)، واستدلوا بما روى رافع بن خديج - رضى الله عنه - قال: كنا مع النبي ص 108 بذى الحليفة فأصاب الناس جوع، فأصابوا إيلا وغنها، قال: وكان النبى مَل فى أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي ﴾ بالقدور فأکفئت، ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير، فندّ منها بعير فطلبوه، فأعياهم، وكان فى القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله، ثم قال: ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا)) وفى لفظ: ((فما ندّ عليكم فاصنعوا به هكذا)) (٢). ولأن الوحشى إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة، فكذلك الأهلی إذا توحش يعتبر بحاله (٣). ولم يفرق الحنفية فيما إذا ندّ البعير أو البقر (١) البدائع ٤٣/٥، ونهاية المحتاج ١٠٨/٨، والمغنى لابن قدامة ٥٦٦/٨، ٥٦٧، ومغنی المحتاج ١٠٨/٨. (٢) حديث رافع بن خديج: ((كنا مع النبي * بذى الحليفة ... )) أخرجه البخاري (فتح البارى ١٣١/٥) ومسلم (١٥٥٨/٣) والسياق للبخارى، واللفظ الآخر للبخارى كذلك (فتح البارى ٦٢٣/٩). (٣) المغنى ٨ /٥٦٧. فى المدينة أو فى الصحراء لأنهما يدفعان عن أنفسهما، فلا يقدر عليهما . وأما الشاة فقال الحنفية: إن ندّت فى الصحراء، فذكاتها العقر - أى أنها كالصيد - لأنه لايقدر عليها، وإن ندّت فى المصر لم يجز عقرها، لأنه يمكن أخذها، وذبحها مقدور عليه، فلا تلحق بالصيد (١). أما المالكية فالمشهور عندهم أن جميع الحيوانات المتأنسة إذا ندّت فإنها لاتؤكل بالعقر، لأن الأصل أن یکون المصید وحشیا، ومقابله مالابن حبيب: أنه إن ندّ غير البقر لم يؤكل بالعقر، وإن ند البقر جاز أكله بالعقر، لأن البقر لها أصل فى التوحش ترجع إليه، لشبهها ببقر الوحش (٢). وإذا تردّی حیوان بسبب إدخال رأسه بکوة ۔ أعم من کونه وحشیا أو غیر وحشی - فلا يؤكل بالعقر، أى بالطعن بحربة مثلا فى غیر محل الذكاة، ولابد من ذکاته بالذبح أو النحر إن کان مما ینحر، وهذا فی المشهور عند المالكية . وقال ابن حبيب: يؤكل بالعقر الحيوان المتردي المعجوز عن ذكاته مطلقا، بقرا كان (١) بدائع الصنائع للكاسانى ٤٣/٥، ٤٤. (٢) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١٠٣/٢، والقوانين الفقهية لابن جزی ص ١٨٢ . - ١٢٤ - صید ٢١ - ٢٣ أو غيره صيانة للأموال (١). ب - إذا تأنس وحشى الأصل، كالظبى مثلا، أو قدر على المتوحش بطريقة أخرى، کأن وقع فى حبالة أو شبك مثلا، لا يؤكل بالعقر، وإنما بالتذكية، لأنه صار مقدورا عليه . أما إذا تأنس المتوحش، ثم ندّ وتوحش مرة أخرى، فأصبح غير مقدور عليه، فيؤكل بالاصطياد (٢). ج۔ من رمی صیدا فأثخنه حتى صار لا يقدر على الفرار، ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل، لأنه صار مقدورا عليه (٣). وأضاف الحنابلة: أنه إن كان القاتل أصاب مذبحه حلّ، لأنه صادف محل الذبح، ولیس علیه إلا أرش ذبحه، كما لو ذبح شاة لغيره، بخلاف ما إذا كان أصاب غير مذبحه فإنه لا يحل لأنه لما أثبته صار مقدورا عليه لايحل إلا بالذبح (٤) . وهذا كله إذا لم تكن حياة الصيد حياة (١) نفس المراجع. (٢) تبيين الحقائق للزيلعى ٦١،٦٠/٦، وحاشية الدسوقى مع الشرح الكبير ١٠٣/٢، والقوانين الفقهية لابن جزى ص ١٨٢، ١٨٣، والبجيرمى على المنهج ٢٩١/٤. (٣) الزيلعى على كنز الدقائق ٦٠/٦، حاشية الدسوقى ١٠٣/٢، والمغنى لابن قدامة ٥٥٩/٨، وانظر كذلك كشاف القناع ٢١٥/٦. (٤) المغنى لابن قدامة ٨/ ٥٥٩، ٥٦٠ مذبوح، بل كانت حياة مستقرة، وإلا ففيه تفصیل یأتی ذکره . ٢٢ - الشرط الثالث: أن لا يكون صيد الحرم: فقد اتفق الفقهاء على أنه يحرم فى الحرم صيد الحيوان البرى - أى مايكون توالده وتناسله فى البر- سواء أكان مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم . أما حرمة صيد الحرم المكى فلقوله مليار : ((إن الله حرم مكة، فلم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدی، إنما حلت لي ساعةمن نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها)) (١). وحرمة صيد الحرم تشمل المُحرم والحلال، كما تشمل إيذاء الصيد وتنفيره والمساعدة على الصيد بأي وجه من الوجوه، مثل الدلالة عليه، أو الإشارة إليه أو الأمر بقتله (٢) . · أما صيد الحرم المدنى ففيه خلاف وتفصيل، ينظر فى مصطلح: (حرم ف٣٠). ٢٣ - الشرط الرابع : أن لايدرك الصيد حيا حياة مستقرة بعد الإصابة، وذلك بأن يذهب (١) حديث: ((ان الله حرم مكّة ... )) أخرجه البخاری (فتح الباري ٤ /٤٦) منحديث ابن عباس رضی الله عنهما. (٢) البدائع ٢٠٧/٢، ٢٠٩، وابن عابدين ٢١٢/٢، والدسوقى -. ٧٢/٢ ومغنى المحتاج ٥٢٤/١، والمغنى لابن قدامة ٣٤٥،٣٤٤/٣. - ١٢٥ - ... ..... صيد ٢٣ الصائد، أو تأتى به الجارحة فيجده ميتا، أو فی حرکة مذبوح، أو یکون بحیث لو ذهب إليه لوجده كذلك، ففى الحالة الأولى: وهى وجوده ميتا يحل باتفاق الفقهاء، وفي الحالة الثانية - وهى: وجوده فى حياة غير مستقرة إذا ذبحه حل، وکذا إذا لم یذبحه ومات، لأن الذكاة فى مثل هذا لاتفيد شيئا ، إلا أنه يستحب إمرار السكين عليه : أما إذا وجد الصائد الصيد حيا حياة مستقرة بعد الإصابة، أو کان بحيث لو ذهب إليه لوجده كذلك ولم يذبحه مع تمكنه من ذلك، فمات لم يحل أكله، لأن ذاته تحولت من الجرح إلى الذبح، فإذا لم يذبح كان ميتة، لقوله وهي: ((مارد عليك كلبك المكلب، وذكرت اسم الله عليه، وأدركت ذکاته فذگّه، وإن لم تدرك ذکاته فلا تأكل، وما ردت عليك يدك، وذكرت اسم الله وأدركت ذکاته فذكّه، وإن لم تدرك ذكاته فکله» (١). وكذا إذا جاء الصائد وليس معه آلة الذبح، أو تراخى فى اتباع الصيد، ثم وجده (١) حديث: ((مارد عليك كلبك المعلم ... )) أورده بهذا اللفظ الشيرازى فى المهذب (١١٤/٩ - بشرح النووى) وقال النووى : «أخرجه البخاري ومسلم مختصرا)) وهو فى البخاري (فتح البارى ٦١٢/٩) ومسلم (١٥٣٢/٣) من حديث أبي ثعلبة . ميتا، أو جعل الآلة مع غلامه، وكان شأنه أن يسبق الغلام فسبقه، وأدرك الصيد حیا، ولم يأت الغلام إلا بعد موت الصيد، أو وضع الآلة فی خرجه أو نحوه مما يستدعى طول زمن فى إخراجها منه، فأدرکه حیا فلم يتم إخراج الآلة إلا بعد موت الصيد أو تشبثت الآلة فى الغمد وكان ضيقا، أو سقطت منه، أو ضاعت فمات الصيد حرم أكله فى هذه الصور، وكذا كل صورة لا يتمكن فيها من ذبح الصيد بتقصير منه . أما إذا تعذر ذبحه بدون تقصير من صائده: کان سلّ السکین فمات قبل إمكان ذبحه، أو امتنع بقوته، ومات قبل القدرة عليه واشتغل الصائد بطلب المذبح، أو وقع الصید منکسا فاحتاج إلی قلبه فقلبه، أو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة، أو تشبثت السکین فی الغمد لعارض ولم یکن ضيقا، أو حال بين الصيد وصائده سبع فمات الصيد المصاب حل أكله لعدم تقصيره . وقال الشافعية: لو مشى الصائد على هيئته ولم يأته عَدْوا فوجده ميتا بسبب الإصابة حل على أصح القولين ، وفى القول الثانى: يشترط العدو إلى الصيد عند إصابته، لأنه هو المعتاد فى هذه الحالة . وقال الحنابلة - فی أصح الروايتين عن أحمد - إذا أدرك الصائد الصيد وفيه حياة - ١٢٦ - ٠٠ صيد ٢٣ - ٢٦ مستقرة، ولم يجد مایذبح به، وكانت معه جارحة، وجب أن يرسلها عليه حتى تقتله فيحل أكله، وفى الرواية الأخرى عن أحمد: أنه لايحل مطلقا ، وقال القاضى: يحل إذا مات من غیر ذبح ولا إرسال جارحة علیه (١). ٢٤ - الشرط الخامس: أن لايغيب عن الصائد مدة طويلة وهو قاعد عن طلبه، فإن تواری الصید عنه، وقعد عن طلبه لم یؤكل أما إذا لم یتوار، أو توارى ولم يقعد عن طلبه أكل، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، فى الجملة، وان اختلفت عباراتهم وآراؤهم فى بعض الفروع . والغرض من اشتراط هذا الشرط هو حصول التيقن أو الظن ، أى الاعتقاد الراجح، بأن ماوجده قبل الغياب، أو بعده مع استمرار الطلب هو صیده، وما أرسله من السهم أو الكلب أو نحوهما من الآلة هو الذی أصابه وأماته دون غيره فإن شك فى صيده، هل هو أو غيره ؟ أوشك فى الآلة التى أرسلها هل هى قتلته؟ أو غيرها فلا يؤكل (٢). (١) البدائع ٥١/٥، جواهر الإكليل ٢١٢/١، المجموع للنووى ١١٤/٩، مغنى المحتاج ٢٦٩/٤، المغنى لابن قدامة ٥٤٧/٨ - ٥٤٨، كشاف القناع ٢١٦/٦، حاشية ابن عابدين ٣٠٢/٥، الزبلعى ٢٥٣/٦، نهاية المحتاج ١٠٩/٨، الشرح الكبير بحاشية الدسوقى ١٠٧/٢ . (٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣٠١/٥، ٣٠٢ نقلا عن = وقد فرّع الفقهاء على هذا الشرط فروعا، منها : ٢٥ - أ - إذا غاب الصيد بعد إرسال السهم أو الکلب علیه، ثم وجده ميتا وفيه جرح آخر غير سهمه، لم يؤكل باتفاق الفقهاء، لأنه مشكوك فيه هل قتل بسهمه أو بسهم آخر، وقد ورد فی حدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبى صل فقال: يارسول الله أفتنی فی قوسى، قال: ((مارد عليك سهمك فكل . قال: وإن تغيب علىّ ؟ قال: وان تغيب عليك، مالم تجد فيه أثر سهم غير سهمك)) (١). ٢٦ - ب - إن أرسل سهما أو كلبا إلى الصيد وغاب عنه، فقعد عن طلبه غير متحامل على المشي، (٢) ثم وجده ميًّا لا يحل مالم يعلم جرحه بسهمه يقينا، كما صرح به الحنفية (٣). ولم يذكر المالكية والشافعية قيد القعود عن الطلب، فقد نص الشافعية على أنه: الهداية والزيلعى، والقوانين الفقهية ص ١٨٢، ١٨٣، ونهاية المحتاج للرملى ١١٧/٨، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢٢٠/٦، ٢٢١. (١) انظر المراجع السابقة. وحدیث عمرو بن شعيب «مارد عليك قوسك ... )) أخرجه النسائي (١٩١/٧) وإسناده حسن. (٢) التحامل على المشى هو أن يتكلفه على مشقة وإعياء (ابن عابدين ٣٠١/٥). (٣) ابن عابدين ٣٠١/٥، وانظر كشاف القناع ٢١٨/٦ . - ١٢٧ - صيد ٢٦ - ٢٧ لوغاب عنه الكلب والصيد قبل أن يجرحه الكلب، ثم وجده ميّتا حرم على الصحيح، لاحتمال موته بسبب آخر، وکذلك إن جرحه الكلب، أو أصابه بسهم وغاب، ثم وجده ميتا حرم فى الأظهر، قال الرملى: وهو المذهب المعتمد (١) ، قال ابن جزى: لو فات عنه الصيد ثم وجده غدا منفوذ المقاتل لم يؤكل فى المشهور، وقيل: يؤكل، وقيل یکره (٢) . والأصل فى ذلك قوله وَله: ((لعل هوام الأرض قتلته)) (٣). أما الحنابلة فقد نصوا على أن من رمى صيدا، ولو ليلا، فجرحه ولو جرحا غير موج، (٤) فغاب عن عينه، ثم وجده ميتا، بعد یومه الذی رماه فیه وسهمه فقط فیه ، أو أثرالسهم ولاأثر به غيره حل ذلك لحديث عمرو بن شعيب السابق (٥) . قال ابن قدامة: وهذا هو المشهور عن أحمد . وعنه إن غاب نهارا فلا بأس، وإن غاب لیلا لم یأکله، وعن أحمد مايدل على أنه إن (١) نهاية المحتاج ١١٧/٨ . (٢) القوانين الفقهية ص ١٨٣. (٣) حديث: ((لعل هوام الأرض قتلته ... )) أورد النووی فی المجموع (١١٥،١١٤/٩) أُحادیث بهذا المعنى، وأعلّ أسانيدها كلها. (٤) غير موح : غير مسرع به إلى الموت. (٥) كشاف القناع ٢٢٠/٦، وانظر فقرة (٢٥). غاب مدة طويلة لم یبح، وإن كانت يسيرة أبيح له، لأنه قيل له: إن غاب يوما ؟ قال: یوم كثير . ووجه ذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما إذا رميت فأقعصت (١)فکل، وإن رميت فوجدت فيه سهمك من یومك أو لیلتك فکل، وإن بات عنك لیلة فلا تأکل، فإنك لاتدری ماحدث فيه بعد ذلك (٢). تحديد مدة الغياب: ٢٧ - ذهب الحنفية والحنابلة - فى المشهور عندهم - إلى عدم اشتراط مدة معينة لغياب الصيد لیحرم بعد ذلك، حتى إنه لو وجده بعد ثلاثة أيام بشرط الطلب عند الحنفية، ومطلقا عند الحنابلة قبل أن ينتن حلّ، وذلك لما روى عدىّ بن حاتم رضى الله عنه عن النبى و طل أنه قال: ((وإن رميت الصيد فوجدته بعد یوم أو یومین لیس به إلا أثر سهمك فكل)) (٣) وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه عن النبى وَلو أنه قال: ((إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله، مالم ينتن)) (٤). ولأن جرحه بسهمه (١) أقعصت: القعص الموت الموحى أي : السريع. (٢) المغنى لابن قدامة ٥٥٣/٨، ٥٥٤. (٣) حديث: عدى بن حاتم: وإن رميت الصيد فوجدته ... )) أخرجه البخاری (فتح الباری ٦١٠/٩). (٤) حديث أبي ثعلبة: ((إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث ... )) أخرجه مسلم (١٥٣٢/٣). - ١٢٨ - صيد ٢٧ - ٢٨ سبب إباحته، وقد وجد يقينا، والمعارض له مشكوك فيه، فلا نزول عن اليقين بالشك (١) . لکن یشترط فی أکله أن لایکون قد قعد عن طلبه عند الحنفية، وذلك توفيقا بين هذين الحديثين وبين قوله وَلا ي: ((لعل هوام الأرض قتلته)) (٢) فيحمل هذا على ما إذا قعد عن طلبه، والأول على ماإذا لم يقعد، (٣). ولأنه يحتمل أن يموت بسبب آخر فيعتبر فيما يمكن التحرز عنه، لأن الموهوم فى الحرمات كالمتحقق، وسقط اعتباره فيما لايمكن التحرز عنه للضرورة، لأن اعتباره فیه یؤدی إلی سد باب الاصطياد، وهذا لأن الاصطياد يكون فى الصحراء بين الأشجار عادة، ولا يمكنه أن يقتله فى موضعه من غیر انتقال،،توار عن عينه غالبا، فيعذر- مالم يقعد عن طلبه - للضرورة لعدم إمکان التحرز عنه، ولا يعذر فيما إذا قعد عن طلبه، لأن الاحتراز عن مثله ممكن فلا ضرورة إليه فيحرم (٤). أما المالكية: فالمشهور عندهم التحديد بأقل من یوم حیث قالوا: (لو مات منه صید (١) المغنى لابن قدامة ٥٥٤/٨، وابن عابدين ٣٠٢/٥، والزيلعى ٥٧/٥. (٢) حديث: ((لعل هوام الأرض قتلته ... )) تقدم فى فقرة ٢٦ . (٣) الزيلعى ٥٧/٥. (٤) نفس المرجع، وانظر ابن عابدين ٣٠٢/٥. ثم وجده غدا منفوذ المقاتل لم يؤكل في المشهور) (١). والشافعية : يقولون بالحرمة بمجرد الغياب، ولم يحددوا له مدة معينة، فالصحيح عندهم: أنه لو غاب عنه الكلب والصيد قبل أن يجرحه ثم وجده میتا حرم، وکذلك إن جرحه الکلب،أو أصابه سهم ثم وجده میتا يحرم فى الأظهر لاحتمال موته بسبب آخر، والتحريم يحتاط له (٢). ٢٨ - ج لو رمى صيدا فوقع فى ماء، أو على سطح أو جبل ثم تردی منه إلى الأرض حرم، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والمتردية﴾ (٣) ولقوله وَلّ لعدى رضى الله عنه : «إذا رمیت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع فى ماء، فإنك لا تدرى: الماء قتله أو سهمك)) (٤) وهذا عند جمهور الفقهاء (٥) . ولا فرق فى هذا الحكم بين ما إذا كانت الجراحة موحية أو غير موحية عند الحنفية، (١) القوانين الفقهية ص ١٨٣ . (٢) نهاية المحتاج ١١٧/٨. (٣) سورة المائدة : ٣ (٤) حديث: ((إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله ... )) أخرجه مسلم (١٥٣١/٣). (٥) تبيين الحقائق للزيلعى ٥٨/٦، والقوانين الفقهية ص ١٨٣، ومغنی المحتاج ٤ /٢٧٤، والمغنی لابن قدامة ٥٥٦،٥٥٥/٨. - ١٢٩ - ........ صید ٢٨ - ٢٩ وهو المشهور عند الحنابلة، قال ابن قدامة : وهذا ظاهر قول ابن مسعود رضى الله عنه وعطاء وربيعة وإسحاق، وأكثر أصحابنا المتأخرين يقولون: إن كانت الجراحة موحية كأن ذبحه أو أبان حشوته لم يضر وقوعه فى الماء، ولاتردیه، لأن هذا صار فی حکم الميت بالذبح، فلا يؤثر فيه ما أصابه (١). ولو وقع الصيد فى الماء على وجه لايقتله: مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء، أو يكون من طير الماء الذى لايقتله الماء، أو كان التردی لا یقتل مثل ذلك الحیوان فلا خلاف في إباحته، لأن النبى وَ لّ قال: ((وإن وجدته غريقا فى الماء فلا تأكل))، (٢) ولأن الوقوع فى الماء والتردی إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل، وهذا منتف فيما ذكرناه (٣) . وكذلك إذا وقع على الأرض ابتداء، بعد أن رماه بسهم فمات حل، لأنه لايمكن التحرز عنه، فسقط اعتباره کیلا ینسد باب الاصطیاد، بخلاف ما إذا أمكن التحرز عنه، لأن اعتباره لايؤدى إلى سد بابه، ولا يؤدى إلى الحرج، فأمكن ترجيح المحّرم عند التعارض على ماهو الأصل فى الشرع (٤). (١) المغنى لابن قدامة ٥٥٥/٨، والمراجع السابقة. (٢) حديث: ((وإن وجدته غريقا فى الماء فلا تأكل ... )) أخرجه مسلم (١٥٣١/٣). (٣) المراجع السابقة. (٤) الزيلعى ٥٨/٦، ومغنى المحتاج ٣٧٤/٤. هذا، وإذا أدرك الصيد حيّاً غير منفوذ مقتل لم يؤكل إلا بذكاة إن قدر عليه، كما قدّمنا . وهذا باتفاق الفقهاء (١). حكم جزء المصید: ٢٩ - إذا رمى صيدا فأبان منه عضوا، وبقى الصيد حيا حياة مستقرة يحرم العضو المبان بلا خلاف بين الفقهاء لقوله ميلر: ((ما قطع من البهيمة وهى حية فما قطع منها فهو ميتة)) (٢). أما المقطوع منه، وهو الحيوان الحى ،فلابد فيه من ذكاة، وإلا يجرم - أيضا - باتفاق . وإذا رماه فقطع رأسه، أو قده نصفين أو أثلاثا - والأكثر مما يلى العجُز- حل كله، لأن المبان منه حیّ صورة لاحكما، إذ لايتوهم سلامته وبقاؤه حيّاً بعد هذه الجراحة، فوقع ذکاة فى الحال فحل کله (٣) . أما إذا قطع منه یدا أو رجلا أو فخذا، أو نحوها ولم تبق فيه حياة مستقرة ففيه التفصيل الآتى : قال الحنفية: إذا قطع يدا أو رجلا أو (١) الشرح الصغير ١٦٩/٢، والقوانين الفقهية ص ١٨٣، والزيلعى ٥٧/٦ ومغني المحتاج ٣٧٤/٤، وما بعدها، والمغنى لابن قدامة ٤٤٧/٨ . (٢) حديث: ((ماقطع من البيهمة وهى حية ... )) أخرجه الترمذى (٤ /٧٤) من حديث أبي واقد الليثى، وقال: ((حدیث حسن)). (٣) تبيين الحقائق للزيلعى ٥٩/٦، والقوانين الفقهية ص ١٨٣، ومغنى المحتاج ٤/ ٢٧٠، والمغنى لابن قدامة ٥٥٦/٨. - ١٣٠ - : ١ صَيْد ٢٩ - ٣٠ فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان منه، لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي (١) . ولو ضرب صیدا فقطع يده أو رجله ولم ينفصل، ثم مات، إن كان يتوهم التئامه واندماله حل أكله، لأنه بمنزلة سائر أجزائه، وإن كان لايتوهم، بأن بقى متعلقا بجلد حل ماسواه دونه، لوجود الإِبانة معنى، والعبرة للمعانى (٢) . وقال المالكية: إذا كان المقطوع النصف فأكثر جاز أکل الجمیع، ولو قطع الجارح دون النصف كيد أو رجل فهو ميتة، ويؤكل ماسواه، إلا أن يحصل بالقطع إنفاذ مقتل کالرأس فليس بميتة فيؤكل كالباقى (٣) . وصرح الشافعية: بأنه لو أبان من الصيد عضوا كيده بجرح مذفف (أي مسرع للقتل) فمات حل العضو والبدن كله (٤). وعند الحنابلة فى المسألة روايتان : أُشھرهما عن أحمد إباحتهما . قال أحمد: إنما حديث النبي ◌َ*1: ((ماقطعت من الحى ميتة)) (٥). إذا قطعت (١) الزيلعى ٥٩/٦. (٢) الزيلعى ٦٠،٥٩/٦. (٣) القوانين الفقهية لابن جزى ١٨٣، والشرح الصغير ٣١٧/١. (٤) مغنى المحتاج ١٧٠/٤ . (٥) حديث: ((ماقطعت من الحى ميتة، تقدم ذكر لفظه الثابت. وهى حية تمشى وتذهب، أما إذا كانت البينونة والموت جميعا، أوبعده بقليل إذا كان فى علاج الموت فلابأس به ألا ترى الذى يذبح ربما مكث ساعة، وربما مشى حتى يموت . والرواية الثانية: لايباح مابان منه، عملا بقوله : ((ماأبين من حى فهو ميت))(١). ولأن هذه البينونة لاتمنع بقاء الحيوان فى العادة فلم یبح أکل البائن (٢) وهذه الشروط كلها إنما تشترط فى المصيد البرى، إذا عقرته الجوارح أو السلاح أو أنفذت مقاتله، فإن أدركه حيًا غير منفوذ المقاتل ذکی، ويشترط فى ذلك مايشترط فى الذبح، وتفصيله فى مصطلح: (ذبائح ف١٦ - ٣٩) . ٣٠ - أما المصيد البحری فلا تشترط فيه هذه الشروط . ويجوز عند جمهور الفقهاء: (المالكية والحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية) صيد وأكل جميع حيوانات البحر سواء أكانت سمكا أم غيره، لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ (٣) أى مصيده (١) حديث: (ما أبين من حى ... )) تقدم كذلك ذكر لفظه الثابت: وأخرجه الزيلعى في ((نصب الراية (٣١٧/٤ مطولا). (٢) المغنى لابن قدامة ٥٥٧/٨. (٣) سورة المائدة / ٩٦. - ١٣١ - صَيْد ٣٠ - ٣١ ومطعومه. ولقوله وقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(١) . وفى قول عند الشافعية: لا يحل ماليس على صورة السمك المشهورة، وفى قول آخر عندهم: إن أكل مثله في البر كالبقر والغنم حل، وإلا فلا (٢). لكن الشافعية والحنابلة استثنوا من الحل : الضفدع، والتمساح، والحية ؛ وذلك لنهيه * عن قتل الضفدع ولاستخباث الناس التمساح، ولأكله الناس، وللسمية فى الحية (٣) . أما الحنفية فقالوا: لا يؤكل مائى إلا السمك غير طاف، لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٤) وما سوى السمك خبيث، لقوله وقوله: ((أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)) (٥) ٠ (١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ١١٥/٥، ومغنى المحتاج ٢٩٧/٤ وكشاف القناع ١٩٣/٦، والقوانين الفقهية ص ١٨٤. وحديث: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ... )) أخرجه الترمذى (١٠١/١) من حديث أبى هريرة، وقال: حديث حسن صحيح. (٢) مغنى المحتاج ٢٩٧/٤ . (٣) حديث: ((نهيه عن قتل الضفدع ... )) أخرجه النسائي (٢١٠/٧) والحاكم (٤١١/٤) من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى . (٤) سورة الأعراف / ١٥٧ . (٥) حديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان ... )) = وأما الطافى فيكره أكله (١) لقول جابر رضي الله عنه : انه عليه الصلاة والسلام قال: ((مانضب عنه الماء فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا)» (٢) . وتفصيله في مصطلح : (أطعمة ف ٦ جـ ٥) . شروط آلة الصيد : آلة الصيد نوعان: أداة جامدة، أو حيوان . أولا - الأداة الجامدة : ٣١ - الأداة الجامدة: منها ماله حد يصلح للقطع، كالسيف والسكين، ومنها ماينطلق من آلة أخرى وله رأس محدد يصلح للخزق (٣) کالسهم، ومنها ماله رأس محدد لا ينطلق من آلة أخرى كالحديدة المثبتة فى رأس العصا، أو العصا التى بُرِىّ رأسها حتى صار محددا يمكن القتل به طعنا . = أخرجه ابن ماجه (١٠٧٣/٢) من حديث ابن عمروفی إسناده ضعف، والصواب أنه موقوف، وله حكم الرفع، كذا فى التلخيص الجيد لابن حجر ٢٦/١ . (١) تبيين الحقائق شرح الكنز ٢٩٦/٥، ٢٩٧. (٢) حديث: (مانضب عنه الماء فكلوا ... )) أورده الزيلعى فى نصب الراية (٢٠٢/٤) بلفظ: «مانضب عنه الماء فكلوا ومالفظه الماء فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا وقال: غريب بهذا اللفظ، وذكر أن أبا داود وابن ماجة أُخرجا من حديث جابر مرفوعا: (ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، ومامات فيه وطفا، فلا تأکلوه» وأشار إلى تضعيفه . (٣) الخزق: النفوذ فى الجسم، يقال: خزق السهم القرطاس: نفذ منه (المصباح المنير فى المادة). - ١٣٢ - صيد ٣١ - ٣٣ وهذه الأدوات ونحوها يجوز الاصطياد بها إذا قتلت الصید بحدها، أو رأسها وحصل الجرح بالمصيد بلا خلاف . أما الآلات التي لا تصلح للقتل بحدها، ولا برأسها المحدد، وإنما تقتل بالثقل كالحجر الذي لم يرقَّق، أو العمود والعصا غير محددة الرأس، أو المعراض (١) بعرضه ونحوها، فلا يجوز بها الاصطياد، وإذا استعملت فلابد فى المرمىّ من التذكية، وإلا لا يحل أكله . وكذلك جميع الآلات المحددة إذا استعملت وأصابت بعرضها غير المحدد لا يحل المرمىّ بها إلا بالتذكية (٢). ویمکن أن تختصر شروط الآلة فيما يلى : ٣٢ - الشرط الأول : أن تكون الآلة محددة تجرح وتؤثر فى اللحم بالقطع أو الخزق، وإلا لا يحل بغير الذبح . ولا يشترط فيها أن تكون من الحديد، فيصح الاصطياد بكل آلة حادة، سواء أكانت حديدة، أم خشبة حادة، أم حجارة (١) المعراض: عود محدد ربما جعل في رأسه حديدة یشبه السهم، ويحذف به الصيد (المغني ٥٥٨/٨). (٢) تبيين الحقائق للزيلعى ٥٩/٦، والقوانين الفقهية ص ١٨١، ومغني المحتاج ٢٧٤/٤، وحاشية البجيرمى على المنهج ٤ /٢٩٠، وكشاف القناع ٢١٩/٦، والمغنى لابن قدامة ٥٥٩/٨. مرققة الرأس، أم نحوها تنفذ داخل الجسم (١). ٣٣ - الشرط الثاني : أن تصيب الصيد بحدها فتجرحه، ویتیقن کون الموت بالجرح، وإلا لا يحل أكله؛ لأن مايقتل بعرض الآلة، أو بثقله يعتبر موقوذة (٢). وقد قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله سبحانه : ﴿والموقودة﴾ (٣) ولما روى أن عدي بن حاتم رضى الله عنه قال للنبى وَله : إنى أرمى الصيد بالمعراض فأصيب، فقال: «إذا رمیت بالمعراض فخزق فکله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله)). (٤) وفى لفظ له قال: قال رسول الله وَله: ((إذا رميت فسميت فخزقت فكل، فإن لم يتخزق فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ماذکیت، ولا تأکل من البندقة إلا ماذکیت)» (٥) ولما ورد أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الخذف، وقال: ((إنها لا تصید صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين)) (٦). (١) المراجع السابقة. (٢) تبيين الحقائق ٥٨/٦، ٥٩، ومغني المحتاج ٢٧٤/٤، وكشاف القناع ٢١٩/٦. (٣) سورة المائدة / ٣ . (٤) حديث عدي بن حاتم: ((إذا رميت بالمعراض ... )) أخرجه مسلم (١٥٢٩/٣). (٥) حدیث: (إذا رمیت فسميت فخزقت ... )) أخرجه أحمد (٣٨٠/٤) من حديث عدي بن حاتم. (٦) حديث: ((نهى عن الخذف ... )) = - ١٣٣ - صيد ٣٤ - ٣٥ ٣٤ - الشرط الثالث : اشترط الحنفية أن یصیب الرمی الصيد مباشرة، ولا يعدل عن جهته ، فإذا ردّ السھم ریح إلی ورائه، أو يمنة أو يسرة، فأصاب صيدا لا يحل، وكذا لو رَدّه حائط أو شجرة (١). وقال الشافعية والحنابلة فى إعانة الريح للسهم: لو قتل الصيد بإعانة الربح للسهم لم يحرم (٢). وزاد الحنابلة : أنه لو ردّ السهم حجر أو غيره على الصيد فقتله لم يحرم، لعسر الاحتراز عنه (٣) . مسائل وفروع فى الآلة الجامدة : تعرض الفقهاء فى شروط الآلة الجامدة لمسائل بينوا أحكامها، ومن أهم هذه المسائل مایلی: أ - الاصطياد بالشبكة والأحبولة : ٣٥۔ لو نصب شبکة أو احبولة، وسمّی، فوقع فيها صيد ومات مجروحا لم يحل إذا لم تکن بها آلة جارحة ، ولو كان بها آلة جارحة کمنجل، أو نصب سکاکین، وسمّی حل، = أخرجه البخارى (فتح البارى ٥٩٩/٩) ومسلم (١٥٤٨/٣) من حديث عبد الله بن مُغَفَّلَ، واللفظ لمسلم. (١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥/ ٣٠١،٣٠٠ (٢) حاشية البجيرمى على شرح المنهج ٢٩٠/٤، ومطالب أولى النهى ٣٥٢/٦. (٣) مطالب أولى النهى ٣٥٢/٦. كما لو رماه بها، صرح به الحنفية والحنابلة (١). وأضاف الحنابلة : أنه يحل، ولو بعد موت ناصبه أو رِدَته، اعتبارا بوقت النصب، لأنه کالرمی (٢). قال البهوتی : لأن النصب جری مجرى المباشرة فى الضمان، فكذا فى الإِباحة لقوله **: «كُلْ ماردت إليك يدك)» (٣). ولأنه قتل الصيد بماله حد جرت العادة بالصيد به، أشبه مالو رماه (٤). أما إذا لم يجرحه مانصبه من مناجل أو سکاکین - کالمنخنقة بالأحولة ۔ فلا يباح الصيد لعدم الجرح، وقد قال الله تعالى فى المحرمات ﴿واالمنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ماذكيتم﴾ (٥). وعند المالكية كما جاء فى المدونة: قلتُ: أرأيتَ إذا قتلت الحبالات من الصيد، أيؤكل أم لا؟ قال مالك: لا يؤكل إلا ماأدركت ذكاته من ذلك، قال: فقلت لمالك: فإن كانت فى الحبالات حديدة فأنفذت الحديدة (١) حاشية ابن عابدين ٣٠٢/٥، وكشاف القناع ٢٢٠،٢١٩/٦، وانظر مغنى المحتاج ٢٧٤/٤، والبجيرمى على شرح المنهج ٢٩٠/٤. (٢) كشاف القناع ٢١٩/٦. (٣) حديث: ((كل ماردت إليك يدك ... )) أخرجه أحمد (١٩٥/٤) من حديث أبي ثعلبة. (٤) كشاف القناع ٢١٩/٦. (٥) سورة المائدة / ٣. - ١٣٤ - صيد ٣٥ - ٣٦ مقاتل الصيد؟ قال: قال مالك: لا يؤكل إلا ما أدركت ذكاته (١) . ب - الاصطياد بالبندق: ٣٦ - يطلق البندق على معان، منها : مايؤكل، ومنها : مايصنع من طينة مدورة أو رصاصة يرمى بها الصيد. والواحدة: بندقة، والجمع : بنادق (٢) . والمراد به هنا : مايرمى به الصيد (٣) . أما ما يصنع من الطين، فقد اتفق الفقهاء على أن ماقتل ببندقة الطين الثقيلة لا يحل أكله، لأنها تقتل بالثقل لا بالحد (٤). قال ابن عابدين نقلا عن قاضى خان : لا يحل صيد البندقة، والحجر والمعراض والعصا وما أشبه ذلك وإن جرح، لأنه لا يخزق إلا أن یکون شىء من ذلك قد حدّده وطوله، کالسهم، وأمكن أن یرمی به ، فإن کان کذلك وخزقه بحده حل أكله، فأما الجرح الذى يدق فى الباطن ولا يخزق فى الظاهر لا يحل، لأنه لا يحصل به إنهار الدم، ومثقل الحديد وغير الحديد سواء، إن خزق حل وإلا فلا (٥). (١) المدونة الكبرى ٥٧/٣. (٢) متن اللغة ولسان العرب والصحاح. (٣) ابن عابدين ٣٠٤/٥، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ١٠٣/٢، ومغنى المحتاج ٢٧٤/٤ . (٤) نفس المراجع، وانظر كشاف القناع ٢١٩/٦. (٥) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣٠٤/٥. وعند المالكية لا يحل ماصيد ببندق الطين لأنه لا يجرح، وإنما يرض ويكسر (١). وقال النووى فى المنهاج: فلو قتله بمثقّل، أو ثِقَل مُحَدَّدٍ، كبندقة وسوط ... حرم (٢) أي الأكل منه . وقال البجيرمى : وأفتى ابن عبد السلام بحرمة الرمى بالبندق، وبه صرح فى الذخائر، ولكن أفتى النووى بجوازه، أى الرمی بالبندق، وقیده بعضهم بما إذا كان الصید لا یموت فیه غالبا، کالأوز، فإن مات كالعصافير فيحرم، فلو أصابته البندقة فذبحته بقوتها، أو قطعت رقبته حرم، وهذا التفصيل هو المعتمد (٣). ومثله ماذكره الشربينى الخطيب، وعبارته : فإن کان یموت منه غالبا، کالعصافیر وصغار الوحش حرم، کما قاله فی شرح مسلم ، فإن احتمل واحتمل ينبغى أن يحرم (٤). وفی کشاف القناع : ولا بد من جرحه، أی الصید بالمحدد، فإن قتله بثقله لم يبح، کشبکة، وفخ، وبندقة، وعصا، وحجر لا حد له، قال البهوتی : ولو شدخه أو حرّقه (١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ١٠٣/٢. (٢) مغنى المحتاج ٢٧٤/٤ . (٣) البجيرمى على شرح المنهج ٢٩٠/٤. (٤) مغنى المحتاج ١٧٤/٤ . - ١٣٥ - صيد ٣٦ - ٣٧ أو قطع حلقومه ومريئه (١) . وهذا كله في البندق المصنوع من الطين أو الرصاص من غير نار، أما ماصنع من الحديد ويرمى بالنار، فاختلف الفقهاء فى ذلك : فصرح الحنفية والشافعية بالحرمة ، قال ابن عابدين : ولا يخفى أن الجرح بالرصاص إنما هو بالإِحراق والثقل بواسطة اندفاعه العنيف، إذ ليس له حد ، وبه أفتی ابن نجيم (٢) ، ويقول الزيلعي: الجرح لا بد منه، والبندقة لا تجرح (٣). وقال البجيرمى : أما ما يصنع من الحديد ويرمى بالنار فحرام مطلقا، مالم يكن الرامى حاذقا، وقصد جناحه لإزمانه، وأصابه (٤) . وقال القليوبى بحرمة الاصطياد بالبندقة فيما يموت بها كالعصافير، سواء أكان الاصطياد بالبندقة بواسطة نار أم لا (٥). وصرح الدردير من المالكية بالجواز حيث قال: وأما الرصاص فیؤكل به لأنه أقوى من السلاح، كذا اعتمده بعضهم (٦). (١) كشاف القناع ٢١٩/٦ . (٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣٠٤/٥. (٣) تبيين الحقائق ٥٩/٦. (٤) البجيرمى على شرح المنهج ٢٩٠/٤. (٥) حاشية القليوبى على شرح المنهاج ٢٤٤/٤ . (٦) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ١٠٣/٢. ثم فصل الدسوقى فقال: الحاصل أن الصید ببندق الرصاص لم یوجد فيه نص للمتقدمين، لحدوث الرمى به بحدوث البارود فى وسط المائة الثامنة . واختلف فيه المتأخرون، فمنهم من قال بالمنع، قياسا على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز .... لما فيه من الإِنهار والإِجهاز بسرعة الذى شرعت الذكاة لأجله، وقياسه على بندق الطين فاسد لوجود الفارق، وهو وجود الخزق والنفوذ فى الرصاص تحقیقا، وعدم ذلك فی بندق الطین، وإنما شأنه الرض والكسر (١). ج - الاصطياد بالسهم المسموم: ٣٧ - ذهب الفقهاء إلى عدم جواز الاصطياد بالسهم المسموم إذا تيقن أو ظن أن السم أعان على قتل الصيد أو احتمل ذلك، لأنه اجتمع فى قتله مبيح ومحرم، فغلب المحرم، كا لو اجتمع سهم مجوسي ومسلم فى قتل الحيوان. فإن لم يحتمل ذلك فلا يحرم (٢). وفصل المالكية فى المسألة فقالوا: مامات (١) الدسوقى مع الشرح الكبير ٢ / ١٠٣، ١٠٤ (٢) المواق بهامش الحطاب ٢١٧/٣، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢٤١/٥ ومطالب أولى النهى ٣٤٥/٦، وكشاف القناع ٢٢٠/٦, - ١٣٦ - ١ صيد ٣٧ - ٣٨ بسهم مسموم ولم ينفذ مقتله ولا أدرکت ذکاته طرح، فإن أنفذ السهم مقاتله قبل أن یسری السم فیه لم يحرم أكله، إلا أنه يكره، خوفا من أذى السم، قال المواق نقلا عن الباجى : فإن أنفذ مقاتله فقد ذهبت علة الخوف من أن يعين على قتله السم، وبقيت علة الخوف من أكله، فإن كانت من السموم التی یؤمن على أكلها كالبقلة فقد ارتفعت العلتان، وجاز أكله على قول ابن القاسم . وإذا رمى بسهم مسموم ولم ينفذ مقاتله، وأُدرکت ذکاته، قال ابن رشد فى سماع ابن القاسم: لا يؤكل، ونحوه حكى ابن حبيب ، وقال سحنون: إنه يؤكل، واستظهره ابن رشد، لأنه قد ذُگّی وحياته فيه مجتمعة قبل أن ينفذ مقاتله (١). ثانيا - الحيوان : ٣٨ - يجوز الاصطياد بالحيوان المعلّم وهو مايسمى بالجوارح، من الكلاب والسباع والطیور مما له ناب أو مخلب، ويستوى فى ذلك الكلب المعلّم والفهد والنمر والأسد والبازى وسائر الجوارح المعلمة، كالشاهين والباشق والعقاب والصقر ونحوها . فالقاعدة : أن كل مايقبل التعليم وعلّم (١) التاج والإكليل بهامش الخطاب ٢١٧/٣. يجوز الاصطياد به فى الجملة (١) وسيأتى مايستثنى من ذلك عند بعض الفقهاء . ولا يشترط فى الحيوان أن يكون مما يؤكل لحمه عند عامة الفقهاء، كما لا يشترط أن یکون طاهرا عند بعضهم، كما سيأتى تفصيله . والأصل فى ذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿أُحِل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلّبين تعلمونهنّ مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله (٢) علیه﴾ واستثنى الفقهاء من ذلك الخنزير، فلا يحل الاصطياد به، لأنه لا يجوز الانتفاع به (٢) . واستثنى الحنابلة كذلك الكلب الأسود، والبهیم الأسود، وهو مالا بیاض فیه، أو كان أسود بین عینیه نكتتان، قال البهوتی: وهو الصحيح (٤). ووجه الاستثناء : ماورد فی حدیث جابر رضى الله عنه مرفوعا: ((عليكم بالأسود (١) تبيين الحقائق للزيلعى ٥٠/٦ - ٥١، وابن عابدين على الدر المختار ٢٩٨/٥، والقوانين الفقهية ص ١٨١، وحاشية الدسوقى مع الشرح الكبير للدردیر ١٠٤/٢، ١٠٥، ومغنی المحتاج ٢٧٥/٤، وكشاف القناع ٢٢٢/٦، ٢٢٥ . (٢) سورة المائدة / ٤. (٣) الزيلعى ٥١/٦، وكشاف القناع ٢٢٣/٦، وانظر الشبراملسى بذيل نهاية المحتاج ١١٤/٨. (٤) كشاف القناع ٢٢٢/٦ . - ١٣٧ - صيد ٣٨ - ٣٩ البهيم ذى الطفيتين (١) فإنه شيطان)) (٢) قالوا: فيحرم صيده، لأنه ◌َ لهو أمر بقتله. واستثنى أبو يوسف من الجوارح الأسد والدب؛ لأنهما لا يعملان لغيرهما، أما الأسد فلعلوِّ همته، وأما الدب فلخساسته، ولأنهما لا یتعلمان عادة . وألحق بعض الحنفية الحدأة بهما لخساستها (٣) . واستثنى ابن جزى من المالكية النمس، فلا يؤكل ماقتل، لأنه لا يقبل التعلیم، والمعتمد عندهم : أن المدار على كونه علّم بالفعل، ولو فى نوع مالا يقبل التعليم، كأسد ونمر ونمس، كما قال العدوى (٤). ويشترط فى الحيوان الشروط التالية : ٣٩ - الشرط الأول: يشترط فيه أن يكون معلّما، وهذا باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى ﴿وما علّمتم من الجوارح﴾ (٥) ولقوله وَ له لأبى ثعلبة - رضى الله عنه - : ((ماصدت بكلبك المعلّم فذكرت اسم الله فكل، وماصدت (١) الطفية: خوصة المقل (المصباح المنير)، وكشاف القناع ٢٢٢/٦. (٢) حديث: ((عليكم بالأسود البهيم)) أخرجه مسلم (١٢٠٠/٣). (٣) كشاف القناع ٢٢٢/٦ والزيلعى ٦ /٧١،٧٠. (٤) القوانين الفقهية ص ١٨١، وحاشية العدوى على شرح الرسالة ٥٢٠/١. (٥) سورة المائدة / ٤. بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل » (١). وذهب جمهور الفقهاء: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنه يشترط فى الكلب المعلّم أنه إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر (٢) . وأضاف الشافعية والحنابلة شرطا آخر وهو: أنه إذا أمسك لم يأكل، وذلك لقوله ﴿ *: ((إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن یکون إنما أمسك على نفسه)» (٣). ويشترط هذا في جارحة الطير- أيضا - عند الشافعية في الأظهر، قياسا على جارحة السباع، ولا يشترط هذا الشرط فى جارحة الطير عند الحنابلة، وهو مقابل الأظهر عند الشافعية، لأنها لا تحتمل الضرب لتتعلم ترك الأكل، بخلاف الكلب ونحوه ، ولقول ابن عباس - رضى الله عنهما - : إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر فكل)) (٤). وإن شرب الكلب ونحوه دم الصيد ولم (١) حديث: أبي ثعلبة: (ماصدت بكلبك المعلم ... )) أخرجه البخارى (فتح البارى ٦٠٥/٩) ومسلم (١٥٣٢/٣) واللفظ للبخارى . (٢) الشرح الكبير مع خاشية الدسوقى ١٠٣/٢، ١٠٤، ومغنى المحتاج ٢٧٥/٤، وكشاف القناع ٢٢٣/٦ . (٣) مغنى المحتاج ٢٧٥/٤، وكشاف القناع ٢٢٣/٦ وحديث: ((إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل ... )) أخرجه البخاری (فتح الباری ٦١٢/٩). (٤) مغنى المحتاج ٢٧٥/٤، وكشاف القناع ٢٢٤،٢٢٣/٦ . - ١٣٨ - ٠٠ ... صيد ٣٩ - ٤٠ يأكل منه لم يحرم، ، كما صرح به الشافعية والحنابلة (١). وأضاف الشافعية : أنه يشترط تكرر هذه الأمور المعتبرة فى التعليم بحيث يظن تأدب الجارحة، ولا ينضبط ذلك بعدد، بل الرجوع فى ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح . ولو ظهر بما ذكر من الشروط كونه معلّما، ثم أكل من لحم صيد لم يحل ذلك الصيد في الأظهر عندهم، فیشترط تعلیم جدید (٢). وقال الحنابلة : لا يعتبر تكرار ترك الأكل، بل يحصل التعليم بترك الأكل مرة، لأنه تعلم صنعة أشبه سائر الصنائع، فإن أكل بعد تعليمه لم يحرم ما تقدم من صيده، لعموم الآية والأخبار، ولم یبح ما أكل منه، ولم يخرج بالأکل عن كونه معلّما، فيباح ماصاده بعد الذی أکل منه (٣). وعند المالكية عصيان المعلّم مرة لا يخرجه عن كونه معلّما، كما لا يكون معلّما بطاعته مرة، بل العرف فى ذلك كاف (٤) ٠ وقال الدسوقى : إن شرط الانزجار غير معتبر في البازی، لأنه لا ينزجر بالزجر بل (١) المرجعين السابقين، ومطالب أولى النهى ٣٥٠/٦، وحاشية البجيرمى على شرح المنهج ٢٩٠/٤ . (٢) مغنى المحتاج ٤ / ٢٧٥، ٢٧٦ . (٣) كشاف القناع ٢٢٣/٦، ٢٢٤. (٤) حاشية العدوى على شرح الرسالة ١ / ٥٢٠، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١٠٤/٢. رجح بعضهم عدم اعتبار الانزجار مطلقا، لأن الجارح لا یرجع بعد استيلائه (١). وقال الصاحبان من الحنفية: إن التعليم في الكلب ونحوه يكون بترك الأكل ثلاث مرات، وفى البازی ونحوه من الطيور بالرجوع إذا دعى ، قال الزيعلى: روى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما ... وإنما شرط ترك الأكل ثلاث مرات .. لأن تعلمه يعرف بتكرار التجارب والامتحان . وعند أبى حنيفة لا يثبت التعلم مالم یغلب على ظنه أن قد تعلم، ولا يُقدَّر بشىء، لأن المقادير تعرف بالنص لا بالاجتهاد. ولا نص هنا، فیفوض إلى رأی المبتلى به، كما هو دأبه، ولأن مدة التعلم تختلف بالحذاقة والبلادة، فلا يمكن معرفتها (٢). قال ابن عابدين: ظاهر الملتقى ترجيح عدم التقدير (٣). أما شرب الجارح دم المصید فلا يضر عند الجميع (٤). ٤٠ - الشرط الثانى : أن يجرح الحيوان الصيد في أي موضع من بدنه، وهذا عند المالكية والحنابلة، وهو ظاهر الرواية والمفتى به عند (١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١٠٤/٢. (٢) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥١/٦. (٣) ابن عابدين ٢٩٩/٥ . (٤) نفس المرجع. - ١٣٩ - صَيْد ٤٠ - ٤٢ الحنفية، ومقابل الأظهر عند الشافعية . فلو قتله الجارح بصدم، أو عض بلا جرح لم يبح، كالمعراض إذا قتل بعرضه أو ثقله، وكذا لو أرسل الكلب فأصاب الصيد وكسر عنقه ولم يجرحه، أو جثم على صدره وخنقه (١). ووجه اشتراط هذا الشرط، أی الجرح، هو قوله تعالى ﴿وما علّمتم من الجوارح مكلّبين﴾ (٢) ولأن المقصود إخراج الدم المسفوح ، وهو يخرج بالجرح عادة، ولا يتخلف عنه إلا نادرا، فأقيم الجرح مقامه، كما فى الذکاة الاختیاریة والرمي بالسهم، ولأنه إذا لم يجرحه صار موقوذة، وهي محرمة بالنص، كما علله الزيلعى وابن قدامة (٣). وقال الشافعية فى الأظهر عندهم، وهو قول أبی یوسف ورواية عن أبي حنيفة، وقول أشهب من المالكية : لا يشترط فى الحيوان أن يجرح الصيد، فلو تحاملت الجارحة على صيد فقتلته بثقلها، أو مات بصدمتها، أو بعضّها، أو بقوة إمساكها من غير عقر حلّ؛ (١) ابن عابدين على الدر المختار ٢٩٩/٥، والقوانين الفقهية ص ١٨٢، ١٨٣ والفواكه الدواني ٤٥٨/١، ومطالب أولى النهى ٣٥١/٦، ومغنى المحتاج ٢٧٦/٤، والمغنى لابن قدامة ٥٤٥/٨. (٢) سورة المائدة / ٤. (٣) تبيين الحقائق شرح الكنز ٥٢،٥١/٦. وذلك لعموم قوله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (١) ولأنه يعسر تعليمه أن لا يقتل إلا بجرح (٢). ٤١ - الشرط الثالث: أن يكون الحيوان مرسلا من قبل مسلم أو كتابى مقرونا بالتسمية، فلو انبعث من تلقاء نفسه، أو انفلت من يد صاحبه، أو ترك التسمية عند الإِرسال فأخذ صيدا وقتله لم يؤكل (٣؛ وذلك فى الجملة. وقد مر تفصيل هذا الشرط فى شروط الصائد . ٤٢ - الشرط الرابع: أن لا يشتغل الحيوان بعمل آخر بعد الإِرسال، وذلك ليكون الاصطياد منسوبا للإِرسال، وهذا الشرط منصوص عليه عند الحنفية والمالكية، قال ابن عابدين: لو أكل خبزا بعد الإِرسال أو بال لم يؤكل، ولو عدل عن الصيد يمنة أو يسرة، أو تشاغل في غير طلب الصيد، وفتّرَ عن سننه، ثم اتبعه فأخذه، لم يؤكل إلا بإرسال مستأنف، أو أن يزجره صاحبه ويسمّي فيما يحتمل الزجر فینزجر، بخلاف ما إذا كَمَنَ واستخفى، كما يكمن الفهد على (١) سورة المائدة / ٤. (٢) مغنى المحتاج ٢٧٦/٤ . (٣) ابن عابدين ٣٩٩/٥ - ٤٠٢، والقوانين الفقهية ص ١٨٢، ومغنى المحتاج ٢٧٥/٤، وكشاف القناع ٢٢٤/٦ . - ١٤٠ -