Indexed OCR Text
Pages 41-60
صَوْم ٥٢ - ٥٤ إلى المثانة ، أما مادام في قصبة الذكر فلا یفسد (١). الثاني : التقطير فى فرج المرأة : ٥٣ - الأصح عند الحنفية ، والمنصوص فى مذهب المالكية ، والذى يؤخذ من مذهب الشافعية والحنابلة - الذين نصوا على الإِحليل فقط - هو فساد الصوم به ، وعلله الحنفية بأنه شبيه بالحقنة .(٢) ووجهه عند المالکیة، استجماع شرطين. أحدهما : أنه من المنفذ السافل الواسع ، والآخر : الاحتقان بالمائع . وقد نص الدردیر علی الإفطار به ، ونص الدسوقى على وجوب القضاء على المشهور، ومقابله ما لابن حبيب من استحباب القضاء ، بسبب الحقنة من المائع الواصلة إلى المعدة ، من الدبر أو فرج المرأة، کما نص الدردير على أن الاحتقان بالجامد لاقضاء فيه ، ولا فى الفتائل التى عليها دهن (٣). (١) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٦٢، وتبيين الحقائق ٣٣٠/١. (٢) فتح القدير ٢٦٧/٢، وتبيين الحقائق ٣٣٠/١، ومراقى الفلاح (٣٧٠) والفتاوى الهندية ٢٠٤/١، وانظر الإقناع ٣٣٠/٢، وحاشية القليوب وعميرة على شرح المحلى ٥٦/٢، والروض المربع ١ /١٤٠. (٣) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقى عليه ٥٢٤/١. رابعا : التقصير فى حفظ الصوم والجهل به : الأول : التقصير : ٥٤ - أ - من صور التقصير ما لو تسحر أو جامع ، ظانا عدم طلوع الفجر، والحال أن الفجر طالع ، فإنه يفطر ويجب عليه القضاء دون الكفارة ، وهذا مذهب الحنفية ، ومشهور مذهب المالكية ، والصحيح من مذهب الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وذلك للشبهة ، لأن الأصل بقاء الليل ، والجناية قاصرة ، وهى جناية عدم التثبت ، لا جناية الإفطار، لأنه لم يقصده ، ولهذا صرحوا بعدم الإِثم عليه . واختار الشيخ تقى الدين - ابن تيمية - أنه لا قضاء عليه (١). وإذا لم يتبين له شىء، لا يجب عليه القضاء فى ظاهر الرواية - عند الحنفية -، وقیل یقضی احتياطا وكذلك الحكم إذا أفطر بظن الغروب، والحال أن الشمس لم تغرب، عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأن الأصل بقاء النهار، وابن نجيم فرع هذين الحكمين على قاعدة : اليقين لا يزول بالشك (٢). (١) الإِنصاف ٣١١/٣. (٢) انظر الأشباه والنظائر (ص ٥٨ ط بيروت)، ومراقى الفلاح = - ٤١ - صَوْم ٥٤ قال ابن جزى: من شك فى طلوع الفجر، حرم عليه الأكل، وقيل: يكره ... فإن أكل فعليه القضاء وجوبا - على المشهور- وقيل: استحبابا، وإن شك فى الغروب، لم يأكل اتفاقا، فإن أكل فعليه القضاء والكفارة، وقيل: القضاء فقط، وقال الدسوقى : المشهور عدمها . ومن المالكية من خص القضاء بصيام الفرض فى الشك فى الفجر، دون صيام النفل، ومنهم من سوی بینهما (١). وقيل عند الشافعية: لا يفطر في صورت الشك فى الغروب والفجر، وقيل: يفطر فى الأولى، دون الثانية (٢). ومن ظن أو اشتبه في الفطر، كمن أكل ناسيا فظن أنه أفطر، فأكل عامدا، فإنه لا تجب عليه الكفارة، لقيام الشبهة الشرعية (٣) . والقضاء هو ظاهر الرواية عند الحنفية. = ص ٣٦٩، والدر المختار ورد المحتار ١٠٤/٢ و١٠٥، والبدائع ١٠٠/٢، وجواهر الإكليل ١٥٠/١، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥٢٦/١، والقوانين الفقهية ص ٨١، وروضة الطالبين ٣٦٣/٢، وشرح المحلى على المنهاج ٥٩/٢٠. (١) القوانين الفقهية ص ٨١، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير ٥٢٦/١. (٢) روضة الطالبين ٣٦٣/٢، شرح المحلى على المنهاج ٥٩/٢. (٣) روضة الطالبين ٣٦٣/٢، وانظر شرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوب عليه ٢/ ٥٩ . وهو الأصح (١). أما لو فعل مالا يظن به الفطر، كالفصد والحجامة والاكتحال واللمس والتقبيل بشهوة ونحو ذلك، فظن أنه أفطر بذلك، فأكل عمدا، فإنه يقضى فى تلك الصور ويكفر لأنه ظن فی غير محله . فلو کان ظنه فی محله فلا كفارة، کما لو أفتاه مفت ۔ یعتمد على قوله ویؤخذ بفتواه فى البلد - بالإِفطار فى الحجامة فأكل عامدا، بعدما احتجم لا يكفر (٢). والمالكية قسموا الظن فى الفطر إلى قسمين : أ - تأويل قريب، وهو الذى يستند فيه المفطر إلى أمر موجود، يعذر به شرعا، فلا کفارة علیه، کما في هذه الصور: - لو أفطر ناسيا، فظن لفساد صومه إباحة الفطر، فأفطر ثانيا عامدا، فلا كفارة عليه . - أو لزمه الغسل ليلا لجنابة أو حيض، ولم يغتسل إلا بعد الفجر، فظن الإِباحة، فأفطر عمدا . - أو تسحر قرب الفجر، فظن بطلان صومه، فأفطر . - أو قدم المسافر ليلا، فظن أنه لا يلزمه (١) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٦٨. (٢) انظر الدر المختار ورد المحتار عليه ١٠٨/٢ و ١٠٩، وبدائع الصنائع ٢ /١٠٠. - ٤٢ - صَوْم ٥٤ صوم صبيحة قدومه، فأفطر مستندا إلى هذا التأويل، لا تلزمه الكفارة . - أو سافر دون مسافة القصر، فظن إباحة الفطر فبيت الفطر، فلا كفارة عليه . - أو رأی هلال شوال نهارا، یوم ثلاثین من رمضان، فاعتقد أنه يوم عيد، فأفطر . فهؤلاء إذا ظنوا إباحة الفطر فأفطروا، فعليهم القضاء ولا كفارة عليهم، وإن علموا الحرمة، أوشكوا فيها فعليهم الكفارة . ب - تأويل بعيد، وهو المستند فيه إلى أمر معدوم، أو موجود لكنه لم يعذر به شرعا، فلا ينفعه ، وعرفه الآبى بأنه: مالم يستند لموجود غالبا، (١)مثال ذلك . -من رأی هلال رمضان، فشهد عند حاكم، فرد ولم يقبل لمانع، فظن إباحة الفطر، فأفطر، فعليه الكفارة لبعد تأويله . وقال أشهب: لاكفارة عليه لقرب تأويله لاستناده لموجود، وهو رد الحاكم شهادته . والتحقيق: أنه استند لمعدوم، وهو أن اليوم لیس من رمضان، مع أنه منه برؤية عينه . - أو بيت الفطر وأصبح مفطرا، فى يوم حمّی تأتیه فیه عادة، ثم حمّ فى ذلك اليوم، وأولى إن لم يحمّ . - أو بيتت الفطر امرأة لحيض اعتادته فى (١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥٣٢/١، وجواهر الإكليل ١٥٢/١ يومها، ثم حصل الحيض بعد فطرها، وأولى إن لم يحصل . - أو أفطر لحجامة فعلها بغيره، أوفعلت به، فظن الإباحة، فإنه یکفر. لكن قال الدردير: المعتمد في هذا عدم الكفارة، لأنه من القريب، لاستناده لموجود، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (١). - أو اغتاب شخصا فی نهار رمضان، فظن إباحة الفطر فأفطر، فعليه الكفارة (٢). ونص الشافعية علی أن من جامع عامدا، بعد الأكل ناسيا، وظن أنه أفطر به، لا كفارة عليه، وإن كان الأصح بطلان صومه بالجماع، لأنه جامع وهو يعتقد أنه غير صائم، فلم یأثم به، لذلك قيل: لايبطل صومه، وبطلانه مقیس علی من ظن الليل وقت الجماع، فبان خلافه . وعند القاضى أبى الطيب، أنه يحتمل أن تجب به الكفارة، لأن هذا الظن لا يبيح الوطء . وأما لو قال: علمت تحريمه، وجهلت (١) حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٧٠) من حديث ثوبان وذكر الزيلعى فى نصب الراية (٤٧٢/٢) أن البخارى صححه نقلا عن الترمذى . (٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقى عليه ٥٣٢،٥٣١/١، وجواهر الإكليل ١٥١/١، ١٥٢. - ٤٣ - صَوْم ٥٤ - ٥٥ وجوب الكفارة، لزمته الكفارة بلا خلاف (١). ونص الحنابلة على أنه لو جامع فی یوم رأی الهلال فى ليلته، وردت شهادته لفسقه أو غيره، فعليه القضاء والكفارة، لأنه أفطر يوما من رمضان بجماع، فلزمته كما لو قبلت شهادته . وإذا لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسى النية، أو أكل عامدا، ثم جامع تجب عليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوطء، ولا صوم هناك، فكذا هنا (٢). الثانى: الجهل: ٥٤ - ب - الجهل: عدم العلم بما من شأنه أن يعلم . فالجمهور من الحنفية والشافعية، وهو مشهور مذهب المالكية، على إعذار حديث العهد بالإِسلام، إذا جهل الصوم فى رمضان . قال الحنفية: یعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم، ولم يصل، ولم يزك بجهله بالشرائع، مدة جهله، لأن الخطاب إنما يلزم بالعلم به أو بدلیله، ولم یوجد، إذ لا دلیل عنده على فرض الصلاة والصوم (٣). (١) شرح المحلى على المنهاج ٧٠/٢ و٧١، والمجموع ٣٤٤/٦. (٢) كشاف القناع ٣٢٦/٢، والروض المربع ١٤٢/١. (٣) مراقى الفلاح ص ٢٤٣ . وقال الشافعية: لو جهل تحريم الطعام أو الوطء، بأن كان قريب عهد بالإِسلام ، أو نشأ بعيدا عن العلماء، لم يفطر، كما لو غلب عليه القىء (١). والمعتمد عند المالكيه: أن الجاهل بأحكام الصيام لا كفارة عليه، وليس هو کالعامد . وقسم الدسوقى الجاهل إلى ثلاثة: فجاهل حرمة الوطء، وجاهل رمضان، لا كفارة عليهما، وجاهل وجوب الكفارة - مع علمه بحرمة الفعل - تلزمه الكفارة (٢). وأطلق الحنابلة وجوب الكفارة، كما قرر بعض من المالكية، وصرحوا بالتسوية بين العامد والجاهل والمكره والساهى والمخطىء (٣). خامسا: عوارض الإِفطار: ٥٥ - المراد بالعوارض: ما يبيح عدم الصوم . وهى: المرض، والسفر، والحمل، والرضاع، والهرم، وإرهاق الجوع والعطش، والإِكراه (٤). (١) الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ٣٣٠/٢ . (٢) شرح رسالة أبى زيد، وحاشية العدوى عليه ١ / ٤٠٠، وجواهر الإکلیل ١٥٠/١ . (٣) كشاف القناع ٣٢٤/٢، والمغنى والشرح الكبير ٥٤/٣، والروض المربع ١٤١/١ و١٤٢. (٤) مراقى الفلاح ص ٣٧٣. - ٤٤ - ٠٠٠ .... صَوْمٌ ٥٦ أولا : المرض: ٥٦ - المرض هو: كل ماخرج به الإِنسان عن حد الصحة من علة (١) . قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض فى الجملة(٢) والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ومن کان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (٣) . وعن سلمه بن الأكوع رضى الله تعالى عنه قال: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذین یطیقونه فدية طعام مسکین﴾ كان من أراد أن يفطر، يفطر ويفتدى، حتى أنزلت الآية التى بعدها يعنى قوله تعالى: ﴿شھر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا (٤) أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فنسختها. فالمریض الذی یخاف زيادة مرضه بالصوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو، له أن يفطر، بل يسن فطره، ويكره إتمامه، لأنه قد يفضى إلى الهلاك، فيجب الاحتراز عنه (٥) . (١) المصباح المنير مادة (مرض). (٢) المغنى والشرح الكبير ١٦/٣ . (٣) سورة البقرة : ١٨٥. (٤) حديث سلمة بن الأكوع: ((لما نزلت هذه الآية ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٨/ ١٨١) ومسلم (٢ / ٨٠٢) والآيتان ١٨٤، ١٨٥ من سورة البقرة. (٥) حاشية القليوبى على شرح المحلى ٨٣/١، وكشاف القناع .- ثم إن شدة المرض تجيز الفطر للمريض . أما الصحيح إذا خاف الشدة أو التعب، فإنه لا يجوز له الفطر، إذا حصل له بالصوم مجرد شدة تعب، هذا هو المشهور عند المالكية، وإن قيل بجواز فطره. وقال الحنفية: إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم، فليس له الفطر . وقال المالكية : إذا خاف حصول أصل المرض بصومه، فإنه لا يجوز له الفطر - على المشهور - إذ لعلَّه لا ينزل به المرض إذا صام . وقيل: يجوز له الفطر . فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه، وجب الفطر . وكذا لو خاف أذى شديدا، كتعطيل منفعة، من سمع أو بصر أو غيرهما، لأن حفظ النفس والمنافع واجب، وهذا بخلاف الجهد الشديد، فإنه يبيح الفطر للمريض، قيل: والصحيح أيضاً(١). وقال الشافعية: إن المريض - وإن تعدى بفعل ما أمرضه-یباح له ترك الصوم، إذا وجد به ضررا شديدا، لكنهم شرطوا لجواز فطره نیةالترخص۔۔ کما قال الرملی واعتمدہ ۔ وفرقوا = ٣١٠/٢، ومراقى الفلاح ص ٣٧٣، ورد المحتار ١١٦/٢. (١) الدر المختار ورد المحتار ١١٦/٢، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥٣٥/١، وجواهر الإكليل ١٥٣/١. - ٤٥ - صَوْم ٥٦ بين المرض المطبق، وبين المرض المتقطع : فإن كان المرض مطبقا، فله ترك النية فى الليل . وإن کان مجم وينقطع، نظر: فإن كان محموما وقت الشروع فى الصوم، فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوى من الليل، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر . ومثل ذلك الحصَّاد والبنَّاء والحارس - ولو متبرعا - فتجب عليهم النية ليلا، ثم إن لحقتهم مشقة أفطروا. قال النووى: ولا يشترط أن ينتهى إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم، بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها ، وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة فلم يجز له الفطر، بلا خلاف عندنا، خلافا لأهل الظاهر (١). وخوف الضرر هو المعتبر عند الحنابلة، أما خوف التلف بسبب الصوم فإنه يجعل الصوم مکروها، وجزم جماعة بحرمته، ولا خلاف فى الإجزاء، لصدوره من أهله فی محله، کما لو أتم المسافر (٢). (١) شرح المحلي وحاشية القليوب عليه ٦٤/٢، وروضة الطالبين ٣٦٩/٢، والمجموع ٢٥٨/٦، وانظر أيضا: الإقناع للشربينى الخطيب وحاشية البجيرمي عليه ٣٤٨/٢ و٣٤٩. (٢) انظر كشاف القناع ٣١٠/٢، وانظر الإنصاف ٢٨٦/٣، " والمغنى والشرح الكبير ١٦/٣. قالوا: ولو تحمل المريض الضرر، وصام معه، فقد فعل مكروها، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيفا من الله وقبول رخصته، لكن يصح صومه ويجزئه، لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، لصدوره من أهله فى محله، كما أتم المسافر، وكالمريض الذى يباح له ترك الجمعة، إذا حضرها . قال فى المبدع: فلو خاف تلفا بصومه، كره، وجزم جماعة بأنه يحرم . ولم يذكروا خلافا فى الإِجزاء (١) . ولخص ابن جُزَىّ من المالكية أحوال المريض بالنسبة إلى الصوم ، وقال: للمريض أحوال : الأولى: أن لا يقدر على الصوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب . الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة، فالفطر له جائز، وقال ابن العربى : مستحب . الثالثة: أن يقدر بمشقة، ويخاف زيادة المرض ، ففى وجوب فطره قولان . الرابعة: أن لا یشق علیه، ولا يخاف (١) المغنى ١٧/٣، وكشاف القناع ٣١٠/٢. -٤٦ - صَوْم ٥٦ - ٥٧ زیادة المرض، فلا یفطر عند الجمهور، خلافا لابن سیرین (١). ونص الشافعية على أنه إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض، جاز له الفطر بلا خلاف، لأنه أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة، فجاز له الفطر(٢). ثانيا: السفر: ٥٧ - يشترط فى السفر المرخص فى الفطر مايلي : أ - أن يكون السفر طويلا مما تقصر فيه الصلاة قال ابن رشد: وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر فى السفر فهو المشقة، ولما كانت لا توجد في كل سفر، وجب أن يجوز الفطر فى السفر الذي فيه المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك، وجب أن يقاس ذلك على الحد فى تقصير الصلاة (٣). ب - أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدة أربعة أيام بلياليها عند المالكية والشافعية، وأكثر من أربعة أيام عند الحنابلة، وهى نصف شهر أو خمسة عشر يوما عند الحنفية (٤) (١) القوانين الفقهية ص ٨٢. (٢) المجموع ٢٥٨/٦، وانظر كشاف القناع ٣١٠/٢. (٣) بداية المجتهد ٣٤٦/١. (٤) الدر المختار ٥٢٨/١، ومراقى الفلاح بحاشية الطحطاوى = ج- أن لا یکون سفره فی معصية، بل فی غرض صحيح عند الجمهور، وذلك: لأن الفطر رخصة وتخفيف، فلا يستحقها عاص بسفره، بأن كان مبنى سفره على المعصية، كما لو سافر لقطع طريق مثلا . والحنفية يجيزون الفطر للمسافر، ولو كان عاصيا بسفره، عملا بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والرخصة تتعلق بالسفر لا بالمعصية (١). د - أن يجاوز المدينة وما يتصل بها، والبناءات والأفنية والأخبية (٢). وذهب عامة الصحابة والفقهاء، إلى أن من أدرك هلال رمضان وهو مقیم، ثم سافر، جاز له الفطر ، لأن الله تعالى جعل مطلق السفر سبب الرخصة، بقوله: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر، فعدة من أيام أخر﴾ (٣)، ولما ثبت من ((أن رسول الله واله = عليه ص ٢٣١، والقوانين الفقهية ص ٥٩، وشرح المحلى على المنهاج ٢٥٧/١، والروض المربع ٨٩/١. (١) تبيين الحقائق ٢١٦/١، والدر المختار ورد المحتار ٥٢٧/١، ومراقي الفلاح ص ٢٣٠، والقوانين الفقهية ص ٥٩، وحاشية البيجورى على ابن قاسم ٢١٠/١، والروض المربع ٨٩/١. (٢) رد المحتار ١١٥/٢، والشرح الكبير للدردير ٥٣٤/١، ومنح الجليل ٤٠٩/١ والمجموع ٢٦١/٦، وكشاف القناع ٣١٢/٢، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير ٥٣٥/١. (٣) سورة البقرة / ١٨٥. - ٤٧ - صَوْمْ ٥٧ - ٥٨ خرج في غزوة الفتح فى رمضان مسافرا، وأفطر) (١) . ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة . وحكى النووى عن أبى مخلد التابعى أنه لا يسافر، فإن سافر لزمه الصوم وحرم الفطر. وعن سويد بن غفلة التابعي: أنه يلزمه الصوم بقية الشهر، ولا يمتنع السفر، واستدل لهما بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾(١) وحکی الکاساني عن على وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أنه إذا أهل فى المصر، ثم سافر، لا يجوز له أن يفطر. واستدل لهم بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ولأنه لما استهل فى الحضر لزمه صوم الإقامة، وهو صوم الشهر حتما، فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك، كاليوم الذي سافر فيه، فإنه لا يجوز له أن یفطر فیه (٣). ٥٨ - وفي وقت جواز الفطر للمسافر ثلاث أحوال: (١) حديث: ((أن رسول الله # خرج فى غزوة الفتح فى رمضان ... )) أخرجه البخاری (الفتح ٣/٨)من حديث ابن عباس. (٢) سورة البقرة / ١٨٥ . (٣) البدائع بتصرف ٢ /٩٤ و ٩٥. الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع الفجر وهو مسافر، وينوي الفطر، فیجوز له الفطر إجماعا ۔ كما قال ابن جزىّ - لأنه متصف بالسفر، عند وجود سبب الوجوب . الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر، بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده، ثم يسافر بعد طلوع الفجر، أو خلال النهار، فإنه لا يحل له الفطر بإنشاء السفر بعدما أصبح صائما، ويجب عليه إتمام ذلك اليوم، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد . وذلك تغليبا لحكم الحضر (١). ومع ذلك لاكفارة عليه فى إفطاره عند الحنفية، وفي المشهور من مذهب المالكية، خلافا لابن كنانة، وذلك للشبهة فى آخر الوقت (٢). ولأنه لما سافر بعد الفجر صار من أهل الفطر، فسقطت عنه الكفارة . والصحيح عند الشافعية أنه يحرم عليه الفطر حتى لو أفطر بالجماع لزمته الكفارة (٣) . (١) الوجيز ١٠٣/١، والدر المختار ١٢٢/٢، والقوانين الفقهية ص ٨٢، وشرح المحلى على المنهاج ٦٤/٢، والمغنى ١٩/٣ والروض المربع ١٣٩/١. (٢) الدر المختار ورد المحتار ١٢٢/٣ و ١٢٣، والقوانين الفقهية ص ٨٢، وانظر مراقى الفلاح ص ٣٦٩. (٣) الشرح الكبير للدردير ٥٣٥/١، ومنح الجليل ٤١٠/١، = - ٤٨ - .. صَوْمْ ٥٨ والمذهب عند الحنابلة وهو أصح الروايتين عن أحمد، وهو ماذهب إليه المزني وغيره من الشافعية : أن من نوى الصوم في الحضر، ثم سافر فى أثناء اليوم، طوعا أو کرها، فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بیوت قريته العامرة، وخروجه من بین بنيانها، واستدلوا بما يلى : - ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر، فعدة من أيام أخر﴾ (١). - وحديث جابر- رضى الله تعالى عنه - ((أن رسول الله صل﴾ خرج إلي مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب - والناس ينظرون إليه - فأفطر بعضهم، وصام بعضهم،فبلغهأن ناسا صاموا، فقال: أولئك العصاة)» (٢). - وحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: ((خرج رسول الله وَلاير عام الفتح = حاشية القليوبى على شرح المحلي ٦٤/٢، وروضة الطالبين ٣٦٩/٢. (١) سورة البقرة / ١٨٥. (٢) حديث جابر: ((أن رسول الله # خرج إلى مكة عام الفتح ٠٠٠، أخرجه مسلم (٧٨٦،٧٨٥/٢) والترمذى (٨٠/٣ - ٨١) والسیاق للترمذی . إلى مكة، فى شهر رمضان، فصام حتى مر بغدير فى الطريق، وذلك في نحر الظهيرة . قال: فعطش الناس، وجعلوا يمدون أعناقهم، وتتوق أنفسهم إليه . قال: فدعا رسول الله وَلي بقدح فيه ماء، فأمسكه على يده، حتى رآه الناس، ثم شرب، فشرب الناس)) (١). - وقالوا: إن السفر مبیح للفطر، فإباحته فى أثناء النهار كالمرض الطاريء ولو كان بفعله . - وقال الذين أباحوه من الشافعية: إنه تغليب لحكم السفر (٢). وقد نص الحنابلة، المؤيدون لهذا الرأي على أن الأفضل لمن سافر في أثناء یوم نوی صومه إتمام صوم ذلك اليوم، خروجا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء، تغليبا لحكم الحضر، كالصلاة (٣). الثالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده . وقد منع من ذلك الجمهور، وقالوا: إن رخصة السفر لا تتحقق بدونه، كما لا تبقى بدونه، ولما يتحقق السفر بعد، بل هو مقيم وشاهد، وقد قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم (١) حديث ابن عباس: ((خرج رسول الله1 عام الفتح إلى مكة ... ) أخرجه أحمد (٣٦٦/١)، وعلقه البخاري في صحيحه (٣/٨). (٢) شرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوبى ٦٤/٢ . (٣) كشاف القناع ٣١٢/٢، والروض المربع ١٣٩/١. - ٤٩ - صَوْم ٥٨ - ٥٩ الشهر فليصمه﴾ ولا یوصف بكونه مسافرا حتی یخرج من البلد، ومهما كان فى البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة .. والجمهور الذين قالوا بعدم جواز الإِفطار في هذه الصورة، اختلفوا فيما إذا أكل، هل عليه كفارة؟ فقال مالك: لا . وقال أشهب: هو متأول وقال غيرهما: يكفر . وقال ابن جزيّ: فإن أفطر قبل الخروج، ففي وجوب الكفارة عليه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يسافر فتسقط، أولا، فتجب (١). ٥٩ - ويتصل بهذه المسائل فى إفطار المسافر : ما لو نوى فى سفره الصوم ليلا، وأصبح صائما، من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر، لا يحل فطره في ذلك اليوم عند الحنفية والمالكية، وهو وجه محتمل عند الشافعية، ولو أفطر لا كفارة عليه للشبهة . قال ابن عابدين: وكذا لا كفارة عليه بالأولی، لو نوی نهارا (٢) . وقال ابن جزىّ: من كان في سفر، فأصبح على نية الصوم، لم يجز له الفطر إلا بعذر، كالتغذى للقاء العدو، وأجازه مطرف (١) القوانين الفقهية ص ٨٢. (٢) رد المحتار ١٢٢/٢ و١٢٣، وانظر مراقى الفلاح ص ٣٦٩ و ٣٧٤. من غير عذر، وعلى المشهور: إن أفطر، ففى وجوب الكفارة ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع فتجب، أو بغيره فلا تجب . لكن الذى فى شروح خليل، وفى حاشية الدسوقي : أنه إذا بيت نية الصوم فى السفر وأصبح صائما فيه ثم أفطر، لزمته الكفارة سواء أفطر متأولا أم لا. فسأل سحنون ابن القاسم، عن الفرق بين من بيّت الصوم في . الحضر ثم أفطر بعد أن سافر بعد الفجر من غیر أن ینویه فلا كفارة علیه، وبین من نوی الصوم في السفر ثم أفطر فعليه الكفارة؟ فقال: لأن الحاضر من أهل الصوم، فسافر فصار من أهل الفطر، فسقطت عنه الكفارة، والمسافر مخير فيهما، فاختار الصوم وترك الرخصة، فصار من أهل الصيام، فعليه ماعليهم من الكفارة (١) . والشافعية فى المذهب، والحنابلة قالوا: لو أصبح صائما فى السفر، ثم أراد الفطر، جاز من غير عذر، لأن العذر قائم - وهو السفر- أو لدوام العذر- كما يقول المحلى . ومما استدلوا به حديث ابن عباس رضى (١) القوانين الفقهية ص ٨٢ والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٥٣٥/١ وجواهر الإكليل ١٥٣/١، ومنح الجليل ٤١٠/١، وشرح الزرقانى (٢١٣/٢ ط: دار الفكر، بيروت) . ٠ ٥٠- صَوْم ٥٩ - ٦٠ الله تعالی عنهما ( ... فصام حتی مر بغدیر في الطريق )) وحديث جابر- رضي اللّه تعالى فصام حتى بلغ كراع عنه - (( ... الغمیم» () قال ابن قدامه: وهذا نص صريح ، لا يعرج على ماخالفه (٢) . قال النووى: وفيه احتمال لإمام الحرمين، وصاحب المهذب : أنه لا يجوز، لأنه دخل فى فرض المقيم، فلا يجوز له الترخص برخصة المسافر، كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام، ثم أراد أن يقصر، وإذا قلنا بالمذهب، ففى كراهة الفطر وجهان، وأصحهما أنه لايلزمه ذلك، للحديث الصحيح، أن رسول الله ﴿﴿ فعل ذلك (٣). وزاد الحنابلة أن له الفطر بما شاء، من جماع وغيره، كأكل وشرب، لأن من أبيح له الأكل أبيح له الجماع، كمن لم ينو، ولا كفارة عليه بالوطء، لحصول الفطر بالنية قبل الجماع، فيقع الجماع بعده (٤). (١) حديث ابن عباس: ((فصام حتى مر بغدير ... )) وحديث جابر: «فصام حتى بلغ كراع الغميم ... تقدما فى الفقرة /٥٨ . (٢) المغني ١٩/٣. (٣) روضة الطالبين ٣٦٩/٢، والمهذب وشرحه المجموع ٢٦٠/٦ و٢٦١، وشرح المحلي على المنهاج ٦٤/٢، والوجيز ١٠٣/١. (٤) كشاف القناع ٣١٢/٢. صحة الصوم في السفر: ٦٠ - ذهب الأئمة الأربعة، وجماهير الصحابة والتابعين إلى أن الصوم فى السفر جائز صحيح منعقد، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه . وروی عن ابن عباس وابن عمر و أبى هريرة رضى الله عنهم أنه غیر صحیح، ويجب القضاء على المسافر إن صام فى سفر . وروى القول بكراهته . والجمهور من الصحابة والسلف، والأئمة الأربعة، الذين ذهبوا إلى صحة الصوم فى السفر، اختلفوا بعد ذلك فی أيهما أفضل، الصوم أم الفطر، أو هما متساويان ؟ فمذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وهو وجه عند الحنابلة، أن الصوم أفضل، إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه، وصرح الحنفية والشافعية بأنه مندوب (١). قال الغزالى: والصوم أحب من الفطر فى السفر، لتبرئة الذمة، إلا إذا كان يتضرر به (٢). وقید القليوبي الضرر بضرر لايوجب الفطر (٣). واستدلوا لذلك بقوله تعالى : ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام .. )) إنى قوله .. (١) الدر المختار ١١٧/٢ وحاشية القليوبى على شرح المحلى على المنهاج ٢ / ٦٤ . (٢) الوجيز ١٠٣/١. (٣) حاشية القليوبى ٢/ ٦٤ . - ٥١ - صَوْم ٦٠ «ولتكملوا العدة﴾ (١). فقد دلت الآيات على أن الصوم عزيمة والإِفطار رخصة، ولاشك في أن العزيمة أفضل، كما تقرر فى الأصول، قال ابن رشد: ماکان رخصة، فالأفضل ترك الرخصة (٢). - وبحديث أبى الدرداء المتقدم قال: ((خرجنا مع رسول الله مَّر في شهر رمضان، فی حر شدید ... مافينا صائم إلا رسول الله وَالر وعبد الله بن رواحة))(٣). وقيد الحدادى، صاحب الجوهرة من الحنفية، أفضلية الصوم - أيضا - بها إذا لم تكن عامة رفقته مفطرين، ولامشتركين في النفقة، فإن كانوا كذلك، فالأفضل فطره موافقة للجماعة (٤) . ومذهب الحنابلة، أن الفطر في السفر أفضل، بل قال الخرقى: والمسافر يستحب له الفطر قال المرداوى: وهذا هو المذهب . (١) سورة البقرة / ١٨٣ - ١٨٥. (٢) بداية المجتهد ٣٤٥/١. (٣) حديث أبى الدرداء: ((خرجنا مع رسول الله * فى شهر رمضان ... » أخرجه البخارى الفتح (٤ /١٨٢) ومسلم (٢ /٧٩٠) واللفظ لمسلم. (٤) الهداية وفتح القدير ٢٧٣/٢، والدر المختار ١١٧/٢ ومراقي الفلاح ص ٣٧٥، وبداية المجتهد ٣٤٥/١، والقوانين الفقهية (٨١) والمجموع ٢٦٥/٦ و٢٦٦، وشرح المحلى على المنهاج ٦٤/٢، والإنصاف ٢٨٧/٣. وفى الإِقناع : والمسافر سفر قصر يسن له الفطر. ويكره صومه، ولو لم يجد مشقة. وعليه الأصحاب، ونص عليه، سواء وجد مشقة أو لا، وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم وسعيد والشعبى والأوزاعى (١). واستدل هؤلاء بحديث جابر- رضي الله تعالى عنه -: ((ليس من البر الصوم في السفر)) (٢) وزاد فى رواية: ((عليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها)) (٣). قال المجد: وعندي لایکره من قوى، واختاره الآجری (٤). قال النووى والكمال بن الهمام: إن الأحاديث التي تدل على أفضلية الفطر، محمولة على من يتضرر بالصوم، وفى بعضها التصريح بذلك، ولا بد من هذا التأويل، لیجمع بین الأحادیث، وذلك أولى من إهمال بعضها، أو ادعاء النسخ، من غير دليل قاطع (٥) . والذين سووا بين الصوم وبين الفطر، (١) كشاف القناع ٣١١/٢، والمغنى والشرح الكبير ١٨/٣ . (٢) حديث جابر: ((ليس من البر الصوم فى السفر)). أخرجه البخارى (الفتح ٤ /١٨٣) ومسلم (٧٨٦/٢). (٣) زيادة: ((عليكم برخصة الله ... )) أخرجها مسلم (٧٨٦/٢)، وفي رواية أخرى لهذا الحديث: ((التي رخص لكم)) أخرجها النسائى (١٧٦/٤). (٤) كشاف القناع ٣١٢/٢. (٥) المجموع ٢٦٦/٦، وفتح القدير ٢٧٣/٢، ٢٧٤ . - ٥٢ - صَوْم ٦٠ - ٦١ استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمى رضى الله تعالى عنه قال للنبي - ◌َ﴾ - (أأصوم فى السفر؟) - وكان کثیر الصیام ۔ فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) (١) . انقطاع رخصة السفر: ٦١ - تسقط رخصة السفر بأمرين اتفاقا: الأول: إذا عاد المسافر إلى بلده، ودخل وطنه، وهو محل إقامته، ولو كان دخوله بشىء نسیه، يجب علیه الصوم، کما لو قدم ليلا، أو قدم قبل نصف النهار عند الحنفيه (٢) . أما لو قدم نهارا، ولم ينو الصوم ليلا، أو قدم بعد نصف النهار- عند الحنفية، ولم یکن نوى الصوم قبلا - فإنه يمسك بقية النهار، على خلاف وتفصیل فى وجوب إمساكه . الثاني: إذا نوى المسافر الإِقامة مطلقا، أو مدة الإقامة التى تقدمت في شروط جواز فطر المسافر في مكان واحد، وكان المكان صالحا للإِقامة، لا كالسفينة والمفازة ودار الحرب، فإنه يصير مقيما بذلك، فيتم الصلاة، (١) حديث عائشة: ((أن حمزة بن عمرو الأسلمى قال للنبى *... )) الحديث أخرجه البخاری (١٧٩/٤) ومسلم (٧٨٩/٢). (٢) الدر المختار ورد المحتار عليه ١٠٦/٢. ويصوم ولا يفطر فى رمضان، لانقطاع حكم السفر(١) . وصرحوا بأنه يحرم عليه الفطر - على الصحيح - لزوال العذر، وفى قول يجوز له الفطر، اعتبارا بأول اليوم (٢). قال ابن جزی: إن السفر لا يبيح قصرا ولا فطرا إلا بالنية والفعل، بخلاف الإقامة، فإنها توجب الصوم والإِتمام بالنية دون الفعل (٣) . وإذا لم ينو الإِقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له، بلا نیة إقامة، ولایدری متی تنقضی، أو کان يتوقع انقضاءها فی کل وقت، فإنه يجوز له أن يفطر، كما يقصر الصلاة . قال الحنفية: ولو بقى على ذلك سنين . فإن ظن أنها لاتنقضي إلا فوق أربعة أيام عند الجمهور، أو خمسة عشر يوما عند الحنفية، فإنه يعتبر مقيما، فلا يفطر ولا يقصر، إلا إذا كان الفرض قتالا ۔ کما قال الغزالی ۔۔ فإنہ یترخص علی أظهر القولين، أو دخل المسلمون أرض الحرب أو حاصروا حصنا فيها، أوكانت المحاصرة للمصر على سطح البحر، فإن لسطح البحر (١) البدائع ٩٧/٢ و٩٨، وانظر الشرح الكبير للدردير ٥٣٥/١، وشرح المحلى على المنهاج ٦٤/٢و٢٥٧/١، والوجيز ٥٨/١. (٢) شرح المحلى على المنهاج ٦٤/٢. (٣) القوانين الفقهية ص ٨٢. - ٥٣ - صَوْم ٦١ - ٦٢ حکم دار الحرب (١) . ودليل هذا ((أنه ـ رَ * - أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة))(٢) ويلاحظ أن الفطر كالقصر الذى نصوا عليه فى صلاة المسافر، من حيث الترخص، فإن المسافر له سائر رخص السفر (٣). ثالثا: الحمل والرضاع: ٦٢ - الفقهاء متفقون على أن الحامل والمرضع لهما أن تفطرا فى رمضان، بشرط أن تخافا على أنفسهما أو على ولدهماالمرض أوزيادته، أوالضرر أو الهلاك، فالولد من الحامل بمنزلة عضو منها، فالإِشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها (٤) . قال الدردير: ويجب (يعنى الفطر) إن خافتا هلاکا أو شدید أذى، ويجوز إن خافتا عليه المرض أو زيادته . ونص الحنابلة على كراهة صومهما، كالمريض (٥) . (١) الدر المختار ٥٢٩/١، والاختيار ٨٠/١ والقوانين الفقهية ص ٥٩، والإقناع بحاشية البجيرمى ١٥٤/٢، والروض المربع ٩٠/١، والوجيز ٥٨/١ و ٥٩. (٢) انظر الروض المربع ٩٠/١ وحديث: ((أن رسول الله صل﴿ أقام : بتبوك عشرين يوما ... )) أخرجه أبو داود (٢٧/٢) وأعله بالإِرسال، وأعله الدارقطنى بالإِرسال والانقطاع کذا فی التلخيص لابن حجر (٤٥/٢). (٣) حاشية البجيرمى على شرح الإقناع للخطيب ١٥٤/٢. (٤) المغني مع الشرح الكبير ٣/ ٢٠. (٥) الشرح الكبير للدردير ٥٣٦/١، وجواهر الإكليل ١٥٣/١، ومنح الجليل ٤١٠/١، وكشاف القناع ٣١٣/٢ . ودليل ترخيص الفطر لهما قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (١) وليس المراد من المرض صورته، أو عين المرض، فإن المريض الذى لايضره الصوم لیس له أن یفطر، فکان ذکر المرض كناية عن أمر يضر الصوم معه، وهو معنی المرض، وقد وجد ههنا، فید خلان تحت رخصة الإِفطار (٢) . وصرح المالكية بأن الحمل مرض حقيقة، والرضاع فى حكم المرض، ولیس مرضا حقيقة (٣). وكذلك، من أدلة ترخيص الفطر لهما، حديث أنس بن مالك الكعبي رضى الله تعالى عنه أن رسول الله - ريال - قال: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام)) وفى لفظ بعضهم: ((عن الحبلى والمرضع)) (٤). وإطلاق لفظ الحامل يتناول - كمانص القلیوبي - كل حمل، ولو من زنى وسواء أكانت المرضع أما للرضيع، أم كانت (١) سورة البقرة / ١٨٥. (٢) البدائع ٩٧/٢. (٣) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقى عليه ٥٣٦/١، وانظر حاشية البجيرمى على الإقناع ٣٤٦/٢. (٤) حديث: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ... )) أخرجه الترمذى (٨٥/٣)، واللفظ الثانى أخرجه النسائي (٤ /١٩٠) وقال الترمذى: حديث حسن. - ٥٤ - صَوْم ٦٢ - ٦٣ مستأجرة لإِرضاع غير ولدها، فى رمضان أوقبله، فإن فطرها جائز، على الظاهر عند الحنفية، وعلى المعتمد عند الشافعية، بل لو كانت متبرعة ولو مع وجود غيرها، أو من زنى، جاز لها الفطر مع الفدية (١). وقال بعض الحنفية، كابن الكمال والبهنسي: تقيد المرضع بما إذا تعينت للإِرضاع، كالظئر بالعقد، والأم بأن لم يأخذ ثدى غيرها، أو كان الأب معسرا، لأنه حينئذ واجب عليها ، لكن ظاهر الرواية خلافه، وأن الإِرضاع واجب على الأم ديانة مطلقا وإن لم تتعين، وقضاء إذا كان الأب معسرا، أو كان الولد لا يرضع من غيرها . وأما الظئر فلأنه واجب عليها بالعقد، ولو كان العقد فى رمضان، خلافا لمن قيد الحل بالإِجارة قبل رمضان (٢). كما قال بعض الشافعية كالغزالى: يقيد فطر المرضع، بما إذا لم تكن مستأجرة لإِرضاع غير ولدها، أو لم تكن متبرعة ، لكن المعتمد المصحح عندهم خلافه، قياسا على السفر فإنه يستوي فى جواز الإفطار به من سافر (١) الدر المختار ١١٦/٢، وحاشية القليوبى على شرح المحلى ٦٨/٢. (٢) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٧٤ والدر المختار ورد المحتار عليه ١١٦/٢. لغرض نفسه، وغرض غيره، بأجرة وغيرها (١). رابعا: الشيخوخة والهرم: ٦٣ - وتشمل الشيخوخة والهرم مايلى: - الشیخ الفانى، وهو الذي فنیت قوته، أو أُشرف على الفناء، وأصبح کل یوم فى نقص إلى أن يموت . - المريض الذى لا يرجى برؤه، وتحقق اليأس من صحته . - العجوز، وهى المرأة المسنة . قال البهوتي: المریض الذی لا يرجى برؤه في حكم الكبير (٢). وقيد الحنفية عجز الشيخوخة والهرم، بأن يكون مستمرا، فلو لم يقدرا على الصوم لشدة الحر مثلا، كان لهما أن يفطرا، ويقضياه فى الشتاء (٣) . ولا خلاف بين الفقهاء فی أنه لا يلزمهما الصوم، ونقل ابن المنذر الإِجماع عليه، وأن لهما أن يفطرا، إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة . قال ابن جزي: إن الشيخ والعجوز العاجزين عن الصوم، يجوز لهما الفطر (١) شرح المحلى على المنهاج ٦٨/٢، والمجموع ٢٦٨/٦. (٢) رد المحتار ١١٩/٢، وحاشية البجيرمى على الإقناع ٣٤٤/٢، والمجموع ٢٥٨/٦، والروض المربع ١٣٨/١. (٣) رد المحتار ١١٩/٢ نقلا عن فتح القدير. - ٥٥ - صَوْم ٦٣ - ٦٤ إجماعا، ولا قضاء عليهما ( . والأصل فى شرعية إفطار من ذكر: أ - قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٢) فقد قيل فى بعض وجوه التأويل: إن (لا) مضمرة فى الآية، والمعنى : وعلى الذين لا يطيقونه . وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : الآية ليست بمنسوخة ، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا (٣). والآية في محل الاستدلال، حتى على القول بنسخها، لأنها إن وردت فى الشيخ الفاني - كما ذهب إليه بعض السلف - فظاهر، وإن وردت للتخيير فكذلك؛ لأن النسخ إنما يثبت فى حق القادر على الصوم، فبقي الشیخ الفانی علی حاله كما كان (٤). ب - والعمومات القاضية برفع الحرج، كقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٥) . (٥) (١) مراقي الفلاح ٣٧٥ و٣٧٦، والقوانين الفقهية ص٨٢. المجموع ٢٥٨/٦، المغني مع الشرح الكبير ٧٩/٣ وشرح المحلي على المنهاج ٦٤/٢، وكشاف القناع ٣٠٩/٢. (٢) سورة البقرة / ١٨٤. (٣) فتح القدير ٢٧٧/٢ . (٤) العناية للبابرى على الهداية بهامش فتح القدير ٢/ ٢٧٧ . (٥) سورة الحج / ٧٨ وموجب الإفطار بسبب الشيخوخة عند الحنفية والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشافعية، وهو قول عند المالكية: وجوب الفدية، ويأتى تفصيله . خامسا: إرهاق الجوع والعطش : ٦٤ - من أرهقه جوع مفرط، أو عطش شديد، فإنه يفطر ويقضى (١). وقيده الحنفية بأمرین : الأول: أن يخاف على نفسه الهلاك، بغلبة الظن، لا بمجرد الوهم، أو يخاف نقصان العقل، أو ذهاب بعض الحواس، كالحامل والمرضع إذا خافتاعلى أنفسهما الهلاك أو على أولادهما . قال المالكية: فإن خاف على نفسه حرم عليه الصيام، وذلك لأن حفظ النفس والمنافع واجب (٢) . الثاني: أن لا يكون ذلك بإتعاب نفسه، إذ لو كان به تلزمه الكفارة، وقيل: لا(٣). وألحقه بعض الفقهاء بالمريض، وقالوا: إن الخوف على النفس فى معنى المرض (٤). وقال القليوبي: ومثل المرض غلبة جوع (١) القوانين الفقهية ص ٨٢ والدر المختار ١١٧،١١٦/٢. (٢) جواهر الإكليل ١٥٣/١، والقوانين الفقهية ص ٨٢ وانظر حاشية الطحطاوي على مراقى الفلاح ص ٣٧٤ . (٣) مراقي الفلاح ص ٣٧٤. (٤) حاشية البجيرمى على الإقناع ٣٤٦/٢ . - ٥٦ - صَوْم ٦٤ - ٦٦ وعطش، لا نحو صداع، ووجع أذن وسن خفيفة . ومثلوا له بأرباب المهن الشاقة، لكن قالوا: عليه أن ينوى الصيام ليلا، ثم إن احتاج إلى الإفطار، ولحقته مشقة، أفطر (١). قال الحنفية: المحترف المحتاج إلى نفقته كالخبّاز والحصَّاد، إذا علم أنه لو اشتغل بحرفته يلحقه ضرر مبيح للفطر، يحرم عليه الفطر قبل أن تلحقه مشقة . وقال أبو بكر الآجري من الحنابلة: من صنعته شاقة، فإن خاف بالصوم تلفا، أفطر وقضى، إن ضره ترك الصنعة، فإن لم يضره تركها أثم بالفطر وبتركها، وإن لم ينتف الضرر بتركها، فلا إثم عليه بالفطر للعذر (٢). ٦٥ - وألحقوا بإرهاق الجوع والعطش خوف الضعف عن لقاء العدو المتوقع أو المتيقن كأن كان محيطا: فالغازي إذا كان يعلم يقينا أو بغلبة الظن القتال بسبب وجوده بمقابلة العدو، ويخاف الضعف عن القتال بالصوم، وليس مسافرا، له الفطر قبل الحرب . قال فى الهندية: فإن لم يتفق القتال فلا كفارة عليه، لأن فى القتال يحتاج إلى تقديم (١) حاشية القليوبى على شرح المحلي ٢ / ٦٤ . (٢) الفتاوى الهندية ٢٠٨/١ نقلا عن القنية. ورد المختار ١١٥،١١٤/٢، وكشاف القناع ٣١٠/٢. الإفطار، ليتقوى ولا كذلك المرض . وقال البهوتي: ومن قاتل عدوا، أو أحاط العدو ببلده، والصوم يضعفه عن القتال، ساغ له الفطر بدون سفر نصا، لدعاء الحاجة اليه (١) . ولا خلاف بين الفقهاء، في أن المرهق ومن في حکمه، یفطر، ويقضي ۔ کما ذكرنا - وإنما الخلاف بينهم فيما إذا أفطر المرهق، فهل يمسك بقية يومه، أم يجوز له الأكل ؟ (٢) سادسا: الإِکراه: ٦٦ - الإِكراه: حمل الإِنسان غيره، على فعل أو ترك مالا يرضاه بالوعيد (٣) . ومذهب الحنفية والمالكية، أن من أكره على الفطر فأفطر قضى . قالوا: إذا أكره الصائم بالقتل على الفطر، بتناول الطعام فی شهر رمضان، وهو صحيح مقيم، فمرخص له به، والصوم أفضل، حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل، يثاب عليه، لأن الوجوب ثابت حالة الإِكراه، وأثر الرخصة في الإِكراه هو سقوط المأثم بالترك، لا في سقوط الوجوب، بل بقى الوجوب ثابتا، والترك حراما، وإذا كان الوجوب ثابتا، (١) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ص ٣٧٤، وانظر الفتاوى الهندية ١ /٢٠٨، وكشاف القناع ٣١٠/٢، ٣١١. (٢) القوانين الفقهية ص ٨٢ و ٨٣. (٣) التعريفات للجرجانى: - ٥٧ - صَوْمْ ٦٦ - ٦٧ والترك حراما، كان حق الله تعالى قائما، فهو بالامتناع بذل نفسه لإِقامه حق الله تعالى، طلبا لمرضاته، فکان مجاهدا فی دینه، فیئاب عليه . وأما إذا كان المكرَهُ مريضا أو مسافرا، فالإِکراہ ۔ كما يقول الكاسانى - حينئذ مبيح مطلق، فی حق كل منهما ، بل موجب ، والأفضل هو الإفطار، بل يجب عليه ذلك ، ولا يسعه أن لايفطر، حتى لو امتنع من ذلك، فقتل، يأثم . ووجه الفرق: أن فى الصحيح المقيم كان الوجوب ثابتا قبل الإكراه من غير رخصة الترك أصلا ، فإذا جاء الإِكراه - وهو سبب من أسباب الرخصة - كان أثره في إثبات رخصة الترك، لا فى إسقاط الوجوب . وأما فى المريض والمسافر، فالوجوب مع رخصة الترك، کان ثابتا قبل الإكراه، فلا بد أن یکون للإكراه أثر آخر لم یکن ثابتا قبله، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأسا، وإثبات الإِباحة المطلقة، فنزل منزلة الإِكراه على أكل الميتة، وهناك يباح له الأكل ، بل يجب عليه، فكذا هنا (١) وفرق الشافعية بين الإِكراه على الأكل أو الشرب، وبين الإكراه على الوطء : (١) البدائع ٩٦/٢ و ٩٧. فقالوا في الإكراه على الأكل: لو أكره حتى أكل أو شرب لم يفطر، كما لو أوجر فى حلقه مکرها، لأن الحكم الذی ینبنى على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار. أما لو أكره على الوطء زنى، فإنه لايباح بالإكراه، فيفطر به، بخلاف وطء زوجته . واعتمد العزيزى الإِطلاق، ووجهه بأن عدم الإفطار، لشبهة الإِكراه، على الوطء، والحرمة من جهة الوطء، فعلى هذا يكون الإِكراه على الإِفطار مطلقا بالوطء والأكل والشرب، إذا فعله المكره لا يفطر به، ولا يجب عليه القضاء إلا في الإكراه على الإفطار بالزنى، فإن فيه وجها بالإِفطار والقضاء عندهم . وهذا الاطلاق عند الشافعية، هو مذهب الحنابلة أيضا: فلو أكره على الفعل، أو فعل به ماأکره علیه، بأن صب في حلقه ، مکرها أو نائما، كما لو أوجر المغمى عليه معالجة، لا يفطر، ولا يجب عليه القضاء، لحديث : ((وما استكرهوا عليه)) (١). ملحقات بالعوارض ٦٧ - يمكن إلحاق ما يلى ، من الأعذار، بالعوارض التى ذكرها الفقهاء، وأقروها (١) الإقناع وحاشية البجيرمى عليه ٣٢٩/٢، كشاف القناع ٣٢٠/٢ وحدیث: «وما استكرهوا علیه» تقدم ف ٣٨. - ٥٨ - صَوْم ٦٧ - ٦٨ وأفردوا لها أحكاما كلما عرضت في الصوم، كالحيض والنفاس والإغماء والجنون والسكر والنوم والردة والغفلة . واحكامهما تنظر في مصطلحاتها . ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة: أولا: الجماع عمدا: ٦٨ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن جماع الصائم فی نهار رمضان عامدا مختارا بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة فى أحد السبيلين مفطر يوجب القضاء والكفارة، أنزل أو لم ينزل . وفى قول ثان للشافعية لا يجب القضاء، لأن الخلل انجبر بالكفارة . وفى قول ثالث لهم : إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء، وإلا فلا يدخل فيجب القضاء . وعند الحنابلة: إذاجامع فى نهاررمضان - بلا عذر-آدميا أو غيره حيا أو ميتا أنزل أم لا فعليه القضاء والكفارة ، عامدا كان أو ساهيا، أو جاهلا أو مخطئا، مختارا أو مكرها (١)، وهذا لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : ((بینما نحن جلوس عند النبي ﴾ إذ جاءه رجل، فقال: يارسول الله، هلكت ! قال : مالك ؟ قال : وقعت على امرأتى وأنا صائم، فقال رسول الله ألف هل (١) كشاف القناع ٣٢٤/٢ والمغنى مع الشرح الكبير ٥٤/٣ تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا . قال: فهل تجد إطعامَ ستين مسكينا ؟ قال: لا . قال: فمكث النبی ټ فبینا نحن على ذلك، أتى النبى وَله بعرَقٍ فيها تمر (١)، قال: أين السائل ؟ فقال: أنا ! قال: خذ هذا فتصدق به ! فقال الرجل: على أفقر منی یارسول الله ! فو الله مابین لا بیتها - یرید الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتى ! فضحك النبي پے حتی بدت أنیابه، ثم قال: أطعمه أهلك)) (٢). ولا خلاف فى فساد صوم المرأة بالجماع لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة . وإنما الخلاف فى وجوب الكفارة علیھا : فمذهب أبى حنيفة ومالك وقول للشافعى، ورواية عن أحمد وهى المذهب عند الحنابلة، وجوب الكفارة عليها أيضا، لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها كالرجل . وعلل الحنفية وجوبها عليها، بأن السبب في ذلك هو جنایة الإِفساد، لا نفس الوقاع، (١) العرق: المكتل . (٢) حديث أبى هريرة: ((بينما نحن جلوس عند النبى ا9 ... )) أخرجه البخارى (الفتح ١٦٣/٤) ومسلم (٧٨١/٢ - ٧٨٢) والسیاق للبخاری . - ٥٩ - صَوْم ٦٨ - ٦٩ وقد شارکته فیھا، وقد استویا فی الجنایة، والبيان فى حق الرجل بيان فى حق المرأة، فقد وجد فساد صوم رمضان بإِفطار کامل حرام. محض متعمد، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، ولا يتحمل الرجل عنها ؛ لأن الكفارة عبادة أو عقوبة، ولا يجري فيها التحمل (١). وفى قول للشافعي وهو الأصح، ورواية أخرى عن أحمد : أنه لاكفارة عليها، لأن النبى بَل أمر الواطىء فى رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر المرأة بشىء، مع علمه بوجود ذلك منها . ولأن الجماع فعله، وإنما هى محل الفعل (٢). وفى قول للشافعية: تجب، ويتحملها الرجل . وروى عن أحمد: أن الزوج تلزمه كفارة واحدة عنهما، وضعفها بعض الحنابلة بأن الأصل عدم التداخل (٣). وقال ابن عقيل من الحنابلة: إن أكرهت المرأة على الجماع فى نهار رمضان حتى مكنت الرجل منها لزمتھاالکفارة، وإن غصبت أو أتيت نائمة فلا كفارة عليها (٤) (١) الهداية بشروحها ٢٦٣/٢، والبدائع ٩٨/٢. (٢) المغنى ٥٨/٣، وشرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوبى عليه ٧١/٢، والهداية بشروحها ٢٦٢/٢. (٣) الإِنصاف ٣١٤/٣، وشرح المحلى فى الموضع نفسه. (٤) الإنصاف ٣١٣/٣. ثانيا: الأكل والشرب عمدا: ٦٩ - مما يوجب القضاء والكفارة، عند الحنفية والمالكية: الأكل والشرب . فإذا أكل الصائم، فى أداء رمضان أو شرب غذاء أو دواء، طائعا عامدا، بغير خطأ ولا إكراه ولانسيان، أفطر وعليه الكفارة . وضابطه عند الحنفية: وصول ما فيه صلاح بدنه لجوفه، بأن یکون مما يؤكل عادة على قصد التغذی أو التداوى أو التلذذ، أو مما يميل إليه الطبع، وتنقضى به شهوة البطن، وإن لم یکن فيه صلاح البدن ، بل ضرره . وشرطوا أيضا لوجوب الكفارة: أن ينوي الصوم ليلا، وأن لايكون مكرها، وأن لايطرأ عذر شرعى لا صنع له فيه، كمرض وحيض . وشرط المالكية: أن يكون إفساد صوم رمضان خاصة، عمدا قصدا لانتهاك حرمة الصوم، من غير سبب مبيح للفطر (١). وتجب الكفارة فى شرب الدخان عندالحنفية والمالکیة ۔ فإنه ربما أضر البدن، لكن تميل إليه بعض الطباع، وتنقضى به (١) الدر المختار ورد المحتار ١٠٨/٢ - ١١٠، ومراقى الفلاح ص ٣٦٤ و ٣٦٨. والقوانين الفقهية ص ٨٣، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥٢٨/١. - ٦٠ -