Indexed OCR Text

Pages 21-40

صَوْم ٢٦ - ٢٨
٠٠
عن المريض والمسافر ، ويجب عليهما
القضاء، إن أفطرا إجماعا، ويصح صومهما
إن صاما (١) ...
ج - خلو المرأة من الحيض والنفاس، لأن
الحائض والنفساء ليستا أهلا للصوم،
ولحديث عائشة رضى الله تعالى عنها لما
سألتها معاذة: ((مابال الحائض، تقضى
الصوم ولا تقضى الصلاة؟ فقالت: أحرورية
أنتِ؟ قلت : لست بحرورية، ولكنى
أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر
بقضاء الصوم، ولانؤمر بقضاء الصلاة)). (٢)
فالأمر بالقضاء فرع وجوب الأداء .
والإِجماع منعقد على منعهما من الصوم،
وعلى وجوب القضاء عليهما (٣).
شروط صحة الصوم :
٢٧ - شرط صحة الصوم هى :
أ - الطهارة من الحيض والنفاس، وقد
عدها بعض الفقهاء من شروط الصحة،
کالكمال من الحنفية، وابن جزى من
المالكية (٤). وعدها بعضهم من شروط
(١) القوانين الفقهية ص ٧٨ .
(٢) حديث عائشة لما سألتها معاذة.
أخرجه البخارى (الفتح ٤٢١/١ ط. السلفية) ومسلم
(٢٦٥/١ ط. الحلبى) واللفظ لمسلم.
(٣) القوانين الفقهية ص ٧٧، ومغنى المحتاج ١/ ٤٣٢.
(٤) فتح القدير ٢٣٤/٢، والقوانين الفقهية ص ٧٧ .
وجوب الأداء، وشروط الصحة معاً(١).
ب - خلّوه عما يفسد الصوم بطروّه عليه
کالجماع(٢).
ج - النية. وذلك لأن صوم رمضان
عبادة، فلايجوز إلا بالنية، كسائر
العبادات (٣). ولحديث: ((إنما الأعمال
بالنيات)) (٤) .
والإِمساك قد يكون للعادة، أو لعدم
الاشتهاء، أو للمرض، أو للرياضة ، فلا
يتعين إلا بالنية، كالقيام إلى الصلاة والحج .
قال النووى: لايصح الصوم إلا بنية ،
ومحلها القلب، ولايشترط النطق بها، بلا
خلاف (٥) .
وقال الحنفية: التلفظ بها سنة (٦).
صفة النية :
صفة النية؛ أن تكون جازمة، معينة، مبيّتة،
مجددة، على مایلی:
٢٨ - أولا : الجزم، فقد اشترط فى نية
(١) حاشية الدسوقى ١ / ٥٠٩.
(٢) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى ٣٤٨ و٣٤٩.
(٣) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١/ ٥٢٠.
(٤) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )).
أخرجه البخارى (الفتح ٩/١ ط. السلفية) ومسلم
(١٥١٥/٣ - ١٥١٦ ط. الحلبى) من حديث عمر بن
الخطاب .
وانظر الاختيار (١٢٦/١ ط: دار المعرفة، بيروت)، وكشاف
القناع ٣١٤/٢ .
(٥) روضة الطالبين ٣٥٠/٢.
(٦) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٥٢.
- ٢١ -

صَوْم ٢٨ - ٢٩
الصوم، قطعا للتردد، حتى لو نوى ليلة
الشك، صيام غد، إن كان من رمضان لم
پجزه، ولا یصیر صائما لعدم الجزم، فصار كما
إذا نوى أنه إن وجد غداء غدا يفطر، وإن
لم يجد يصوم (١).
ونص الشافعية والحنابلة على أنه إن قال:
إن کان غدا من رمضان فهو فرضی، وإلا فھو
نفل، أو فأنا مفطر، لم يصح صومه، إن ظهر
أنه من رمضان، لعدم جزمه بالنية .
وإن قال ذلك لیلة الثلاثین من رمضان،
صح صومه إن بان منه، لأنه مبنی علی أصل
لم يثبت زواله، ولا یقدح تردده، لأنه حکم
صومه مع الجزم. بخلاف ما إذا قاله ليلة
الثلاثين من شعبان، لأنه لاأصل معه یبنی
عليه، بل الأصل بقاء شعبان (٢) .
٢٩ - ثانيا: التعيين، والجمهور من الفقهاء
ذهبوا إلى أنه لابد من تعيين النية فى صوم
رمضان، وصوم الفرض والواجب، ولايكفى
تعيين مطلق الصوم، ولاتعيين صومٍ معين
غير رمضان .
وکمال النية۔۔ کما قال النووي -: أن ینوی
(١) الهداية وشروحها ٢٤٨/٢، والقوانين الفقهية ص ٨٠ روضة
الطالبين ٣٥٣/٢، وكشاف القناع ٣١٥/٢.
(٢) انظر شرح المحلى على المنهاج ٥٣/٢ و٥٤، وكشاف القناع
٣١٥/٢ و٣١٦.
صوم غد، عن أداء فرض رمضان هذه السنة
الله تعالى (١) .
وإنما اشترط التعيين فى ذلك؛ لأن الصوم
عبادة مضافة إلى وقت، فيجب التعيين فى
نيتها، كالصلوات الخمس، ولأن التعيين
مقصود فى نفسه، فيجزىء التعيين عن نية
الفريضة فى الفرض، والوجوب فى
الواجب (٢) .
وذهب الحنفية فى التعيين إلى تقسيم
الصيام إلى قسمين:
1
القسم الأول: لايشترط فيه التعيين،
وهو: أداء رمضان، والنذر المعين زمانه، وكذا
النفل، فإنه يصح بمطلق نية الصوم، من
غير تعيين .
وذلك لأن رمضان معيار- كما يقول
الأصوليون - وهو مضيّق، لايسع غيره من
جنسه وهو الصوم، فلم يشرع فيه صوم آخر،
فكان متعينا للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى
تعيين ، والنذر المعين معتبر بإيجاب الله
تعالى، فيصاب كل منهما بمطلق النية،
وبأصلها، وبنية نفل، لعدم المزاحم كما
يقول الحصکفی (٣).
(١) روضة الطالبين ٣٥٠/٢.
(٢) الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ٣٢٧/٢، وانظر بداية المجتهد
٣٤٢/١، والقوانين الفقهية ص ٧٩ و ٨٠، وروضة الطالبين
٣٥٠/٢، والمغنى ٢٢/٣ وما بعدها .
=
(٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٨٥/٢.
- ٢٢ -

صَوْم ٢٩ - ٣٠
وکل یوم معیّن للنفل ۔ کما سیأتی - ما عدا
رمضان، والأيام المحرم صومها، وما يعيّنه
المكلف بنفسه، فكل ذلك متعين، ولا يحتاج
إلى التعيين (١).
والقسم الثانى: يشترط فيه التعیین، وهو:
قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من النفل،
وصوم الكفارات بأنواعها، والنذر المطلق عن
التقييد بزمان، سواء أكان معلقا بشرط، أم
كان مطلقا، لأنه ليس له وقت معين، فلم
يتأد إلا بنية مخصوصة، قطعا للمزاحمة (٢) .
٣٠ - ثالثاً - التبييت : وهو شرط فى صوم
الفرض عند المالكية والشافعية والحنابلة
والتبییت: إيقاع النية فى الليل، مابین غروب
الشمس إلى طلوع الفجر، فلو قارن الغروب
أو الفجر أو شك ، لم يصح، كما هو قضية
التبییت (٣).
وفی قول للمالكية، يصح لو قارنت
الفجر، كما فى تكبيرة الإحرام، لأن الأصل فى
النية المقارنة للمنْوى (٤).
ويجوز أن تقدّم من أول الليل، ولاتجوز
(١) مراقى الفلاح ص ٣٥٢، والهداية بشروحها ٢٣٩/٢،
والفتاوى الهندية ١٩٥/١، والدر المختار ورد المحتار ٨٥/٢.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٥٣، و٣٥٤، والاختيار ١٢٧/١، وتحفة
الفقهاء ٥٣٤/١، والفتاوى الهندية ١٩٦/١.
(٣) شرح المحلى على المنهاج وحاشية القليوبى ٥٢/٢، وحاشية
البجيرمى على شرح الإقناع ٣٢٦/٢ .
(٤) الشرح الكبير للدردیر وحاشية الدسوقى عليه ٥٢٠/١ و ٥٢١،
والقوانين الفقهية ص ٨٠.
قبل الليل (١).
وذلك لحديث ابن عمر، عن حفصة
رضى الله تعالى عنهم عن النبى وَ﴿ أنه قال:
((من لم يُجْمِعِ الصيام قبل الفجر، فلا صيام
لە)» (٢).
ولأن صوم القضاء والكفارات، لابد لها
من تبييت النية، فكذا كل صوم فرضٍ
معين .
ولاتجزىء بعد الفجر، وتجزىء مع طلوع
الفجر إن اتفق ذلك، وإن روی ابن عبد
الحكم أنها لاتجزىء مع الفجر، وكلام القرافى
وآخرين يفيد أن الأصل كونها مقارنة
للفجر، ورخص تقدمها عليه للمشقة فى
مقارنتها له (٣).
والصحيح عند الشافعية والحنابلة: أنه
لايشترط فى التبييت النصف الآخر من
الليل، لإطلاقه فى الحديث، ولأن تخصيص
النية بالنصف الأخير يفضى إلى تفويت
الصوم ، لأنه وقت النوم، وکثیر من الناس
لاينتبه فيه، ولا يذكر الصوم، والشارع
إنما رخص فى تقديم النية على ابتدائه، حرج
(١) القوانين الفقهية ص ٨٠، وانظر شرح الخرشى ٢٤٦/٢.
(٢) حديث: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له)).
أخرجه أبو داود (٨٢٣/٢ - ٨٢٤)، وأورده ابن حجر فى
التلخيص (٢ /١٨٨) ونقل عن غير واحد من العلماء أنهم أعلوه
بالوقف.
(٣) جواهر الإكليل ١٤٨/١، وانظر المغنى ٢٣،٢٢/٣.
- ٢٣ -

صَوْم ٣٠
اعتبارها عنده، فلايخصها بمحل لاتندفع
المشقة بتخصيصها به، ولأن تخصيصها
بالنصف الأخیر تحگّم من غیر دلیل، بل
تُقَرَّب النيةُ من العبادة، لماّ تعذر اقترانها بها .
والصحيح أيضا : أنه لايضر الأكل
والجماع بعد النية مادام فى الليل، لأنه لم
يلتبس بالعبادة، وقيل: يضر فتحتاج إلى
تجديدها، تحرزا عن تخلل المناقض بينها وبين
العبادة، لما تعذر اقترانها بها.
والصحيح أيضا: أنه لايجب التجديد لها
إذا نام بعدها، ثم تنبه قبل الفجر، وقيل:
يجب، تقريبا للنية من العبادة بقدر
الوسع (١).
والحنفية لم يشترطوا التبييت فى
رمضان (٢). ولماً لم يشترطوا تبييت النية فى ليل
رمضان، أجازوا النية بعد الفجر دفعا للحرج
أيضا، حتى الضحوة الكبرى، فينوى قبلها
لیکون الأکثر منویا، فیکون له حکم الکل،
حتى لو نوى بعد ذلك لايجوز، لخلو الأكثر
عن النية، تغليبا للأكثر .
والضحوة الكبرى : نصف النهار
الشرعى، وهو من وقت طلوع الفجر إلى
(١) انظر شرح المحلى على المنهاج مع حاشيتى القليوبى وعميرة
٥٢/٢، والإقناع بحاشية البجيرمى ٣٢٦/٢، والمغنى ٢٤/٣
و٢٥، وكشاف القناع ٣١٥/٢ .
(٢) الاختيار شرح المختار ١٢٧/١، والهداية بشروحها ٢٤٠/٢
و ٢٤١ .
غروب الشمس .
وقال الحنفية، ومنهم الموصلى: والأفضل
الصوم بنية معينة مبيتة للخروج عن
الخلاف (١).
ودليل الحنفية على ماذهبوا إليه، من
صحة النية حتى الضحوة الكبرى، وعدم
شرطية التبييت: حديث ابن عباس رضى
الله تعالى عنهما (( أن الناس أصبحوا يوم
الشك، فقدم أعرابى، وشهد برؤية الهلال،
فقال له: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأنى
رسول الله؟ فقال: نعم، فقال عليه الصلاة
والسلام: الله أكبر، یکفی المسلمین أحدهم،
فصام وأمر بالصيام، وأمر مناديا فنادى: ألا
من أكل فلايأكل بقية يومه، ومن لم يأكل
فليصم)) (٢) .
فقد أمر بالصوم، وأنه يقتضى القدرة على
الصوم الشرعى، ولو شرطت النية من الليل
لما كان قادرا عليه، فدل على عدم
اشتراطها (٣).
واستدلوا أيضا، بما ورد فى الحديث ((أن
النبى وَلّ أرسل غداة عاشوراء إلى قرى
(١) الاختيار ١٢٧/١، ورد المحتار ٨٥/٢ وقارن بالمجموع
٣٠١/٦ .
(٢) حديث ابن عباس: ((أن الناس أصبحوا يوم الشك ... ))
الحديث ذكره الموصلى من الحنفية (١٢٦/١ و١٢٧) ولم يعزه إلى
أى مصدر حديثى ، ولم نهتد كذلك إلى من أخرجه بهذا
اللفظ .
(٣) الاختيار ١/ ١٢٧ .
١ - ٢٤ -

صَوْم ٣٠ - ٣١
الأنصار: من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه،
ومن أصبح صائما فليصم)) (١) . وكان صوم
عاشوراء واجبا، ثم نسخ بفرض رمضان (٢).
واشترط الحنفية تبييت النية فى صوم
الكفارات والنذور المطلقة وقضاء رمضان .
٣١- أما النفل فيجوز صومهعند الجمهور-
خلافا للمالكية - بنية قبل الزوال، لحديث
عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: ((دخل
عَلّ النبي ◌َّ ذات يوم، فقال: هل عندكم
شيء ؟ ، فقلنا: لا فقال: فإنى إذن
صائم )) (٣).
ولأن النفل أخف من الفرض، والدليل
عليه: أنه يجوز ترك القيام في النفل مع
القدرة، ولا يجوز فى الفرض .
وعند بعض الشافعية يجوز بنية بعد
الزوال، والمذهب فى القديم والجديد:
لا يجوز، لأن النية لم تصحب معظم
العبادة (٤).
(١) حديث: ((أن النبى أرسل غداة عاشوراء إلى قرى
الأنصار . . .))
أخرجه البخارى (الفتح ٤ /٢٠٠ ط . السلفية) ومسلم
(٧٩٨/٢ ط. الحلبي) من حديث الربيع بنت معوذ.
(٢) تبيين الحقائق وحاشية الشلبى عليه ٣١٤/١ ونظيره في شرح
معاني الآثار للطحاوى (٧٣/٢ - ٧٥ ط. دار الكتب العلمية.
بيروت .
(٣) حيث عائشة: ((دخل علىّ النبى (8* ذات يوم ... ))
أخرجه مسلم (٨٠٩/٢ ط . الحلبى).
(٤) الهداية وشروحها ٢٤١/٢، والبدائع ٨٥/٢، والمجموع
٢٩٢/٦.
ومذهب المالكية: أنه يشترط فى صحة
الصوم مطلقا، فرضا أو نفلا، نية مبيتة، (١)
وذلك لإِطلاق الحديث المتقدم: ((من لم يُجْمِعِ
الصيام من اللیل، فلاصیام له» (٢).
ومذهب الحنابلة جواز النية فى النفل،
قبل الزوال وبعده، واستدلّوا بحديث
عائشة، وحديث صوم يوم عاشوراء، وأنه
قول معاذ وابن مسعود وحذيفة رضى الله
عنهم وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة
مايخالفه صريحا، والنية وجدت فى جزء من
النهار، فأشبه وجودها قبل الزوال
بلحظه (٣).
ويشترط لجواز نية النفل فى النهار عند
الحنابلة: أن لا يكون فَعَل مايفطره قبل
النية، فإن فعل فلا يجزئه الصوم، قال
البهوتي: بغير خلاف نعلمه، قاله في
الشرح، لكن خالف فيه أبو زيد
الشافعى (٤).
وعند الشافعية وجهان فى اعتبار الثواب :
من أول النهار، أم من وقت النية؟ أصحهما
(١) جواهر الإكليل ١٤٨/١، وشرح الخرشى ٢٤٦/٢، وانظر
الهداية وشرح العناية ٢٤١/٢ .
(٢) حديث: ((من لم يجمع الصيام من الليل، فلا صيام له)).
تقدم ف / ٣٠ .
(٣) كشاف القناع ٣١٧/٢.
(٤) شرح المحلى ٥٢/٢ و ٥٣، والإقناع بحاشية البجيرمى
٣٢٦/٢ و٣٢٧ وكشاف القناع ٣١٧/٢.
- ٢٥ -

صَوْم ٣١ - ٣٣
عند الأکثرین: أنه صائم من أول النهار، كما
إذا أدرك الإمام فى الركوع، يكون مدركا
لثواب جميع الركعة، فعلى هذا يشترط جميع
شروط الصوم من أول النهار .
٣٢ - رابعا: تجديد النية: ذهب الجمهور إلى
تجدید النية فی کل یوم من رمضان، من الليل
أو قبل الزوال - على الخلاف السابق -
وذلك: لكى يتميز الإِمساك عبادةً، عن
الإمساك عادة أو خِمْيَة (١).
ولأن كل يوم عبادة مستقلة، لا يرتبط
بعضه ببعض، ولا يفسد بفساد بعض،
ويتخللها ماينافيها، وهو الليالى التى يحل
فيها ما يحرم فى النهار، فأشبهت القضاء،
بخلاف الحج وركعات الصلاة (٢).
وذهب زفر ومالك ـوهو رواية عن أحمد -
أنه تکفی نیة واحدة عن الشهر کله فى أوله،
كالصلاة . وكذلك فى كل صوم متتابع،
ككفارة الصوم والظهار، مالم يقطعه أو يكن
على حالة يجوز له الفطر فيها، فيلزمه
استئناف النية، وذلك لارتباط بعضها
ببعض، وعدم جواز التفريق، فكفت نية
(١) انظر الدر المختار ورد المحتار عليه ٨٧/٢، والمجموع
٣٠٢/٦، والإقناع بحاشية البجيرمى عليه ٣٢٦/٢، وكشاف
القناع ٣١٥/٢.
(٢) المصادر السابقة نفسها.
واحدة، وإن كانت لا تبطل ببطلان بعضها،
كالصلاة (١).
فعلى ذلك لو أفطر يوما لعذر أو غيره، لم
يصح صيام الباقى بتلك النية، كما جزم به
بعضهم، وقيل: يصح، وقدمه بعضهم .
ويقاس على ذلك النذر المعين (٢)
ومع ذلك، فقد قال ابن عبد الحكم - من
المالكية -: لابدفى الصوم الواجب المتتابع من
النية كل يوم، نظرا إلى أنه كالعبادات
المتعددة، من حيث عدم فساد مامضى منه
بفساد مابعده (٣).
بل روى عن زفر أن المقيم الصحيح، لا
يحتاج إلى نية، لأن الإمساك متردد بين العادة
والعبادة، فکان مترددا بأصله متعینا بوصفه،
فعلی أی وجه أتى به وقع عنه (٤) .
استمرار النية :
٣٣ - اشترط الفقهاء الدوام على النية، فلو
نوی الصيام من اللیل ثم رجع عن نيته قبل
طلوع الفجر لا يصير صائما .
قال الطحطاوى: ويشترط الدوام عليها.
فلو نوى من الليل، ثم رجع عن نيته قبل
(١) الدر المختار ورد المختار ٨٧/٢، والقوانين الفقهية ص ٨٠،
والشرح الكبير للدردير ٥٢١/١.
(٢) كشاف القناع ٣١٥/٢، والإنصاف ٢٩٥/٣ .
(٣) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥٢١/١.
(٤) رد المحتار ٨٧/٢، والتبيين للزيلعى ٣١٥/١.
- ٢٦ -

..
صَوْم ٣٣ - ٣٤
طلوع الفجر ، صح رجوعہ ولا یصیر صائما،
ولو أفطر لا شىء عليه إلا القضاء، بانقطاع
النية بالرجوع، فلا کفارة علیه فى رمضان،
لشبهة خلاف من استرط التبييت، إلا إذا
جدد النية، بأن ينوى الصوم فى وقت النية،
تحصيلا لها، لأن الأولى غير معتبرة، بسبب
الرجوع عنها (١).
ولا تبطل النية بقوله: أصوم غدا إن شاء
الله، لأنه بمعنى الاستعانة، وطلب التوفيق
والتيسير. والمشيئة إنما تبطل اللفظ، والنية
فعل القلب.
قال البهوتي: وكذا سائر العبادات، لا
تبطل بذكر المشيئة فى نيتها (٢).
ولا تبطل النية بأكله أو شربه أو جماعه
بعدها عند جمهور الفقهاء، وحكى عن أبى
إسحاق بطلانها، ولو رجع عن نيته قبل
طلوع الفجر صح رجوعه (٣).
ولو نوى الإفطار فى أثناء النهار فمذهب
الحنفية والشافعية أنه لا يفطر، كما لو نوى
التكلم فى صلاته ولم يتكلم، قال
(١) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٥٤، حاشية
الدسوقي ٥٢٨/١، الزرقانى ٢٠٧/٢، المجموع ٢٩٩/٦،
كشاف القناع ٣١٦/٢.
(٢) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٥٤، وكشاف
القناع ٣١٦/٢، وانظر المجموع ٣٩٨/٦.
(٣) راجع الفتاوى الهندية ١٩٥/١، وروضة الطالبين ٣٥٢/٢.
البيجوری: ويضر رفض النية ليلا، ولا يضر
نهارا (١) .
وقال المالكية والحنابلة: يفطر، لأنه قطع
نية الصوم بنية الإفطار، فكأنه لم يأت بها
ابتداء (٢) .
الإغماء والجنون والسكر بعد النية :
٣٤ - اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصيام
من الليل، ثم طرأ عليه إغماء أو جنون أو
سكر :
فإن لم يفق إلا بعد غروب الشمس،
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم
صحة صومه، لأن الصوم هو الإِمساك مع
النية، لقول النبى وَليقول: ((قال الله
كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لی وأنا
أجزى به، يدع شهوته وطعامه من
أجلى)) (٣) فأضاف ترك الطعام والشراب
إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف
الإمساك إليه، فلم يجزئه .
وذهب الحنفية إلى صحة صومه ، لأن نيته
قد صحت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك
لايمنع صحة الصوم ، كالنوم .
(١) الدر المختار ١٢٣/٢، ومراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى
عليه ص ٣٦١، وحاشية البيجورى ٣٠٠/١.
(٢) القوانين الفقهية ص ٨٠، وانظر كشاف القناع ٣١٦/٢.
(٣) حديث: ((قال الله: كل عمل ابن آدم له ... ))
أخرجه البخارى (الفتح /١١٨ ط. السلفية) ومسلم
(٨٠٧/٢ ط. الحلبى) من حديث أبى هريرة .
- ٢٧ -

ضَوْم ٣٤ - ٣٥
أما إذا أفاق أثناء النهار، فذهب الحنفية
إلى تجديد النية إذا أفاق قبل الزوال ، وذهب
المالكية إلى عدم صحة صومه ، وذهب
الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أفاق فی أی جزء
من النهار صح صومه ، سواء أكان فى أوله أم
فى آخره .
وفرق الشافعية بين الجنون والإغماء ،
فالمذهب: أنه لو جن فى أثناء النهار بطل
صومه، وقيل : هو كالإغماء .
وأما الردة بعد نية الصوم فتبطل الصوم بلا
خلاف (١).
سنن الصوم ومستحباته :
٣٥ - سنن الصوم ومستحباته كثيرة ،
أهمها :
أ ۔ السحور، وقد ورد فيه حدیث أنس
رضى الله تعالى عنه أن النبى والإ قال:
«تسحّروا فإن فى السّحور بركة)) (٢).
ب - تأخير السّحور، وتعجيل الفطر، ومما
ورد فيه حديث سهل بن سعد رضى الله
عنه أن النبى وَ لّ قال: ((لايزال الناس
(١) جواهر الإكليل ١٤٨/١، والشرح الكبير للدردير ٥٢٠/١،
المغني ٩٨/٣، الإنصاف ٢٩٢/٣ -٢٩٣، وحاشية البيجورى
على شرح ابن قاسم ٣٠٠/١، والبحر الرائق ٢٧٧/٢،
الفتاوى الهندية ١٩٦/١.
(٢) حديث: ((تسحروا، فإن فى السحور بركة))
أخرجه البخارى (الفتح ١٣٩/٤) ومسلم (٧٧٠/٢).
بخير ماعجلوا الفطر)). (١) وحدیث زید بن
ثابت -رضي الله عنه - : ((تسحّرنا مع النبى
وَ* ثم قام إلى الصلاة . قلت : کم کان بین
الأذان والسحور؟ قال : قدر خمسين
آیة» (٢).
ج - ويستحب أن يكون الإفطار على
رطبات ، فإن لم تكن فعلى تمرات ، وفى هذا
ورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه
قال : ((كان رسول الله ويله يفطر قبل أن
يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات
فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات
من ماء)) (٣).
وورد فیه حدیث عن سلمان بن عامر
الضبى رضى الله عنه قال : ((قال رسول
الله : إذا أفطر أحدكم فليفطر على
تمر، فإنه بركة ، فمن لم يجد فليفطر على
(٤)
ماء ، فإنه طهور))
(١) حديث: ((لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ١٩٨/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٧٧١/٢).
(٢) حديث زيد بن ثابت: ((تسحرنا مع النبي # ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ١٣٨/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٧٧١/٢ ط. الحلبى).
(٣) حديث أنس: ((كان رسول الله يفطر قبل أن يصلى على
رطبات ... )).
أخرجه الترمذى (٣/ ٧٠) وقال : حديث حسن.
(٤) حديث سلمان بن عامر: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على
تمر ... )).
أخرجه الترمذى (٧٠/٣) وقال: ((حديث حسن
صحيح .. )).
- ٢٨ -

صَوْم ٣٥ - ٣٨
د۔ ویستحب أن يدعو عند الإفطار،
فقد ورد عن عبد الله بن عمرو رضى الله
تعالى عنهما مرفوعا: ((إن للصائم دعوة
لاترد)»(١) .
وفي الحديث عن ابن عمر رضى الله
عنهما أن النبى و # كان إذا أفطر قال :
((ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت
الأجر إن شاء الله تعالى)) (٢).
وهناك فضائل من خصائص شهر رمضان
كالتروايح ، والإِكثار من الصدقات ،
والاعتكاف ، وغيرها تنظر فى مصطلحاتها .
٣٦ - ومن أهم ماينبغى أن يترفع عنه الصائم
ويحذره : ما يحبط صومه من المعاصى الظاهرة
والباطنة ، فيصون لسانه عن اللغو والهذيان
والكذب ، والغيبة والنميمة ، والفحش
والجفاء ، والخصومة والمراء ، ويكف جوارحه
عن جميع الشهوات والمحرمات ، ويشتغل
بالعبادة ، وذكر الله ، وتلاوة القرآن وهذا
- كما يقول الغزالى : هو سر الصوم (٣) وفى
الصحيح من حديث أبى هريرة رضى الله
(١) حديث: ((إن للصائم دعوة لاترد))
أخرجه ابن ماجه (٥٥٧/١)،وفيه راوذكر الذهبى فى الميزان
(١ /١٩٤) أن فيه جهالة.
(٢) حديث: ((كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ ... ))
أخرجه أبو داود (٧٦٥/٢) والدارقطنى (١٨٥/٢) وحسن
الدارقطنى إسناده .
(٣) الوجيز ١٠٣/١.
تعالى عنه قال: قال رسول الله * :
((قال الله تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا
الصيام ، فإنه لى وأنا أجزى به، والصيام
جنة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم ، فلا
يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو
قاتله ، فلیقل : إنی امرؤصائم))، (١) وفى
حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن
النبى وَلو قال: ((الصيام جنة ، مالم يخرقها
بكذب أو غيبة)) (٢). وعن أبى هريرة رضى
الله تعالى عنه قال: قال رسول الله قالآدم :
«من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به ، فلیس
لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه)).(٣)
مفسدات الصوم :
٣٧ - يَفْسد الصوم - بوجه عام - كلما انتفى
شرط من شروطه ، أو اختل أحد أركانه ،
كالردة ، وكطروء الحيض والنفاس ، وكل
ماینافیه من أكل وشرب ونحوهما ، ودخول
شىء من خارج البدن إلى جوف الصائم .
٣٨ - ويشترط فى فساد الصوم بما يدخل إلى
(١) حديث أبى هريرة: ((قال الله: كل عمل ابن آدم له ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ١١٨/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٨٠٧/٢ ط. الحلبى).
(٢) حديث: ((الصيام جنة مالم يخرقها ... ))
أورده الهيثمى في المجمع (١٧١/٣) وقال: رواه الطبرانى فى
الأوسط، وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف.
(٣) حديث أبي هريرة: ((من لم يدع قول الزور والعمل به ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ١١٦/٤).
- ٢٩ -

صَوْم ٣٨
الجوف مايلي : -
أ - أن يكون الداخل إلى الجوف ، من
المنافذ الواسعة - كما قيده بذلك المالكية - (١)
والمفتوحة - كما قال الشافعية - (٢) أى:
المخارق الطبيعية الأصلية فى الجسم، والتى
تعتبر موصلة للمادة من الخارج إلى الداخل ،
كالفم والأنف والأذن .
وقد استدل لذلك ، بالاتفاق على أن من
اغتسل فى ماء ، فوجد برده فى باطنه لا
يفطر، ومن طلى بطنه بدهن لا يضر، لأن
وصوله إلى الجوف بتشرّب (٣).
ولم يشترط الحنابلة ذلك ، بل اكتفوا
بتحقق وصوله إلى الحلق والجوف ، والدماغُ
جوف (٤).
ب- أن یکون الداخل إلى الجوف مما
يمكن الاحتراز عنه ، كدخول المطر والثلج
بنفسه حلق الصائم إذا لم يبتلعه بصنعه ،
فإن لم یمکن الاحتراز عنه - كالذباب يطير
إلى الحلق، وغبار الطريق - لم يفطر
إجماعا (٥).
وهذا استحسان، والقياس : الفساد ،
(١) القوانين الفقهية ص ٨٠.
(٢) شرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢، والإقناع ٣٢٨/٢.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٩٨/٢، وشرح المحلى على المنهاج
٥٩/٢، والإقناع ٣٢٩/٢.
(٤) كشاف القناع ٣١٨/٢.
(٥) القوانين الفقهية ص ٨٠.
لوصول المفطر إلى جوفه .
وجه الاستحسان ، أنه لايستطاع
الاحتراز عنه ، فأشبه الدخان (١).
والجوف هو: الباطن ، سواء أكان مما
يحيل الغذاء والدواء ، أى يغيّرهما كالبطن
والأمعاء ، أم كان مما يحيل الدواء فقط كباطن
الرأس أو الأذن ، أم كان مما لايحيل شيئا
كباطن الحلق (٢).
قال النووى : جعلوا الحلق کالجوف ، فی
بطلان الصوم بوصول الواصل إليه ، وقال
الإمام : إذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر .
قال : وعلى الوجهين جميعا : باطن
الدماغ والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول
إليه (٣).
ج- والجمهور علی أنه لايشترط أن یکون
الداخل إلى الجوف مغذیا ، فيفسد الصوم
بالداخل إلى الجوف ، مما يغذى أو لا
یغذی ، کابتلاع التراب ونحوه ، وإن فرق
بینهما بعض المالکیة، قال ابن رشد :
وتحصيل مذهب مالك ، أنه يجب الإِمساك
عما يصل إلى الحلق ، من أى المنافذ وصل ،
(١) الهداية بشروحها ٢٥٨/٢، والدر المختار ٩٧/٢، والمغنى
٥٠/٣.
(٢) الإقناع وحاشية البجيرمى عليه ٣٢٨/٢.
(٣) روضة الطالبين ٣٥٦/٢.
- ٣٠ -

صَوْم ٣٨
مغذیا کان أو غير مغذ (١).
د - وشرط كون الصائم قاصدا ذاكرا
لصومه، أما لو كان ناسيا أنه صائم ، فلا
يفسد صومه عند الجمهور، وذلك لحديث
أبى هريرة رضي اللّه عنه عن النبي ال﴾
قال : ((من نسى وهو صائم ، فأكل أو
شرب ، فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله
وسقاه» (٢)
ويستوى فى ذلك الفرض والنفل لعموم
الأدلة (٣) .
وخالف مالك فی صوم رمضان فذهب إلى
أن من نسى فى رمضان ، فأكل أو شرب ،
عليه القضاء ، أما لو نسى فى غير رمضان ،
فأكل أو شرب ، فإنه يتم صومه ، ولا قضاء
(٤)
عليه (٤).
هـ وشرط الحنفية والمالكية استقرار المادة
فى الجوف ، وعللوه بأن الحصاة - مثلا -
تشغل المعدة شغلا ما وتنقص الجوع (٥).
(١) الاختيار ١٣٢/١، والإقناع بحاشية البجيرمى ٣٢٨/٢،
وكشاف القناع ٣١٧/٢، وبداية المجتهد ٣٣٩/١، وانظر
القوانين الفقهية ص ٨٠، وجواهر الإكليل ١٤٩/١.
(٢) حديث أبي هريرة: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم
صومه ١٠٠
أخرجه البخارى (الفتح ١٥٥/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٨٠٩/٢ ط. الحلبى) واللفظ لمسلم.
(٣) الهداية وشروحها ٢٥٤/٢، والوجيز ١٠٢/١، وروضة
الطالبين ٣٥٦/٢، والمغنى ٥٠/٣ و٥١، وكشاف القناع
٣٢٠/٢.
(٤) القوانين الفقهية ص ٨٣.
(٥) جواهر الإكليل ١٤٩/١، ابن عابدين ٩٨/٢ - ٩٩.
ولم يشترط الشافعية والحنابلة استقرار المادة
فى الجوف إذا كان باختياره .
وعلى قول الحنفية والمالكية : لو لم تستقر
المادة ، بأن خرجت من الجوف لساعتها لا
يفسد الصوم ، كما لو أصابته سهام فاخترقت
بطنه ونفذت من ظهره، ولو بقى النصل في
جوفه فسد صومه، ولو كان ذلك بفعله
يفسد صومه ، قال الغزالى: ولو كان بعض
السکین خارجا (١).
و- وشرط الشافعية والحنابلة وزفر من
الحنفية ، أن يكون الصائم مختارا فيما
يتناوله ، من طعام أو شراب أو دواء ، فلو
أُوجر الماءَ، أو صُبَّ الدواءُ فى حلقه
مكرها ، لم يفسد صومه عندهم ، لأنه لم
يفعل ولم يقصد .
ولو أكره على الإفطار، فأكل أو شرب ،
فللشافعية قولان مشهوران فى الفطر وعدمه .
أصحهما : عدم الفطر، وعللوا عدم الإِفطار
بأن الحكم الذي ینبنى على اختياره ساقط ،
لعدم وجود الاختيار (٢).
ومذهب الحنابلة : أنه لايفسد صومه قولا
واحدا ، وهو كالإِيجار (٣)، وذلك لحديث ((إن
(١) تبيين الحقائق ٣٢٥/١ و٣٢٦، والبدائع ٩٩/٢ بتصرف،
والدر المختار ورد المحتار ٩٩,٩٨/٢، والوجيز ١٠١/١.
(٢) شرح المحلى على المنهاج وحاشية القليوب عليه ٥٧/٢ و ٥٨،
والإقناع ٣٢٩/١.
(٣) الإيجار هو: صب الماء في حلق المريض.
- ٣١ -

صَوْمٌ ٣٨ - ٤٠
الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما
(١)
فإنه عام (٢)
استكرهوا عليه)»
ومذهب الحنفية والمالكية : أن الإِكراه
على الإفطار يفسد الصوم ، ويستوجب
القضاء ، وذلك لأن المراد من حديث ((إن
الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان ، وما
استكرهوا عليه)) رفع الحكم ، لتصحيح
الكلام اقتضاء ، والمقتضى لا عموم له ،
والإِثم مراد إجماعا ، فلا تصح إرادة الحكم
الآخر - وهو الدنيوى - بالفساد (٣).
مايفسد الصوم ، ويوجب القضاء :
٣٩ - وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه
وشروطه ، ويمكن حصره فيما يلى :-
١ - تناول مالا يؤكل فى العادة .
٢ - قضاء الوطر قاصرا.
٣ - شئون المعالجة والمداواة .
٤ - التقصير فى حفظ الصوم والجهل
بأحكامه .
٥ - الإِفطار بسبب العوارض .
أولا : تناول مالا يؤكل عادة :
(١) حديث: ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ))
أخرجه ابن ماجه(٦٥٩/١) والحاكم(١٩٨/٢)من حديث ابن
عباس، واللفظ لابن ماجه وصحح الحاكم إسناده ووافقه
الذهبى .
(٢) كشاف القناع ٢/ ٣٢٠، والروض المربع ١٤١/١.
(٣) رد المحتار ١٠٢/٢، وانظر البدائع ٩٦/٢.
٤٠ - تناول مالا يؤكل عادة كالتراب
والحصى ، والدقيق غير المخلوط . - على
الصحيح - والحبوب النيئة، كالقمح
والشعير والحمص والعدس، والثمار الفجة
التى لاتؤكل قبل النضج، كالسفرجل
والجوز، وكذا تناول ملح كثير دفعة واحدة
یوجب القضاء دون الكفارة، أما إذا أکله على
دفعات، بتناول دفعة قليلة، فى كل مرة،
فيجب القضاء والكفارة عند الحنفية .
أما فی أکل نواة أو قطن أو ورق، أو ابتلاع
حصاة، أو حديد أو ذهب أو فضة، وكذا
شرب مالا يشرب من السوائل كالبترول
فالقضاء دون كفارة لقصور الجناية بسبب
الاستقذار والعيافة ومنافاة الطبع ، فانعدم
معنى الفطر، وهو بإيصال مافيه نفع البدن
إلى الجوف ، سواء أكان مما يتغذى به أم
يتداوى به . ولأن هذه المذكورات ليست
غذائية ، ولا فى معنى الغذاء - كما يقول
الطحطاوي - ولتحقق الإفطار فى الصورة ،
وهو الابتلاع (١).
قال ابن عباس رضى الله عنهما الفطر
مما دخل .
(١) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٦٧، وانظر تبيين
الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٦٧، وانظر تبيين الحقائق
٣٢٦/١ وانظر مراقى الفلاح ٣٦٧ . والشرح الكبير
للدردير ٥٢٣/١، وكشاف القناع ٣١٧/٢ وما بعدها.
والإقناع وحاشية البجيرمى ٣٢٨/٢.
- ٣٢ -

صَوْم ٤٠ - ٤٤
وقال الزیلعی : كل مالا يتغذى به ، ولا
يتداوى به عادة ، لا يوجب الكفارة (١).
ثانيا : قضاء الوطر أو الشهوة على وجه
القصور :
وذلك فى الصور الآتية :
٤١ - أ - تعمد إنزال المنى بلا جماع ، وذلك
كالاستمناء بالكف أو بالتبطين والتفخيذ ،
أو باللمس والتقبيل ونحوهما فإنه يوجب
القضاء دون الكفارة عند جمهور الفقهاء
- الحنفية والشافعية والحنابلة - وعند المالكية
يوجب القضاء والكفارة معاً (٢).
ب - الإِنزال بوطء ميتة أو بهيمة ، أو
صغيرة لا تشتهى :
٤٢ - وهو يفسد الصوم، لأن فيه قضاء إحدی
الشهوتين ، وأنه ينافي الصوم ، ولا يوجب
الكفارة ، لتمكن النقصان فى قضاء
الشهوة ، فليس بجماع (٣) خلافا للحنابلة ،
فإنه لافرق عندهم بين كون الموطوءة كبيرة أو
صغيرة ، ولابين العمد والسهو، ولابين
(١) تبين الحقائق ٣٢٦/١.
(٢) شرح ابن قاسم على متن الغزى، مع حاشية البيجورى عليه
٣٠٣/١، والمغنى بالشرح الكبير ٤٨/٣، والدر المختار
١٠٤/٢، وروضة الطالبين ٣٦١/٢، وكشاف القناع
٣٢٥/٢، ٣٢٦، والقوانين الفقهية (٨١) والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي عليه ٥٢٩/١، ومراقى الفلاح ٣٦٩ و ٣٧٠،
وشرح المحلى على المنهاج ٥٨/٢.
(٣) الاختيار ١٣١/١ و١٣٢، وحاشية القليوبى ٥٨/٢.
الجهل والخطأ ، وفى كل ذلك القضاء
والكفارة ، لإطلاق حديث الأعرابي (١):
والمالكية يوجبون فى ذلك الكفارة ، لتعمد
إخراج المنى (٢) .
ج - المساحقة بين المرأتين إذا أنزلت :
٤٣ - عمل المرأتين ، كعمل الرجال ، جماع
فيما دون الفرج ، ولا قضاء على واحدة
منهما ، إلا إذا أنزلت ، ولا كفارة مع
الإِنزال ، وهذا عند الحنفية وهو وجه عند
الحنابلة ، وعلله الحنابلة بأنه ، لانص فى
الكفارة ، ولا يصح قياسه على الجماع .
قال ابن قدامة : وأصح الوجهين أنهما
لا کفارة علیھما ، لأن ذلك ليس بمنصوص
عليه ، ولا فى معنى المنصوص عليه ، فيبقى
(٣)
على الأصل (٣) .
د - الإِنزال بالفكر والنظر:
٤٤ - إنزال المنيّ بالنظر أو الفكر، فيه
التفصيل الآتى :-
مذهب الحنفية والشافعية إلا قليلا
منهم أن الإِنزال بالفكر - وإن طال -
وبالنظر بشهوة ، ولو إلى فرج المرأة مرارا ،
(١) المغنى ٥٧/٣، وكشاف القناع ٣٢٤/٢.
(٢) جواهر الإكليل ١٥٠/١
(٣) مراقى الفلاح ص ٣٦٤، ورد المحتار ١٠٠/٢، وكشاف القناع
٣٢٦/٢، والمغنى ٥٩/٣.
- ٣٣ -

صَوْمْ ٤٤
لايفسد الصوم ، وإن علم أنه ينزل به ، لأنه
إنزال من غير مباشرة، فأشبه الاحتلام .
قال القليوبى : النظر والفكر المحرك
للشهوة ، كالقبلة ، فيحرم وإن لم يفطر
به (١).
ومذهب المالكية أنه إن أمنى بمجرد
الفكر أو النظر، من غير استدامة لهما ،
يفسد صومه ويجب القضاء دون الكفارة .
وإن استدامهما حتى أنزل فإن كانت عادته
الإنزال بهما عند الاستدامة ، فالكفارة
قطعا ، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما
عند الاستدامة ، فخالف عادته وأمنى ،
فقولان فى لزوم الكفارة ، واختار اللخمى
عدم اللزوم .
ولو أمنى في أداء رمضان بتعمد نظرة
واحدة يفسد صومه ويجب القضاء ، وفي
وجوب الكفارة وعدمه تأويلان، محلهما إذا
كانت عادته الإِنزال بمجرد النظر، وإلا فلا
كفارة اتفاقا (٢).
وقال الأذرعى من الشافعية ، وتبعه شيخ
القليوبى ، والرملى : يفطر إذا علم الإِنزال
(١) حاشية القليوبي ٢ /٥٩، وانظر الدر المختار ٩٨/٢، والإقناع
للشربينى الخطيب ٣٣١/٢ .
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٥٢٩/١،
وجواهر الإكليل ١٥٠/١، والقوانين الفقهية ص ٨١، وانظر
منح الجليل ٤٠٢/١، ٤٠٣.
بالفكر والنظر، وإن لم یکرره (١) .
ومذهب الحنابلة ، التفرقة بين النظر وبين
الفكر، ففى النظر، إذا أمنى يفسد
الصوم ، لأنه أنزل بفعل يتلذذ به ، ويمكن
التحرز منه ، فأفسد الصوم ، كالإِنزال
باللمس ، والفكر لا يمكن التحرز منه ،
بخلاف النظر .
ولو أمذى بتكرار النظر، فظاهر كلام
أحمد لايفطر به ، لأنه لانص فى الفطر به ،
ولا يمكن قياسه على إنزال المنى ، لمخالفته إياه
فى الأحكام ، فيبقى على الأصل (٢).
وإذا لم يكرر النظر لايفطر، سواء أمنى
أو أمذى ، وهو المذهب ، لعدم إمكان
التحرز، ونص أحمد : يفطر بالمنى لا
بالمذى (٣) .
أما الفكر، فإن الإنزال به لايفسد
الصوم . واختار ابن عقيل : الإفساد به ،
لأن الفکر یدخل تحت الاختيار، لکن
جمهورهم استدلوا بحديث أبى هريرة رضى
الله عنه: ((إن الله تجاوز لأمتی عما
وسوست أو حدثت به أنفسها ، مالم تعمل به
أو تكلم)) (٤) ولأنه لا نص فى الفطر به ولا
(١) حاشية القليوبى على شرح المحلى على المنهاج ٥٩/٢.
(٢) المغنى ٤٩/٣، وانظر أيضا: الروض المربع ١٤٠/١.
(٣) الإنصاف ٣٠٢/٣.
(٤) حديث أبى هريرة ((إن الله تجاوز لأمتى ... ))
- ٣٤ -

صَوْم ٤٤ - ٤٦
إجماع ، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا
تكرار النظر، لأنه دونهما فى استدعاء
الشهوة ، وإفضائه إلى الإِنزال (١).
ثالثا : المعالجات ونحوها، وهى أنواع
أهمها :
أ - الاستعاط :
٤٥ - الاستعاط : افتعال من السّعوط،
مثال رسول : دواء يصب فى الأنف(٢)
والاستعاط والإِسعاط عند الفقهاء: إيصال
الشى إلى الدماغ من الأنف (٣).
وإنما يفسد الاستعاط الصوم ، بشرط أن
يصل الدواء إلى الدماغ ، والأنف منفذ إلى
الجوف ، فلو لم يصل إلى الدماغ لم يضر،
بأن لم يجاوز الخيشوم ، فلو وضع دواء فى أنفه
ليلا ، وهبط نهارا ، فلا شيء عليه (٤).
ولو وضعه في النهار، ووصل إلى دماغه
أفطر ؛ لأنه واصل إلى جوف الصائم باختياره
فيفطره كالواصل إلى الحلق ، والدماغ جوف
- كما قرروا - والواصل إليه يغذيه ، فيفطره ،
أخرجه البخارى (الفتح ٥٤٩/١١) ومسلم (١١٧/١) واللفظ
للبخاری .
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢/ ١٠٢.
(١) المغنى ٤٩/٣.
(٢) المصباح المنير، مادة ( سعط ) رد المحتار على الدار
المختار ١٠٢/٢.
(٣) حاشية القليوبى على شرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢.
(٤) جواهر الإكليل ١٤٩/١ .
کجوف البدن (١).
والواجب فيه القضاء لا الكفارة ، هذا هو
الأصح ، لأن الكفارة موجب الإفطار صورة
ومعنى ، والصورة هى الابتلاع ، وهى
منعدمة، والنفع المجرد عنها يوجب القضاء
فقط (٢).
وهذا الحکم لایخص صب الدواء ، بل لو
استنشق الماء ، فوصل إلى دماغه أفطر عند
الحنفية (٣).
ب - استعمال البخور :
٤٦ - ويكون بإيصال الدخان إلى الحلق ،
فيفطر، أما شم رائحة البخور ونحوه بلا
وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو
جاءته الرائحة واستنشقها ، لأن الرائحة لا
جسم لها (٤).
فمن أدخل بصنعه دخانا حلقه ، بأية
صورة كان الإدخال ، فسد صومه ، سواء
أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما ، حتى من
تبخر بعود ، فآواه إلى نفسه ، واشتم
دخانه ، ذاكرا لصومه ، أفطر، لإِمكان
(١) المغنى ٣٧/٣ و ٣٨.
(٣) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٣٦٧، وانظر الشرح
الكبیر للدردیر ٥٢٥/١.
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه ٥٢٥/١، وجواهر
الإكليل ١٤٩/١.
- ٣٥ -

صَوْم ٤٦ - ٤٩
التحرز من إدخال المفطر جوفه ودماغه .
قال الشرنبلالي : هذا مما يغفل عنه كثير
من الناس ، فلينبه له ، ولا يتوهم أنه کشم
الورد والمسك ، لوضوح الفرق بين هواء
تطيب بريح المسك وشبهه ، وبین جوهر
دخان وصل إلى جوفه بفعله (١)
ج - بخار القدر :
٤٧ - بخار القدر، متى وصل للحلق
باستنشاق أوجب القضاء ، لأن دخان
البخور وبخار القدر کل منهما جسم یتکیف
به الدماغ ، ويتقوى به ، أى تحصل له قوة
كالتى تحصل من الأكل ، أما لو وصل واحد
منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه .
هذا بخلاف دخان الحطب ، فإنه
الاقضاء فى وصوله للحلق ، ولو تعمد
استنشاقه ، لأنه لايحصل للدماغ به قوة کالتی
تحصل له من الأكل (٢).
وقال الشافعية : لو فتح فاه عمدا حتى
دخل الغبار فى جوفه ، لم يفطر على
الأصح (٣) .
(١) مراقى الفلاح ص ٣٦١ و٣٦٢، والدر المختار ورد المحتار
٩٧/٢.
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقى عليه ٥٢٥/١.
(٣) حواشى تحفة المحتاج ٤٠١/٣، وشرح المحلى على المنهاج
٥٦/٢، ٥٧، وانظر حاشية البجيرمى على شرح الشربينى
الخطيب المسمى بالإقناع ٣٢٩/٢ .
والمغنى ٣/ ٤١،٤٠، وكشاف القناع ٣٢٠/٢ و٣٢١.
ومذهب الحنابلة الإفطار بابتلاع غربلة
الدقيق وغبار الطريق ، إن تعمده
د - التدخين :
٤٨ - اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان
المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام ، لأنه من
المفطرات .
وتفصيل ذلك ينظر فى مصطلح :
(تبغ) الموسوعة الفقهية ١٠ فقرة ٣٠.
هـ - التقطير فى الأذن :
٤٩ - ذهب جمهور الفقهاء ، وهو الأصح
عند الشافعية إلى فساد الصوم بتقطير الدواء
أو الدهن أو الماء فى الأذن.
فقال المالكية : يجب الإمساك عما يصل
إلى الحلق ، مما ينماع أو لا ينماع .
والمذهب : أن الواصل إلى الحلق مفطر ولو لم
يجاوزه ، إن وصل إليه ، ولو من أنف أو أذن
أو عين نهارا (١).
وتوجيهه عندهم : أنه واصل من أحد
المنافذ الواسعة فى البدن ، وهى : الفم
والأنف والأذن ، وأن كل ما وصل إلى المعدة
من منفذ عال ، موجب للقضاء ، سواء أكان
ذلك المنفذ واسعا أم ضيقا . وأنه لاتفرقة
(١) جواهر الإكليل ١٤٩/١.
- ٣٦ -

صَوْم ٤٩ - ٥٠
عندهم ، بين المائع وبين غيره فى الواصل إلى
المعدة من الحلق (١).
وقال النووى : لو صب الماء أو غيره في
أذنيه ، فوصل دماغه أفطر على الأصح
عندنا ، ولم ير الغزالى الإفطار بالتقطير فى
الأذنين(٢) .
وقال البهوتی : إذا قطّر فى أذنه فوصل إلى
دماغه فسد صومه ، لأن الدماغ أحد
الجوفین ، فالواصل إليه يغذيه ، فأفسد
(٣)
الصوم (٣) .
والحنفية قالوا : بفساد الصوم بتقطير
الدواء والدهن فی الأذن، لأن فيه صلاحا لجزء
من البدن ، فوجد إفساد الصوم معنى .
واختلف الحنفية فى تقطير الماء فى الأذن :
فاختار المرغينانى فى الهداية - وهوالذى
صححه غيره - عدم الإِفطار به مطلقا ،
دخل بنفسه أو أدخله .
وفرق قاضیخان ، بين الإدخال قصدا
فأفسد به الصوم ، وبين الدخول فلم يفسده
به ، وهذا الذي صححوه ، لأن الماء يضر
الدماغ ، فانعدم الإِفساد صورة ومعنى (٤).
(١) انظر القوانين الفقهية ص ٨٠، والشرح الكبير للدردير بحاشية
الدسوقی علیه ٥٢٤/١.
(٢) المجموع ٣٢٠/٦، وانظر شرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢
والوجيز ١/ ١٠١.
(٣) انظر كشاف القناع ٣١٨/٢.
(٤) انظر مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٦٨، والدر=
فالاتفاق عند الحنفية على الفطر بصب
الدهن ، وعلى عدمه بدخول الماء ،
والاختلاف فى التصحيح فى إدخاله (١) .
و- مداواة الآمة والجائفة والجراح :
٥٠ - الآمة : جراحة في الرأس ، والجائفة :
جراحة فى البطن .
والمراد بهذا ۔ کما یقول الکاسانی - مایصل
إلى الجوف من غير المخارق الأصلية (٢) .
فإذا داوى الصائم الآمة أو الجراح ،
فمذهب الجمهور - بوجه عام - فساد
الصوم ، إذا وصل الدواء إلى الجوف .
قال النووی : لو داوی جرحہ فوصل
الدواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء
أكان الدواء رطبا أم يابسا (٣) وعلله الحنابلة
بأنه أوصل إلى جوفه شيئا باختياره ، فأشبه
مالو أكل (٤) . قال المرداوى : وهذا هو
المذهب ، وعليه الأصحاب (٥) .
وعلله الحنفية - مع نصهم على عدم
التفرقة بين الدواء الرطب وبين الدواء
= المختار ورد المحتار عليه ٩٨/٢، وتبيين الحقائق ٣٢٩/١،
والهداية وشروحها ٢٦٦/٢ و٢٦٧ .
(١) رد المحتار ٩٨/٢.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٦٨، وفتح القدير ٢٦٧/٢، والبدائع
٩٣/٢.
(٣) المجموع ٦/ ٣٢٠، وشرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢.
(٤) كشاف القناع ٣١٨/٢، وانظر الروض المربع ١٤٠/١.
(٥) الإِنصاف ٢٩٩/٢ و ٣٠٠.
- ٣٧ -

صَوْمْ ٥١٠٫٥٠
الیابس۔۔ بان بین جوف الرأس و جوف
المعدة منعدا أصلیا ، فمتى وصل إلى جوف
الرأس ، يصل إلى جوف البطن (١).
أما إذا شك في وصول الدواء إلى
الجوف ، فعند الحنفية بعض التفصيل
والخلاف : فإن كان الدواء رطبا ، فعند أبى
حنيفة الظاهر هو الوصول ، لوجود المنفذ
إلى الجوف ، وهو السبب ، فيبنى الحكم
على الظاهر، وهو الوصول عادة، وقال
الصاحبان : لايفطر، لعدم العلم به ، فلا
يفطر بالشك ، فهما يعتبران المخارق
الأصلية ؛ لأن الوصول إلى الجوف من
المخارق الأصلية متيقن به ، ومن غيرها
مشكوك به ، فلا نحكم بالفساد مع
الشك .
وأما إذا كان الدواء يابسا ، فلا فطر
اتفاقا ؛ لأنه لم يصل إلى الجوف ولا إلى
الدماغ .
لکن قال البابرتی : وأكثر مشايخنا علی أن
العبرة بالوصول ، حتى إذا علم أن الدواء
اليابس وصل إلى جوفه ، فسد صومه ، وإن
علم أن الرطب لم يصل إلى جوفه ، لم يفسد
صومه عنده ، إلا أنه ذکر الرطب واليابس
بناء على العادة .
(١) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٦٨، والدر
المختار ١٠٣/٢.
وإذا لم يعلم يقينا فسد عند أبى حنيفة ،
نظرا إلى العادة ، لاعندهما (١).
ومذهب المالكية عدم الإفطار بمداواة
الجراح ، وهو اختيار الشيخ تقى الدين .
قال المرداوی : واختار الشیخ تقی الدین
عدم الإفطار بمداواة جائفة ومأمومة (٢).
قال ابن جزی : أما دواء الجرح بما يصل
إلى الجوف ، فلا يفطر (٣).
وقال الدردير، معللا عدم الإفطار بوضع
الدهن على الجائفة ، والجرح الكائن فى
البطن الواصل للجوف : لأنه لايصل لمحل
الطعام والشراب، وإلا لمات من
ساعته (٤) .
ز- الاحتقان :
٥١ - الاحتقان : صب الدواء أو إدخال
نحوه فى الدبر (٥) وقد یکون بائع أو بغيره :
فالاحتقان بالمائع من الماء - وهو الغالب -
أو غير الماء ، يفسد الصوم ويوجب
القضاء ، فيما ذهب إليه الجمهور، وهو
مشهور مذهب المالكية ، ومنصوص خلیل ،
وهو معلل بأنه يصل به الماء إلى الجوف من
(١) شرح العناية على الهداية للبابرت مع فتح القدير٢٦٦/٢، ٢٦٧.
(٢) الإنصاف ٢٩٩/٣.
(٣) القوانين الفقهية ص ٨٠.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٥٣٣/١، والمدونة ١٩٨/١.
(٥) المصباح المنير مادة (حقن)، ومراقى الفلاح ص ٣٦٧،
والإقناع ٣٢٩/٢.
- ٣٨ -

صَوْم ٥١
منفذ مفتوح ، وبأن غير المعتاد كالمعتاد فى
الواصل ، وبأنه أبلغ وأولى بوجوب القضاء
من الاستعاط استدراكا للفريضة
الفاسدة (١) .
ولا تجب الكفارة ، لعدم استكمال الجناية
على الصوم صورة ومعنى ، كما هو سبب
الكفارة ، بل هو لوجود معنى الفطر، وهو
وصول مافيه صلاح البدن إلى الجوف ، دون
صورته ، وهو الوصول من الفم دون ما
سواه (٢).
واستدل المرغينانى وغيره للإِفطار
بالاحتقان وغيره ، كالاستعاط والإفطار،
بحديث عائشة رضى الله تعالى عنها: إنما
الإفطار مما دخل ، وليس مما خرج (٣).
وقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
الفطر مما دخل ، وليس مما يخرج (٤).
أما الاحتقان بالجامد ، ففيه بعض
الخلاف :
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مايدخل
(١) تبيين الحقائق ٣٢٩/١ و٣٣٠، والهداية وشروحها ٢٦٥/٢،
٢٦٦، والدر المختار ١٠٢/٢، وشرح الدردير ٥٢٤/١،
وجواهر الإكليل ١٤٩/١ وشرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢،
والإقناع ٣٢٩/٢، ٣٣٠، وكشاف القناع ٣١٨/٢.
(٢) تبيين الحقائق ٣٢٩/١و ٣٣٠.
(٣) حديث عائشة: ((إنما الإفطار مما دخل ولیس مما خرج))
أورده الهیثمی فی مجمع الزوائد (١٦٧/٣) وقال: رواه أبو يعلى
وفيه من لم أعرفه.
(٤) قول ابن عباس رضي الله عنهما: الفطر مما دخل ..
أخرجه ابن أبي شيبة (٥١/٣).
إلى الجوف من الدبر بالحقنة يفطر، لأنه
واصل إلى الجوف باختياره ، فأشبه
الأکل (١).
كذلك دخول طرف أصبع في المخرج
حال الاستنجاء يفطر ،
قال النووى : لو أدخل الرجل أصبعه أو
غيرها دبره ، وبقى البعض خارجا ، بطل
الصوم ، باتفاق أصحابنا (٢).
وذهب الحنفية إلى أن تغييب القطن
ونحوه من الجوامد الجافة ، يفسد الصوم ،
وعدم التغييب لايفسده ، كما لو بقي طرفه
خارجا ، لأن عدم تمام الدخول کعدم دخول
شيء بالمرة ، كإدخال الأصبع غير المبلولة ،
أما المبلولة بالماء والدهن فيفسده (٣).
وخص المالكية الإفطار وإبطال الصوم ،
بالحقنة المائعة نصا .
وقالوا : احترز (خليل) بالمائع عن الحقنة
بالجامد ، فلا قضاء فيها ، ولا فى فتائل
عليها دهن لخفتها .
وفى المدونة ، قال ابن القاسم : سئل
مالك عن الفتائل تجعل للحقنة ؟ قال
مالك : أرى ذلك خفيفا ، ولا أرى عليه فيه
(١) المغنى ٣٧/٣، وكشاف القناع ٣١٨/٢.
(٢) الإقناع للشربيني الخطيب ٣٣٠/٢، والمجموع ٣١٤/٦.
(٣) مراقى الفلاح ص ٣٧٠، وانظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبى
عليه ٣٢٩/١، ٣٣٠، والدر المختار ورد المحتار ١٠٢/٢.
- ٣٩ -

...
٠٠
صَوْمْ ٥١ - ٥٢
شيئا ، قال مالك : وإن احتقن بشىء يصل
إلى جوفه ، فأرى عليه القضاء، قال ابن
القاسم : ولا كفارة عليه (١).
ويبدو مع ذلك تلخيصا ، أن للمالكية فى
الحقنة أربعة أقوال :
أحدها : وهو المشهور المنصوص عليه فى
مختصر خليل : الإفطار بالحقنة المائعة .
الثانى : أن الحقنة تفطر مطلقا .
الثالث : أنها لاتفطر، واستحسنه
اللخمى ، لأن ذلك لايصل إلى المعدة ، ولا
موضع یتصرف منه مايغذى الجسم بحال .
الرابع : أن استعمال الحقنة مكروه .
قال ابن حبيب : وكان من مضى من
السلف وأهل العلم يكرهون التعالج
بالحقن إلا من ضرورة غالبة ، لاتوجد عن
التعالج بها مندوحة ، فلهذا استحب قضاء
الصوم باستعمالها (٢).
ح - الحقنة المتخذة فى مسالك البول :
ويعبر عن هذا الشافعية بالتقطير، ولا
يسمونه احتقانا (٣) وفيه هذا التفصيل:
(١) الشرح الكبير للدردیر وحاشية الدسوقی علیه (٥٢٤/١،
والمدونة الكبرى ١٩٧/١ ط: دار صادر. بيروت).
(٢) انظر القوانين الفقهية ص ٨٠، ومواهب الجليل للحطاب
٤٢٤/٢.
(٣) انظر حاشية البيجورى ٣٠٣/١.
الأول : التقطير فى الإِحليل ، أى
الذكر :
٥٢ - فى التقطير أقوال: فذهب أبو حنيفة
ومحمد ومالك وأحمد ، وهو وجه عند
الشافعية ، إلى أنه لايفطر، سواء أوصل إلى
المثانة أم لم يصل، لأنه ليس بين باطن الذكر
وبین الجوف منفذ ، وإنما يمر البول رشحا ،
فالذى يتركه فيه لايصل إلى الجوف ، فلا
يفطر، کالذی یترکه فی فیه ولا يبتلعه (١)،
وقال المواق : هو أخف من الحقنة (٢).
وقال البهوتی : لو قط فيه ، أو غيب فيه
شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه (٣) .
والشافعية - مع ذلك - فى المسألة أقوال:
أحدها : إذا قطر فيه شيئا لم يصل إلى
المثانة لم يفطر، وهذا أصحها ، لأنه - كما
قال المحلی ۔ فى جوف غیر محيل .
الثانى : لايفطر .
الثالث : إن جاوز الحشفة أفطر،
وإلا لا (٤).
وذهب أبو یوسف إلى أنه یفطر إذا وصل
(١) انظر تبيين الحقائق ٣٣٠/١، والفتاوى الهندية ٢٠٤/١،
والقوانين الفقهية ص ٨٠، والمغنى ٤٢/٣.
(٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٤٢٤/٢ .
(٣) الروض المربع ١٤٠/١.
(٤) روضة المفتين ٣٥٧/٢، وانظر الإقناع ٣٣٠/٢.
- ٤٠ -