Indexed OCR Text

Pages 1-20

وزارة الأوقاف والشئون الإسْلامية
فِقِهِيَّة
المُؤْسُون
الجزء الثامن والعشرون
صَنْجَة - طِلَاء

2
وَمَا كَانَ الْمُؤمِنُونَ لِيَفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن
كُلِ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَهُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾.
(سورة التوبة آية : ١٢٢)
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
(أخرجه البخاري ومسلم)

14
٨
.. .
الْعَةُ الفِقْفِيَّةُ
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

الطبعة الأولى
١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م
مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ج. م.ع
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص. ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإِسلامية - الكويت

صَنْجة ١ - ٢
صَنْجَة
التعريف:
١ - الصّنج لغة: شىء يتخذ من صفر
یضرب أحدهما على الآخر، وآله بأوتار یضرب
بها، ويقال لما يجعل فى إطار الدف من
النحاس المدوّر صغارا صنوج - أيضا -(١).
ويؤخذ من استعمالات الفقهاء للفظ
الصّنجة أن المراد بها عندهم: قطع معدنية
ذات أثقال محدودة مختلفة المقادير يوزن
بها (٢) .
الحكم الإجمالى:
٢ -ینبغی للبائع أن يتخذ ما یزن به من قطع
من الحديد أو نحوه مما لا يتآكل، وتعير على
الصنج الطيارة، (٣) ولا يتخذها من
سـ
(١) القاموس المحيط ومتن اللغة .
(٢) الأحكام السلطانية للماوردى ص ٢٥٤ والأحكام السلطانية لأبى
يعلى ص ٢٩٩ ونهاية الرتبة فى طلب الحسبة ص ١٩ .
(٣) قال فى هامش نهاية الرتبة فى طلب الحسبة فى تعليقه على
(((الصنج الطيارة)) لم يتيسر معرفة معنى ((الصنج الطيارة)) فى
المراجع المختلفة وربما قصد المؤلف أنها الصنج المحفوظة عند
المحتسب لتعير عليها الصنج الأخرى. انظر (المقريزى.
الخطط ١ / ٤٦٤).
الحجارة، لأنها تنتحت إذا قرع بعضها بعضا
فتنقص، فإذا دعت الحاجة إلى اتخاذها من
الحجارة لقصور يده عن اتخاذها من الحديد
أو نحوه أمره المحتسب بتجليدها، ثم يختمها
المحتسب بعد العيار، ويجدد المحتسب النظر
فيها بعد كل حين، لئلا يتخذ البائع مثلها
من الخشب (١).
قال أبو يعلى: ومما يتأكد على المحتسب
المنع من التطفيف والبخس فى المكاييل
والموازين والصنجات، وليكن الأدب عليه
أظهر وأكثر، ويجوز له إذا استراب بموازين
السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها .
ولو كان له على ماعايره منها طابع معروف
بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط
وأسلم، فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما
طبع بطابعه توجه الإِنكار عليهم إن كان
مبخوسا من وجهین:
أحدهما: مخالفته فى العدول عن
مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية.
والثاني: البخس والتطفيف فى الحقوق،
وإنكاره من الحقوق الشرعية.
وإن كان ماتعاملوا به من غير المطبوع
(١) نهاية الرتبة فى طلب الحسبة ص ١٩ ومعالم القربة فى أحكام
الحسبة ص ٨٥ .
- ٥ -

.....
صَنْجة ٢، صَوْت، صُورة، صُوف
سليما من بخس ونقص توجه الإِنكار بحق
السلطنة وحدها لأجل المخالفة (١) .
(وللتفصيل ر: مقادير).
هذا عن الصنجة بمعنی ما یوزن به.
أما الصنج بمعنی ما يتخذ من صفر
يضرب أحدهما على الآخر، أو الآلة بأوتار
يضرب بها أو ما يجعل فى إطار الدف من
النحاس المدور فتفصيله فى مصطلح :
(معازف) .
صَوت
انظر : كلام
صورة
انظر : تصوير
صُوف
انظر : شعر و صوف و وبر
(١) الأحكام السلطانية لأب يعلي ص ٢٩٩ وانظر الأحكام
السلطانية للماوردى ص ٢٥٤ .
- ٦ -

صَوْم ١ - ٥
صَوْمْ
التعريف :
١ - الصوم فى اللغة: الإمساك مطلقا عن
الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير.
قال تعالى - حكاية عن مريم عليها
السلام - : ﴿إنى نذرت للرحمن صوما فلن
أكلّم اليوم إنسيا﴾ (١).
والصوم: مصدر صام يصوم صوما
وصياما (٢).
وفى الاصطلاح: هو الإِمساك عن المفطر
على وجه مخصوص (٣).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإمساك :
٢ - الإمساك لغة: هو حبس الشيء
والاعتصام به، وأخذه وقبضه، والإمساك عن
الكلام هو: السكوت، والإمساك: البخل.
وقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن فى البيوت﴾ (٤)
(١) سورة مريم / ٢٦
(٢) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة:
(صوم).
(٣) مغنى المحتاج ٤٢٠/١.
(٤) سورة النساء / ١٥ .
أمر بحبسهن وهو بذلك أعم من الصوم .
ب - الكفّ:
٣ - الكف عن الشىء لغة : تركه ، وإذا
ذكر المتعلّق من الطعام والشراب كان
مساويا للصوم .
ج - الصمت :
٤ - الصمت وكذا السكوت لغة : الإمساك
عن النطق، وهما أخص من الصوم لغة، لا
شرعا، لأن بينهما وبينه تباينا .
الحكم التكليفى:
٥ - أجمعت الأمة على أن صوم شهر
رمضان فرض. والدليل على الفرضية الكتاب
والسنة والإجماع .
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (١) وقوله
کتب علیکم: أی فرض.
وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر
فليصمه﴾ (٢).
وأما السنة، فحديث ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما قال: قال رسول الله وقال: ((بنى
الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا
(١) سورة البقرة / ١٨٣، وانظر التفسير المذكور فى أحكام القرآن
لابن العربي (٦١/١ ط: دار المعرفة. بيروت).
(٢) سورة البقرة / ١٨٥.
- ٧ -

صَوْم ٥ - ٧
الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) (١) .
كما انعقد الإجماع على فرضية صوم شهر
رمضان، لا يجحدها إلا كافر (٢).
فضل الصوم :
٦ - وردت في فضل الصوم أحاديث كثيرة،
نذكر منها مايلى :
أ - عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه
عن النبى وَليز أنه قال: ((من صام رمضان
إيمانا واحتسابا، غفر له ماتقدم منذنبه، ومن
قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم
من ذنبه)) (٣).
ب - وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه
قال: ((كان النبى ◌َليل يبشر أصحابه بقدوم
رمضان، یقول: قد جاءكم شهر رمضان،
شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح
فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم،
وتُغَلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف
شهر)» (٤) .
(١) حديث: ((بنى الإِسلام على خمس .. )).
أخرجه البخارى (الفتح ٤٩/١ - ط. السلفية) ومسلم
(٤٥/١ ط. الحلبى).
(٢) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للكاسانى ٧٥/٢ ط: دار
الكتاب العربى بيروت: ١٤٠٢ هـ. وانظر الهداية وشروحها
(٢٣٣/٢ ط: دار إحياء التراث العربى، بيروت).
(٣) حديث: ((من صام رمضان إيمانا واحتسابا .. ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٢٥٥ ط السلفية).
(٤) حديث أبى هريرة: ((كان النبى ◌َّ يبشر أصحابه بقدوم
=
رمضان ... ))
ج - وعن سهل بن سعد رضى الله عنه
عن النبى (# قال: «إن في الجنة بابا، يقال
له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم
القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال:
أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه
أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل
منه أحد)) (١).
د - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال
رسول الله وَلجر: ((رَغِمَ أَنفُ رجل دخل عليه
رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له)) (٢) .
حكمة الصوم :
٧ - تتجلى حكمة الصوم فيما يلى :
أ - أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة، إذ هو
كف النفس عن الأكل والشرب والجماع،
وإنها من أجلِّ النعم وأعلاها، والامتناع عنها
زمانا معتبرا يعرّف قدرها، إذ النعم مجهولة،
فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء
حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلا
وشرعا، وإليه أشار الرب سبحانه وتعالى
= أخرجه أحمد (٣٨٥/٢ - ط اليمنية) والنسائي (١٢٩/٤ - ط
المكتبة التجارية) ، وفى إسناده انقطاع ، ولكن له طرقًا أخرى
تقويه .
(١) حديث سهل بن سعد: ((إن فى الجنة بابا يقال له الريان ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ١١١/٤ ط السلفية) ومسلم.
(٨٠٨/٢ ط الحلبى).
(٢) حديث: ((رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ... ))
أخرجه الترمذى (٥٥٠/٥ - ط الحلبى) وقال: حديث
حسن.
- ٨ -

ضَوْم ٧ -٨
بقوله فى آية الصيام: ﴿ولعلكم
تشكرون﴾ (١).
ب - أن الصوم وسيلة إلى التقوى، لأنه إذا
انقادت نفس للامتناع عن الحلال طمعا فى
مرضاة الله تعالى، وخوفا من ألیم عقابه،
فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان
الصوم سببا لاتقاء محارم الله تعالى، وإنه
فرض، وإليه وقعت الإِشارة بقوله تعالى فى
آخر آية الصوم ﴿لعلكم تتقون﴾ (٢).
ج - أن فى الصوم قهر الطبع وكسر الشهوة،
لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا
جاعت امتنعت عما تهوی، ولذا قال النبى
ريج: ((يامعشر الشباب: من استطاع منكم
الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن
للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له
وجاء)) (٣) فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع
عن المعاصى (٤).
د- أن الصوم موجب للرحمة والعطف على
المساکین، فإن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في
بعض الأوقات، ذکر مَنْ هذا حاله فی جمیع
(١) سورة البقرة / ١٨٥.
(٢) سورة البقرة / ١٨٣.
(٣) حديث: ((يامعشر الشباب، من استطاع منكم الباءة
فليتزوج ... »
أخرجه البخارى، (الفتح ١١٢/٩ ط السلفية، ومسلم)
(١٠١٨/٢ - ١٠١٩ ط الحلبى) من حديث ابن مسعود .
(٤) بدائع الصنائع ٧٥/٢ و ٧٦.
الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة
به، بالإِحسان إليه، فینال بذلك ماعند الله
تعالى من حسن الجزاء .
هـ- فى الصوم موافقة الفقراء، بتحمل
مایتحملون أحیانا، وفى ذلك رفع حاله عند
الله تعالى (١) .
و- فى الصوم قهر للشيطان، فإن وسیلته إلى
الإضلال والإِغواء: الشهوات، وإنما تقوى
الشهوات بالأكل والشرب، ولذلك جاء فى
حديث صفية. رضى الله عنها قوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((إن الشيطان ليجرى
من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه
بالجوع))(٢) .
أنواع الصوم:
٨- ينقسم الصوم إلى صوم عين، وصوم
دین.
وصوم العین: ماله وقت معین :
أ - إما بتعيين الله تعالى، کصوم رمضان،
وصوم التطوع خارج رمضان، لأن خارج
رمضان متعين للنفل شرعا .
(١) فتح القدير، من شروح الهداية ٢٣٣/٢ ط: دار إحياء التراث
العربى . بيروت .
(٠٢) حديث: ((إن الشيطان ليجرى من ابن آدم ... ))
أخرجه البخاري (٢٨٢/٤) ومسلم (١٧١٢/٤) دون قوله
((فضيقوا مجاريه بالجوع))، وأشار السبكى فى طبقات الشافعية
(٤ /١٤٩) إلى أن الزيادة لاتعرف .
-٩-

صَوْم ٨ - ١٠
ب - وإما بتعيين العبد، كالصوم المنذور به
فی وقت بعینہ (١) .
وأما صوم الدین، فما لیس له وقت معین،
كصوم قضاء رمضان، وصوم كفارة القتل
والظهار واليمين والإِفطار فى رمضان، وصوم
متعة الحج، وصوم فدية الحلق، وصوم جزاء
الصيد، وصوم النذر المطلق عن الوقت،
وصوم اليمين، بأن قال: والله لأصومن
شهرا (٢) .
الصوم المفروض:
ينقسم الصوم المفروض من العين
والدين، إلى قسمين: منه ماهو متتابع، ومنه
ماهو غیر متتابع، بل صاحبه بالخيار: إن شاء
تابع، وإن شاء فرق .
أولا : ما يجب فیه التتابع ، ویشمل مایلی:
٩ - أ - صوم رمضان، فقد أمر الله تعالى
بصوم الشهر بقوله سبحانه: ﴿فمن شهد
منكم الشهر فليصمه﴾ (٣) والشهر متتابع،
لتتابع أيامه، فيكون صومه متتابعا ضرورة.
ب - صوم كفارة القتل الخطأ، وصوم
كفارة الظهار، والصوم المنذور به فى وقت
(١) بدائع الصنائع ٢ /٧٥ .
(٢) نفس المرجع ٧٦/٢ .
(٣) سورة البقرة / ١٨٥.
بعينه، وصوم کفارة الجماع فى نهار رمضان.
وتفصيله فى مصطلح: (تتابع) (١) .
ثانیا: مالا يجب فيه التتابع ، ویشمل مايلي:
١٠ - أ- قضاء رمضان، فمذهب الجمهور
عدم اشتراط التتابع فيه، لقوله تعالى:
﴿فعدة من أيام أخر﴾ (٢) فإنه ذكر الصوم
مطلقا عن التتابع .
ويروى عن جماعة من الصحابة، منهم :
على، وابن عباس، وأبو سعيد، وعائشة ،
رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ((إن شاء
تابع، وإن شاء فرق)) ولو كان التتابع شرطا،
لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة، وما
احتمل مخالفتهم إياه (٣) .
ومذهب الجمهور هو: ندب التتابع أو
استحبابه للمسارعة إلى إسقاط الفرض (٤)
وروی عن مجاهد أنه يشترط تتابعه لأن
القضاء يكون على حسب الأداء، والأداء
وجب متتابعا، فكذا القضاء .
ب - الصوم فى كفارة اليمين، وفى تتابعه
خلاف، وتفصيله في مصطلح: (تتابع) .
(١) انظر الموسوعة الفقهية (جـ ١٠ / ف٤،٣).
(٢) سورة البقرة / ١٨٤، وانظر أحكام القرآن للجصاص
جـ ١ ص ٢٠٨ .
(٣) البدائع ٧٦/٢، وانظر القوانين الفقهية: ٨٢ .
(٤) جواهر الإكليل ١٤٦/١، وحاشية القليوب على شرح المحلى
على المنهاج (٢/ ٦٤ ط : دار إحياء الكتب العربية، لعيسى
البابى الحلبى) والروض المربع (١٤٤/١ ط: دار الكتب
العلمية، بيروت). وتبيين الحقائق ٣٣٦/١.
- ١٠ -

صَوْم ١٠ - ١١
ج - صوم المتعة في الحج، وصوم كفارة
الحلق، وصوم جزاء الصيد، وصوم النذر
المطلق، وصوم اليمين المطلقة. قال الله - عز
وجل - فى صوم المتعة: ﴿ فمن تمتّع بالعمرة
إلى الحج فما استيسر من الهدى، فمن لم يجد
فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا
رجعتم .. ﴾ (١).
وقال فى كفارة الحلق: ﴿ولا تحلقوا
رؤوسكم حتى يَبْلُغ الهدىُ مَحِلَّه فمن كان
منكم مريضا أو به أذى من رأسه، ففِدْية من
صيام، أو صدقة أو نُسُك ... ﴾ (٢).
وقال فى جزاء الصيد: ﴿أو عَدْلُ ذلك
صياما، ليذوق وبال أمره﴾ (٣) فذكر الصوم
فى هذه الآيات مطلقا عن شرط التتابع .
وكذا: الناذر، والحالف فى النذر المطلق،
واليمين المطلقة، ذكر الصوم فيها مطلقا عن
شرط التتابع. (٤) .
وللتفصيل انظر مصطلح: (نذر،
وأيمان) .
الصوم المختلف في وجوبه، ویشمل مايلي :
الأول، وهو: قضاء ماأفسده من صوم
النفل
(١) سورة البقرة / ١٩٦.
(٢) سورة البقرة / ١٩٦.
(٣) سورة المائدة / ٩٥.
(٤) البدائع ٧٦/٢، وانظر حاشية الطحطاوى على مراقى
الفلاح / ٣٥٠، وجواهر الإكليل ١٤٦/١ .
١١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن قضاء
نفل الصوم إذا أفسده واجب، واستدل له
الحنفية: بحديث عائشة رضي الله تعالى
عنها قالت: ((كنت أنا وحفصة
صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهیناه، فأكلنا
منه. فجاء رسول اللّه وَةٍ فبدرتني إليه
حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت يارسول
الله: إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام
اشتهيناه فأكلنا منه قال: اقضيا يوما آخر
مکانه )) (١).
وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه
خرج يوما على أصحابه، فقال: ((إنى
أصبحت صائما، فمرت بي جارية لي،
فوقعت عليها، فما ترون؟ فقال علي: أصبت
حلالا، وتقضي يوما مكانه، كما قال
رسول اللّه مَّ﴾.قال عمر: أنت أحسنهم
فتیا))(٢).
ولأن ماأتى به قربة، فيجب صيانته
وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإِفساد،
لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٣) ولا
يمكن ذلك إلا بإتيان الباقى، فيجب إتمامه
وقضاؤه عند الإفساد ضرورة، فصار كالحج
(١) حديث عائشة: ((كنت أنا وحفصة صائمتين ... ))
أخرجه الترمذى ١٠٣/٣، وصوب إرساله.
(٢) تبيين الحقائق ٣٣٨/١.
(٣) سورة محمد / ٣٣.
- ١١ -

صَوْم ١١ - ١٢
والعمرة المتطوّعين (١).
والحنفية لا يختلفون فى وجوب القضاء إذا
فسد صوم النافلة عن قصد، أوغير قصد بأن
عرض الحيض للصائمة المتطوعة .
وإنما اختلفوا في الإفساد نفسه، هل يباح
أو لا؟ فظاهر الرواية ؛ أنه لا یباح إلا بعذر،
وهذه الرواية الصحيحة .
وفى رواية أخرى، هى رواية المنتقى : يباح
بلا عذر، واستوجهها الکمال إذ قال:
واعتقادى أن رواية المنتقى أوجه (٢) لكن
قيدت بشرط أن يكون من نيته القضاء (٣) .
واختلفوا - على ظاهر الرواية - هل
الضيافة عذر أو لا ؟ .
قال في الدر: والضيافة عذر، إن كان
صاحبها ممن لا یرضی بمجرد حضوره،
ويتأذى بترك الإفطار، فيفطر، وإلا لا، هذا
هو الصحيح من المذهب، حتى لو حلف
عليه رجل بالطلاق الثلاث، أفطر ولو كان
صومه قضاء، ولا يحنثه على المعتمد .
وقيل: إن كان صاحب الطعام يرضى
بمجرد حضوره، وإن لم یأکل، لا يباح له
الفطر. وإن كان يتأذى بذلك يفطر .
وهذا إذا کان قبل الزوال، أما بعده فلا،
(١) تبيين الحقائق ٣٣٨/١، والهداية وشروحها ٢٨٠/٢، وانظر
الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقى ٥٢٧/١.
(٢) فتح القدير شرح الهداية ٢٨٠/٢ .
(٣) الدر المختار ٢/ ١٢١.
إلا لأحد أبويه إلى العصر، لابعده (١).
- والمالكية أوجبوا القضاء بالفطر العمد
(الحرام، احترازا عن الفطر نسيانا أو إكراها،
أو بسبب الحیض والنفاس، أو خوف مرض
أو زيادته، أو شدة جوع أو عطش، حتی لو
أفطر لحلف شخص علیه بطلاق باتٍ، فلا
يجوز الفطر، وإن أفطر قضى .
واستثنوا ما إذا كان لفطره وجه :
- كأن حلف بطلاقها، ويخشى أن لا
يتركها إن حنث، فيجوز الفطر ولا قضاء.
- أو أن يأمره أبوه أو أمه بالفطر، حنانا
وإشفاقا عليه من إدامة الصوم، فيجوز له
الفطر، ولا قضاء عليه.
- أو يأمره أستاذه أو مربيه بالإِفطار، وإن
لم يحلف الوالدان أو الشيخ (٢).
١٢ - والشافعية والحنابلة، لا يوجبون إتمام
نافلة الصوم، ولا يوجبون قضاءها إن
فسدت، وذلك:
- لقول عائشة رضى الله تعالى عنها :
((يارسول الله! أهدى إلينا حيس (٣) فقال:
أرنيه فلقد أصبحت صائما. فأكل» وزاد
النسائى: ((إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل
(١) نفس المرجع ١٢١/٢و١٢٢.
(٢) انظر الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقى ٥٢٧/١،
(٣) جواهر الإِكليل شرح مختصر سيدى خليل، للأبى
(١٥٠/١ ط: دار المعرفة بيروت). الحيس: تمر مخلوط
بسمن وأقط .
- ١٢ -

صَوْمْ ١٢ - ١٣
يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها،
وإن شاء حبسها)) (١) .
ـ ولحديث أم هانىء رضي الله تعالى عنها
((أن رسول الله وَ ل#دخل عليها، فدعا بشراب
فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يارسول
الله! أما إنى كنت صائمة! فقال رسول الله
وَل: ((الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء
صام، وإن شاء أفطر)) وفى رواية: ((أمير
نفسه» (٢) .
ـ ولحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله
تعالى عنه قال: صنعت لرسول الله واله
طعاما، فأتانى هو وأصحابه، فلما وضع
الطعام قال رجل من القوم: إنى صائم! فقال
رسول الله وَل: ((دعاكم أخوكم، وتكلف
لکم. ثم قال له: أفطر، وصم مكانه یوما إن
شئت)) (٣).
- ولأن القضاء يتبع المقضى عنه، فإذا لم یکن
(١) حدیث: عائشة: «یارسول الله! أهدی لنا حیس»
أخرجه مسلم (٨٠٩/٢ ط الحلبى) وزيادة النسائى فى سننه
(١٩٣/٤ - ١٩٤).
(٢) حديث أم هانىء: ((الصائم المتطوع أمين نفسه ... ))
أخرجه الترمذى (١٠٠/٣) والبيهقى (٢٧٦/٤) وقال ابن
التركمانى فى هامش السنن للبيهقى (٢٧٨/٤): هذا الحديث
مضطرب إسنادا ومتنا.
(٣) حديث أبى سعيد: ((صنعت لرسول الله وَله طعاما ... ))
أخرجه البيهقى (٤ /٢٧٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وحسن
ابن حجر إسناده فى الفتح (٤ /٢١٠ ط السلفية).
واجبا، لم يكن القضاء واجبا، بل
يستحب (١).
- ونص الشافعية والحنابلة على أن من شرع
في نافلة صوم لم يلزمه الإِتمام، لكن
یستحب، ولا کراهة ولا قضاء فى قطع صوم
التطوع مع العذر (٢).
أما مع عدم العذر فيكره، لقوله تعالى:
﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٣)
ومن العذر أن يعز على من ضيّفه امتناعه
من الأكل .
وإذا أفطر فإنه لا يثاب على مامضى إن
أفطر بغير عذر، وإلا أثيب (٤) .
الثانى: صوم الاعتكاف، وفيه خلاف،
وتفصيله فی مصطلح: ( اعتکاف ج ٥
ف ١٧ ).
صوم التطوع :
١٣ - وهو :
١ - صوم يوم عاشوراء.
٢ - صوم يوم عرفة .
(١) كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوق (٣٤٣/٢ ط: مكتبة
النصر . الرياض) .
(٢) شرح المحلى وحاشية القليوبي عليه (٧٤/٢، والروض المربع
١٤٦/١) .
(٣) سورة محمد / ٣٣.
(٤) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه (٣٥٣/٢، وروضة الطالبين
وعمدة المفتين للنووى ٣٨٦/٢ ط: المكتب الإِسلامى.
بيروت) .
- ١٣ -

صَوْم ١٣ - ١٤
٣- صوم يوم الإثنين والخميس من كل
أسبوع .
٤- صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهی
الأيام البيض .
٥ - صيام ستة أيام من شوال .
٦ - صوم شهر شعبان.
٧- صوم شهر المحرم .
٨- صوم شهر رجب .
٩- صيام ماثبت طلبه والوعد عليه فى
السنة الشريفة .
وتفصيل أحكام هذا الصوم فى
مصطلح: (صوم التطوع)
الصوم المكروه، ويشمل مايلى :
أ - إفراد يوم الجمعة بالصوم:
١٤ - نص علی کراهته الجمهور (١)، وقد ورد
فيه حديث عن أبى هريرة - رضى الله تعالى
عنه - قال: قال رسول الله - دالنخيل -: ((لا
تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده
يوم)) (٢)، وفى رواية: ((إن يوم الجمعة يوم
(١) مراقي الفلاح / ٣٥١، والقوانين الفقهية (٧٨) وروضة الطالبين
٣٨٧/٢، والروض المربع ١٤٥/١، وكشاف القناع
٣٤٠/٢.
(٢) حديث أبى هريرة: ((لاتصوموا يوم الجمعة ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ٢٣٢/٤ ط السلفية) ومسلم
(٨٠١/٢ط الحلبى) وأحمد (٤٩٥/٢)، واللفظ لأحمد.
عید، فلا تجعلوا یوم عیدکم یوم صيامكم،
إلا أن تصوموا قبله أو بعده » (١).
وورد فی حديث ابن عباس - رضى الله
عنهما - أن النبى وَ لثم قال: ((لا تصوموا يوم
الجمعة وحده)) (٢).
وذكر فى الخانية أنه لا بأس بصوم يوم
الجمعة عند أبى حنيفة ومحمد، لما روى عن
· ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه كان
يصومه ولا يفطر، وظاهر هذا أن المراد (بلا
بأس) الاستحباب، وقد صرح الحصكفى
بندب صومه، ولو منفردا(٣). وكذا الدردير
صرح بندب صومه وحده فقط، لا قبله ولا
بعده وهو المذهب عند المالكية، وقال: فإن
ضم إليه آخر فلا خلاف فى ندبه (٤).
وقال الطحطاوى: ثبت فى السنة طلب
صومه، والنهى عنه، والأخير منهما:
النهى (٥) .
وقال أبو يوسف: جاء حديث فى كراهة
(١) حديث: ((إن يوم الجمعة يوم عيد ... ))
أخرجه أحمد (٣٠٣/٢) والحاكم (٤٣٧/١) واللفظ لأحمد،
وأعله الذهبی بجهالة راو فيه.
(٢) حديث ابن عباس: ((لاتصوموا يوم الجمعة وحده ... ))
أخرجه أحمد (١٩٩/١) وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد
(١٩٩/٣ - ط. القدسى) وقال: فيه الحسين بن عبد الله بن.
عبيد الله وثّقه ابن معين وضعفه الأئمة.
(٣) الدر المختار ٨٣/٢.
(٤) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقى ٥٣٤/١.
(٥) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح (٣٥١) ورد المحتار
٠٨٣/٢
- ١٤ -

صَوْم ١٤ - ١٧
صومه، إلا أن يصوم قبله أو بعده ، فكان
الاحتياط فى أن يضم إليه يوما آخر (١).
قال الشوكانى: فمطلق النهى عن صومه
مقيد بالإِفراد (٢).
وتنتفى الكراهة بضم يوم آخر إليه،
لحديث جويرية بنت الحارث رضى الله
عنها أن النبى وَلّ ((دخل عليها يوم
الجمعة، وهى صائمة، فقال: أصمت
أمس؟ قالت: لا. قال: تریدین أن تصومی
غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطرى)) (٣)
.
ب - صوم يوم السبت وحده خصوصا :
١٥ - وهو متفق على كراهته (٤)، وقد ورد فيه
حديث عبد الله بن بسر، عن أخته، واسمها
الصماء رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله
وَلجر قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما
افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء
عنبة أو عود شجرة فليمضغه)) (٥).
ووجه الكراهة أنه یوم تعظمه اليهود، ففی
إفراده بالصوم تشبه بهم، إلا أن يوافق صومه
(١) المصدران السابقان في الموضع نفسه.
٠٫٫٠
(٢) نيل الأوطار ٤ /٢٥٠، ٢٥١.
(٣) حديث جويرية: ((أن النبي {لل دخل عليها يوم الجمعة ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ٢٣٢/٤ ط. السلفية).
(٤) مراقي الفلاح ٣٥١ والقوانين الفقهية ٧٨، وروضة
الطالبين ٣٨٧/٢، وكشاف القناع ٣٤١/٢.
(٥) حديث أخت عبد الله بن بسر: ((لاتصوموا يوم السبت ... )).
أخرجه الترمذى (١١١/٣) وحسنه.
بخصوصه يوما اعتاد صومه، كيوم عرفة أو
عاشوراء (١)
.
ج - صوم يوم الأحد بخصوصه :
١٦ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أن تعمد
صوم يوم الأحد بخصوصه مكروه، إلا إذا
وافق یوما کان یصومه، واستظهر ابن عابدين
أن صوم السبت والأحد معا ليس فيه تشبه
باليهود والنصارى، لأنه لم تتفق طائفة منهم
على تعظيمهما ، كما لو صام الأحد مع
الإِثنين، فإنه تزول الكراهة، ، ويستظهر
من نص الحنابلة أنه یکره صیام كل عيد
لليهود والنصارى أو يوم يفردونه بالتعظيم إلا
أن يوافق عادة للصائم .
د - إفراد يوم النيروز بالصوم :
١٧ - يكره إفراد يوم النيروز، ويوم المهرجان
بالصوم،(٣) وذلك لأنهما يومان يعظمهما
الكفار، وهما عيدان للفرس، فيكون
تخصيصهما بالصوم - دون غيرهما - موافقة
لهم فى تعظيمهما، فكره، كيوم
السبت .
وعلى قياس هذا كل عيد للكفار، أو يوم
(١) انظر كشاف القناع ٣٤١/٢، والمغنى ٢ /٩٩.
(٢) رد المحتار ٨٤/٢، وانظر الإقناع وحاشية البجيرمى عليه
٣٥٢/٢، وكشاف القناع ٣٤١/٢ .
(٣) النيروز يوم فى طرف الربيع، والمهرجان يوم فى طرف الخريف انظر
(مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ٣٥١) .
- ١٥ -

صَوْم ١٧ - ١٩
يفردونه بالتعظيم (١) ونص ابن عابدين على
أن الصائم إذا قصد بصومه التشبه، كانت
الكراهة تحريمية (٢)
هـ - صوم الوصال :
١٨ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والحنابلة والشافعية فى قول) إلى كراهة صوم
الوصال، وهو: أن لا يفطر بعد الغروب
أصلا، حتی یتصل صوم الغد بالأمس، فلا
يفطر بين يومين، وفسره بعض الحنفية بأن
يصوم السنة ولا يفطر فى الأيام المنهية (٣).
وإنما کره، لما روی عن ابن عمر- رضى
اللّه تعالى عنهما - قال: ((واصل رسول اللّه أَآل
فی رمضان، فواصل الناس .. فنهاهم، قيل
له: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم،
إنى أطعم وأسقى)) (٤).
والنهى وقع رفقا ورحمة، ولهذا واصل
النبى وَلا .
وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها، وكذا
بمجرد الشرب لانتفاء الوصال .
ولا يكره الوصال إلى السحر عند
الحنابلة، لحديث أبى سعيد - رضى الله
(١) المغنى ٩٩/٢، والروض المربع ١٤٦/١.
(٢) رد المحتار ٨٤/٢.
(٣) نفس المرجع .
(٤) حديث ابن عمر: ((واصل رسول اللّه ◌َلچر ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ٢٠٢/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٧٧٤/٢) واللفظ لمسلم.
عنه - مرفوعا: ((فأيكم إذا أراد أن يواصل،
فليواصل حتى السحر)) (١) ولكنه ترك سنة،
وهي : تعجيل الفطر، فترك ذلك أولى محافظة
على السنة .
وعند الشافعية قولان: الأول وهو
الصحيح: بأن الوصال مكروه كراهة تحریم،
وهو ظاهر نص الشافعي رحمه الله، والثاني:
یکړه کراهة تنزیه (٢).
و- صوم الدهر (صوم العمر):
١٩ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والحنابلة وبعض الشافعية) على وجه العموم
إلى كراهة صوم الدهر، وعللت الكراهة بأنه
يضعف الصائم عن الفرائض والواجبات
والکسب الذی لابد منه، أو بأنه یصیر
الصوم طبعا له، ومبنى العبادة على مخالفة
العادة (٣).
واستدل للكراهة، بحديث عبد الله بن
عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما -
قال: قال رسول الله وَال: ((لا صام من صام
الأبد)) (٤).
(١) حديث أبى سعيد الخدرى: ((فأيكم إذا أراد أن يواصل ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ٢٠٢/٤ ط. السلفية).
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٥١، وشرح الخرشى ٢٤٣/٢، وكشاف
القناع ٣٤٢/٢، وروضة الطالبين ٣٦٨/٢.
(٣) مراقى الفلاح ص (٣٥١) والدر المختار ورد المحتار ٨٤/٢،
والقوانين الفقهية ص ٧٨، وكشاف القناع ٣٣٨/٢.
(٤) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((لاصام من صام
الأبد)».
- ١٦ -

صَوْم ١٩ - ٢٠
وفى حديث أبي قتادة - رضى الله عنه -
قال: ((قال عمر: يارسول الله! كيف بمن
يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر، أُو
لم يصم ولم يفطر) (١) أي: لم يحصّل أجر
الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك .
وقال الغزالى: هو مسنون (٢) .
وقال الأكثرون من الشافعية: إن خاف
منه ضررا،أو فَوَّتَ به حقا کره ، وإلا فلا .
والمراد بصوم الدهر عند الشافعية: سرد
الصوم فى جميع الأيام إلا الأيام التى لا يصح
صومها وهى: العيدان وأيام التشريق (٣).
الصوم المحرم:
٢٠ - ذهب الجمهور إلى تحريم صوم الأيام
التالية :
أ - صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد
الأضحى، وأيام التشريق، وهى: ثلاثة أيام
بعد يوم النحر (٤) .
= أخرجه البخارى (الفتح ٢٢١/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٨١٥/٢) ط . الحلبى .
(١) حديث أبى قتادة : ((قال عمر: یارسول الله كيف بمن يصوم
الدهر كله ؟ .. .)) .
أخرجه مسلم (٨١٩/٢ ط. الحلبى).
(٢) نيل الأوطار ٢٥٥/٤، والوجيز ص ١٠٥، وانظر شرح المنهج
٣٥١/٢.
(٣) المجموع ٣٨٨/٦.
(٤) حاشية الطحطاوى على مراقي الفلاح ص ٣٥١ والبدائع
٧٨/٢، والقوانين الفقهية ص ٧٨، وشرح المحلى على المنهاج
٦٠/٢ و٢٩٠/٤، وكشاف القناع ٣٤٢/٢.
وذلك لأن هذه الأيام منع صومها لحديث
أبى سعيد - رضى الله عنه - (( أن رسول الله
* نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم
النحتر))(١) وحديث نبيشة الهذلى - رضى الله
تعالى عنه - قال: قال رسول الله ◌َلاتر: ((أيام
التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله -
عز وجل -))(٢).
وذهب الحنفية إلى جواز الصوم فيها مع
الكراهة التحريمية، لما فى صومها من
الإِعراض عن ضيافة الله تعالى، فالكراهة
ليست لذات اليوم، بل لمعنى خارج مجاور،
کالبیع عند الأذان یوم الجمعة، حتى لو نذر
صومها صح، ويفطر وجوبا تحاميا عن
المعصية، ویقضیها إسقاطا للواجب، ولو
صامها خرج عن العهدة، مع الحرمة (٣) .
وصرح الحنابلة بأن صومها لايصح
فرضا ولا نفلا، وفى رواية عن أحمد أنه
يصومها عن الفرض .
واستثنى المالكية والحنابلة فى رواية : صوم
أيام التشريق عن دم المتعة والقران، ونقل
المرداوى أنها المذهب، لقول ابن عمر
(١) حديث أبى سعيد: ((نهى عن صيام يومين ... ))
أخرجه البخارى (الفتح ٢٣٩/٤ ط. السلفية) ومسلم
(٢ / ٨٠٠ ط. الحلبى) واللفظ لمسلم.
(٢) حديث نبيشة الهذلى: ((أيام التشريق ... )).
أخرجه مسلم (٢ /٨٠٠ ط. الحلبى).
(٣) الدر المختار ورد المحتار ١٢٤/٢.
- ١٧ -

٠٠
صَوْم ٢٠ - ٢٢
وعائشة - رضى الله تعالى عنهم - لم یرخص فى
أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى.
وهذا هو القديم عند الشافعية، والأصحّ
الذى اختاره النووى مافى الجديدوهو: عدم
صحة الصوم فيها مطلقا (١).
قال الغزالي: وأما صوم يوم النحر، فقطع
الشافعي - رحمه الله تعالى - ببطلانه، لأنه لم
يظهر انصراف النهى عن عينه ووصفه، ولم
یرتض قولهم: إنه نهی عنه، لما فيه من ترك
إجابة الدعوة بالأكل (٢) .
ب - ويحرم صيام الحائض والنفساء،
وصيام من يخاف على نفسه الهلاك
بصومه (٣).
ثبوت هلال شهر رمضان :
٢١ - يجب صوم رمضان بإکمال شعبان ثلاثين
يوما اتفاقا، أو رؤية الهلال ليلة الثلاثين، وفى
ثبوت الرؤية خلاف بين الفقهاء ينظر فى
مصطلح : ( رؤية ) ف ٢ و (رمضان) ف ٢
صوم من رأى الهلال وحده :
٢٢ -من رأی هلال رمضان وحده،وردّت
(١) انظر القوانين الفقهية ص (٧٨)، والمجموع شرح المهذب
للنووى ٤٤٤/٦، ٤٤٥ ط دار الفكر، وكشاف القناع
٣٤٢/٢، والمغنى ٩٧/٢، والإنصاف ٣٥١/٢ و٣٥٢ .
(٢) المستصفى ٨١/١ ط دار الكتب العلمية. بيروت.
(٣) القوانين الفقهية ص ٧٨ .
شهادته، لزمه الصوم وجوبا، عند جمهور
الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) وهو
مشهور مذهب أحمد، وذلك: للآية
الكريمة، وهى قوله تعالى: ﴿فمن شهد
منكم الشهر فليصمه﴾ (١). ولحديث:
((صوموا لرؤيته ... )) (٢) وحديث: ((الصوم
يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون)) (٣).
ولأنه تیقن أنه من رمضان، فلزمه صومه، كما
لو حكم به الحاكم.
وروي عن أحمد: أنه لايصوم إلا فى جماعة
من الناس .
وقيل: يصوم ندبا احتياطا، كما ذكره
الكاساني (٤) .
وقال المالكية: إن أفطر فعليه القضاء،
وإذا اعتقد عدم وجوب الصوم عليه كغيره
لجهله فقولان عندهم في وجوب الكفارة، لأنه
ليس بعد العيان بيان، أو عدم وجوب
(١) سورة البقرة / ١٨٥.
(٢) حديث: ((صوموا لرؤيته))
أخرجه البخارى (١١٩/٤) ومسلم (٢ /٧٦٢) من حديث
أبي هريرة.
(٣) حديث: ((الصوم يوم تصومون ... ))
أخرجه الترمذى (٧١/٣) من حديث أبى هريرة وقال : حديث
حسن غريب.
(٤) انظر البدائع ٢/ ٨١، والدر المختار ورد المحتار ٩٠/٢ والمغنى
١٠/٣ و١١.
- ١٨ -

صَوْم ٢٢ - ٢٥
الكفارة، بسبب عدم وجوب الصوم على
غيره (١).
٢٣ - وإن رأى هلال شوالٍ وحده، لم يفطر
عند الجمهور، خوف التهمة وسدا للذريعة،
وقيل: یفطر إن خفی له ذلك ، وقال
أشهب: ينوى الفطر بقلبه، وعلى المذهب -
وقول الجمهور الذين منهم المالكية - إن أفطر
فليس عليه شىء فيما بينه وبين الله تعالى،
فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم، ولاكفارة، كما
نص عليه الحنفية، لشبهة الرد (٢).
وقال الشافعى: له أن يفطر، لأنه تيقن
من شوالٍ، فجاز له الأکل کما لو قامت بينة
لکن یفطر سرا، بحیث لايراه أحد، لأنه إدا
أظهر الفطر عرض نفسه للتهمة، وعقوبة
السلطان (٣) .
وقال الحنفية: لو أفطر من رأى الهلال
وحده فى الوقتین : رمضان وشوال قضی
ولا كفارة عليه، لأنه برد شهادته في رمضان،
صار مكذّبا شرعا، ولو كان فطره قبل مارد
القاضي شهادته لاكفارة عليه في الصحيح
الراجح، لقيام الشبهة، لأن مارآه يحتمل أن
(١) القوانين الفقهية ص ٧٩، وجواهر الإكليل ١٤٤/١ و١٤٥.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٥٧، والدر المختار ٩٠/٢، والمغنى
١١/٣، والقوانين الفقهية ص ٧٩ .
(٣) المجموع ٢٧٦/٦، والمغنى والشرح الكبير ١١/٣.
يكون خيالا، لا هلالا - كما يقول
الحصكفى - .
وقيل: تجب الكفارة فيهما - أى فى الفطر
وفی رمضان -، وذلك للظاهر بین الناس فی
الفطر، وللحقيقة التى عنده فى رمضان (١).
ركن الصوم :
٢٤ - ركن الصوم باتفاق الفقهاء هو:
الإمساك عن المفطرات (٢) ، وذلك من طلوع
الفجر الصادق، حتى غروب الشمس .
ودليله قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى
يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود
من الفجر ثم أَيِّوا الصيام إلى الليل﴾ (٣).
والمراد من النص: بياض النهار وظلمة
الليل، لاحقيقة الخيطين، فقد أباح الله
تعالى هذه الجملة من المفطرات ليالى
الصيام، ثم أمر بالإمساك عنهن فى النهار،
فدل على أن حقيقة الصوم وقوامه هو ذلك
الإمساك (٤) .
شروط وجوب الصوم:
٢٥ - شروط وجوب الصوم، أى: اشتغال
(١) مراقى الفلاح ص ٣٥٧ والدر المختار ورد المحتار ٢ / ٩٠.
(٢) مراقى الفلاح شرح نور الإيضاح ص ٣٤٩، والبدائع ٢ /٩٠
والشرح الكبير للدردير ٥٠٩/١، والقوانين الفقهية ص ٧٨،
وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢/ ٣١٠، وشرح المحلى وحاشية
القليوبى عليه ٥٢/٢، والمغنى والشرح الكبير ٣/٣.
(٣) سورة البقرة / ١٨٧.
(٤) تحفة الفقهاء للسمرقندى ٥٣٧/١ ٥٣٨، والبدائع ٩٠/٢.
- ١٩ -

صَوْم ٢٥ - ٢٦
الذمة بالواجب۔۔ کما یقول الکاسانى - هی
شروط افتراضه والخطاب به (١). وهى :
أ - الإِسلام، وهو شرط عام للخطاب
بفروع الشريعة .
ب - العقل، إذ لافائدة من توجه
الخطاب بدونه، فلا يجب الصوم على مجنون
إلا إذا أثم بزوال عقله، فى شراب أو غيره،
ويلزمه قضاؤه بعد الإِفاقة (٢).
وعبر الحنفية بالإِفاقة بدلا من العقل، أي
الإِفاقة من الجنون والإغماء أو النوم، وهى
اليقظة (٣) .
ج- البلوغ، ولا تکلیف إلا به، لأن
الغرض من التكليف هو الامتثال، وذلك
بالإِدراك والقدرة على الفعل - كما هو معلوم فى
الأصول - والصبا والطفولة عجز .
ونص الفقهاء على أنه يؤمر به الصبى
لسبع -کالصلاة -إن أطاقه، ویضرب على تركه
لعشر (٤).
والحنابلة قالوا: يجب على ولية أمرُه بالصوم
إذا أطاقه ، وضربه حينئذ إذا تركه ليعتاده،
كالصلاة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له
(١) مراقى الفلاح ص ٣٤٨ .
(٢) الإِقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع للشربينى ٣٢٥/٢.
(٣) رد المحتار ٨١/٢، والبدائع ٨٨/٢.
(٤) انظر الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ٣٢٥/٢.
الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لايطيق
الصوم (١).
د- العلم بالوجوب، فمن أسلم فى دار
الحرب، يحصل له العلم الموجب، بإخبار
رجلين عدلين، أو رجل مستور وامرأتين
مستورتین، أو واحد عدل ، ومن كان مقيما فى
دار الإِسلام، يحصل له العلم بنشأته فى دار
الإِسلام، ولا عذر له بالجهل (٢).
شروط وجوب أدائه :
٢٦ - شروط وجوب الأداء الذى هو تفريغ
ذمة المكلف عن الواجب فى وقته المعین له (٣)
هى :
أ - الصحة والسلامة من المرض، لقوله
تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة
من أيام أخر﴾ (٤) .
ب - الإِقامة، للآية نفسها .
قال ابن جزى: وأما الصحة والإِقامة،
فشرطان فی وجوب الصيام، لافی صحته، ولا
فى وجوب القضاء، فإن وجوب الصوم يسقط
(١) كشاف القناع ٣٠٨/٢، وانظر المغنى ١٤/٣ .
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٤٨ والدر المختار ورد المحتار ٨٠/٢ و٨١
وفتح القدير ٢٣٤/٢، وانظر القوانين الفقهية ص ٧٧،
والإِقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ٣٢٥/٢، وكشاف القناع
٣٠٨/٢.
(٣) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه ٣٤٨ وانظر
البدائع ٨٨/٢.
(٤) سورة البقرة / ١٨٥ .
- ٢٠ -