Indexed OCR Text

Pages 221-240

شهادة ١٦ - ١٩
يتفقوا في شهادتهم ، وأن لايدخل بينهم
کبیر، واختلف فى إناثهم (١).
(٢) - العقل :
١٧ - فلا تصح شهادة غير العاقل إجماعا ،
لأنه لايعقل ما يقوله ولايصفه (٢).
وسواء أذهب عقله بجنون أو سکر وذلك
لأنه ليس بمحصّل ولا تحصل الثقة بقوله :
ولأنه لا يأثم بكذبه فى الجملة ، ولايتحرز
منه» (٣)
(٣) - الحرية :
١٨ - فلا تجوز شهادة من فیه رق عند جمهور
الفقهاء ، كسائر الولايات ، إذ في
الشهادات نفوذ قول على الغير، وهو نوع
ولاية ، ولأن من فیه رق مشتغل بخدمة سیده
فلا يتفرغ لأداء الشهادة (٤).
وذهب الحنابلة إلى قبول شهادته في کل
شيء إلا في الحدود والقصاص (٥). (وانظر
مصطلح : رق ج ٢٣ ص ٨١) .
(١) تبصرة الحكام ٧/٢، الخرشي ١٩٦/٧، والقوانين
الفقهية (٢٠٢) ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
٣٧/١٢ .
(٢) شرح منح الجليل ٢١٧/٤ .
(٣) المغني ٢٧/١٢ .
(٤) أسني المطالب ٩٣٩/٥ .
(٥) الشرح الكبير ٦٥/١٢، منتهى الإرادات ٦٦٢/٢ ،
الإنصاف ٦٠/١٢ .
(٤) - البصر :
١٩ - فلا تصح شهادة الأعمى عند الحنفية
مطلقا (١) .
وذهب الشافعية إلى أنه لاتصح شهادة
الأعمى في الأفعال ، لأن طريق العلم بها
البصر، وكذا في الأقوال إلا فيما يثبت
بالاستفاضة ، لأنها مستندها السماع وليس
الرؤية ، وإلا في الترجمة بحضرة القاضي لأنه
يفسر ماسمعه (٢).
وعند المالكية تجوز شهادته في الأقوال دون
الأفعال فیما لايشتبه علیه من الأقوال إذا كان
فطنا ، ولاتشتبه عليه الأصوات ، وتيقن
المشهود له ، والمشهود عليه ، فإن شك في
شيء منها فلا تجوز شهادته (٣) .
وعند الحنابلة تجوز شهادة الأعمى إذا
تيقن الصوت لأنه رجل عدل مقبول الرواية
فقبلت شهادته کالبصیر، ولأن السمع أحد
الحواس التي يحصل بها اليقين ، وقد يكون
المشهود عليه من ألفه الأعمى ، وكثرت
صحبته له ، وعرف صوته یقینا ، فيجب أن
تقبل شهادته ، فیما تیقنه کالبصیر ، ولاسبیل
(١) البدائع ٤٠٢٣/٩، فتح القدير ٢٧/٦، الفتاوى
الهندية ٤٦٤/٣ - ٤٦٥.
.(٢) المهذب ٣٣٦/٢.
(٣) الخرشي ١٧٩/٧، شرح منح الجليل ٢٢١/٤ .
- ٢٢١ -

شهادة ١٩ - ٢٠
إلى إنكار حصول اليقين في بعض
الأحوال (١).
وذهب زفر من الحنفية (وهو رواية عن أبي
حنيفة) إلى قبول شهادته فيما يجري فيه
التسامع ، لأن الحاجة فيه إلى السماع ، ولا
خلل فيه (٢).
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن
الأعمی لو تحمل شهادة تحتاج إلي البصر،
وهو بصیر، ثم عمي فإن تحمل على رجل
معروف بالاسم والنسب يقر لرجل بهذه
الصفة ، فله أن يشهد بعدما عمي ، وتقبل
شهادته لحصول العلم ، وإن لم يكن كذلك
لم تقبل .
ونص الحنابلة على أنه إن تيقن صوته
لكثرة إلفه له صح أن يشهد به .
وكذلك الحكم إن شهد عند الحاكم ،
وهو بصير، ثم عمي قبل الحکم بشهادته ،
جاز الحکم بها عندهم ، وعند أبي یوسف من
الحنفية ، وذلك لأنه معنى طرأ بعد أداء
الشهادة فلا یمنع الحکم بها ، كما لو مات
الشاهدان أو غابا بعد أداء الشهادة .
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى عدم قبول
(١) المغني والشرح الكبير ٦١/١٢ .
(٢) الهداية ١٢١/٣، وشرحها فتح القدير ٢٧/٦ ، البناية
١٦٠/٧، تبيين الحقائق ٢١٧/٤، المبسوط
١٢٩/١٦ .
شهادته في الحالتين السابقتين ، لأن قيام
الأهلية شرط وقت القضاء لتصير حجة (١).
(٥) - الإِسلام :
٢٠ - الأصل أن يكون الشاهد مسلما
فلا تقبل شهادة الكفار سواء أكانت الشهادة
على مسلم أم على غير مسلم ، لقوله تعالى :
﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (٢).
وقوله : ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ (٣).
والكافر ليس بعدل وليس منا ولأنه أفسق
الفساق ویکذب على الله تعالى فلا یؤمن منه
الكذب على خلقه .
وعلى هذا الأصل جرى مذهب المالكية
والشافعية والرواية المشهورة عن أحمد (٤).
لكنهم استثنوا من هذا الأصل شهادة
الكافر على المسلم في الوصية في السفر فقد
أجازوها عملاً بقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين
آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت
حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران
من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض
فأصابتكم مصيبة الموت﴾ (٥) .
(١) تبين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٢١٨/٤، ومنح
الجليل ٢٢١/٤، وروضة الطالبين ٢٦٠/١٢، والمغني
٦٢/١٢ و ٠٦٣
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٣) سورة الطلاق / ٢ .
(٤) مواهب الجليل ١٥٠/٦، وأسنى المطالب ٣٣٩/٤،
ومغني المحتاج ٤ /٤٢٧، والمغني ١٢/ ٥٣.
(٥) سورة المائدة / ١٠٦ .
- ٢٢٢ -

شهادة ٢٠ - ٢٣
وأجاز الحنفية شهادة الذميين بعضهم
على بعض ، وإن اختلفت مللهم ، وشهادة
الحربيين على أمثالهم .
وأما المرتد فلا تقبل شهادته مطلقا (١).
(٦) - النطق :
٢١ - فلا تصح شهادة الأخرس عند جمهور
الفقهاء .
وذهب مالك إلی صحة شهادته إذا عرفت
إشارته ويرى الحنابلة قبول شهادة الأخرس
إذا أداها بخطه (٢).
(٧) - العدالة :
٢٢ - لاخلاف بين الفقهاء في اشتراط عدالة
الشهود لقوله تعالى : ﴿وأشهدوا ذوی عدل
منكم﴾ (٣). ولهذا لا تقبل شهادة الفاسق.
والعدالة عرفها المالكية بالمحافظة الدينية
على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء
الأمانة وحسن المعاملة وأن يكون صلاحه
أكثر من فساده وهي شرط وجوب القبول .
وعرفها الحنابلة بالصلاح في الدين وهو :
أداء الفرائض برواتبها، واجتنابالكبائر وعدم
الإصرار على الصغائر، ويعتبر فيها أيضا
(١) البحر الرائق ١٠٢/٧، ١٠٤، المبسوط ١٣٣/١٦،
١٣٥ .
(٢) أقرب المسالك ١٧٦، التاج والإكليل ١٥٤/٦،
مواهب الجليل للحطاب ١٥٤/٦، وروضة الطالبين
٢٤٥/١١، وشرح منتهى الإرادات ٥٤٥/٣.
(٣) سورة الطلاق / ٢ .
استعمال المروءة بفعل ما يجمله ويزينه ، وترك
مايدلسه ويشينه .
واعتبر الشافعية المروءة شرطا مستقلا .
وينظر التفصيل في مصطلح (عدالة)
والعدالة شرط وجوب القبول على القاضي
لاجوازه (١) . فإذا توفرت في الشاهد وجب
على القاضي أن يأخذ بشهادته .
وقال الشافعي : إذا كان الأغلب على
الرجل والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت
شهادته ، وإن كان الأغلب على الرجل
والأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت
شهادته (٢).
(٨) - التيقظ : أو الضبط :
٢٣ - لا تقبل شهادة مغفل لا يضبط أصلا
أو غالباً لعدم التوثق بقوله ، أما من لايضبط
نادراً والأغلب فيه الحفظ والضبط فتقبل
قطعا ، لأن أحداً لايسلم من ذلك (٣).
(١) مواهب الجليل ١٥٠/٦، وشرح منتهى الإرادات
٥٤٦/٣، ومغني المحتاج ٤ /٤٢٧ ، شرح أدب القاضي
للخصاف تأليف حسام الدين الصدر الشهيد بن مازة
البخاري ٨/٣ ف ٥٤٥ وأحكام القرآن للجصاص
٥٠٣/١ - ٥٠٤، الفتاوى الهندية ٤٥٠/٣.
(٢) مختصر المزني من كلام الشافعي ٢٥٦/٥، الأم
٤٨/٧ .
(٣) القوانين الفقهية (٣٠٣) ط . بيروت دار الكتاب ،
وتبصرة الحكام ١٧٢/١، ومغني المحتاج ٤٣٦/٤،
والمغني مع الشرح الكبير ٣٠/١٢ .
- ٢٢٣ -

شهادة ٢٤ - ٢٦
(٩) - ألا يكون محدوداً في قذف :
٢٤ - وذلك لقوله تعالى : ﴿والذين يرمون
المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة
أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾(١) .
فإن تاب وأصلح :
فقد ذهب الجمهور إلى قبول شهادته
لقوله تعالى بعد الآية السابقة مباشرة : ﴿إلاّ
الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله
غفور رحيم﴾ (٢).
وذهب الحنفية إلى عدم قبول شهادته ولو
تاب .
وقال المالكية : لا تقبل شهادة المحدود
فيما حد فيه وتقبل فيما عداه إن تاب (٣).
ومناط الخلاف في هذه الآية في ورود الاستثناء
بعد مذكورين أيشملهم كلهم أم يعود إلى
أقرب مذکور ؟
فعند الحنفية أن الاستثناء يعود إلى الأخير
وهو هنا التوبة من الفسق فقط .
وعند الجمهور يعود إلى جميع ما ذكر .
واستدل الجمهور بقول عمر- رضي الله
تعالى عنه - لمن جلده في شهادته على المغيرة
ابن شعبة بقوله : تب أقبل شهادتك .
(١) سورة النور / ٤ .
(٢) سورة النور / ٥ .
(٣) الفتاوى الهندية ٤٥٠/٣، والخطاب ١٦١/٦.
وهي مسألة أصولية معروفة (١).
(١٠) - الذكورة في الشهادة على الحدود
والقصاص :
يشترط الذكورة في الشهادة على الحدود
والقصاص
٢٥ _ لما رواه مالك عن الزهري: ((مضت
السنة بأن لاشهادة للنساء في الحدود
والقصاص)) .
(١١) - عدم التهمة :
٢٦ - للتهمة أسباب منها :
أ - أن يجر بشهادته إلى نفسه نفعاً أو يدفع
ضرا ، فلا تقبل شهادة الوارث لمورثه بجرح
قبل اندماله ، ولا الضامن للمضمون عنه
بالأداء ، ولا الإِبراء ، وذهب جمهور الفقهاء
إلى أنه لاتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر
وخالف في هذا الشافعية .
ب - البعضية : فلا تقبل شهادة أصل
لفرعه ، ولا فرع لأصله ، وتقبل شهادة
أحدهما على الآخر .
ج - العداوة : فلا تقبل شهادة عدو على
عدوه ، والمراد بالعداوة هنا ، العداوة
الدنيوية لا الدينية ، فتقبل شهادة المسلم
على الكافر، والسني على المبتدع ، وكذا من
(١) المستصفي ١٧٤/٢، وفواتح الرحموت (بهامش
المستصفي) ٣٣٢/١، الإحكام في أصول الأحكام
للآمدي (طبعة محمد على صبيح) ٢/ ١٣٥.
- ٢٢٤ -

شهادة ٢٦ - ٢٧
أبغض الفاسق لفسقه لاترد شهادته عليه
والعداوة التي ترد بها الشهادة أن تبلغ حدا
يتمنى زوال نعمته ويفرح لمصيبته ، ويحزن
لمسرته ، وذلك قد يكون من الجانبين وقد
یکون من أحدهما ، فيخص برد شهادته على
الآخر وتقبل شهادة العدو لعدوه إذ لا تهمة .
د - أن يدفع بالشهادة عن نفسه عار
الكذب ، فإن شهد فاسق ورد القاضي
شهادته ثم تاب بشروط التوبة فشهادته
المستأنفة مقبولة بعد ذلك ، ولو أعاد تلك
الشهادة التي ردت لم تقبل .
هـ - الحرص على الشهادة بالمبادرة من غير
تقدم دعوى ، وذلك في غير شهادة
الحسبة (١).
و- العصبية ، فلا تقبل شهادة من عرف
بها وبالإِفراط في الحمية كتعصب قبيلة على
قبيلة وان لم تبلغ رتبة العداوة . نص على
ذلك الحنابلة (٢).
واستدلوا لاشتراط عدم التهمة (٣) بقوله
وقال: ((لاتجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا
(١) تبيين الحقائق ٢٢٣/٤، والشرح الصغير ٢٤٦/٤،
والقوانين الفقهية (٣٠٣، ٣٠٤) ط . دار الكتاب
العربي ، وتبصرة الحكام ١٥٤/١، وروضة الطالبين
٢٣٤/١١ - ٢٤٢، والمهذب ٣٣١/٢، ومغني المحتاج
٤٣٣/٤، والمغني ٥٥/١٢ وما بعدها، ومنتهى
الإرادات ٥٥٥/٣ .
(٢) منتهى الإرادات ٥٥٥/٣ .
(٣) المهذب ٣٣٠/٢.
ذي غِمر على أخيه ، ولاتجوز شهادة القانع
لأهل البيت)) (١) .
ثانياً : ما يرجع من شروط الأداء إلى الشهادة
نفسها ومن ذلك :
٢٧ - (١) - اشتراط وجود الدعوى في
الشهادة على حقوق العباد من المدعي أو
نائبه . أما الشهادة على حقوق الله تعالى
فلا يشترط فيها وجود الدعوى على رأي جمهور
الفقهاء (٢) .
(٢) - موافقتها للدعوى (كما سيرد
تفصيله) .
(٣) - العدد في الشهادة فيما يطلع عليه
الرجال .
(٤) - اتفاق الشاهدين (كما سيرد
تفصيله) .
(٥) - تعذر حضور الأصل (وهذا في
الشهادة على الشهادة) كما سيأتي .
(٦) - أن تؤدى بلفظ الشهادة . بأن
يقول : أُشهد بکذا وهذا قول الجمهور
والأظهر عند المالكية أنه يكفي مايدل على
(١) حديث: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة)).
أخرجه أحمد (٢٠٤/٢ - ط ، اليمنية) من حديث
عبد الله بن عمرو، قوی إسناده ابن حجر في التلخيص
(١٩٨/٢ -٠ ط. شركة الطباعة الفنية). وذو الغمر:
ذو الحقد ، والقانع : الخادم الذي انقطع لخدمة أهل
البيت .
(٢) الدر المختار ٣٧٠/٤ .
- ٢٢٥ -

شهادة ٢٧ - ٢٩
حصول علم الشاهد كان يقول : رأيت كذا
أو سمعت كذا ولايشترط أن يقول :
أشهد (١) .
ثالثاً : ما يرجع من شروط الأداء إلى
المشهود به :
يشترط في المشهود به :
(٢٨) - (١)- أن یکون معلوما ، فإن كانت
الشهادة بمجهول فلا تقبل . وذلك لأن شرط
صحة قضاء القاضي أن يكون المشهود به
معلوما .
(٢) - كون المشهود به مالا أو منفعة
فلا بد أن يكون متقوما شرعاً .
رابعاً : ما يرجع من شروط الأداء إلى نصاب
الشهادة :
٢٩ - يختلف عدد الشهود في الشهادات
بحسب الموضوع المشهود به :
أ - من الشهادات مالا يقبل فيه أقل من
أربعة رجال ، لا امرأة بينهم وذلك في الزنا ،
لقوله تعالى : ﴿والذين يرمون المحصنات ثم
لم يأتوا بأربعة شهداء .. ﴾ (٢) الآية.
وقوله تعالى : ﴿لولا جاءوا علیه بأربعة
شهداء ... ﴾ (٣) الآية .
(١) البدائع ٢٧٣/٦، والشرح الصغير ٣٤٨/٢ ط.
الحلبي ، والمغني ٢١٦/٩ . الطبعة الثالثة ، والجمل على
شرح المنهج ٣٧٧/٥ .
(٢) سورة النور / ٤ .
(٣) سورة النور / ١٣ .
وقوله تعالى : ﴿واللاتى يأتين الفاحشة
من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة
منكم﴾ (١).
وعن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال
یارسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله
حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: ((نعم)) (٢).
ب - نص الحنابلة على أنه إذا ادعى.
من عرف بغنی أنه فقير لأخذ زکاة فلا بد من
شهادة ثلاثة رجال ، يشهدون له (٣).
لحديث قبيصة حتى يقوم ثلاثة من ذوي
الحجا من قَومه : لقد أصابت فلاناً
فاقة )) (٤).
ج - ومنها ما يقبل فيه شاهدان لا امرأة
فيهما ، وهو ماسوى الزنى من الحدود
والقصاص ، كالقطع في السرقة ، وحد
الحرابة ، والجلد في الخمر، وهذا باتفاق
الفقهاء .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن ما يطلع
عليه الرجال غالباً ، مما ليس بمال ولايقصد
منه مال : كالنكاح ، والطلاق ، والرجعة ،
والإِيلاء ، والظهار، والنسب ، والإِسلام ،
(١) سورة النساء / ١٥ .
(٢) حديث أبى هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إن
وجدت ... )) أخرجه مسلم (٢ / ١١٣٥ ط الحلبي ) .
(٣) شرح منتهى الإرادات ٥٥٦/٣.
(٤) حديث قبيصة: ((حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا .. ))
أخرجه مسلم (٧٢٢/٢ - ط الحلبي) .
- ٢٢٦ -

شهادة ٢٩
والردة ، والجرح ، والتعديل ، والموت ،
والإِعسار، والوكالة ، والوصاية ، والشهادة
على الشهادة ، ونحو ذلك ، فانه يثبت
عندهم بشهادة شاهدين لا امرأة فيهما (١).
ودلیلهم في ذلك أن الله تعالى نص على
شهادة الرجلين في الطلاق والرجعة
والوصية .
فأما الطلاق والرجعة فقوله تعالى :
﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف
وأشهدوا ذوی عدل منكم﴾ (٢).
وأما الوصية فقوله : ﴿إذا حضر أحدكم
الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل
منکم﴾ (٣).
وأن النبي وَلي قال في النكاح: ((لانكاح
إلا بولي وشاهدي عدل)) (٤).
وروى مالك عن الزهري أنه قال :
((مضت السنة بأنه لاتجوز شهادة النساء في
الحدود ولا في النكاح والطلاق .
(١) الشرح الكبير ٨٤/١٢، تبصرة الحكام ٢٦٥/١،
روضة الطالبين للنووى ٢٥٣/١١، والمغني ١٢ / ٦ .
(٢) سورة الطلاق / ٢ .
(٣) سورة المائدة / ١٠٦ .
(٤) حديث: ((لانكاح إلا بولي)).
أخرجه البيهقي (١٢٥/٧ - ط . دائرة المعارف العثمانية)
من حديث عائشة ، وإسناده صحيح .
وقيس عليها ماشاركها في الشرط
المذكور (١).
د - وقال الحنفية : ما يقبل فيه
شاهدان ، أو شاهد وامرأتان هو ماسوى
الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالا أم
غير مال ، كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة
والوصاية (٢)
.
ودليله قوله تعالى : ﴿واستشهدوا
شهیدین من رجالكم فإن لم يكونا رجلين
فرجل وامرأتان ممن ترضون من
الشهداء﴾ (٣).
وقصر الجمهور قبول شهادة الرجلین أو
الرجل والمرأتين على ما هو مال أو بمعنى
المال ، كالبيع ، والإِقالة ، والحوالة ،
والضمان ، والحقوق المالية ، كالخيار،
والأجل ، وغير ذلك (٤)
.
وأجازوا فيه أن يثبت بشاهد واحد ویمین
المدعي .
(١) مغني المحتاج ٤٤٢/٤، نهاية المحتاج ٢٩٥/٨.
(٢) الهداية ١١٧/٣، فتح القدير ٧/٦ ، الفتاوى الهندية
٤٥١/٣، المبسوط ١١٥/١٦.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٢ .
(٤) الشرح الكبير ٩٠/١٢، حاشية الدسوقي ١٨٧/٤،
حاشية الخرشي ٢٠١/٤، مغني المحتاج ٤٤١/٤،
نهاية المحتاج ٢٩٤/٨ - ٢٩٥، روضة الطالبين
٢٥٤/١١، ٢٧٨، المغني ١٢ / ٩.
- ٢٢٧ -

شهادة ٢٩
ودلیلهم في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم
قضی بیمین وشاهد (١).
ولم يجز الحنفية القضاء بالشاهد واليمين
وذهبوا إلى أن القاضي إذا قضى بالشاهد
والیمین لاینفذ قضاؤه ، لأن الآثار التي وردت
في هذا الشأن لاتثبت عندهم (٢).
هــ ومنها ما تقبل فيه شهادة النساء
منفردات ، وهو الولادة والاستهلال
والرضاع ، وما لا يجوز أن يطلع عليه الرجال
الأجانب من العيوب المستورة .
ولكنهم اختلفوا في العدد الذي تثبت به
هذه الأمور من النساء (٣). على خمسة
أقوال :
الأول : ذهب الحسن البصري إلي أنه
تقبل في الولادة شهادة القابلة وحدها ، ولا
تقبل شهادة غير القابلة إلا مع غيرها .
(١) حديث: ((قضى بيمين وشاهد)).
أخرجه مسلم (١٣٣٧/٣ - ط الحلبي) من حديث ابن
عباس .
(٢) انظر شرح أدب القاضي للخصاف تأليف حسام الدين
الصدر الشهيد ٤ /٤٥٥. الفقرة ١٤٩٩ .
(٣) انظر هذه المذاهب في كتاب الشهادات من الحاوي
للماوردي الفقرة ٣٨٧٧ وانظر المغني: ١٦/١٢ - ١٧ ،
والشرح الكبير ٩٧/١٢ - ٩٨، والمبسوط ١٤٢/١٦ -
١٤٤، جواهر العقود ٤٣٨/٢، معين الحكام : ٩٤ -
٩٥، سنن البيهقي ١٥١/١٠، بداية المجتهد
٤٥٤/٢، شرح الزرقاني على موطأ مالك ٣٨٠/٤ .
وهو مروي عن ابن عباس ، ورواية عن
أحمد (١).
الثاني : ذهب أبو حنيفة إلى أنه تقبل في
ذلك شهادة امرأة واحدة مسلمة حرة عدلة
قابلة كانت أو غيرها ، إلاَّ ولادة المطلقة فلا
تقبل فيها شهادة الواحدة (٢) استدلالا بما
روي عن حذيفة - رضي الله عنه - أن النبي
ولو أجاز شهادة القابلة (٣).
وبما روي عن عمر وعلي - رضي الله تعالى
عنهما - أنهما أجازا شهادتها (٤).
الثالث : ذهب مالك ، والحكم ، وابن
شبرمة وابن أبي ليلى، وأحمد في إحدى روایتیه
إلى أنه تقبل في ذلك شهادة امرأتين ولا يشترط
أکثر من ذلك ، لأنهن لما قمن في انفرادهن
مقام الرجال، وجب أن يقمن في العدد مقام
الرجال ، وأكثر عدد الرجال اثنان ، فاقتضى أن
(١) المغني ١٦/١٢ - ١٧، الشرح الكبير ٩٨/١٢ ،
الإنصاف ٨٦/١٢ .
(٢) الهداية ١١٧/٣، المبسوط ١٤٣/١٦، معين
الحكام : ٩٤ ، الفتاوى الهندية ٤٥١/٣.
(٣) حديث حذيفة: ((أن النبي# أجاز شهادة القابلة)).
أخرجه الدارقطني (٢٣٣/٤ - ط دار المحاسن)
والبيهقي (١٥١/١٠ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وأعله
بالانقطاع .
(٤) روى ذلك عبد الرزاق عن عمر ( المصنف : ٣٣٤/٨
الحدیث ١٥٤٢٩) ورواه الدارقطني عن علي موقوفا (سنن
الدارقطني ٢٣٣/٤) وانظره في السنن الكبرى ١٥١/١٠
وفي إسناده مقال (نصب الراية ٨٠/٤) والدراية (١٧١/٢
ضمن الحديث ٨٢٧) .
- ٢٢٨ -

شهادة ٢٩
یکون أکثر عدد النساء اثنتين (١)
الرابع : هو ما حكي عن عثمان البتي أنه
تقبل ثلاث نسوة ، ولا يقبل أقل منهن ،
وهو مروي عن أنس . واستدل لذلك بأن
الله ضم شهادة المرأتين إلى الرجل في الموضع
الذي لاینفردن فیه فوجب أن يستبدل الرجل
بالمرأة في الموضع الذي ينفردن فيه فيصرن
ثلاثا (٢).
الخامس : ذهب الشافعي وعطاء إلى أنه
لايقبل في ذلك أقل من أربع نسوة (٣).
قال الشافعي : لأن الله عز وجل حیث
أجاز الشهادة انتھی بأقلها إلى شاهدین ، أو
شاهد وامرأتين ، فأقام الثنتين مقام رجل ،
حيث أجازهما فإذا أجاز المسلمون شهادة
النساء فيما يغيب عن الرجال لم يجز والله أعلم
أن يجيزوها إلا على أصل حكم الله عز وجل
في الشهادات ، فيجعلون كل امرأتين تقومان
مقام رجل ، وإذا فعلوا لم يجز إلا أربع، وهكذا
(١) المدونة الكبرى ١٥٨/٥، تبصرة الحكام ٢٩٥/١،
والقوانين الفقهية ٣١٥ ط . تونس . تنوير الحوالك
١١٠/٢، وانظر المغني ١٧/١٢.
(٢) كتاب الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة ٣٨٧٧ ،
والمغني ١٧/١٢، والشرح الكبير ٩٨/١٢.
(٣) الأم ٢٦٧/٦، ٤٣/٧، مختصر المزني ٢٤٨/٥، كتاب
الشهادات من الحاوي الكبير: الفقرة ٣٨٧٧ ، السنن
الكبرى ١٥١/١٠، مغني المحتاج ٤٤٢/٤، نهاية
المحتاج ٢٩٦/٨، المهذب ٣٣٥/٢ .
المعنى فى كتاب الله - عز ذكره - وما أجمع
عليه المسلمون (١).
و- ومنها ما تقبل فيه شهادة شاهد
واحد ، فتقبل شهادة الشاهد الواحد العدل
بمفرده في إثبات رؤية هلال رمضان استدلالا
بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ، قال :
((تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي وَله
أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه )) (٢).
وبحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -
أنه قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ◌َليز فقال:
إني رأيت الهلال ، فقال: ((أتشهد أن لا إله
إلا الله ؟ وأتشهد أن محمدا رسول الله ؟))
قال : نعم ، قال : «یا بلال أُذن في الناس
أن يصوموا غدا)» (٣).
وهو أحد قولي الشافعي والمشهور عن
أحمد ، وبه قال الحنفية : إن كان بالسماء علة
من غيم أو غبار ونحو ذلك .
ويرى المالكية والحنابلة أنه تقبل شهادة
الطبيب الواحد في الشجاج ، والبيطار في
عيوب الدواب .
(١) الأم ٢٦٧/٦ .
(٢) حديث ابن عمر: ((تراءى الناس الهلال)).
أخرجه أبو داود (٧٥٦/٢ ۔ ٧٥٧ ۔ تحقیق عزت عبید
دعاس) والحاكم ٤٢٣/١ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وصححه ووافقه الذهبي .
(٣) حديث: جاء أعرابي إلى رسول الله وَهه.
أخرجه الترمذي (٦٥/٣ - ط الحلبي) والنسائي
(١٣٢/٤ - ط المكتبة التجارية) ورجحا إرساله .
- ٢٢٩ -

شهادة ٢٩ - ٣٠
وقيده المالكية بما إذا كان بتكليف من
الإِمام .
وقيده الحنابلة بما إذا لم يوجد غيره (١).
حكم الإشهاد :
٣٠ - فرق الفقهاء في وجوب الإشهاد على
العقود بين عقود النكاح وغيرها : فذهب
جمهورهم إلى أن الإِشهاد على عقد النكاح
واجب وشرط في صحته ، لقوله رملية :
((لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٢).
وذهب مالك إلی أن الإِشهاد غیر واجب
إذا تم الإعلان (٣) .
أما عقود البيوع ، فقد ذهب أبو موسی
الأشعري ، وابن عمر، والضحاك ، وسعيد
ابن المسيب ، وجابر بن زيد ، ومجاهد إلى
أن الإشهاد واجب (٤).
قال عطاء : أَشْهِد إذا بعت وإذا
(١) الأم ٢ / ٨٠ ونجد رأيه الثاني في الموضع نفسه أنه لايجوز إلا
شاهدان . وانظر مختصر المزني ٣/٢، وانظر نهاية
المحتاج ١٤٩/٣، مغني المحتاج ٤٢٠/١ - ٤٢١،
حاشية البجيرمي على الخطيب ٣٢٤/٢، تبصرة الحكام
٢٢٩/١، والمغني مع الشرح الكبير ٨/٣، وشرح
منتهى الإرادات ٥٥٧/٣، الهداية ١٢١/١ وشروحها :
فتح القدير ٥٩/٢، البناية ٢٨٨/٣ .
(٢) الحديث تقدم تخريجه ف ٢٩ .
(٣) المدونة الكبرى المجلد الثاني ص ١٩٢، تبصرة الحكام
٢٠٩/١.
(٤) انظر تفسير القرطبي ٤٠٢/٣ جواهر العقود ٤٢٨/٢،
بداية المجتهد ٤٥٢/٢ الشهادات من الحاوي الفقرة
٣٨٠٩ .
اشتریت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم
أو أقل من ذلك ، فإن الله عز وجل يقول :
وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (١).
وذهب كثير من الصحابة والتابعين،
وجمهور الفقهاء والمفسرين، إلى أن الأمر في قوله
تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ للندب
وليس للوجوب ، لورود الآية التي بعدها وهي
قوله : ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي
اوتمن أمانته﴾ (٢) . فدل ذلك على أن الأمر
فيها محمول على الاستحباب (٣).
ولما ورد عن جابر: أنه باع النبي وَل ◌ّ جمله
واستثنى ظهره إلى المدينة (٤).
فدل ظاهر الحديث أنه لم يشهد .
وقد باع النبي وَلير وأشهد ، وباع في
أحیان أخری واشتری، ورهن درعه عند
يهودي (٥)، ولم يشهد .
(١) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٣ .
(٣) المبسوط ١١٢/١٦، تبصرة الحكام ٢٠٩/١، الأم
٧٦/٣ - ٧٧، مختصر المزني ٢٤٦/٥، المهذب
٣٢٤/٢، نهاية المحتاج ٢٧٧/٨ ، سنن البيهقي
١٤٥/١٠، تفسير القرطبي ٤٠٢/٣، تفسير ابن كثير
٣٣٦/١.
(٤) حديث جابر: أنه باع النبي وَ له جمله واستثنى ظهره إلى
المدينة .
أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٨٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٢٢٢/٣ - ط. الحلبي).
(٥) حديث : «رهن درعه عند يهودي)) .
أخرجه البخاري (الفتح ١٤٢/٥ - ط . السلفية) ومسلم
(١٢٢٦/٣ - ط. الحلبي) من حديث عائشة .
- ٢٣٠ -

شهادة ٣٠ - ٣١
ولو كان الإِشهاد أمرا واجبا لوجب مع
الرهن لخوف المنازعة (١).
قال ابن عطية : (والوجوب في ذلك
قلق ، أما في الدقائق فصعب شاق ، وأما
ماكثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك
الإشهاد ، وقد يكون عادة في بعض البلاد ،
وقد يستحى من العالم والرجل الكبير الموقر
فلا يشهد عليه ، فيدخل ذلك كله في
الائتمان ، ويبقي الأمر بالإِشهاد ندبا لما فيه
من المصلحة في الأغلب مالم يقع عذر يمنع
منه) (٢).
مستند علم الشاهد :
٣١ - الأصل في الشهادة أن تكون عن
مشاهدة وعيان ، لقوله تعالى : ﴿إلا من
شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (٣).
وقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف :
﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (٤).
فأخبر سبحانه وتعالى أن الشهادة تكون
بالعلم ، ولاتصح بغلبة الظن .
ويستدل لذلك بحديث ابن عباس -
رضى الله عنهما - قال : ذكر عند رسول الله
وَليّة الرجل يشهد بشهادة ، فقال لي : يا ابن
(١) تفسير القرطبي ٤٠٣/٣ .
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (طبعة القاهرة)
٢٩٨/٢، وانظر تفسير القرطبي ٤٠٣/٣.
(٣) سورة الزخرف /٨٦.
(٤) سورة يوسف / ٨١ .
عباس لاتشهد إلا على ما يضيء لك كضياء
هذه الشمس وأومأ رسول الله صل# بيده إلى
الشمس (١).
وهذا يدل على أن الشهادة يجب أن یکون
مستندها أقوى أسباب العلم وهي المشاهدة
والعلم اليقيني .
لكن الأمور المشهود بها قد تتفاوت فيما
بينها في تحصيل العلم بها :
فمنها ما شأنه أن يعاينه الشاهد كالقتل،
والسرقة؛ والغصب ، والرضاع ،
والزنى ، وشرب الخمر .
فلا يصح أن يشهد الشاهد هذه الأمور
إلا بالمعاينة ببصره .
ومنها أمور لایصح للشاهد أن یشهد بها
إلا بالسماع والمعاينة ، وإليه ذهب الجمهور
في عقود النكاح ، والبيوع ، والإِجارات ،
والطلاق ، لأن الأصوات قد تشتبه ،
ويكتفي الحنابلة فيها بالسماع إذا عرف
المتعاقدين يقينا وتيقن أنه كلامهما (٢).
ومنها ما يحصل علمه بها عن طريق سماع
الأخبار الشائعة المتواترة والمستفيضة ،
(١) الحديث تقدم تخريجه ف ١ .
(٢) الدر المختار ٤ /٣٧٥، والقوانين الفقهية (٢٠٥) ط
دار القلم بيروت
روضة الطالبين ٢٥٩/١١، والمغني مع الشرح الكبير
١٩/١٢.
- ٢٣١ -

شهادة ٣١ - ٣٢
المرتبة السابقة يكون مصدره سماعا مستفيضا
لم يبلغ في استفاضته حد الأولى ، وهذه المرتبة
هي المقصود بكلام الفقهاء عند إطلاقهم
الحديث على شهادة السماع ، أو الشهادة
بالسماع، أو بالتسامع (١). وهي التي قالوا في
تعريفها: (( إنها لقب لما يصرح الشاهد فيه
باستناد شهادته لسماع من غير معین فتخرج
- بذلك - شهادة البت والنقل (٢). وقد اتفقوا
على جواز اعتمادها قضاء للضرورة، أو الحاجة
في حالات خاصة اختلفت کما باختلاف
المذاهب في تحديد مواضع الحاجة، وضبط
القيود التى تعود إليها ، والثابت عند
الدارسين أن أكثر المذاهب الإِسلامية تسامحا
في الأخذ بها هو المذهب المالكي (٣).
وأفاض المالكية في القول فيها أكثر من
غیرهم ،حیث بیّ غیر واحد منهم أن النظر في
شهادة السامع يتناول الجوانب التالية :
الأول : الصفة التي تؤدى بها :
٣٢ - الراجح عند المالكية الذي عليه المعول
(١) تبصرة الحكام ٣٤٦/١-، ٣٤٧، التاودى والتسولي على
التحفة ١٣٢/١ .
(٢) الحدود بشرح الرصاع ص ٤٥٥، المطبعة التونسية س.
١٣٥٠ هـ. مواهب الجليل مع التاج والإكليل
١٩١/٦، ١٩٢، جواهر الإكليل ٢٤٢/٢، التاودى
والتسولي على التحفة ١٣٢/١ .
(٣) الفروق للقرافي ٥٥/٤، دار إحياء الكتب العربية ط
١/س ١٣٤٦ هـ .
أن يقول الشهود - عند تأدیتھا ۔ ( سمعنا
سماعا فاشيا من أهل العدالة وغيرهم أن هذه
الدار - مثلا - صدقة على بني فلان )) ، أي :
لابد من الجمع بين العدول، وغير العدول في
المنقول عنهم (١). ويرى بعضهم أن عليهم
أن يقولوا: (( إنا لم نزل نسمع من الثقات ،
أوسمعنا سماعا فاشيا من أهل العدل)) (٢).
وهو رأي مرجوح عندهم ، لأن حصر مصدر
سماعهم في الثقات والعدول يخرجها من
السماع إلى النقل وهو موضوع آخر (٣).
قال ابن فرحون : ولا يكون السماع بأن
يقولوا: ((سمعنا من أقوام بأعيانهم))
یسمونہم أو یعرفونهم، إذ لیست - حينئذ -
شهادة تسامع بل هي شهادة على شهادة،
فتخرج عن حد شهادة السماع (٤).
وظاهر المدونة الاكتفاء بقولهم : « سمعنا
سماعا فاشيا)) (٥). دون احتياج إلى إضافة
((من الثقات وغيرهم)) حيث لاعبرة بذكر
(١) تبصرة الحكام ٣٤٧/١، مواهب الجليل مع التاج
والإكليل ١٩١/٦ - ١٩٢، جواهر الإكليل ٢٤٢/٢،
التاودي والتسولي على تحفة ابن عاصم ١٣٢/١.
(٢) المصادر السابقة .
(٣) نفس المصادر المذكورة سابقا - شرح حدود ابن عرفة
للرصاع ص ٤٥٥ .
(٤) تبصرة الحكام ٣٤٧/١.
(٥) انظر شهادة السماع في الأحباس والمواريث من المدونة
الکبری ١٧١/٥ ، دار صادر - بيروت .
- ٢٣٢ -

شهادة ٣٢ - ٣٥
كالنسب ، والملك ، والموت ، والوقف .
فيجوز للشاهد أن يشهد بها معتمدا على
التسامع .
الشهادة بالسماع والتسامع :
الشهادة بالتسامع عند التحقيق تنقسم
إلى ثلاث مراتب باعتبار درجة العلم الحاصل
بها :
المرتبة الأولى :
٣٣ - تفيد علما جازما مقطوعا به وهي المعبر
عنها : بشهادة السماع المتواتر كالسماع بوجود
مكة والمدينة وبغداد والقاهرة والقيروان
ونحوها من المدن القديمة التى ثبت القطع
بوجودها سماعا عند كل من لم يشاهدها
مشاهدة مباشرة فهذه عند حصولها تكون -
من حيث وجوب القبول والاعتبار - بمنزلة
الشهادة إجماعا (١).
المرتبة الثانية :
٣٤ - تفيد ظنا قويا يقرب من القطع وهي
المعبر عنها : بالاستفاضة من الخلق الغفير :
كالشهادة بأن نافعا مولى ابن عمر وأن
عبد الرحمن بن القاسم من أوثق من أخذ عن
الإمام مالك،وأن أبا یوسف یعتبر الصاحب
الأول لأبي حنيفة ، وقد ذهب الفقهاء إلى
(١) تبصرة الحكام ٣٤٥/١، ٣٤٦، البهجة في شرح
التحفة ١٣٢/١، مطبعة حجازي بالقاهرة ، حلي
المعاصم لبنت فكر ابن عاصم ١ /١٣٢ بهامش البهجة .
قبول هذه المرتبة ووجوب العمل بمقتضاها
من ذلك قولهم : إذا رؤى الهلال رؤية
مستفيضة من جم غفير وشاع أمره بين أهل
البلد لزم الفطر أو الصوم من رآه، ومن لم يره
دون احتياج إلى شهادة عند الحاكم ودون
توقف على إثبات تعدیل نقلته (١).
ومن هذا القبيل أيضا استفاضة التعديل
والتجريح عند الحكام ، والمحكومين :
فمن الناس من لايحتاج الحاكم إلى
السؤال عنه لاستفاضة عدالته عنده سماعا،
ومنهم من لايسأل عنه لاشتهار جرحته ، وإنما
یطالب بالکشف عمن لم یشتھر لا بهذه ولا
بتلك (٢).
وقد تناقل الفقهاء، وأصحاب التراجم، أن
ابن أبي حازم شهد عند قاضي المدينة فقال له
القاضي : أما الاسم فاسم عدل ولكن من
یعرف أنك ابن أبي حازم ؟ فدل هذا على أن
عدالة ابن أبي حازم لاتحتاج إلى السؤال
عنها ، وهي مشهورة عند القاضي وغيره من
الناس مع أنه لا یعرف شخصه (٣).
المرتبة الثالثة :
٣٥ - تفيد ظنا قويا دون الظن المذكور في
نـ
(١) المصادر السابقة .
(٢) تبصرة الحكام ٣٤٦/١، ٣٤٧. التاودي على التحفة
٠١٣٢/١
(٣) طبقات الفقهاء للشيرازى ص ١٤٦، دار الرائد العربي ،
بيروت، المدارك لعياض ٩/٣ -١٢ الطبعة المغربية .
- ٢٣٣ -

شهادة ٣٥ - ٣٧
العدول في المنقول عنهم خلافا لما يراه مطرف
وابن ماجشون (١).
والثاني : شروط قبولها :
٣٦- وأهمها باختصار:
(١) أن تكون من عدلین فأكثر ویکتفی بهما
على المشهور، خلافا لمن نص على أنه لايكتفى
فيها إلا بأربعة عدول (٢).
(٢) السلامة من الريب : فإن شهد ثلاثة
عدول مثلا على السماع وفي الحي أو في
القبيلة مائة رجل في مثل سنهم لايعرفون شيئا
عن المشهودفیه، فإن شهادتهم ترد للريبة التي
حفت بها ، فإذا انتفت الريبة قبلت ، کما إذا
شهد علی أمرما ،شیخانقد انقرض جيلهما ،
فلا ترد وإن لم يشهد بذلك غيرهما من أهل
البلد وكذلك لو شهد عدلان طارثان
باستفاضة موت، أو ولایة، أو عزل، قد حدث
ببلدهما ولیس معهما - في الغربة - غیرهما، فإن
شهادتهما مقبولة للغرض نفسه (٣).
(٣) أن يكون السماع فاشيا مستفيضا، وهذا
القدر محل اتفاق بين الفقهاء داخل المذهب
(١) مواهب الجليل ١٩٢/٦، التاج والإكليل ١٩٢/٦،
تبصرة الحكام ٣٤٧/١ .
(٢) تبصرة الحكام ٣٤٧/١، ٣٤٨، التاودي والتسولي على
تحفة ابن عاصم ١٣٨/١ .
(٣) تبصرة الحكام ٣٤٨/١، التاودي والتسولي على تحفة ابن
عاصم ١٣٧/١.
المالكي وخارجه (١). إلا أنهم قد اختلفوا كما
تقدم في إضافة: (( من الثقات وغيرهم)) أو
((من الثقات)) فقط، أو عدم
إضافتهما (٢)
.
(٤) أن يحلف المشهود له : فلا يقضي
القاضي لأحد بالشهادة بالتسامع إلا بعد
يمينه،لاحتمال أن يكون أصل السماع الذي
فشا وانتشر منقولا عن واحد، والشاهد الواحد
لابد معه من اليمين في الدعاوى المالية (٣) .
الثالث : محالها : أي : المواضع التي تقبل
فيها شهادة السماع .
٣٧ - سلك فقهاء المالكية بالخصوص
- لتحديد هذه المحال المروية في المذهب -
ثلاث طرق :
أحدها : للقاضي عبد الوهاب الذي
يروي أنها مختصة بمالا يتغير حاله، ولا ينتقل
الملك فیه، کالموت، والنسب، والوقف، ونص
على قولين في النكاح (٤).
(١) المغني مع الشرح الكبير ٢٤/١٢، تبصرة الحكام
٣٤٨/١، ٣٤٩، مواهب الجليل ١٩٢،١٩١/٦.
(٢) انظر: المدونة الكبرى ١٧١/٥، البيان والتحصيل.
١٥٤،١٥٣/١، جواهر الإكليل ٢٤١/٢، الكافي في
فقه أهل المدينة ٩٠٣/٢ وما بعدها لابن عبد البر،
مكتبة الرياض الحديثة بالرياض ط ١س
١٣٩٨ هـ = ١٩٧٨ م .
(٣) البهجة شرح التحفة ١٣٨/١، تبصرة الحكام
٣٤٨/١ .
(٤) تهذيب الفروق ١٠١/٤ بهامش الفروق للقرافي .
- ٢٣٤ -

شهادة ٣٧
الثانية : لابن رشد الجد : حکی فیها
أربعة أقوال : تقبل في كل شيء ، لاتقبل في
شيء ، تقبل في كل شيء ماعدا النسب،
والقضاء والنكاح والموت، إذ من شأنها أن
تستفيض استفاضة يحصل بها القطع لا
الظن ، ورابع الأقوال عكس السابق، لاتقبل
إلا في النسب والقضاء، والنكاح والموت (١).
والثالثة : لابن شاس، وابن الحاجب،
وجمهور الفقهاء قالوا : إنها تجوز في مسائل
معدودة، أوصلها بعضهم إلى عشرين،
وبعضهم إلى إحدى وعشرين ، وبعضهم
إلى اثنتين وثلاثين وأنهاها أحدهم إلى
تسع وأربعين (٢).
منها : النكاح ، والحمل ، والولادة ،
والرضاع ، والنسب ، والموت ، والولاء .
والحرية ، والأحباس ، والضرر، وتولية
القاضي وعزله ، وترشيد السفيه ، والوصية ،
وفي الصدقات ، والأحباس التى تقادم
أمرها ، وطال زمانها ، وفي الإِسلام والردة ،
والعدالة ، والتجريح ، والملك للحائز (٣).
(١) البيان والتحصيل ١٥٣/١٠، ١٥٤.
(٢) المصدر السابق ص ١٠١، ١٠٢ .
(٣) القوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٠٥ دار القلم بيروت
ط ١ س ١٩٧٧ م، تبصرة الحكام ٣٤٩/١، الكافي
لابن عبد البر ٩٠٣/٢ - ٩٠٦ مواهب الجليل ١٩٢/٦
- ١٩٤ مع التاج والإكليل، تهذيب الفروق ١٠١/٤ -
١٠٢، جواهر الإكليل ٢٤٢/٢، ٢٤٣، التاودي مع =
أما بقية الأئمة فقد أجمعوا على صحة
شهادة التسامع في النسب والولادة
للضرورة ، قال ابن المنذر: أما النسب ،
فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه ، ولو
منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به ، إذ
لاسبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن
المشاهدة فيه ، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف
أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه (١).
1
واختلفوا فيما وراء ذلك : فقال الحنابلة
وبعض أصحاب الشافعي : تجوز -
بالإِضافة إلى المسألتين الأوليين - في تسعة
أشياء : النكاح ، والملك المطلق ، والوقف
ومصرفه ، والموت ، والعتق-، والولاء ،
والولاية ، والعزل ، معللين رأيهم بأن هذه
الأشياء تتعذر الشهادة عليها غالبا
بمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها ، فلو لم تقبل
فيها الشهادة بالتسامع لأدى ذلك إلى الحرج
والمشقة ، وتعطيل الأحكام وضياع
الحقوق (٢).
ويرى البعض الآخر من أصحاب
الشافعي : أنها لاتقبل في الوقف ، والولاء ،
والعتق والزوجية ؛ لأن الشهادة ممكنة فيها
= التسولي على تحفة ابن عاصم جـ ١ ص ١٣٢ - ١٣٧.
(١) المغني مع الشرح الكبير ٢٤/٢.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٢٤/١٢.
- ٢٣٥ -
:

شهادة ٣٧ - ٣٨
بالقطع حيث أنها شهادة على عقد كبقية
العقود (١).
وقال أبو حنيفة : لاتصح إلا في النكاح
والموت والنسب ، ولاتقبل في الملك المطلق ،
لأن الشهادة فيه لاتخرج عن كونها شهادة
بمال ، وما دام الأمر كذلك فهو شبيه
بالدَّين ، والدَّين لاتقبل فيه شهادة السماع ،
وأما صاحباه فقد نصا على قبوها في الولاء مثل
عكرمة مولى ابن عباس (٢).
شهادة التوسم :
٣٨ - قال ابن فرحون : التوسم مأخوذ من
الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير
یکون علامة يستدل بها . قال ابن حبيب في
الواضحة قال لي مطرف وابن الماجشون : في
القوافل والرفاق تمر بأمهات القرى والمدائن
فتقع بينهم الخصومة عند حاكم القرية أو
المدينة التى حلوا بها ، أو مروا بها ، فإن
مالکا وجميع أصحابه أجازوا شهادة من شهد
منهم لبعضهم على بعض ، ممن جمعه ذلك
السفر، ووجهة تلك المرافقة وان لم يعرفوا
بعدالة ولا سخطة إلا على التوسم لهم بالحرية
والعدالة وذلك فيما وقع بينهم من المعاملات
في ذلك السفر خاصة من الأسلاف
(١) نفس المصدر السابق .
(٢) بدائع الصنائع ٢٦٦/٦، ٢٦٧، المغني مع الشرح
الكبير ٢٤/١٢ .
والأكرية ، والبيوع ، والأشربة ، كانوا من
أهل بلد واحد ، أو من أهل بلدین متی کان
المشهود عليه والمشهود له من أهل القرية ، أو
المدينة التى اختصموا فيها ، أو معروفا من
غيرها إذا كان ممن جمعه وإياهم ذلك
السفر، وكذلك تجوز شهادة بعضهم لبعض
علی کټهم في کل ماعملوه به وفيه وعليه في
ذلك السفر قالا ( أي : مطرف وابن
الماجشون ) : وإنما أجيزت شهادة التوسم
على وجه الاضطرار مثل ما أجيزت شهادة
النساء وحدهن فيما لا يحضره الرجال ، ومثل
ما أجيزت شهادة الصبيان بينهم في
الجراحات . قالا : ولا تجوز شهادة التوسم
في كل حق كان ثابتا في دعواهم قبل
سفرهم ، إلا بالمعرفة والعدالة .
قال ابن الماجشون : ولا يمكن المشهود
عليه من تجريح هؤلاء الشهود ، لأنهم إنما
أجيزوا على التوسم فليس فيهم جرحة إلا أن
یستريب الحاکم فیھم قبل حکمه بشهادتهم
بسبب قطع يد ، أو جلد في ظهر فلیتثبت في
توسمه ، فإن ظهر له انتفاء تلك الريبة ،
وإلا أسقطهم . قال : ولو شهد شاهد
وامرأة ، أو عدل ، وتوسم فيهم أن هؤلاء
الذين قبلوا بالتوسم عبيد أو مسخوطون ،
فإن کان قبل الحكم تثبت في ذلك : وإن
کان بعد الحکم بهم فلا يرد شيء من ذلك إلا
- ٢٣٦ -

شهادة ٣٨ - ٤١
أن يشهد عدلان : أنهما كانا عبدين أو
مسخوطين قال : ولا يقبل بعضهم على
بعض في سرقة ، ولا زنا ، ولا غصب ، ولا
تلصص ، ولا مشاتمة ، وإنما أجيزت في المال
في السفر للضرورة .
قال ابن الفرس في أحكام القرآن ،
وحكى ابن حبيب ذلك يعنى شهادة التوسم
عن مالك وأصحابه ، وهو خلاف ظاهر قول
ابن القاسم ، وروايته عن مالك أنه ، لم يجز
شهادة الغرباء دون أن تعرف عدالتهم .
انتهى .
ثم قال ابن فرحون : ويمكن الجمع
بينهما أن الذى رواه ابن القاسم في الغرباء
حيث لاتكون ضرورة مثل شهادتهم في
الحضر (١).
أخذ الأجرة على الشهادة :
٣٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: لايحل
للشاهد أخذ الأجرة على أدائه الشهادة إذا
تعينت عليه (٢)؛ لأن إقامتها فرض ، قال
تعالى: ﴿وأقيموا الشهادة الله﴾ (٣).
أما إذا لم تتعين عليه ، وكان محتاجا ،
وکان أداؤها يستدعي ترك عمله وتحمل
(١) تبصرة الحكام ٥/٢ - ٦ .
(٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ٦/١٢، الشرح
الكبير ٥/١٢، المغني ٩/١٢، أدب القضاء لابن أبي
الدم الشافعي ٤/٢ .
(٣) سورة الطلاق / ٢ .
المشقة ، فذهب جمهور الفقهاء إلى: عدم
جواز أخذ الأجرة عليها ، لكن له أجرة
الركوب إلى موضع الأداء (١). قال تعالى :
،(٢)
ولایضار كاتب ولاشهيد
وذهب بعض الشافعية والحنابلة إلى:
الجواز؛ وذلك لأن إنفاق الإِنسان على عياله
فرض عين ، والشهادة فرض كفاية ، فلا
يشتغل عن فرض العين بفرض الكفاية ،
فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين . ولأن
الشهادة وهي لم تتعین علیه يجوز أن يأخذ
عليها أجرة كما يجوز على كتب الوثيقة (٣).
تعديل الشهود :
٤٠ - لاخلاف بين الفقهاء في اشتراط
العدالة في الشاهد ، ولا في اعتبار العدالة
الحقيقية الحاصلة بالسؤال والتزكية ، ولكن
اختلفوا في الاكتفاء بالعدالة الظاهرة (٤).
وفي تفصيل ذلك ينظر مصطلح: (تزكية) .
تحلیف الشاهد اليمين :
٤١ - قال ابن القيم: حكي عن ابن وضاح،
وقاضي الجماعة بقرطبة، وهو محمد بن بشر: لأنه
حلف شهودا في تركة («بالله أن ماشهدوا به
(١) المراجع المذكورة، والدر المختار ٣٧٠/٤، وحاشية
الدسوقي ١٩٩/٤، والشرح الصغير ٢٨٥/٤.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢ .
(٣) المغني ١٩/١٢ ، والمهذب ٣٢٥/٢ .
(٤) الهداية ١١٨/٣، فتح القدير ١٢/٦، الفتاوى الهندية
٥٢٧/٣ .
- ٢٣٧ -
.... .

شهادة ٤١ - ٤٢
لحق)). وعن ابن وضاح أنه قال: أرى لفساد
الناس أن يحلّف الحاكم الشهود .
قال ابن القيم : وهذا ليس ببعيد . وقد
شرع الله سبحانه تحلیف الشاهدین إذا كانا
من غير أهل الملة على الوصية في السفر وكذا
قال ابن عباس بتحلیف المرأة إذا شهدت في
الرضاع وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
قال القاضي: لا يحلّف الشاهد على أصلنا
إلا في موضعين وذكر هذين الموضعين ، ثم
قال : قال شيخنا ( يعني ابن تيمية ) هذان
الموضعان قبل فيهما الكافر والمرأة وحدها
للضرورة ، فقياسه أن کل من قبلت شهادته
للضرورة استحلف (قال ابن القيم): وإذا
کان للحاكم أن یفرق الشھود إذا ارتاب بهم
فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم (١).
الشهادة على الشهادة :
٤٢ - قد لا يستطيع الشاهد المقبول الشهادة
أن يؤدي الشهادة بنفسه أمام القضاء ،
السفر، أو مرض ، أو عذر من الأعذار،
فَيَشْهِد على شهادته شاهدين تتوفر فيهما
الصفات التي تؤهلهما للشهادة ، ويطلب
منهما تحملها والإِدلاء بها أمام القضاء ، فيقوم
هذان الشاهدان مقامه ، في نقل تلك
الشهادة إلى مجلس القضاء بلفظها
(١) الطرق الحكمية ص ١٢٥ .
المخصوص في التحمل والأداء ، لأن الحاجة
تدعو إلى ذلك فلا تقبل الشهادة على الشهادة
إلا عند تعذر شهود الأصل باتفاق الفقهاء .
ويشترط الشافعية والحنابلة دوام تعذر
شهود الأصل إلى حين صدور الحكم ، فمتى
أمكنت شهادة الأصول قبل الحكم وقف
الحكم على سماعها ، ولو بعد سماع شهادة
الفروع ، لأنه قدر على الأصل فلا يجوز
الحكم بالبدل .
ومما يجیز للشاهد أن يشهد على شهادته أن
يخاف الموت فيضيع الحق .
هذا على وجه العموم ، وإن كانت آراء
الفقهاء متباينة فيما يجوز من الشهادة على
الشهادة وما لا يجوز .
فقد ذهب مالك ، وأبو ثور، وهو أحد
قولي الشافعي : إلى أن الشهادة على الشهادة
جائزة في سائر الأمور مالا أو عقوبة (١).
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها: جائزة في
كل حق لايسقط بشبهة ، فلا تقبل فيما
يندرىء بالشبهات كالحدود والقصاص (٢).
قال الحنفية وإنما قلنا بذلك استحسانا .
وجه القیاس أنها عبادة بدنية ولیست حقا
(١) المدونة الكبرى ١٥٩/٥، تبصرة الحكام (على هامش
فتح العلي المالك) ٣٥٣/١، والمهذب ٣٣٩/٢،
ومنتهى الإرادات ٥٦٠/٣ .
(٢) الهداية ١٢٩/٣، ١٣٠، الفتاوى الهندية ٥٢٣/٣،
المغني ١٢ /٨٧، الشرح الكبير ١٠٢/١٢.
- ٢٣٨ -

شهادة ٤٢ - ٤٣
للمشهود له والنيابة لاتجزىء في العبادة
البدنية ، ووجه الاستحسان أن الحاجة ماسة
إليها، إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء
الشهادة لمرض أو موت أو بعد مسافة ، فلو
لم تجز الشهادة على الشهادة أدى إلى ضياع
الحقوق ، وصار ككتاب القاضي إلى
القاضي (١).
وذهب الشافعية إلى: جواز تحمل الشهادة
على الشهادة وأدائها ، وإلى قبول الشهادة
على الشهادة لعموم قوله تعالى : ﴿ وأشهدوا
ذوي عدل منكم ﴾ ولأن الحاجة تدعو إليها؛
لأن الأصل قد يتعذر، ولأن الشهادة حق لازم،
فيشهد عليها كسائر الحقوق، ولأنها طريق
یظهر الحق کالإِقرار فیشهد علیھا، لكنها إنما
تقبل في غير عقوبة مستحقة لله تعالى، وغير
إحصان ، كالأقارير ، والعقود، والنسوخ،
والرضاع، والولادة، وعيوب النساء. سواء في ذلك
حق الآدمي وحق الله تعالى كالزكاة ، وتقبل
في إثبات عقوبة الآدمي على المذهب
كالقصاص، وحد القذف . أما العقوبة
المستحقة لله تعالى كالزنى ،وشرب الخمر، فلا
تقبل فيها الشهادة على الشهادة على
الأظهر (٢) .
(١) تبين الحقائق ٢٣٨/٤.
(٢) مغني المحتاج ٤٥٢/٤، ٤٥٣، وانظر مختصر المزني
٢٥٨/٥، المهذب ٣٣٨/٢، مغني المحتاج ٤٥٣/٤.
٤٦ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه : إذا
شهد شاهد واحد على شهادة أحد الشاهدین،
وشهد آخر على شهادة الشاهد الثاني، لم يجز
ذلك ، لأنه إثبات قول بشهادة واحد .
خلافا للحنابلة فإنهم يجوزون الشهادة على
هذه الصورة (١) .
وإن شهد شاهدان على شهادة شاهد، ثم
شهدا على شهادة الشاهد الثاني في القضية
نفسها ، فقد ذهب الحنفية والحنابلة - وهو
قول عند الشافعية - إلى جواز ذلك (٢).
مستدلين بقول علي - رضي الله تعالى عنه - :
(( لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة
رجلين)) (٣).
والقول الثاني : عند الشافعية: أنه يشترط
لكل من الأصلين اثنان ، لأن شهادتهما على
واحد قائمة مقام شهادته ، فلا تقوم مقام
شهادة غيره .
٤٣ - ولا يصح تحمل شهادة مردود الشهادة ؛
لسقوطها .
(١) المهذب ٣٣٨/٢، شرح منتهى الإرادات ٥٦٠/٣،
وتبين الحقائق للزيلعي ٢٣٧/٤، ٢٣٨، تبصرة الحكام
٢٨٢/١ .
(٢) الهداية ٣/ ١٣٠، المبسوط ١٣٨/١٦، فتاوى قاضيخان
(مطبوعة على هامش الفتاوى الهندية) ٤٨٥/٢، المغني
٩٥/١٢ - ٩٦.
(٣) قول علي رواه عبد الرازق في المصنف (المصنف :
٣٣٩/٨ الحديث. ١٥٤٥) وانظره في نصب الراية
٨٧/٤ والدراية ١٧٣/٢، ضمن تخريج الحديث ٨٣٥.
- ٢٣٩ -

شهادة ٤٣ - ٤٤
وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه: لايصح
تحمل النسوة للشهادة على الشهادة ؛ لأن
شهادة الفرع تثبت الأصل لا ما شهد به ،
ولأن التحمل ليس بمال ولا المقصود منه
المال ، وهو مما يطلع عليه الرجال فلم يقبل
فيه شهادة النساء كالنكاح .
وذهب المالكية إلى جواز شهادة النساء
على شهادة غيرهن ، فيما تجوز فيه
شهادتهن ، إن کان معهن رجل ، ومنع من
ذلك أشهب، وعبد الملك مطلقا ، وأجاز
أصبغ نقل امرأتین عن امرأتین فیما ينفردن
به . قال ابن رشد : وقال ابن القاسم:
لا يجزىء في ذلك إلا رجل وامرأتان ، ولا
تجزىء فيه النساء ، ولا تجوز شهادة النساء
على شهادة رجل ، ولو كن ألفا ، إلا مع
رجل ؛ لأن الشهادة لاتثبت إلا برجلين أو
رجل وامرأتين .
وذهب الحنابلة : إلى صحة شهادة النساء ،
حيث يقبلن في أصل وفرع ، وفرع فرع ،
لأن المقصود إثبات مایشهد به الأصول فدخل
فيه النساء ، فیقبل رجلان على رجل واحد
وامرأتين ، ويقبل رجل وامرأتان على مثلهم أو
رجلین أصلین أو فرعين في المال وما يقصد
به ، وتقبل امرأة على امرأة فيما تقبل
فيه المرأة (١) .
(١) تبيين الحقائق ٢٣٨/٢، مغني المحتاج ٤٥٤/٤، =
٤٨ - وإذا فسق الشاهد الأصیل أو ارتد ، أو
نشأت عنده عداوة للمشهود عليه امتنع
القاضي من قبول شهادة الفرع ، لسقوط
شهادة الأصل (١). ولو حدث الفسق أو الردة
بعد الشهادة وقبل الحكم امتنع الحكم .
الاسترعاء في الشهادة على الشهادة :
٤٤ - ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط الاسترعاء
في الشهادة على الشهادة ، والاسترعاء هو:
طلب الحفظ ، أي : بأن يقول شاهد
الأصل لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي
واحفظها، فللفرع ومن سمعه يقول ذلك، أن
يشهد على شهادته ولو لم يخصه بالاسترعاء ،
واستثنوا من ذلك ما إذا سمع شاهد الفرع
الأصل شهادة الشاهد الأصل أمام
القاضي ، فإنه يجوز له أن یشهد على شهادته
وإن لم يسترعه .
واستثنى الشافعية والحنابلة أيضا ما إذا
سمع الفرع الأصل يذكر سبب الحق بأن
يقول : أشهد أن لفلان على فلان ألفا من
ثمن مبيع أو كقرض أو غير ذلك .
= المهذب ٣٨٨/٢، تبصرة الحكام ٢٨٣/١ ط: دار
الكتب العلمية - لبنان، وشرح منتهى الإرادات
٠٥٦١،٥٦٠/٣
(١) انظر المبسوط ١٣٩/١٦، الفتاوى الهندية ٥٢٥/٣،
وفتاوى قاضيخان ٤٨٥/٢، الفتاوى البزازية (على
هامش الفتاوى الهندية) ٢٩٥/٥، تبصرة الحكام
٣٥٤/١، ومغني المحتاج ٤٥٤/٤، وشرح منتهى
الإرادات ٥٦٠/٣ .
- ٢٤٠ -